← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وتعاقدا في ذاك المجلس على البيع على أن هذا له الشاة وهذا له المائة دينارمؤجلاً، لا المائة دينار موجودة ولا الشاة موجودة فكلاهما غائب مؤجل فصار دين بدين، الثمن والمبيع. هذا البيع باطل بالإجماع، فإذا حضر الثمن أو المبيع مجلس العقد وقبض في المجلس صح البيع؛ إذا دُفعت المائة دينار في المجلس ثم سلَّمه بعد ذلك الشاة، صح البيع إذا كانت الشاة معلومة للمشتري غير مجهولة، أو سلَّمه الشاة، وأخر تسليم المال صح البيع، لكن أن تكون الشاة مؤجلة وتكون المائة دينار أيضاً مؤجلة هذا لا يجوز. ورد فيه حديث عن النبي ﷺ «أنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ «(١) أخرجه الحاكم وغيره، ولكن الإمام أحمد ﵀ ضعَّف هذا الحديث، ونقل الاتفاق على تحريم ذلك (٢). وأما ما اشتراه قبل قبضه. فيحرم بيع الشيء قبل قبضه؛ لأن النبي ﷺ «نهى أن تُباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم «(٣) رواه زيد بن ثابت عن النبي ﷺ ، أي؛ حتى تقبض بنقلها من مكانها. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال»: أما الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ؛ فهو الطعام المباع حتى يُقبض، قال ابن عباس: ولا أحسِب كل شيء إلا مثله» (٤). كل شيء مثل الطعام فليس النهي خاصاً بالطعام كما ذهب إليه بعض أهل العلم. ابن عباس يقول: وأحسب كل شيء مثله، ويؤكد ما ذهب إليه ابن عباس حديث حكيم بن حزام قال قلت: يا رسول الله، إني أشتري بيوعاً، فما يحل لي منها، وما يحرم عليّ؟ فقال: «إذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه» (٥) هذا لفظ عام في الطعام وفي غيره. قال البيهقي: هذا إسناد حسنٌ متصل. وقال الترمذي ﵀: والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم: كرهوا أن يبيع الرجل ما ليس عنده. قلت: والحديث المتقدم: حديث زيد بن ثابت؛ يقوي هذا المعنى. فإذا ذهبت إلى البنك وأردت أن تشتري منه سيارة، فيقول لك: اذهب إلى معرض السيارات وعين السيارة التي تريدها وأحضر لنا فاتورة بثمن، فتذهب إلى المعرض وتأتي لهم بثمن السيارة أن ثمنها عشرة آلاف دينار وتعينها لهم، فيبيعك البنك هذه السيارة بعشرين ألفاً،

стр. 387

والسيارة مكانها في المعرض، حتى وإن كان البنك قد وقَّع عقداً مع المعرض على أن يشتري هذه السيارة، لا يكفي؛ لأنه لم يقبض السيارة، والنبي ﷺ نهى عن بيع الشيء حتى يُقبض، وإن تم العقد بينه وبين صاحب المعرض، وإن تم الشراء بينه وبينه إلا أن القبض لم يتحقق، فالسيارة لا زالت في المعرض لم يخرجها، ولا يتحقق القبض في هذه الحالة حتى يخرجها البنك من المعرض، فإن باعها بعد ذلك من غير أن يُلزم المشتري بأي نوع من الإلزام قبل ذلك فيجوز وإلا فلا. ومهم أن نعلم أن الشراء شيء والقبض شيء آخر، عقد الشراء إذا جئت للشخص وقلت له: أريد أن أشتري منك سيارتك، وقال لك: بعتك وهو استلم المال، تم العقد بينهما، فإذا تفرقا لزم البيع لا يجوز لأحدهما أن يرجع فيما عقده مع الآخر، لكن مسألة القبض مسألة زائدة. كيف يتم التقابض الآن؟ الأشياء المباعة: إما أن تنقل؛ كالسيارة مثلاً، أو الطعام، فإذا أخرجها المشتري من المكان الخاص بالبائع يكون قد قبَضَها، قبْضُها يكون بنقلها من المكان الذي يختص بالبائع. وإما أنها لا تنقل؛ كالعقارات والأراضي، فهذه تقبض بالتَّخْلِيَة، ومعنى التخلية أن تسلمني مفتاح البيت وتخلي بيني وبينه أتصرف به كما أشاء، بحيث أتمكن من الانتفاع به فيما يُقصد منه. فالبيت يقصد للسكنى فتمكنني من سكناه، والأرض تقصد للبناء أو للزراعة فتمكنني من بنائها أو زرعها. وكل شيء بعد ذلك قبضه على حسب العرف ما عُدّ في العرف قبضاً فهو قبض. وحكمة النهي عن بيع السلع قبل قبضها، إغلاق الطريق على المتحايلين على الربا، كما يحدث الآن في كثير من البنوك الإسلامية، فهو سد للذريعة. وكذلك قبل القبض تكون السلعة في ضمان البائع إلى أن يقبضها المشتري، فإذا هلكت أوعدمت يكون ضمانها على البائع، فإذا باعها المشتري يكون باع ما لم يضمن، يكون باع ما لم يتحمل تبعاته. وأما الطعام الذي يجري فيه الصاعان، فقد ورد فيه حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه» نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، صاع البائع وصاع المشتري «(١). قالوا معنى ذلك: إذا باع الطعام بالكيل؛ فلا يجوز لمن اشتراه أن يبيعه بالكيل الأول بل لابد أن يكال ثانية عند بيعه.

стр. 388

هذا ما بيع بالكيل، وأما ما بيع مجازفة أي من غير كيل ولا وزن؛ فيجوز بيعه من غير كيل ولا وزن. قال المؤلف ﵀: (ولا يجوزُ الاستِثنَاءُ في البيعِ إلا إذا كان مَعلُوماً، ومنه استثناءُ ظَهرِ المَبِيع) صورة المسألة أن تقول لرجل مثلاً: بعتك عبيدي إلا عبداً، أو بعتك سياراتي إلا سيارة، الآن العبد هذا المستثنى مجهول، السيارة التي استُثنيت مجهولة، ففيه غرر، حتى يكون المستثنى معلوماً، عندها يجوز، فإذا قلتَ: بعتك عبيدي إلا زيداً، وزيد هذا أحد عبيدك وهو معلوم، فمثل هذا الاستثناء جائز إذ لا غرر فيه. قال المؤلف: ومنه استثناء ظهر المَبيع، أي من الاستثناء المعلوم الجائز؛ استثناء ظَهر المبيع؛ كأن يكون عندك جمل أو سيارة، تبيع هذا الجمل لشخص، تقول له: ولكن أشترط أن أركب ظهر الجمل من هذا المكان إلى البيت الفلاني أو إلى المدينة الفلانية، هذا استثناء من البيع، استثناء منفعة، ولكنه استثناء معلوم. دليل هذا حديث جابر عند مسلم في صحيحه «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثُّنَيّا» (١)، بيع الثُّنَيّا يعني الاستثناء في البيع، كالمثال المتقدم: بعتك عبيدي إلا عبداً، استثناء شيء مجهول. وعند أبي داود زيادة: » إلا أن يُعلم «(٢). يعني إلا أن يكون المستثنى معلوماً. والدليل على أن استثناء ظهر المبيع - أي الركوب على ظهر الدابة للسفر أو النقل أو غير ذلك- جائز؛ حديث جابر في الصحيحين «أنه باع النبي ﷺ جملاً، وقال: فاستثنيت حُملانَه إلى أهلي» (٣). جابر يقول: بعت الجمل للنبي ﷺ واستثنيت حُمْلانَه إلى أهلي، يعني قلت للنبي ﷺ : أشترط أن يحملني هذا الجمل إلى أهلي وكانوا في الطريق إلى المدينة. وفيه: قال له النبي ﷺ »: لك ظهره إلى المدينة «. يعني لك أن تركبه وأن يوصلك إلى المدينة، ففي هذا الحديث اشترط جابر ﵁ شيئاً معلوماً إلى وقتٍ معلوم، فيجوز مثل هذا الاستثناء، أما إذا كان الاستثناء غير معلوم فلا يجوز ويدخل في النهي. قال المؤلف ﵀: (ولا يجوزُ التفريقُ بين المَحَارمِ، ولا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، والتَّناجُشُ، والبَيعُ على البَيعِ، وتَلَقِّي الرُّكبَانِ، والاحتِكارُ، والتَّسْعِيرُ) هذه مجموعة من البيوع المحرمة لعلل مختلفة.

стр. 389

قال: ولا يجوز التفريق بين المحارم. أي عند بيع العبيد والإماء المملوكين، كأن يفرِّق الشخص بين الأختين أو بين الأخوين أو بين الأم وابنها أو بين الأب وابنه، هؤلاء كلهم من المحارم فلا يجوز التفريق بينهم على ما ذهب إليه المؤلف ﵀. استدل المؤلف ومن قال بقوله بقول النبي ﷺ : «مَنْ فرَّق بين والدة وولدها فرَّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة «(١) أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما من حديث أبي أيوب الأنصاري وهو حديث ضعيف. وكذا حديث علي» أمرني النبي ﷺ أن أبيع غلامين أخوين، فبعتهما وفرَّقت بينهما، فذكرت ذلك له فقال: أدركهما فارتجعهما ولا تبعهما إلا جميعاً «(٢) يعني مع بعضهما لا تفرِّق بينهما. أخرجه أحمد وابن خزيمة والحاكم وغيرهما وهو ضعيف أيضاً. وفي حديث أبي موسى قال: » لعن رسول الله ﷺ من فرَّق بين الوالدة وولدها وبين الأخ وبين أخيه «(٣) أخرجه ابن ماجه وهو ضعيف. ورويت أحاديث أخرى مرفوعة. والخلاصة أنه لا يصح عندي شيء في هذا الباب عن النبي ﷺ . ولكن نقل أهل العلم اتفاق الفقهاء على منع البيع الذي يؤدي إلى التفريق بين الأم وولدها الصغير، التفريق بين الأم وولدها الصغير وليس بين المحارم كلهم، لم يتفقوا على هذا، إنما الاتفاق حصل فقط على منع التفريق بين الأم وابنها الصغير في البيع رحمة به لحاجته إليها. قال ابن المنذر ﵀ في كتابه «الأوسط» وهو من أنفس كتب الفقه الذي يسمى اليوم بالفقه المقارَن، فقه مبني على طريقة أهل الحديث، فقه سلفي بمعنى الكلمة. قال: وأجمع كل مَنْ نحفظ عنه من أهل العلم على التفرقة بين الولد وبين أمه، والولد طفلٌ

стр. 390

لم يبلغ سبع سنين ولم يستغنِ عن أمه؛ غير جائز (١). هذه الصورة المتفق عليها، أن الولد إذا كان أقل من سبع سنين ولم يستغنِ عن أمه في الطعام والشراب والملبس فيحتاج إليها في كل هذا، هنا لا يجوز التفريق بينه وبين أمه عند البيع، هذا محل اتفاق، فإذا وقع البيع فالبيع باطل. واختلفوا في السن التي يجوز التفريق بعدها، وما اتفقوا عليه هو أن الولد إذا كان لا يزال لا يستغني عن أمه في الطعام والشراب والملبس فلا يجوز التفريق بينهم، وذكر ابن المنذر أن ذلك إلى السنة السابعة، واختلفوا بعد ذلك، فمن قائل إلى البلوغ ومن قائل حتى بعد البلوغ، أقوال. ما أجمعوا عليه نقول به أنه لا يجوز التفريق بين الأم وولدها إلى السن السابعة؛ لأن الولد لا يستغني عن أمه في هذه السن، وبعد ذلك مَنْ أتى بقولٍ فعليه بدليله، فلا يؤخذ بقولٍ بلا دليل، هذا الدليل معنا في الإجماع على أن سن السابعة لا يجوز التفريق بينه وبين أمه إليها، لكن من سن السابعة نقول يجوز متى صار قادراً على خدمة نفسه؛ لعدم الدليل المانع من ذلك. أما مسألة المحارم فهذا كما ذكرنا الأحاديث الواردة فيها ضعيفة لا تصح فلا يُعتمد عليها. قال المؤلف ﵀: ولا أن يبيعَ حاضرٌ لِبادٍ. الحاضر هو المدني، المقيم في المدينة، والبادي نسبة إلى البادية، والمراد القادم من البادية ليبيع سلعته، فالحاضر في المدينة لا يبيع لشخص جاء من خارج المدينة لبيع سلعته. صورة المسألة: أن يحمل البدوي متاعه إلى بلد يريد أن يبيعه بسعر يومه، فيأتيه الحاضر فيقول له: ضع متاعك عندي واتركه أبيعه لك شيئاً فشيئاً بثمنٍ أغلى من السعر الذي ستبيع به؛ لأن الذي يأتي من الخارج يريد أن يبيع ويرجع إلى أهله، فيضطر أن يبيع بأقل من سعر السوق، فإذا أخذ الحاضر البضاعة من هذا الشخص وباعها له سيبيعها بسعر السوق وربما أغلى، ويصير سمساراً له، هذا الذي نهي عنه. قال ابن عباس ﵁: لا يكون له سمساراً (٢). وهذا يشمل كل من جاء من خارج البلد فالعلة تشملهم جميعاً. جاء في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال»: لا يبِع حاضر لباد «(٣). وفي حديث ابن عمر قال: » نهى النبي ﷺ أن يبيع حاضر لباد «(٤).

