← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وروى سلمة بن كهيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يتقاضاه فأغلظ له، فهمّ به أصحابه، فنهاهم، فقال: «ألا كنتم مع الطالب»، ثم قال: «دعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالا، اشتروا له بعيرا» فلم يجدوا إلا فوق سنه، فقال: «اشتروا له فوق سنه فأعطوه» فجاء إلى النبي ﷺ ، فقال: «أخذت حقك؟ » قال: نعم. قال: كذلك افعلوا، خيركم أحسنكم قضاء». وهذا عند جماعة العلماء؛ إذا لم يكن عن شرط منهما في حين السلف، وقد أجمع المسلمون نقلا عن نبيهم ﷺ ؛ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا، ولو كان قبضة من علف أو حبة، كما قال ابن مسعود: أو حبة واحدة. انتهى (١) قال المؤلف ﵀: (ولا يجوزُ أن يجرَّ القرضُ نفعاً للمقرِض) لا يجوز أن يجر القرض نفعاً للمقرِض؛ لأن كل قرضٍ جرّ منفعة فهو ربا، وردت هذه الجملة في أحاديث ضعيفة، ولكنها صحت عن جمع من الصحابة، ولكن تقيد بكون المنفعة مشروطة للأدلة المتقدمة. ويجوز إقراض الثياب والحيوان والخبز على الصحيح. والله أعلم باب الشُّفْعة الشفعة في اللغة مأخوذة من الشَّفع الذي هو ضد الوِتر. وسمِّي بذلك لما فيه من ضم عدد إلى عدد أو شيء إلى شيء، يقال: شفع الرجلُ الرجلَ شَفْعاً، إذا كان فرداً فصار له ثانياً، وشفع الشيء شفعاً؛ ضم مثله إليه وجعله زوجاً. والاصطلاح: هي حقُّ تملُّكٍ قَهرِيّ يثبت للشريك القديم على الحادث بسببِ الشَرِكة؛ لدفع الضَّرر. من الصورة يتبيَّن معنا التعريف، مثلاً: تكون لي دار أملكها ومعي فيها شريك، أريد أن أبيع حصتي منها، هنا يأتي حق الشُّفعة لشريكي الذي معي في الدار، له الحق في شراء

стр. 422

حصتي ويجب عليَّ تقديمه على غيره، فإن بعت حصتي لغيره؛ وجب فسخ البيع وبيعها لشريكي إذا أرادها؛ لأنه أحق بها لشراكته. قالوا هنا: هي حق تملُّكٍ قهري أي فيه جبر، أُجبَر على البيع للشريك القديم وأقدمه على المشتري الجديد. بسبب الشركة أي استحق التقديم لأنه شريك، وذلك لدفع الضرر عنه، حتى لا يتضرر بدخول شريك جديد معه. قال المؤلف ﵀: (سببها الاشتراك في شيء ولو منقولاً) أي ما الذي يُثبت الشُّفعة للآخر؟ قال المؤلف: سببها (الاشتراك)، فالشركة الحاصلة بين زيد وعمرو هي التي أثبتت لعمرو حق الشفعة. المؤلف يقول: الاشتراك في شيء، فهذا يشمل الاشتراك في العقار والاشتراك في المنقول أيضاً كالسيارات والدواب وغيرها، هذا ما ذهب إليه المؤلف. المراد بالعقار: البيوت والأراضي، أشياء ثابتة تنقل من مكانها. والمنقول أشياء تنقل من مكان لآخر كالسيارة والدابة. حجة المؤلف في أن الشفعة تثبت في العقار وتثبت في غيره أيضاً؛ حديث عند البيهقي قال فيه النبي ﷺ : «الشُّفعة في كل شيء» (١) وهو ضعيف، فيشمل هذا: العقارات وكذلك المنقولات، فأي شيء مشترك بين اثنين ففيه الشُّفعة، هذا على قول المؤلف ﵀. ويستدل أيضاً مَن يقول بهذا القول بالقياس. القياس على العقار الذي ورد فيه النص؛ لاشتركهم في العلة. والعلة هي دفع الضرر عن الشريك فربما لا يتفق مع الشريك الجديد، فلما كانت العلة هي دفع الضررعن الشريك وكانت موجودة في غير العقار؛ قال مَن قال مِن العلماء بأنها عامة، سواء كانت في عقار أو غيره، كالمؤلف.

стр. 423

النص جاء في العقار؛ لذلك جمهور العلماء على أن الشفعة ثابتة في العقار لا غير؛ لحديث جابر: «أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل ما لم يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِّفت الطرق؛ فلا شفعة» (١). وفي رواية لمسلم: «أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شركة لم تُقْسَم، رَبْعَةٍ أو حائطٍ، لا يَحل له أن يبيع حتى يؤذِن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإن باع ولم يؤذِنه فهو أحق به». هذا الحديث يثبت حق الشفعة، وهو وارد في العقار. رَبعةٍ: الربعة الدار والمسكن ومطلق الأرض يطلق عليها ربعة. أو حائط: البستان، يعني المزرعة. لا يحل له أن يبيعه حتى يؤذن شريكه: لا يحل للشريك أن يبيع حتى يُعلِم شريكه بأنه يريد بيعه، فإن شاء الشريك أخذ، وإن شاء ترك. فإن باع الشريك حصته ولم يُعلِم شريكه؛ فهو أحق به، فالشريك أحق بالحصة فيفسخ العقد وتباع للشريك. ففي الحديث الشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط، فهي في العقار سواء كان مسكناً أو كان أرضاً، هذا ثبتت فيه الشفعة نصّا. وردّ الشافعي في الأم على القياس المذكور، فالحق ما قاله الجمهور. والله أعلم قال المؤلف ﵀ (فإذا وقعت القسمة فلا شفعة) في حديث جابر قال: «فإذا وقعت الحدود، وصُرِّفت الطرق؛ فلا شفعة». وقعت الحدود: قسم نصيب كل واحد عن الآخر. وصُرِّفت الطرق: ميِّزت الشوارع بين العقارات والأراضي والدور. فلا شفعة؛ لأنه لا ضرر على أحد بعد التقسيم والتفريق. قال المؤلف (ولا يَحِلُّ للشريكِ أن يبيعَ حتى يُؤذنَ شريكَه)

стр. 424

يعني يَحرُم على الشريك أن يبيع حتى يُؤذِن شريكه، أي يعلمه بأنه يريد بيع حصته. فإن باع قبل الإعلام؛ فللشريك الحق في شرائه بثمنه المباع به. لقول النبي ﷺ في حديث جابر المتقدم «لا يَحل له أن يبيع حتى يؤذِن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإن باع ولم يؤذِنه فهو أحق به». ثم قال المؤلف: (ولا تَبْطل بالتراخي) أي: لا تبطل الشُّفعة بطول المدة، كذا قال المؤلف. قالوا: لأن دفع الضرر الذي شُرِعت الشفعة لأجله لا يختص بوقت دون وقت. انتهى فيقال: ولكن الضرر واقع على المشتري في هذه الحالة، فإنَّ تَوقُّعَ طلبِ الشريك الشفعة يُفوِّتُ عليه الكثير من المقاصد. فالحقّ أن تقدير أن الحق للشريك؛ موكول إلى الحاكم؛ لأنه مما لا نصّ فيه، فإذا حدَّ له أجلا وجب الوقوف عنده. باب الإِجارة الإجارة لغة: مشتقة من الأجر، وهو: العِوَض، ومنه سُمي الثواب أجراً. وشرعاً: تمليك منفعة بعِوَض. فالإجارة بيع منفعة، يعني لا تبيع عينا مثل سيارة أو بيت أو ما شابه، بل تبيع منفعة يبقى الشيء ملكا لصاحبه ولكن يشتري المنتفع منفعة البيت فينتفع به مدة ثم يرد الشيء لصاحبه. وهي جائزة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. أما الكتاب فقال تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾. أي: إن أرضع لكم نساؤكم المطلقات منكم طلاقاً بائناً أولادكم الأطفال بأجرة؛ فآتوهن أجورهن على إرضاعهن إياهم. وأما السنة فقال النبي ﷺ : «قال الله ﵎: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل

стр. 425

أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حُرّاً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه، ولم يُعطِه أجره» (١). الشاهد في الرجل الثالث، أخرجه البخاري في صحيحه. وذكر البخاري ﵀ في صحيحه في باب الإجارة مجموعة من الأحاديث التي تدل على جواز الإجارة. (٢) ونقل ابن المنذر الإجماع على أن الإجارة ثابتة (٣). قال المؤلف: (تجوزُ على كلِّ عملٍ لم يمنع منه مانعٌ شرعي) أي الإجارة تصح على أي عمل لم يحرم شرعا؛ لإطلاق الأدلة الواردة في الباب وعدم تقييدها بعمل دون عمل. فيصح أن تستأجر شخصاً ليبني لك بيتاً، أو يشتري لك غرضاً، أو يرعى لك غنما، أو ليغسل لك شيئاً .. وهكذا، على أي عمل لم يمنع منه مانع شرعي، شرطه أن يكون العمل الذي استأجرت الأجير ليعمل جائزاً شرعاً وليس محرماً، وسيذكر المؤلف ﵀ صوراً من العمل المحرَّم الذي لا يجوز الاستئجار عليه. قال المؤلف ﵀ (وتكونُ الأجرةُ معلومةً عندَ الاستئجار) أي يجب أن تكون الأجرة معلومة عند الاستئجار، يعني عندما تريد أن تستأجر شخصاً لبناء جدار مثلاً، تُعلمه كم ستعطيه، وينعقد الاتفاق بينك وبينه على ذلك، حتى لا يحصل نزاع بعد ذلك. واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري قال: «نهى رسول الله ﷺ عن استئجار الأجير حتى يبيَّن له أجره» (٤). أخرجه أحمد، لكنه حديث ضعيف.

стр. 426

والذي صح هو أن النبي ﷺ استأجر ولم يعيِّن الأجر لمن استأجره وأعطاه أجره بعد أن أتم عمله، فأعطاه ما هو متعارف عليه. والله أعلم (١). لكن قالوا الأجرة هنا معلومة عرفا، فإذا كانت كذلك أغنت عن تحديدها لفظا. قال المؤلف ﵀: (فإن لم تكن كذلك؛ استحق الأجيرُ مقدارَ عملِه عند أهل ذلك العمل) استأجرت رجلاً كي يبني لك غرفة ولم تتفق معه على أجرة محددة، بعد أن انتهى قال المؤلف: يستحق العامل مقدار عمله عند أهل ذلك العمل، أي نرجع إلى أهل العرف، نأتي إلى المختصين في البناء فنسألهم كم تكلِّف مثل هذه الغرفة أجرة البناء؟ فما حددوه وجب دفعه للعامل مقابل عمله، فيعطى أجرة المثل؛ لحديث سويد بن قيس المتقدم. قال المؤلف: (وقد وردَ النَّهيُّ عن كسبِ الحَجّامِ، ومَهرِ البَغِيّ، وحُلْوَانِ الكَاهِنِ) بدأ المؤلف بذكر بعض الأعمال التي يحرم الاستئجار عليها؛ لأنه ذكر في البداية أن العمل الذي يجوز الاستئجار عليه: كل عمل لم يرد فيه نهي شرعي، فاحتاج أن يذكر لك الأعمال التي ورد فيها نهي شرعي، كأنه يقول لك: أيُّ عملٍ يجوز الاستئجار عليه إلا كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن. كسب الحجام: أي الأجرة التي يأخذها الحجام مقابل عمله للحجامة، والحجام: فاعل الحجامة. أخرج مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «وكَسْب الحجام خبيث» (٢)، وفي رواية: «شرُّ الكسْبِ كَسْب الحجّام» (٣).

