← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أخرجه أحمد وغيره. هذا الحديث يدل على صحة مثل هذا الشرط في العتق. والله أعلم. قال البغوي في شرح السنة: لو قال رجل لعبده: أعتقك على أن تخدمني شهراً، فقبل؛ عُتق في الحال، وعليه خدمة شهر، ولو قال: على أن تخدمني أبداً، أو مطلقاً، فقبل؛ عُتق في الحال، وعليه قيمة رقبته للمولى، وهذا الشرط إن كان مقروناً بالعتق؛ فعلى العبد القيمة، ولا خدمة، وإن كان بعد العتق؛ فلا يلزم الشرط، ولا شيء على العبد عند أكثر الفقهاء، وكان ابن سيرين يثبت الشرط في هذا. وقال أحمد: يشتري هذه الخدمة من الذي شرط له، قيل له: يشتري بالدراهم؟ قال: نعم. انتهى قال المؤلف: (ومن مَلك رَحِمهُ عَتَقَ عليه) أي من ملك أحد محارمه؛ كأبيه وأمه وأخيه وأخته وابنه .. وهكذا؛ فالمملوك حر. بمجرد أن يملكه سواء اشتراه أو وقع في نصيبه من قسمة الغنائم؛ يعتق مباشرة. هذا قول المؤلف، ويعتمد في ذلك على حديث سمرة قال فيه النبي ﷺ : «من ملك ذا رحمٍ مَحْرمٍ فهو حر» (١). ولكنه حديث ضعيف لا يثبت. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يُعتق حتى يعتقه -إن أعتقه- لقول النبي ﷺ : «لا يجزي ولد عن والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه» (٢). أخرجه مسلم. لا يجزي ولدٌ عن والده، يعني للوالد على ولده فضل عظيم لا يستطيع الولد أن يرد هذا الفضل لوالده إلا في حالة واحدة، وهي أن يجد أباه عبداً مملوكاً فيشتريه ويعتقه. الشاهد من هذا قوله: إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه، فقوله: يعتقه يدل على أن مجرد شرائه ودخوله في ملكه لا يجعله حرّاً. قال البغوي في شرح السنة: والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: إذا اشترى الرجل أحداً من آبائه، أو أمهاته، أو واحداً من أولاده، أو أولاد أولاده، أو ملكه بسبب آخر؛ يُعتق عليه من غير أن ينشئ فيه عتقاً، وقوله: فيعتقه؛ لم يرد به أن إنشاء الإعتاق شرط، بل أراد به أن الشراء يخلصه عن الرق. واختلف أهل العلم في غير الوالدين والمولودين من المحارم، فذهب أكثر أهل العلم إلى أن من ملك ذا رحم محرم كالأخ، وابن الأخ، والعم، والعمة، والخال، والخالة، يعتق عليه. يروى ذلك عن عمر، وعبد الله بن مسعود، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة، وهو قول الحسن، وجابر بن زيد، وعطاء، والشعبي، والزهري، والحكم، وحماد، وإليه ذهب سفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بما روي عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «من ملك ذا رحم محرم، فهو حر». وقال مالك: لا يعتق إلا الوالد، والولد، والإخوة.

стр. 457

وقال قوم: لا يعتق إلا الوالدون، والمولودون، وإليه ذهب الشافعي. وذهب بعض أهل الظاهر إلى أن الأب لا يعتق على الابن، لأن في الحديث: «فيشتريه فيعتقه»، وإذا صح الشراء؛ ثبت الملك، والملك يفيد التصرف، وحديث سمرة لا يعرف مسنداً إلا من حديث حماد بن سلمة، ورواه بعضهم عن قتادة، عن الحسن، عن عمر، ورواه بعضهم عن الحسن مرسلاً. قال ﵀: (ومَن مَثَّلَ بمملُوكِهِ فَعليهِ أن يُعتِقَه وإلَّا أعتقَهُ الإمامُ أو الحاكمُ) التمثيل هنا بمعنى العقوبة، يعني من عاقب مملوكه ظلماً، وهو لا يستحق العقوبة؛ فعليه أن يعتقه، أي فيلزمه عتقه، وإن لم يعتقه هو أعتقه الإمام أو الحاكم، للملوك أن يرفع قضيته إلى الحاكم أو إلى الإمام وهو يعتقه. يستدل المؤلف على ما يقول بقول النبي ﷺ : «من لطم مملوكه أو ضربه؛ فكفارته أن يعتقه» (١). أخرجه مسلم. من ضرب مملوكه لطمة على وجهه أو ضربه ضرباً آخر بغير وجه حق، فكفارة فعله هذا أن يعتق مملوكه حتى يتخلص من الإثم. قال النووي: في هذا الحديث الرفق بالمماليك وحسن صحبتهم وكف الأذى عنهم، وكذلك في الأحاديث بعده. وأجمع المسلمون على أن عتقه بهذا ليس واجباً، وإنما هو مندوب؛ رجاء كفارة ذنبه فيه إزالة إثم ظلمه، ومما استدلوا به لعدم وجوب إعتاقه حديث سويد بن مقرن بعده أن النبي ﷺ أمرهم حين لطم أحدهم خادمهم بعتقها، قالوا: ليس لنا خادم غيرها، قال: «فليستخدموها فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها». قال القاضي عياض: وأجمع العلماء أنه لا يجب إعتاق العبد لشيء مما يفعله به مولاه، مثل هذا الأمر الخفيف. قال: واختلفوا فيما كثر من ذلك وشَنُع من ضَربٍ مُبرِّح مُنهِك لغير مُوجِب لذلك، أو حَرقَهُ بنارٍ، أو قطعَ عضواً له، أو أفسدَه أو نحو ذلك مما فيه مُثلَة ... انتهى. وأما الرفع إلى الحاكم فاستدل المؤلف بحديث ضعيف. ثم قال المؤلف: (ومَن أعتقَ شِرْكاً لهُ في عَبدٍ؛ ضَمِنَ لِشُرَكائِهِ نَصيبَهُم بعدَ التَّقوِيمِ، وإلَّا عَتَقَ نَصيبُهُ فقط، واستُسعِيَ العبدُ) جاء في الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن أعتقَ شِرْكاً له في عبدٍ، فكان له مالٌ يَبلُغُ ثَمَنَ العبدِ؛ قُوِّمَ عليه قِيمةَ العدل، فأُعطِيَ شُركاءُه حِصَصَهم، وعَتَقَ عليه العبدُ؛ وإلا فقد عَتقَ منه ما عَتقَ» (٢).

стр. 458

وفي حديث أبي هريرة: «مَن أَعتقَ شِقْصاً له في عبد؛ فخَلاصُه في مَالهِ، إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له مال؛ استُسعِيَ العبد غيرَ مَشقُوقٍ عليه» (١). معنى هذا: أن يكون عندنا مملوك يملكه أكثر من شخص، مملوك عبد واحد يشترك فيه أكثر من شخص، فيُعتِق واحد من الشركاء نصيبه من العبد، فلنقل بأنهم ثلاثة شركاء، فثلث له والثلثان للآخرين، فيعتق الثلث فيصير ثلث العبد حر وثلثاه رقيق. قال المؤلف: ومن أعتق شركاً له في عبد، يعني من أعتق نصيباً له في عبد، الشقص والشرك والنصيب كلها بمعنى واحد. من أعتق شركاً له في عبد: يعني من أعتق نصيباً له في عبد. ضَمِن لشركائه نصيبهم بعد التقويم: يعني عندما يعتق الثلث الذي له يجب عليه أن يعطي لكل واحد من شركائه نصيبه، بعد أن يُقوَّم العبد؛ أي يقدر ثمنه، كم يساوي العبد في السوق؟ فلنقل بأنه يساوي تسعمائة دينار، هو يكون قد أعتق منه ثلاثمائة دينار، وقوّمنا العبد أي قدرنا ثمنه فوجدناه يساوي تسعمائة دينار؛ فيلزمه أن يعطي لكل شريك من شركائه ثلاثمائة دينارٍ. هذا إذا كان للشريك المُعتِق مال، يُلزم أن يعطي شركاءه كل واحد نصيبه، ويكون قد أُعتق العبد عليه، يعني هو معتق العبد، فيكون أجره عند الله له، ويكون ولاء العبد له. وإلا عتق نصيبه فقط: وإذا لم يكن للمُعتِق مال؛ فلا يستطيع أن يعطي الشركاء كل واحد نصيبه قال: وإلا عتق نصيبه فقط. إذا لم يكن له مال يكون قد أُعتق ثلث العبد فقط؛ لأنه نصيب هذا الرجل. واستُسعِيَ العبد: في الباقي. الاستسعاء مأخوذ من السعي يعني العمل، يذهب العبد يعمل من أجل أن يدفع بقية ثمنه للشركاء، كي يصير حراً، لكن بالقدر الذي لا يشق عليه العمل، بالقدر الذي يستطيعه. هذا معنى كلام المؤلف وهو معنى الأحاديث التي ذكرت. قال المؤلف ﵀: (ولا يصِحُّ شرطُ الوَلاءِ لغيرِ مَنْ أَعتَقَ) الوَلاء في العتق: إذا مات المُعتَق ورثه مُعتِقهِ أو ورثة المُعتِق. العبد إذا أُعتِق صار حرّاً، فإذا مات العبد المملوك بعدما أعتق؛ ورثه سيده الذي أعتقه. بعد عتقه يقال له: مولى، ولسيده حق الولاء، يرثه به إذا لم يكن له ورثة. فهو كالنسب، الولاء في العتق كالنسب، لا يزول وينتقل بالإزالة والنقل، يعني لا يمكن أن يكون الولاء لي فأقول لك: خذه أنت، فيكون الولاء لك، هذا لا يصح، كما أنه لا يصح في النسب. فكما أنك لا تستطيع نقل الأخوة والأبوة كذلك الولاء لا ينقل.

стр. 459

وهو حق للمعتِق لا يصح استثناؤه في البيع، أي لا يصح أن تبيع عبداً مثلاً، وتقول للشخص الذي اشتراه: إذا أعتقته فولاؤه لي. هذا لا يصح. هذا المعنى الذي ذكره المؤلف بقوله: (ولا يصح شرط الولاء لغير مَن أعتق). دليله حديث عائشة ﵂ أن بريرة كانت مملوكة، أَمة -الأَمة تطلق على الأنثى إذا كانت مملوكة، والعبد يطلق على الذكر إذا كان مملوكاً- بريرة كانت مملوكة لقومٍ فكاتبت قومها- المكاتبة هي: أن يكون بينها وبين أهلها الذين يملكونها كتاباً أي عقداً بمبلغ معيَّن تدفعه فتكون حرة بعد أدائه، تدفع كل شهر أو كل سنة مبلغاً من المال حتى إذا أكملت المبلغ المتفق عليه بينها وبين أهلها، صارت حرة. هذه تسمى مكاتبة. هذه بريرة كانت قد كاتبت على نفسها، فجاءت إلى عائشة تطلب منها المساعدة كي توفِّي حق أهلها وتكمل كتابتها، فقالت لها عائشة: إن شاء أهلك أن أعُدَّ لهم المال عدّاً وأعتقكِ أنا. يعني تكون هي المعتِقة لها، ويكون ولاؤها لها، فاشترط أهلها أن يكون الولاء لهم لا لعائشة، يعني عائشة هي التي تدفع المال وهي التي تعتق؛ لكن الولاء يكون لهم، فقال النبي ﷺ : «إنما الولاء لمن أعتق» (١). متفق عليه. فالولاء لا يكون إلا للمعتِق. قال المؤلف ﵀: (ويَجوزُ التَّدبِيرُ: فيُعتَقُ بموتِ مَالِكِهِ، وإذا احتاجَ المَالِكُ جازَ له بيعُهُ) التدبير هو: العتق بعد الموت، مثلاً: أنا أملك مملوكاً، فأقول له: إذا مِتُّ فأنت حر، هذا التدبير، يقال: أُعتِقَ عن دُبُر، دبر الحياة أي بعد الحياة، دبر الشيء آخره، وآخر الحياة الموت، وهذا الشخص يكون قد أُعتق عن دبر أي بعد حياة سيده، فيبقى عبداً إلى أن يموت سيده يصير حرّاً. هذا أصل الكلمة، فالتدبير هو العتق بعد الموت، أن يعتق المالك مملوكه بعد موته. ويسمى المملوك إذا علقه سيده عتقه على موته: مدبَّراً، فالمدبَّر هو الذي يُعتَق عن دُبُر. قال: ويجوز التدبير؛ لأنه قد حصل في زمن النبي ﷺ وأقرَّ ﵊ كما سيأتي في الحديث. فيُعتَق بموت مالكه، بمجرد أن يموت مالكه، إذا قال له: إذا مِتُّ فأنت حر، فبمجرد أن يموت مالكه يصير حرّاً. وإذا احتاج المالك جاز له بيعه: إذا قال المالك لمملوكه: إذا مت فأنت حر، صار المملوك مدبَّراً، ثم احتاج السيد مالاً، يجوز له بيعه، بهذا يكون التدبير قد انتهى. ودليل ذلك حديث جابر في الصحيحين أن رجلاً أعتق غلاماً له عن دُبرٍ فاحتاج، فأخذه النبي ﷺ فقال: «من يشتريه مني؟ » فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا، فدفعه إليه (٢).