стр. 391

قال الترمذي ﵀ (١٢٢٣): «والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: كرهوا أن يبيع حاضر لباد، ورخص بعضهم في أن يشتري حاضر لباد. وقال الشافعي: يكره أن يبيع حاضر لباد، وإن باع فالبيع جائز».انتهى والعلة بيَّنها النبي ﷺ . في حديث جابر عند مسلم أشار النبي ﷺ إلى علة النهي فقال»: لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض «(١). فكانت العلة عند أهل العلم: نفع أهل البلد، ودفع الضرر عنهم برُخص الأثمان والتوسعة في السِّعر؛ لأن المصلحة الخاصة إذا تعارضت مع المصلحة العامة، قدمت المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. قال ابن قدامة في المغني (٤/ ١٦٢، مسألة ٣١٠٤): والمعنى في ذلك: أنه متى ترك البدوي يبيع سلعته، اشتراها الناس برخص، ويوسع عليهم السعر، فإذا تولى الحاضر بيعها، وامتنع من بيعها إلا بسعر البلد؛ ضاق على أهل البلد، وقد أشار النبي ﷺ في تعليله إلى هذا المعنى. انتهى قال المؤلف ﵀: والتَّناجُش. التناجش من النَّجْش وأصله الاستثارة، أثاره فاستثار. وهو أن يزيد الرجل في ثمن السلعة ولا يريد شراءها ولكن ليَسمعه غيره فيزيد على زيادته. بعضهم يفعل هذه الحيلة، اثنان يتفقان مع بعضهما، أحدهما يضع السلعة يبيعها، ويرى الناس مجتمعين عنده فيذهب الآخر ويضع ثمناً في للسلعة هو لا يريد أن يشتري ولكن يريد من الناس أن يضعوا ثمناً أعلى من الثمن الذي وضعه هو. هذا هو بيع النجش، هذا فيه خداع واضح لذلك نهي عنه، وهو محرَّم. والمشتري المخدوع إذا اشترى سلعة تعرض فيها لهذا الفعل فهو مخيَّر، إن شاء أخذ السلعة وإن شاء ردها. جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يُتلقى الركبان لِبَيْع، ولا يبع بعضكم على بعض، ولا تناجشوا .... » (٢) الحديث. قال ابن قدامة في المغني (٥/ ١٨): «(والنجش منهي عنه، وهو: أن يزيد في السلعة، وليس هو مشترياً لها).

стр. 392

النجش: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، ليقتدي به المستام، فيظن أنه لم يزد فيها هذا القدر إلا وهي تساويه، فيغتر بذلك، فهذا حرام وخداع، قال البخاري: الناجش آكل ربا خائن، وهو خداع باطل لا يحل. وروى ابن عمر «أن رسول الله ﷺ نهى عن النجش»، وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد» متفق عليهما. ولأن في ذلك تغريراً بالمشتري، وخديعة له، وقد قال النبي ﷺ : «الخديعة في النار». فإن اشترى مع النجش، فالشراء صحيح، في قول أكثر أهل العلم، منهم الشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد أن البيع باطل، اختاره أبو بكر، وهو قول مالك؛ لأن النهي يقتضي الفساد .... ». انتهى ولكن ابن عبد البر نقل عن الإمام مالك خلاف ذلك، فقال في التمهيد (١٣/ ٣٤٨): وأما النجش فلا أعلم بين أهل العلم اختلافاً في أن معناه: أن يعطي الرجل الذي قد دسه البائع وأمره، في السلعة عطاء - لا يريد شراءها به- فوق ثمنها؛ ليغتر المشتري فيرغب فيها أو يمدحها بما ليس فيها، فيغتر المشتري حتى يزيد فيها أو يفعل ذلك بنفسه، ليغر الناس في سلعته، وهو لا يعرف أنه ربها. وهذا معنى النجش عند أهل العلم، وإن كان لفظي ربما خالف شيئاً من ألفاظهم، فإن كان ذلك فإنه غير مخالف لشيء من معانيهم. وهذا من فعل فاعله مكر وخداع لا يجوز عند أحد من أهل العلم؛ لنهي رسول الله ﷺ عن النجش، وقوله (لا تناجشوا). وأجمعوا أن فاعله عاصٍ لله إذا كان بالنهي عالماً. واختلف الفقهاء في البيع على هذا إذا صح وعلم به؛ فقال مالك: لا يجوز النجش في البيع، فمن اشترى سلعة منجوشة فهو بالخيار إذا علم، وهو عيب من العيوب. قال أبو عمر: الحجة لمالك في قوله هذا عندي: أن رسول الله ﷺ جعل لمشتري المصراة الخيار إذا علم بعيب التصرية ولم يقض بفساد البيع، ومعلوم أن التصرية نجش ومكر وخديعة؛ فكذلك النجش يصح فيه البيع، ويكون المبتاع بالخيار من أجل ذلك قياساً ونظراً. والله أعلم قال المؤلف ﵀: والبيع على البيع. لمِا جاء في حديث أبي هريرة المتقدم قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يُتلقى الركبان لِبَيْع، ولا يبع بعضكم على بعض، ولا تناجشوا .... » الحديث. وفي رواية: » ولا يبع الرجل على بيع أخيه «(١).

стр. 393

قال أهل العلم: وذلك إذا تقاربا وركن البائع إلى السائم؛ أي جاء شخص يسوم السلعة، يعني يعطي فيها سعراً، يقول أنا أشتري منك هذه بعشرة دنانير، والبائع قال له: اجعلها أكثر من ذلك، حتى صار بينهم توافق في السعر، وركنا إلى بعضهما، وقاربا على إتمام العقد، في هذه الحالة لا يجوز لأحد أن يأتي ويدخل بينهما ويضع سعراً جديداً للسلعة، أو يعرض سلعة أخرى على المشتري، وإذا لم يتم التوافق ولا يزال بينهم تفاوض على السعر ولا يوجد بوادر اتفاق؛ فجائز. وجوَّزوا أن يأتي شخص مثلاً ويضع سعراً في السلعة دون أن يكون بينهما تقارب؛ جمعاً بين الأدلة، فقد ثبت جواز بيع المزايدة. وبيع المزايدة، يعني بيع الشيء فيمن يزيد، تأتي بسلعة تقول: أعطي فيها عشر دنانير، من يزيد؟ يقول آخر: أزيد خمسة عشر. يقول ثالث: عشرين ... وهكذا حتى يستقر الثمن عند من يدفع أكثر؛ هذا جائز عندهم. ذكر أدلة جوازه الإمام البخاري ﵀ في «صحيحه» (١): بوَّب عليه باب بيع المزايدة. وذكر فيه قول عطاء: أدركت الناس لا يرون بأساً ببيع المغانم فيمن يزيد. فإذا جاز وهو من بيع بعضهم على بعض؛ لأن أحدهم يضع في السلعة سعراً بعد أن وضع أخوه سعراً لشرائها، لكن قالوا هذا غير داخل في النهي؛ لأنه قد جاز بيع المزايدة، فخصوا النهي في الصورة التي ذكرناها جمعاً بين الأدلة. قال الإمام مالك ﵀ في «الموطأ» (البيوع: ٩٦): وتفسير قول رسول الله ﷺ ، فيما نرى - والله أعلم - لا يبع بعضكم على بيع بعض؛ أنه إنما نهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه إذا ركن البائع إلى السائم، وجعل يشترط وزن الذهب، ويتبرأ من العيوب، وما أشبه هذا مما يعرف به أن البائع قد أراد مبايعة السائم، فهذا الذي نهي عنه. والله أعلم. قال مالك: ولا بأس بالسوم بالسلعة تُوْقَف للبيع، فيسوم بها غير واحد. ولو ترك الناس السوم عند أول من يسوم بها؛ أُخِذت بشبه الباطل من الثمن، ودخل على الباعة في سلعهم المكروه، ولم يزل الأمر عندنا على هذا. انتهى وقال ابن المنذر في «الإقناع» (١/ ٢٥٣): ثبت أَنَّ رسول اللَّه ﷺ ، قال: «لا يبع بعضكم عَلَى بيع بعض». و«نهى أن يستام الرجل عَلَى سوم أخيه»، وذلك إذا تقاربا وركن البائع إِلَى السلعة ولم يبق إلا العقد، وإذا كان على غير ذلك؛ فجائز؛ للحديث الذي روينا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه «باع قدحاً وحلساً فيمن يزيد».انتهى

стр. 394

وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (١٣/ ٣١٨) بعدما بين مذهب مالك والشافعي في ذلك: ولا خلاف عن الشافعي وأبي حنيفة في أن هذا العقد صحيح وإن كره له ما فعل، وعليه جمهور العلماء. ولا خلاف بينهم في كراهية بيع الرجل على بيع أخيه المسلم وسومه على سوم أخيه المسلم، ولم أعلم أحداً منهم فسخ بيع من فعل ذلك؛ إلا ما ذكرت لك عن بعض أصحاب مالك بن أنس، ورواه أيضاً عن مالك، وأما غيره فلا يفسخ البيع عنده؛ لأنه أمر لم يتم أولاً وقد كان لصاحبه أن لا يتمه إن شاء ... انتهى. وقال ابن عثيمين ﵀: قال أهل العلم: العقد صحيح؛ لأن النهي هنا لا يعود إلى ذات المعقود عليه، وإنما يعود إلى أمر خارج وهو العدوان على المسلم فيكون العقد حراماً، ويدل على ذلك: أن هذا الذي باع على بيع أخيه لو أذن له الذي بيع على بيعه لكان العقد صحيحاً ولا شيء فيه، فإذاً يكون التحريم غير عائد إلى ذات المنهي عنه، ويكون العقد صحيحاً مع الإثم. انتهى قلت: علة النهي كما تبين من كلام أهل العلم: أنه ظلم، ويسبب الشحناء والعداوة بين المسلمين. والله أعلم قال ﵀: وتلقي الرُّكبان. تلقي الركبان كذلك لا يجوز، الركبان جمع راكب، وهم هنا: الذين جاءوا إلى السوق لبيع بضاعتهم فيه، والمقصود إذا جاء مثلاً خبر بقدوم قافلة للتجارة أو أحد من الناس لبيع بضاعته في السوق؛ فلا تذهبوا وتستقبلوها وتشتروا منها قبل أن تنزل إلى السوق؛ لأنهم قبل أن ينزلوا إلى السوق لا يعرفون الأسعار، وأنتم ربما عندما تستقبلونهم تأخذون منهم السلع بثمنٍ أقل من ثمنها في السوق. ومثل هذا لا يجوز. وعلة النهي: خداع الركبان. ودليل النهي: حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يتلقى الركبان لبيع» (١). هل يصح البيع إذا وقع: في رواية للحديث الذي تقدم: قال: » فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار» (٢) سيده: أي صاحب البضاعة، إذا جاء إلى السوق ووجد نفسه قد غُبِن أي خُدع، فله أن يرجع في البيع إذا أراد، فالعقد صحيح مع إثم المخالفة، وللبائع الخيار بين أن يفسخ العقد أو يقره إذا وجد نفسه قد خدع. والله أعلم