стр. 427

وعارض هذا الحديث وغيره؛ حديث في الصحيحين عن أنس «أن النبي ﷺ احتجم، حجمه أبو طيبة، وأعطاه صاعين من طعام، وكلّم مواليه فخففوا عنه» (١). وحديث ابن عباس «أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره، ولو كان سُحتاً لم يعطه» (٢). فاختلف أهل العلم في طريقة الجمع بين هذه الأحاديث. وأحسن الأقوال فيها أن يحمل قوله): خبيث (و) شر الكسب (على معنى أنه دنيء وليس من معالي أنواع الكسب، فيحمل على التنفير عن نوع من أنواع الكسب الدنيئة، وليس على التحريم؛ لأن الحديث الآخر الذي فيه أن النبي ﷺ أعطى الحجّام أجره دل على الجواز؛ لذلك تأولنا التأويل الذي ذكرناه، فعلى ذلك يكون هذا العمل مكروهاً كراهة تنزيهية وليس محرَّماً. والله أعلم وأما مهر البغي: البغي، هي: الزانية، ومهرها هو: المال الذي تُعطاه الزانية أجرة على زناها. وهو محرَّم؛ لأن الزنا نفسه محرَّم، وجاء أيضاً عن النبي ﷺ «أنه نهى عن ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي» (٣). وأما حلوان الكاهن؛ فهو محرم أيضاً للحديث الذي تقدم، وهو: عَطِيَّة الكاهن لأجل كهَانَتِه. أي الأجر الذي يُعطاه الكاهن مقابل تكهنه. والكهانة: ادعاء معرفة الأمور الغيبية التي ستحدث في المستقبل، وهي من الكفر. قال: (وعَسْبِ الفحل) وهو ماء الذكر أو ضِرابه، وقد تقدم الكلام عليه في البيع. قال: (وأجر المؤذن)

стр. 428

حرّم المؤلف أجر المؤذن لحديث عثمان بن أبي العاص قال: قلت: يا رسول الله! اجعلني إمام قومي، قال: «أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتّخِذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجرا» (١). أخرجه أبو داود وغيره. وبعض أهل العلم جوَّز ذلك؛ لأن بالمسلمين حاجة إليه وقد لا يوجد متطوع به، وإذا لم يدفع الرزق فيه يعطل. والحديث يدل على التحريم فالأخذ به أولى، وربما يُذهب إلى ذلك الرأي في حال عدم وجود متطوعين. والله أعلم. قال الترمذي ﵀: والعمل على هذا عند أهل العلم: كرهوا أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرا، واستحبوا للمؤذن أن يحتسب في أذانه. انتهى والمؤذون الذين يُوظَّفون اليوم من قبل الأوقاف لهم أخذ الأجرة على تنظيف المسجد والقيام عليه، لا على الأذان. والله أعلم قال المؤلف: (وقَفِيز الطَّحَّان) قفيز الطحان هو أن يُطحن الطعام بجزء منه، كأن تأتي مثلاً بقمح عند شخص عنده مِطحنة وتقول له: اطحن لي عشرة كيلو من القمح ولك منها كيلو. ورد في ذلك حديث عن أبي سعيد قال: «نُهي عن قَفِيز الطَّحَّان» (٢). أخرجه الدارقطني وغيره وهو حديث ضعيف. فالصحيح أنه جائز إذا كان الكيل معلوما، تقول له: لك كيلو أو كيلوين مثلا. قال المؤلف: (ويَجوزُ الاستئجارُ على تلاوةِ القرآنِ، لا على تَعلِيمه) الصحيح أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن وعلى الرقية به جائز.

стр. 429

دل على ذلك حديث ابن عباس عند البخاري وغيره «أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ مروا بماءٍ فيه لَدِيغ أو سَلِيم، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال لهم: فيكم من راقٍ؟ إن في الماء رجلاً لديغاً، فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شَاءٍ، فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا، حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله! أخذ على كتاب الله أجرا، فقال رسول الله ﷺ : «أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» (١). هذا الرجل أخذ أجراً على الرقية بكتاب الله، قال: على شَاءٍ، أي مقابل شياه. فدل هذا الحديث على جواز أخذ الأجرة على الرقية وهو حديث واضح في ذلك وعلى الاستئجار للتلاوة وعلى التعليم أيضا. ومما يدل على جواز اتخاذ أجر على تعليم القرآن أن النبي ﷺ جعل تعليم القرآن مهراً للزواج بالمرأة، والحديث في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لرجل: «قد زوجتكها بما معك من القرآن» (٢). والأحاديث التي يستدل بها المانعون لأخذ الأجرة على التعليم لا تصح. قال المؤلف: (وأن يُكرِيَ العَينَ مُدةً معلومةً، بأجرةٍ معلومةٍ، ومن ذلك كِرِاءُ الأرضِ لا بشطرِ ما يخرجُ منها) أن يُكري العين: أي يؤجر شيئا معيَّنا. مدة معلومة، أي: زمناً محددا: كأن يؤجر سيارة لمدة شهر مثلاً أو بيتاً لمدة سنة. بأجرة معلومة: يصرح بقدرالأجرة، فيقول له مثلاً: أَجَّرتك سيارتي لمدة شهر بثلاثمائة دينار، فالأجرة معلومة والمدة معلومة، في شيء معلوم معيّن. ومن ذلك، ومما يجوز كراء الأرض، أي: تأجير الأرض للزراعة، دليل ذلك حديث رافع الآتي، وسائر الأعيان لها حكم الأرض كما قال أهل العلم. لا بشطر ما يخرج منها، يقول: يجوز تأجير الأرض بالمال؛ بالدرهم والدينار مثلا، ولكن لا يجوز تأجيرها مقابل جزء مما تنتج من الزرع أو الثمر.

стр. 430

صورة المسألة: تقول لشخص مثلاً أجِّرني مزرعتك وأعطيك جزء من نتاجها، فالأجر الذي سيقبضه منك مقابل أجرة المزرعة هوجزء مما تنتجه الأرض. يقول المؤلف: هذا لا يجوز، ولكن لك أن تستأجرها منه مقابل أن تعطيه مالا مثلا، المهم الأجرة ليست جزء من نتاج الأرض. وردت أحاديث في كراء الأرض متعارضة؛ فاختلف العلماء في كيفية الجمع بينها. منها حديث رافع بن خديج في الصحيحين قال: «كنا أكثر الأنصار حقلاً، فكنا نَكري الأرض على أنّ لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تُخرج هذه، فنهانا عن ذلك، فأما بالوَرِق فلم ينهنا» (١). وفي لفظ لمسلم: «فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به» (٢). وعارضه حديث ابن عمر في الصحيحين «أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من تمر أو زرع» (٣). فبعضهم قال: حديث ابن عمر منسوخ، وبناءً عليه فلا يجوز تأجير الأرض بجزء مما يخرج منها. ذهب المؤلف إلى هذا. والصحيح في هذا أنه يجوز تأجير الأرض بجزء مما يخرج منها معلوم كمائة كيلو أو مائتي كيلو أو أكثر أو أقل؛ ولكن لا يكون الجزء محددا بناحية من الأرض. كأن تقول له: لي الجهة الغربية من الأرض أو ما حول البئر، والباقي لك؛ فربما ينبت ويثمر ما حددته ولا ينبت غيره؛ فيخسر المزارع وربما العكس فتخسر أنت؛ ففيه غرر لذلك نهي عنه، وأما إذا كان ما يخرج من الأرض غير محدد بناحية معينة من الأرض فلا بأس به على الصحيح. فالنهي وارد فقط على تحديد جزء معين من الأرض تأخذ أجرتك منه؛ كما جاء في رواية لحديث رافع: «كانوا يؤجرون الأرض على المَاذِيانات وأَقبَال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، لذلك زجر عنه؛ فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس» (٤).

стр. 431

على الماذيانات وأقبال الجداول، أي: على الأنهار الكبيرة، وأوائل الأنهار الصغيرة. فلا يجوز أن تؤجر شخصا الأرض على أن الجهة الشرقية لك والجهة الغربية له، أو على أن ما حول الأنهار والآبار لك والباقي له. مثل هذا التعيين هو المحرم؛ لأن هذا فيه غررا واضحا، ربما يُخرج الذي لك ولا يُخرج الذي له، أو العكس. فأجاز الشارع أن تتفق معه على قدر محدد مما يخرج من الأرض، يعني مائة كيلو من القمح، لا علاقة للمؤجر بالقدر الذي تخرجه الأرض، يعطيه المستأجر فقط مائة كيلو من القمح، سواء أخرجت من شرقها أم من غربها لا يختلف هذا، وبهذا تجتمع الأدلة وبدون تكلف وهو قول الجمهور. والله أعلم قَالَ الْخَطَّابِيُّ ﵀: قَدْ أَعْلَمَكَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ الْمُنْهَيَ عَنْهُ هُوَ الْمَجْهُولُ مِنْهُ دُونَ الْمَعْلُومِ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنْ يَشْتَرِطُوا فِيهَا شُرُوطًا فَاسِدَةً، وَأَنْ يَسْتَثْنُوا مِنَ الزَّرْعِ مَا عَلَى السَّوَاقِي وَالْجَدَاوِلِ وَيَكُونُ خَاصًّا لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَالْمُزَارَعَةُ شَرِكَةٌ، وَحِصَّةُ الشَّرِيكِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَجْهُولَةٌ، وَقَدْ يَسْلَمُ مَا عَلَى السَّوَاقِي وَيَهْلَكُ سَائِرُ الزَّرْعِ؛ فَيَبْقَى الْمُزَارِعُ لَا شَيْءَ لَهُ، وَهَذَا غَرَرٌ وَخَطَرٌ. انْتَهَى. قال المؤلف ﵀: (ومَن أفسدَ ما استُؤجِر عليهِ أو أتلفَ ما استَأجَره ضَمِن) ومن أفسد ما استؤجر عليه: مثلاً شخص استأجرته ليبني لك جدارا، فيفسده، يضيع عليك المادة التي بنا بها، فهذا يضمن ما ضاع وتلف بسبب عمله، لأنه هو الذي أفسده. وكذلك إذا أتلف ما استأجره؛ استأجر من شخص شيئاً؛ كأن يستأجر سيارة أو يستأجر بيتاً فيفسده ويخربه فهذا يضمن إذا تعدى أو فرّط. هنا يضمن لكن إذا استأجر مثلاً سيارة وقدر الله عليها شيئا من عنده ففسدت، لا يضمن؛ لأنه لا فرّط ولا تعدى فلا يضمن. يده يد أمانة، هو مؤتمن، والمؤتمن لا يضمن إلا في حالة التعدي أو التفريط. يكون متعدياً؛ إذا فعل في الشيء الذي استأجره ما لا يجوز له فعله شرعاً أوعرفاً.

