← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

هذه الأنواع لا تجزئ في الأضحية. أخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ: الْعَوْرَاءُ بَيِّنٌ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ بَيِّنٌ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ بَيِّنٌ ضَلَعُهَا، وَالْكَسِيرُ الَّتِي لَا تُنْقِي» (١). العوراء: هي التي ذهبت إحدى عينيها، والبيِّن: -العور البيِّن- أي الظاهر الواضح. والمريضة: هي التي يظهر أثر المرض عليها، وهذا ينقص لحمها ويفسده. العرجاء البيِّن ضَلَعها؛ أي عرجها: وهي التي بها عرجٌ فاحش، بحيث لا تلحق أخواتها، وأما العرج اليسير فمعفو عنه. وأما الكسير التي لا تنقي: أي لا نِقْيَ في عظامها وهو المخ، فتكون هزيلة، عظمها ضعيف جداً سهل الكسر. قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: وأجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء وهو المرضُ والعَجَفُ والعَور والعَرَج البَّين؛ لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان في معناها أو أقبح منها؛ كالعمى، وقطع الرجل، وشبهه. انتهى هذا ما ثبت من أحاديث في عيوب الأضاحي، ولا يصح غير ذلك، وما ورد في هذا الباب غير حديث البراء فضعيف. والأعجف الذي ذكره المؤلف: هو الهزيل، ذكر في رواية في نفس حديث البراء، بدل قوله: والكسير التي لا تنقي، قال: والعجفاء التي لا تنقي، والعجفاء هي المهزولة التي لا نِقْيَ لعظامها أي لا مخ. وأما قول المؤلف: وأعضب القرن والأذن: أي الذي ذهب نصف قرنه أو نصف أذنه أو أكثر من ذلك. والصحيح أنه يجزئ في الأضحية حتى لو ذهب قرنه كله أو ذهبت أذنه كلها. المؤلف ومَنْ ذهب مذهبه يستدلون بحديث علي ﵁: نهى رسول الله ﷺ أن نضحي بأعضب القرن والأذن (٢). أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وفي سنده جُرَيّ بن كُليب لا يحتج به ضعيف، وكذا حديثه في استشراف العين والأذن (٣) أعله الدارقطني في العلل. وفي حديث البراء المتقدم قيل للبراء: فإني أكره أن يكون نقصٌ في القرن والأذن، قال: فما كرهته منه فدعه ولا تحرِّمه على أحد. انتهى والله أعلم. قال المؤلف ﵀: (ويَتصدَّقُ مِنها ويَأكُلُ ويَدَّخِرُ) لقول النبي ﷺ : «كلوا وأطعموا وادخروا» (٤) متفق عليه.

стр. 527

هذا ليس على الوجوب، الأكل والادخار ليس على الوجوب، وإن كان هنا أمر، لكنه أمرٌ وارد بعد حظر، فقد كان النبي ﷺ قد نهاهم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث وأمرهم بالتصدق بها، ثم بعد ذلك رفع هذا النهي بهذا الأمر فقال: «كلوا وادخروا وتصدقوا» وقد مر معنا في قواعد الأصول أن الأمر بعد الحظر يرجع الأمر إلى ما كان عليه قبل النهي أو إلى الإباحة، فلا يُستفاد الوجوب من هذا الحديث. أما الصدقة فحصل خلافٌ بين أهل العلم أيضاً والذي يظهر أنها ليست واجبة، أما الشافعية فيقولون: هي واجبة وتصح بأقل شيء يُتصدَّق به. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (والذَّبْحُ في المُصلَّى أفضَلُ) الصحيح أن هذا خاص بالإمام فقط؛ لما أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان ينحر أو يذبح بالمصلى (١). ولم يذكر أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك معه إنما ذكر أن الذي كان يفعله النبي ﷺ . هذا قول الإمام مالك ﵀، جعل من السنة أن يذبح الإمام فقط في المصلى وليس الجميع. وهو الحق إن شاء الله. قال المؤلف ﵀: (ولا يَأخذْ مَن له أُضحيةٌ مِن شَعْرِهِ وظُفْرِهِ بَعدَ دُخولِ عَشرِ ذِي الحِجَّةِ حتى يُضَحِّي) إذا أراد المسلم أن يضحي ودخل شهر ذي الحجة، فلا يجوز له أن يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً إلى أن يذبح أضحيته؛ لحديث أم سلمة عند مسلم أن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره» (٢). هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب. ويصح أن يكون الفعل نفسه مستحباً ولكن له شروط وواجبات لا يصح إلا بها؛ كصلاة النافلة مثلا لا تصح إلا بوضوء مع أنها نفسها ليست واجبة. وكذلك الأضحية ليست واجبة ولكن منع الأخذ من الشعر والظفر لأجلها واجب. واحتج الإمام الشافعي ﵀ بهذا الحديث على عدم وجوب الأضحية، قال: لو كانت واجبة لما رد الأمر إلى إرادة المضحي، إذا أراد أن يضحي أو لم يرد أن يضحي، فلما رده إلى إرادته؛ دل ذلك على عدم الوجوب، وتابع الإمام الشافعي على هذا الاستدلال غير واحد من أهل العلم، منهم ابن المنذر ﵀. واختلف أهل العلم هل واجب الإمساك عن الأخذ من الشعر والظفر فقط على من أراد الذبح أم عليه وعلى أهل بيته أيضاً الذين يريد أن يضحي عنهم؟

