← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الحُمُر جمع حمار، يوجد فرقٌ بين الحُمُر والحُمْر، بتسكين الميم وضمها، الحمُر بضم الميم جمع حمار، والحُمْر بتسكين الميم جمع أحمر، لذلك جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النَّعم» (١)، بالميم الساكنة، جمع أحمر. أما هنا فنقول: الحمُر الإنسية؛ لأنها جمع حمار. والإنسية التي تعيش بين الناس، ويقال لها أيضاً: الأهلية؛ لأن لها أهلاً ترجع إليهم وهم مُلّاكها، أي الذين يملكونها، فتسمى أهلية وتسمى إنسية. وبقول المؤلف: الحمُر الإنسية أخرج الحمر الوحشية؛ لأن من الحمير ما هو إنسي ومنها ما هو وحشي، الحمار الوحشي الحمار المخطط الذي يعيش في الغابات. الحمار الوحشي أكله جائز فقد اتفق أهل العلم على إباحته، وورد فيه حديث في الصحيح أن النبي ﷺ إليه وما منعه أن يأكل منه إلا أنه كان مُحرِماً ﷺ . وأما دليل تحريم الحمار الأهلي فهو أن النبي ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر (٢) كما صح بذلك عن غير واحد من الصحابة وأحاديثهم في الصحيحين وأكثر أهل العلم على تحريمها. قال المؤلف ﵀: (والجَلَّالَةُ قَبلَ الاستِحَالةِ) أيضاً مما حرَّمه الله ورسوله: الجلالة قبل أن تستحيل. الجلّالة هي: الدابة التي تأكل الجُلَّة وهي البعر من الإبل وغيرها. إذا كان غالب أكل الحيوان من البعر والقاذورات والنجاسات سُمي جلالة فيحرم أكله وركوبه وشرب لبنه. دليل تحريمها حديث ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها. وجاء في رواية النهي عن ركوبها أيضاً، الحديث عند أحمد وأبي داود وغيرهما (٣) وله شواهد وهو صحيح. وقول المؤلف: قبل الاستحالة؛ أي قبل أن تتحول من حالٍ إلى حال آخر، هذا معنى الاستحالة وهو التحول من حال إلى حال آخر. فإذا أُطعمت الجلّالة الشيء الطاهر حتى زالت رائحة النجاسة ولونها وأثرها جاز أكلها؛ لأن علة النهي عن أكلها تغيُّر لحمها ولبنها بالقاذورات والنجاسات، فإذا زالت العلة جاز أكلها. وقد صح عن ابن عمر أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثة أيام (٤). يحبسها ويعلفها العلف الطيب لمدة ثلاثة أيام حتى يذهب أثر القاذورات التي كانت تأكلها.

стр. 492

قال المؤلف: (والكِلابُ والهِرُّ) الكلاب جمع كلب معروف. والهر هو القط، الكلاب والقطط يحرم أكلها أيضاً؛ لأنها داخلة في قوله ﷺ : «كل ذي نابٍ من السباع فأكله حرام» (١). قال المؤلف: (وما كانَ مُستَخْبَثاً) يعني ما كان خبيثاً يقذره الناس، كالحشرات مثلاً القذرة، الأشياء التي يستخبثها الناس. يستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف/١٥٧] قالوا: ما استخبثه الناس فهو من الخبائث. والبعض الآخر من أهل العلم قال: هذا لا يصلح ضابطاً، فالناس يختلفون في ذلك، فيستخبث البعض شيئاً لا يستخبثه الآخر، بل المراد بالخبائث هنا كل ما حرَّمه الله وحرَّمه رسوله ﷺ ، فما حُرِّم بالدليل الشرعي فهو خبيث وما لم يُحرَّم فليس بخبيث. ومن العلماء من حرَّم أيضاً ما نهي عن قتله أو أُمر بقتله من الحيوانات، ما أمر بقتله كالحية والوزغ، وما نهي عن قتله كالضفدع والهدهد، فمن أهل العلم - كالإمام الشافعي ﵀ مَنْ حرَّم أكل هذه الأشياء واستدل بأن ما نهي عن قتله حَرُم لأنه لو حل أكله لما نهي عن قتله والذبح قتل. وأما ما أُمر بقتله من الحيوان فقال: لأنه خارج من الصيد الذي منع الله المحرم صيده وهو محرِم، وقد أذن له أن يقتل الفواسق الخمسة فهو ممنوع من الصيد وإذا كان ممنوعاً من الصيد وأُذن له أن يقتل الفواسق الخمس فقد استثنيت من الصيد الممنوع فلا تكون هي من الصيد الذي يجوز له أكله. هكذا استدل الإمام الشافعي ﵀ وقد نازعه العلماء في هذا الاستدلال. قال المؤلف: (وما عَدا ذلك فهو حَلالٌ) وما عدا ما ذكره من المحرمات فهو حلالٌ، بناءً على الأصل الذي تقدم معنا، ومن ذلك لحوم الخيل فهي تدخل في العموم، بل قد صح عن النبي ﷺ فيها حديثٌ خاص فقد جاء عنه ﷺ أنه رخص في لحوم الخيل وهو حديث متفق عليه (٢). وفي رواية (٣) قال جابر ﵁: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا رسول الله ﷺ عن الحمار الأهلي. وفي رواية عندهما (٤) من حديث أسماء نحرنا فرساً على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه.

стр. 493

فيجوز أكل الخيل. والله أعلم بابُ الصَّيدِ قال ﵀: (ما صِيدَ بالسِّلاحِ الجارِحِ والجَوارحِ كانَ حَلالاً إذا ذُكرَ اسمُ اللهِ عليه، وما صِيدَ بغيرِ ذلك فلا بدّ مِن التَّذكِية) جواز الصيد أمرٌ متفق عليه لا خلاف فيه، دلت أدلة كثيرة على جوازه في الكتاب والسنة، وسيأتي بعضها. ما صيد: من الصيد. بالسلاح الجارح؛ كالسهم والرمح والمسدس والبندقية النارية. عندهم قديماً بندقية لكن ليست هي الموجودة اليوم، البندقية التي كانت عندهم عبارة عن طين مجفف يابس يُضرب به الحيوان، هذه لا يجوز أكل الصيد الذي يُصاد بها إذا لم يدرك قبل موته ويذكى، أما البندقية النارية الموجودة اليوم فهذه يجوز أكل الصيد الذي يصاد بها، وما شابه ذلك من أنواع الأسلحة مما يَخزُق الصيد أي ينفذ فيه ويجرحه، هذا ضابطه، السلاح إذا كان يخزق الصيد ينفذ فيه فهذا يجوز الصيد به، إذا ذُكر اسم الله عليه يعتبر صيداً حلالاً. وكذلك ما صيد بالجوارح، والمقصود بالجوارح: الحيوانات التي يُصطاد بها كالكلاب والفهود والصقور وما شابه، سميت جوارح من الجَرْح وهو الكسب؛ لأنها تجرح لأهلها أي تكسب لأهلها كسباً. والدليل على أن آلة الصيد لا بد أن تخزق، حديث عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله: إنا نرسل الكلاب المعلمة؟ - الكلب المعلم هو المدرب على الصيد، وليس المقصود به الكلب المعروف فقط، بل الجوارح التي تصلح للصيد، الكلاب الجارحة؛ كالفهد والأسد وغيرها إذا كانت تستعمل للصيد هذه تسمى كلاباً، والمعلمة يعني المدربة التي إذا أرسلتها للصيد انطلقت وإذا دعوتها أقبلت - فقال رسول الله ﷺ : «كُلْ ما أمسكن عليك» قلت: وإن قتلن؟ قال: «وإن قتلن» قلت: وإنا نرمي بالمِعراض. قال: «كل ما خزق، وما أصاب بعَرضه فلا تأكل» (١) متفق عليه. الشاهد هنا في آخره قوله: وإنا نرمي بالمعراض؟ قال: «كل ما خزق وما أصاب بعرضه فلا تأكل» المعراض سهمٌ يرمى به بلا ريش، ليس له ريش، فيمضي أحياناً بالعرض ولا

стр. 494

يصيب برأسه لكن يصيب بالعرض، فقال له: «كل ما خزق» يعني ما نفذ في الصيد، «وما أصاب بعرضه» لم يدخل في الصيد بل ضربه ضرباً بالعرض فلا تأكل. يعني إذا ضربه ومات من أثر الضربة لا تأكله؛ لأنه لم ينفذ في الصيد، فهذا دليل على حل الصيد إذا حصل الخزق، وعدم حله إذا لم يحصل. ما صيد بغير هاتين الطريقتين فلا يحل حتى يُدرَك الصيد ويذبح. الطريقة الأولى طريقة الآلات التي تخزق، والطريقة الثانية طريقة الكلاب المعلمة. وأما الدليل على وجوب التسمية؛ فحديث أبي ثعلبة الخشني في الصحيحين نذكره تاماً حتى لا نعيده مرة أخرى تاماً، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، وَأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، أَوْ بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ تَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ، فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا، ثُمَّ كُلُوا فِيهَا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ، فَمَا أَصَبْتَ بِقَوْسِكَ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرَ الْمُعَلَّمٍ، فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْ». فالكلب المُعلَّم هو الذي يجوز أن تأكل مما يصطاده إذا ذكرت اسم الله عليه، عند إرساله تذكر اسم الله عليه. وأما الكلب غير المُعلَّم الذي لم يدرب على الصيد فهذا قال له: تأكل إذا أدركت ذكاته، يعني إذا قتله هو من غير أن تدرك ذكاته فلا تأكله؛ لأنه ليس كلباً معلماً، إنما الكلب المعلم فقط هو الذي يحل صيده إذا قتل، هذا بعد أن تذكر اسم الله عليه. وفي حديث عدي بن حاتم المتفق عليه «إِذَا أَرْسَلْتَ كِلاَبَكَ المُعَلَّمَةَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ، إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كَلْبٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلاَ تَأْكُلْ». التفصيل الآخر سيأتي إن شاء الله ذكره، لكن شاهدنا هنا قوله: «إِذَا أَرْسَلْتَ كِلاَبَكَ المُعَلَّمَةَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَكُلْ». هذا مفهومه أنك إذا لم تذكر اسم الله فلا تأكل منه. فهذه الأحاديث تدل على وجوب ذكر اسم الله على الصيد. والصحيح في التسمية على الصيد وعلى الذبيحة؛ إذا تركتها سهواً حلَّت الذبيحة والصيد، وإذا تركتها عمداً لم تحل. والله أعلم ثم قال المؤلف ﵀: (وإذا شاركَ الكلبَ المُعلَّمَ كلبٌ آخرُ لم يَحِلَّ صيدُهُما)