стр. 432

ويكون مفرِّطاً؛ إذا لم يفعل ما يجب عليه فعله شرعاً وعرفاً. شخص استأجر سيارة وقادها بسرعة جنونية فصدمها فتحطمت، هذا يضمن؛ لأنه متعدٍ؛ فعل بها ما لا يجوز له فعله. أو استأجر منك سيارة، وأخذ السيارة وتركها مفتوحة أمام البيت، وترك فيها المفتاح، فجاء سارق فسرقها؛ هذا يضمن؛ لأنه مفرّط حيث تركها من غير إغلاق وتأمين من السّراق، فترك ما يجب عليه فعله. فالصحيح أنه لا يضمن المستأجَر أو ما أفسد من عمل إلا في هاتين الحالتين: التعدي والتفريط. استدل المؤلف بحديثين ضعيفين يدلان على المراد: حديث: «على اليدِ ما أخذَت حتى تُؤدّيه» (١). وحديث: «من تَطَبَّبَ ولا يُعلَم منه طِبٌ فهو ضَامنٌ» (٢). ولكن قال الخطابي: لا أعلم خلافًا في أن المعالج إذا تعدى فتلِفَ المريضُ كان ضامنًا، والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفه؛ متعدٍ، فإذا تولد من فعله التَّلفَ ضَمِن الدّية، وسقط عنه القَوَد؛ لأنه لا يَستبِدّ بذلك دون إذن المريض، وجناية الطبيب في قول عامة الفقهاء على عاقلته (٣). وقال ابن المنذرفي الإشراف: أجمع عوام أهل العلم على أن الطبيب إذا لم يتعمد لم يَضمَن. وقال ابن المنذر في الإجماع: وأجمعوا على أن من اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة قمح، فحمل عليها ما اشتُرِط، فتلِفت؛ ألّا شيء عليه. وقال ابن قدامة في المغني: والعين المستأجرة أمانة في يد المستأجر، إن تلفت بغير تفريط؛ لم يضمنها. والله أعلم بابُ الإحيَاءِ والإِقْطَاعِ

стр. 433

الإحياء: إحياء الأرض المَوات. أرض لم تُزرع ولم يُبنَ عليها فارغة ولا مالك لها، هذه تسمى أرض مَوات. إحياؤها يكون بعِمارتها؛ بأن يَعمَد شخص إلى أرض لم يتقدم مِلكٌ عليها لأحد، فيحييها بالزرع أو البناء أو الغرس مثلاً، فتصير بذلك مِلكه، ولا يُشترط في ذلك إذن الإمام. وأما الإقطاع، فهو: أن يُقطِعَ إمام رجلاً أرضاً فتصير له رقبتها. أرض ليست ملكاً لأحد يعطيها الحاكم لشخص معين لمصلحة معيَّنة يقدِّرها الإمام. قال المؤلف: (مَن سَبقَ إلى إحياءِ أرضٍ لم يَسبِق إليها غيرُهُ؛ فهو أحقَّ بها، وتكونُ مِلكاً له) دليل ما ذكره المؤلف؛ حديث عروة عن عائشة عن النبي ﷺ «من أعمَر أرضاً ليست لأحدٍ فهو أحق»، قال عروة: قضى به عمر في خلافته (١)، وقوله ﷺ في حديث جابر: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» (٢)، أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما، وفي لفظ عند أبي داود من حديث سمرة: «من أحاط حائطاً على أرضٍ فهي له» (٣). لم يشترط النبي ﷺ في ذلك إذن السلطان، فاشتراط إذن السلطان لا وجه له. قال المؤلفرحمه الله: (ويجوزُ للإمامِ أن يُقطعَ مَن في إِقطاعهِ مصلحةٌ شيئاً مِنَ الأرضِ المَيتةِ أو المعادِنِ أو المِياه) للحديث الذي في الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر «أنها كانت تنقل النَّوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ » (٤)، فالنبي ﷺ هو الذي أعطى الأرض للزبير. وأخرج البخاري وغيره «أن النبي ﷺ دعا الأنصار ليُقطِع لهم بالبحرين» (٥).

стр. 434

دعا الأنصار ليعطيهم أرضاً في البحرين. هذه الأحاديث وردت في الأراضي. وأما الأحاديث التي وردت في المياه والمعادن فلا يصح منها شيء. وبناءً على ذلك فلا إقطاع في المعادن والمياه؛ كالنحاس والحديد والذهب والبترول والأنهار والعيون؛ لأنه يلحق الضرر بالناس. والله أعلم بابُ الشَّرِكة الشركة: هي اختلاط النَّصِيبين فصاعداً، بحيث لا يتميز نصيبُ كل واحد عن الآخر. ثم أُطلق اسم الشركة على العقد، وإن لم يوجد اختلاط النصيبين. هذا أصل كلمة الشركة. اختلاط النصيبين: يعني أن يكون لزيد نصيب ولعمرو نصيب في مالٍ معيَّن، ولكن نصيب زيد غير متميز عن نصيب عمرو، فزيد وعمرو مثلاً يشتركان في بيت، جزء من البيت لزيد وجزء منه لعمرو من غير تحديد للأجراء. هذا معنى اختلاط النصيبين فصاعداً، سواء نصيبين أو ثلاثة أو أربعة، بحيث لا يتميز نصيب كل واحد عن الآخر. قال المؤلف ﵀ (الناسُ شُركاءُ في الماءِ والنّارِ والكَلأِ) هذا لفظ حديث نبوي: قال ﷺ : «الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار» (١) بهذا اللفظ لا يصح. الصحيح قوله ﷺ : «المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار» (٢).

стр. 435

والفرق بينهما: في الأول: (الناس)، وفي الثاني: (المسلمون)، فعلى الثاني- وهو الصحيح- أن الشراكة حاصلة في المذكورات بين المسلمين فقط، فخرج بذلك الكفار، بخلاف الأول. والمقصود بالماء هنا: الماء الذي لم يُملك بالحرز، وباق في مكانه؛ كمياه الأنهاروالأمطاروالأودية والعيون، هذه المياه مياه عامة ليست ملكاً لشخص معيَّن، لكن من سبق إليها فهو أحق بها من غيره، يستعمل منها ما يحتاج إليه، وليس له بعد ذلك أن يمنع المسلمين من الماء. ومعنى بالحرز: بالحفظ، أي الماء الذي لم يملك بالحفظ؛ كمياه الأنهار، هو المقصود هنا، فأخرج مثلاً الماء الذي أُحرِز في الجرار والزجاجات وماشابه، فإذا أحرز الماء في زجاجات مثلاً، أو عبأه في ناقلة ماء؛ فله بيعه؛ لأنه صار ملكاً له بذلك. والكلأ: معناه العشب الذي ينبته رب العزة ﵎ في الأرض، ولا يكون للناس فيه سبب، بما أنه عشب نابت وحده ليس لك فيه عمل بحراثة الأرض مثلاً؛ فهذا كلأ عام، يشترك المسلمون فيه، لكن إذا سبقت إليه فأنت أحق به، تأخذ منه ما تحتاج إليه، وما زاد عن ذلك تتركه للمسلمين، لا تمنعهم منه ولا تبيعه. وفي العشب الذي ينبت في أرض مملوكة لشخص من غير عمل منه؛ خلاف. والمقصود بالنار: الحطب الذي تُشعل به النار، أو الشعلة شعلة النار التي تكون في طرف العود، لا يجوز منع الناس منه، وأما إذا جمعت الحطب فلك بيعه. هذه الأشياء من ضروريات الحياة، فيجب أن تبقى عامة مباحة لعامة المنتفعين؛ يشترك فيها الجميع، فبهذا تستقيم أمور الناس، وتصلح الحياة على الأرض. ثم قال المؤلف ﵀ (وإذا تشاجرَ المُستحِقّونَ للماءِ كان الأحقُّ به الأعلى فالأعلى، يُمسِكه إلى الكعبين ثم يُرسِله إلى مَن تحته)

стр. 436

اثنان لهما حق في ماء مشترك، ماء عين يجري أو ماء نهر يمر بأرض زيد أولاً، ثم يمر بأرض عمرو ثانياً. فزيد أحق بالانتفاع بالماء فيعمل للماء حاجزا يمسكه في أرضه يسقي، إلى أن يصل الماء إلى كعبي الرجل - تقريبا يرتفع عن الأرض خمسة سنتمتر- ثم يترك الماء يذهب إلى جاره. هذا الحكم قضى به النبي ﷺ ، فقد جاء في الصحيحين عن عبد الله بن الزبير أنه حدَّث أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير عند النبي ﷺ في شِراج الحَرَّة- أي مسيل الماء من المرتفع إلى الأسفل- التي يَسْقون بها النخل. فقال الأنصاري: سَرِّح الماء يمر- الأنصاري يقول للزبير: اترك الماء حتى ينزل ويصلني إلى أرضي- فأبى عليه، فاختصما عند النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ «اسقِ يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك»، فغضب الأنصاري، فقال: أَنْ كان ابنَ عمتك؟ ! فتلوَّنَ وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: «اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدار» (١). أي حتى تروى الأرض ولا تشرب الماء فيرتد الماء إلى الجدار. فقال الزبير: والله إني لأحب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء/٦٥]، قال الزهري: فقدَّرَتِ الأنصارُ والناسُ قولَ النبي ﷺ : «اسقِ ثم احبس حتى يرجع إلى الجدار»؛ وكان ذلك إلى الكعبين. وكان ﷺ قد أشار إلى الزبير بأمرٍ فيه سعة للطرفين ليصلح بينهما بذلك فلما رفض الأنصاري حكم عليه بالحكم الشرعي، كما جاء في رواية عند البخاري. ثم قال المؤلف: (ولا يجوزُ منعُ فضلِ الماء ليُمنعَ به الكَلأ) قال النبي ﷺ : «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ» (٢)، وهو أن يكون بجانب بئر مملوك لشخص مثلاً عشب، وفيه ماء زائد عن حاجته، فإذا منع سقي الدواب؛ منع الاستفادة من العشب الذي يكون حول البئر، فنهى النبي ﷺ عن منع فضل الماء الذي يوصل إلى منع الكلأ. والكلأ: العشب.

стр. 437

قال النووي ﵀: أما النهي عن بيع فضل الماء ليمنع بها الكلأ؛ فمعناه: أن تكون لإنسان بئر مملوكة له بالفلاة، وفيها ماء فاضل عن حاجته، ويكون هناك كلأ ليس عنده ماء إلا هذه، فلا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلا إذا حصل لهم السقي من هذه البئر؛ فيحرم عليه منع فضل هذا الماء للماشية، ويجب بذله لها بلا عوض؛ لأنه إذا منع بذله؛ امتنع الناس من رعي ذلك الكلأ؛ خوفاً على مواشيهم من العطش، ويكون بمنعه الماء مانعاً من رعي الكلأ. انتهى قال المؤلف ﵀: (وللإمامِ أن يَحمِيَ بعضَ المَواضِعِ لِرعْي دوابِّ المسلمينَ في وقتِ الحاجَة) المقصود من هذا أنه يحق لإمام المسلمين أن يحدد أرضاً معيَّنة فيها عشب، ويمنع الناس من رعي دوابهم فيها، فتكون هذه الأرض خاصة لرعي أموال الزكاة من الإبل والبقر والغنم، وكذلك من الخيل التي يجاهد بها في سبيل الله. لحديث الصَّعبِ بن جَثَّامة عند البخاري في صحيحه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا حمى إلا لله ولرسوله» (١). قال الأصمعي: يقال: حَمى فلان الأرض يحميها حِمى؛ إذا منعها من أن تقرب. وقال الشافعي رخمه الله في تفسير قول النبي ﷺ (لا حمى إلا لله ولرسوله): كان الشريف من العرب في الجاهلية إذا نزل بلداً في عشيرته استعوى كلباً، فحمى لخاصته مدى عِواء ذلك الكلب، فلم يرعه معه أحد، وكان شريك القوم في سائر المراتع حوله. قال: فنهى النبي ﷺ أن يُحمى على الناس حِمى كما كانوا في الجاهلية يحمون. قال: وقوله: (إلا لله ولرسوله) يقول: إلا ما يُحمى لخيل المسلمين ورِكابهم المُرصَدة لجهاد المشركين، والحمل عليها في سبيل الله، كما حَمى عمر النقيع لنعم الصدقة والخيل المعدة في سبيل الله. انتهى من تهذيب اللغة، كلام الشافعي بالمعنى في الأم له. قال المؤلف ﵀: (ويَجوزُ الاشترِاكُ في النُّقُودِ والتِّجارات، ويُقِسَمُ الرِّبحُ على ما تَراضَيا عليهِ)