стр. 528

الذي رجحه بعض المحققين أنه واجب عن المضحي فقط. والله أعلم. بابُ الوَلِيمةِ الوليمة: هي الطعام الذي يصنع عند العرس. قال المؤلف ﵀: (هي مَشروعَةٌ) الوليمة واجبة؛ لحديث أنس في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة» (١)، وأولم النبي ﷺ على غير واحدة من نسائه (٢)، والأحاديث في الصحيحين. فهي واجبة على الصحيح، ولو بشيء قليل؛ لأن النبي ﷺ أمر بها، ولا صارف لتلك الأوامر عن الوجوب. قال المؤلف ﵀: (ويجبُ الإجابةُ عليها) لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «شر الطعام طعام الوليمة، يدعى لها الأغنياء ويُترَك الفقراء، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» (٣). الشاهد في قوله: «فقد عصى الله ورسوله». وعن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه» (٤) اللفظ لمسلم، هذا الحديث يدل على وجوب تلبية الدعوة للعرس وغيره إذا لم يكن عذرٌ.

стр. 529

وعن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها» (١) متفق عليه. هذه أوامر كلها. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعامٍ فليجب، فإذا كان صائماً فليصلِّ-أي فليدعُ- وإن كان مفطراً فليطعم» (٢) أخرجه مسلم، فإجابة الدعوة واجبة إلا من عذر. قال المؤلف ﵀: (ويُقدَّمُ السَّابِقُ ثُمَّ الأقربُ بَاباً) يعني إذا دعاك اثنان أو أكثر فقدِّم الذي دعاك أولاً قبل الآخر، فإذا اجتمع الداعيان ولم يسبق أحدهما الآخر فقدِّم الأقرب باباً. ورد في ذلك حديث ضعيف أخرجه أحمد وأبو داود (٣) عن رجلٍ من الصحابة. ولكن لا شك في تقديم السابق، فتلبية دعوته واجبة، فإذا جاء الآخر وُجد عذرٌ في عدم تلبية دعوته والعذر هو تلبية دعوة الأول فهو السابق. وأما مسألة اعتبار قرب الباب فيُستأنس لها بحديث عائشة أخرجه البخاري أنها سألت النبي ﷺ فقالت: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ فقال: «إلى أقربهما منكِ باباً» (٤) هذا يُشعر باعتبار قرب الباب في حال التقديم والتأخير. قال المؤلف ﵀: (ولا يَجُوزُ حُضُورُهَا إذا اشتَمَلَتْ عَلَى مَعْصيةٍ) لقوله الله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة/٢]، وحضور الوليمة التي فيها معصية من التعاون على الإثم والعدوان. هذا إذا لم تكن قادراً على تغيير المنكر، وأما إذا كنت قادراً على تغييره وجب الحضور ووجب تغيير المنكر؛ لقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكراً فليغيره» (٥).

стр. 530

فصلٌ قال المؤلف ﵀: (والعقيقةُ مُستحبةٌ) العقيقة لغة: مشتقة من العَقّ وهو القَطْع. وشرعاً: ما يُذبح عن المولود شكراً لله تعالى. وحكمها: مستحبة كما قال المؤلف؛ لقول النبي ﷺ : «مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى» (١) أخرجه البخاري. وأخرج أحمد وأبو داود عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويُحلق رأسه» (٢). وأخرج أحمد وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال: «لا أحب العقوق» - كأنه كره الاسم- «من وُلد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتان مكافِئتان-يعني متساويتان- وعن الجارية شاة» (٣). هذا الحديث الأخير هو دليلٌ صارفٌ للأمر المتقدم في قوله ﷺ : «فأهريقوا عنه دماً» هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب، وفي قوله: «كل غلام رهينة بعقيقته» أيضاً دليل على وجوب العقيقة، ففك الرهن عن الغلام واجب. ولكن حديث عمرو بن شعيب صارفٌ لهذين الحديثين عن الوجوب إلى الاستحباب. فالشاهد منه: قوله ﷺ : «فأَحَبَّ أن ينسك عنه» فجعل الأمر معلقاً بمحبته وإرادته، ولو كان واجباً لما علقه بإرادته. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (وهي شَاتَانِ عن الذَّكرِ وشاةٌ عن الأُنثَى)

стр. 531

لحديث عمرو بن شعيب المتقدم، قال فيه: «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة»، وصح عن النبي ﷺ أنه عق عن الحسن والحسين كبشين كبشين. أخرجه النسائي. وأخرجه أبو داود بلفظ: عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً (١) وهو خطأ، هذا اللفظ خطأ، الصواب أنه عق عن الحسن بكبشين وعن الحسين بكبشين، هذا هو الصواب، ولا يوجد ما يدل على صحة العقيقة بكبش واحد عن الذكر. والله أعلم ثم قال المؤلف ﵀: (يومَ سَابعِ المولُودِ) لحديث سمرة المتقدم: «كل غلام مرتهن بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه». قال الإمام مالك: ولا يُعَدُّ اليوم الذي وُلد فيه إلا أن يولد قبل الفجر من ليلة ذلك اليوم. إذا وُلد في النهار فلا يعد ذلك اليوم من الأيام السبعة، وإذا ولد قبل الفجر أي في الليل يعد ذلك اليوم. قال ابن القيم ﵀: والظاهر أن التقييد بذلك استحبابٌ، وإلا فلو ذبح عنه في السابع أو الثامن أو العاشر أو ما بعده أجزأته. في نسخة من كتاب ابن القيم: وإلا فلو ذبح عنه في الثالث أو الثامن أو العاشر أو ما بعده أجزأته، والاعتبار بالذبح لا بيوم الطبخ والأكل. يعني أن الذبح في اليوم السابع مستحب ومفضَّل، ولكن لا يعني ذلك أنه لا يجوز في غيره، يجوز في غير اليوم السابع، ولكن اليوم السابع أفضل. قال: والاعتبار بالذبح لا بيوم الطبخ والأكل-هذا كلام ابن القيم ﵀، يعني المقصود هو أن تذبح في اليوم السابع أما إذا طبخت وأكلت في اليوم العاشر أو الحادي عشر فلا بأس، المهم في الأمر هو أن يحصل الذبح في اليوم السابع، أما الأكل والطبخ ليس مهماً. قال المؤلف ﵀: (وفيهِ يُسمَّى) أي في اليوم السابع يسمى الغلام -أو الجارية-، لحديث سمرة المتقدم: «كل غلام مرتهن بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه» هذا أيضاً مستحب ومن السنة.