стр. 395

قال ابن قدامة ﵀ في المغني (٥/ ٢٢): قال: (ونهي عن تلقي الركبان)؛ فإن تُلُقُّوا، واشتُرِي منهم، فهم بالخيار إذا دخلوا السوق، وعرفوا أنهم قد غُبِنوا؛ إن أحبوا أن يفسخوا البيع فسخوا. روي أنهم كانوا يتلقون الأجلاب، فيشترون منهم الأمتعة قبل أن تهبط الأسواق، فربما غبنوهم غبناً بيناً، فيضرونهم، وربما أضروا بأهل البلد؛ لأن الركبان إذا وصلوا باعوا أمتعتهم، والذين يتلقونهم لا يبيعونها سريعاً، ويتربصون بها السِّعر، فهو في معنى بيع الحاضر للبادي، فنهى النبي ﷺ عن ذلك. وروى طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد»، وعن أبي هريرة مثله، متفق عليهما. وكرهه أكثر أهل العلم، منهم عمر بن عبد العزيز ومالك والليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق. وحكي عن أبي حنيفة أنه لم ير بذلك بأسا. وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع. فإن خالف، وتلقى الركبان، واشترى منهم، فالبيع صحيح في قول الجميع. وقاله ابن عبد البر. وحكي عن أحمد رواية أخرى، أن البيع فاسد لظاهر النهي. والأول أصح؛ لأن أبا هريرة روى أن رسول الله ﷺ قال: «لا تلقوا الجَلَب، فمن تلقّاه، واشترى منه، فإذا أتى السوق فهو بالخيار». رواه مسلم، والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح، ولأن النهي لا لمعنى في البيع، بل يعود إلى ضرب من الخديعة يمكن استدراكها بإثبات الخيار، فأشبه بيع المُصرّاة، وفارق بيع الحاضر للبادي، فإنه لا يمكن استدراكه بالخيار، إذ ليس الضرر عليه، إنما هو على المسلمين. فإذا تقرر هذا، فللبائع الخيار إذا علم أنه قد غُبِن. وقال أصحاب الرأي: لا خيار له. وقد روينا قول رسول الله ﷺ في هذا، ولا قول لأحد مع قوله. وظاهر المذهب: أنه لا خيار له إلا مع الغبن؛ لأنه إنما ثبت لأجل الخديعة ودفع الضرر، ولا ضرر مع عدم الغَبْن، وهذا ظاهر مذهب الشافعي، ويحمل إطلاق الحديث في إثبات الخيار على هذا؛ لعلمنا بمعناه ومراده؛ لأنه معنى يتعلق الخيار بمثله، ولأن النبي ﷺ جعل له الخيار إذا أتى السوق، فيفهم منه أنه أشار إلى معرفته بالغبن في السوق، ولولا ذلك لكان الخيار له من حين البيع. ولم يُقدّر الخِرقي الغبن المُثبِت للخيار، وينبغي أن يتقيد بما يخرج عن العادة؛ لأن ما دون ذلك لا ينضبط ... انتهى

стр. 396

قال المؤلف ﵀: والاحتكار. الاحتكار هو شراء السلعة وحبسها إلى أن يرتفع سعرها، هذا معنى الاحتكار، عرفه المالكية بقولهم: الادخار للمبيع وطلب الربح بتقلب الأسواق. والاحتكار محرَّم؛ لأن النبي ﷺ قال: » لا يحتكر إلا خاطئ «أخرجه مسلم (١). ولا فرق بين سلعة وأخرى، بما أن الناس يحتاجونها فلا يجوز احتكارها. وخص بعض أهل العلم التحريم بالقوت، وخصه في بعض البلاد دون بعض، والصحيح العموم في كل ما يضر بالسوق وفي كل موضع لظاهر الأدلة، وعليه الإمام مالك ﵀. قال ابن المنذر في الإشراف (٦/ ٥٤): وفيه قول ثان: وهو أن الاحتكار يحرم في كل موضع، في كل سلعة، هذا قول مالك. وعلة التحريم: دفع الضررِ عن الناس، والتضييقِ عليهم. بهذه العلة يقال: يجوز الاحتكار إذا لم يكن فيه ضرر على الناس وتضييق عليهم. والله أعلم ثم قال المؤلف ﵀: والتَّسعير. التسعير وضع سعر محدد للسلعة، معروف، كثير من الدول تتعامل به اليوم، يضعون لبعض السلع أسعاراً معيَّنة لا يجوزون مخالفتها، وهذا جاء فيه حديث عن أنس قال: قال الناس: يا رسول الله! غلا السعر فسعِّر لنا. فقال رسول الله ﷺ : » إن الله هو المسعِّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال «(٢). والتسعير عند أهل العلم ينقسم إلى قسمين: قسم يلجأ إليه ولاة الأمور لظلم الناس واحتكارهم، وهذا لا بأس به؛ لأنه من السياسة الحسنة، ورفع الظلم عن الناس. وقسمٌ آخر يكون سبب رفع الأسعار أمرٌ من عند الله ﵎ وليس فيه تصرف من قبل التجار ولا ظلم منهم، ولكن أمرٌ من عند الله، بسبب حرب حصلت أو قلة البضاعة في العالم أو ما شابه، مثل هذا مما لا يكون نتيجة تصرُّف التجار وظلمهم للناس، ففي هذه الحالة لا يجوز التدخل وتسعير البضاعة؛ لأنه في هذه الحالة ليس إزالة ظلم وقع، فتدخل

стр. 397

في الحديث المذكور. والله أعلم. قال المؤلف ﵀: (ويجبُ وَضعُ الجَوَائِحِ، ولا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبيعٌ، ولا شَرطَانِ في بيعٍ، ولا بيعتانِ في بيعةٍ، وربحُ ما لا يُضمَن، وبيعُ ما ليسَ عندَ البائِعِ. ويجوزُ بشَرطِ عَدمِ الخِدَاعِ، والخِيارُ في المَجلِسِ ثابتٌ ما لم يَتفرَّقَا) قال: ويجب وضع الجوائح. الجائحة: هي الآفة التي تهلك الثمار. ووضع الجوائح: يعني إذا باع شخص - مثلاً - إلى آخر ثمار شجرٍ، فأصابتها آفة فأفسدتها قبل أن يقطفها المشتري؛ وجب على البائع أن يرد المال للمشتري، ويتحمل هو الخسارة. دليل هذا القول ما أخرجه مسلم في صحيحه: «أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح» (١)، وفي رواية: » لو بعتَ من أخيك ثمراً، فأصابته جائحة؛ فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ ! «(٢). أي أخذك لمال أخيك في هذه الحالة منكر من غير وجه حق، من غير مقابل، فلذلك وجب على صاحب الثمار الأول الذي هو البائع أن يرد المال للمشتري. ولكن الجائحة المقصودة هاهنا هي الآفة السماوية، وهي ما لا صنع للآدمي فيها، كالريح والحر والبرد والجراد الذي يأتي ويأكل الزرع، هذه آفات سماوية لا صنع للآدمي فيها، فإذا كانت هذه الثمار قد بيعت ولم يتمكن المشتري من أخذها حتى أصيبت بالآفة، فإن المشتري يرجع على البائع بالثمن ويأخذ ما دفعه له. هذا إذا تلفت كل الثمار أو أكثر الثمار، أما إذا تلف القليل من الثمار فلا يُعتبر هذا التلف جائحة، كم قدر القليل من الثمار الذي إذا تلفت لا تعتبر جائحة؟ يُرجع في ذلك للعرف، عرف المزارعين هم الذين يعرفون ما المعتاد على تلفه من الثمار في كل سنة مثلاً، والتحديد يكون بناءً على العرف؛ لأنه لا يوجد حد شرعي يُرجع إليه ولا حد لغوي، فالتحديد يُرجع فيه إلى العرف. وقد علَّل العلماء ﵏ تضمين البائع جائحة الثمرة، مع أن الضمان على من صارت في ملكه هذا هو الأصل: بأن قبض الثمار على رؤوس الشجر بالتخلية قبض غير تام، والتخلية: أن يخلي بينه وبين الثمار كي ينتفع بها، فإذا خلّى بينه وبينها فيكون المشتري قد قبض الثمار، لكن هل هذا القبض قبض تام؟ هل صارت هذه الثمار في حوزته بالتخلية؟ لا؛ لا يزال بحاجة إلى قطفها كي تصبح في ملكه وفي قبضته بشكل تام، فالقبض غير تام.

стр. 398

قالوا: ولما كان القبض غير تام؛ ضُمِّن البائع ثمن الثمار إذا أصابتها جائحة، بهذا عللوا المسألة (١). أما إذا أصابت الثمار جائحة بفعل آدمي مثلاً، بفعل فاعل فإنه يخيَّر المشتري بين فسخ البيع مع زيد ومطالبة البائع بما دُفع من الثمن، ويرجع البائع على المتلف بالضمان، أو إمضاء البيع ومطالبة المتلف بدل ما أتلف، فهو مخيَّر بين فسخ العقد وبين إمضائه، فإذا فسخ العقد يكون ما أُتلف حق للبائع فيرجع به على من تسبب بالجائحة من الناس، وإذا لم يفسخ العقد وأتمه فيكون له هو الحق في الرجوع على المسبب (٢). وقال المؤلف: ولا يحل سلف وبيع. أي بيع مع شرط قرض، فالسلف هنا: القرض، أي الدين. صورته: أن يقول زيد لعمرو: بعتك سيارتي بألف، بشرط أن تقرضني قرضاً. أي تعطيني ديناً، هذا منهي عنه، والقاعدة المقررة عند العلماء أن كل قرض جر منفعة مشروطة فهو ربا. وفي الحديث: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك» (٣). قال الإمام مالك ﵀: بلغه: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع وسلف. قال: وتفسير ذلك: أن يقول الرجل للرجل: آخذ سلعتك بكذا وكذا، على أن تسلفني كذا وكذا. فإن عقدا بيعهما على هذا، فهو غير جائز، فإن ترك الذي اشترط السلف ما اشترط منه؛ كان ذلك البيع جائزاً. انتهى (٤) وقال الإمام أحمد ﵀: أن يكون يقرضه قرضاً، ثم يبايعه عليه بيعاً يزداد عليه (٥). انتهى وقال المؤلف: ولا شرطان في بيع. اختلف العلماء في المقصود بهذا الحديث، فذهب البعض إلى ظاهر الحديث الوارد في ذلك، حديث عبد الله بن عمرو المتقدم، قال: قال رسول الله ﷺ » لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع ... ». ظاهر قول النبي ﷺ «ولا شرطان في بيع «أنه لا يجوز اشتراط شرطين في عقد البيع، كأن يشترط مثلاً على البائع أن يحمّل له البضاعة وأن ينزلها، هذان شرطان في البيع فلو أنه اشترط التحميل فقط جاز لأنه شرط واحد، بعض العلماء فسره بذلك.