стр. 460

هذا رجل قد دبَّر مملوكه في عهد النبي ﷺ فأقره النبي ﷺ على ذلك، فلما احتاج باعه ﵊، فيجوز التدبير، ويجوز بيع المدبَّر عند حاجة المالك. قال المؤلف ﵀: (ويجوزُ مُكاتبةُ المملوكِ على مالٍ يُؤدِّيه؛ فيصيرُعندَ الوفاءِ حرّاً، ويُعتَقُ منه بقدرِ ما سلَّمَ، وإذا عَجَزَعن تَسليمِ مَالِ الكِتابةِ؛ عادَ في الرِّقِّ) المكاتَب هو: العبد الذي يُكاتِب على نفسه بثمنه. يعني يعقد عقداً بينه وبين سيده على أنه إذا دفع مبلغاً من المال يتفقان عليه؛ صار حراً. قال المؤلف: ويجوز مكاتبة المملوك على مالٍ يؤديه: يجوز أن يكاتب السيد - المالك- يكاتب مملوكه على مبلغٍ من المال يؤديه، فإذا أدّاه صار حرّاً. ودليل المكاتبة: قول الله ﵎ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]. وحديث عائشة المتقدم في قصة بريرة. فيصير عند الوفاء حرّاً: أي عندما يوفِي المبلغ، أي يدفع المال المتفق عليه كاملاً يصير المملوك حراً. ويُعتَق منه بقدر ما سلَّم: أي أن المملوك المكاتب إذا دفع نصف ما عليه مثلاً، صار نصفه حراً ونصفه عبداً، وإذا دفع الثلث صار ثلثه حراً وثلثاه عبداً .. وهكذا. هذا معنى كلام المؤلف، لكن هذا الكلام غير صحيح، فهو مبني على حديث ضعيف؛ وهو أن النبي ﷺ قال: «الْمُكَاتَبُ يُعْتقُ منه بِقَدْرِ مَا أَدَّى، وَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِقَدْرِ مَا أعتِقَ مِنْهُ، وَيَرِثُ بِقَدْرِ مَا أعتِقَ مِنْهُ» (١). والحديث الصحيح قوله ﷺ : «المكاتَب عبدٌ ما بقي عليه درهم» (٢). إذاً لا يُعتق منه شيء حتى يؤدي جميع ما عليه، قبل ذلك هو عبد. قال الترمذي ﵀: والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وقال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. قال المؤلف: وإذا عجز عن تسليم مال المكاتبة عاد في الرِّقِّ: هو أصلاً باقٍ في الرق ولم يخرج منه على الصحيح، فإذا عجز عن تسليم المكاتبة؛ بقي رقيقاً على حاله الأول. والله أعلم. قال المؤلف ﵀: (ومَن استَولَدَ أمته؛ لم يَحِلَّ له بيعها؛ وَعَتَقَت بموته، أو بتخييرِهِ لِعتقِها)

стр. 461

هذه التي تسمى أم ولد، الرقيق أنواع ليس نوعاً واحداً. القِنّ: وهو الرقيق الأصلي، ليس نوعاً من الانواع الآتية. قال النووي: الْقِنّ بِكَسْر الْقَاف، وَهُوَ فِي اصلاح الْفُقَهَاء: الرَّقِيق الَّذِي لم يحصل فِيهِ شَيْء من أَسبَاب الْعِتْق ومقدماته؛ خلاف الْمكَاتب، وَالْمُدبّر، والمستولدة، وَمن عُلِّق عتقه بِصفة. وَأما أهل اللُّغَة فَقَالُوا: الْقِنّ: عبدٌ مُلِك هُوَ وَأَبَوَاهُ. انتهى والمدبَّر، والمكاتَب، تقدما. والآن معنا أم الولد، هي المستولدة، يعني ولدت ولداً من سيدها. أم الولد هي: المملوكة التي أنجبت من سيدها. الأمة ملك اليمين يجوز لمالكها أن يجامعها، إذا لم تكن متزوجة، هي ليست زوجة بل أمة مملوكة، له أن يجامعها كما يجامع زوجته من غير أن يتزوجها. مارية أم إبراهيم بن النبي ﷺ كانت جارية، جامعها النبي ﷺ وأنجب منها إبراهيم، ولم تكن زوجته باتفاق أهل العلم. لو ملك مائة من النساء يجوز له أن يجامعهن جميعاً، ما في بأس بهذا. هذه المملوكة إذا جامعها سيدها فأنجبت منه صارت أم ولد؛ كمارية أم إبراهيم بن النبي ﷺ . هذا معنى استولدها سيدها؛ أي أنجب من أمته ولداً. الولد في الشرع وفي اللغة يطلق على الذكر والأنثى. فإذا أنجبت الأمة من سيدها ولداً سواء كان ذكراً أم أنثى؛ صارت أم ولد. يقول المؤلف: أم الولد لا يحل بيعها، ويستدل على ذلك هو وغيره ممن يقول بقوله؛ بقول النبي ﷺ في مارية: «أعتقها ولدها» (١). وفي رواية: «من وطِئ أَمةً فولدت له؛ فهي مُعتَقةً عن دُبرٍ منه» (٢). بما أنها معتقة عن دبر منه؛ فلا يصح بيعها، وتكون معتقة بمجرد موته. ولذلك قال المؤلف: وعتقت بموته أو بتخييره لعتقها، يعني إما أن يموت فتكون معتقة أو أن يخيرها وهو حي بين العتق والرق، فإذا اختارت الحرية تكون حرة. لكن هذه الأحاديث التي ذُكرت ضعيفة لا يصح منها شيء. والحديث الصحيح؛ حديث جابر: قال: كنا نبيع سَرارينا أمهات أولادنا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ، فلما كان عمر نهانا فانتهينا (٣). أخرجه أبو داود وغيره. فيجوز بيعهن؛ لأن النبي ﷺ أقرهم عليه وكذلك أبو بكر، وسنة النبي ﷺ مع فهم أبي بكرومن معه من الصحابة لها مقدمة، وما فعله عمر ﵁ اجتهاد له.

стр. 462

ولا تعتق بعد موت سيدها؛ إلا أن يعتقها سيدها. بابُ الوقْفِ الوقف لغة: الحبس. وفي الشرع: حبس مالٍ، وتسبيل منفعته، مع بقاء عينه ودوام الانتفاع به. حبس مال: المقصود بالمال ما تملكه كالأرض والبيت والكتاب وماشابه، لا يعني به النقود. ومعنى حبسه: أن لا يباع، ولا يوهب، ولا يهدى، ولا يورث. وتسبيل منفعته: أن تجعل المنفعة التي يُنتفَع بها المال؛ في سبيل الله, ينتفع الناس بها، سواء كان المنتفعون أشخاصاً معينين أو جماعات أو الانتفاع كان عاماً للناس. مع بقاء عينه: أي أن المال هذا باق لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولا شيء من هذا القبيل؛ كأن توقف بيتاً مثلاً، البيت من مالك، أوقفته في سبيل الله، فلا يورث ولا يباع ولا يشترى ولا يوهب ولا يهدى، ولكن تبقى مفعته، ينتفع به من أوقفته عليهم، مع بقاء العين: البيت نفسه باق، ولكن الناس ينتفعون به، يسكنه بعضهم ثم يتركونه ويأتي غيرهم وهكذا، والبيت على حاله موقوف. ودوام الانتفاع به: مع بقاء عينه، بقاء عين المال أي المال باق سواءً كان أرضاً أو كان عمارة أو كان سيارة أو كتاباً أو غير ذلك، عينه باقية، ولكن الانتفاع به مستمر ودائم؛ فلا بد أن يكون المال الموقوف له أصل ثابت، ومنفعة مستمرة كي يكون وقفاً. دليل الوقف؛ قول النبي ﷺ : «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (١) الصدقة الجارية هي الوقف.

стр. 463

قال المؤلف ﵀: (مَن حَبَّسَ مُلكَهُ في سبيلِ اللهِ صارَ؛ مُحبَّساً، وله أن يَجعلَ غَلاَّتِهِ لأيِّ مَصْرِف شاءَ مما فيه قُربُهُ) يعني من جعل مالاً من ماله وقفاً في سبيل الله يبتغي أجره، صار المال وقفاً، لا يجوز بيعه ولا ولا هبته ولا أن يورث. وله أن يجعل نفعه عائداً إلى مَن شاء مِن الناس، إذا كان في صرفه لهم قربة لله، كالفقراء والمساكين والأقارب والعلماء وما شابه، يحدد من شاء من الناس، هذا من العمل الباقي للإنسان بعد موته يجري له أجره للحديث الذي تقدم. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر، قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»، قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُبْتَاعُ، وَلَا يُورَثُ، وَلَا يُوهَبُ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ (١). هذا وقف أوقفه عمر من ماله بل هي أفضل ماله، وهي أرض صارت من نصيبه من خيبر، فاستشار النبي ﷺ في أنفع ما يفعله بها؛ لأنه يريدها صدقة، فنصحه النبي ﷺ بوقفها على الصورة المذكورة في الحديث، ومنه أخذت أحكام الوقف المذكورة، ثبّت أصلها وتصدق بمنفعتها على أشخاص عينهم، هم: الفقراء، وأقربائه، والرقاب يعني العبيد، والضيف معروف، وفي سبيل الله أي في الجهاد والمجاهدين، وابن السبيل: المسافر. ثم قال: لا جناح على من وليها، من وليها: يعني من قام على أمرها، من قام على شأنها فيكون حارساً لها، ويجمع غلتها إذا كانت لها غلة، إذا احتاجت إصلاحاً أصلحها .. إلخ. فيقوم على أمر الوقف يرعاه ويحفظه، لا جناح على من وليها أن يأكل منها، يعني مَنْ تَكفَّل بأمرالوقف؛ فله أن يأكل من منفعته بالمعروف، بالمعروف عرفاً، مثل هذا العمل كم يقدَّر لصاحبه أن يأخذ ويأكل منه بحسب المتعارف عليه. ويطعم صديقاً: وله أن يطعم صديقاً يكرم صديقه منه. غير متموِّلٍ: أي من غير أن يدخر.

стр. 464

لذلك اعتبرت شروط الواقف في الوقف. قال المؤلف: (ولِلمُتَولِّي عليهِ أن يأكلَ منه بالمعروفِ) للحديث الذي تقدم عن عمر ﵁، للمتولي عليه: أي القائم على الوقف، الذي يكون مسؤولاً عن الوقف؛ له أن يأكل من الوقف بحسب المتعارف عليه بقدر ما يحتاج إليه. قال أهل العلم: (لا جناح) أي: لا إثم (على من وليها) أي: قام بحفظها وإصلاحها (أن يأكل منها بالمعروف) بأن يأخذ منها قدر ما يحتاج إليه قوتاً وكسوة (أو يطعم) أي: أهله أو من حضره (غير متمول) أي: مدخر، حال من فاعل وليها (قال ابن سيرين - رحمه الله تعالى -: غير متأثلٍ مالاً) أي: غير مجمع لنفسه منه رأس مال. قال النووي: وفيه دليل على صحة أصل الوقف، وأنه مخالف لشوائب الجاهلية، وقد أجمع المسلمون على ذلك، وفيه أن الوقف لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وإنما ينتفع فيه بشرط الواقف، وفيه صحة شروط الواقف، وفيه فضيلة الوقف وهي الصدقة الجارية، وفضيلة الإنفاق مما يحب، وفضيلة ظاهرة لعمر ﵁، وفضيلة مشاورة أهل الفضل والصلاح في الأمر وطرق الخير، وفيه أن خيبر فتحت عنوة وأن الغانمين ملكوها واقتسموها واستمرت أملاكهم على حصصهم، وفيه فضيلة صلة الأرحام والوقف عليهم. انتهى. قال: (ولِلواقِفِ أن يَجعلَ نفسَهُ في وقفِهِ كسائرِ المُسلمينَ) أي للواقف أن ينتفع بالوقف كواحد من المسلمين؛ لما جاء في حديث عثمان في بئر رُومَة، قال النبي ﷺ : «من يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير منها في الجنة؟ » فاشتراها عثمان (١). أخرجه الترمذي والنسائي، في هذا الحديث عثمان جعل له دلواً مع دلاء المسلمين في هذا الوقف الذي وقفه. قال البغوي في شرح السنة عند شرح حديث عمر المتقدم: فيه دليل على أن من وقف شيئاً ولم ينصب له قيماً معيناً جاز ; لأنه قال: لا جناح على من وليها أن يأكل منها، ولم يعين لها قيماً، وفيه دليل على أنه يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه ; لأنه أباح الأكل لمن وليه وقد يليه الواقف ولأنه ﷺ قال للذي ساق الهدي: «اركبها»، وقال ﷺ : «من يشتري بئر رومة فيكون