стр. 532

ومن السنة أيضاً تسميته في اليوم الذي يولد فيه؛ لحديث أنس في الصحيحين قال: ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة إلى رسول الله حين وُلد قال: وسمّاه عبد الله (١). وعن أبي موسى قال: ولد لي غلام فأتيت به النبي ﷺ فسماه إبراهيم وحنَّكه بتمرة (٢) متفق عليه. وقال سهل بن سعد: أتي بالمنذر بن أبي أسيد إلى رسول الله حين ولد فوضعه النبي ﷺ على فخذه .. إلى أن قال قال النبي ﷺ : «ما اسمه؟ » قال: فلان. فقال النبي ﷺ : «لا، ولكن اسمه المنذر» (٣) متفق عليه. وفي صحيح مسلم من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي، إبراهيم» (٤) هذه كلها فيها دليل على استحباب التسمية أيضاً في اليوم الأول، فتستحب التسمية في اليوم الأول وفي اليوم السابع أيضاً. قال المؤلف: (ويُحلَقُ رأسُهُ) لقول النبي ﷺ في الحديث المتقدم في صحيح البخاري: «وأميطوا عنه الأذى». وفي حديث سمرة «ويحلق رأسه»، وهذا يكون للذكر والأنثى. أما الذكر فبالنص، قال: «وأميطوا عنه الأذى»، وأما الأنثى فبجامع العلة، فبما أن النبي ﷺ سمى ما على رأس الغلام عند ولادته أذىً، فتُلحق الأنثى بالذكر؛ لأن على رأسها ما على رأس الذكر، فنُلحق الأنثى بالذكر فنقول: يماط الأذى عن رأسها كما يماط عن رأس الغلام. قال المؤلف: (ويُتصدَّقُ بِوَزنِهِ ذَهبَاً أو فِضةً) أي وزن الشعر الذي يُحلق عن رأس المولود يوزن وبالقدر الذي يخرج وزنه يُتصدق به ذهباً أو فضة، فلنقل: خرج غراماً أو غرامين تتصدق بغرام أو بغرامين من الذهب أو الفضة.

стр. 533

جاء ذلك في حديث أخرجه أحمد وغيره عن أبي رافع أن الحسن بن علي لما وُلد أرادت أمه فاطمة أن تعق عنه بكبشين، فقال: «لا تعقي عنه، ولكن احلقي شعر رأسه، ثم تصدقي بوزنه من الورِق -أي من الفضة- في سبيل الله» ثم وُلد حسين بعد ذلك فصنعت مثل ذلك (١) ولكن هذا الحديث ضعيف، في سنده عبد الله بن محمد بن عقيل لا يحتج به، ولا يصح في هذا حديث عن النبي ﷺ فهذه ليست سنة.

стр. 534

كتابُ الطِّبِّ الطب: علاج الداء. قال المؤلف): يَجوزُ التَّداوِي) لورود الكثير من الأحاديث التي تدل على جواز التداوي، من ذلك أحاديث وردت أن النبي ﷺ تداوى وأرشد إلى أنواعٍ من الأدوية. أخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله» (١). وقال ﷺ : «ما أنزل الله من داءٍ إلا أنزل له شفاء» (٢) أخرجه البخاري، وقال ﷺ : «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء» (٣) متفق عليه، وقال: «إن كان في شيء من أدويتكم خيرٌ ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي» (٤) متفق عليه. وثبت عنه في الصحيحين أنه احتجم (٥) وأنه عولج جرحه ﷺ (٦). فهذا كله يدل على جواز التداوي، واتفق المسلمون على جوازه. قال المؤلف: (والتَّفوِيضُ أَفضلُ لِمَن يَقدِرُ على الصَّبرِ) يعني أن يفوض المريض أمره إلى الله ويصبر على ما قدر الله عليه ولا يتداوى؛ أفضل على كلام المؤلف. يستدل المؤلف ومن ذهب مذهبه بحديثين: الأول حديث ابن عباس في المرأة السوداء التي قالت للنبي ﷺ : إني أُصرع وإني أتكشف؛ فادع الله لي. قال: «إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة،