стр. 438

بدأ المؤلف بمسائل الشركة. اعلم أولاً أن الشركة قسمان: شركة أملاك، وشركة عقود. شركة الأملاك هي: اشتراك أكثر من شخص في ملك عين أو منفعة، من غير عقد؛ كالاشتراك في الميراث والهبة والوصية. إذا مات شخص وله قطعة أرض مثلاً، فيكون الورثة شركاء في قطعة الأرض، من غير وجود عقد بينهم على ذلك. هذا النوع من الشركة لا يترتب عليها أي حكم من أحكام الشركات المعروفة في الفقه الإِسلامي، بل يعتبر كل واحد من الشريكين أجنبيًّا في نصيب صاحبه، فلا يجوز له التصرف فيه بغير إذنه. ولا تحتاج هذه الشركة إلى عقد، وقد يكون التملك فيها جبرًا كالإرث، أو اختيارًا كالهبة والوصية والخلط ونحو ذلك. هذا النوع الشراكة حصلت فيه بين الأشخاص للتملك فقط لا للتجارة. وليست هذه الشركة هي المقصودة معنا هنا، بل المقصودة الثانية: شركة العقود. أما شركة العقود؛ فهي: أن يعقد اثنان فأكثر عقداً على الاشتراك في مال وما نتج عنه من ربح. هذه هي الشركات التجارية التي تم فيها العقد بين طرفين فأكثر على التصرف في المال، والربح يقسم بينهم. وهذه أنواع سيأتي بعضها إن شاء الله. والشركة سواء كانت شركة أملاك أم عقود جائزة شرعاً، دل على الجواز أدلة الكتاب والسنة والإجماع. من أدلة الكتاب؛ قوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء/١٢]، وقوله تعالى: ﴿وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم﴾ [ص/ ٢٤]. والخلطاء، هم الشركاء.

стр. 439

ومن السنة: قال السائب بن أبي السائب للنبي ﷺ : كنت شريكي في الجاهلية، فكنت خير شريك؛ لا تداريني ولا تماريني (١). وفي صحيح البخاري: أن زيد بن أرقم والبراء بن عازب كانا شريكين (٢). وذكر ابن المنذر وابن قدامة الإجماع على مشروعية الشركة (٣). والربح في شركة العقود يكون بين المتشاركين على حسب ما وقع الاتفاق والتراضي عليه بينهما. لقول الله ﵎: ﴿إلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء/٢٩]، ولا يوجد ما يدل على أمرٍ زائد على التراضي، والأصل في المعاملات الحل. قال المؤلف ﵀: (وتَجوزُ المُضارَبةُ ما لم تَشتمِل على ما لا يَحِل) المضاربة نوع من أنواع شركة العقود. المضاربة: هي دفع المال من الدراهم أو الدنانير إلى من يعمل فيه، على أنَّ ربحه بينهما على ما شرطا. عند زيد مال، وعرف خبير بالتجارة، فيعطي زيد عمراً ماله كي يتاجر فيه، والربح يكون بينهما على حسب اتفاقهما. بنسبة معينة النصف أوالثلث أو الربع مثلاً، والخسارة في المال يتحملها صاحب المال، وصاحب العمل يخسر عمله ولا يأخذ مقابله شيئاً. هذه تسمى شركة مضاربة، زيد يشارك بماله وعمرو يشارك بعمله. التسمية مأخوذة من الضرب في الأرض، وهوالسير فيها، سميت بها؛ لأن المضارب يضرب في الأرض غالبا للتجارة؛ طالباً الربح في المال الذي دُفع إليه. وحكمها الجواز؛ لأنه الأصل، الأصل جواز المعاملات: البيع والشراء وما شابه حتى يأتي دليل يدل على التحريم. وقد اتفق أهل العلم على جوازها (٤).

стр. 440

قال ابن قدامة: فصل في شركة المضاربة فصل: القسم الثالث، أن يشترك بدن ومال. وهذه المضاربة، وتسمى قِراضاً أيضاً، ومعناها: أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتجر له فيه، على أن ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشترطانه. فأهل العراق يسمونه مضاربة، مأخوذ من الضرب في الأرض، وهو السفر فيها للتجارة، قال الله تعالى: ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾ [المزمل: ٢٠]. ويحتمل أن يكون من ضرب كل واحد منهما في الربح بسهم. ويسميه أهل الحجاز القراض .... وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة، ذكره ابن المنذر. انتهى باختصار (١). ما لم تشتمل على ما لا يحل: كأن يشترط صاحب المال مثلاً ربحاً مقطوعاً محدداً، يُدفع له كل شهر أو كل سنة مثلاً، إذا اشتُرط هذا الشرط حرُمت؛ لأن في ذلك ضرراً على أحد الطرفين، ربما يربح ربحاً كبيراً فلا يأخذ منه صاحب المال إلا القليل، وربما لا يربح فيدفع العامل من ماله. فلذلك حرُم مثل هذا الشرط، فإذا قام عقد المضاربة على هذا فهو محرم غير جائز. قال ابن تيمية ﵀: كما لو شرط في المضاربة لرب المال دراهم معينة؛ فإن هذا لا يجوز بالاتفاق؛ لأن المعاملة مبناها على العدل وهذه المعاملات من جنس المشاركات؛ والمشاركة إنما تكون إذا كان لكل من الشريكين جزء شائع كالثلث والنصف، فإذا جُعل لأحدهما شيءٌ مُقدّر لم يكن ذلك عدلاً؛ بل كان ظلماً. انتهى من مجموع الفتاوى. واشترط أهل العلم في المضاربة أن تكون في النقد فقط، رأس المال يجب أن يكون نقداً. فالمضاربة الأصل فيها الجواز إلا إذا دخلها محرم؛ فتحرم. والله أعلم ثم قال المؤلف: (وإذا تَشاجرَ الشُّركاءُ في عَرضِ الطَّريقِ؛ كانَ سبعةَ أَذْرُعٍ) اثنان اشتركا في أرض مَوات: لم يُبنَ عليها ولم تُزرع، فأراد كل واحد منهما أن يبني على أرضه وأرادا أن يكون بين الأرضَيْن طريق، ولكنهما اختلفا في عرض الطريق كم يكون، وتنازعا في ذلك.

стр. 441

قال أهل العلم: تُجعل سبعة أذرعٍ، إذا حصل النزاع بينهما. الذراع: نصف متر تقريباً، فتُجعل الطريق ثلاثة أمتارٍ ونصف تقريباً. وذلك لقول أبي هريرة ﵁: «قضى النبي ﷺ إذا تشاجروا في الطريق بسبعة أذرعٍ» هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «إذا اختلفتم في الطريق جُعل عَرضه سبعُ أذرعٍ» (١). وأما إذا اتفقا على جعلها أقل أو أكثر فلا بأس، لكن إذا حصل الخلاف بينهم تكون سبعة أذرع. قال النووي ﵀: هكذا هو في أكثر النسخ: سبع أذرع، وفي بعضها: سبعة أذرع، وهما صحيحان، والذراع يذكر ويؤنث والتأنيث أفصح. وأما قدر الطريق؛ فإن جَعل الرجل بعض أرضه المملوك طريقاً مُسبلةً للمارين؛ فقدرها إلى خيرته، والأفضل توسيعها. وليست هذه الصورة مرادة الحديث. وإن كان الطريق بين أرض لقوم وأرادوا إحياءها؛ فإن اتفقوا على شيء فذاك، وإن اختلفوا في قدره؛ جعل سبع أذرع. وهذا مراد الحديث. أما إذا وجدنا طريقا مسلوكاً، وهو أكثر من سبعة أذرع؛ فلا يجوز لأحد أن يستولي على شيء منه وإن قل، لكن له عمارة ما حواليه من الموات، ويملكه بالإحياء، بحيث لا يضر المارين ... انتهى. ثم قال المؤلف ﵀: (ولا يَمنعُ جارٌ جارَه أن يَغرِزَ خشبةً في جدارِهِ) هذا لقول النبي ﷺ : «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره» (٢) متفق عليه. قال بعض العلماء: هو على الوجوب إذا لم يكن في ذلك مضرة على صاحب الجدار. وذهب بعض أهل العلم إلى الاستحباب، لكن الأصل الوجوب، فمن قال بالاستحباب لزمه دليل صارف، فقالوا: الصارف: تحريم مال المسلم، وأنه لا يجوز لأحد أن يكره أحداً على

стр. 442

أن يفعل في ملكه ما يضر به، أو أن يستعمل ملك الغير إلا بطيب نفسه؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه» (١). قال ابن عبد البررحمه الله في التمهيد: واختلف الفقهاء في معنى هذا الحديث، فقال منهم قوم: معناه الندب إلى بر الجار والتجاوز له والإحسان إليه، وليس ذلك على الوجوب، وممن قال ذلك مالك وأبو حنيفة، ومن حجتهم: قوله ﷺ «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» .... قال: وقال آخرون: ذلك على الوجوب إذا لم تكن في ذلك مضرة على صاحب الجدار، وممن قال بهذا: الشافعي وأحمد بن حنبل وداود بن علي وأبو ثور وجماعة من أهل الحديث، وحجتهم: قول أبي هريرة: والله لأرمين بها بين أكتافكم، وأبو هريرة أعلم بمعنى ما سمع، وما كان ليوجب عليهم غير واجب، وهو مذهب عمر بن الخطاب، وحكى مالك عن المطلب -قاض كان بالمدينة- كان يقضي به، ومن حجتهم أيضاً أن قالوا: هذا قضاء من رسول الله ﷺ بالمرفق، وقوله ﷺ «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» إنما هو على التمليك والاستهلاك وليس المرفق من ذلك، وكيف يكون منه والنبي ﷺ فرق بين ذلك فأوجب أحدهما ومنع من الآخر؟ ! انتهى باختصار. والمِرفَق أو المَرفِق: من الارتفاق هو الانتفاع. ثم قال المؤلف ﵀: (ولا ضَررَ ولا ضِرارَ بين الشُّركاءِ، ومَن ضارَّ شرِيكَه؛ جازَ للإمامِ عُقُوبتُه بقلعِ شجرِهِ أو بَيعِ دارِه) جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار» (٢) هذا الحديث بمجموع طرقه صحيح إن شاء الله، وهو قاعدة شرعية عظيمة أُخذت منه قاعدة: الضرر يُزال يعني يرفع ولا يبقى، مأخوذة من هذا الحديث، وهي قاعدة متفق عليها بين الفقهاء.