стр. 465

دلوه فيها كدلاء المسلمين» فاشتراها عمر ﵁، ووقف أنس داراً وكان إذا قدمها نزلها ... انتهى قال المؤلف ﵀: (ومَن وقفَ شيئاً مُضارَّةً لِوارِثهِ؛ كانَ وقفه باطلاً) من لم يرد وجه الله بالوقف، وإنما أراد أن يحرم ورثته فقط؛ وقفه باطل؛ لأنه وقف محرَّم؛ لقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (١) , والوقف الذي يراد به قطع ما أمر الله به؛ وقفٌ باطل. قال المؤلف: (ومَن وضعَ مالاً في مسجدٍ أو مشهدٍ لا ينتفعُ به أحدٌ؛ جازَ صَرفُه في أهلِ الحاجاتِ ومَصالحِ المسلمين، ومِن ذلك ما يوضعُ في الكعبةِ أو في مَسجدِهِ ﷺ المؤلف ﵀ يريد بالمشهد هنا: المكان الذي يشهده الناس ويحضرونه، لا يريد بالمشهد القبر لما سيأتي من كلامه. ويعني: أن الوقف إذا تعطل؛ جاز نقله أو صرفه فيما يُنتفع به؛ لقول النبي ﷺ لعائشة: «لولا أنّ قومَكِ حَديثُو عَهدٍ بجاهلية؛ لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله» (٢). كنز الكعبة وقفٌ عليها، لكن لما كان لا يُنتفع به؛ أراد النبي ﷺ أن ينفقه في سبيل الله، ولكنه خشي الفتنة. ولكن النووي ﵀ قال: وفيه دليل لجواز إنفاق كنز الكعبة ونذورها الفاضلة عن مصالحها في سبيل الله، لكن جاء في رواية: لأنفقت كنز الكعبة في بنائها، وبناؤها من سبيل الله، فلعله المراد بقوله في الرواية الأولى: في سبيل الله. والله أعلم. ومذهبنا: أن الفاضل من وقف مسجد أو غيره لا يصرف في مصالح مسجد آخر ولا غيره؛ بل يحفظ دائماً للمكان الموقوف عليه الذي فضل منه، فربما احتاج إليه. والله اعلم. انتهى قال المؤلف: (والوقفُ على القبورِ لِرفعِ سُمْكِها أوتَزيينِها أو فعلِ ما يَجلِبُ على زَائرِها فتنةً؛ باطل) لأنه وقفٌ في أمر منهي عنه فهو وقف باطل , فقد نهى النبي ﷺ عن رفع القبور، ونهى عن البناء عليها، ويُلحق بذلك كل ما يجلب على الناس فتنة في دينهم ويؤدي إلى الاعتقاد فيها،

стр. 466

وإلى تعليق القلوب بأصحابها، مثل هذا كله لا يجوز، بل هو ذريعة إلى الشرك، ومن وقف شيئاً في ذلك فهو وقف باطل غير معتبر. قال أهل العلم: الوقف على القبور غير صحيح؛ لأن من شرط صحة الوقف أن يكون على جهة بر وقربة، والغلو في القبور والبناء عليها وإقامة الزيارات والحفلات عندها؛ من البدع المنهي عنها؛ بل هو من وسائل الشرك المحرمة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة النهي عن الغلو في القبور والبناء عليها واتخاذها أعياداً، فعلى هذا يتعين المنع من إقامة الحفلات عندها ومن ترميمها والبناء عليها. وأما صرف الريع لعمل بر أجدى مما ذكر: كبناية المساجد، وتفطير الصوام، ونحو ذلك؛ فهذا حسن. والله الموفق. بابُ الهَدَايا الهدايا جمع هدِيَّة، والهدِيَّة: ما مَلَّكته لغيرك في الحياة بغير عِوَض للتحبُّب. وبينها وبين الهِبة والعَطِيَّة والصدقة فرْقٌ. هذه المذكورات كل منها تمليك بلا عوض؛ الهدية أو الهبة أو العطية أو الصدقة، كلها تمليك مال بلا عوض، فهي تجتمع في هذا المعنى؛ إلا أن التمليك إذا كان لثواب الآخرة يعطى للمحتاج؛ كان صدقة. وإذا كان التمليك للتحبُّب والإلف والتودد؛ فهدية. والعطية شاملة للجميع. والهبة: قال بعض أهل العلم: هي والعطية بمعنى واحد فتشمل الهدية وغيرها. قال ابن قدامة في المغني: وجملة ذلك أن الهبة والصدقة والهدية والعطية؛ معانيها متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بغير عوض. واسم العطية شامل لجميعها، وكذلك الهبة. والصدقة والهدية متغايران؛ فإن النبي ﷺ كان يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وقال في اللحم الذي تُصدِّق به على بريرة: «هو عليها صدقة، ولنا هدية». فالظاهر أن من أعطى شيئاً ينوي به التقرب إلى الله تعالى للمحتاج، فهو صدقة. ومن دفع إلى إنسان شيئاً للتقرب إليه، والمحبة له، فهو هدية.

стр. 467

وجميع ذلك مندوب إليه، ومحثوث عليه؛ فإن النبي ﷺ قال: «تهادوا تحابوا». وأما الصدقة؛ فما ورد في فضلها أكثر من أن يمكننا حصره ... انتهى. قال المؤلف ﵀: (يُشرعُ قَبُولُهَا ومُكافَأَةُ فاعِلِها) قبول الهدية مشروع أي مستحب, يشرع قبولها؛ لأن النبي ﷺ قَبِلها، ورَدَ في ذلك أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما، منها حديث أنس: أن النبي ﷺ أوتي بلحم تُصُدِّق به على بريرة، فقال: «هو عليها صدقة وهو لنا هدية» (١). ومنها: حديث عائشة: أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة؛ يبتغون بها مرضاة رسول الله ﷺ (٢)، وبوب الإمام البخاري في صحيحه: باب قبول الهدية، في كتاب الهبة، وساق عدة أحاديث في ذلك منها ما ذكرناه. وأما استحباب المكافأة عليها؛ فلِما أخرجه البخاري من حديث عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها (٣). قال المؤلف ﵀: (وتَجوزُ بينَ المُسلمِ والكافِرِ) تجوزالهدية بين المسلم والكافر، أي يجوز لك أن تعطي كافراً هدية، وأن تقبل هدية الكافر؛ لأن النبي ﷺ قبل هدايا الكفار، وأهدى لهم. بوب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: باب الهدية للمشركين، وذكر حديث إهداء عمر حُلةً لأخٍ له من أهل مكة قبل أن يسلم في حياة النبي ﷺ (٤). وذكر حديث أسماء بنت أبي بكر في صلة أمها الكافرة، أذن لها النبي ﷺ في صلتها (٥).

стр. 468

وبدأ الباب بذكر الآية التي نزلت بسبب قصة أسماء: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. وبوَّب أيضاً ﵀: باب قبول الهدية من المشركين، وعلق مجموعة من الأحاديث التي تدل على جواز قبول الهدية من المشرك، ووصل حديث أنس، قال: أهدي للنبي ﷺ جُبَّة سندسٍ -السندس نوع من أنواع الحرير- وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها -أي من حسنها وجمالها - فقال ﷺ : «والذي نفس محمد بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا». وفي رواية في الصحيحين: قال: «إنّ أُكَيْدِرَ دُوْمَة أهدى إلى النبي ﷺ .... الحديث» (١). وأكيدر دومة، هو: ملك دُومة، اسمه أكيدر، كان كافراً، أهدى للنبي ﷺ وقبل منه ﷺ الهدية. وذكر البخاري ﵀ موصولاً حديث اليهودية التي أهدت للنبي ﷺ شاةً مسمومة فأكل منها ﷺ (٢). هذا يدل على جواز أكل طعام أهل الكتاب الكفار، وعلى جواز قبول الهدية منهم. وليس هذا من الموالاة الكفرية كما يزعم الخوارج، فتنبهوا حفظكم الله، انظروا أفعال النبي ﷺ ، وما قاله لأسماء، هذا يدل على أن المولاة الكفرية والمحرمة لا تحصل بمثل هذا الفعل، فليست كل معاملة مع الكفار محرمة أو كفرية، يجب على المسلم التفقه في دينه، حتى يعلم ما يجوز وما لا يجوز من معاملتهم، وما يعد من الموالاة الكفرية وما لا يعد من ذلك، محل تفصيل ذلك أبواب الردة. والله أعلم. قال المؤلف ﵀: (ويَحرُمُ الرُّجوعُ فيها) يعني إذا أهديت شخصاً هدية وقبضها، أي أخذها منك؛ فلا يجوز لك أن تستعيدها منه؛ لأنها داخلة في الهبة التي قال فيها النبي ﷺ : «العائد في هبته كالكلب يَقِيء ثم يعود في قَيئِه» (٣). متفق عليه.

стр. 469

هذا المثل ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة؛ ففي رواية: «ليس لنا مثل السوء» (١). إلا الوالد فيما أعطى ولده كما سيأتي إن شاء الله. وكذلك الصدقة؛ فقد خصت بالذكر في رواية أخرى: «العائد في صدقته .. الحديث» (٢). لكن هذا الحكم بعد قبضها، أي إذا نويت أن تهدي شخصاً هدية، وتراجعت عن ذلك؛ فلك أن تتراجع قبل أن يأخذها منك، إذا لم يستلمها؛ فلك أن تتراجع, لكن إذا قبضها منك؛ فلا يجوز لك أن ترجع. والله أعلم. قال المؤلف: (وتَجبُ التَّسويةُ بينَ الأولاد) يجب أن تساوي بين الأولاد في الهبة والعطية والهدية؛ لحديث النعمان بن بشير في الصحيحين: أنّ إباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: إني نَحَلْتُ ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله ﷺ : «أَكُلَّ وَلدِكَ نحلته مثل هذا؟ » فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : «فارجعه» (٣). متفق عليه. والولد في اللغة يطلق على الذكر والأنثى. وفي رواية أخرى قال: «فلا تشهدني على جَوْر» (٤)، وفي رواية أخرى: «أيسرُّك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ » قال: بلى , قال: «فلا إذاً» (٥). النعمان جاء إلى النبي ﷺ يريد أن يشهده على ما فعله، وهو أنه أعطى أحد أولاده عبداً يكون ملكاً له دون بقية أولاده. فسأله النبي ﷺ هل أعطيت أولادك جميعاً مثل ما أعطيت هذا؟ فقال: لا، فرفض النبي ﷺ أن يشهد على ذلك، وبين السبب، وهو أن فعله ظلم لبقية أولاده، فكما يحب أن يكونوا جميعاً بارِّين به، كذلك فليكن عادلاً معهم ويساوي بينهم في العطية، ولا يُفرِّق بين الذكر والأنثى ولا بين الصغير والكبير، إلا بالبر، فإذا كان أحدهم أكثر برّاً به؛ فله أن يفضله على البقية بالعطية، هذا المعنى أُخذ من قول النبي ﷺ له: «أيسرُّك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ ».

стр. 470

أي كما أنك تحب أن يكونوا جميعاً بارِّين بك بنفس الدرجة؛ كذلك أنت يجب أن تكون عادلاً ومساوياً بينهم من غير تفريق بينهم. فهذا يدل على وجوب التسوية بين الأولاد في الهبة والهدية، والتسوية تكون بين الذكور والإناث لا كقسمة الميراث، فهنا النبي ﷺ أوصى بالتسوية بينهم، فقال له: «أَكُلَّ ولدك نحلته مثل هذا؟ » , والولد يشمل الذكور والإناث. وأخذ بعض أهل العلم من هذا الحديث أن للأب أن يرجع في هبته لابنه خاصة. تقدم أنه لا يجوز الرجوع في الهبة، لكن أخذ بعض أهل العلم من هذا الحديث أنه يجوز للأب أن يرجع في هبته التي أعطاها لابنه، من قول النبي ﷺ له: «فارجعه»، فأرجَعه بعد أن أعطاه لابنه. لكن هذا الاستدلال يمكن المنازعة فيه؛ لأنه ربما يكون النبي ﷺ ألزمه بالإرجاع لأنها عطية باطلة. ولكن ما يصح الاستدلال به لهذا القول؛ قول النبي ﷺ : «لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده» (١) الاستثناء الأخير هوالذي يدل على أن الوالد له أن يرجع في هبته لابنه. وهل الأم كالأب؟ اختلف أهل العلم في ذلك، فبعضهم قال: هي مثله لها أن ترجع في هبتها لابنها؛ لأنها داخلة في قول النبي ﷺ : «إلا الوالد فيما يعطي ولده» , والبعض قال: لا، الوالد غير الوالدة، ولكن قال الآخرون بأنها تلحق بالوالد بالمعنى؛ لأن الوالد له حق في مال الولد فلذلك جاز له أن يرجع في هبته، وكذلك الوالدة لها حق في مال ولدها فيجوز لها أن ترجع في هبتها، وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله أنها تلحق بالوالد، فالخلاصة للوالد والوالدة الرجوع في هبتهما لأولادهما فقط. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (والرَّدُّ لغيرِ مَانعٍ شَرعيٍ مَكروه) الرد أي رد الهدية إذا أهداك شخص هدية، فردُّها عليه مكروه لغير مانعٍ شرعي، فإذا وُجد المانع الشرعي جاز لك أن تردها، وربما وجب؛ كأن يهديك شخص هدية وأنت في عمل

стр. 471

للحاكم، تعمل عملاً للحاكم يأتيك شخص بهدية هذه حقيقتها رشوة، أقرب إلى الرشوة من الهدية فهنا يجوز لك أن تردها. أو تكون قد علمت منه أنه يريد أن يمن عليك بهديته؛ فيجوز لك كذلك في هذه الحالة أن تردها. أو أن تكون الهدية من شيء محرم كالخمر مثلاً. لكن إذا لم يكن هناك مانعٌ شرعي فيُكره ردُّ الهدية؛ لأن النبي ﷺ رغب في قبولها؛ لِما تُحدثه في النفس من المحبة والإلف، وردّ الهدية عكس ذلك يحدث شيئاً في النفس لذلك يُكره ردها. والله أعلم بابُ الهِبات الهبات جمع هِبة، والهبة: تمليك بلا عوض حال الحياة. قال المؤلف: (إن كانت بغيرِعِوضٍ؛ فلها حكم الهَديّةِ في جميع ما سَلَف) إن كانت الهبة التي ستعطيها للآخر من غير مقابل، فحكمها حكم الهدية في كل ما تقدم من أحكام في الهدية. قال: (وإن كانت بعوضٍ؛ فهي بيعٌ، ولها حُكمُه) فإذا كانت الهبة بمقابل خرجت عن كونها هبة، وصارت بيعاً؛ فتأخذ حكم البيع. قال المؤلف: (والعُمْرَى والرُّقْبَى تُوجبانِ المُلك للمُعْمَرِ والمُرْقَبِ ولِعَقِبِهِ مِن بَعدهِ؛ لا رجوعَ فيهما) العُمرى: مأخوذة من العُمر وهو الحياة، سميت بذلك لأنهم كانوا في الجاهلية يعطي الرجلُ الرجلَ الدارَ، ويقول له: أعمرتك إياها، أي أبحتها لك مدة عُمرك وحياتك تستعملها، فقيل لها: عمرى.