стр. 495

لا يحل لا صيد الكلب المعلم ولا الكلب الآخر؛ لحديث عدي بن حاتم المتقدم، فيه: «وإن خالطها كلبٌ من غيرها فلا تأكل»؛ لأنه لا يدري الذي قتل الصيد كلبه الذي سمى عليه، أم غيره من الكلاب؟ هنا ترد عندنا صورتان: الصورة الأولى أن يخالط الكلب أوكلابه المعلمة التي ذكر اسم الله عليها كلاباً أخرى معلمة مذكور عليها اسم الله أيضاً، ويُعرف هذا من حال الصائد، فإذا خالطها هذا النوع جاز له أن يأكل؛ لأنه لا فرق بين أن تقتلها كلابه أو الكلاب الأخرى؛ فكلها كلاب صيد ومذكور عليها اسم الله. الصورة الثانية: أن تخالطها كلاب أخرى لم يُذكر عليها اسم الله أو ليست معلمة، فلا يجوز أكل صيدها للاشتباه بين ما حل صيده وما حرُم. ثم قال المؤلف ﵀: (وإذا أكلَ الكلبُ المُعَلَّمُ ونَحْوُهُ مِن الصَّيدِ لم يَحِلَّ؛ فإنِّما أَمسكَ على نفسِهِ) إذا أمسك الكلبُ المعلمُ وأكل من الفريسةِ؛ فلا يجوز أن يأكل صاحبُ الكلبِ لأنه أمسك الفريسة لنفسه لا لصاحبه؛ لقول النبي ﷺ في الحديث المتقدم: «فكل مما أمسك عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل؛ فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه». ثم قال المؤلف ﵀: (وإذا وُجِدَ الصيدُ بعدَ وقوعِ الرَّميَّةِ فيهِ مَيِّتاً ولو بعدَ أيامٍ في غيرِ ماءٍ؛ كانَ حلالاً ما لم يُنتِنْ أو يَعلمْ أن الذي قَتَلهُ غيرَ سهمِهِ) الرمية هي المرمية أي السهم ونحوه، يعني إذا رمى عليه سهماً مثلاً ووقع السهم في الصيد ثم مات الصيد، لكنه لم يجده إلا بعد يوم أو يومين أو ثلاث، ولم يجده غارقاً في ماءٍ- لأنه إذا وجده غارقاً في ماء يحتمل أن يكون موته بسبب الغرق وليس بسبب السهم- فوجده في مكانٍ جاف ليس في ماءٍ؛ كان حلالاً فله أن يأكله. هذا إذا لم يجد فيه إلا سهمه، ولم يجد فيه أثراً لشيءٍ آخر قتله. مالم ينتن يعني مالم يتغير بسبب الموت، أو يَعلم أن الذي قتله غير سهمه، إذا علم ذلك فلا يجوز له أكله، لكن إذا غلب على ظنه من خلال ما يرى من القرائن أن سهمه الذي قتله فيجوز له أكله. دليل هذا الذي ذكره المؤلف حديث أبي ثعلبة المتقدم وفيه: «إذا رميت بسهمك فغاب عنك فأدركْتَه فكله ما لم يُنتِن» أخرجه مسلم بهذا اللفظ. وفي رواية عنده في الذي يدرك صيده بعد ثلاثٍ قال: «فكُلْه ما لم يُنتِن». وفي رواية في حديث عدي ابن حاتم: «إذا أرسلت كلبك وسميت فأمسك وقتل فكل، وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه، وإذا خالط كلاباً لم يُذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل؛ فإنك لا تدري أيها قتل، وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن وقع في الماء فلا تأكل».

стр. 496

وفي رواية: يرمي الشخص الصيد فيقتفر أثره اليومين والثلاثة ثم يجده ميتاً وفيه سهمه، عندما سئل النبي ﷺ عن ذلك قال: «يأكل إن شاء». والله أعلم بابُ الذَّبحِ الذبح لغةً: الشَّق. وشرعاً: قَطْعُ الوَدَجَيْن، وهما العِرقان اللذان يحملان الدم إلى الرأس. ذكرنا هذا التعريف دون غيره؛ لأن النبي ﷺ قال: «ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فكل» (١). وإنهار الدم إجراؤه وسيلانه بكثرة وذلك لا يكون إلا بقطع الأوداج لأنها مجرى الدم. قال المؤلف ﵀: (هو ما أَنهَرَ الدَّمَ، وفَرَى الأَودَاجَ، وذُكِرَ اسمُ اللهِ عليهِ، ولو بِحجرٍ أو نحوِه، ما لم يَكُن سِنّاً أو ظُفْراً) ما قاله المؤلف هو مقتضى ما جاء عن النبي ﷺ في قوله: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ليس السِنّ والظُفْر»، قال: «وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظمٌ، وأما الظُفْر فمُدَى الحبشة» (٢) هذا الحديث متفق عليه وسيأتي بيانه إن شاء الله. قوله: «ما أنهر الدم» أي ما صبَّه وأساله بكثرة، وهو مشبَّه بجري الماء في النهر. وقوله: «وفرى الأوداج» أي قطعها. والأوداج: العروق، وهما العرقان اللذان يحملان الدم إلى الرأس، يكونان على جانبي العنق. وقوله: «وذُكر اسم الله عليه» هذا الذي جاء في الحديث، وقد تقدم حكم التسمية على الصيد والذبيحة في باب الصيد المتقدم. التسمية واجبة تسقط في حال النسيان، فلا يجوز للشخص أن يأكل من الذبيحة إذا تُركت التسمية عليها عمداً، أما عند النسيان فيجوز. هذا فيمن عَلم ذلك، يعني من علم أن الشخص ذبح الذبيحة وترك التسمية عليها عمداً، فلا يجوز له أن يأكل منها، أما من علم أنه ذبح الذبيحة ناسياً فيجوز له الأكل منها.

стр. 497

وأما من لم يعلم أسُميَّ عليها أم لا فيجوز له الأكل منها، لحديث عائشة قالت: إن قوماً قالوا يا رسول الله: إن قوماً حديثي عهد بكفر -أي خرجوا من الكفر حديثاً ودخلوا في الإسلام حديثاً- يأتوننا باللحم لا ندري أذُكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال رسول الله ﷺ : «سَمّوا عليه أنتم وكلوه» (١) أخرجه البخاري في صحيحه. هذا الحديث يدل على جواز أكل ما في أسواق المسلمين من المذبوحات، من الدجاج والغنم والبقر وغيرها مما أحل الله أكله إذا وُجد في أسواق المسلمين فيجوز أكله سواء علمنا أنه سمي عليه أم لم نعلم ذلك. وأما النسيان فقد احتج البخاري ﵀ على جوازه بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام/١٢١] قال: والناسي لا يسمى فاسقاً. قال الإمام الطبري ﵀ في قول الله ﵎ ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] قال: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَنَى بِذَلِكَ: مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ وَالْآلِهَةِ، وَمَا مَاتَ أَوْ ذَبَحَهُ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: عَنَى بِذَلِكَ مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُ فَنَسِيَ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ، فَقَوْلٌ بَعِيدٌ مِنَ الصَّوَابِ لِشُذُوذِهِ وَخُرُوجِهِ عَمَّا عَلَيْهِ الْحُجَّةُ مُجْمِعَةٌ مِنْ تَحْلِيلِهِ، وَكَفَى بِذَلِكَ شَاهِدًا عَلَى فَسَادِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ فِي كِتَابِنَا الْمُسَمَّى (لَطِيفُ الْقَوْلِ فِي أَحْكَامِ شَرَائِعِ الدِّينِ)، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. انتهى فالقول بأن ما تُركت التسمية عليه نسياناً لا يؤكل قول شاذ على ما ذكر الطبري ﵀. وقول المؤلف: «ولو بحجر أو نحوه ما لم يكن سناً أو ظفراً» أي يصح الذبح بكل شيء أسال الدم وصبَّه بكثرة, يدل عليه الحديث الذي فيه «ما أنهر الدم» سواء كان بالسكين أو الحجر أو الحديد أو غير ذلك إذا كان يقطع العروق ويسيل الدم. إلا السن والظفر أي ما عدا السن والظفر لا يجوز الذبح بهما. السن معروف، والظفر ظفر الإنسان، جاء في الحديث بيان العلة، فقال: السن عظم. فهذا يدل على أن العظم كله لا يجوز الذبح به. والظفر تستعمله الحبشة كما جاء في الحديث «مُدى الحبشة» أي السكين التي تذبح بها الحبشة. هنا كونه من استعمالات أهل الحبشة كثير من أهل العلم قال: العلة في ذلك أن أهل الحبشة كانوا كفاراً، والذبح بالظفر من خصائصهم، ونحن نهينا عن التشبه بالكفار، فجعلوه من التشبه بالكفار. فبناء على هذا القول نقول: كل ما هو خاص بالكفار يذبحون به لا يجوز الذبح به بناءً على التعليل الذي ذكروه. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (ويَحرُمُ تعذيبُ الذَّبيحَةِ)

стр. 498

لقوله ﷺ : «إن الله كتب الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم فأَحسِنوا القِتلة، وإذا ذَبحتُم فأَحسِنوا الذِّبحة، وليُحِدَّ أحدُكم شَفْرتَه وليُرِح ذبيحته» (١) أخرجه مسلم. أما القِتلة فهي هيئة القتل، والذبحة هيئة الذبح. وليحد أحدكم شفرته أي يجعل الآلة التي يريد أن يذبح بها حادة حتى لا تُعذب البهيمة التي تُذبح وترتاح بسرعة. هذا الحديث وغيره من الأحاديث تدل على أن الإسلام جاء بكل خير وجاء أيضاً بالرفق مع الحكمة والمصلحة، فالإسلام جمع بين أمرين: الرفق بالحيوان وإعطاء الإنسان حقه، لكن أيضاً اعتبر أمراً آخر تجاهله الغرب اليوم وهو الحكمة والمصلحة. تجد بعض أصحاب دعوات الرفق بالحيوان يدعون إلى استخدام الصعق أولا قبل الذبح وبعضهم لا يريد أن تذبح الحيوانات مطلقاً. مثل هذا غلو، وقد وقعوا في أكثر من أمر في الغلو، عندما أرادوا أن يجتنبوا التفريط الذي كانوا فيه انتقلوا إلى الإفراط، فلم يعتدلوا في الأمور، لأنه لا يوجد حكم رباني يجعلهم في ميزان صحيح معتدل، الشرع اعتبر الرفق بالحيوان واعتبر حقوق الإنسان لكن مع تحقيق المصالح والحكم. ربما يعتقدون أمراً ما من حقوق الإنسان أو من الرفق بالحيوان لكن اعتباره يؤدي إلى مفسدة أعظم وأكبر، لذلك لا يعتبره الشرع، هذا يحتاج إلى محاضرة كاملة لبيان ما هم عليه من خلط وتخبط في مثل هذه المسائل. المهم أن الإسلام أعطى الإنسان جميع حقوقه التي يحتاجها والتي هي حق له من غير إفراط ولا تفريط، وكذلك الرفق بالحيوان هذه صورة من الصور والصور كثيرة، هذه صورة منها، حتى عند الذبح أوصى الشرع بالإحسان، وعند القتل أوصى بالإحسان بالمقتول. فانظر إلى صورة الرفق الحقيقي الذي يجمع ما بين الرفق وما بين المصالح والحِكَم. قال النووي ﵀: وليرح ذبيحته: بإحداد السكين وتعجيل إمرارها وغير ذلك، ويستحب أن لا يحد السكين بحضرة الذبيحة، وأن لا يذبح واحدة بحضرة أخرى، ولا يجرها إلى مذبحها. وقوله ﷺ «فأحسنوا القتلة» عام في كل قتيل من الذبائح والقتل قصاصاً في حد ونحو ذلك. وهذا الحديث من الأحاديث الجامعة لقواعد الإسلام. والله أعلم. انتهى كلامه ﵀. قال المؤلف ﵀: (والمُثلُةُ بِهَا) ويحرم التمثيل بالذبيحة، المثلة: تقطيع الأعضاء من الحيوان وهو حي، وتشويهه.