стр. 399

والبعض الآخر فسره بالنهي عن بيعتين في بيعة، وسيأتي بيانها. والبعض قال: المقصود شرطان يلزم منهما محذور شرعي هما المنهي عنه، كأن يكون في الشرطين جهالة أو ظلم أو ربا أو غير ذلك من الأمور التي نهى عنها الشارع. والذي جعل هؤلاء يفسرونه بخلاف ظاهره: الحديث الذي قال فيه النبي ﷺ : » أيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» (١)، فمفهومه كل شرط لا يخالف كتاب الله فهو حق سواء كان واحداً أو اثنين أو أكثر. والله أعلم قال الترمذي (١٢٣٤): قال أحمد -أي ابن حنبل-: إذا قال: أبيعك هذا الثوب وعليّ خياطته وقصارته؛ فهذا من نحو شرطين في بيع، وإذا قال: أبيعكه وعلي خياطته فلا بأس به، أو قال: أبيعكه وعلي قصارته فلا بأس به؛ إنما هو شرط واحد. انتهى وقال ابن عثيمين ﵀: والصحيح جواز الجمع بين شرطين، بل بين ثلاثة شروط وأربعة شروط، حسب ما يتفقان عليه، والحديث لا يدل على هذا بوجه من الوجوه، وإنما المراد بقول النبي ﷺ : «ولا شرطان في بيع»، الشرطان اللذان يلزم منهما محذور شرعي، وهذا الجمع بين شرطين فيما ذكر، لا يلزم منه محذور شرعي، كالجهل، والظلم، والربا، وما أشبه ذلك. ويقال: ألستم تجيزون أن يشترط المشتري على البائع كون العبد مسلماً وكاتباً؟ فسيقولون: بلى. فنقول: هذان شرطان في البيع، وأنتم تقولون: إن هذا جائز، فأي فرق؟ ! وعلى هذا فلو شرط حمل الحطب، وتكسيره، وإدخاله في المكان المعد له في البيت لكان هذا الشرط صحيحاً، ولو كانت ثلاثة شروط؛ لأنها شروط معلومة، ولا تستلزم محذوراً شرعيّاً، والأصل في المعاملات الحل والإباحة، فتبين لنا الآن أن الشروط الصحيحة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: قسم ثابت، سواء شرط أم لم يشترط؛ لأنه من مقتضى العقد، مثل تسليم البائع المبيع والمشتري الثمن، وكون الثمن حالًّا، وما أشبه ذلك مما لا يحتاج إلى شرط، فهذا إذا شرط فهو توكيد، ولو جمع ألف شرط من هذا النوع فإنه يصح. الثاني: ما يتعلق بمصلحة العقد وليس نفعاً مستقلاً، أي: ليس نفعاً ينتفع به البائع أو المشتري، ولكنه من مصلحة العقد، مثل: الرهن، وكون العبد كاتباً، والأمة بكراً، والدابة هملاجة وما أشبه ذلك. الثالث: شرط نفع إما للبائع وإما للمشتري، والذي للبائع، مثل أن يشترط إذا باع داره سكناها شهراً، والذي للمشتري، مثل أن يشترط على البائع أن يحمل الحطب وما أشبه ذلك، فهذان النوعان إذا جمع فيهما بين شرطين، كان البيع على ما ذهب إليه المؤلف ـ وهو المذهب ـ فاسداً، والصواب أنه صحيح ولا بأس به. انتهى من زاد المستقنع.

стр. 400

وقال المؤلف: ولا بيعتان في بيعة. فسَّر ابن القيم ﵀ حديث نهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة ببيع العينة، وسيأتي تفسيرها إن شاء الله. وأما الإمام الشافعي ﵀ ففسّر ذلك ببيع البضاعة بسعرين نقداً بعشرة مثلاً وبالتقسيط بعشرين، وهو الذي نسميه اليوم ببيع التقسيط. لكن المحرم في المسألة عند الإمام الشافعي ﵀ الجهالة، أي أن البائع والمشتري لا يتفقان على سعر من السعرين، ويتمان البيع دون تحديد للسعر، يقول لك البائع مثلاً: هذه السيارة كاش بألف دينار وبالتقسيط بألف وخمسمائة دينار، تقول أنا اشتريت، اشتريت بكم؟ بهذا أم هذا؟ لم يحدداه، ففي الثمن جهالة، هذا هو المنهي عنه عند الإمام الشافعي ﵀، وأما إذا اتفقا على التقسيط أو الكاش جاز بلا خلاف كما قال البغوي ﵀. والمنتشر بين الناس اليوم بيع صحيح؛ لأن البائع يقول للمشتري نقداً (كاش) بعشرة، وبالتقسيط بعشرين، فيقول له المشتري اشتريت بالتقسيط بعشرين، هذا جائز. والله أعلم قال البغوي ﵀ في شرح السنة (٨/ ١٤٣): وفسروا البيعتين في بيعة على وجهين: أحدهما: أن يقول بعتك هذا الثوب بعشرة نقداً، أو بعشرين نسيئة إلى شهر. فهو فاسد عند أكثر أهل العلم، لأنه لا يُدرى أيهما الثمن، وجهالة الثمن تمنع صحة العقد. وقال طاوس: لا بأس به، فيذهب به على أحدهما، وبه قال إبراهيم، والحكم، وحماد. وقال الأوزاعي: لا بأس به، ولكن لا يفارقه حتى يباته بأحدهما، فإن فارقه قبل ذلك، فهو له بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين، أما إذا باته على أحد الأمرين في المجلس؛ فهو صحيح به لا خلاف فيه، وما سوى ذلك لغو .... انتهى قال المؤلف: وربح ما لم يُضمن. نهى النبي ﷺ عن ربح ما لم يُضمن كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو المتقدم، أي ما لم يدخل في ضمان البائع إذا تلف، يعني مثلاً: ذهبت إلى معرض سيارات واشتريت سيارة منه وأبقيت السيارة في مكانها ولم يحصل منك قبض لها، فتلفت السيارة لأي سبب من الأسباب، مَنْ الذي يضمن؟ الذي يضمن صاحبها الأصلي لأنك لم تقبض البضاعة، لم تُدخِل السيارة في ضمانك، فلا يجوز لك بيعها؛ لأن الضمان على صاحبها الأصلي وليس عليك، فبما أنها لم تدخل في ضمانك فلا يجوز لك بيعها. قال المؤلف: وبيع ما ليس عند البائع. النهي عنه ذكر في حديث عبد الله بن عمرو المتقدم. أي ما لا يملكه، وملكه له يكون بقبضه.

стр. 401

لكن قال الإمام الخطابي: يريد بيع العين دون بيع الصفة، ألا ترى أنَّه أجاز السّلم، وهو بيع ما ليس عند البائع. انتهى والقبض هو ما تعارف عليه الناس أنه قبض فهو قبض. تنبيه على معاملة انتشرت مؤخرا بين البنوك والشركات سئل عنها الشيخ ابن باز ﵀: هناك شركة لها مندوبون لدى معارض السيارات فمن أراد شراء سيارة بالتقسيط فإنه يتفق مع صاحب المعرض على القيمة ثم يتصل بمندوب هذه الشركة فتقوم الشركة بدفع كامل قيمة السيارة لمعرض السيارات ثم تقسط الشركة المبلغ على المشتري بأقساط شهرية بفوائد. نرجو إفادتنا عن جواز التعامل مع هذه الشركة بالنسبة لأصحاب معارض السيارات وبالنسبة للمشترين؟ فأجاب: هذا العمل من الشركة التي أشرتم إليها مخالف للحكم الشرعي؛ لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يحل سلف وبيع ولا بيع ما ليس عندك». وثبت عن النبي ﷺ أنه قال لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك». وثبت عن زيد بن ثابت ﵁ عن النبي ﷺ : «أنه نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم»، وهذا العمل من الشركة المذكورة مخالف لهذه الأحاديث كلها؛ لأنها تبيع ما لا تملك ولا يجوز التعاون معها في ذلك؛ لقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ والطريق الشرعي أن تشتري الشركة السيارات أو غيرها من السلع وتحوزها بمكان يخصها ثم تبيع على من يرغب الشراء منها نقدا أو مؤجلا. وفق الله الجميع لما يرضيه. قال المؤلف: ويجوز بشرط عدم الخداع. أي ويجوز البيع بشرط عدم الخداع، أي بأن يشترط المشتري عدم الخداع؛ لحديث ابن عمر في الصحيحين، قال: ذكر رجل لرسول الله ﷺ أنه يُخدع في البيوع، فقال: «من بايعت فقل: لا خِلابة» (١). الخلابة: الخديعة. فله الخيار إن غُبن، يعني إذا خُدع فله الخيار، له أن يرد السلعة ويُبطل البيع، وله أن يمضيها. وهذا يسمى خيار الغَبْن يعني خيار الخديعة. قال المؤلف: والخيار في المجلس ثابت ما لم يتفرقا. هذا لقوله ﷺ : «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا» (٢) متفق عليه، هذا يسمى خيار المجلس.

стр. 402

البائع والمشتري كلاهما بالخيار، للبائع أن يرجع عن البيع ما داما في نفس المجلس لم يتفرقا، وللمشتري أن يرجع عن الشراء؛ لكن إذا حصلت الفرقة بالأبدان انتهى الخيار، بأن خرج أحدهما من المحل مثلا فتفرقا. تفضُّلاً بعد ذلك إذا أراد أن يتفضل المشتري أو البائع بالرجوع فله ذلك، لكن الوجوب لا يجب على هذا ولا على هذا. في رواية للحديث: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار» (١) أي إلا أن يُخيِّر أحدهما الآخر فيختار إمضاء البيع، فلا خيار بعد ذلك، حتى وإن لم يتفرقا، يعني إذا اشتريت منك وقلت لك: تم البيع لا رجعة، ووافقت أنت على ذلك فلا رجعة لأحدهما في ذلك حتى وإن لم يتفرقا. وسيأتي أيضاً أنواع الخيار هي سبعة، ذكر المؤلف منها اثنين: خيار الخداع، وخيار المجلس، وسيأتي إن شاء الله الكلام عن البقية. قال المؤلف ﵀: باب الربا انتهى من البيوع التي نهي عنها وبدأ بباب هو من أهم أبواب البيوع، وهو الربا. الربا في اللغة هو: الزيادة، يقال: رَبا الشيء إذا زاد. قال تعالى: ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي هي أكثر عدداً. وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي زادت ونمت. وأما في الاصطلاح فمنه ربا قرض، وهذا سيأتي الحديث عنه في باب مستقل إن شاء الله. ومنه ربا بيع، ربا في البيوع، وهذا المقصود هنا. وهو قسمان: ربا فضل وربا نسيئة. ربا الفضل: ربا الزيادة. وربا النسيئة أي ربا التأخير. والربا محرَّم في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ وبإجماع أهل الإسلام، بل واليهودية والنصرانية أيضاً. قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، وقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ أي لا يقومون من قبورهم عند البعث إلا كما يقوم المصروع الذي أصابه الشيطان بالصرع، المس الشيطاني الذي نسميه نحن اليوم: التلبُّس. ولعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه, وقال: «هم سواء» (٢).