стр. 535

وإن شئتِ دعوت الله أن يعافيكِ» قالت: أصبر (١). متفق عليه والحديث الثاني: حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وفيه: «وهم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» (٢). وما ذهب إليه المؤلف هو مذهب جمهور الحنابلة. وقد اختلف العلماء في حكم التداوي، وأصح الأقوال في ذلك أن التداوي مستحب وهو قول الجمهور؛ إلا إذا غلب على الظن الهلاك وغلب على الظن نفع الدواء عندها يكون واجباً حتى لا يعرِّض الشخص نفسه للهلاك. والتداوي من قدر الله فيُرَد به قدر الله، وهو من الأسباب التي لا ينافي الأخذ بها التوكل على الله ﵎، فالتوكل يكون بالاعتماد على الله والأخذ بالأسباب طاعة لله؛ لأن الله أمر بالأخذ بالأسباب، والتوكل على الله يكون باعتماد القلب على الله لا بالاعتماد على الأسباب، فيأخذ المرء بالأسباب كما يأخذ بالأسباب لرد الجوع والعطش والزواج والجماع لطلب الولد، يأخذ أيضاً بالأسباب في دفع المضار. المهم أن تجمع بين اعتمادك على الله لا على الأسباب فلا يلتفت قلبك إلى السبب، وفي نفس الوقت تعمل بالأسباب؛ لأن الله أمر بها وعلق الأشياء بأسبابها لحصولها. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (ويَحرمُ بالمُحرماتِ) يحرم التداوي بما حرم الله، كالخمر مثلاً؛ لقوله ﷺ في الخمر: «إنه ليس بدواء، ولكنه داءٌ» (٣) أخرجه مسلم، وقال ابن مسعودٍ: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم (٤). علقه البخاري، وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث (٥). ولا يحل ذلك إلا عند الضرورة؛ لقول الله ﵎ ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام/١١٩] قال المؤلف ﵀: (ويُكرهُ الاكتِوَاءُ)

стр. 536

للحديث المتقدم في صحيح البخاري قال فيه النبي ﷺ : «وما أحب الاكتواء»، وفي رواية في الصحيح: «وأنهى أمتي عن الكي» كذلك في حديث السبعين ألفاً المتقدم قال: «الذين لا يكتوون» متفق عليه، وقلنا بالكراهة لا بالتحريم؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كوى بعض أصحابه، من هذه الأحاديث ما هو في صحيح مسلم (١). قال المؤلف ﵀: (ولا بَأسَ بالحِجَامةِ) الحجامة مأخوذة من الحجم وهو المص، يقال: حجم الصبي ثدي أمه إذا مصه. وهي إخراج الدم من البدن بواسطة المص بعد الشرط. ولا بأس بها: أي هي مشروعة لأن النبي ﷺ احتجم كما جاء في الصحيحين (٢)، وقال ﷺ : «الشفاء في ثلاث: في شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى عن الكي» (٣) أخرجه البخاري، وقال ﷺ : «إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري» (٤) متفق عليه. والحجامة علاج وهي مباحة، ومستحبة عند الحاجة إليها. ولا يصح في توقيتها شيء، لا في وقت استحبابها ولا في وقت كراهيتها. قال البَرْذَعِيّ: شهدت أبا زرعة- الرازي- لا يثبت في كراهة الحجامة في يومٍ بعينه، ولا في استحبابه في يومٍ بعينه؛ حديثاً. وقال ابن الجوزي: هذه الأحاديث ليس فيها شيء صحيح. وقال العقيلي: وليس يثبت في التوقيت في الحجامة شيء في يومٍ بعينه، ولا في الاختيار في الحجامة والكراهية شيء يثبت. وقال ابن عبد الهادي: ما صح عن النبي ﷺ شيء إلا أنه أمر بها. وقال الحافظ ابن حجر: ولِكَوْنِ هذه الأحاديث -أي أحاديث التوقيت- لم يصح منها شيء؛ قال حنبل بن إسحاق: كان أحمد يحتجم أيَّ وقتٍ هاج به الدم، وأيَّ ساعة كانت. هذه نقول عن غير واحد من علماء الحديث من أئمة هذا الشأن يضعِّفون جميع الأحاديث التي وردت في التوقيت في الحجامة، وأكثرت من النقل لأن أحاديث التوقيت انتشرت بين المسلمين اليوم وهي ضعيفة لا يحتج بها كما علمتم.

стр. 537

قال المؤلف ﵀: (وبالرُّقيةِ بما يَجوزُ مِنَ العَينِ وغِيرِهَا) الرقية هي العُوذة التي يُرقى بها صاحب الآفة، كالحمى والصرع وغير ذلك. والعوذة: بمعنى التعويذ. فالرقية: كلمات تُقرأ وتقال على المريض وغيره؛ لدفع الضرر أو رفعه. وهي قسمان: الأول: ما كان خالياً من الشرك؛ كالرقية بالقرآن والسنة، هذه جائزة فالنبي ﷺ رقى ورُقي، وقال: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً» (١). والقسم الثاني: ما فيه شرك، كالرقى بأسماء الجن والملائكة والأنبياء. هذا منهي عنه محرم؛ للحديث الذي ذكرناه: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً»، وقوله أيضاً: «إن الرقى والتمائم والتِّوَلة شرك» (٢). قال السيوطي: وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن تكون بكلام الله، أو بأسمائه وصفاته، وأن تكون باللسان العربي وما يُعرف معناه. وأن يُعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى. انتهى كلامه ﵀. وتكون الرقية من العين وغيرها؛ للأحاديث التي وردت في الصحيحين وغيرهما وقد تقدم بعضها. وأما حديث «لا رقية إلا من عينٍ أو حُمَة» (٣)؛ فقال أهل العلم: معناه: لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحُمَة. الحُمَة: سُم العقرب وشابهها. والذي جعل العلماء يفسرون الحديث على هذا المعنى هو أنه ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين وغيرهما أنه رَقى ورُقي من غير العين والحمة، رقى من المرض ومن السحر ومن غير ذلك.