стр. 499

مثَّل به أي قطع أعضاءه، يقطع الأنف، والأذنين، واليدين، والرجلين، هذا تمثيل بالحيوان، ويسمى مثلة، وهو محرم. كان الناس في الجاهلية يفعلونه، يقطعون أسنمة الإبل ويقطعون ألية الشاة يحصلوا منها على السمن وما شابه، هذا حرَّمه الشرع؛ لأن فيه تعذيباً للحيوان. فمن الرفق بالحيوان منع مثل هذا الأمر، وليس من ورائه مصلحة كبيرة نرجو أن تتحقق في حِلِّه، بإمكاننا أن نذبحه ثم بعد الذبح نأخذ ما نريد منها، فلذلك حرَّم الشارع التمثيل بالحيوان. وكذلك حرَّم الشارع أن تجعل الحيوان موضعاً للرمي، تجعله في مكان وترمي عليه بالسلاح، هذا محرم أيضاً؛ لأن فيه تعذيباً أيضاً للحيوان. من أراد أن يقرأ الرفق بالحيوان وأراد أن يقرأ حقوق الإنسان بحق فليقرأ رياض الصالحين فهو مليء بذلك لكن على الطريقة الشرعية المعتدلة لا على طريقة الغرب المتخبط. فالمُثلة محرمة ودليل تحريمها حديث ابن عمر في صحيح البخاري أنه قال: لعن النبي ﷺ من مثَّل بالحيوان (١). هذا يدل على أن المثلة كبيرة من الكبائر؛ لأن فيها لعناً. وفي حديث عبد الله بن يزيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه نهى عن النهبة والمثلة (٢). أخرجه البخاري. قال المؤلف: (وذَبحُها لغيرِ اللهِ) ذبح الذبيحة تقرباً بها لغير الله، أو ذكر اسم غيرالله عليها يحرمها؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِوَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة/٣]، وقول النبي ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله» (٣) أخرجه مسلم. قال المؤلف: (وإذا تَعذَّرَ الذَّبحُ لِوجهٍ؛ جازَ الطَّعنُ والرَّميُ، وكانَ ذلك كالذَّبحِ) نذكر الحديث بداية، ومِنْ ذِكر الحديث يتضح معنى كلام المؤلف. جاء في حديث رافع بن خديج ﵁ قال: نَدَّ بعير- أي نفر وهرب- فطلبوه فأعياهم - ما استطاعوا أن يصلوا إليه- وكان في القوم خيل يسيرة -الخيل عندهم قليلة لذلك لم يستطيعوا اللحاق به- فأهوى رجلٌ منهم بسهمٍ فحبسه الله يعني ضربه رجل بسهم فوقع البعير. فقال النبي ﷺ «إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا» (٤) أي لها نفور وتوحُشّ كالوحوش التي في الغابات، ما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا أي

стр. 500

أصيبوه بالسهم أو ارموا عليه رمحاً كي تدركوه، فرميه بالسهم أو الرمح يعطى حكم الذبح فيحل بذلك. قال المؤلف ﵀: (وذَكاةُ الجَنينِ ذَكاةُ أُمِّهِ) إذا ذبحت الأم ذبحاً شرعياً وتبيَّن أن في بطنها جنيناً، يعني مولوداً لم يولد بعد، فلا يعتبر ميتة ويجوز أكله؛ فذبح أمه كافٍ. هذا إذا نزل ميّتاً، أما إذا نزل حيّاً فيحتاج إلى تذكية كبقية الحيوانات لعموم الأدلة ودليل ما ذكره المؤلف حديث أبي سعيد ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن الجنين، فقال: «كلوه إن شئتم»، وفي رواية: قلنا يا رسول الله: ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله؟ قال: «كلوه إن شئتم؛ فإن ذكاته ذكاة أمه» (١) أخرجه أحمد وأبو داود وهو صحيح. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. انتهى قال المؤلف ﵀: وما أُبِينَ مِنَ الحَيِّ فهو مَيتةٌ) ما أُبينَ: يعني ما قُطع وفُصل عن الحي، كأن تقطع مثلاً سنام البعير أو أي جزء من الحيوان وهو حي، فالسنام الذي قطعته يصير ميتة بقطعه؛ لقول ﷺ : «ما قُطعَ من البهيمة وهي حية فهو ميتة» (٢) أخرجه أحمد وأبو داود. ونقل بعض أهل العلم الاتفاق على المعنى المذكور. فلا يحل أكله بعدما قطع من الحيوان وهو حي، لأنه صار ميتة فهو نجس، وهذا ما كان يفعله أهل الجاهلية كانوا يقطعون الأسنمة ويقطعون أليات الشياه - الشحم الذي يكون في ذيلها- فحرمه النبي ﷺ . قال المؤلف: (ويَحِلُّ مَيْتتانِ ودَمَانِ: السَّمكُ والجَرادُ، والكَبِدُ والطِّحالُ وتَحِلُّ المَيتةُ للمُضطَرِّ) الأصل في الميتة أنها محرمة؛ لقوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة/٣] هذا عام ولكنه مخصوصٌ، وردت الأدلة بتخصيص أشياء منها. منها: ميتة البحر؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة/٩٦]. قال عمر بن الخطاب ﵁: صيده ما اصطيد، وطعامه ما رمى به. أي ما رمى به البحر، يعني ما مات في البحر وألقاه على الشاطئ.

стр. 501

وقال ابن عباس ﵁: طعامه ميتته إلا ما قذِرتَ منها. علَّقهما البخاري ﵀ في صحيحه (١). أثر عمر وصله سعيد بن منصور، والبخاري في التاريخ، وعبد بن حميد من طريق عمر بن أبي سلمة محتلف في الاحتجاج به، والخلاف فيه قوي والأثر عليه يدور. وأما أثر ابن عباس فهو صحيح ورد عن ابن عباس بأكثر من إسناد. وأخرج البخاري - مستدلاً على جواز أكل ميتة البحر- حديث جابر ﵁ قال: غزونا في جيش على رأسنا أو أميرنا أبو عبيدة ابن الجراح، فجعنا جوعاً شديداً، فألقى البحر حوتاً ميتاً لم يُرَ مثله -من عظمه وكبره- يقال له العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، قال: فلما قدمنا المدينة أتينا النبي ﷺ فذكرنا ذلك له، فقال: «هو رزقٌ أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ » قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله (٢). هذا الحديث متفق عليه وهو حجة واضحة في جواز أكل ميتة البحر. وجاء عن ابن عمر ﵁ أيضاً أنه قال: أحلت لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال (٣). أخرجه أحمد. هذا الحديث يدل على حِلِّ ميتة البحر. ويدل أيضاً على حِلِّ أكل الجراد وأنه لا ذكاة له، كما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن أبي أوفى ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد (٤). متفق عليه. ومَنْ ادعى أن حِلَّ أكل الجراد من غير تذكية على خلاف القياس فهو مخطئ، لأنه ليس في الشرع شيء جاء على خلاف القياس، هذه القاعدة فاسدة ردها ابن تيمية ﵀ وردها ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين وعقد لها فصلاً وذكر الأدلة على ذلك، وبيَّن أن ما يقولون فيه بأنه على خلاف القياس يكونون قد توهموا فيه، وفي الغالب يكون قياسهم قياساً فاسداً مخالفاً للنصوص فيظنون أن العلة واحدة في حكمين فيقولون في أحد الحكمين إنه على خلاف القياس، وحقيقة تكون هناك مخالفة بين العلل ولكنهم لا يتنبهون لها. مثل هذه الصورة مثلاً التسوية ما بين ما له دم سائل وما ليس له دم سائل خطأ قد فرَّق بينهما الشرع، فكيف نقول بعد ذلك إنه على خلاف القياس، هذا خطأ. وأما الكبد والطحال فيدل على حلهما حديث ابن عمر المتقدم. وأما الميتة للمضطر فدليلها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة/١٧٣]، فأحلَّ أكل الميتة في حال الاضطرار وأجمع العلماء على تحريم الميتة حال الاختيار وعلى إباحة الأكل منها في الاضطرار، قاله ابن قدامة ﵀.

стр. 502

بابُ الضِّيافَةِ الضيافة: إكرام الزائر بالطعام والشراب ونحوه. قال المؤلف: (يَجبُ على من وَجدَ ما يَقرِي بهِ مَن نَزلَ مِنَ الضُّيوفِ أن يَفعلَ ذلك) يجب إكرام الضيف على من كان قادراً على ذلك عند المؤلف ومن قال بقوله؛ دليله حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت يا رسول الله: إنك تبعثنا فننزل بقومٍ لا يَقرونا، فما ترى؟ قال: «إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لكم» (١) متفق عليه. جعل النبي ﷺ قِرى الضيف حقّاً للضيف، فبما أنها حق له صارت واجبة على الذي يَقري الضيف، وأَذِن له أيضاً بأخذها حتى لو لم يأذن صاحب الدار، فهذا يدل أنها صارت حقاً له وأنها واجبة على صاحب الدار. وقوله: يَقري أي يُضَيِّف.

стр. 503

(وَحدُّ الضِّيافةِ إلى ثلاثةِ أيامٍ، وما كان ورَاءَ ذلك فصدقةٌ) دليله قول النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام فما بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه» (١) متفق عليه من حديث أبي شريح العدوي ﵁. أي يعمل جهده في اليوم الأول بالبِرِّ والإلطاف والإحسان إليه من غير أن يشق على نفسه، وفي الثاني والثالث يقدِّم له ما حضر وما وُجد في البيت ولا يزيد على عادته، فإذا مضى الثالث فقد قضى حقه، فما زاد عليها فما يقدمه له يكون صدقة يتصدق بها عليه. (ولا يَحِلُّ للضَّيفِ أن يَثوِيَ عِندَهُ حتى يُحرِجَهُ) أي لا يجوز للضيف أن يقيم عند صاحب الدار أكثر من ثلاثة أيام حتى لا يوقع صاحب الدار في الضيق، ودليله حديث أبي شريح السابق. الحرج: الضيق. يثوي عنده: يقيم عنده. قال المؤلف ﵀: (وإذا لم يَفعلِ القَادرُ على الضِّيافةِ ما يجبُ عليهِ؛ كان للضَّيفِ أن يَأخذَ مِن مالهِ بقدرِ قِراهُ) أي بقدر ضيافته، للضيف أن يأخذ من مال صاحب الدار القدر الذي يُكرَم به في العرف السائد، لحديث عقبة المتقدم. المؤلف ذهب إلى وجوب ضيافة الضيف. والعلماء اختلفوا في ذلك فذهب أحمد وغيره إلى الوجوب، وذهب الجمهور إلى الاستحباب إلا للمضطر. قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: هذه الأحاديث متظاهرة على الأمر بالضيافة والاهتمام بها وعظيم موقعها. وقد أجمع المسلمون على الضيافة وأنها من متأكدات الإسلام، ثم قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى والجمهور: هي سنة ليست بوجبة، وقال الليث وأحمد: هي واجبة يوماً وليلة، قال أحمد ﵁: هي واجبة يوماً وليلة على أهل البادية وأهل القرى دون أهل المدن. وتأول الجمهور هذه الأحاديث وأشباهها على الاستحباب ومكارم الأخلاق وتأكد حق الضيف؛ كحديث غسل الجمعة واجب على كل محتلم، أي متأكد الاستحباب، وتأولها الخطابي ﵁ وغيره على المضطر. والله أعلم. استدل من قال بعدم الوجوب بقوله ﷺ في أبي شريح المتقدم: (جائزته) فالجائزة فى لسان العرب: النِّحلة والعطية، وذلك تفضل وليس بواجب.