стр. 403

وعدّه ﷺ من السبع الموبقات (١) أي المهلكات، وقال ﷺ : «رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد الرجل أن يخرج، رمى الرجل بحجر في فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقال: الذي رأيتَه في النهر آكل الربا» (٢) نسأل الله العافية، والله المستعان، لا أدري الناس أين هم من هذه النصوص المرعبة، ما أكثر أكلهم الربا في هذه الأيام، لا يكاد يجتنبه إلا من رحم ربك والله المستعان. والإجماع منعقد على حرمة الربا (٣) والربا من كبائر الذنوب. قال المؤلف ﵀: (يَحرُمُ بيعُ الذَّهبِ بالذَّهبِ، والفِضّةِ بالفضّةِ، والبُرِّ بالبُرِّ، والشَّعيرِ بالشَّعيرِ، والتَّمرِ بالتَّمرِ، والمِلحِ بالمِلحِ، إلا مِثلاً بمِثلٍ، يداً بيدٍ) هذا معنى حديث عبادة بن الصامت، قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح؛ مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد» (٤). ذكرنا أن ربا البيوع نوعان: ربا فضل وربا نسيئة. المقصود بربا الفضل: ربا الزيادة، وهذا يكون في الأصناف التي ذكرها النبي ﷺ وما يُلحق بها، أي ما في معناها. المراد من ذلك أنك إذا أردت أن تبيع ذهباً وتشتري ذهباً، يجب أن يكون الذهب الذي تدفعه مثل الذهب الذي تشتريه: غراما بغرام، وعشرة بعشرة، هذا معنى (مِثلاً بمثل (. يعني إذا دفعت لمشتري الذهب منك الذي تريد أن تأخذ منه ذهباً مقابله، إذا دفعت له مائة غرام من الذهب، يجب أن تأخذ منه مائة غرام من الذهب، لا تزيد ولا تنقص، إذا دفعت له نص كيلو تأخذ منه نص كيلو مثلاً بمثل، هذا معنى مثلاً بمثل، سواءً بسواء. (يداً بيد) يعني: لا يجوز تأخير التقابض بل يجب الاستلام والتسليم في نفس المجلس. الأول الذي هو ربا الفضل لا يجوز أن يكون فيه فضل، أي زيادة، فإذا كان فيه فضل فهو ربا الفضل. وإذا كان مثلا بمثل، ولكنك أخّرت القبض، دفعت له مائة غرام وقلت له: سآتيك بعد شهر آخذ منك مائة غرام، هذا ربا النسيئة.

стр. 404

أو كما يفعل الناس اليوم مع محلات الذهب، يشتري المشتري من صاحب المحل ذهبا ويؤجل الدفع هذا ربا نسيئة أي ربا تأخير. والأصناف الربوية التي يُشترط فيها الشرطان - شرط التماثل وشرط التقابض في المجلس-: الذهب والفضة والقمح والشعيروالتمروالملح، هذه المنصوص عليها في الحديث. بقوله (مثلاً بمثل (منع التفاضل فلا يجوز كيلو بكيلوين مثلا من نفس الصنف، وبقوله (يداً بيد (منع التأخير، فيجب التقابض في المجلس ولا يجوز تأخير القبض لا من البائع ولا من المشتري، الأول يسمى ربا الفضل، والثاني يسمى ربا النسيئة. قال المصنف: (وفي إلحاقِ غيرِها بها خِلافٌ) هذه الأصناف المذكورة اتفق أهل العلم على أنها أصناف ربوية، أي الربا يجري فيها. ولكن اختلفوا هل المقصود من ذكر هذه الأصناف بالذات في الحديث هو عين هذه الأصناف أم المقصود الأوصاف التي فيها فيقاس عليها غيرها؟ إذا كان المقصود العين فإنه لا يُلحق بها غيرها، وإذا كان المقصود الوصف الذي فيها فيُلحق بها كل ما شاركها في هذا الوصف الذي لأجله جُعلت من الربويات. الذين قالوا بأن المقصود به العين - يعني نفس الأصناف المذكورة فقط- طائفتان: الأولى: أهل الظاهر الذين لا يرون القياس. لأن إلحاق غيرها بها قياس، غير منصوص عليها، فالذين لا يرون القياس ويقولون ما في قياس أصلاً في الشريعة؛ يقتصرون على الأصناف المنصوص عليها. والطائفة الثانية يقولون بالقياس إلا أنهم قالوا: المقصود هنا هي هذه المذكورة فقط، وليس المقصود الوصف. وخالفهم جمهور أهل العلم. فقالوا: المقصود الأوصاف وليس الأعيان. ثم اختلفوا في العلة وأصح الأقوال أن علة الذهب والفضة الثمنية، أي كون الذهب والفضة أثماناً للأشياء فيُلحق بهما الأوراق النقدية، فالأوراق النقدية أيضاً من الربويات بناءً على أن العلة في الذهب والفضة هي الثمنية. وقد اتفق أهل العلم على أن علة الذهب والفضة تختلف عن علة البر وما معه من أصناف. واختلفوا في العلة في البُرّ والشعير والتمر والملح، هم جميعاً قالوا: الذهب والفضة لهما علة، والبقية لهما علة أخرى، لكن اختلفوا في هذه الأربعة أكثر من خلافهم في الذهب والفضة، فالبعض قال: العلة الطُعم، أي كون هذه الأربعة طعاماً فأجرى الربا في كل الأطعمة، وهذا المذهب الأخير عند الشافعية. فأي طعام يكون من الربويات، بناءً على ذلك لا يجوز بيع التفاح بالتفاح إلا بشرطين: المماثلة والتقابض.

стр. 405

بما أن الإسم واحد والمنفعة واحدة فهو نوع واحد، هذا هو الضابط في عد الشيء صنفا أو صنفين. التفاح اسمه واحد ومنفعته واحدة فالأحمر والأصفر واحد، فبناءً على القول بأن العلة الطُعم تكون هذه كلها من الربويات. وإذا كانا صنفين ولكن العلة واحدة؛ كالقمح والشعيرصنفان علتهما واحدة وهي الطعم؛ فيشترط عند بيع القمح بالشعير شرط واحد فقط، وهو التقابض في المجلس. بيع التفاح بالبيض كبيع البُرِّ بالشعير، تجوزالمفاضلة ولا يجوز التأخير. قال المصنف: (فإنِ اختلفتِ الأجناسُ جازً التفاضلُ إذا كان يداً بيد) إذا اختلفت الأجناس جاز التفاضل إذا كان يداً بيد، الكلام كله دائر في حلقة واحدة وهي الربويات فقط، ما ليس ربوياً يجوز أن تبيعه كما تشاء، هذه الأحكام فقط في الأصناف الربوية وما يلحق بها. الربويات إذا اختلفت الأجناس، يعني تريد أن تبيع ذهبا بفضة، الذهب جنس والفضة جنس آخر، أو تريد أن تبيع قمحا بشعير، القمح جنس والشعير جنس آخر، يقول المؤلف هنا: إذا اختلفت الأجناس جاز التفاضل، يعني يجوزأن تبيع كيلومن الذهب بكيلوين من الفضة أو ثلاثة، الزيادة والنقص جائز، كذلك القمح والشعير، تبيع صاعا من القمح بصعين أو أكثر من الشعير ما في بأس، ولكن يُشترط شرط واحد، إذا كانت الأجناس متحدة يُشترط شرطان، إذا كانت الأجناس مختلفة وكلها من الربويات يشترط شرط واحد وهو التقابض في المجلس. بقيت صورة أخيرة وهي أننا ذكرنا الذهب والفضة علتهما الثمنية، والبر والشعير والبقية علتها الطعم. إذا أردت أن تبيع وتشتري ذهبا بشعير لاحظ صنفان ربويان ولكنهما مختلفان في العلة، في هذه الحالة لا يشترط لا التقابض ولا التماثل، فيجوز البيع متفاضلا ومؤجلا، فتبيع صاعا من الشعير بما تشاء من الذهب ولك أن تؤجل أحد الصنفين. فنقول في الربويات: ذهب بذهب يجب التقابض والتماثل. ذهب بفضة يجب التقابض فقط. ذهب بشعير يجوز التقابض والتماثل. ثم قال: (ولا يجوزُ بيعُ الجنسِ بجنسهِ مع عدم العلم بالتساوي، وإن صحِبَه غيرُه) لا يجوز بيع الجنس بجنسه، مثل بيع الذهب بالذهب، مع عدم العلم بالتساوي، ذكرنا يشترط شرطان في هذه الحالة أحدهما المماثلة التي عبر عنها المؤلف بالتساوي.

стр. 406

وإن صحبه غيره، مثل أن تبيع قلادة من الذهب فيها خرز، تأتي للصائغ وتقول له: أريد أن أبيع هذه وآخذ بدلها ذهبا. فهنا لا بد من التساوي، القدر الذي يعطيكه من الذهب الخالص من غيرالخرز مثل الذهب الذي سيأخذه منك من غيرالخرز الموجود في العِقد الذي عندك، الصافي من الذهب بالصافي من الذهب، لا بد أن يكونا متماثلين. يشير المؤلف إلى حديث ورد عند مسلم حديث فضالة بن عبيد قال: اشتريت قلادة يوم خيبر باثني عشر ديناراً -الدينار عندهم كان من الذهب- فيها ذهب وخرز، ففصّلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «لا تُباع حتى تُفصل» (١). لا يجوز أن تبيعها وأنت لا تدري كم فيها من الذهب، لا تباع حتى يفصل الخرز عن الذهب وينظر كم فيها من الذهب. وبإمكناك أن تبيع قلادتك بالأوراق النقدية، وتشتري بأوراق نقدي إذا كان فصل الخرز عن الذهب يفسد القلادة، ويشترط في هذه الحالة شرط واحد وهو التقابض في المجلس. مسألة الأوراق النقدية: إذا ثبت عندنا بالقياس أن الأوراق النقدية من الربويات، فهل تعتبر جميع الأوراق النقدية صنفاً واحداً؟ أم تختلف على حسب اختلاف جهة الإصدار؟ حصل خلاف كبير بين العلماء في هذه المسألة، وهي محررة في بحوث هيئة كبار العلماء وأرجح الأقوال فيها: أن الأوراق النقدية تختلف على حسب جهة الإصدار، فالدينار الأردني مثلاً يختلف عن الريال السعودي، فالريال السعودي جهة إصدره من السعودية وقيمته تختلف عن قيمة الدينار الأردني الذي جهة إصداره الأردن وهذا يختلف عن الدولار والدولار يختلف عن اليورو، وهكذا. فإذا اعتبرنا الأوراق النقدية مختلفة في الأجناس، عاملناها معاملة الذهب مع الفضة. ففي حال تريد أن تصرف ديناراً أردنياً بريال سعودي يشترط شرط واحد وهو التقابض فإذا أردت أن تصرف ديناراً أردنياً بدينارٍ أردني فيشترط شرطان: التقابض والمماثلة، أي

стр. 407

عدم التفاضل في القيمة أي مائة دينار بمائة دينار. والله أعلم قال المؤلف: (ولا بيعُ الرَّطْبِ بما كان يابساً إلا لأهلِ العَرَايا) لا يجوز بيع الرطب بما كان يابساً إلا لأهل العرايا، الرَّطب من الربويات لا يجوز بيعه بما كان يابساً، الثمار التى تكون رطبة ثم تيبس من الربويات لا يجوز بيع الرطب منها باليابس. مثال ذلك: الرُّطب بالتمر، الرطب من ثمار النخل، قبل أن تكون الثمرة تمراً تكون رطباً. والرطب طري، بينما التمر يابس. فلا يجوز بيع الرُّطب بالتمر لأن الرطب عندما ييبس ينقص وزنه فيختلف. ويجب التماثل فيهما، والتماثل هنا لا يمكن حصوله لأن الرطب إذا يبس قَلَّ. جاء في ذلك حديث عن سعد بن أبي وقاص في موطآ مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عن شراء التمر بالرطب؟ فقال ﷺ : «أينقص الرُّطب إذا يبس» فقال: نعم، فنهى عن ذلك (١). قال الخطابي ﵀ وهذا الحديث أصلٌ في أبواب كثيرة من مسائل الربا، وذلك أن كل شيءِ من المطعوم مما له نداوة ولجفافه نهاية، فإنه لا يجوز رَطِبه بيابسه؛ كالعنبِ والزبيب، واللحم النيء بالقديد- يعني المجفف- ونحوهما. انتهى والعلة في ذلك أنه ينقص، أن الرطب منه ينقص عندما ييبس فلا تتحقق المماثلة. أما قوله: (إلا لأهل العرايا) فأهل العرايا هم الفقراء الذين لا نخل لهم، فهؤلاء رخص لهم النبي ﷺ أن يشتروه من أهل النخل رُطباً يأكلونه وهو على شجره، فيشترونه بخَرْصه تمراً، يعني يأتي المشتري إلى من عنده نخل وعليها رطب وليس عند المشتري إلا التمر ما عنده شيء آخر يدفعه، ويريد

стр. 408

أن يأكل رطباً، فيأتي إلى صاحب النخل فيقدر ما على النخلة من رطب كم قدره، فإذا كان يساوي خمسة أوسق فما دون فهنا يجوز له أن يبيع الرطب للمحتاج مقابل التمر مع أن بيع الرطب بالتمر منهي عنه كما تقدم، ولكن هذه رخصة. رخص للذين لا يجدون إلا التمر ويريدون أن يأكلوا الرطب رخص لهم مثل هذه، ولكن في حدود الخمسة أوسق لا زيادة. الوسق: ستون صاعاً، فالقدر المرخص فيه ثلاثمائة صاع. جاء في الحديث أن النبي ﷺ رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلاً. وهو في الصحيح (١). وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: رخص النبي ﷺ في بيع العرايا بخرصها من التمر، فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق (٢). والخرص: حِزر الشيء، يقال خَرَصْت النخلة أي حَزَرت ثمرها، يعني قدرت ما عليها من ثمر. قال المؤلف ﵀: ولا بيعُ اللّحمِ بالحيوانِ، ويجوزُ بيعُ الحيوانِ باثنينِ أو أكثرَ مِن جِنسهِ) النهي عن بيع اللحم بالحيوان ورد فيه حديث خاص ولكنه ضعيف، أن النبي ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان (٣).