стр. 538

ومن الرقى التي ثبتت عن النبي ﷺ قوله: «أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (١) متفق عليه. ومنها: «بِسْمِ اللَّهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا» (٢) متفق عليه. وكان ﷺ إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده (٣) متفق عليه. هذا بعض ما ورد عن النبي ﷺ في الرقية.

стр. 539

كتابُ الوَكالةِ الوَكالة بفتح الواو وكسرها، يقال: الوَكالة والوِكالة هي لغة: التفويض. ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ [النساء/٨١] أي كفى به مفوَّضاً إليه. ويقال: وكَلت الأمر إليه: أي فوضته إليه. واصطلاحاً: تفويض جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة. تفويض جائز التصرف: جائز التصرف هو الحر البالغ العاقل الرشيد. فهذا الشخص الذي اتصف بهذه الصفات إذا فوَّض غيره في عمل ما يجوز التفويض فيه أن يعمله عنه سمي وكالة. ويشترط في المفوَّض أن يكون جائز التصرف أيضاً؛ كالمفوِّض، يعني الذي يريد أن يعمل العمل بالنيابة عن غيره يشترط أن يكون أيضاً حراً بالغاً عاقلاً رشيداً. ويُشترط في العمل أن يكون من الأعمال التي تجوز النيابة فيها، فمن الأعمال ما لا تجوز فيه الوكالة -التفويض- كالصلاة والوضوء لا يجوز أن تفوض أحداً - توكله - أن يصلي عنك أو يتوضأ عنك. قال المؤلف ﵀: (يَجُوزُ لجائزِ التَّصرُّفِ أن يُوكِّلَ غيرَهُ في كُلِّ شيءٍ؛ ما لم يَمنع منه مانعٌ) عرفنا جائز التصرف من هو، هذا يجوز له أن يوكل غيره، كأن يفوض غيره في قضاء دين عنه مثلاً، أو في نكاح يزوِّجه، أو بيع وشراء وما شابه. يقول المؤلف: يوكله في كل شيء ما لم يمنع منه مانع، أي إلا إذا دل الدليل الشرعي على عدم جواز التوكيل في عملٍ ما. والوكالة جائزة بدليل أن النبي ﷺ وكَّل أُنيِّساً ﵁ بإقامة الحد. متفق عليه.

стр. 540

قال له: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» (١) وكله النبي ﷺ بإقامة الحد. ووكل عليّاً ﵁ بنحر الهدي وتقسيم لحمومها وجلودها (٢). أخرجه مسلم. ووكل أبا هريرة ﵁ بحفظ زكاة رمضان (٣). أخرجه البخاري. ووكل عقبة بن عامر ﵁ بقسمة الضحايا على أصحابها (٤). متفق عليه. ووكل عروة بن الجعد البارقي ﵁ بشراء أضحية له (٥)، أخرجه البخاري. وسيأتي إن شاء الله. واستدل العلماء أيضاً بقوله تعالى في توكيل أصحاب الكهف واحداً منهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ [الكهف/١٩]، وقول يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ﴾ [يوسف/٥٥] أي وكيلاً عنك، وبقول موسى لهارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف/١٤٢]، وبتوكيل سليمان الهدهد ﴿اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا﴾ [النمل/٢٨]، وذكر البخاري عدة أحاديث على جواز الوكالة. ونقل بعضهم الاتفاق على مشروعيته. قال المؤلف ﵀: (وإذا بَاعَ الوَكيلُ بزيادةٍ على ما رسَمهُ مُوكِّلهُ؛ كانتِ الزِّيادةُ للمُوكِّلِ) يعني إذا وكَّلَ زيدٌ عمراً ببيع قطعة أرض مثلاً، على أن يبيعها بألف دينار، فباعها عمرو بألفين، باعها بزيادة على ما قاله له زيد، هذه الزيادة: الألف الزائدة؛ تكون مِنْ حق الموكِّل صاحب المال وهو في مثالنا زيد. إذا باع عمرو بزيادة على ما رسمه -حدده- موكله الذي هو زيد، كانت الزيادة للموكِّل كانت الزيادة لزيد صاحب الأرض وليست للوكيل. دليل ذلك حديث عروة بن الجعد البارقي في صحيح البخاري (٦): أَعْطَاهُ النبي ﷺ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ

стр. 541

بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ»، يعني عروة الآن عندما نزل إلى السوق اشترى بالدينار الواحد شاتين، النبي ﷺ وكله بشراء شاة واحدة يشتريها بدينار، هو نزل إلى السوق واشترى شاتين بدينار واحد، فباع إحدى الشاتين بدينار، وجاءه بدينارٍ وشاة، فرد الدينار كما هو ومعه شاة فدعا له النبي ﷺ بالبركة في بيعه، فأخذ النبي ﷺ الشاة والدينار، أخذها النبي ﷺ الموكِّل. ثم قال المؤلف ﵀: (وإذا خَالفَهُ إلى مَا هُو أَنفعُ، أو إلى غِيرِهِ ورَضِيَ بهِ؛ صَحَّ) لأن الرضى شرط في المعاملات، والوكالة صحيحة بناءً على ما يتفقان عليه، والمؤمنون عند شروطهم؛ لذلك إذا وكَّل زيدٌ عمراً في أمر، وأوصاه أن يفعله على صورة ما، ففعله عمرو على صورة أفضل أو على صورة أخرى، فإذا قبِل زيدٌ بذلك ورضي يصح وهو جائز. وأخيراً أقول: اتفق الفقهاء على جواز التوكيل في البيع والشراء، ويجوز التوكيل في المعاملات وفي العبادات المالية؛ كإخراج الزكاة والصدقات والمنذورات والكفارات. ولا يجوز التوكيل في الشهادات والأيمان والنذور والمعاصي؛ كأن يوكِّل شخصٌ شخصاً بالقتل أو السرقة، وكذلك لا يجوز التوكيل في العبادات البدنية التي لا تتعلق بالمال مطلقاً؛ كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث والوضوء. كتابُ الضَّمَانَةِ الضمانة أو الضمان: الكفالة والالتزام. قال المؤلف ﵀: (يَجبُ على مَنْ ضَمِنَ على حيٍّ أو ميِّتٍ تسليمَ مالٍ أن يَغرَمهُ عندَ الطَّلبِ، ويَرجعُ على المَضمُونِ عنه إن كان مأموراً من جِهتِهِ)