стр. 443

اختلف أهل العلم في معنى (لا ضرر)، و (لا ضرار) فقال بعض أهل العلم: المعنى واحد، لا ضرر ولا ضرار بنفس المعنى، الجملة الثانية مؤكدة للجملة الأولى، ومعناهما نفي الضرر في الشرع بغير حق. وقال آخرون: بينهما فرق، فقالوا: الضرر: أن يُدخِل على غيره ضرراً بما ينتفع هو به، والضرار: أن يُدخل على غيره ضرراً بلا منفعة له به. وقيل: الضرر: أن يضر بمن لا يضره، والضرار: أن يضر بمن قد أضر به على وجهٍ غير جائز، كأن يتجاوز الحد في الإضرار به. وعلى كل حال فالنبي ﷺ إنما نفى الضرر والضرار بغير حقٍّ، فإيقاع الضرر بالآخرين بغير حق محرَّم. وأما إدخال الضرر على أحدٍ بحقٍ؛ كمن تعدى حدود الله تعالى، فيعاقب على قدر جريمته، أو كونه ظلم غيره، فيطلب المظلوم حقه بالعدل؛ فهذا غير مرادٍ قطعاً؛ كقطع يد السارق، هذا ضرر ولكنه بحق، هذا غير داخل في الحديث بالاتفاق، والأدلة كثيرة على جواز مثل هذا الضرر. وممن يدخل في هذا الحديث الشركاء، فلا يجوز إيقاع الضرر على الشريك بالتفصيل المتقدم. ومن أوقع الضرر على شريكه؛ جاز للإمام أن يعاقبه على ذلك، بالطريقة التي يرد بها الحق للمظلوم، وترفع الظلم عنه، وتردع الظالم. كمن له شجرة في أرض شخص آخر، وصاحب الأرض يتأذى من دخول صاحب الشجرة إلى أرضه، فيلزم صاحب الشجرة ببيعها أو بنقلها، فإن رفض قلعت شجرته لرفع الضرر عن صاحب الأرض، وكذلك لو كان له بدل الشجرة داراً. وكمن منع جاره غرز خشبة في جداره ولا ضرر عليه من ذلك. بابُ الرَّهْنِ

стр. 444

الرَّهنُ في اللغة: الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن؛ أي راكد، فهو ثابت. ومن معانيه: الحبس؛ كما في قول الله ﵎: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدّثر/٣٨]، أي محبوسة في الموقف حتى تُسأل عن أعمالها في الدنيا. وأما في الشرع: فهو المال الذي يُجعل وثيقةً بالدَّيْن؛ ليُسْتَوفَى من ثمنه إن تعذر استيفاؤُه ممن هو عليه. أي حتى يكون ضماناً مالياً للدَّيْن، فإذا لم يستطع صاحب المال استرجاع ماله ممن أقرضه؛ أخذ حقه من الرهينة التي عنده، فيباع الرهن ويأخذ حقه منه، وإذا زاد شيئاً رده لصاحبه. هذا عند حلول أجل الدين المتفق عليه بينهما، وأما قبل وقت سداد الدين المتفق عليه؛ فتكون الرهينة أمانة في يده لا يحق له التصرف فيها. كأن يأتي شخص مثلاً يريد من زيد قرضاً مائة ألف دينار، وزيد يخشى إن أعطى الرجل مائة ألف أن لا يرد له ماله، فيقول له: ارهن لي شيئاً عندي، فيرهن له مثلاً بيتاً أو سيارة أو ما شابه. هذا يسمى رهناً، فيأخذ البيت أو السيارة ويتفقان على مدة معيَّنة، إذا جاء ذاك الوقت رد المال الذي اقترضه ويأخذ ما رهنه عند المرتهن، فإذا لم يحضر المال في الوقت المتفق عليه؛ جاز لزيد أن يرفع الأمر إلى القاضي كي يبيع القاضي البيت أو السيارة ويأخذ زيد حقه منه، وما زاد يرده إلى صاحب البيت أو السيارة. قال المؤلف: (يَجوزُ رهنُ ما يَملِكُهُ الرَّاهِنُ في دَيْنٍ عَليهِ) يجوز للذي يريد أخذ دَيْنٍ أن يَرهنَ أيَّ شيءٍ من ماله الذي يملكه، ويقال له: (راهن). والرهن جائز بالإجماع بالجملة (١)، والنبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي بشعير أخذه من اليهودي، كما قالت عائشة ﵂ (٢).

стр. 445

وهذا دليلٌ على صحة الرهن في الحضر يعني في غير سفر؛ لأن النبي ﷺ رهن درعه ولم يكن مسافراً. وأما الرهن في السفر؛ فجاء فيه قول الله ﵎: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فخصه بعض أهل العلم بالسفر. قال النووي ﵀: وفيه جواز الرهن، وجواز رهن آلة الحرب عند أهل الذمة، وجواز الرهن في الحضر، وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة؛ إلا مجاهدًا وداود، فقالا: لا يجوز الرهن إلا في السفر؛ تعلقًا بقوله تعالى ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣] واحتج الجمهور بهذا الحديث، وهو مقدم على دليل خطاب الآية. انتهى. والله أعلم قال المؤلف: (والظَّهرُ يُركَبُ، واللَّبنُ يُشرَبُ؛ بنفقةِ المَرهُون، ولا يَغْلَقُ الرَّهنُ بما فيه) قال النبي ﷺ في الحديث الذي أخرجه البخاري: «الرَّهْنُ يُركب بنفقتهِ إذا كان مَرهُوناً، ولبنُ الدَّرِّ يُشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يَركب ويَشربُ النفقة» (١). أي المُرتَهِن-المُرتهِن هو الذي أخذ الرهن- له أن يركب ظهر الدابة المرهونة عنده من فرسٍ أو حمار أو ناقة أو غير ذلك، وله أن يحلب البقرة والشاة وينتفع بلبنها. هذا مقابل إنفاقه عليها. فإذا لم تكن في الرهن نفقة؛ فلا يحل له استعمالها، كالسيارة مثلاً، لا تحتاج نفقة؛ فلا يحل له استعملها. وقد اختلف أهل العلم في جواز انتفاع آخذ الرهن بالرهن بحلبه وركوبه، من غير إذن مالك الرهن، ظاهر الحديث يدل على الجواز، أخذ به أحمد في رواية عنه وإسحاق وغيرهما، وخالفهم الجمهور. قال أهل العلم: وفيه حجة لمن قال: يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا قام بمصلحته ولو لم يأذن له المالك. وهو قول أحمد وإسحاق وطائفة، قالوا: ينتفع المرتهن من الرهن بالركوب والحلب بقدر النفقة، ولا ينتفع بغيرهما لمفهوم الحديث.

стр. 446

وذهب الجمهور إلى أن المرتهن لا ينتفع من المرهون بشيء، وتأولوا الحديث لكونه ورد على خلاف القياس من وجهين: أحدهما: التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه، والثاني: تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة. قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها. ويدل على نسخه حديث ابن عمر: «لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه»، رواه البخاري. انتهى. وقوله: ولا يَغلَق الرهنُ بما فيه، معنى هذا: أنه لا يستحق الذي أخذ الرهنَ أن يأخذ الرهن كاملاً ويتملكه في حال عدم دفع صاحبه الدين في الوقت المحدد، مع أنه أغلى ثمناً من الدين، بل لو جاء بالدين بعد الوقت المحدد يرد له ماله، وإذا بيع ترد له الزيادة. هذا المعنى صحيح، ورد فيه حديث ضعيف: «لا يَغْلَق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه» (١). قال الإمام مالك ﵀: وتفسير ذلك فيما نرى- والله أعلم-: أن يرهن الرجل الرهن عند الرجل بالشيء، وفي الرهن فضل عما رهن به، فيقول الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك إلى أجل يسميه له، وإلا فالرهن لك بما رهن فيه، قال: فهذا لا يصلح ولا يحل، وهذا الذي نهي عنه، وإن جاء صاحبه بالذي رهن به بعد الأجل؛ فهو له، وأرى هذا الشرط منفسخًا. بابُ الوَدِيْعَةِ والعَارِيَّة الوديعة، هي: أمانة تُركت عند الغير للحفظ قصداً. وهي التي يسميها الناس اليوم: أمانة. والعاريَّة- بتشديد الياء، وتخفيفها- هي: تمليك منفعةٍ بلا بدل. يسميها الناس اليوم: استعارة. التمليكات أربعة أنواع:

стр. 447

١ - تمليك العين بِعِوَضٍ: هذا بَيْع. ٢ - تمليك العين بلا عِوَضٍ: هذا هبة. ٣ - تمليك منفعةٍ بِعوَضٍ: إيجارة. ٤ - تمليك منفعة بلا عوضٍ: عاريَّة. فالفرق بين الوديعة والعاريّة: أن الوديعة أمانة تُركت للحفظ فقط، فلا يجوز الانتفاع بها دون إذن صاحبها. والعاريَّة تُركت للحفظ والانتفاع معاً، فينتفع بها وتبقى عينها يردها لصاحبها. هذا الفرق بينهما. قال المؤلف: (تجبُ على الوَديعِ والمُستَعيرِ؛ تأدِيةُ الأمانةِ إلى مَن ائتَمَنهُ، ولا يَخُنْ مَن خانَه) يريد المؤلف بالوديع مَن وُضعت عنده الوديعة أي الأمانة. قال الشيخ أحمد شاكر: لم أجد وجهاً لاستعمال هذا الحرف في المعنى المراد هنا. انتهى فالوديع في اللغة هو: الرجل الساكن الهادئ. والمستعير: الذي أخذ الشيء استعارةً لينتفع به ويرده، فيكون الشيء عنده عاريَّة. فمن أخذ الشيء عاريّة أو وديعة؛ وجب عليه رده إلى صاحبه؛ لقول الله ﵎: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. هذا لفظ عام يدخل فيه: قضاء الدَّين، وردّ حقوق الناس إليهم، ومن ذلك رد العارية والوديعة، وكذلك حق الله على عباده. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف» (١). وقال ﷺ : «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُن من خانك» (٢)، وهو حديث ضعيف.

стр. 448

فتأدية الأمانة واجبة، وتحرم خيانتها، وأما استرداد حقك ممن خانك؛ فهذا ليس بخيانة. بعض أهل العلم يقول: إذا خانك شخص وأخذ مالك بغير وجه حق، وقدرت على مال له ائتمنك عليه؛ لا يجوز لك أن تأخذ حقك منه، ويستدلون بهذا الحديث، وقد علمت أنه ضعيف، ومخالف لحديث هند بنت عتبة الذي في الصحيحين: قالت للنبي ﷺ : إن أبا سفيان رجل شحيح، ولا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنيّ؛ إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل عليّ في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيكِ بنيك» (١). ائتمنها أبو سفيان على ماله فأذن لها النبي ﷺ بأخذ حقها وحق أولادها؛ فلم تكن هذه خيانة. وكذلك استدل السلف بقول الله ﵎: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. بوَّب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه كتاب المظالم والغصب؛ باباً يشمل هذه المسألة، وأورد هذه الآية من كلام ابن سيرين ﵀. وقال الترمذي بعد تخريجه لحديث: لا تخن من خانك: وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث، وقالوا: إذا كان للرجل على آخر شيء، فذهب به، فوقع له عنده شيء، فليس له أن يحبس عنه بقدر ما ذهب له عليه. ورخص فيه بعض أهل العلم من التابعين، وهو قول الثوري، وقال: إن كان له عليه دراهم فوقع له عنده دنانير؛ فليس له أن يحبس بمكان دراهمه؛ إلا أن يقع عنده له دراهم؛ فله حينئذ أن يحبس من دراهمه بقدر ما له عليه. انتهى. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (ولا ضَمانَ عليه إذا تَلِفَت بِدونِ جِنَايتهِ وخِيانتِهِ) الذي وُضعت عنده الوديعة أو الذي استعار العاريَّة إذا تلفت الوديعة أو العارية: سُرقت أو فسدت أو غير ذلك، يقول المؤلف: لا ضمان عليه، بشرط أن لا يكون تلفها من جنايته أو من خيانته للأمانة، إذا تعمد كسرها مثلاً؛ يضمن؛ لأنه هو الذي جنى على العاريَّة أو على الأمانة. أو خان فيها ولم يكن أميناً عليها، فهنا يضمن.