стр. 409

واختلف العلماء في ذلك على حسب العلة التى يذهبون إليها في الربويات، فمن عد اللحم من الربويات قال بعدم الجواز مع تفصيل لهم إن كان اللحم من جنس الحيوان أم ليس من جنسه، وإن كان الحيوان مراداً للحم أم ليس مراداً للحم، تفصيلات كثيرة في هذا الموضوع فمن قال مثلا بأن علة تحريم البر والشعير ... إلخ هو الطعم كونها طعاماً، ونظر إلى اللحم فوجد فيه العلة؛ فاللحم من الربويات عنده، فإذا كان المقصود مثلاً بالخروف الذي تريد شراءه هو الطعام فيكون الخروف أيضاً من الربويات فلا يجوز بيع اللحم بالحيوان؛ لأن المساواة والتماثل فيهما أمر لا يمكن تحققه، لذلك منع من هذا البيع. وأما بيع الحيوان باثنين أو أكثر من جنسه، الذي قال فيه المؤلف: ويجوز بيع الحيوان باثنين أو أكثر من جنسه. كبيع الناقة بناقتين، بيع الناقة بناقتين بيع الحيوان بجنسه متفاضلاً. فهذا نصَّ المؤلف ﵀ على جوازه وهو قول الجمهور؛ لورود حديث في ذلك عن النبي ﷺ حديث جابر في صحيح مسلم: أن النبي ﷺ اشترى عبداً بعبدين (١). وأخرج مسلم أيضاً من حديث أنس: ﵁ أن النبي ﷺ اشترى صفية بسبعة أرؤس من دحية الكلبي (٢). قال المؤلف ﵀: (ولا يجوزُ بيعُ العِينَة) لحديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لاينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (٣). وبيع العينة: بيع التاجر لشخص سلعته بثمن إلى أجل، ثم يشتريها منه بأقل من ذلك الثمن. مثاله: هي عبارة عن حيلة على الربا، فيأتي عمرو يريد أن يقترض مثلاً من زيد من الناس مبلغاً من المال قدره ألف دينار وهذا زيد لا يريد أن يُقرضه بدون فائدة، فيتحايل على الشرع للتخلص من الحرام بزعمه. يقول لعمروالذي يريد القرض، عندي هذه السيارة اشتريها مني بـ بألف وخمسمائة دينار في

стр. 410

الذمة أي دَيْن، أنت خذ السيارة وأنا يكون لي عليك ألف وخمسمائة دينار لا تدفع لي شيئاً الآن، فصار لزيد صاحب السيارة على عمرو ألف وخمسمائة دينار وأخذ عمرو السيارة، ثم يقول له زيد: بِعْني السيارة وسأعطيك فيها ألف دينار الآن مباشرة، يأخذ زيد سيارته ويدفع ألف دينار لعمرو. حقيقة الذي حصل أن عمراً أخذ قرضاً من زيد قدره ألف ديناراً، وسيرده بربا بزيادة. ولكن أعطاه صورة البيع والشراء، جعل المسألة بيعاً وشراء وليست قرضاً للتحايل للتخلص من الربا. قال المؤلف ﵀: (باب الخِيارَات) الخِيارات: جمع خيار، والخيار اسم مصدر من الاختيار. والخيار: طلب خير الأمرين، إمضاء البيع أو فسخه. قال المؤلف): يجبُ على من باعَ ذا عَيبٍ أن يُبيّنهُ؛ وإلا ثبتَ للمشترِي الخِيَار) هذ النوع الأول من أنواع الخيار التي ذكرها المؤلف ﵀ في هذا الباب، وهو خيار العيب، ويسميه البعض خيار النقيصة، وهو أن يَظهر في المبيع عيب يوجب الرد، فيكون المشتري بالخيار إن رضي فقد أثم البائع وصح البيع، إن رضي المشتري بالسلعة بعد علمه بالعيب الذي فيها صح البيع ولكن البائع آثم إذا كان يعلم بالعيب قبل البيع، وإن لم

стр. 411

يرضها كان له ردها؛ لأن العلم بالعيب كشَف عن عدم الرضا الواقع حال العقد، والبيع إذا لم يكن عن رضا فهو باطل. وضابط العيب الذي تُرد به السلعة: أن يُنقصَ قيمةَ المبيع. كأن يبيع شخص سيارة ويقول لك هي بدهان الدار أي أن صبغتها ولونها لم يتغيرعلى نفس حالها من يوم أن صنعت، وهذا يدل على أن السيارة لم تعمل حوادث فهي سليمة، ثم يتبين لك بعد ذلك أنها قد دُهنت بدهان آخر غير دهان الدار، وكان لهذا تأثير في ثمن السيارة فإذا كانت بدهان المصنع مثلاً تساوي عشرة آلاف، وإذا دهنت بعده تساوى ثمانية آلاف، فيقال هذا عيب ترد به السلعة. فإذا شاء بعد أن يكتشف صاحب السيارة الجديد الذي اشتراها إذا شاء أن يردها ردها، له الحق في ردها وأخذِ ماله؛ لأن البيع لم يتم عن تراضٍ بهذه الطريقة، وإذا شاء أن يمسكها أمسكها ويكون البائع آثماً بغشه، فقد غشه فيها، وإذا تعذر الرد أي رد السلعة من قبل المشتري، إذا أراد المشتري أن يرد الساعة ولكن الرد قد تعذر فلا يستطيع أن يردها لأي سبب من الأسباب، تعيَّن على البائع أن يدفع له فارق السعر تعويضاً له على ما فاته. يعني في مثالنا السابق يلزمه أن يرد له ألفين .. هذا كله إذا لم يبين البائع للمشتري قبل إتمام البيع العيب الذي في السلعة. وأما إذا بيّن له ورضي المشتري فلا خيار له لأن الرضا حاصل. وخيار العيب ثابت سواء علم البائع بالعيب أم لم يعلم لا يختلفون في ذلك، لكنه لا يأثم إلا إذا كان يعلم بالعيب. والدليل على خيار العيب حديث التّصرية الذي سيأتي إن شاء الله. أي بيع المصرّاة، وذلك بالتنبيه، ففيه تنبيه على خيار العيب، ومقتضى العقد السلامة من العيب. قال المؤلف ﵀: (والخَرَاجُ بالضمان) المقصود بالخراج: الدخل والمنفعة أي يملك المشتري الغَلَّة التي يحصل عليها من المباع بضمانه لها، أي بسبب الضمان مَلك الغلة. مثاله: اشترى شخص سيارة كبيرة (شاحنة) يعمل عليها، اشتراها وعمل عليها لمدة

стр. 412

يومين أو ثلاثة، السيارة هذه تدخل عليه خمسة وعشرين ديناراً يومياً مثلاً، ثم بعد ثلاثةِ أيّام اكتشف فيها عيباً، تستحق الرد به، فذهب إلى البائع وقال له: خذ سيارتك أنا لا أريدها وجدت فيها عيب كذا، ولكنه عمل عليها لمدة ثلاثة أيّام، وغلتها في هذه الأيّام الثلاثة خمسة وسبعون ديناراً، هذا المبلغ لصاحب السيارة الأصلي الذي ردت إليه السيارة أم للذي اشتراها ثم ردها؟ هنا يأتي قول النبي ﷺ «الخراج بالضمان» (١). أي أن المشتري هو الذي يستحق الغلة مقابل أنه ضمن السيارة، فلو قُدِّر أن السيارة قد تلفت عند المشتري يضمنها هو، أي هو يتحمل خسارتها، فمقابل أنه ضمنها إذا حصل لها ضرر فالغلة تكون له، لا تكون للبائع لأن الخراج يعني الغلة، بالضمان أي له بمقابل ضمانه لها. والله أعلم قال الخطابي ﵀: ومعنى قوله «الخراج بالضمان»: المبيع إذا كان مما له دخل وغلة فإن مالك الرقبة - الذي هو ضامن الأصل- يملك الخراج بضمان الأصل، فإذا ابتاع الرجل أرضاً فأشغلها أو ماشية فنتجها أودابة فركبها أوعبداً فاستخدمه، ثم وجد به عيباً؛ فله أن يرد الرقبة ولا شيء عليه فيما انتفع به؛ لأنها لوتلفت ما بين مدة العقد والفسخ لكانت من ضمان المشتري، فوجب أن يكون الخراج من حقه. انتهى (٢) قال المؤلف ﵀: وللمشتري الردّ بالغررِ- ومنه المُصرّاة - فيرُدُّها وصاعاً من تمر، أو ما يتراضيان عليه) هذا نوع ثانٍ من أنواع الخيار، وهو خيار الغرر. للمشتري الردٌ بالغرر؛ لأن المشتري راضي بالمبيع عند العقد، قبل علمه بالغرر، فإذا تبين له الغرر؛ كشف ذلك عن عدم الرضا، الذي هو المناط الشرعي. ومن بيع الغررالذي يثبت الخيار للمشتري؛ بيع المُصرّاة.

стр. 413

صورة ذلك: أن يوجد عند شخص شاة أو بقرة أو ناقة أو غيرذلك، فيمتنع عن حلبها لمدة أيّام، حتى يمتلئ ضرعها فيكبر، فعندما يأتي المشتري يريد أن يشتري يرى ضرعاً كبيراً فيه كثير من الحليب فيظن أنها كثيرة اللبن (الحليب)، فينخدع بها فيشتريها، وبعد أن يحلبها يجد أن الحقيقة خلاف ما ظهر له، فمعنى التصرية الامتناع عن حلبها حتى يعظم ضرعها، وهو نوع من الخداع. لهذا نهى عنه النبي ﷺ . قال ﷺ : «لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك» يعنى من اشتراها بعد أن فعلوا بها ذلك «فهو بخير النظرين» أي مخير بين أمرين: «فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها؛ فإن رضيها أمسكها» بعد أن تتبين له الحقيقة واتضح الأمر إذا رضي بها أمسكها، هذا الخيار الأول. «وإن سخطها ردها» إذا لم يرض الشاة أو البقرة ردها، هذا الخيار الثاني. «وصاعاً من تمر» (١) ويرد معها صاعا من تمر بدل اللبن (الحليب) الذي حلبه منها. اللبن (الحليب) ليس من حقه، الحليب وُجد وهي في ملك البائع فهو من حق البائع فيرد بدله صاعاً من تمر، هذا الصاع حدده الشارع بالتمر وحدده بالصاع قطعاً للنزاع؛ لأن الحليب ربما يكون كميته قليلة، أو كثيرة، ربما يكون له وصف مختلف عن وصف آخر ... إلخ فقطعاً للنزاع حدد الشارع ذلك بصاع من تمر. وقول المؤلف: أو ما يتراضيان عليه؛ يعني إذا حصل التراضي فيما بينهما على أن يدفع له مبلغاً من المال مثلاً مقابل اللبن يجوز ذلك؛ لأن حق الآدمي مفوَّض إليه، فإذا رضي البائع بغير صاع من تمر ورضي المشتري أن يدفع له غير التمر جاز، كما يجوز له أن يتنازل عن حقه ويسامح فيه أو يأخذ بعضه ويترك بعضه، فكما يجوز هذا جاز ذلك أيضا. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (ويثبتُ الخيارُ لمن خُدِعَ أو باعَ قبلَ وصولِ السّوق)