стр. 504

ثم قال المؤلف: (ويَحرُمُ أكلُ طعامِ الغيرِ بغيرِ إذنِهِ، ومِن ذلك حَلبُ ماشِيتهِ، وأَخذُ ثَمرَتهِ وزرعِهِ، لا يَجوزُ إلا بإذنِهِ، إلَّا أن يَكونَ مُحتاجاً إلى ذلك؛ فلينادِ صاحبَ الإِبلِ أوِ الحَائطِ، فإنْ أجَابَهُ وإلَّا فليشرَبْ وليأكلْ غيرَ مُتَّخذٍ خُبنةً) الأصل تحريم أموال المسلمين، هذا أصل متفق عليه دلت عليه الأدلة وذكرناها فيما تقدم، ومنها قول النبي ﷺ : «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» (١) متفق عليه. ومن هذه الأموال: الحليب الذي في ضروع الأنعام، وكذلك الثمار التي على الشجر المملوكة للناس، وكذلك الزروع كالقمح والشعير وما شابه؛ فلا يجوز أخذ شيء من ذلك إلا بإذن مالكه، كما دلت عليه الأدلة العامة في تحريم أموال المسلمين. وجاء في الصحيحين حديث خاص بحليب المواشي، عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ إِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (٢) مشروبته: غرفة تخزين الطعام. فتُكسر خزانته فيَنتقل طعامه؟ يعني يحب أحدكم أن يدخل عنده شخص ويكسر الخزينة التي عنده ويأخذ الطعام ويخرج؟ إنما تَخزُن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم أي هذه ضروع المواشي هي عبارة عن خزين تخزن لهم الحليب الذي هو ملكهم، فهذه جعلها النبي ﷺ كدار الخزين للطعام. فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه. كما أن أحدكم لا يحب أن يدخل عنده أحد ويكسر دار الخزين ويأخذ ما فيها من طعام، كذلك لا يذهب إلى ضرع شاة يملكها شخص ويأخذ الحليب الذي فيها؛ لأن هذا الضرع هو خزين لهذا الحليب لمالكه. ويستثنى من ذلك المحتاج، فهذا إذا جاء إلى مزرعة أو إلى مواش، قال المؤلف: فلينادِ على صاحبها فإن أجابه استأذن صاحب الماشية في حلبها أو صاحب الزرع في الأخذ من زرعه أو من ثماره، وإن لم يأته، له أن يأكل ويشرب. ولكن ليس له أن يأخذ خُبنة، الخبنة: معطف الإزار أو طرف الثوب، يعني ليس له أن يجعل في طرف ثوبه يعني يملأ ثوبه أو يملأ كيساً ويحمل معه، له أن يأكل ويشرب بالقدر الذي يكفيه ثم يخرج، أما يحمل معه فلا. دليل ذلك حديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: سُئِلَ النبي ﷺ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ

стр. 505

غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَمَنْ سَرَقَ دُونَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ، وَالْعُقُوبَةُ» (١) وأما المناداة التي ذكرها المؤلف فورد فيها حديث ضعيف من حديث الحسن عن سمرة فيه: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ وَإِلَّا فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ» (٢) ولكنه حديث ضعيف لعدم سماع الحسن من سمرة غير حديث العقيقة. والله أعلم بابُ آدابِ الأكلِ الآداب: جمع أدب، وهو في اللغة: الخصلة الحميدة. والمراد به هنا: المطلوب شرعاً فيما يتعلق بالأكل، فيشمل الواجب والمستحب، فليس من شرط الأداب أن تكون في الأمور المستحبة فقط كما يتوهم البعض، بل يُدخل العلماء أيضاً في الآداب المسائل الواجبة. أحياناً بعضهم يطلق الآداب ويريد بذلك فقط المستحبات، فيكون عنده معنى الآداب: ما رُغِّب به شرعاً على وجه الاستحباب فقط في بابه الذي يذكره. قال المؤلف ﵀: (يُشرعُ للآكِلِ: التَّسمِيةُ) يُشرع للآكِلِ التسمية أي أنها عبادة مشروعة يجوز له أن يتعبد بها، فتُشرع التسمية على الأكل، لقول النبي ﷺ لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام: سَمِّ الله وكل بيمينك، وكل مما يليك» (٣) متفق عليه. اختلف أهل العلم في التسمية على الطعام هل هي واجبة أم مستحبة؟

стр. 506

والصحيح الوجوب لقوله ﷺ : «إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل: بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل: بسم الله على أوله وآخره» (١) وهو صحيح. هذا الحديث فيه أمر، والأمر يقتضي الوجوب، هذا هو الأصل ولا صارف له صحيح يُعلَم. وأما لفظ التسمية فيقول: بسم الله، على ظاهر الأحاديث التي وردت، ولا يزيد على ذلك لأن هذه هي السنة. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (والأكلُ باليمينِ ومن حافتَي الطعامِ لا مِن وسَطِهِ، ومما يلِيهِ) هذه آداب أخرى تُشرع للآكل، الأكل باليمين؛ لحديث عمر بن أبي سلمة المتقدم قال فيه النبي ﷺ : «يا غلام: سم الله وكل بيمينك». وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله فقال له: «كل بيمينك»، هذا أمر يأمره النبي ﷺ بالأكل بيمينه، قال: لا أستطيع، قال النبي ﷺ : «لا استطعت»، قال الراوي: فما ردها إلى فيه. وقال النبي ﷺ في الحديث أيضاً: «ما منعه إلا الكبر» (٢). وجاء في حديث ابن عمررضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» (٣) أخرجه مسلم في صحيحه. عندنا أمرٌ وعندنا نهي، عندنا أمر بالأكل باليمين وعندنا نهي عن الأكل بالشمال. وقول المؤلف: ويأكل من حافتي الطعام لا من وسطه أي من طرف الإناء لا من وسطه لما أخرجه أبو داود في سننه عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها؛ فإن البركة تنزل من أعلاها» (٤). هذا على الاستحباب فالتعليم يبين أن المراد الإرشاد للخير والمنفعة. وقول المؤلف: ويأكل مما يليه؛ لحديث عمربن أبي سلمة المتقدم قال له النبي ﷺ : «وكل مما يليك»، لكن ثبت أيضاً عن النبي ﷺ أنه تتبَّع الدُّباء من حوالَيْ القصعة (٥). تتبَّع الدباء -الدباء هو القرع- كان يحبه النبي ﷺ . فقال أهل العلم: إذا علم الشخص من جلسائه الذين يجالسونه ويشاركونه الطعام، إذا علم منهم أنهم لا يمانعون من ذلك ولا يتقذرون منه فيجوز له أن يفعل ذلك وإلا فلا. قال المؤلف ﵀: (ويَلعَقُ أَصابِعَهُ والصَّحفةَ)

стр. 507

لحديث أنس عند مسلم وغيره: كان النبي ﷺ إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث، قال: وقال: «إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ»، وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ» (١)، يعني إذا وقعت اللقمة من أحدكم فليزل عنها ما علق بها من أذى وليأكلها، ولا يدَعْها للشيطان، وأمرنا أن نسلت القصعة، السَّلت: المسح والتتبُّع، تتبُّع ما بقي من الطعام في القصعة. وفي حديث ابن عباس قال النبي ﷺ «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا» (٢) متفق عليه. يلعقها يعني يمسح القصعة بأصابعه ويمتص الطعام الذي علق عليها أو أن يُلعقها لزوجةٍ مثلاً أو خادمة -أَمة- أو غير ذلك. وفي حديث جابر ﵁ عند مسلم أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: «إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة» (٣). الصحفة أو القصعة أو الجَفنة هذه كلها أوانٍ تُتخذ توضع فيها الأطعمة إلا أن بعضها أكبر من بعض، فالقصعة أصغر من الصحفة، الصحفة تكفي خمسة والقصعة تطعم عشرة، الصحفة تكون أصغر من القصعة، المهم هي كلها أوانٍ لوضع الطعام فيها. والمراد بلعق الصحفة: أخذ ما بقي بالأصابع وأكله عن الأصابع، مسح ما بقي فيها بالأصابع لا باللسان كما يفعل البعض، رأينا البعض يفعل ذلك ظانّاً أن هذا معنى اللعق فما فهم من اللعق إلا اللعق الذي تفعله الكلاب! هذا خطأ في الفهم، اللعق فيما يذكر أهل اللغة هو ما قاله ابن فارس في معجم مقاييس اللغة في مادة لعَقَ قال: اللام والعين والقاف أصلٌ يدل على لَسْبِ -أي قطْع- شيء بإصبعٍ أو غيره. انتهى فإزالة الطعام من الصحفة أو من القصعة بالإصبع يسمى لعقاً، فاللعق يكون بهذه الطريقة لا باللحس باللسان فذاك من عمل الكلاب وقد نهينا عن التشبه بالحيوانات. قال المؤلف: (والحمدُ للهِ عندَ الفراغِ، والدُّعاءُ) الحمد عند الفراغ وكذلك الدعاء من آداب الأكل وردت به السنة في الصحيح، وأصح لفظ ورد في ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: «الحمدُ للهِ كثيرًا طَيّبًا مُبَاركًا فيه، غَيرَ مَكفِيٍّ ولا مُوَدَّعٍ ولا مُستَغنًى عنه، ربَّنا» (٤) يقال: ربُّنا، على خلافٍ في ضبط هذه الكلمة بضم الباء أم بفتحها. وفي رواية له: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَرْوَانَا، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلاَ مَكْفُورٍ» وَقَالَ مَرَّةً: «الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّنَا، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلاَ مُوَدَّعٍ وَلاَ مُسْتَغْنًى، رَبَّنَا» (٥).

стр. 508

هذه أصح رواية وردت في حمد الله على الطعام. كثيرٌ من الشباب للأسف في هذه الأيام عدلوا عنها إلى روايات متنازع في صحتها، البعض يصحِّح والبعض يضعِّف، لماذا لا تحفظ ما في صحيح البخاري المتفق على صحته وتعدل عنه إلى ما هو مختلف فيه؟ ! غلط، طريقة خاطئة، والذي هو منتشر اليوم على ألسنة كثير من الشباب حديث ضعيف. قال المؤلف: (ولا يَأكُلُ مُتَّكِئاً) لحديث أبي جحيفة ﵁ عند البخاري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا آكل متكئاً» (١) الاتكاء هو الميل إلى أحد الشقين. ودلت الأحاديث والآثارعلى أن النبي ﷺ كان يمتنع من ذلك تواضعاً لله ﵎ وبعداً عن التكبر فيُستحب أن يجلس الشخص عند الأكل على غير حالة الاتكاء. كتابُ الأشرِبةِ قال: (كُلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ) الإسكار لغة: إزالة العقل. وفي اصطلاح الفقهاء: يطلق ويراد به تغطية العقل، هذا إطلاقٌ أعم. ويطلق ويراد به: تغطية العقل مع لذة وطرب. هذا إطلاق أخص من الأول وهو المراد من الإسكار حيث أُطلق. والمسكر: ما غطى العقل مع لذة وطرب. وما ذكره المؤلف من أن كل مسكر حرام دليله قوله ﷺ : «كل مسكرٍ خمر، وكل مسكرٍ حرام» (٢) هذا لفظ مسلم، وفي الصحيحين: «كل مسكرٍ حرام» (٣)، وفي رواية عندهما: «كل شراب أسكر فهو حرام» (٤).

стр. 509

هذا الحديث حديث صحيح لا غبار عليه، نقل ابن عبد البر إجماع أهل العلم بالحديث على صحته وهو دليلٌ واضح على تحريم كل ما يُسكر سواء كان من العنب أم من غيره، فيدخل فيه أنواع الخمور المختلفة التي كانت في الماضي والحديثة اليوم ومن ذلك الحشيش والمخدرات ونحوها. قال المؤلف: (وكلُّ مُفَتِّرٍ حَرامٌ) المفتِّر: الذي إذا شُرِب أحمى الجسد وصار فيه فتور أي ضعف وانكسارفي الجسد. كالقات الذي يأكله أهل اليمن اليوم هو مفتِّر، كذلك الدخان أيضاً مفتِّر فتجد المدخن عندما ينقطع عن التدخين مدة ثم يدخن يحصل له الفتور هذا في جسده بوضوح. ودليل ما ذكره المؤلف قول أم سلمة ﵂: نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكِرٍ ومفتِّر. أخرجه أبو داود (١) ولكنه حديث ضعيف في سنده شهر بن حوشب لا يحتج به. والقات والدخان محرَّمان لضررهما، وكذلك القات يعتبر مسكر على الصحيح. قال المؤلف: (وما أسكَرَ كثيرُهُ فقليلُهُ حرامٌ) هذا واضح، ما ثبت أن الكثير منه يسكر، يعني إذا شرب الشخص مثلاً زجاجة أو زجاجتين أو أكثر من شراب سَكر، أما إذا شرب منه الكأس والكأسين لا يسكر، هذا يكون حراماً، حتى الكأس والكأسين والشيء القليل منه حرام - مع أن القليل منه لا يسكر- بما أن كثيره مسكر فقليله حرام، بما أنه ثبت أنه مسكر فكله محرَّم سواء كان قليلاً أم كثيراً. وذلك لقول النبي ﷺ : «ما أسكر كثيره فقليله حرام» (٢) أخرجه أبو داود من حديث جابر ﵁ وهو صحيح. قال ﵀: (ويَجوزُ الانتباذُ في جَميعِ الآنيةِ) الانتباذ: اتخاذ النبيذ، صنع النبيذ. والنبيذ ما يُعمَل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك. ينقعون التمر أو غيره مما ذكرنا في ماء، يُترك فيه حتى يحلو الماء ويتغير بطعم الشيء الذي نُقع فيه، فيحلو ويصير كالعصير، يسمى نبيذاً يفعلونه من التمر مثلاً يأتون بحبات من التمر ويضعونها في كأس ماء بعد يوم تقريباً تجد هذا الماء قد تحول إلى ماء بطعم التمر، فيه حلاوة التمر وطعم التمر، هذا يسمى عندهم نبيذاً. بعض الأنواع مما ذكر تتخمر إذا تُركت مدة طويلة تتحول إلى خمر. وفي بعض الأواني يكون تحوله إلى خمرأسرع. فقال المؤلف: ويجوز الانتباذ في جميع الآنية:

стр. 510

آنيتهم مختلفة، عندهم أنواع من الآنية، آنية تُصنع من الخشب، آنية تُصنع من القرع، آنية تُصنع من الجلد، أنواع كانت عندهم، فيقول المؤلف: يجوز الانتباذ في جميع الآنية، صُنعت من أي شيء، وسبب ما قاله المؤلف ﵀ هنا أنه ورد عن النبي ﷺ نهي عن الانتباذ في أنواع من الآنية، فقد ورد أنه نهى عن الانتباذ في الدُّبّاء والنقير والمزفَّت والحَنْتَم، الحديث في الصحيحين حديث ابن عباس ﵄ (١)، ولكنه منسوخ كما سيأتي إن شاء الله. الدُبّاء: اليقطين هو قرع، هذا القرع منه ما هو كبير، الحبة عندما تجوفها تفرغها وتيبس تصير كالإناء. والنقير: أصل شجرة النخل، تُنقر وتجوف فتصير كالوعاء. والمزفَّت: ما طُلي بالزفت. والحَنتم: جِرار مدهونة بالخُضرة، لونها أخضر من الداخل. نهي عن الانتباذ في هذه الآنية عند تحريم الخمر، هذه الأنواع خاصة قالوا: الانتباذ بها يسرع تحويل النبيذ إلى خمر، لذلك نهي عنها في البداية لم يستقر أمر تحريم الخمر في نفوس الناس بعد، فلما استقر ذلك قال ﷺ في حديثٍ آخر: «كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأَدَم -أي الجلد- فاشربوا في كل وعاء غير ألا تشربوا مسكراً» (٢) أخرجه مسلم في صحيحه. فهذا الحديث ناسخٌ لتلك الأحاديث التي فيها النهي عن الانتباذ في بعض الأواني. والله أعلم قال المؤلف ﵀: ولا يَجوزُ انتبَاذُ جِنسينِ مُختَلِطَينِ) جاء في الصحيحين عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يُنبذ التمروالزبيب جميعاً، ونهى أن يُنبذ الرطب والبُسْر جميعاً (٣). فلا يجوز انتباذ جنسين مختلطين مثل التمر والزبيب، التمر جنس والزبيب جنس آخر، لا تصنع نبيذاً من جنسين مختلفين مع بعضهما، هذا معنى ما نهى عنه النبي ﷺ . البُسْر: من ثمر النخل قبل أن يصير رُطباً. قالوا: هي مرحلة ما بين البلح والرطب، بعد أن يكون بلحاً يصير بسراً، ثم بعد ذلك يصير رطباً، فهو نوع من أنواع ثمر النخل. ذهب جمهور العلماء إلى كراهة ذلك كراهة تنزيهية ولا يحرم ما لم يصر مسكراً، وعللوا الحكم بأن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط، عندما يخلط أكثر من جنس الإسكار يكون أسرع إليه قبل أن يتغير طعمه، فيظن الشارب أنه ليس مسكراً ويكون مسكراً. يعني عندما يصل إلى درجة الإسكار يكون قد تغير طعمه لكن هذا عندما يحصل الاختلاط يصل إلى درجة الإسكار قبل أن يتغير طعمه فلا يميزه الشارب فيقع في المحذور، لذلك

стр. 511

قالوا: مكروه كراهة تنزيهية إلا إذا غلب على ظن الشارب أنه لم يسكر فيجوز له أن يشرب منه لكن يُكره كراهة تنزيهية. قال المؤلف: (ويَحرُمُ تخليلُ الخَمرِ) أي يحرم تحويل الخمر إلى خل؛ لأن النبي ﷺ سئل عن اتخاذ الخمر خلاً فقال: «لا» (١) أخرجه مسلم في صحيحه. فلا يجوز للمسلم أن يتعمد تغيير الخمر إلى خل، لكن إذا تغيرت بنفسها دون تعمد منه جاز له استعماله. قال المؤلف: (ويَجوزُ شُربُ العَصيرِ والنَّبيذِ قبلَ غَليانهِ، ومَظِنةُ ذلك ما زادَ على ثلاثةِ أيامٍ (يعني: يجوز شرب النبيذ قبل أن يصير مسكراً، والغالب على الظن أنه يصير مسكراً بعد ثلاثة أيام من نقعه، فيجوز شربه قبل ذلك. أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: كان يُنقع للنبي الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة، ثم يأمر به فيُسقى الخادم أو يهراق (٢). وفي رواية عند مسلم: كان يُنتبذ له في سقاءٍ من ليلة الإثنين فيشربه يوم الإثنين والثلاثاء إلى العصر، فإن فضل منه شيء سقاه الخادم أو صبَّه. لا يكون قد وصل إلى الإسكار، لكن احتياطاً يتركه النبي ﷺ فيعطيه للخادم أو يتخلص منه. قال المؤلف ﵀: (وآدابُ الشُّربِ: أن يكونَ ثلاثةَ أَنفاسٍ، وباليمينِ، ومِن قُعُودٍ، وتقديمُ الأيمنِ فالأيمنِ، ويكونَ السَّاقي آخِرهُم شرباً، ويُسمِّيَ في أوَّلهِ، ويَحمدَ في آخِرهِ، ويُكرهُ التَّنفُّسُ في السِّقاءِ، والنَّفخُ فيه، والشُّربُ مِن فيهِ) هذه كلها آداب من آداب الشرب. يستحب أن يكون الشرب بثلاثة أنفاس، فيضع الكأس على فيه ثم يشرب ثم يرفعه، ثم يعيده الثانية يشرب ثم يرفعه، ثم يعيده الثالثة. ورد فيه حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يتنفس في الشراب ثلاثاً (٣)، وفي رواية لمسلم: ويقول-أي النبي ﷺ : «إنه أروى وأبرأ وأمرأ» (٤). أما قوله: أروى أي أكثر ريّاً، الري زوال العطش. وأبرأ: أي أسلم من مرضٍ أو أذى.

стр. 512

وأمرأ: أي أجمل انسياغاً أي سهولة. وهذا مستحب وليس بواجب؛ لعدم الأمر به وللتعليل المذكور أيضاً. وجاء في حديث أيضاً عن أبي سعيد ﵁ أن رجلاً قَالَ للنبي ﷺ : فَإِنِّي لَا أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: «فَأَبِنِ القَدَحَ إِذَنْ عَنْ فِيكَ» فلم ينكرعليه النبي ﷺ (١). لكن إذا أراد الشخص أن يتنفس يزيل الإناء ولا يتنفس في الإناء لأننا نهينا عن التنفس في الإناء، وأما إذا لم يرد التنفس أثناء الشرب وشرب مرة واحدة؛ فله ذلك. قال: (وباليمين) هذا واجب لنهيه ﷺ عن الشرب بالشمال فقال: «لا يأكلن أحد منكم بشماله، ولا يشربن بها؛ فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها» (٢) وقال المؤلف: (ومن قعودٍ) أي يشرب جالساً لا قائماً، هذا مستحب على الصحيح، والنهي الوارد عن الشرب قائماً للكراهة. فقد جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه شرب قائماً (٣). والجمع بين الأدلة التي ورد فيها النهي وبين فعل النبي ﷺ هو أن يُحمل النهي على الكراهة لا على التحريم، وبهذه الطريقة نكون قد جمعنا بين الأدلة وأعملنا الأدلة كلها، أما من يرجح الحظر على الإباحة، ومن يرجح القول على الفعل؛ فهذا قد أعمل أحد الدليلين وأبطل الدليل الآخر. وأنتم إذا تأملتم فعل الصحابة لا تجدونهم يسيرون على هذه الطريقة، إنما هي طريقة اشتهرت عند الأصوليين. أما عند الصحابة فليسوا على ذلك، فتجد أن بعض الصحابة قد ورد عنده الأمر أو النهي وورد عنده فعل النبي ﷺ الذي يخالف ذلك؛ فيجمع بينها كما فعل عبد الله بن عمر في النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة قال: ذاك في البنيان وهذا في الصحراء، فجمع بينهما، مع أنه قد ورد فيه نهي وعارضه فعل، فلم يقل ما قاله بعض الأصوليين من أنه يقدَّم الحاظر على المبيح، أو يقدم القول على الفعل، ليست هذه طريقة الصحابة في الجمع بين الأحاديث، لا يهملون أحاديث النبي ﷺ ، بل يجمعون بينها إذا تيسر لهم ذلك، وإذا لم يتيسر تجد السلف يميلون إلى الترجيح بالقوة، فيقدمون الأقوى ويؤخرون الأضعف. هكذا تجد طريقة السلف في تعاملهم مع الأحاديث ولا يتكلفون التكلفات التي يتكلفها بعض الأصوليين في بعض المسائل. ثم قال: (وتقديم الأيمن فالأيمن) تقديم الأيمن فالأيمن أي إذا شرب الشخص فليناول من هو عن يمينه أولاً، أو إذا أراد أن يقدم للجلوس طعاماً أو شراباً يبدأ بالأيمن. هذا ما يريده المؤلف ﵀.

стр. 513

ويستدلون على ذلك بحديث أنس في الصحيحين أن النبي ﷺ أتي بلبن قد شِيبَ بماء، -يعني خلطوه بشيء من الماء- وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: «الأيمن فالأيمن» (١)، فهنا لا إشكال في أنك إذا شربت أنت وكنت جالساً تعطي من هو عن يمينك، هذا الحديث واضح في هذا الباب. لكن حصل خلاف بين أهل العلم فيمن كان يريد أن يضيِّف الجلوس أو يبدأ بالجلوس إذا كانوا أمامه، إذا دخل عندهم ويريد أن يضيفهم هل يبدأ باليمين أم يبدأ بالأكبر؟ خلاف بين أهل العلم والخلاف له حظ من النظر ولكل من القولين دليل قوي حقيقة، منها هذا الحديث الذي معنا حديث أنس عندما بدأ بدأ بالنبي ﷺ ، لم يبدأ باليمين مع أنه كان عن يمينه شخص وعن يساره آخر، مع ذلك بدأ بالنبي ﷺ . والآخرون يحتجون بقول النبي ﷺ «الأيمن فالأيمن»، الذين يقولون بما ذهب إليه المؤلف. وقال: (ويكون الساقي آخرهم) أي ساقي القوم يكون آخرهم شرباً، لقوله ﷺ : «إن ساقي القوم آخرهم شرباً» (٢) أخرجه مسلم في صحيحه. لذلك أبو هريرة ﵁ عندما قال له النبي ﷺ : «الحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي» (٣) في شيء من اللبن كان جائعاً جداً وعندما دعاه النبي ﷺ قال له: «ادع لي أهل الصفة» وكان اللبن قليلاً. قال: وقلت: وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ؟ يعني هو الذي سيسقي القوم فسيبقى آخر واحد، فشرب القوم وشرب أبو هريرة حتى لم يجد له مسلكاً، هذا من بركة النبي ﷺ ومن دلائل نبوته. قال: (ويسمي في أوله ويحمد في آخره) جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ سمى وشرب» (٤)، فيدل على مشروعية هذا الفعل، وحديث أنس بن مالك في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» (٥). وقال المؤلف ﵀: (ويُكره التنفس في السقاء) لقوله ﷺ : «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء» (٦) متفق عليه، هذا النهي يدل على تحريم هذا الفعل. قال أهل العلم: النهي عنه خشية تغير رائحة ما في الإناء.