стр. 449

أما إذا لم تكن منه خيانة ولا جناية؛ فلا يضمن. من وضعت الوديعة عنده يضمن بالجناية فقط، نقلوا الاتفاق على ذلك. واختلفوا في المستعير، الجمهور على أنه يضمن إلا إذا كان تلفاً على وجه مأذون فيه من صاحب العارية. وسبق أن قلنا: الذي يده يد أمانة لا يضمن إلا إذا حصل منه تعدٍ أو تفريط. قال المؤلف في شرحه: وأما كونه لا ضمان إذا تلفت العين المستعارة والمستودعة؛ فلحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «لا ضمان على مؤتمن». أخرجه الدارقطني، وفي إسناده ضعف. وقد وقع الإجماع على أن الوديع لا يضمن إلا لجناية على العين؛ لما أخرجه الدارقطني في الحديث السابق من طريق أخرى بلفظ «ليس على المستعير غيرِ المُغِلّ ضمان، ولا المستودع غيرِ المُغل ضمان». والمُغِل: هو الخائن، والجاني خائن. وأما المستعير فقد ذهب إلى أنه لا يضمن إلا لجناية أو خيانة؛ العترة والحنفية والمالكية، وحكى في الفتح عن الجمهور أن المستعير يضمنها إذا تلفت في يده إلا إذا كان التلف على الوجه المأذون فيه. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه؛ من حديث الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه». وفي سماع الحسن من سمرة مقال مشهور. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم من حديث صفوان بن أمية؛ أن النبي ﷺ استعار منه يوم حنين أدرعاً، فقال: أغصباً يا محمد قال: «بل عارية مضمونة». انتهى كلام المؤلف، والأحاديث التي ذكرها هنا كلها ضعيفة لا يصح منها شيء. قال المؤلف ﵀: (ولا يجوزُ مَنعُ المَاعُونِ؛ كالدَّلوِ والقِدرِ، وإِطراقِ الفَحلِ، وحَلبِ المَوَاشِي - لِمَن يحتاجُ ذلك-، والحَمْلِ عليها في سَبيلِ الله) الماعون: متاع البيت الذي يتعاطاه الناس بينهم؛ كالفأس، والقدر، والدلو، والكأس، وما شابه من الأشياء التي اعتاد الناس على أن يستعيرها بعضهم من بعض.

стр. 450

لا يجوز منع الماعون؛ لقول الله ﵎: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]، فذمهم الله على ذلك. وإطراق الفحل وحلب المواشي ... إلخ، دليله ما أخرجه مسلم من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: «ما من صاحب إبلٍ ولا بقرٍ ولا غنمٍ لا يؤدي حقها إلا أُقعِد لها يوم القيامة بقاعٍ قرقرٍ، تَطَؤُه ذات الظِّلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها، ليس فيها يومئذ جَمَّاء ولا مَكسُورة القرن» قلنا: يارسول الله! وما حقها؟ قال: «إِطراقُ فَحلِها، وإِعارةُ دَلوِها، ومَنِيحَتُها، وحَلَبُها على الماء، وحَملٌ عليها في سبيل الله ... » (١). إطراق الفحل: إذا أراد شخص منك فحلاً حصاناً أو جملاً، عنده أنثى ويريد الذكر كي يطرق الأنثى؛ فلا يجوز لك أن تمنعه ذلك. وإعارة دلوها: أي: من حقوق الماشية أن يعير صاحبها الدلو الذي يسقيها به، إذا طلبه منه من يحتاج إليه. ومنيحتها: أن يعطي الشاة أو الناقة للمحتاج لينتفع بحلبها ثم يردها. وحلبها على الماء: أي تحلب وهي تشرب على الماء، ويُعطى من الحليب من يحتاج. والحمل عليها في سبيل الله: يبذلها المالك لمن أراد أن يستعيرها لينتفع بها في الغزو في سبيل الله. اختلف العلماء في وجوب المذكورات هنا، ذهب الجمهور إلى عدم الوجوب بعد فرض الزكاة، وقالوا: الحديث منسوخ بالزكاة، أو تأولوه، والصحيح قول من قال: يحتمل أن يكون هذا الحق فى موضع تتعين فيه المواساة. والله أعلم قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وفيه: أن في المال حقاً سوى الزكاة. وأجاب العلماء عنه بجوابين: أحدهما: أن هذا الوعيد كان قبل فرض الزكاة، ويؤيده ما سيأتي من حديث ابن عمر في الكنز، لكن يعكر عليه أن فرض الزكاة متقدم على إسلام أبي هريرة، كما تقدم تقريره. ثاني الأجوبة: أن المراد بالحق القدر الزائد على الواجب، ولا عقاب بتركه، وإنما ذكر استطراداً، لَمّا ذكر حقها؛ بيّن الكمالَ فيه، وإن كان له أصل يزول الذم بفعله، وهو الزكاة.

стр. 451

ويحتمل أن يراد: ما إذا كان هناك مضطر إلى شرب لبنها، فيحمل الحديث على هذه الصورة. وقال ابن بطال: في المال حقَّان: فرض عين وغيره، فالحلب من الحقوق التي هي من مكارم الأخلاق. انتهى. بابُ الغَصْبِ الغصب في اللغة: أخذ الشيء ظلماً وقهراً. وفي اصطلاح الفقهاء: الاستيلاء على حق الغير قهراً بغير حق. قال المؤلف ﵀: (يَأثمُ الغَاصِبُ، ويَجِبُ عليهِ رَدُّ ما أَخذَهُ، ولا يَحِلُّ مال امرِئ مُسلمٍ إلَّا بِطِيبةٍ مِن نفْسِهِ) الأصل تحريم مال المسلم إلا برضا صاحب المال؛ وذلك لقول الله ﵎: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلا أنْ تَكونَ تِجَارةً عَن تَرَاضٍ مِنكُم﴾ [النساء: ٢٩]، وقول النبي ﷺ في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (١). وقوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (٢). أخرجه أحمد وغيره، هذا الحديث الأخير هو الذي ذكره المؤلف. فالغصب محرَّم بإجماع علماء المسلمين (٣)، والأدلة التي ذكرناها تدل على ذلك. وإذا أراد الغاصب أن يتوب؛ فيجب عليه رد المغصوب إلى صاحبه، فرد المال إلى صاحبه واجب؛ كي يتخلص الغاصب من إثم فعله بالتخلص من حقوق العباد. قال ﷺ : «من كانت له مَظلمةٌ لأخيه مِن عِرضِهِ أو شيءٍ» -أي أنه ظلم أخاه بأخذ شيء من ماله بغير حق، أو بطعنه في عرضه-؛ «فليتحلَّلهُ منه اليومَ قبلَ أن لا يكونَ دينارٌ ولا

стр. 452

درهمٌ، إن كان له عمل صالحٌ؛ أُخذ منه بقدر مَظلمَته، وإن لم يكن له حسنات؛ أُخذ من سيئات صاحبه فحُمِل عليه» أخرجه البخاري (١). يعني: إذا كان لأخيك عليك حق فتخلص من حق أخيك في الدنيا، قبل أن تأتي يوم القيامة فيؤخذ منك الحق هناك، فلا يوجد درهم ولا دينار هناك، الحق يؤخذ بالحسنات والسيئات والحسنات أغلى ما تملك في ذاك الوقت، والسيئات أسوء ما تأخذ، فإذا كانت عندك حسنات؛ أُخذت منك حسنات بقدر ما له حق عليك في الدنيا، وإذا لم تكن لك حسنات؛ أُخذ من سيئاته ووُضع عليك بقدر المظلمة. لذلك من كان لأخيه عليه حق فليبادر إلى إرجاع حقه إليه في الدنيا. قال ابن قدامة ﵀: أجمع العلماء على وجوب رد المغصوب إذا كان بحاله لم يتغير. انتهى وكذلك يلزمه رد المغصوب بزيادته؛ لأنها نماء المغصوب، فهي لمالكه كالأصل. نماء المغصوب: الشيء الذي يُغصب وله فائدة تنتج عنه، هذه الفائدة يجب أن تُرَدَّ مع الأصل إلى صاحبها؛ كأن يكون المغصوب مثلاً بيتاً يُؤجَّر، غصب شخصٌ من آخر بيتاً لمدة سنة مثلاً، والبيت له فائدة، وهي الأجرة التي يدفعها المستأجر، عند رد البيت المغصوب لصاحبه؛ يجب على الغاصب أن يرد البيت وأن يرد أجرة سنة كاملة، لأن هذه الأجرة هي نماء للأصل، الذي هو البيت، والبيت لمالكه؛ فالأجرة أيضاً لمالك الأصل وهو البيت. قال المؤلف ﵀: (وليسَ لعِرْقٍ ظالمٍ حَقٌ، ومَن زرعَ في أرضِ قومٍ بغيرِ إذنِهِم؛ فليسَ له من الزَّرعِ شيءٌ، وله نفقته، ومن غَرسَ في أرضِ غيره غرساً؛ رَفَعَه) إذا غصب شخص أرضاً، وبنى عليها، أو زرع فيها زرعاً، أو غرس فيها شجراً؛ لزمه هدم البناء وإزالته، وقلع الغراس إذا طلب ذلك صاحب الأرض. لقول النبي ﷺ : «من أحيا أرضاً ميتة؛ فهي له، وليس لعرقٍ ظالمٍ حق» (٢). أخرجه أبو داود وغيره، والصحيح فيه الإرسال، فهو ضعيف. قال الخطابي: هو: أن يغرس الرجل في غير أرضه بغير إذن صاحبها، فإنه يؤمر بقلعه؛ إلا أن يرضى صاحب الأرض بتركه. وللغاصب نفقته التي أنفقها على الزرع. الزرع لا يمكن قلعه، فهو حبوب تزرع في الأرض؛ كالقمح والشعير.

стр. 453

فيبقى، ويستحق الغاصب النفقة التي أنفقها على الزرع من مؤنة السقي وثمن البذور وغير ذلك، لقول النبي ﷺ : «من زرع في أرض قومٍ بغير إذنهم؛ فليس له من الزرع شيء وله نفقته» (١). أخرجه أبو داود وغيره. هذا قول من أقوال أهل العلم، وهو قولٌ ناشئ عن صحة الحديث الذي ذكرناه، ولكن الحديث ضعيف. والذي عليه عامة الفقهاء: أن الزرع لصاحب البَذر. وعلى الغاصب كراء الأرض فيدفع أجرتها، أي يبقى الزرع للغاصب، ولكنه يدفع أجرة الأرض التي استعملها، إن رضي صاحب الأرض، وأما إذا لم يرض؛ أُمر الغاصب بإخراج البذر منها، ويتحمل تكاليف أي نقص يحدث في الأرض. فالبناء يهدم، والشجر يقلع، والزرع يلزم الغاصب بدفع أجرة الأرض إلى أن يحصد زرعهإن رضي صحاب الأرض، وإلا أمر بإخراج بذره، وتحمل تكليف أي نقص يحصل على الأرض. قال ابن المنذر في الإشراف: وقال أحمد بهذا الحديث ما دام الزرع قائماً في الأرض، فإذا حُصِد فإنما لهم الأجر. وفي قول الشافعي: إذا أدرك الزرع قبل أن يَشتَدّ؛ قلع، وعليه كراء المثل فيما مضى، وإن لم يدرك زرعاً حتى يُحصد، كان الزرع لصاحب البذر، وعليه كراء مثل الأرض في المدة التي أقامت في يده. قال المؤلف: (ولا يَحِلُّ الانتفاعُ بالمَغصُوبِ، ومَن أتلفَهُ فعليهِ مثلُهُ أو قِيمته) لا يحل الانتفاع بالمغصوب لما تقدم من الأدلة، فهي تدل على تحريم مال المسلم إلا بإذنه. فإذا غصب أحد سيارة مثلاً، وأخذها من صاحبها بغير إذنه، لا يحل له استعمال السيارة؛ لأنها ملك لغيره، وغيره لم يأذن له في استعمالها، فمنفعة هذه السيارة محرمة عليه. وأما من أتلف المغصوب فعليه مثله أو قيمته. ما كان له مثلٌ في السوق من غيرفارق يعتد به؛ فيجب عليه أن يعوض صاحب المال بمثله. وما ليس له مثل؛ يعوضه بقيمته. يُنظر كم يساوي في السوق ويَدفع له الثمن. لحديث أنس: أن عائشة كسرت إناءَ إحدى زوجات النبي ﷺ وفيه طعام؛ فقال لها النبي ﷺ : «طعام بطعام وإناء بإناء» (٢).