стр. 414

هذا خيار الخداع. فمن خُدع فهو بالخيار بين رد السلعة أو إمضاء البيع، إذا قال: لا خلابة. ودليله حديث ابن عمر: أن رجلاً كان يُخدع في البيوع، فقال له رسول الله ﷺ : «مَن بايعت فقل: لا خِلابة» (١) متفق عليه. فإذا اشترط المشتري فقال: لا خلابة؛ فيجوز له رد السلعة إذا لم يرتضيها بعد العلم بحقيقة الأمر. وكذلك الأمر إذا لم يشترط؛ له الخيار، ولكن حصل خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة: البعض قال: مَن غُبن في البيع لا حق له في الرد، واستدلوا بحديث ابن عمر قالوا: النبي ﷺ لم يبطل العقود الماضية التي حصلت ولا أمر بردها، ولكن علَّمه الاشتراط. وأما الذين قالوا بأن خيار الغبن ثابت وحق للمغبون، قالوا: إن النبي ﷺ في الحديث نهى عن تلقي الركبان (٢) ثم جعل الخيار للركبان إذا نزلوا السوق أن يتمموا العقد أو يردوه؛ لأن الركبان عندما يأتون ويتلقاهم التجار يشترون منهم البضائع بسعر زهيد، فيحصل غَبن خداع في مثل هذا فجعل النبي ﷺ لهم الخيار لهذا. فاستدل العلماء بهذا على خيار الغبن، وأيضا الخداع كشف عن عدم الرضا المحقق، الذي هو المناط. وقالوا أيضاً: إذا لم نقل به حصل من ذلك مفاسد وتوسع الناس في غبن بعضهم بعضاً. وقالوا: النبي ﷺ ذكر له الاشتراط للتنبيه على تحريم الخديعة، ووجوب النصح في المعاملة، وكي يعلم المخادع أن لا فائدة له بالخداع لأنه سيرد عليه بضاعته. فمن غبن في البيع غبنا فاحشا فله الخيار. واختلف أهل العلم في قدرالغبن الفاحش. هم فصلوا بين الغبن الكثيروالقليل، لأن الغبن القليل حاصل في التجارات بين الناس. واختلفوا في ضابط الكثير، فبعضهم جعل الضابط ثلث قيمة السلعة، والصحيح أن هذا القدر لا دليل عليه، والراجح في المسألة أنه يُرجع في ذلك لأهل العُرف، أهل العرف هم

стр. 415

الذين يعرفون هل الغَبن في مثل هذه السلعة كثير أم قليل. قال المؤلف ﵀: (ولكلٍّ من المُتابيعينِ بيعاً منهياً عنه الرَّد) إذا عقد المتبايعان صفقة، وكانت هذه الصفقة من الصفقات المنهي عنها، كعقدٍ ربوي مثلاً، فهذا العقد يعتبر عقداً باطلاً. العقد المنهي عنه قسمان: عقدٌ منهي عنه والنهي عنه يقتضي الفساد، الرد فيه واجب؛ لأن العقد الفاسد لا تترتب عليه آثاره، أي يجب إرجاع المال لصاحب المال، والسلعة لصاحب السلعة؛ لأن العقد فاسد إذا كان فاسداً فهو غير معتبر فلا يقتضي الملكية. والنوع الثاني من العقد: العقد الذي نهي عنه ولكن النهي عنه لا يقتضي الفساد؛ كبيع المصراة. إذا كان العقد من هذا النوع لا يقتضي الفساد فللمتبايعين أن يترادّا؛ لأن التراضي حصل بوجود الصفة. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (ومن اشترى شيئاً لم يرَه؛ فله ردّه إذا رآه) من اشترى شيئاً على الوصف، وُصف له ولكنه لم يره، ثم بعد ذلك رأى الشيء، يقول المؤلف: فله رده إذا رآه وكان على غير الصفة التي وصفت له؛ لأن التراضي وقع على وصفٍ معيَّن ولم يجده كما أراد. قال المؤلف ﵀: (وله ردّ ما اشتراه بخيار) وذلك كأن يشتري شيئاً على أن له فيه الخيار مدة معلومة. هذا يسمى خيار الشرط، أي أبيعك البضاعة لمدة أسبوع أو عشرة أيام، إن أعجبتك أخذتها وإن لم تعجبك رددتها.

стр. 416

هذا داخل عند البعض في قول النبي ﷺ : «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار» (١)، عند بعض أهل العلم تدخل هذه الصورة في قوله «إلا بيع الخيار». قال المؤلف ﵀: (وإذا اختلف البيِّعان؛ فالقول ما يقوله البائع) إذا اختلف البيِّعان: يعني البائع والمشتري، فالقول ما يقوله البائع؛ لحديث ابن مسعود عند أحمد وأبي داود قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اختلف البيِّعان وليس بينهما بيِّنة؛ فالقول ما يقول صاحب السلعة أو يترادان» (٢). معنى ذلك: إذا حصل خلاف بين البائع والمشتري ولا يوجد بيِّنة - أي دليل لأحدهما -؛ فالقول فيه قول البائع أو يُرجع كلُّ واحد منهما ما لصاحبه. ويوجد ضوابط أخرى موقوفة على صحة الروايات كرواية المبيع يكون مستهلكا أو قائما. قال الترمذي ﵀ بعد أن ذكر أن الحديث مرسل، أي منقطع، قال: قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: إذا اختلف البيعان ولم تكن بينة؟ قال: القول ما قال رب السلعة، أو يترادان. قال إسحاق: كما قال، وكل من كان القول قوله؛ فعليه اليمين. قال أبو عيسى - الترمذي يعني نفسَه-: وقد روي نحو هذا عن بعض أهل العلم من التابعين، منهم شريح. باب السَّلَم ويقال له أيضاً: السَّلَف من التسليف وهو التقديم.

стр. 417

والسَّلَم من التسليم. وكلاهما المقصود به تقديم دفع الثمن أو تسليم ثمن البضاعة التي يُراد شراءها. لذلك سمي بهذا الاسم؛ لأن فيه تقديما وتسليما لدفع الثمن في مجلس العقد. يعرِّفه المؤلف اصطلاحا، فيقول: (هو أن يُسلِّمَ رأسَ المالِ في مجلسِ العقد) هذا الشرط الأول لهذا البيع: أن يتم تسليم ثمن البضاعة في المجلس الذي تم فيه الاتفاق على البيع؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك دخل في بيع الكالئ بالكالئ الذي اتفقوا على تحريمه. ثم قال): على أن يُعطيَه ما يتراضَيانِ عليه) يعني يدفع المشتري المال للبائع على أن يسلمه بضاعة يتفقان عليها بينهما. قال: (معلوماً) يجب في بيع السَّلم أن تكون البضاعة بينهما معلومة، وذلك بأن تكون موصوفة وصفاً تتميز به وتخرج عن حيِّز الجهالة، كأن يقول له: زيتون من نوع كذا من بلد كذا بحجم كذا بلون كذا بوزن كذا. (إلى أجلٍ معلومٍ) ويجب أن يكون وقت تسليم البضاعة معلوما، كأن يقول له: أسلمك البضاعة بعد سنة من الآن في شهر كذا ويوم كذا. إلى هنا انتهى التعريف. ودليله قول النبي ﷺ : «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم». ذكر هذا في حديث ابن عباس، قال ابن عباس: «قدم النبي ﷺ المدينة وهم يُسلِفون في الثمار

стр. 418

السنة والسنتين، فقال النبي ﷺ .... فذكره (١). ونقل ابن المنذر الإجماع على جوازه (٢). قال: (ولا يَأخذُ إلا ما سمّاهُ أو رأسَ مالِه) يعني لا يأخذ المشتري من البائع إلا ما اتفقا عليه من السلعة يوم التقابض، فإذا لم يقدر البائع على تسليم نفس البضاعة المتفق عليها يُرجع للمشتري رأس ماله. دليل ما ذكره حديث: «من أسلف سلفا فلا يشترط على صاحبه غير قضائه» (٣). أخرجه الدارقطني مرفوعا وهو منكر، وبناء على ضعفه فيجوز أن يعطيه غير البضاعة المتفق عليها عوضا عنها، بشرط أن لا يربح فيها، بل يكون بقدر قيمة ما دفع في البضاعة المتفق عليها. قال: (ولا يَتصرَّفُ فيه قبلَ قبضِه) يقول المؤلف: ليس للمشتري أن يتصرف بالبضاعة ببيعٍ حتى يقبضها، دليله: قوله ﷺ : «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» (٤). أخرجه أبو داود، وهو ضعيف والمعنى أنه لا يحل جعل المسلَّم فيه ثمناً لشيء قبل قبضه، ولا يجوز بيعه قبل قبضه. قال مالك: لا يشترى منه بذلك الثمن شيئا حتى يقبضه منه، وذلك أنه إذا أخذ غير الثمن الذي دفع إليه، أو صرفه في سلعة غير الطعام الذي ابتاع منه؛ فهو بيع الطعام قبل أن يستوفى. باب القَرْض

стр. 419

القرض لغة: هو القطع. وسمي المال المدفوع للمقترِض قرضاً؛ لأنه قِطْعة من مال المُقرِض. ويسمى أيضاً السَّلَف، والناس يعرفونه اليوم بالدَّين، وبعضهم يقول له سلف. واصطلاحاً: إعطاء شخصٍ مالاً لآخر في نظير عوض يثبت له في ذمته، مماثل للمال المأخوذ، بقصد نفع المعطَى له فقط. زيد يعطي مالاً لعمرو، إعطاء شخص مالاً لآخر. في نظير عِوَضٍ يثبت له في ذمته، أي مقابل عِوَض، عمرو يعوِّض زيداً مثل المال الذي أخذه بنفس القيمة في وقت آخر. زيد يعطي عمرا مالاً في مقابل أن عمرا يعطيه مثل هذا المال فيما بعد، مماثلٌ للمال المأخوذ. بقصد نفع المعطى له فقط، المقصود من الدّيْن أن ينتفع الآخذ فقط لا المعطي. وهو جائز شرعاً؛ لما فيه هو الرفق بالناس، والرحمة بهم، وتيسير أمرهم، وتفريج كرباتهم. والعلماء مجمعون على جوازه. دل عليه فعل النبي ﷺ كما جاء في الحديث أن النبي ﷺ استلف من رجلٍ بَكْراً- والبكر الفتيّ من الإبل - فقدِمَت عليه إبلُ الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضيَ الرجل بَكْره، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خِياراً رَبَاعِيّا. فقال: «أعطه إياه، إن خِيارَ الناسِ أحسنُهم قضاءً» (١). متفق عليه. بعد أن أخذ النبي ﷺ بكراً من رجل قرضا، جاءته إبل من إبل الصدقة، فأراد أن يرد للرجل بَكْرَه يعني جملا بنفس السِن، فأبو رافع - القائم على هذا الأمر الذي كلَّفه النبي ﷺ بالقضاء عنه- قال له: لم أجد في إبل الصدقة بَكراً، أي مثل الجمل الذي اقترضه النبي ﷺ من الرجل، ولكن وجد أفضل منه: خياراً رباعياً، خِياراً يعني خَيِّر، رباعياً: ما استكمل ست سنوات ودخل في السنة السابعة، فهو أجود من البَكر، فهذا الحديث يدل على جواز القرض.