стр. 472

وأما الرُّقْبى؛ فمأخوذة من المُراقبة؛ لأن كل واحد منهما: الذي أعطى الدار وساكنها؛ يَرقبُ الآخر متى يموت لترجع إليه، وكذا ورثته يقومون مقامه. فهما حقيقة نوع من أنواع الهبة موقت بوقت. وأما حكمهما فقال المؤلف: توجبان الملك لمن أعطيت له ولورثته من بعده، وتخرج من ملك صاحبها مطلقاً. فإذا قال رجل للآخر: أعطيتك هذه الدار مدة حياتك، يقول: خرجت من ملك صاحبها مطلقاً وصارت ملكاً للثاني. وذلك لقول النبي ﷺ : «العمرى ميراث لأهلها» (١) أو قال: «العمرى جائزة» (٢) متفق عليه. وقال: «مَن أَعمَر عُمْرى فهي للذي أُعمِر حياًّ وميّتاً ولِعقِبه» (٣) هذا لفظ مسلم. لكن ورد في حديث عند مسلم من حديث جابر ما يدل على أن المسألة فيها تفصيل وليست على إطلاقها. قال جابر ﵁: قال النبي ﷺ : «مَن أَعمَر رجلاً عُمَرى له ولِعَقِبه؛ فقد قَطَعَ قولُه حقَّهُ فيها، وهي لمن أُعمِر ولِعقِبه» (٤). وفي رواية: «أيما رجلٌ أَعمَررجلاً عُمرى له ولعقبه، فقال: قد أعطيتكها وعقبك ما بقي منكم أحد؛ فإنها لمن أُعْطِيَهْا، وإنها لا ترجع إلى صاحبها؛ من أجل أنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث» (٥). وفي رواية قال جابر: إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت؛ فإنها ترجع إلى صاحبها (٦). هذا هو التفصيل: فرق بين أن يقول له: هي لك ما عشت، أو هي لك مدة حياتك، وبين أن يقول له: هي لك ولِعقبك من بعدك، فيذكر الأولاد.

стр. 473

لعقبك يعني لذريتك من بعدك , فهنا دخلت في الميراث، فإذا قال له: هي لك ولعقبك أدخلت أولاده فيها؛ خرجت من ملكه مطلقاً وصارت للآخر. وأما إذا قال له: هي لك مدة حياتك ولم يذكر العقب؛ فتبقى في ملك الأول، وللثاني أن يستعملها ما دام حيّاً، فإذا مات رجعت إلى ملك الأول أو إلى ورثة الأول. هذا هو التفصيل الذي دل عليه حديث جابر الأخير وهو الأصح إن شاء الله. والرقبى كالعمرى في أحكامها تماماً. والله أعلم. قال الترمذي ﵀: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، قالوا: إذا قال: هي لك حياتك ولعقبك، فإنها لمَن أُعمِرها، لا ترجع إلى الأول، وإذا لم يقل: لعقبك؛ فهي راجعة إلى الأول إذا مات المُعمَر، وهو قول مالك بن أنس، والشافعي. وروي من غير وجه عن النبي ﷺ قال: «العمرى جائزة لأهلها»، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم قالوا: إذا مات المُعمَر فهي لورثته، وإن لم تُجعَل لِعقِبه. وهو قول سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق. والله أعلم وقال ﵀ في الرُّقبَى: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: أن الرقبى جائزة مثل العمرى، وهو قول أحمد، وإسحاق. وفرق بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم بين العمرى والرقبى، فأجازوا العمرى، ولم يُجيزوا الرقبى. وتفسير الرقبى أن يقول: هذا الشيء لك ما عشت، فإن مُتَّ قبلي فهي راجعة إليَّ. وقال أحمد وإسحاق: الرقبى مثل العمرى، وهي لمن أُعطيها، ولا ترجع إلى الأول. كتاب الأَيمَان الأَيمَان: جمع يمين، أصلها في اللغة: اليد، وأُطلقت على الحَلْف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل واحد بيمين صاحبه. أما شرعاً: فاليمين هو توكيد الشيء بذكر اسمٍ أو صفة لله ﵎. قال المؤلف ﵀: (والحَلْفُ إنما يكونُ باسمِ اللهِ تَعالى أو صِفةٍ له، ويَحرُمُ بغيرِ ذلك) يقال: الحَلْف والحَلِف، هما لغتان عند العرب. والحَلْف إنما يكون باسم الله تعالى أو صفة له ويحرم بغير ذلك.

стр. 474

اتفق العلماء على أن من حلف فقال: بالله أو تالله أو والله فحنث، أن عليه كفارة، أي أن هذه الأيمان بالحروف الثلاثة الباء والتاء والواو؛ أيمان معقودة، وإذا حلف باسمٍ من أسماء الله تعالى كـ (والله أو والرحمن) فعليه الكفارة إذا حنث، نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (١). فاليمين ينعقد بأسماء الله ﵎ وبصفاته كـ (وعزة الله أو ورحمة الله)، قال النبي ﷺ : «مَن كان حَالفاً فليحلفْ باللهِ أو لِيصْمُتْ» (٢) ولا ينعقد اليمين بغير ذلك. الحلف بالله يكون بأسمائه وصفاته كما صح عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة. وحروف القَسَم في لغة العرب: الواو والتاء والباء. ومن أيمان النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده»، هذا اليمين كان يكثر منه النبي ﷺ . «ومقلب القلوب»، و «والله»، و «ورب الكعبة»، و «والذي نفس محمد بيده»، هذه كلها أيمان حلف بها النبي ﷺ . ولا يجوز الحلف بغير الله؛ لقول النبي ﷺ : «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» (٣) متفق عليه، وقوله ﷺ : «ألا من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله» (٤) متفق عليه، وقوله ﷺ «لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم» (٥) أخرجه مسلم، وقوله ﷺ : «من حلف فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل لا إله إلا الله» (٦) متفق عليه، وقوله ﷺ : «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٧) أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر ﵄. الطواغي، هي الطواغيت جمع طاغوت، قال الإمام مالك: كل ما عبد من دون الله. انتهى أي وهو راضٍ. قال العلماء: الحكمة في النهي عن الحلف بغير الله، أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مختصة بالله، فلا يضاهى به غيره.

стр. 475

هذا هو السبب الذي نهي عن الحلف بغير الله لأجله. والحلف بغير الله جاء في الحديث ابن عمر أنه شركٌ ويشير إلى هذا المعنى الحديث الذي قبله، وهومحمول على التغليظ، كما قال الترمذي ﵀ بعد أن ذكر الحديث قال: هذا على وجه التغليظ، ونقل هذا الكلام أيضاً ابن المنذر في كتابه الأوسط عن ابن المبارك وغيره، وقالوا: هو كفرٌ دون كفر، أي أنه من الشرك الأصغر لا من الشرك الأكبر إلا إذا كان الحالف معظِّماً للمحلوف به كتعظيمه لله، عندها يكون شركاً أكبر، وذكر ابن المنذر تأويلات أخرى انظرها في الأوسط (١) له. ثم قال المؤلف ﵀: ومَن حلفَ فقال: «إن شاء الله» فقد استثنى، ولا حِنْثَ عليه) لا حِنْث عليه أي لا يُعتبر غير بارٍ بيمينه، ولا ناقضاً لها؛ لأنه علقها بمشيئة الله، فلا تلزمه كفارة ولا إثم عليه. معنى كلام المؤلف: مَنْ حلف على شيء وقال: إن شاء الله؛ فكأنه لم يحلف. إن قال مثلاً: والله لأدخلنَّ دار فلان إن شاء الله، فإن دخل دار فلان فلا يعتبر حانثاً، ولا شيء عليه؛ لأنه استثنى قال: إن شاء الله. لقوله ﷺ : «من حلف فاستثنى؛ فإن شاء رجع، وإن شاء ترك غير حَنِثٍ» (٢)، فلا يكون حانثاً بذلك. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «قال سليمان بن داود ﵇: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل إن شاء الله، فلم يقل. فطاف بهنَّ فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان»، قال: فقال رسول الله ﷺ : «لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان ذلك درَكاً لحاجته» (٣). قال ابن المنذر ﵀: وحدثني علي عن أبي عبيد، بعد أن ذكر أحاديث توافق هذه الأخبار؛ قال: وبهذا كله كان يأخذ سفيان الثوري، وأهل العراق، ومالك، وأهل الحجاز، والأوزاعي، وأهل الشام، والليث بن سعد، وأهل مصر، وعليه جماعات العلماء من أهل

стр. 476

الآثار وأهل الرأي؛ أن قوله إن شاء الله استثناء في يمينه، وأن لا يكون مع اتصالها باليمين حنث في شيء منها إذا كان يريد به الثناء في الرجوع عما حلف عليه. قال أبو بكر- أي ابن المنذر نفسه-: وكذلك قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. انتهى معنى الاتصال؛ أن يكون الاستثناء متصلاً بالكلام، يعني تقول: والله لا أدخل دار فلانٍ إن شاء الله، لا تفصل إن شاء الله عن بقية الكلام بفاصل زمني، فلا تقل مثلاً: والله لا أدخل دار فلان ثم بعد ساعة أو ساعتين تقول: إن شاء الله، هذا في صحته خلاف، والمتصل نقل البعض الإجماع على صحته. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (ومن حلفَ على شيءٍ فرأى غيره خيراً منه؛ فليأتِ الذي هو خير، وليكفِّر عن يمينه) من حلف على شيء فرأى غيره خيراً منه، من قال مثلاً: والله لا أتصدق على فلان، ورأى أن الصدقة عليه خير له من عدم الصدقة عليه، فيكفِّر عن يمينه ويتصدق عليه؛ لقول النبي ﷺ : «إذا حلفتَ على يمينٍ فرأيتَ غيرها خيراً منها؛ فكفِّر عن يمينك وأتِ الذي هو خير» (١) متفق عليه. وله أن يكفِّر قبل الحنث وبعده، يعني إذا قال: والله لا أتصدق على فلان، هل يكفِّر عن يمينه قبل أن يتصدق عليه أم يكفِّر عن يمينه بعد أن يتصدق عليه؟ قلنا: وله أن يكفِّر قبل الحنث وبعده، أي له أن يتصدق على الرجل قبل أن يكفِّر عن يمينه، وله أن يكفِّر عن يمينه ثم يتصدق عليه، هذا قول جمهور علماء الإسلام. وأفتى أربعة عشر صحابياً بتقديم التكفير، أي بجواز تقديم التكفير، هذا الذي حصل فيه الخلاف، تأخير التكفير لا إشكال فيه، لكن الخلاف حصل في تقديم التكفير، فجمهور العلماء وأربعة عشر صحابياً أفتوا بجواز تقديم التكفير على الحنث، وقال به سائر فقهاء الأمصار، وخالف في ذلك أهل الرأي، وقد بوَّب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: باب الكفارة قبل الحنث وبعده (٢)، وذكر أحاديث عن النبي ﷺ تدل على جواز التكفير بعد الحنث وقبل الحنث. والإمام البخاري ﵀ يكثر في تبويباته من رده على أهل الرأي، قد نبه الحافظ ابن حجر على أكثر من موضع من ذلك، يعني يبوِّب أبواباً يرد بها أقوال أهل الرأي، رد عليهم