стр. 514

وقال المؤلف: (والنفخ فيه) أي ويكره النفخ في الإناء، هذا جاء فيه حديثان أحدهما لابن عباس ﵁ عند أبي داود قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه (١). لكن زيادة أو ينفخ فيه زيادة شاذة، والحديث محفوظ بدونها وهو في الصحيح بدونها، لكن جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب (٢)، أخرجه مالك في الموطأ وأخرجه الترمذي وفيه راوٍ اختُلف فيه، قال فيه علي ابن المديني: مجهول، وقال فيه يحيى بن معين: ثقة، لكن نحن نصححه بناء على توثيق ابن معين، فمن علم حجة على من لم يعلم. قال: (والشرب من فيه) يعني يكره الشرب من فم السقاء لحديث أبي هريرة ﵁ نهى النبي ﷺ أن يُشرب من فيِّ السقاء» (٣) أخرجه البخاري. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية (٤). قال أحد الرواة: هو الشرب من أفواهها. وذكر العلماء لذلك علتين: الأولى: خشية أن يكون بداخلها شيء ضار فيشربه مع الماء؛ كالحشرات مثلاً أو العقارب والحيات وغير ذلك. والثانية: خشية أن ينتن السقاء، تصير له رائحة نتنة. وصح عن النبي ﷺ أنه شرب من فِيِّ قربة معلقة قائماً (٥) أخرجه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، وهذا يدل على أن النهي للكراهة لا للتحريم. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (وإذا وَقعتِ النَّجاسةُ في شيءٍ من المَائعاتِ؛ لم يَحِلَّ شُربُهُ، وإنْ كانَ جامداً أُلقيَت ومَا حولَها) إذا وقعت فأرة ميتة في سمن مثلاً، والفأرة الميتة نجسة، فعلى ما يقوله المؤلف إذا كان السمن جامداً فتُلقى الفأرة ويُلقى من السمن الجزء الذي وصلت إليه أجزاءها ونجَّسته، ويؤكل الباقي. وإذا كان السمن مائعاً كالماء فيلقى كاملاً ولا يؤكل. وهل يجوز استعماله في غير الأكل؟ اختلف أهل العلم في ذلك والصحيح أنه جائز. أما الجامد فقد ورد فيه حديث عند البخاري أن النبي ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمنٍ

стр. 515

فماتت فقال: «ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم» (١)، أخرجه البخاري في صحيحه من حديث ميمونة. وأما المائع فقد ورد في نفس حديث ميمونة زيادة قال: «وإن كان مائعاً فلا تقربوه» (٢). هذه الزيادة في نفس حديث ميمونة وهي زيادة شاذة، لذلك الإمام البخاري ﵀ أعرض عنها. وروي هذا الحديث عن أبي هريرة، وروي عن ابن عمر؛ لكن مدار الحديث على الزهري. الزهري اختلف أصحابه عليه في رواية هذا الحديث فبعضهم يرويه عن ميمونة، وبعضهم يرويه مرسلاً، وبعضهم يرويه عن أبي هريرة، وبعضهم يرويه عن ابن عمر. وقد أعل الإمام البخاري ﵀ وكذلك أبو حاتم الرازي رواية أبي هريرة وأعل أبو حاتم الرازي رواية ابن عمر وردّوا الروايات كلها إلى رواية ميمونة، فأصح شيء هو ما أخرجه البخاري في صحيحه. ومن أراد أن يستمتع بحق بعلم الإمام البخاري فليتتبع مثل هذه الأحاديث ولينظر. هذا الرجل في النهاية يعطيك الخلاصة، أنت تتعب وتنظر وتقرأ وتبحث وفي النهاية تخلص بخلاصة الإمام البخاري ﵀ غالباً. فالذي يصح عندنا في هذه المسألة هو ما ورد في الجامد، أما المائع فلم يصح حديثه. وجمهور العلماء اعتمدوا على هذه الزيادة فيما ذكروه من فقه كما فعل المؤلف ﵀. المؤلف ذهب إلى ما دلت عليه الزيادة، فقال: إذا وقعت النجاسة في شيء من المائعات لم يحل شربه، بناءً على ما جاء في الزيادة: «وإن كان مائعاً فلا تقربوه». قال: وإن كان جامداً ألقيت وما حولها. بناءً على أصل الحديث الصحيح، فإذا ضعُفت هذه الزيادة ذهبت حجة الجمهور الذين يقولون بأن المائع إذا سقطت فيه نجاسة حرم أكله أو شربه. إذا لم يبقَ عندنا دليل من الكتاب والسنة واضح في هذه المسألة عدنا إلى القياس فنقيس المائعات على الماء فنلحق المائعات بالماء فنقول: إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاث حرُم أكله أو شربه وصار نجساً، وإذا لم تتغيَّر فهو طاهرٌ يجوز أكله أو شربه. هذا هو الذي نميل إليه وهو الذي مال إليه الإمام البخاري ﵀ وهو مذهب الزهري والأوزاعي وغيرهم من أهل العلم. وللفائدة: ما لا دم له سائل إذا سقط في الماء أو في غيره من المائعات ومات فيها لا ينجس المائع مطلقاً؛ لأنه ليس بنجس، هذا الشيء الذي لا نفس له سائلة، هكذا يعبر الفقهاء ويعنون بالنفس هنا الدم، أي ليس له دم سائل؛ كالذباب والجراد والخنافس وغيرها، مثل هذه إذا وقعت في الشراب وماتت فلا ينجس الشراب لأنها ليست نجسة.

стр. 516

نستدل على ذلك بحديث الذباب الذي في صحيح البخاري قال النبي ﷺ : «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء» (١). عندما يكون الإناء فيه ماء ساخن يغلي وتسقط الذبابة فيه تموت؛ فتنزعها من الإناء وتشرب ماءه. دل ذلك على أنها ليست نجسة. هذا دليل على أن مثل هذه الأشياء التي لا نفس لها سائلة إذا ماتت لا تكون نجسة، والذي يؤكل منها لا يحتاج إلى تذكية. وقال المؤلف ﵀: (ويَحرمُ الأكلُ والشُّربُ في آنيةِ الذَّهبِ والفِضةِ) تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة دليله حديث حذيفة قال: قال النبي ﷺ : «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (٢) متفق عليه. وهذا محل إجماع لا خلاف فيه أنه لا يجوز الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة. وأخرج الشيخان من حديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» (٣). هذا الحديث يدل على أن هذا الفعل كبيرة من كبائر الذنوب. ورخَّص بعض أهل العلم في الإناء يضبَّب بالفضة؛ لحدث أنس ﵁ أن قدح النبي ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشَّعْبِ سَلسلة من فضة (٤) أخرجه البخاري. يضبَّب بالفضة يعني يُصلَح الكسر بالفضة، يلحم الإناء بعضه ببعض بالفضة، هذا معنى التضبيب. ويجوز التحلي بالذهب والفضة للنساء والأدلة عليها كثيرة. وأما بقية الاستعمالات لآنية الذهب والفضة فقد اختلف فيها العلماء، اختلفوا في استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب. البعض ذهب إلى تحريم جميع الاستعمالات وهم جمهور أهل العلم وقاسوا الاستعمال على الأكل والشرب فألحقوا هذا بهذا بجامع الخيلاء أو التشبه بالكفار وهو الصواب لأن هذا التعليل أشار إليه حديث حذيفة. والبعض لم يرتضِ هذا التعليل والقياس فقال: الأصل الحل، وعدم وجود الدليل الذي يدل على التحريم يُبقي الاستعمال على الإباحة في غير الأكل والشرب، وذكروا أدلة أخرى.

стр. 517

كتابُ اللِّباسِ قال المؤلف ﵀: (سَترُ العورةِ واجبٌ في الملإِ والخلاءِ) العورة: ما يجب ستره، قد بيّنّا حدودها في كتاب الصلاة. قول المؤلف: ستر العورة واجب في الملإ، هذا للأمر الوارد في ذلك، قال الله ﵎: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور/٣٠]، وقال:

стр. 518

﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور/٣١]. وقال ﷺ للذي رآه كاشفاً فخذه: «غطِّ فخذك فإن الفخذ عورة» (١). وأجمع العلماء على وجوب ستر العورة عن العيون. المقصود بالملإ: يعني أمام الناس، والمقصود بالخلاء: أي بينك وبين نفسك. واختلف أهل العلم على قولين في ستر العورة في الخلاء. بعضهم قال بالوجوب، وهو الذي ذهب إليه المؤلف، والبعض قال بالاستحباب. واستدل من قال بالوجوب بحديث حكيم بن حزام عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: «إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يَرَيَنَّها» فقلت: فإذا كان أحدنا خالياً؟ قال: «فالله ﵎ أحق أن تستحي منه» (٢) أخرجه أحمد وأبو داود. هذا ظاهره الوجوب، ولكن قال أهل العلم: هو على الاستحباب؛ لأن الله ﵎ لا يغيب عنه شيء من خلقه، سواء كانوا عراة أو غير عراة، ولهذا المعنى قالوا: الحديث يُحمل على الاستحباب لا على الوجوب. وهذا القول الثاني هو الصحيح، وقد بوَّب الإمام البخاري ﵀ على ذلك باباً في صحيحه. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (ولا يَلبسُ الرَّجُلُ الخالصَ من الحريرِ؛ إذا كانَ فوقَ أَربعِ أصابِعَ؛ إلا للتَّداوِي، ولا يَفترِشُهُ) الأصل تحريم لبس الحرير على الرجال، وكذلك اتخاذه غطاء؛ لأنه نوع من اللباس، وكذلك افتراشه يحرم أيضاً، ومعنى افتراشه أن تنام عليه أو تجلس عليه. لقوله ﷺ : «لا تلبسوا الحرير؛ فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» (٣) متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وفي حديث حذيفة عند البخاري: نهانا النبي ﷺ عن لبس الحرير والديباج - وهو نوع من الحرير- وأن نجلس عليه» (٤). فالجلوس عليه أيضاً منهي عنه. وقول المؤلف: (إذا كان فوق أربع أصابع) يعني يجوز لبس الثوب فيه قطعة من الحرير، بشرط أن لا تتجاوز هذه القطعة قدر أربع أصابع. ودليل ذلك ما جاء في حديث عمر في رواية عند مسلم قال: نهى النبي ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع».