стр. 542

يعني بهذا الكلام أن من تكفل بدفع مالٍ عن شخص حي أو ميت؛ وجب عليه أن يدفع عنه متى طُلب منه المال. وإذا كان المطلوب منه المال هو الذي أمره بكفالته، يعني الذي عليه الحق أصلاً هو الذي طلب منه أن يدفع عنه؛ فله أن يرجع بالمال عليه الذي دفعه عنه، بينما إذا كان متبرعاً بالدفع عنه فلا يحق له طلب المال منه. بمعنى آخر بطريقة أسهل: زيد من الناس تكفل بدفع مالٍ عن عمرو، فطُلب المال، وجب على زيد هنا أن يدفع لأنه هو الذي تكفل. هل يحق لزيد بعد ذلك أن يطلب المال الذي دفعه من عمرو؟ إن كان عمرو هو الذي طلب منه أن يكفله، فله حق بطلب المال منه، وإن لم يكن هو الذي طلب منه فلا حق له عنده. دليل إلزام الكفيل والضامن بالضمانة قول النبي ﷺ : «الزعيم غارم» (١) أخرجه أحمد وأبو داود. الزعيم: هو الكفيل. ومعنى غارم: أي ضامن، فكونه تكفَّل يضمن. وأخرج البخاري من حديث سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ امتنع من الصلاة على من عليه دين. شخص مات وأتوا به إلى النبي ﷺ كي يصلي عليه صلاة الجنازة، فامتنع النبي ﷺ ولم يصلِّ عليه؛ لأنه كان عليه دين. فقال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينه، فصلى عليه النبي ﷺ (٢). أبو قتادة ضمن فيلزمه قضاء الدين عن الميت. قال المؤلف ﵀: (ومَن ضَمِنَ بِإحضارِ شخصٍ؛ وَجبَ عليهِ إحضارُهُ؛ وإلا غَرِمَ مَا عَلِيهِ (إذا ضمن شخص حضور شخص آخر عند القاضي مثلاً؛ فإما أن يحضره أو أن يدفع ما عليه من حقوق. بمعنى أن زيداً مثلاً مطلوب، وعمرو ضمِن أن يأتي بزيد عند طلب الحق منه، وجب عليه في وقت طلبه أن يأتي بزيد، فإن لم يأتِ بزيد هو يقوم مقام زيد في دفع ما عليه من حقوق.

стр. 543

وهذا لعموم قول النبي ﷺ : «الزعيم غارم». كِتابُ الصُّلحِ قال: (وهو جائزٌ بينَ المُسلمينَ؛ إلا صُلحاً أَحلَّ حَرامَاً، أو حرَّمَ حَلالاً) الصلح بين أي طرفين من المسلمين جائز؛ بشرط أن لا يكون الصلح قائماً على تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرَّم الله، فإذا لم يكن فيه اعتداء على شرع الله فهو صلحٌ جائز. دليل ذلك قوله تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء/١١٤]، وقال تعالى في الإصلاح بين الزوجين: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء/١٢٨]، وقال أيضاً: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ [الأنفال/١]، أي أصلحوا ما بينكم من خلافات. وقال النبي ﷺ : «الصلح جائز بين المسلمين؛ إلا صلحاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً» (١) أخرجه أبو داود وغيره، وزاد: «المسلمون على شروطهم». قال المؤلف ﵀: (ويَجوزُ على المَعلُومِ والمَجهولِ؛ بِمَعلومٍ وبمَجهولٍ) المقصود بالمعلوم هنا أن يكون الخلاف واقعاً بين الطرفين على شيء معلوم غير مجهول؛ كقطعة أرض فلان مثلاً أو وصفها كذا وكذا، أو سيارة وصفها كذا وكذا أو قدرٍ معلومٍ من المال، شيء واضح معلوم ليس فيه جهالة.