стр. 477

أقوالهم لأنها مخالفة للسنة، وأقوالهم أحياناً كثيرة تخالف سنة النبي ﷺ لذلك بعض أهل الحديث يعقدون أبواباً خاصة في الرد عليهم، كالإمام البخاري ﵀ وابن أبي شيبة أيضاً في المصنف له كتاب كامل في الرد على أهل الرأي، ولذلك تجد اليوم أهل الأهواء الذين يسعون إلى التخلص من قيود الشريعة يميلون إلى مذهب أهل الرأي وكذلك تفعل بعض الدول مع أن أصل مذهبهم مالكي أو شافعي. قال المؤلف ﵀: (ومَن أُكره على اليمينِ فهي غيرُ لازمةٍ، ولا يأثمُ بالحِنثِ فيها) الله يقول في كتابه الكريم ﴿إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل/١٠٦]، فما فُعِل بالإكراه إثمه مرفوع عن هذه الأمة، فالنبي ﷺ قال: «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١). ففي حال الإكراه يكون الإثم مرفوعاً عن الشخص، ولا ينعقد يمينه إذا كان مكرهاً عليه، فلا يأثم بفعل ما حلف عليه ولا تلزمه كفارة. قال ابن عثيمين ﵀ في شرح الزاد: قوله: «الثاني: أن يحلف مختاراً» أي: الشرط الثاني لوجوب الكفارة أن يحلف مختاراً، يعني مريداً للحلف، وضد المختار المكره. قال المؤلف - الكلام لابن عثيمين والمؤلف صاحب الزاد-: «فإن حلف مكرهاً لم تنعقد يمينه» فلو أن رجلاً مجرماً عثر عليه إنسان فأمسك به، وقال: سأرفع أمرك لولي الأمر، فقال له المجرم: إذا رفعت بي سأقتلك، ثم قال المجرم: أَقْسِمْ بالله أنك لا تخبر بي، وإلا قتلتك، فأقسمَ بالله أن لا يخبر به، فهذه اليمين لا كفارة فيها؛ لأنه حلف مكرهاً، وعلى هذا فلو أخبر ولاةَ الأمور بصنيع هذا المجرم فليس عليه إثم، وليس عليه كفارة؛ لأنه حلف مكرهاً، والدليل من القرآن ومن السنة: أما من القرآن فقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]. فإذا كانت كلمة الكفر قد صدرت من مُكرَهٍ فلا أثر لها، فما سواها مثلها. أما من السنة، فقال النبي ﷺ : «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وعلى هذا فإن حنث في يمينه في هذه الحال، فلا إثم عليه ولا كفارة. انتهى. قال المؤلف ﵀: (واليمينُ الغَمُوسُ هي التي يَعلَمُ الحالِفُ كَذِبَها)

стр. 478

هذا تعريف لليمين الغموس، عرَّف المؤلف اليمين الغموس فقال: هي التي يعلم الحالف كذبها، أي يحلف الحالف كذباً وهو يعرف أنه كذاب في حلفه هذا، يحلف على أمر ماضٍ، فيقول حصل كذا، وهو لم يحصل فيكون كاذباً. وسميت هذه اليمين بالغموس لأنها تغمس صاحبها في نار جهنم أعاذنا الله وإياكم. هذه اليمين لا تكفَّر , لا كفارة فيها؛ إذ هي أعظم من أن يكفِّرها ما يكفِّر اليمين. ولا دليل على كونها تكفَّر. قال النبي ﷺ : «مَن حلفَ على يمينٍ يَقتطِعُ بها مالَ امرِئٍ مسلمٍ، هو عليها فاجرٌ لقيَ اللهَ وهو عليه غَضبَانُ» (١) متفق عليه. وفي صحيح البخاري (٢) عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي ﷺ : «الكبائر: الإشراك بالله, وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس»، فعدَّها النبي ﷺ من الكبائر. وفي رواية (٣): قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب» , فهذه الأحاديث ذكرت اليمين الغموس وبينت أنها من الكبائر وورد فيها وعيد، ولا يجتمع كونها كبيرة وفيها وعيد وتكفر، ولم يأت حديث صحيح يدل على أن فيها كفارة، وليست هي كاليمين الأخرى. والله أعلم. قال ابن المنذر في الأوسط (٤) بعد ذكر إسناده: عن رفيع أبي العالية، أن ابن مسعود كان يقول: كُنّا نَعُدُّ مِن الذنب الذي لا كفارة له، اليمين الغموس: أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذباً يقتطعه. وقال سعيد بن المسيب: يمين الصبر من الكبائر. وقال الحسن البصري: إذا حلف على أمر كاذباً متعمداً فليس كفارة هو أعظم من ذلك. وكذلك قال حماد الكوفي، وأبو مالك، وإبراهيم النخعي. هذا قول مالك بن أنس، ومن تبعه من أهل المدينة، وبه قال الأوزاعي، ومن وافقه من أهل الشام، وكذلك قال سفيان الثوري، وأهل العراق، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وأبو عبيد، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي من أهل الكوفة. قال أبو بكر: وبه نقول والدلائل تكثر لمن قال هذا القول، أحدها: هذه الأخبار التي لا تحتمل إلا معنى واحداً، وهو قول النبي ﷺ : «من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان». وقوله: «حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار». وقوله: «حرم الله عليه الجنة وأدخله النار» مع سائر ألفاظ الأخبار التي ذكرناها في هذا الكتاب، وسائر الأخبار التي هي مذكورة بغير هذا الكتاب، وغير جائز أن يجيز النبي ﷺ أن من حلف بهذه اليمين التي ذكرناها يلقى الله وهو عليه غضبان، مع سائر الوعيد الذي هو مذكور في هذه الأخبار، ويكون أَمرَه في كفارة اليمين بالإطعام، أو الكسوة، أو الرقبة فإن لم يجد فالصيام،

стр. 479

ويكون قوله: ﴿ذلك كفرة أيمانكم إذا حلفتم﴾ كفارة لما هو مذكور في الأخبار من الوعيد؛ هذا يستحيل، والكفارة إنما جعلت في الأيمان التي يكون الرجل فيها حانثاً بعد عقد اليمين، فيفعل ما حلف أن لا يفعله أو يترك ما أوجب على نفسه باليمين أنه فاعله ... إلى أن قال: قال إبراهيم النخعي: الأيمان أربع: يمينان يُكفَّران، ويمينان لا يكفران: قول الرجل: والله ما فعلت وقد فعل، ووالله لقد فعلت وما فعل، ليس في هذا كفارة إن كان تعمد شيئاً؛ فهو كذب؛ فليستغفر الله، وإن كان يرى أنه كما قال: فهو لغو يكفر، وقول الرجل: والله لا أفعل فيفعل، ووالله لأفعلن فلا يفعل؛ فهذا فيه كفارة .... انتهى ثم نقل خلاف الشافعي في اليمين الغموس وأنها تكفر عنده. والله أعلم. قال المؤلف ﵀: (ولا مُؤَاخَذةَ باللَّغوِ) لغو اليمين اختلف فيه أهل العلم، فبعضهم قال: هو أن يقول المرء: لا والله، وبلى والله. كلمة تجري على اللسان لا ينوي بها اليمين ولا يعقد قلبه عليها. هذا قول. القول الثاني: أن يعقد الحالف اليمين ظاناً صدق نفسه ثم يتبيَّن أن الأمر بخلافه. فيحلف على أمرٍ ويظن أن هذا الأمر كما هو حلف عليه، ثم عندما تظهر حقيقة الأمر يظهر له أنه مخطئ في ظنه. بعض أهل العلم فسر لغو اليمين بهذا المعنى، ومنهم الإمام مالك ﵀. ولا يبعد أن يكون كلا المعنيين مراداً. ولغو اليمين لا يؤاخذ عليه الشخص وليس فيه كفارة؛ لقوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة/٨٩]، فلغو اليمين لا يعتبر شيئاً، وليس فيه كفارة. قال ابن المنذر ﵀ في الأوسط: ذكر اللغو في اليمين اختلف أهل العلم في اللغو في اليمين، فقالت طائفة: هو قول المرء: لا والله، وبلى والله، روي هذا القول عن ابن عباس وعائشة .... قال أبو بكر: روي هذا القول عن عطاء، والحسن، والقاسم بن محمد، وعكرمة، والشعبي، وبه قال أبو عبيدة معمر بن المثنى، وكذلك قال الشافعي، الربيع أخبرني عنه. وقالت طائفة: لغو اليمين هو: أن يحلف على الشيء يرى أنه كما حلف عليه ثم لا يكون كذلك، روي هذا القول عن ابن عباس وغيره .... روي ذلك عن الحسن ومجاهد، وقتادة، والنخعي، والكلبي وسليمان بن يسار، وبه قال مالك، أبو مصعب عنه، وهو قول الأوزاعي وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي ..... انتهى. وذكر أقوالاً أخرى، ثم قال: قال أبو بكر- يعني نفسه-: وأكثر أهل العلم على أن لا كفارة في اليمينين اللتين بدأنا بذكرهما وهو: قول الرجل: لا والله، وبلى والله، غير معتقد بذلك

стр. 480

يميناً، والأخرى: حَلْف الرجل على الشيء يرى أنه حلف عليه، ثم لا يكون كذلك .... انتهى باختصار. قال المؤلف ﵀: (ومِن حَقِّ المسلمِ على المسلمِ إبْرارُ قَسمِهِ) إبرار القسم هو أن يعمل بما حلف عليه صاحبه، فتبرّ قسمه، كأن يقول لك صاحبك: والله لتأكلن، فيستحب لك الأكل لكي لا يحنث في يمينه. فهو سنة مستحبة إذا لم يكن فيه مفسدة أو خوف ضرر أو نحو ذلك، فإن كان شيء من هذا لا يَبر قسمه، لا يلزمه أن يبر قسمه إذا حصلت مفسدة من ورائه، كما فعل النبي ﷺ مع أبي بكرٍ الصديق لما عبَّرأبو بكر الصديق الرؤيا، قال له النبي ﷺ : «أصبت بعضاً وأخطأت بعضا»، قال أبو بكر: فوالله يا رسول الله لتحدثني ما الذي أخطأت؟ فقال النبي ﷺ «لا تقسم» (١). فلم يخبره بذلك، فلم يبر قسمه، لوجود مفسدة من وراء ذلك، ذكر معنى ما ذكرناه النووي في شرح مسلم. ودليل استحباب إبرار القسم قول البراء ﵁: «أمرنا النبي ﷺ بسبعٍ ونهانا عن سبع: أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس ... » (٢). قال المؤلف ﵀: (وكَفَّارةُ اليمينِ هي ما ذَكرَهُ اللهُ في كِتابِهِ العزيزِ) يعني من لزمه كفارة يمين فعليه الكفارة التي ذكرها الله في كتابه، كفارة اليمين الواجبة عليه هي التي ذكرها الله في القرآن. قال تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة/٨٩]. هذه الآية بينت لنا كفارة اليمين كيف تكون، فقال: فكفارته إطعام عشرة مساكين. هنا المسكين أُفرد بالذكر، نحن ذكرنا في كتاب الزكاة أن الفقير والمسكين كلمتان إذا اجتمعتا افترقتا، وإذا افترقتا اجتمعتا، هنا حصل الافتراق فيكون الفقير والمسكين بمعنى واحد وهو من لا يملك كفايته. فمن لا يملك كفايته يكون ممن يصح يستحق الكفارة. فكفارته إطعام عشرة مساكين، ولا بد أن يكون هؤلاء المساكين عشرة، لا ينفع أن تطعم واحداً عشر مرات، لا بد أن يكونوا عشرة؛ لأن الله نصَّ على العشر.