стр. 519

وفي الصحيحين: «إلا هكذا» (١) ورفع لنا رسول الله ﷺ إصبعيه الوسطى والسبابة وضمهما. فرواية الصحيحين: «أصبعين»، ورواية عند مسلم فيها إضافة: «ثلاثة وأربعة». ورواية الصحيحين أقوى. وقوله: (إلا للتداوي) دليله حديث أنس في الصحيحين أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص من حرير من حكة كانت بهما (٢). أصابتهما حكة، فرخص لهم النبي ﷺ في لبس الحرير فهو يخفف هذا الداء. هذا كله في حق الرجال، وأما النساء فيجوز لهن لبس الحرير؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: إن النبي ﷺ أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله ثم قال: «إن هذين حرامٌ على ذكور أمتي» (٣) هذا الحديث أخرجه أبو داود، وفي رواية عند ابن ماجه: «حِلٌّ لإناثها» (٤) الله أعلم بصحتها. لكن أصل الحديث كاف في الاستدلال به على المراد، مع أن الاستدلال بالمفهوم ليس كالاستدلال بالمنطوق، لكن على كل حال هو كافٍ إن شاء الله في بيان حكم المسألة؛ وهو أن الحرير والذهب محرمان على الرجال دون النساء. هذا ما يتعلق بالحرير الخالص الذي ذكره المؤلف. واختلف العلماء في الحرير المشوب بغيره، أي المخلوط بغيره، والصحيح أنه محرَّم أيضاً لعموم الأدلة وإطلاقاتها، ولا يوجد دليل صحيح يخرج نوعاً من الحرير دون نوع إلا ما جاء من استثناء الإصبعين، أو من الاستثناء في حال التداوي فقط، وأما غير ذلك فلا يصح فيه شيء فيبقى الأمر على العموم. قال المؤلف: (ولا المَصبوغَ بالعُصفُرِ) العصفر: نبات يُستخرج منه صبغ أحمر اللون، وبعضهم قال: أصفر اللون، لكن الذي يظهر أن الأصح أن اللون الذي يستخرج منه هو الأحمر تصبغ به الثياب، ويستعمل أيضاً في الطعام، فالثوب المصبوغ بالعصفر يكون لونه أحمر. أخرج مسلمٌ في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: رأى رسول الله ﷺ عليّ ثوبين معصفرين، فقال: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها» (٥). وفي حديث علي ﵁ عند مسلمٌ أيضاً قال: نهاني رسول الله ﷺ عن لبس اللباس المعصفر (٦). لكن صح عن النبي ﷺ في الصحيحين من حديث البراء ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ في حُلَّة حمراء (٧)، لذلك اختلف أهل العلم في حكم لبس الثوب الأحمر على أقوال:

стр. 520

فمنهم من قال بالتحريم مطلقاً، ومنهم من قال بالكراهة التنزيهية، وذلك جمعاً بين حديث النهي وحديث الفعل، وبعضهم فصَّل وفرَّق بين المصبوغ بالعصفر فيحرُم وما لم يُصبغ به فيجوز، يعني إذا صُبغ بلون أحمر ولكنه ليس من العصفر فجائز، وما صبغ بالعصفر فهو محرَّم؛ لأن النهي جاء عن الصبغ بالعصفر فلذلك خصه بالمصبوغ بالعصفر فقط. والله أعلم. قال المؤلف ﵀: (ولا ثوبَ شُهرةٍ) يعني ولا يلبس الرجل ثوب شهرة، وهو الثوب الذي يُشهِر لابسه بين الناس. ورد في النهي عن ذلك عدة أحاديث لا يصح منها شيء، أصحها حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة» (١) أخرجه أحمد وأبو داود، يرويه عن ابن عمر المهاجر الشامي ذكره ابن حبان في الثقات وروى عنه جمع، فهو مجهول الحال، ولا يوجد ما يقويه من الأحاديث على الصحيح في هذه المسألة. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (ولا ما يَختصُّ بالنساءِ، ولا العكسَ) أي ولا يجوز أيضاً للرجال أن يلبسوا من الثياب ما يختص بالنساء، وكذلك لا يجوز للنساء أن يلبسن من الثياب ما يختص بالرجال، وذلك لأن النبي ﷺ لعن المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء (٢). أخرجه البخاري من حديث ابن عباس ﵄. وأخرج أحمد وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل (٣)، فهذا الفعل يعتبر من كبائر الذنوب؛ لأن فيه لعناً من النبي ﷺ . قال المؤلف: (ويَحرمُ على الرِّجالِ التَّحلِّي بالذَّهبِ لا بِغيرِهِ) يحرم على الرجال التحلي بالذهب، وأما غير الذهب كالفضة مثلاً فلا يحرم، فقد صح عن النبي ﷺ أنه اتخذ خاتماً من فضة (٤)، الحديث متفق عليه. ودليل تحريم الذهب على الرجال حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: إن النبي ﷺ أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله ثم قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي» (٥) أخرجه أحمد وأبو داود.

стр. 521

وفي حديث البراء قال: نهانا رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب (١). أخرجه البخاري، هذا خاص بالخاتم. وجاء عن أبي هريرة ﵁ أيضاً وهو متفق عليه (٢). ووردت أحاديث في الصحيحين وغيرهما تدل على جواز لبس الذهب للنساء مطلقاً، مقطَّعاً وغير مقطع، ونقل البيهقي (٣) الإجماع على ذلك من غير تفريق بين محلق وغيره، فما ورد من أحاديث تخالف ذلك فهي إما ضعيفة، أو شاذة، أو منكرة، أو مؤولة. والله أعلم كتابُ الأُضحِيةِ الأضحية ويقال الضَّحية: اسمٌ لما يُذبَح من الإبل والبقر والغنم يوم النحر وأيام التشريق تقرباً إلى الله. والأضحية جمعها: أضاحي. والضَّحية جمعها: ضحايا.

стр. 522

قال المؤلف ﵀: (تُشرعُ لأهلِ كُلِّ بيتٍ) الأضحية مستحبة على الصحيح، بوَّب الإمام البخاري في صحيحه: باب سنة الأضحية. وقال ابن عمر: هي سنة ومعروف. ابن عمر الصحابي، هذه طريقة أصحاب الحديث؛ الاعتماد على فهم الصحابة للأدلة الشرعية. لذلك نحاول الرجوع إلى كتبهم لمعرفة ما كان عليه السلف الصالح من أمور الدين؛ كالإمام البخاري والترمذي ﵀ كذلك، عندما يذكر الأحاديث يذكر أحياناً كثيرة، يقول: وهذا قول بعض أهل العلم قال به فلان وفلان وفلان، هذا قول أهل العلم قال به فلان وفلان، يذكر من الصحابة، ومن التابعين، ومن أتباع التابعين، ممن يحضره من أهل العلم من السلف الصالح ﵃. وأنا حقيقة أنصح كثيراً بكتاب الأوسط لابن المنذر ﵀ فهو من أنفس الكتب الفقهية على طريقة أهل الحديث وعلى منهج السلف ﵃، فهو كتاب نفيس جداً حقيقة في طرح المسائل العلمية وفي ذكر مذاهب السلف أيضاً، وكذلك التمهيد لابن عبد البر والمغني لابن قدامة كتب نافعة جدا في هذا الباب. فهنا الإمام البخاري ﵀ بوَّب على سُنِّية الأضحية فذكر أثراً عن ابن عمر ﵁ أنه قال: هي سنة ومعروف، سنة: أي من هدي النبي ﷺ ، ومعروف: يعني تؤجر على فعلها. وقال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة. انتهى وصح عن جمعٍ من الصحابة على أنها مستحبة وليست واجبة. وجمهور أهل العلم على أنها غير واجبة، بل صح عن أبي بكر وعمر أنهما كانا يتركانها عمداً خشية أن يظنها الناس واجبة، وصح كذلك عن أبي مسعود البدري أنه تركها عمداً حتى لا يظن الناس أنها واجبة، فهؤلاء صحابة رسول الله ﷺ من شدة حرصهم على أن لا يعتقد الناس أنها واجبة تركوا العمل بهذه السنة في بعض الأوقات. وأقرب ما يتمسك به من يقول بالوجوب، حديث أبي هريرة ﵁ رفعه بعض الرواة: «من وجد سعة فلم يضحِّ فلا يقربن مصلَّانا» (١) أخرجه أحمد وابن ماجه، وقد روي هذا الحديث موقوفاً ومرفوعاً إلى النبي ﷺ ، ورجح الكثير من المحققين من علماء الحديث وقفه، منهم: الترمذي والدارقطني والبيهقي والطحاوي وابن عبد الهادي وغيرهم، رجحوا أن هذا الحديث موقوف وليس مرفوعاً. ومَنْ تأمل إسناده تبيَّن له صحة ما رجحه هؤلاء الأئمة، بل نقل الذهبي عن الإمام أحمد أنه قال: هذا الحديث منكر. ثم قال الذهبي: لا يدل على الوجوب، كما في قول النبي ﷺ : «من أكل الثوم فلا يقربن مسجدنا» هذا ما ذكره الإمام الذهبي ﵀.

стр. 523

ومعنى قول المؤلف تشرع لأهل كل بيت أنها تستحب لأهل كل بيت، لحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته (١) أخرجه الترمذي وغيره. هذا يفيد أن الأضحية الواحدة تجزئ عن أهل البيت كلهم وصح عن عبد الله بن هشام وهو صحابي صغير أنه كان يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله. (٢) أخرجه البخاري. حديث أبي أيوب حديث مرفوع إلى النبي ﷺ ؛ لأنه كان يُفعل في عهد النبي ﷺ وهذا تقرير منه ﷺ على هذا الفعل، وجاء أيضاً فعل صحابي كذلك وهو عبد الله بن هشام، كان يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله، وساق البيهقي في السنن الكبرى عدة آثار تدل على جواز ذلك، وذكر حديث عائشة أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشٍ فقال: «بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به» (٣) أخرجه مسلم. قال النووي: واستدل بهذا-أي بهذا الحديث- مَنْ جوَّز تضحية الرجل عنه وعن أهل بيته واشتراكهم معه في الثواب، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور. انتهى بعض أهل العلم يذهب إلى أن الأضحية لا تجزئ إلا عن نفسٍ واحدة. ومن هؤلاء ابن المبارك ﵀، لكن قوله مرجوح والصواب ما تقدم للأدلة التي ذُكرت. والله أعلم. وكثيراً ما يسأل الناس عن شاب متزوج يسكن مع والده، هل تجزئ عنهم أضحية واحدة أم لا؟ الضابط في ذلك أن يكون طعامهم واحداً ونفقتهم واحدة، فإذا كان الابن يأكل مع أبيه طعامهم واحد ونفقتهم واحدة، فالأضحية الواحدة تكفي عنهما وعن عائلتيهما، أما إذا كان يأكل منفصلاً عن أبيه وينفق كل منهما على بيته مستقلاً، فلا تصح أضحية واحدة عنهما. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (وأقلُّها شاةٌ) الأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم، هذا الذي دلت عليه الأدلة. وأقلها شاة؛ صحت الأحاديث عن النبي ﷺ في الصحيحين وغيرهما أنه ضحّى بشاة وسيأتي إن شاء الله ذكر بعضها. والشاة تجزئ عن الشخص وأهل بيته كما تقدم. والبدنة أي الجمل والناقة يطلق عليهما بدنة، يصح الاشتراك فيهما، يشترك فيها سبعة وأقل من سبعة، كل واحد عنه وعن أهل بيته.

стр. 524

وكذلك البقرة يصح أن يشترك فيها سبعة؛ لحديث جابر عند مسلم قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة (١). ثم قال المؤلف ﵀: (ووقتُها بعدَ صلاةِ عيدِ النَّحرِ إلى آخرِ أيامِ التَّشريقِ) وذلك لقول النبي ﷺ : «من كان ذبح قبل أن نصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح بسم الله» (٢). متفق عليه من كان ذبح قبل أن نصلي صلاة العيد فليذبح مكانها أخرى؛ لأنها لا تجزئ عنه. فأول وقت الأضحية بعد صلاة الإمام صلاة العيد. وأما آخره فآخر أيام التشريق وهو اليوم الرابع، اليوم الأول هو يوم النحر، ثم ثلاثة أيام بعده، وهي أيام التشريق، فإذا انتهى اليوم الثالث من أيام التشريق بغروب الشمس؛ انتهى وقت الذبح؛ لقول ابن عباس ﵁: الأضحى ثلاثة أيام بعد يوم النحر (٣). أخرجه البيهقي وغيره. وأما حديث «كل أيام التشريق ذبح» (٤) فضعيف لا يعتمد عليه. قال المؤلف ﵀: (وأَفضلُهَا أَسمنُهَا) ورد في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ ضحى بكبشين سمينين (٥) ولكن زيادة: (سمينين) زيادة ضعيفة لا تصح. وعلَّق البخاري عن أبي أمامة بن سهلٍ قال: كنا نسمِّن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمِّنون (٦)، قال الحافظ: وصله أبو نعيم في المستخرج ولفظه: كان المسلمون يشتري أحدهم الأضحية فيسمنها ويذبحها في آخر ذي الحجة. قال أحمد: هذا حديث عجيب. والثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أقرنين أملحين. أقرنين: أي لكل واحد منهما قرنان حسنان , وأملحين: تثنية أملح، وهو الذي فيه سوادٌ وبياض. وذهب بعض أهل العلم منهم ابن المنذر ﵀ إلى أن الأضحية الأنفس والأغلى ثمناً أفضل؛ لأن النبي ﷺ عندما سئل عن أفضل الرقاب قال: «أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها» (٧).