стр. 454

وفي البخاري: أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «كلوا»، فأكلوا الطعام، وأعطى القصعة الصحيحة لصاحبة القصعة، وأبقى المكسورة للتي كَسرت القصعة (١). فالغاصب إذا أتلف المغصوب؛ وجب عليه أن يرد مثله، فإذا غصب سيارة جديدة مثلاً وأتلفها؛ نلزمه بأن يرد سيارة مثلها، أما إذا كانت سيارة مستعملة فيصعب أن يجد سيارة مثلها؛ فنلزمه بثمنها، يقدر ثمنها في السوق ويدفعه لصاحب السيارة. والله أعلم بابُ العِتْقِ العتق لغة: الحرية. وشرعاً: تحرير الرقبة، وتخليصها من الرِّق. المقصود بالرقبة: العبد. والمقصود بالعبد: المملوك الذي يباع ويشترى. وتخليصها من الرِّق، أي من العبودية. قال المؤلف ﵀: (أفضلُ الرِّقَابِ أنفَسُها) رغَّب الشرع كثيراً في العتق، وجعل الله له أجراً عظيماً ترغيباً فيه، من ذلك قول النبي ﷺ : «من أعتق رقبة مسلمة؛ أعتق الله بكل عضوٍ منه عضواً منه من النار، حتى فرجه بفرجه» (٢). متفق عليه. وأفضل أنواع الرقاب عِتقاً، وأكثرها أجراً؛ أنفسها عند أهلها؛ لما جاء في الصحيحين عن أبي ذرٍّ قال: قلت: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله والجهاد في سبيله» قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: «أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمناً ... » (٣). الأنفس عند أهلها، أي الذين يملكونها، تكون عندهم أنفس من غيرها، أي أجود وأفضل من غيرها، ويكون ثمنها في السوق أكثر من غيرها؛ لجودها وحسنها. مسألة الرق -العبودية- هذه مسألة لم يختص بها الإسلام، بل هي عامة في الأديان كلها، أمرٌ موجود في جميع الأديان. ولكن الإسلام جاء بفتح أبواب العتق وتكثير ذلك، فتجد في كفارة اليمين عتق رقبة، في كفارة الظهار عتق رقبة، ومن أسبابه: النذر والقرابة والظلم بالمثلة، وغير ذلك. الشارع حث على هذا العمل ورغَّب فيه كثيراً حتى يُخلِّص الناس من العبودية، ولكنه لم يغلق جميع أبوابه.

стр. 455

من هنا يتساءل البعض: لماذا الشرع لم يغلق أبواب الرِّق نهائيّاً، مع أن في الرِّق إذلالاً للناس؟ نقول: الشرع أغلق جميع أبواب الرق التي كانت في الجاهلية، وأبقى باباً، لأن مصلحته أعظم من المفسدة المذكورة. المصلحة الأولى من وراء فتح أحد أبواب الرِّق أعظم بكثير من المفسدة التي يراها الناس اليوم؛ هي: دخول الكثير من الناس في الإسلام من وراء الرِّق. اتخاذ الناس عبيداً بعد أن كانوا أحراراً، يشرع في الإسلام عندما يقاتل المسلمون الكفار، ويأسرون النساء والأطفال يأخذونهم رقيقاً. المصلحة الأولى - وهي العظمى - أنهم يعرفون الإسلام ويدخلون فيه، حتى قال النبي ﷺ في الحديث: «عَجِبَ ربُّنا من رجال يقادون في السلاسل حتى يدخلوا الجنة» (١). هذه أعظم مصلحة، أن يمن الله على العبد بالإسلام، وإن أصابه ما أصابه من رق، عندما يرى حلاوة الإسلام ولذته ويعرف النعيم الذي دخل عليه بسبب ذلك؛ سيعرف أن هذه نعمة لا يعدلها شيءٌ، إذ يكون فاز بخيري الدنيا والآخرة، فإسلامه سيكون سبباً في عتقه. المصلحة الثانية: أن المعتاد في الحروب والقتال أن يكون أعظم خاسرفيها هم الأطفال والنساء، فالأطفال يُشَرّدون والنساء يُغتصبن ويُهَنّ كثيراً في الحروب. في الإسلام في حال الرق يُحفظ الأطفال وتحفظ النساء أيضاً؛ لأنه عندما يؤخذ الأطفال والنساء رقيقاً، ويعطى الأطفال والنساء من الحقوق الشرعية التي كتبها الله ﵎ لهم في الإسلام، ويعاملون معاملة حسنة كما أراد الله ؛ عندها سيكون الرق عليهم نعمة وليس نقمة. ولو يعلم كثير ممن يحاربون الرق ما جعل الله للرقيق إن أدى الحق الذي عليه، وإن أدى له سيده حقه كما شرع الله؛ لما حاربوه مطلقاً؛ بل لعملوا بما شرع الله فيه إن أنصفوا. يوجد مفسدة نعم؛ لكن المصالح المرجوة من وراء ذلك أعظم بكثير. ثم قال المؤلف ﵀: (ويَجوزُ العِتقُ بشرطِ الخِدمةِ ونحوِها) يعني إذا كان عند شخص عبد وأراد أن يعتقه، يجوز له أن يشترط عليه شرطاً مقابل العتق؛ كأن يقول له مثلاً: أعتقك وتكون حراً بشرط أن تخدمني بقية عمري، هذا الشرط جائز؛ لحديث سفينة قال: أعتقتني أم سلمة- زوج النبي ﷺ وشَرَطَت عليَّ أن أخدم النبي ﷺ ما عاش (٢).

стр. 456

أخرجه أحمد وغيره. هذا الحديث يدل على صحة مثل هذا الشرط في العتق. والله أعلم. قال البغوي في شرح السنة: لو قال رجل لعبده: أعتقك على أن تخدمني شهراً، فقبل؛ عُتق في الحال، وعليه خدمة شهر، ولو قال: على أن تخدمني أبداً، أو مطلقاً، فقبل؛ عُتق في الحال، وعليه قيمة رقبته للمولى، وهذا الشرط إن كان مقروناً بالعتق؛ فعلى العبد القيمة، ولا خدمة، وإن كان بعد العتق؛ فلا يلزم الشرط، ولا شيء على العبد عند أكثر الفقهاء، وكان ابن سيرين يثبت الشرط في هذا. وقال أحمد: يشتري هذه الخدمة من الذي شرط له، قيل له: يشتري بالدراهم؟ قال: نعم. انتهى قال المؤلف: (ومن مَلك رَحِمهُ عَتَقَ عليه) أي من ملك أحد محارمه؛ كأبيه وأمه وأخيه وأخته وابنه .. وهكذا؛ فالمملوك حر. بمجرد أن يملكه سواء اشتراه أو وقع في نصيبه من قسمة الغنائم؛ يعتق مباشرة. هذا قول المؤلف، ويعتمد في ذلك على حديث سمرة قال فيه النبي ﷺ : «من ملك ذا رحمٍ مَحْرمٍ فهو حر» (١). ولكنه حديث ضعيف لا يثبت. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يُعتق حتى يعتقه -إن أعتقه- لقول النبي ﷺ : «لا يجزي ولد عن والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه» (٢). أخرجه مسلم. لا يجزي ولدٌ عن والده، يعني للوالد على ولده فضل عظيم لا يستطيع الولد أن يرد هذا الفضل لوالده إلا في حالة واحدة، وهي أن يجد أباه عبداً مملوكاً فيشتريه ويعتقه. الشاهد من هذا قوله: إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه، فقوله: يعتقه يدل على أن مجرد شرائه ودخوله في ملكه لا يجعله حرّاً. قال البغوي في شرح السنة: والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: إذا اشترى الرجل أحداً من آبائه، أو أمهاته، أو واحداً من أولاده، أو أولاد أولاده، أو ملكه بسبب آخر؛ يُعتق عليه من غير أن ينشئ فيه عتقاً، وقوله: فيعتقه؛ لم يرد به أن إنشاء الإعتاق شرط، بل أراد به أن الشراء يخلصه عن الرق. واختلف أهل العلم في غير الوالدين والمولودين من المحارم، فذهب أكثر أهل العلم إلى أن من ملك ذا رحم محرم كالأخ، وابن الأخ، والعم، والعمة، والخال، والخالة، يعتق عليه. يروى ذلك عن عمر، وعبد الله بن مسعود، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة، وهو قول الحسن، وجابر بن زيد، وعطاء، والشعبي، والزهري، والحكم، وحماد، وإليه ذهب سفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بما روي عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «من ملك ذا رحم محرم، فهو حر». وقال مالك: لا يعتق إلا الوالد، والولد، والإخوة.