стр. 481

والإطعام يكون بأن تعطيهم طعاماً لا تعطيهم نقوداً، النقود لا تنفع، الله ذكر الطعام وكانت النقود موجودة عندهم، فلو كانت النقود تجزئ عن الطعام لذكرها الله ، لكن بما أنه ذكر الطعام فنقتصر على الطعام. وهذا الطعام قال الله فيه: من أوسط ما تطعمون أهليكم، أي من أعدله أي لا الدنيء الزهيد ولا الغالي الثمن، المتوسط، يعني في حالنا اليوم كثير من الناس عندنا هنا يأكلون في الغالب - الطعام المتوسط عند كثير من الناس - الأرز والدجاج مثلاً، فمثل هذا الذي غالب طعامه من الأرز والدجاج إذا أراد أن يطعم طعاماً متوسطاً يطعم مداً من الأرز أو نقول صحن مطبوخ مشبع مع ربع دجاجة يكون بذلك قد أطعم شخصاً، فيطعم عشرة أشخاص على هذا النحو، ولا يشترط أن يكون مطبوخاً كما يَشترط البعض، فابن جرير الطبري ﵀ تكلم على هذه المسألة عند تفسيره لهذه الآية، وذكر أن الكفارات التي ذكرها الله وجاءت في سنة النبي ﷺ ليس فيها شيء اشتُرط فيه الطبخ، فلذلك هذه تُلحق بتلك الكفارات فالطبخ ليس شرطاً فيها، إن طبختَ جزاك الله خيراً أفضل، لكن لا يعتبر هذا شرطاً. أما الكسوة فأصح الأقوال في ذلك أن ثوباً ساتراً للعورة يكفي، اليوم كثير من الناس يرتدي البنطال والقميص القصير فالكسوة تكون بالبنطال والقميص تكون كسوة كاملة، البعض قال: إذا كان جزءاً من هذا يكفي لكن الصحيح أن هذه لا تعتبر كسوة كاملة، الكسوة أن يعطيه ما يستره، وهذا يحتاج أقل شيء اليوم بالنسبة لنا البنطال والقميص القصير هذا يعتبر كسوة. (أو تحرير رقبة)، (أو) للتخيير، فعندك الآن إما الإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة. الرقبة: عتق عبد أو أمة، الرقبة هنا: عتق عبد أو أمة، وهذا في الغالب غير موجود اليوم إلا أنه داخل من ضمن الخيارات فإطعام أو كسوة أو تحرير رقبة، أنت مخيَّر بين هذه الثلاث، ولا يلزمك الترتيب إلا مع الصيام، يلزمك الترتيب بين هذه الثلاث وبين الصيام فعندنا ترتيب وتخيير، التخيير بين هذه الثلاث التي ذكرناها الإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة أنت مخير بين هذه الثلاث. أما الترتيب ففي حال عدم القدرة على واحدة من هذه الثلاث تتحول إلى الصيام؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿فمن لم يجد﴾ يعني عندك ترتيب الأول إما أن تجد أو لا تجد، فإن وجدت فأنت مكلف بواحدة من الثلاث ولا بد، ولا يجوز الصيام وأنت قادر على واحدة منها، أما إذا لم تجد فتنتقل إلى الصيام. قال تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾، صيام ثلاثة أيام هذا في حال عدم إيجاد الثلاثة الأولى، قال ابن المنذر في الأوسط: أجمع أهل العلم على أن الحالف الواجد الإطعام أو الكسوة أو الرقبة؛ لا يجزئه الصوم إذا حنث في يمينه. وهل الصيام يجب أن يكون متتابعاً أم لا؟ خلاف بين أهل العلم، الذين قالوا بالتتابع احتجوا بقراءة شاذة لابن مسعود لا يعتمد عليها، فالقراءات المعتمدة المتواترة ليس فيها تقييد

стр. 482

بالتتابع فتبقى على إطلاقها ولا نقيدها بشيء من عندنا نحن، فيجوز أن تصومها متتابعة أو متفرقة. هذا هو الصحيح إن شاء الله. والله أعلم. كتابُ النَّذرِ أصل النذر: الإنذار، بمعنى التخويف والإيجاب، هذا أصله اللغوي. وأما شرعاً: فإيجاب ما ليس بواجبٍ لحدوث أمرٍ. هذا قول في تعريفه، والقول الثاني أدق: إلزام المكلف نفسه عبادة لم تكن لازمة بأصل الشرع. مثلاً صيام الإثنين والخميس، يستحب صيامهما؛ لكن إذا نذر الشخص أن يصومهما يكون بذلك قد ألزم نفسه بعبادة هي في الأصل لم تكن واجبة عليه، ولكنه أوجبها على نفسه. هذا معنى النذر. قال المؤلف ﵀: (إنَّما يصِحُّ إذا ابتُغِيَ به وَجهُ اللهِ، فلا بُدَّ أن يكونَ قُربةً. ولا نَذرَ في مَعصيةِ اللهِ) النذر يصح إذا كان قربة لله ﵎؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا نذر إلا فيما ابتُغي به وجه الله» (١) فإذا كان النذر قربة لله ﵎ فهو صحيح، وإذا لم يكن قربة فلا يكون صحيحاً؛ للحديث المتقدم، وقال ﷺ كما جاء في الصحيح-: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» (٢). في هذا أمر بالوفاء بنذر الطاعة، ونهي عن نذر المعصية، أي الذي فيه معصية لله ﵎. وجاء في الصحيحين عن ابن عمر قال: نهى النبي ﷺ عن النذر، وقال: «إنه لا يَردُّ شيئاً، وإنما يُستخرج به من البخيل» (٣). هذا النذر هو النذر المعلق أو نذر المقابلة، يسمى النذر المعلق أو نذر المقابلة يعني أن تعمل هذا العمل في مقابلة أمر يحصل لك، تعلق نذرك هذا بأمرٍ يحصل لك. يعني تقول مثلاً: إذا شفى الله مريضي فسأذبح شاة، هذا نذر معلق بشيء معيَّن لذلك قال النبي ﷺ : «إنه لا يرد شيئاً» هذا لن يغير شيئاً من القدر، يعني لن يشفي الله مريضك لأجل ذبحك للشاة، إنما يستخرج به من البخيل، الذي يفعل هذا الشيء لا ينفق إلا بمقابل، هذا هو البخيل الذي يبخل عن الإنفاق في طاعة حتى يكون هناك مقابل في ذلك، لذلك ذمه النبي ﷺ فهذا النذر مكروه؛ لكن إذا فعله أحد فيجب عليه أن يوفي به، هذا نذر المقابلة أو النذر المعلق.

стр. 483

قال المؤلف ﵀: (ومِنَ النَّذرِ في المَعصِيةِ) لا نذر في معصية الله، النذر إذا كان نذراً فيه معصية غير منعقد، للحديث المتقدم. سيبدأ المؤلف هنا بذكر بعض صور نذر المعصية. فقال: (ما فيه مخالفةٌ للتَّسويةِ بين الأولادِ، أو مُفاضَلةٌ بين الوَرَثةِ مُخالِفَةٌ لما شَرَعهُ اللهُ) هذه صور من النذر المحرم نذر المعصية. الصورة الأولى: نذرٌ فيه عدم التسوية بين الأولاد، وقد تقدم معنا وجوب التسوية بين الأولاد في العطية، فمن نذر نذراً يقتضي عدم التسوية بينهم فنذره نذر معصية لا يصح. الصورة الثانية: المفاضلة بين الورثة بقسمة تخالف ما شرعه الله، هذه أيضاً معصية كالذين يمنعون الإناث من الإرث أو يعطون الإناث قليلاً من حقهن في الإرث. والصورة الثالثة: قال المؤلف: (ومِنهُ النَّذرُ على القُبُور) كالنذر الذي فيه تقرب لصاحب القبر كالنذر بالذبح لصاحب القبر، أو النذر الذي فيه مخالفة لشرع الله كرفع القبور أو البناء عليها وما شابه، كل هذا من نذر المعصية فلا ينعقد النذر بهذه الأمور. الصورة الرابعة من صور نذر المعصية: قال المؤلف ﵀: (وعَلى ما لم يَأذنْ بهِ اللهُ) كالنذر على المساجد لزخرفتها أو على أهل المعاصي ليستعينوا به على معاصيهم، كل هذا داخل في النذر المحرم، نذر المعصية. ثم قال المؤلف ﵀: (ومَن أوَجَبَ على نفسهِ فِعلاً لم يشرَعْهُ الله لم يجِب عليه) ومن أوجب على نفسه فعلاً لم يشرعه الله ولم يوجبه الله عليه ولا استحبه له؛ لم يجب عليه، فلا وفاء فيه. حديث ابن عباس عند البخاري يدل على ذلك: قال: بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يعقد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي ﷺ : «مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه» (١). في هذا الحديث الأشياء المباحة التي ألزم نفسه بها أبطلها النبي ﷺ ؛ لأنها ليست قُرَب ليست طاعات لله ، أبطلها بقوله: مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه. فألزمه بأن يتم ما هو طاعة وقربة لله . وفي الحديث المتقدم في سنن أبي داود قال النبي ﷺ : «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله» فعلى هذا فالنذر الذي يجب الوفاء به هو ما كان طاعة لله، وما ليس بطاعة فهو غير معتبر

стр. 484

ولا كفارة فيه سواء كان في معصية أو مباح؛ لأن النبي ﷺ لم يلزم أبا إسرائيل بالكفارة في النذر الذي نذره في الأمور المباحة. قال المؤلف ﵀: (وكذلكَ إنْ كانَ ممَّا لم يَشرعْهُ اللهُ وهو لا يُطِيقُهُ) أيُّ نذرٍ فعله الشخص وهو لا يطيقه فهذا النذر لا يلزمه، إذا كان النذر طاعة وهو لا يطيقه لزمه فيه كفارة يمين كما سيأتي إن شاء الله، فمن نذر أن يفعل فعلاً لم يشرعه الله وهو يقدر عليه كأن ينذر الرجل المشي وهو لا يقدر عليه، ففي الصحيحين من حديث أنس أن النبي ﷺ رأى شيخاً يُهادَى بين ابنيه -أي يمشي بينهما معتمداً عليهما من ضعفه-فقال: «ما هذا؟ » قالوا: نذر أن يمشي. قال: «إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني» (١) وأمره أن يركب. هذا الرجل نذر نذراً في أمرٍ ليس هو طاعة في أصله وهو لا يقدر عليه أيضاً، فأبطل النبي ﷺ هذا النذر. قال المؤلف: (ومَن نذَرَ نذراً لم يُسمِّه أو كان مَعصِيةً أو لا يُطيقُهُ فعليهِ كفارةُ يَمينٍ) من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين، تلزمه كفارة يمين؛ لقول النبي ﷺ : «كفارة النذر كفارة اليمين» (٢). وأما حديث: «من نذر نذراً لم يسمِّه فكفارته كفارة يمين» (٣)؛ فضعيف. صورة ذلك: أن يقول الشخص مثلاً: نذرٌ عليّ لله تعالى. فقط لا يُعيِّن شيئاً؛ فهذا نذر لم يسمَّ لم يسم النذر لاصوم ولا صلاة ولا غير ذلك. لم يعين نوع النذر، فهذا نذر لم يسم، فتلزمه كفارة يمين فيه فقط. وأما نذر المعصية فكأن ينذر أن يشرب الخمر. قال المؤلف: فيه كفارة يمين، والصحيح أنه نذر غير منعقد ولا يصح، فليس فيه شيء لا كفارة يمين ولا غيرها؛ لأن النبي ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» (٤) ولم يذكر كفارة، أما الحديث الذي يستدلون به على وجوب الكفارة، «لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين» (٥) فهو حديث ضعيف لا يصح، والصحيح الذي في

стр. 485

الصحيحين أن النبي ﷺ قال في نذر المعصية: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه» ولم يذكر كفارة في ذلك. فنذر المعصية لا ينعقد وليس فيه كفارة. وأما النذر فيما لا يطيقه فهذا فيه كفارة يمين؛ لقوله ﷺ : «من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لم يطقه فكفارته كفارة يمين» (١). لكن انتبه لابد من التفريق بين النذر الذي لا يطيقه ويكون طاعة، والنذر الذي لا يطيقه ويكون مباحاً، النذر الذي لا يطيقه ويكون مباحاً أو يكون فيه تعذيب لنفسه هذا ليس فيه كفارة يمين، فالنبي ﷺ لم يلزم الشيخ في الحديث المتقدم بكفارة يمين، ولكن نذر الطاعة الذي لا يطيقه الشخص هو الذي فيه كفارة يمين. والله أعلم قال المؤلف ﵀: ومَن نَذرَ بِقُربةٍ وهو مُشرِكٌ ثُمّ أَسلمَ لَزِمهُ الوَفاءُ) شخص نذر أن يعتكف لله ﵎ ليلة أو يوماً أو يومين ... إلخ في الجاهلية في حال الكفر، بعد أن أسلم يلزمه أن يوفي بنذره، أصل هذا ما جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال له عمر: يا رسول الله: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال ﷺ : «أَوْف بنذرك» (٢) فألزمه النبي ﷺ بالوفاء بالنذر مع أن عمر كان قد نذر ذلك في الجاهلية. قال المؤلف ﵀: (ولا يَنفُذُ النَّذرُ إلا مِنَ الثُّلُثِ) لا أعلم دليلاً صحيحاً على ما ذكره المؤلف في هذه الفقرة، واختلف العلماء في من نذر أن يخرج ماله كله، فبعضهم ألزمه بذلك فقال: يلزمه أن يخرج جميع ماله، وبعضهم قال: لا يلزمه شيء، ولا شيء عليه، والبعض قال: يلزمه كفارة يمين، والبعض فصَّل، قال: إن كان يقوى على ذلك ويصبر عليه يفعل؛ لأن أبا بكر عندما خرج من كل ماله أقره النبي ﷺ على ذلك (٣)، دل ذلك على أن هذا الفعل طاعة فيُلزَم به، لكن هذا إذا قدر عليه، وإلا فيكون من النذر الذي لا يطاق فكفارته كفارة يمين؛ لأنه ربما لا يقدر على مثل هذا ويشق عليه وربما يكون فتنة عليه في دينه، فيكون فيه كفارة يمين لأنه داخل في النذر الذي لا يطاق، وهذا الأخير على هذا التفصيل هو الأقرب للصواب إن شاء الله. وفي هذه المسألة قرابة عشرة مذاهب أو أكثر. والله أعلم قال المؤلف: (وإذا مَاتَ النَّاذِرُ بِقُربةٍ فَفَعَلَها عَنهُ وَلَدُهُ؛ أَجزَأَهُ ذلكَ) يعني إذا نذر الشخص نذراً فيه قربة كأن ينذر أن يصوم أو أن يَحج مثلاً ومات، إذا فعل أحد أبنائه عنه ذلك أجزأه وسقط عنه النذر.