стр. 525

قال المؤلف: (ولا يُجزِئُ ما دُونَ الجَذَعِ مِنَ الضَّأنِ، ولا الثَّنِيِّ مِنَ المَعْزِ) المعز: الذي له شعر ناعم أسود، أما الضأن: فالذي له صوف أبيض. قال النووي ﵀: وأجمعت الأمة على أنه لا يجزئ من الإبل والبقر والمعز إلا الثني، ولا من الضأن إلا الجذع ... ثم نقل بعض الخلاف في المسألة (١). الثني من الإبل: ما استكمل خمس سنوات ودخل في السادسة. والثني من البقر: ما استكمل سنتين ودخل في الثالثة. والثني من المعز: ما استكمل سنتين، وقيل: ما استكمل سنة. والجذع من الضأن: ما استكمل ستة أشهر، وقيل: ما استكمل سنة. في المسألة قولان، بعضهم قال: ما استكمل ستة أشهر، وبعضهم قال: ما استكمل سنة. كذلك الثني من المعز، بعضهم قال: ما استكمل سنتين، وبعضهم قال: ما استكمل سنة. وأقل من الجذع من الضأن لا يجزئ، يعني أقل شيء الجذع من الضأن، لقوله ﷺ : «لا تذبحوا إلا مُسنة، إلا أن يَعْسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» (٢) أخرجه مسلم. المسنة: هي الثنية من كل شيء فما فوقها. بعض أهل العلم قال: لا يجوز ذبح الجذع من الضأن مطلقاً، واحتج ببعض الأحاديث التي ضعَّفها كلها بعض أهل العلم. وجمهور العلماء يجوزون ذبح الجذع من الضأن سواء وجد غير الجذع أم لم يجد. قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: وأما الجذع من الضأن فمذهبنا ومذهب العلماء كافة يجزي سواء وجد غيره أم لا، وحكوا عن ابن عمر والزهرى أنهما قالا لا يجزئ. وقد يُحتج لهما بظاهر هذا الحديث. قال الجمهور: هذا الحديث محمول على الاستحباب والأفضل، وتقديره: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن. وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن وأنها لا تجزئ بحال، وقد أجمعت الأمة أنه ليس على ظاهره؛ لأن الجمهور يجوزون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه، وابن عمر والزهري يمنعانه مع وجود غيره وعدمه، فتعين تأويل الحديث على ما ذكرنا من الاستحباب. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (ولا الأعْورُ والمَريضُ والأَعرجُ والأعجفُ وأعضبُ القرنِ والأُذنِ)

стр. 526

هذه الأنواع لا تجزئ في الأضحية. أخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ: الْعَوْرَاءُ بَيِّنٌ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ بَيِّنٌ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ بَيِّنٌ ضَلَعُهَا، وَالْكَسِيرُ الَّتِي لَا تُنْقِي» (١). العوراء: هي التي ذهبت إحدى عينيها، والبيِّن: -العور البيِّن- أي الظاهر الواضح. والمريضة: هي التي يظهر أثر المرض عليها، وهذا ينقص لحمها ويفسده. العرجاء البيِّن ضَلَعها؛ أي عرجها: وهي التي بها عرجٌ فاحش، بحيث لا تلحق أخواتها، وأما العرج اليسير فمعفو عنه. وأما الكسير التي لا تنقي: أي لا نِقْيَ في عظامها وهو المخ، فتكون هزيلة، عظمها ضعيف جداً سهل الكسر. قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: وأجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء وهو المرضُ والعَجَفُ والعَور والعَرَج البَّين؛ لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان في معناها أو أقبح منها؛ كالعمى، وقطع الرجل، وشبهه. انتهى هذا ما ثبت من أحاديث في عيوب الأضاحي، ولا يصح غير ذلك، وما ورد في هذا الباب غير حديث البراء فضعيف. والأعجف الذي ذكره المؤلف: هو الهزيل، ذكر في رواية في نفس حديث البراء، بدل قوله: والكسير التي لا تنقي، قال: والعجفاء التي لا تنقي، والعجفاء هي المهزولة التي لا نِقْيَ لعظامها أي لا مخ. وأما قول المؤلف: وأعضب القرن والأذن: أي الذي ذهب نصف قرنه أو نصف أذنه أو أكثر من ذلك. والصحيح أنه يجزئ في الأضحية حتى لو ذهب قرنه كله أو ذهبت أذنه كلها. المؤلف ومَنْ ذهب مذهبه يستدلون بحديث علي ﵁: نهى رسول الله ﷺ أن نضحي بأعضب القرن والأذن (٢). أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وفي سنده جُرَيّ بن كُليب لا يحتج به ضعيف، وكذا حديثه في استشراف العين والأذن (٣) أعله الدارقطني في العلل. وفي حديث البراء المتقدم قيل للبراء: فإني أكره أن يكون نقصٌ في القرن والأذن، قال: فما كرهته منه فدعه ولا تحرِّمه على أحد. انتهى والله أعلم. قال المؤلف ﵀: (ويَتصدَّقُ مِنها ويَأكُلُ ويَدَّخِرُ) لقول النبي ﷺ : «كلوا وأطعموا وادخروا» (٤) متفق عليه.

стр. 527

هذا ليس على الوجوب، الأكل والادخار ليس على الوجوب، وإن كان هنا أمر، لكنه أمرٌ وارد بعد حظر، فقد كان النبي ﷺ قد نهاهم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث وأمرهم بالتصدق بها، ثم بعد ذلك رفع هذا النهي بهذا الأمر فقال: «كلوا وادخروا وتصدقوا» وقد مر معنا في قواعد الأصول أن الأمر بعد الحظر يرجع الأمر إلى ما كان عليه قبل النهي أو إلى الإباحة، فلا يُستفاد الوجوب من هذا الحديث. أما الصدقة فحصل خلافٌ بين أهل العلم أيضاً والذي يظهر أنها ليست واجبة، أما الشافعية فيقولون: هي واجبة وتصح بأقل شيء يُتصدَّق به. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (والذَّبْحُ في المُصلَّى أفضَلُ) الصحيح أن هذا خاص بالإمام فقط؛ لما أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان ينحر أو يذبح بالمصلى (١). ولم يذكر أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك معه إنما ذكر أن الذي كان يفعله النبي ﷺ . هذا قول الإمام مالك ﵀، جعل من السنة أن يذبح الإمام فقط في المصلى وليس الجميع. وهو الحق إن شاء الله. قال المؤلف ﵀: (ولا يَأخذْ مَن له أُضحيةٌ مِن شَعْرِهِ وظُفْرِهِ بَعدَ دُخولِ عَشرِ ذِي الحِجَّةِ حتى يُضَحِّي) إذا أراد المسلم أن يضحي ودخل شهر ذي الحجة، فلا يجوز له أن يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً إلى أن يذبح أضحيته؛ لحديث أم سلمة عند مسلم أن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره» (٢). هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب. ويصح أن يكون الفعل نفسه مستحباً ولكن له شروط وواجبات لا يصح إلا بها؛ كصلاة النافلة مثلا لا تصح إلا بوضوء مع أنها نفسها ليست واجبة. وكذلك الأضحية ليست واجبة ولكن منع الأخذ من الشعر والظفر لأجلها واجب. واحتج الإمام الشافعي ﵀ بهذا الحديث على عدم وجوب الأضحية، قال: لو كانت واجبة لما رد الأمر إلى إرادة المضحي، إذا أراد أن يضحي أو لم يرد أن يضحي، فلما رده إلى إرادته؛ دل ذلك على عدم الوجوب، وتابع الإمام الشافعي على هذا الاستدلال غير واحد من أهل العلم، منهم ابن المنذر ﵀. واختلف أهل العلم هل واجب الإمساك عن الأخذ من الشعر والظفر فقط على من أراد الذبح أم عليه وعلى أهل بيته أيضاً الذين يريد أن يضحي عنهم؟

стр. 528

الذي رجحه بعض المحققين أنه واجب عن المضحي فقط. والله أعلم. بابُ الوَلِيمةِ الوليمة: هي الطعام الذي يصنع عند العرس. قال المؤلف ﵀: (هي مَشروعَةٌ) الوليمة واجبة؛ لحديث أنس في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة» (١)، وأولم النبي ﷺ على غير واحدة من نسائه (٢)، والأحاديث في الصحيحين. فهي واجبة على الصحيح، ولو بشيء قليل؛ لأن النبي ﷺ أمر بها، ولا صارف لتلك الأوامر عن الوجوب. قال المؤلف ﵀: (ويجبُ الإجابةُ عليها) لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «شر الطعام طعام الوليمة، يدعى لها الأغنياء ويُترَك الفقراء، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» (٣). الشاهد في قوله: «فقد عصى الله ورسوله». وعن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه» (٤) اللفظ لمسلم، هذا الحديث يدل على وجوب تلبية الدعوة للعرس وغيره إذا لم يكن عذرٌ.

стр. 529

وعن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها» (١) متفق عليه. هذه أوامر كلها. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعامٍ فليجب، فإذا كان صائماً فليصلِّ-أي فليدعُ- وإن كان مفطراً فليطعم» (٢) أخرجه مسلم، فإجابة الدعوة واجبة إلا من عذر. قال المؤلف ﵀: (ويُقدَّمُ السَّابِقُ ثُمَّ الأقربُ بَاباً) يعني إذا دعاك اثنان أو أكثر فقدِّم الذي دعاك أولاً قبل الآخر، فإذا اجتمع الداعيان ولم يسبق أحدهما الآخر فقدِّم الأقرب باباً. ورد في ذلك حديث ضعيف أخرجه أحمد وأبو داود (٣) عن رجلٍ من الصحابة. ولكن لا شك في تقديم السابق، فتلبية دعوته واجبة، فإذا جاء الآخر وُجد عذرٌ في عدم تلبية دعوته والعذر هو تلبية دعوة الأول فهو السابق. وأما مسألة اعتبار قرب الباب فيُستأنس لها بحديث عائشة أخرجه البخاري أنها سألت النبي ﷺ فقالت: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ فقال: «إلى أقربهما منكِ باباً» (٤) هذا يُشعر باعتبار قرب الباب في حال التقديم والتأخير. قال المؤلف ﵀: (ولا يَجُوزُ حُضُورُهَا إذا اشتَمَلَتْ عَلَى مَعْصيةٍ) لقوله الله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة/٢]، وحضور الوليمة التي فيها معصية من التعاون على الإثم والعدوان. هذا إذا لم تكن قادراً على تغيير المنكر، وأما إذا كنت قادراً على تغييره وجب الحضور ووجب تغيير المنكر؛ لقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكراً فليغيره» (٥).

стр. 530

فصلٌ قال المؤلف ﵀: (والعقيقةُ مُستحبةٌ) العقيقة لغة: مشتقة من العَقّ وهو القَطْع. وشرعاً: ما يُذبح عن المولود شكراً لله تعالى. وحكمها: مستحبة كما قال المؤلف؛ لقول النبي ﷺ : «مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى» (١) أخرجه البخاري. وأخرج أحمد وأبو داود عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويُحلق رأسه» (٢). وأخرج أحمد وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال: «لا أحب العقوق» - كأنه كره الاسم- «من وُلد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتان مكافِئتان-يعني متساويتان- وعن الجارية شاة» (٣). هذا الحديث الأخير هو دليلٌ صارفٌ للأمر المتقدم في قوله ﷺ : «فأهريقوا عنه دماً» هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب، وفي قوله: «كل غلام رهينة بعقيقته» أيضاً دليل على وجوب العقيقة، ففك الرهن عن الغلام واجب. ولكن حديث عمرو بن شعيب صارفٌ لهذين الحديثين عن الوجوب إلى الاستحباب. فالشاهد منه: قوله ﷺ : «فأَحَبَّ أن ينسك عنه» فجعل الأمر معلقاً بمحبته وإرادته، ولو كان واجباً لما علقه بإرادته. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (وهي شَاتَانِ عن الذَّكرِ وشاةٌ عن الأُنثَى)
следующие страницы →