стр. 544

والمجهول بخلافه لا يُعرف، الشيء المتنازَع عليه غير معلوم؛ كالتنازع على إرثٍ غير معلوم أو على غنيمة لم تقسم فلا يُعرف ما لكل واحد منها، أو مالٍ لا يُعرف جنسه أو قدره. مثل هذا تنازعٌ على مجهول، فيقول المؤلف: يجوز الصلح عن المعلوم بالمعلوم والمجهول؛ أي إذا كان التنازع في أمر معلوم يجوز أن نصلح بينهم على أمرٍ معلوم أو مجهول، كأن يتنازعوا على سيارة معينة؛ فنصلح بينهم بأن يأخذ هذا نصفها ويأخذ الآخر نصفها الآخر، ونحدد لكل واحد ما له، أو نبيع السيارة ونعطي كل واحد منهما جزء ثمنها. فهنا النزاع كان على شيء معلوم وهي السيارة، والصلح وقع على شيء معلوم وهو نصف ثمن السيارة لهذا ونصف ثمن السيارة لهذا. فيقول: يجوز الصلح عن المعلوم بالمعلوم وبالمجهول أيضاً. فنقول لهم مثلاً الذين تنازعوا مثلاً على سيارة معلومة: كل واحد منكما يكون له نصيبٌ فيها، فلم نحدد ما لكل واحد منها، فصار النصيب مجهولاً فيجوز مثل هذا الصلح على ما ذكر المؤلف. وكذلك الأمر في المجهول يجوز الصلح فيه بمعلوم ومجهول. لكون هذه الحقوق حقوق خاصة فمن رضي بالتنازل عن مال له وقبل بغيره فله ذلك؛ لأنه حقه وله التصرف فيه فالعبرة في الصلح بتحقق التراضي بين المتنازعين، فإذا حصل التراضي على أمر ليس فيه ما يخالف الشرع؛ صح الصلح. قال المؤلف في شرحه على الدرر: وأخرج البخاري من حديث جابر: أن أباه قُتل يوم أحد شهيداً وعليه دَين، فاشتد الغرماء في حقوقهم، قال: فأتيت النبي ﷺ ، فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي ويحللوا أبي فأبوا، فلم يعطهم النبي ﷺ حائطي. وقال «سأغدو عليك» فغدا علينا حين أصبح فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة فجددتها فقضيتها وبقي لنا من ثمرها (١). وفيه جواز الصلح عن معلوم بمجهول. انتهى كلامه ﵀. أقول: المجهول ربما إذا عرف لا يحصل الرضا به بعد معرفته؛ فإذا كان هذا الاحتمال قائماً فلابد من العلم به. والله أعلم

стр. 545

قال المؤلف ﵀: (وعن الدَّمِ كالمَالِ بأقَلَّ مِنَ الدَّيةِ أو أَكثرَ) أي وكذلك الصلح عن الدم، كأن يقتل رجلٌ رجلاً فيصطلح مع أولياء المقتول على أن يأخذوا الدية بدل القصاص، ففي هذه الحال يصير الصلح على مالٍ، فحكمه كحكم الصلح على المال المتقدم. الدية مقدرة في الشرع ولكنها حق لأولياء المقتول، فإذا رضوا بالتنازل عنها أو عن بعضها فلهم ذلك؛ لأن هذا من حقهم ولهم أن يتنازلوا عنه أو عن بعضه؛ لأنها حقوق مادية، العبرة فيها بالتراضي. قال المؤلف ﵀: (ولو عَن إِنكارٍ) صورة ذلك أن يدَّعي رجل على رجل آخر مائة دينار، فينكره في جميعها. زيد يقول: لي على عمرو مائة دينار، وعمرو يقول: ليس لك عندي شيء، حصل إنكار من عمر، فيصالحه على النصف من ذلك المقدار. نقول لهما: زيد أنت تدَّعي بأن لك عند عمرو مائة دينار، وعمرو يدَّعي أنه ليس لك عنده من المال شيء فنصلح بينكما على أن لك منه خمسين ديناراً وننهي هذا الأمر، فإذا اتفقا على ذلك وتراضيا صح ذلك. فيقول المؤلف: حتى وإن حصل إنكار أصلاً للحق، ولكن استطعنا أن نحقق التراضي بينهما بأن يدفع المنكر شيئاً من المال المدعى وينتهي النزاع، يقول المؤلف: يصح ذلك.

стр. 546

كتابُ الحَوَالةِ الحوالة مأخوذة من التحويل بمعنى النقل، هذا الأصل اللغوي. وهي شرعاً: نقل الدَّين من ذمة المُحِيل إلى ذِمَّة المحال عليه. عندنا زيد وعمرو وبكر، زيدٌ يريد مالاً من عمرو، له عند عمرو دَيْن، عمرو يقر له بدَيْن، له عليه ألف دينار مثلاً، جاء زيد وطلب من عمرو ماله. عمرو حوَّل زيداً إلى بكر، فقال له: اذهب إلى بكر وخذ حقك منه خذ منه الألف دينار. هذه الحوالة حصل تحويل: نقل، كان المال والدين مطلوباً من عمرو ثم صار يُطلب من بكر، نقل الدَّين من ذمة المَحيل هو في مثالنا: عمرو، إلى ذمة المُحال عليه وهو بكر. هذه تسمى حوالة. وأصلها في الشرع قول النبي ﷺ : «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ» (١) المطل: المماطلة، التسويف، سوف أعطيك اليوم، غداً، تعال بعد أسبوع، بعد شهر .. وهكذا. هذه تسمى مماطلة، وهو المطل. الغني: هو المتمكن من القضاء، القادر عليه. ظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة.