стр. 486

أصل هذه المسألة حديثان: حديث ابن عباس أن سعد بن عبادة استفتى النبي ﷺ قال: إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه فقال ﷺ : «اقضه عنها» (١) متفق عليه. وحديث آخر لابن عباس: أن امرأةً من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم، حجي عنها, أرأيت لو كان على أمك دين أكنتي قاضية؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» (٢) أخرجه البخاري. فهذان الحديثان يدلان على أن الولد يقضي النذر عن والده أو عن والدته. والله أعلم خلاصة موضوع النذر: النذر خمسة أنواع: ١ - النذر المطلق: مثل أن يقول: لله عليَّ نذرٌ، وهو الذي قلنا فيه بأنه النذر الذي لم يسمَّ، فيلزمه كفارة اليمين لقوله ﷺ : «كفارة النذر كفارة يمين». ٢ - نذر اللَّجَاج - وهو الذي لم يذكره المؤلف-: نذر اللَّجاج والغضب: نذر المخاصمة والمشاحنة، النذر الذي خرج نتيجة الغضب، يخرج مخرج اليمين، أي أراد به صاحبه إما الحث على الفعل أو المنع؛ كأن يقول: إن كلمتك فعليَّ كذا، يمنع نفسه من كلامك. أو إن لم أذهب فعليَّ عتق رقبة. أو إن لم أُخبرك أو أَخبرتك فعليَّ حج ... ونحو ذلك. مثل هذا النذر خرج للحثّ أو للمنع، حث على الفعل أو المنع من الفعل. هذا يسمى نذر اللجاج والغضب. قالوا: هذا أيضاً فيه كفارة يمين وأدخلوه في قول النبي ﷺ : «كفارة النذر كفارة يمين «. ٣ - نذر المباح كما لو نذر أن يلبس ثوباً أو يركب دابة، هذا لا شيء عليه؛ لحديث أبي إسرائيل المتقدم. ٤ - نذر المعصية؛ كمن نذر أن يشرب خمراً أو أن يزني، فهذا لايجوز الوفاء به إجماعاً، وليس فيه كفارة على الصحيح. ٥ - نذر التبرُّر، نذر الطاعة، كنذر الصلاة أوالصيام ونحوه، سواء كان مطلقاً أم معلقاً. المطلق ما ليس معلقاً بشيء، والمعلق هو نذر المقابلة يكون معلقاً على شيء، يكون نذراً بشرط كأن يقول: إن شفا الله مريضي فعليَّ صيام أو ذبح أو ما شابه. هذا النذر المعلق، وسواءً كان نذراً معلقاً أم نذراً مطلقاً إذا كان في طاعة ويطاق فيجب الوفاء به، وأما إذا كان مما لا يطاق وهو طاعة فهذا فيه كفارة يمين. وما لا يطاق من المباح يدخل في ضمن المباح ليس فيه شيء على الصحيح. والله أعلم.

стр. 487

كتاب الأطعِمَة الأطعمة جمع طعام، والطعام هو المأكول: أي ما يؤكل. قال المؤلف: (الأصلُ في كلِّ شيءٍ الحِلُّ، ولا يَحرُمُ إلا ما حرَّمهُ اللهُ ورَسولُهُ، وما سَكتَا عنه فهو عَفوٌ) هذه قاعدة عامة في الأطعمة وأيضاً في غير الأطعمة من مسائل العادات والمعاملات، الأصل فيها الحل لقول الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة/٢٩]، فهذه الآية تدل بعمومها على أن كل شيء على وجه الأرض خلق لمنفعة الإنسان ولا يحرم من ذلك إلا ما دل الدليل الشرعي على تحريمه. ويدل أيضاً على أن الأصل في الأطعمة الحِل؛ قول الله ﵎: ﴿قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام/١٤٥]. الشاهد قوله ﵎: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾، لم يجد شيئاً حُرِّم من الطعام على شخصٍ يريد أن يأكل إلا ما ذُكر هاهنا، ثم جاءت استثناءات أخرى بأدلة أخرى. العموم في هذه الآية يقتضي أن الأصل في الأطعمة الحل. هذه الأدلة هي التي اعتمدها المؤلف ﵀ مع غيرها أيضاً ذكرها في تقرير القاعدة هذه القاعدة، وهي قاعدة صحيحة. قال المؤلف ﵀: (فيَحْرُمُ: ما في الكِتابِ العَزيزِ) عندنا عموم أصَّله في البداية وهو الأصل في الأطعمة الحل، إلا ما حرَّمه الله ورسوله، وما سكتا عنه فهو عفوٌ، فما لم يرد فيه تحريمٌ من الله ومن رسوله ﷺ فهو جائز، وما ورد فيه تحريم فهو محرَّم. فقال هنا: فيحرم ما في الكتاب العزيز، أي ما نُصَّ على تحريمه في القرآن، وهو ما جاء في قول الله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة/٣]، هذه الأشياء التي حرمها الله علينا ذكر تحريمها في كتابه.

стр. 488

فذكر أشياء: أولاً: الميتة، وهي: كل ما له نفسٌ سائلة من دواب البَرِّ وطيره، مما أباح الله أكلها، أهليَّها ووحشيَّها، فارقتها روحها بغير تذكية. هذا تعريف الميتة التي حرمها الله في كتابه. (كل ما له نفسٌ سائلة): يعني ما له دم يسيل، النفس هنا بمعنى الدم. (من دَوابِّ البَرِّ وطيره): سواء كانت من الدواب التي تمشي على الأرض أو من الطيور التي لها أجنحة. (مما أباح الله أكلها): من الأشياء المباحة. (أهليَّها ووحشيَّها): الأهلي الذي يعيش بين الناس، والوحشي الذي يعيش في البر. (فارقتها روحها بغير تذكية): خرجت منها الروح من غير ذبحٍ شرعي. هذه الميتة أكلُها محرَّم بنص الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. ثانياً: الدم: الدم المقصود هنا: الدم المسفوح، وليس أي دم، جاء التقييد به في الآية التي تقدمت في قول الله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً﴾ [الأنعام/١٤٥]، المقصود بالدم المسفوح: الدم السائل. وأما ما صار في معنى اللحم من الدم كالكبد والطحال وما في اللحم؛ فإن ذلك غير محرَّم؛ قال الطبري: لإجماع الجميع على ذلك. انتهى إجماع العلماء على أن مثل هذا الدم غير محرَّم، يعني الدم الذي صار في معنى اللحم؛ كالكبد والطحال، وغير المسفوح، الذي يكون في قطع اللحم، عندما تطبخ اللحم تجد آثار الدم قد ظهرت، مثل هذا ليس محرَّماً، المحرَّم هو الدم المسفوح أي الذي يسيل. ثالثاً: لحم الخنزير: وكل شيء من الخنزير حرام، سواء كان من اللحم أو غيره. والخنزير حيوان معروف منه بري ومنه أهلي وكله محرم، وتخصيص اللحم بالذكر لأنه المقصود الأعظم منه. رابعاً: ما أُهِلّ لغير الله به: أي ما ذُكر عليه اسمٌ غير اسم الله ﵎ عند ذبحه. خامساً: المنخنقة: التي تموت خنقاً. أحياناً بعض الناس يربط الشاة في رقبتها فيرجع إليها فيجدها قد خنقت في رباطها فماتت خنقاً. هذه المنخنقة، وبأي صورة من صور الخنق ماتت؛ حرمت، إذا ماتت مخنوقة فهي منخنقة فتدخل في المحرمات.

стр. 489

سادساً: الموقوذة: التي تُضرب حتى الموت، أي ماتت ضرباً. سابعاً: المترديَّة: التي تتردى عن الجبل أي تسقط، الساقطة التي تسقط عن مرتفع؛ كرأس الجبل أو عمارة أو غير ذلك. ثامناً: النَّطِيحة: التي تنطحها أخرى فتموت نطحاً من غير تذكية. تاسعاً: ما أكل السَّبُع: أي الذي يقتله السبع ويأكل منه، فهذا لا يجوز أكله. إلا ما ذكيتم: أي إلا ما أدركتم ذكاته قبل خروج الروح من هذا كله الذي ذُكر، يعني من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، إذا أدركتم ذكاته قبل أن تخرج الروح منه وذبحتموه ذكيتموه فيجوز أكله. قال أهل العلم: ضابط ذلك أن يُدرَك وهو يتحرك منه شيء، إما ذَنَب أو قدم أو عين، مثل هذه تعتبر قرائن على أن روحه لم تخرج بعد. عاشراً: ما ذُبِحَ على النُّصُب: النصب حجارة تُجمع في موضع وتُنصب نصباً، ليست أصناماً، ولكنها أوثان يتقربون لها، كان المشركون يتقربون لها ويذبحون عليها، فهذه النصب ما ذُبح عليها فهو محرَّم. هذه الأشياء حُرِّمت في كتاب الله فهي محرَّمة. قال المؤلف: (وكلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباع) بدأ المؤلف بما حُرِّم بسنة النبي ﷺ ، ما تقدم كله حُرِّم بالقرآن. الناب: أحد الأسنان، الذي يكون رأسه رفيعاً كرأس القلم، في كل فكٍ نابان. والسبع: المفترس من الحيوان. وصفان لا بد أن يوجدا في الحيوان حتى يَحرُم: الأول: أن يكون من ذوات الأنياب، أي له ناب. والثاني: أن يكون حيواناً مفترساً؛ كالذئب والأسد والفهد والنمر والكلب والهر والثعلب .. وما أشبه ذلك. ودليل تحريم ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل كل ذي نابٍ من السباع» (١) متفق عليه, وفي حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «كل ذي نابٍ من السباع فأكله حرام» (٢) أخرجه مسلم.

стр. 490

وجاء أيضاً عن ابن عباس وغيرهم بمعنى هذه الأحاديث. يستثنى من ذلك الضَّبُع، الضبع يحل أكله، استثنيناه لوجود دليل يدل على ذلك وهو حديث جابر، سئل جابر بن عبد الله ﵁: الضبع صيد هي؟ قال: نعم. قيل له: آكلها؟ قال: نعم. قيل له: أقاله رسول الله ﷺ قال: نعم. (١) أخرجه أبو داود والترمذي وهو حديث صحيح. فقوله: «الضبع صيد» أي يجوز اصطياده وأكله. وورد حديث يدل على عدم جواز أكله ولكنه حديث ضعيف لا يقوى على مخالفة هذا الحديث. فالحديث الصحيح يُخصِّص عموم النهي في قوله ﷺ : «كل ذي نابٍ من السِّباع أكله حرام». وأما من قال بأن الضبع ليس له ناب فهو مخطئ. ومن قال بأنه ليس من السباع كذلك مخطئ، بل له ناب وهو من السباع فهو من الحيوانات المفترسة، ولكنه قد استُثني بالسنة الصحيحة. قال الترمذي ﵀: هذا حديث حسن صحيح، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، ولم يروا بأكل الضبع بأساً، وهو قول أحمد وإسحاق. وروي عن النبي ﷺ حديث في كراهية أكل الضبع، وليس إسناده بالقوي. وقد كره بعض أهل العلم أكل الضبع، وهو قول ابن المبارك .... انتهى مختصراً. قال المؤلف: (وكُلُّ ذِي مِخلَبٍ مِنَ الطَّير) المِخلَب، قال النووي ﵀: قال أهل اللغة: المراد به ما هو في الطير بمنزلة الظفر للإنسان. فمخالب الطير، أظافر عند الإنسان، ما هي عند الطير مثل الأظافر عند الإنسان هذه تسمى مخالب. والمراد أن يكون الطير له مخلب قوي يعدو به على غيره أويصطاد به؛ كالنسر والصقر وما شابه، فهذا أيضاً يحرم أكله؛ لحديث ابن عباس في صحيح مسلم قال: نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مِخلَبٍ من الطَّير (٢). قال المؤلف: (والحُمُرُ الإِنسيِّةُ)

стр. 491

الحُمُر جمع حمار، يوجد فرقٌ بين الحُمُر والحُمْر، بتسكين الميم وضمها، الحمُر بضم الميم جمع حمار، والحُمْر بتسكين الميم جمع أحمر، لذلك جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النَّعم» (١)، بالميم الساكنة، جمع أحمر. أما هنا فنقول: الحمُر الإنسية؛ لأنها جمع حمار. والإنسية التي تعيش بين الناس، ويقال لها أيضاً: الأهلية؛ لأن لها أهلاً ترجع إليهم وهم مُلّاكها، أي الذين يملكونها، فتسمى أهلية وتسمى إنسية. وبقول المؤلف: الحمُر الإنسية أخرج الحمر الوحشية؛ لأن من الحمير ما هو إنسي ومنها ما هو وحشي، الحمار الوحشي الحمار المخطط الذي يعيش في الغابات. الحمار الوحشي أكله جائز فقد اتفق أهل العلم على إباحته، وورد فيه حديث في الصحيح أن النبي ﷺ إليه وما منعه أن يأكل منه إلا أنه كان مُحرِماً ﷺ . وأما دليل تحريم الحمار الأهلي فهو أن النبي ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر (٢) كما صح بذلك عن غير واحد من الصحابة وأحاديثهم في الصحيحين وأكثر أهل العلم على تحريمها. قال المؤلف ﵀: (والجَلَّالَةُ قَبلَ الاستِحَالةِ) أيضاً مما حرَّمه الله ورسوله: الجلالة قبل أن تستحيل. الجلّالة هي: الدابة التي تأكل الجُلَّة وهي البعر من الإبل وغيرها. إذا كان غالب أكل الحيوان من البعر والقاذورات والنجاسات سُمي جلالة فيحرم أكله وركوبه وشرب لبنه. دليل تحريمها حديث ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها. وجاء في رواية النهي عن ركوبها أيضاً، الحديث عند أحمد وأبي داود وغيرهما (٣) وله شواهد وهو صحيح. وقول المؤلف: قبل الاستحالة؛ أي قبل أن تتحول من حالٍ إلى حال آخر، هذا معنى الاستحالة وهو التحول من حال إلى حال آخر. فإذا أُطعمت الجلّالة الشيء الطاهر حتى زالت رائحة النجاسة ولونها وأثرها جاز أكلها؛ لأن علة النهي عن أكلها تغيُّر لحمها ولبنها بالقاذورات والنجاسات، فإذا زالت العلة جاز أكلها. وقد صح عن ابن عمر أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثة أيام (٤). يحبسها ويعلفها العلف الطيب لمدة ثلاثة أيام حتى يذهب أثر القاذورات التي كانت تأكلها.