стр. 420

قال المؤلف ﵀: (يجبُ إرجاعُ مِثلِه) إذا اقترضت قرضا من شخص، وجب عليك عند السداد أن ترجع مثل ما اقترضته تماما، ويجوز للمقترض أن يرجع عين المقترَض أو مثله، اقترضت جملاً بكراً ثم جاء موعد السداد فأردت أن تسد أرجعت نفس البكر الذي اقترضته من غير نقص فيه، جاز ذلك. إن حصل فيه نقص أرجعت مثله أي ليس هو نفسه بل غيره ولكنه في نفس السن وبنفس الصفات. قال: (ويجوزُ أن يكونً أفضلً أو أكثرَ، إذا لم يكن مشروطاً) أفضل أي من حيث الصفات، أو أكثر عددا. الأصل في القرض الذي يجر منفعة على المُقرِض أنه ربا. قاعدة أجمع عليها العلماء: كل قرضٍ جرَّ منفعةً فهو ربا؛ لكن نقيِّدها بقيد، فنقول: كل قرض جر منفعة مشروطة فهو ربا، أي شرطها صاحب المال على المقترض. وأما إذا لم تكن المنفعة مشروطة، بل كانت شكرا من المقترض، فعلها باختياره، أراد أن يكون من خيار الناس فرد الشيء وزاد عليه، هنا وصلت منفعة للمقرِض؛ لكنه لم يشترطها على المقترض؛ فهي جائزة، والدليل الحديث المتقدم، رد النبي ﷺ الأفضل صفة فصفات الجمل الذي رده النبي ﷺ أفضل مما أخذ، وقال: «أعطه إياه، إن خِيارَ الناسِ أحسنُهم قضاءً». ويجوز أن يرد اثنين بدل الواحد مثلا كما جاز رد الأفضل صفة. وفي الصحيحين عن جابر ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وكان لي عليه دين، فقضاني وزادني (١). قال ابن عبد البر: في حديث أبي رافع هذا ما يدل على أن المقرِض إن أعطاه المستقرض أفضل مما أقرضه جنسا أو كيلا أو وزنا؛ أن ذلك معروف، وأنه يطيب له أخذه منه؛ لأنه أثنى فيه على من أحسن القضاء، وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة.

стр. 421

وروى سلمة بن كهيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يتقاضاه فأغلظ له، فهمّ به أصحابه، فنهاهم، فقال: «ألا كنتم مع الطالب»، ثم قال: «دعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالا، اشتروا له بعيرا» فلم يجدوا إلا فوق سنه، فقال: «اشتروا له فوق سنه فأعطوه» فجاء إلى النبي ﷺ ، فقال: «أخذت حقك؟ » قال: نعم. قال: كذلك افعلوا، خيركم أحسنكم قضاء». وهذا عند جماعة العلماء؛ إذا لم يكن عن شرط منهما في حين السلف، وقد أجمع المسلمون نقلا عن نبيهم ﷺ ؛ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا، ولو كان قبضة من علف أو حبة، كما قال ابن مسعود: أو حبة واحدة. انتهى (١) قال المؤلف ﵀: (ولا يجوزُ أن يجرَّ القرضُ نفعاً للمقرِض) لا يجوز أن يجر القرض نفعاً للمقرِض؛ لأن كل قرضٍ جرّ منفعة فهو ربا، وردت هذه الجملة في أحاديث ضعيفة، ولكنها صحت عن جمع من الصحابة، ولكن تقيد بكون المنفعة مشروطة للأدلة المتقدمة. ويجوز إقراض الثياب والحيوان والخبز على الصحيح. والله أعلم باب الشُّفْعة الشفعة في اللغة مأخوذة من الشَّفع الذي هو ضد الوِتر. وسمِّي بذلك لما فيه من ضم عدد إلى عدد أو شيء إلى شيء، يقال: شفع الرجلُ الرجلَ شَفْعاً، إذا كان فرداً فصار له ثانياً، وشفع الشيء شفعاً؛ ضم مثله إليه وجعله زوجاً. والاصطلاح: هي حقُّ تملُّكٍ قَهرِيّ يثبت للشريك القديم على الحادث بسببِ الشَرِكة؛ لدفع الضَّرر. من الصورة يتبيَّن معنا التعريف، مثلاً: تكون لي دار أملكها ومعي فيها شريك، أريد أن أبيع حصتي منها، هنا يأتي حق الشُّفعة لشريكي الذي معي في الدار، له الحق في شراء

стр. 422

حصتي ويجب عليَّ تقديمه على غيره، فإن بعت حصتي لغيره؛ وجب فسخ البيع وبيعها لشريكي إذا أرادها؛ لأنه أحق بها لشراكته. قالوا هنا: هي حق تملُّكٍ قهري أي فيه جبر، أُجبَر على البيع للشريك القديم وأقدمه على المشتري الجديد. بسبب الشركة أي استحق التقديم لأنه شريك، وذلك لدفع الضرر عنه، حتى لا يتضرر بدخول شريك جديد معه. قال المؤلف ﵀: (سببها الاشتراك في شيء ولو منقولاً) أي ما الذي يُثبت الشُّفعة للآخر؟ قال المؤلف: سببها (الاشتراك)، فالشركة الحاصلة بين زيد وعمرو هي التي أثبتت لعمرو حق الشفعة. المؤلف يقول: الاشتراك في شيء، فهذا يشمل الاشتراك في العقار والاشتراك في المنقول أيضاً كالسيارات والدواب وغيرها، هذا ما ذهب إليه المؤلف. المراد بالعقار: البيوت والأراضي، أشياء ثابتة تنقل من مكانها. والمنقول أشياء تنقل من مكان لآخر كالسيارة والدابة. حجة المؤلف في أن الشفعة تثبت في العقار وتثبت في غيره أيضاً؛ حديث عند البيهقي قال فيه النبي ﷺ : «الشُّفعة في كل شيء» (١) وهو ضعيف، فيشمل هذا: العقارات وكذلك المنقولات، فأي شيء مشترك بين اثنين ففيه الشُّفعة، هذا على قول المؤلف ﵀. ويستدل أيضاً مَن يقول بهذا القول بالقياس. القياس على العقار الذي ورد فيه النص؛ لاشتركهم في العلة. والعلة هي دفع الضرر عن الشريك فربما لا يتفق مع الشريك الجديد، فلما كانت العلة هي دفع الضررعن الشريك وكانت موجودة في غير العقار؛ قال مَن قال مِن العلماء بأنها عامة، سواء كانت في عقار أو غيره، كالمؤلف.

стр. 423

النص جاء في العقار؛ لذلك جمهور العلماء على أن الشفعة ثابتة في العقار لا غير؛ لحديث جابر: «أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل ما لم يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِّفت الطرق؛ فلا شفعة» (١). وفي رواية لمسلم: «أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شركة لم تُقْسَم، رَبْعَةٍ أو حائطٍ، لا يَحل له أن يبيع حتى يؤذِن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإن باع ولم يؤذِنه فهو أحق به». هذا الحديث يثبت حق الشفعة، وهو وارد في العقار. رَبعةٍ: الربعة الدار والمسكن ومطلق الأرض يطلق عليها ربعة. أو حائط: البستان، يعني المزرعة. لا يحل له أن يبيعه حتى يؤذن شريكه: لا يحل للشريك أن يبيع حتى يُعلِم شريكه بأنه يريد بيعه، فإن شاء الشريك أخذ، وإن شاء ترك. فإن باع الشريك حصته ولم يُعلِم شريكه؛ فهو أحق به، فالشريك أحق بالحصة فيفسخ العقد وتباع للشريك. ففي الحديث الشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط، فهي في العقار سواء كان مسكناً أو كان أرضاً، هذا ثبتت فيه الشفعة نصّا. وردّ الشافعي في الأم على القياس المذكور، فالحق ما قاله الجمهور. والله أعلم قال المؤلف ﵀ (فإذا وقعت القسمة فلا شفعة) في حديث جابر قال: «فإذا وقعت الحدود، وصُرِّفت الطرق؛ فلا شفعة». وقعت الحدود: قسم نصيب كل واحد عن الآخر. وصُرِّفت الطرق: ميِّزت الشوارع بين العقارات والأراضي والدور. فلا شفعة؛ لأنه لا ضرر على أحد بعد التقسيم والتفريق. قال المؤلف (ولا يَحِلُّ للشريكِ أن يبيعَ حتى يُؤذنَ شريكَه)

стр. 424

يعني يَحرُم على الشريك أن يبيع حتى يُؤذِن شريكه، أي يعلمه بأنه يريد بيع حصته. فإن باع قبل الإعلام؛ فللشريك الحق في شرائه بثمنه المباع به. لقول النبي ﷺ في حديث جابر المتقدم «لا يَحل له أن يبيع حتى يؤذِن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإن باع ولم يؤذِنه فهو أحق به». ثم قال المؤلف: (ولا تَبْطل بالتراخي) أي: لا تبطل الشُّفعة بطول المدة، كذا قال المؤلف. قالوا: لأن دفع الضرر الذي شُرِعت الشفعة لأجله لا يختص بوقت دون وقت. انتهى فيقال: ولكن الضرر واقع على المشتري في هذه الحالة، فإنَّ تَوقُّعَ طلبِ الشريك الشفعة يُفوِّتُ عليه الكثير من المقاصد. فالحقّ أن تقدير أن الحق للشريك؛ موكول إلى الحاكم؛ لأنه مما لا نصّ فيه، فإذا حدَّ له أجلا وجب الوقوف عنده. باب الإِجارة الإجارة لغة: مشتقة من الأجر، وهو: العِوَض، ومنه سُمي الثواب أجراً. وشرعاً: تمليك منفعة بعِوَض. فالإجارة بيع منفعة، يعني لا تبيع عينا مثل سيارة أو بيت أو ما شابه، بل تبيع منفعة يبقى الشيء ملكا لصاحبه ولكن يشتري المنتفع منفعة البيت فينتفع به مدة ثم يرد الشيء لصاحبه. وهي جائزة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. أما الكتاب فقال تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾. أي: إن أرضع لكم نساؤكم المطلقات منكم طلاقاً بائناً أولادكم الأطفال بأجرة؛ فآتوهن أجورهن على إرضاعهن إياهم. وأما السنة فقال النبي ﷺ : «قال الله ﵎: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل

стр. 425

أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حُرّاً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه، ولم يُعطِه أجره» (١). الشاهد في الرجل الثالث، أخرجه البخاري في صحيحه. وذكر البخاري ﵀ في صحيحه في باب الإجارة مجموعة من الأحاديث التي تدل على جواز الإجارة. (٢) ونقل ابن المنذر الإجماع على أن الإجارة ثابتة (٣). قال المؤلف: (تجوزُ على كلِّ عملٍ لم يمنع منه مانعٌ شرعي) أي الإجارة تصح على أي عمل لم يحرم شرعا؛ لإطلاق الأدلة الواردة في الباب وعدم تقييدها بعمل دون عمل. فيصح أن تستأجر شخصاً ليبني لك بيتاً، أو يشتري لك غرضاً، أو يرعى لك غنما، أو ليغسل لك شيئاً .. وهكذا، على أي عمل لم يمنع منه مانع شرعي، شرطه أن يكون العمل الذي استأجرت الأجير ليعمل جائزاً شرعاً وليس محرماً، وسيذكر المؤلف ﵀ صوراً من العمل المحرَّم الذي لا يجوز الاستئجار عليه. قال المؤلف ﵀ (وتكونُ الأجرةُ معلومةً عندَ الاستئجار) أي يجب أن تكون الأجرة معلومة عند الاستئجار، يعني عندما تريد أن تستأجر شخصاً لبناء جدار مثلاً، تُعلمه كم ستعطيه، وينعقد الاتفاق بينك وبينه على ذلك، حتى لا يحصل نزاع بعد ذلك. واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري قال: «نهى رسول الله ﷺ عن استئجار الأجير حتى يبيَّن له أجره» (٤). أخرجه أحمد، لكنه حديث ضعيف.
следующие страницы →