стр. 457

وقال قوم: لا يعتق إلا الوالدون، والمولودون، وإليه ذهب الشافعي. وذهب بعض أهل الظاهر إلى أن الأب لا يعتق على الابن، لأن في الحديث: «فيشتريه فيعتقه»، وإذا صح الشراء؛ ثبت الملك، والملك يفيد التصرف، وحديث سمرة لا يعرف مسنداً إلا من حديث حماد بن سلمة، ورواه بعضهم عن قتادة، عن الحسن، عن عمر، ورواه بعضهم عن الحسن مرسلاً. قال ﵀: (ومَن مَثَّلَ بمملُوكِهِ فَعليهِ أن يُعتِقَه وإلَّا أعتقَهُ الإمامُ أو الحاكمُ) التمثيل هنا بمعنى العقوبة، يعني من عاقب مملوكه ظلماً، وهو لا يستحق العقوبة؛ فعليه أن يعتقه، أي فيلزمه عتقه، وإن لم يعتقه هو أعتقه الإمام أو الحاكم، للملوك أن يرفع قضيته إلى الحاكم أو إلى الإمام وهو يعتقه. يستدل المؤلف على ما يقول بقول النبي ﷺ : «من لطم مملوكه أو ضربه؛ فكفارته أن يعتقه» (١). أخرجه مسلم. من ضرب مملوكه لطمة على وجهه أو ضربه ضرباً آخر بغير وجه حق، فكفارة فعله هذا أن يعتق مملوكه حتى يتخلص من الإثم. قال النووي: في هذا الحديث الرفق بالمماليك وحسن صحبتهم وكف الأذى عنهم، وكذلك في الأحاديث بعده. وأجمع المسلمون على أن عتقه بهذا ليس واجباً، وإنما هو مندوب؛ رجاء كفارة ذنبه فيه إزالة إثم ظلمه، ومما استدلوا به لعدم وجوب إعتاقه حديث سويد بن مقرن بعده أن النبي ﷺ أمرهم حين لطم أحدهم خادمهم بعتقها، قالوا: ليس لنا خادم غيرها، قال: «فليستخدموها فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها». قال القاضي عياض: وأجمع العلماء أنه لا يجب إعتاق العبد لشيء مما يفعله به مولاه، مثل هذا الأمر الخفيف. قال: واختلفوا فيما كثر من ذلك وشَنُع من ضَربٍ مُبرِّح مُنهِك لغير مُوجِب لذلك، أو حَرقَهُ بنارٍ، أو قطعَ عضواً له، أو أفسدَه أو نحو ذلك مما فيه مُثلَة ... انتهى. وأما الرفع إلى الحاكم فاستدل المؤلف بحديث ضعيف. ثم قال المؤلف: (ومَن أعتقَ شِرْكاً لهُ في عَبدٍ؛ ضَمِنَ لِشُرَكائِهِ نَصيبَهُم بعدَ التَّقوِيمِ، وإلَّا عَتَقَ نَصيبُهُ فقط، واستُسعِيَ العبدُ) جاء في الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن أعتقَ شِرْكاً له في عبدٍ، فكان له مالٌ يَبلُغُ ثَمَنَ العبدِ؛ قُوِّمَ عليه قِيمةَ العدل، فأُعطِيَ شُركاءُه حِصَصَهم، وعَتَقَ عليه العبدُ؛ وإلا فقد عَتقَ منه ما عَتقَ» (٢).

стр. 458

وفي حديث أبي هريرة: «مَن أَعتقَ شِقْصاً له في عبد؛ فخَلاصُه في مَالهِ، إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له مال؛ استُسعِيَ العبد غيرَ مَشقُوقٍ عليه» (١). معنى هذا: أن يكون عندنا مملوك يملكه أكثر من شخص، مملوك عبد واحد يشترك فيه أكثر من شخص، فيُعتِق واحد من الشركاء نصيبه من العبد، فلنقل بأنهم ثلاثة شركاء، فثلث له والثلثان للآخرين، فيعتق الثلث فيصير ثلث العبد حر وثلثاه رقيق. قال المؤلف: ومن أعتق شركاً له في عبد، يعني من أعتق نصيباً له في عبد، الشقص والشرك والنصيب كلها بمعنى واحد. من أعتق شركاً له في عبد: يعني من أعتق نصيباً له في عبد. ضَمِن لشركائه نصيبهم بعد التقويم: يعني عندما يعتق الثلث الذي له يجب عليه أن يعطي لكل واحد من شركائه نصيبه، بعد أن يُقوَّم العبد؛ أي يقدر ثمنه، كم يساوي العبد في السوق؟ فلنقل بأنه يساوي تسعمائة دينار، هو يكون قد أعتق منه ثلاثمائة دينار، وقوّمنا العبد أي قدرنا ثمنه فوجدناه يساوي تسعمائة دينار؛ فيلزمه أن يعطي لكل شريك من شركائه ثلاثمائة دينارٍ. هذا إذا كان للشريك المُعتِق مال، يُلزم أن يعطي شركاءه كل واحد نصيبه، ويكون قد أُعتق العبد عليه، يعني هو معتق العبد، فيكون أجره عند الله له، ويكون ولاء العبد له. وإلا عتق نصيبه فقط: وإذا لم يكن للمُعتِق مال؛ فلا يستطيع أن يعطي الشركاء كل واحد نصيبه قال: وإلا عتق نصيبه فقط. إذا لم يكن له مال يكون قد أُعتق ثلث العبد فقط؛ لأنه نصيب هذا الرجل. واستُسعِيَ العبد: في الباقي. الاستسعاء مأخوذ من السعي يعني العمل، يذهب العبد يعمل من أجل أن يدفع بقية ثمنه للشركاء، كي يصير حراً، لكن بالقدر الذي لا يشق عليه العمل، بالقدر الذي يستطيعه. هذا معنى كلام المؤلف وهو معنى الأحاديث التي ذكرت. قال المؤلف ﵀: (ولا يصِحُّ شرطُ الوَلاءِ لغيرِ مَنْ أَعتَقَ) الوَلاء في العتق: إذا مات المُعتَق ورثه مُعتِقهِ أو ورثة المُعتِق. العبد إذا أُعتِق صار حرّاً، فإذا مات العبد المملوك بعدما أعتق؛ ورثه سيده الذي أعتقه. بعد عتقه يقال له: مولى، ولسيده حق الولاء، يرثه به إذا لم يكن له ورثة. فهو كالنسب، الولاء في العتق كالنسب، لا يزول وينتقل بالإزالة والنقل، يعني لا يمكن أن يكون الولاء لي فأقول لك: خذه أنت، فيكون الولاء لك، هذا لا يصح، كما أنه لا يصح في النسب. فكما أنك لا تستطيع نقل الأخوة والأبوة كذلك الولاء لا ينقل.

стр. 459

وهو حق للمعتِق لا يصح استثناؤه في البيع، أي لا يصح أن تبيع عبداً مثلاً، وتقول للشخص الذي اشتراه: إذا أعتقته فولاؤه لي. هذا لا يصح. هذا المعنى الذي ذكره المؤلف بقوله: (ولا يصح شرط الولاء لغير مَن أعتق). دليله حديث عائشة ﵂ أن بريرة كانت مملوكة، أَمة -الأَمة تطلق على الأنثى إذا كانت مملوكة، والعبد يطلق على الذكر إذا كان مملوكاً- بريرة كانت مملوكة لقومٍ فكاتبت قومها- المكاتبة هي: أن يكون بينها وبين أهلها الذين يملكونها كتاباً أي عقداً بمبلغ معيَّن تدفعه فتكون حرة بعد أدائه، تدفع كل شهر أو كل سنة مبلغاً من المال حتى إذا أكملت المبلغ المتفق عليه بينها وبين أهلها، صارت حرة. هذه تسمى مكاتبة. هذه بريرة كانت قد كاتبت على نفسها، فجاءت إلى عائشة تطلب منها المساعدة كي توفِّي حق أهلها وتكمل كتابتها، فقالت لها عائشة: إن شاء أهلك أن أعُدَّ لهم المال عدّاً وأعتقكِ أنا. يعني تكون هي المعتِقة لها، ويكون ولاؤها لها، فاشترط أهلها أن يكون الولاء لهم لا لعائشة، يعني عائشة هي التي تدفع المال وهي التي تعتق؛ لكن الولاء يكون لهم، فقال النبي ﷺ : «إنما الولاء لمن أعتق» (١). متفق عليه. فالولاء لا يكون إلا للمعتِق. قال المؤلف ﵀: (ويَجوزُ التَّدبِيرُ: فيُعتَقُ بموتِ مَالِكِهِ، وإذا احتاجَ المَالِكُ جازَ له بيعُهُ) التدبير هو: العتق بعد الموت، مثلاً: أنا أملك مملوكاً، فأقول له: إذا مِتُّ فأنت حر، هذا التدبير، يقال: أُعتِقَ عن دُبُر، دبر الحياة أي بعد الحياة، دبر الشيء آخره، وآخر الحياة الموت، وهذا الشخص يكون قد أُعتق عن دبر أي بعد حياة سيده، فيبقى عبداً إلى أن يموت سيده يصير حرّاً. هذا أصل الكلمة، فالتدبير هو العتق بعد الموت، أن يعتق المالك مملوكه بعد موته. ويسمى المملوك إذا علقه سيده عتقه على موته: مدبَّراً، فالمدبَّر هو الذي يُعتَق عن دُبُر. قال: ويجوز التدبير؛ لأنه قد حصل في زمن النبي ﷺ وأقرَّ ﵊ كما سيأتي في الحديث. فيُعتَق بموت مالكه، بمجرد أن يموت مالكه، إذا قال له: إذا مِتُّ فأنت حر، فبمجرد أن يموت مالكه يصير حرّاً. وإذا احتاج المالك جاز له بيعه: إذا قال المالك لمملوكه: إذا مت فأنت حر، صار المملوك مدبَّراً، ثم احتاج السيد مالاً، يجوز له بيعه، بهذا يكون التدبير قد انتهى. ودليل ذلك حديث جابر في الصحيحين أن رجلاً أعتق غلاماً له عن دُبرٍ فاحتاج، فأخذه النبي ﷺ فقال: «من يشتريه مني؟ » فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا، فدفعه إليه (٢).

стр. 460

هذا رجل قد دبَّر مملوكه في عهد النبي ﷺ فأقره النبي ﷺ على ذلك، فلما احتاج باعه ﵊، فيجوز التدبير، ويجوز بيع المدبَّر عند حاجة المالك. قال المؤلف ﵀: (ويجوزُ مُكاتبةُ المملوكِ على مالٍ يُؤدِّيه؛ فيصيرُعندَ الوفاءِ حرّاً، ويُعتَقُ منه بقدرِ ما سلَّمَ، وإذا عَجَزَعن تَسليمِ مَالِ الكِتابةِ؛ عادَ في الرِّقِّ) المكاتَب هو: العبد الذي يُكاتِب على نفسه بثمنه. يعني يعقد عقداً بينه وبين سيده على أنه إذا دفع مبلغاً من المال يتفقان عليه؛ صار حراً. قال المؤلف: ويجوز مكاتبة المملوك على مالٍ يؤديه: يجوز أن يكاتب السيد - المالك- يكاتب مملوكه على مبلغٍ من المال يؤديه، فإذا أدّاه صار حرّاً. ودليل المكاتبة: قول الله ﵎ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]. وحديث عائشة المتقدم في قصة بريرة. فيصير عند الوفاء حرّاً: أي عندما يوفِي المبلغ، أي يدفع المال المتفق عليه كاملاً يصير المملوك حراً. ويُعتَق منه بقدر ما سلَّم: أي أن المملوك المكاتب إذا دفع نصف ما عليه مثلاً، صار نصفه حراً ونصفه عبداً، وإذا دفع الثلث صار ثلثه حراً وثلثاه عبداً .. وهكذا. هذا معنى كلام المؤلف، لكن هذا الكلام غير صحيح، فهو مبني على حديث ضعيف؛ وهو أن النبي ﷺ قال: «الْمُكَاتَبُ يُعْتقُ منه بِقَدْرِ مَا أَدَّى، وَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِقَدْرِ مَا أعتِقَ مِنْهُ، وَيَرِثُ بِقَدْرِ مَا أعتِقَ مِنْهُ» (١). والحديث الصحيح قوله ﷺ : «المكاتَب عبدٌ ما بقي عليه درهم» (٢). إذاً لا يُعتق منه شيء حتى يؤدي جميع ما عليه، قبل ذلك هو عبد. قال الترمذي ﵀: والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وقال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. قال المؤلف: وإذا عجز عن تسليم مال المكاتبة عاد في الرِّقِّ: هو أصلاً باقٍ في الرق ولم يخرج منه على الصحيح، فإذا عجز عن تسليم المكاتبة؛ بقي رقيقاً على حاله الأول. والله أعلم. قال المؤلف ﵀: (ومَن استَولَدَ أمته؛ لم يَحِلَّ له بيعها؛ وَعَتَقَت بموته، أو بتخييرِهِ لِعتقِها)
следующие страницы →