стр. 492

قال المؤلف: (والكِلابُ والهِرُّ) الكلاب جمع كلب معروف. والهر هو القط، الكلاب والقطط يحرم أكلها أيضاً؛ لأنها داخلة في قوله ﷺ : «كل ذي نابٍ من السباع فأكله حرام» (١). قال المؤلف: (وما كانَ مُستَخْبَثاً) يعني ما كان خبيثاً يقذره الناس، كالحشرات مثلاً القذرة، الأشياء التي يستخبثها الناس. يستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف/١٥٧] قالوا: ما استخبثه الناس فهو من الخبائث. والبعض الآخر من أهل العلم قال: هذا لا يصلح ضابطاً، فالناس يختلفون في ذلك، فيستخبث البعض شيئاً لا يستخبثه الآخر، بل المراد بالخبائث هنا كل ما حرَّمه الله وحرَّمه رسوله ﷺ ، فما حُرِّم بالدليل الشرعي فهو خبيث وما لم يُحرَّم فليس بخبيث. ومن العلماء من حرَّم أيضاً ما نهي عن قتله أو أُمر بقتله من الحيوانات، ما أمر بقتله كالحية والوزغ، وما نهي عن قتله كالضفدع والهدهد، فمن أهل العلم - كالإمام الشافعي ﵀ مَنْ حرَّم أكل هذه الأشياء واستدل بأن ما نهي عن قتله حَرُم لأنه لو حل أكله لما نهي عن قتله والذبح قتل. وأما ما أُمر بقتله من الحيوان فقال: لأنه خارج من الصيد الذي منع الله المحرم صيده وهو محرِم، وقد أذن له أن يقتل الفواسق الخمسة فهو ممنوع من الصيد وإذا كان ممنوعاً من الصيد وأُذن له أن يقتل الفواسق الخمس فقد استثنيت من الصيد الممنوع فلا تكون هي من الصيد الذي يجوز له أكله. هكذا استدل الإمام الشافعي ﵀ وقد نازعه العلماء في هذا الاستدلال. قال المؤلف: (وما عَدا ذلك فهو حَلالٌ) وما عدا ما ذكره من المحرمات فهو حلالٌ، بناءً على الأصل الذي تقدم معنا، ومن ذلك لحوم الخيل فهي تدخل في العموم، بل قد صح عن النبي ﷺ فيها حديثٌ خاص فقد جاء عنه ﷺ أنه رخص في لحوم الخيل وهو حديث متفق عليه (٢). وفي رواية (٣) قال جابر ﵁: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا رسول الله ﷺ عن الحمار الأهلي. وفي رواية عندهما (٤) من حديث أسماء نحرنا فرساً على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه.

стр. 493

فيجوز أكل الخيل. والله أعلم بابُ الصَّيدِ قال ﵀: (ما صِيدَ بالسِّلاحِ الجارِحِ والجَوارحِ كانَ حَلالاً إذا ذُكرَ اسمُ اللهِ عليه، وما صِيدَ بغيرِ ذلك فلا بدّ مِن التَّذكِية) جواز الصيد أمرٌ متفق عليه لا خلاف فيه، دلت أدلة كثيرة على جوازه في الكتاب والسنة، وسيأتي بعضها. ما صيد: من الصيد. بالسلاح الجارح؛ كالسهم والرمح والمسدس والبندقية النارية. عندهم قديماً بندقية لكن ليست هي الموجودة اليوم، البندقية التي كانت عندهم عبارة عن طين مجفف يابس يُضرب به الحيوان، هذه لا يجوز أكل الصيد الذي يُصاد بها إذا لم يدرك قبل موته ويذكى، أما البندقية النارية الموجودة اليوم فهذه يجوز أكل الصيد الذي يصاد بها، وما شابه ذلك من أنواع الأسلحة مما يَخزُق الصيد أي ينفذ فيه ويجرحه، هذا ضابطه، السلاح إذا كان يخزق الصيد ينفذ فيه فهذا يجوز الصيد به، إذا ذُكر اسم الله عليه يعتبر صيداً حلالاً. وكذلك ما صيد بالجوارح، والمقصود بالجوارح: الحيوانات التي يُصطاد بها كالكلاب والفهود والصقور وما شابه، سميت جوارح من الجَرْح وهو الكسب؛ لأنها تجرح لأهلها أي تكسب لأهلها كسباً. والدليل على أن آلة الصيد لا بد أن تخزق، حديث عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله: إنا نرسل الكلاب المعلمة؟ - الكلب المعلم هو المدرب على الصيد، وليس المقصود به الكلب المعروف فقط، بل الجوارح التي تصلح للصيد، الكلاب الجارحة؛ كالفهد والأسد وغيرها إذا كانت تستعمل للصيد هذه تسمى كلاباً، والمعلمة يعني المدربة التي إذا أرسلتها للصيد انطلقت وإذا دعوتها أقبلت - فقال رسول الله ﷺ : «كُلْ ما أمسكن عليك» قلت: وإن قتلن؟ قال: «وإن قتلن» قلت: وإنا نرمي بالمِعراض. قال: «كل ما خزق، وما أصاب بعَرضه فلا تأكل» (١) متفق عليه. الشاهد هنا في آخره قوله: وإنا نرمي بالمعراض؟ قال: «كل ما خزق وما أصاب بعرضه فلا تأكل» المعراض سهمٌ يرمى به بلا ريش، ليس له ريش، فيمضي أحياناً بالعرض ولا

стр. 494

يصيب برأسه لكن يصيب بالعرض، فقال له: «كل ما خزق» يعني ما نفذ في الصيد، «وما أصاب بعرضه» لم يدخل في الصيد بل ضربه ضرباً بالعرض فلا تأكل. يعني إذا ضربه ومات من أثر الضربة لا تأكله؛ لأنه لم ينفذ في الصيد، فهذا دليل على حل الصيد إذا حصل الخزق، وعدم حله إذا لم يحصل. ما صيد بغير هاتين الطريقتين فلا يحل حتى يُدرَك الصيد ويذبح. الطريقة الأولى طريقة الآلات التي تخزق، والطريقة الثانية طريقة الكلاب المعلمة. وأما الدليل على وجوب التسمية؛ فحديث أبي ثعلبة الخشني في الصحيحين نذكره تاماً حتى لا نعيده مرة أخرى تاماً، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، وَأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، أَوْ بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ تَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ، فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا، ثُمَّ كُلُوا فِيهَا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ، فَمَا أَصَبْتَ بِقَوْسِكَ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرَ الْمُعَلَّمٍ، فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْ». فالكلب المُعلَّم هو الذي يجوز أن تأكل مما يصطاده إذا ذكرت اسم الله عليه، عند إرساله تذكر اسم الله عليه. وأما الكلب غير المُعلَّم الذي لم يدرب على الصيد فهذا قال له: تأكل إذا أدركت ذكاته، يعني إذا قتله هو من غير أن تدرك ذكاته فلا تأكله؛ لأنه ليس كلباً معلماً، إنما الكلب المعلم فقط هو الذي يحل صيده إذا قتل، هذا بعد أن تذكر اسم الله عليه. وفي حديث عدي بن حاتم المتفق عليه «إِذَا أَرْسَلْتَ كِلاَبَكَ المُعَلَّمَةَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ، إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كَلْبٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلاَ تَأْكُلْ». التفصيل الآخر سيأتي إن شاء الله ذكره، لكن شاهدنا هنا قوله: «إِذَا أَرْسَلْتَ كِلاَبَكَ المُعَلَّمَةَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَكُلْ». هذا مفهومه أنك إذا لم تذكر اسم الله فلا تأكل منه. فهذه الأحاديث تدل على وجوب ذكر اسم الله على الصيد. والصحيح في التسمية على الصيد وعلى الذبيحة؛ إذا تركتها سهواً حلَّت الذبيحة والصيد، وإذا تركتها عمداً لم تحل. والله أعلم ثم قال المؤلف ﵀: (وإذا شاركَ الكلبَ المُعلَّمَ كلبٌ آخرُ لم يَحِلَّ صيدُهُما)

стр. 495

لا يحل لا صيد الكلب المعلم ولا الكلب الآخر؛ لحديث عدي بن حاتم المتقدم، فيه: «وإن خالطها كلبٌ من غيرها فلا تأكل»؛ لأنه لا يدري الذي قتل الصيد كلبه الذي سمى عليه، أم غيره من الكلاب؟ هنا ترد عندنا صورتان: الصورة الأولى أن يخالط الكلب أوكلابه المعلمة التي ذكر اسم الله عليها كلاباً أخرى معلمة مذكور عليها اسم الله أيضاً، ويُعرف هذا من حال الصائد، فإذا خالطها هذا النوع جاز له أن يأكل؛ لأنه لا فرق بين أن تقتلها كلابه أو الكلاب الأخرى؛ فكلها كلاب صيد ومذكور عليها اسم الله. الصورة الثانية: أن تخالطها كلاب أخرى لم يُذكر عليها اسم الله أو ليست معلمة، فلا يجوز أكل صيدها للاشتباه بين ما حل صيده وما حرُم. ثم قال المؤلف ﵀: (وإذا أكلَ الكلبُ المُعَلَّمُ ونَحْوُهُ مِن الصَّيدِ لم يَحِلَّ؛ فإنِّما أَمسكَ على نفسِهِ) إذا أمسك الكلبُ المعلمُ وأكل من الفريسةِ؛ فلا يجوز أن يأكل صاحبُ الكلبِ لأنه أمسك الفريسة لنفسه لا لصاحبه؛ لقول النبي ﷺ في الحديث المتقدم: «فكل مما أمسك عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل؛ فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه». ثم قال المؤلف ﵀: (وإذا وُجِدَ الصيدُ بعدَ وقوعِ الرَّميَّةِ فيهِ مَيِّتاً ولو بعدَ أيامٍ في غيرِ ماءٍ؛ كانَ حلالاً ما لم يُنتِنْ أو يَعلمْ أن الذي قَتَلهُ غيرَ سهمِهِ) الرمية هي المرمية أي السهم ونحوه، يعني إذا رمى عليه سهماً مثلاً ووقع السهم في الصيد ثم مات الصيد، لكنه لم يجده إلا بعد يوم أو يومين أو ثلاث، ولم يجده غارقاً في ماءٍ- لأنه إذا وجده غارقاً في ماء يحتمل أن يكون موته بسبب الغرق وليس بسبب السهم- فوجده في مكانٍ جاف ليس في ماءٍ؛ كان حلالاً فله أن يأكله. هذا إذا لم يجد فيه إلا سهمه، ولم يجد فيه أثراً لشيءٍ آخر قتله. مالم ينتن يعني مالم يتغير بسبب الموت، أو يَعلم أن الذي قتله غير سهمه، إذا علم ذلك فلا يجوز له أكله، لكن إذا غلب على ظنه من خلال ما يرى من القرائن أن سهمه الذي قتله فيجوز له أكله. دليل هذا الذي ذكره المؤلف حديث أبي ثعلبة المتقدم وفيه: «إذا رميت بسهمك فغاب عنك فأدركْتَه فكله ما لم يُنتِن» أخرجه مسلم بهذا اللفظ. وفي رواية عنده في الذي يدرك صيده بعد ثلاثٍ قال: «فكُلْه ما لم يُنتِن». وفي رواية في حديث عدي ابن حاتم: «إذا أرسلت كلبك وسميت فأمسك وقتل فكل، وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه، وإذا خالط كلاباً لم يُذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل؛ فإنك لا تدري أيها قتل، وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن وقع في الماء فلا تأكل».
следующие страницы →