стр. 547

فإذا أُتبِعَ أحدكم على مَليٍّ أي إذا قال من عليه الدَّيْن لصاحب الدَّيْن: اذهب إلى فلان وخذ مالك منه، وكان فلان غنياً؛ وجب عليه أن ينتقل إلى فلان ويأخذ منه دينه. فَليَتبَعْ: هذا أمر من النبي ﷺ لصاحب الدين أن ينتقل إلى الغني ويأخذ حقه منه. قال المؤلف ﵀: (مَن أُحِيلَ على مَلِيٍّ فَليَحْتَل) للحديث المتقدم: «مطل الغني ظلم فإذا أُتبع أحدكم على مليٍّ فليتبع». ذهب جمهور العلماء إلى أن التحول إلى الغني مستحب، والبعض قال بالوجوب، أي يجب على صاحب الدين أن يتحول إلى الغني ويأخذ حقه منه؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك، والأمر هنا لا صارف له، فيبقى على الوجوب، ومن ادعى الاستحباب وجب عليه أن يأتي بالدليل الصارف للأمر عن الوجوب إلى الاستحباب. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (وإذا مَطلَ المُحالُ عَليهِ أو أَفلسَ؛ كان للمُحال أن يُطالبَ المُحِيلَ بدَيْنِه (صورتنا ومثالنا الذي قدمناه، زيد له ألف دينار على عمرو، وعمرو حوَّل زيداً إلى بكر، وبكر رجل غني. قال المؤلف هنا: إذا مطل المحال عليه، المحال عليه في مثالنا: بكر، إذا مطل يعني سوَّف وماطل: تعال غداً، تعال بعد أسبوع، تعال بعد شهر ... وهكذا، هذا يحصل اليوم كثيراً للأسف والله المستعان. إذا مطل المحال عليه أو أفلس: إما ماطل في السداد أو أفلس كان غنياً ثم أفلس لم يعد غنياً، كان للمحال أن يطالب المحيل بدينه. المحال زيد، والمحيل عمرو، فزيد هو صاحب الحق صاحب الدَّيْن، والدين على عمرو، فلما ثبت أن بكراً مماطل أو كان ملياً ثم أفلس؛ حُقّ لزيد أن يرجع إلى مطالبة حقه من عمرو، هذا معنى كلام المؤلف (كان للمحال أن يطالب المحيل بدينه)؛ لأن الدَّيْن باق في ذمة الأول الذي هو في مثالنا عمرو، فالدَّيْن باق في ذمته لم يخرج من ذمته بمجرد الحوالة، لا تبرأ ذمته إلا بتسليمه إما منه أو ممن أحال عليه.

стр. 548

كتابُ المُفلسِ المفْلِس في الفقه: هو مَنْ دَيْنه أكثر من ماله. هذا المقصود بالمفلس هنا، والذي جاء في الحديث أنه الذي لا درهم ولا متاع له. فقد سأل النبي ﷺ أصحابه: ما تعدون المفلس فيكم؟ فقالوا: من لا درهم ولا متاع له (١). هذا ما يعرفه الصحابة من معنى المفلس. وأما في عرف الفقهاء وهو الذي نريده هنا: فمَنْ دَيْنه أكثر من ماله. قال المؤلف ﵀: (يَجوزُ لأهلِ الدَّيْنِ أن يَأخذُوا جَميعَ ما يَجدُونَهُ مَعهُ؛ إلَّا ما كان لا يُستغَى عَنه، وهو: المنزلُ، وسَترُ العَورةِ، وما يَقيهِ البَردَ ويَسُدُّ رمَقَهُ ومَن يَعُولُ) هذا لحديث أبي سعيد عند مسلم قال: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ» (٢). يعني رجل اشترى ثماراً فضُربت الثمار وخسر ماله، فكثرت عليه الديون بسببها، فطالبه أصحاب المال بمالهم، فأمر النبي ﷺ بالصدقة عليه، ولكن ما جمع له لا يكفي، فقال لهم النبي ﷺ ما وجدتم من مال عنده فخذوه، وليس لكم عنده أكثر من هذا. أي ليس لكم بعد ذلك إلا الصبر عليه؛ لقول الله ﵎: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة/٢٨٠].

стр. 549

فهذا يدل على أن أهل الدَّيْن يأخذون جميع ما يجدونه مع المفلس ما عدا ما ذكر المؤلف؛ لأنهم إذا أخذوا ما استثناه المؤلف سيؤدي إلى ضرر عظيم على الرجل والضرر مرفوع، فلا يجوز إلحاق الضرر به. فقال المؤلف: يجوز لأهل الدَّيْن أي لأصحاب الدَّيْن الذين لهم مال ودَيْن على الشخص، أن يأخذوا جميع ما يجدونه مع المفلس؛ إلا ما كان لا يُستغنى عنه (ضروريات الحياة) وهي: المنزل الذي يناسب من هم في حاله، أما إذا كان يعيش في قصر مثلاً أو في بيتٍ فاره؛ يؤخذ منه البيت ويباع ويشترى له بيت متواضع على قدر حاله، وما زاد يقضى به دَيْنه. وستر العورة وما يقيه البرد: أي ثيابه التي لا بد منها التي تدفع عنه الضرر. ويسد رمقه: أي ما يكفيه للعيش من الطعام والشراب، ما يكفيه ويكفي من يعول: مَنْ ينفق عليهم هو، فكفايتهم تُترك لهم وما فوق ذلك يأخذه أصحاب الديون. قال المؤلف ﵀: (ومَن وجَدَ مَالَهُ عندَهُ بعينِهِ فهو أَحقُّ بهِ) صورة المسألة أن يبيع رجلٌ لآخر سيارة مثلاً على أن يدفع له ثمنها، وقبل أن يدفع أفلس مشتري السيارة، فإذا وجد البائع الذي يطالب بثمن السيارة وجد نفس السيارة موجودة عند المفلس فهو أحق بها، يعني له هو أن يستردها وليس لبقية أصحاب الديون أن يأخذوها بل هو أحق بها من غيره. هذا معنى كلام المؤلف، ودليله قوله ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ - أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ - فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» (١) متفق عليه. قال المؤلف ﵀: (وإذا نَقصَ مَالُ المُفلِسِ عن الوَفاءِ بجميعِ دَينهِ؛ كانَ المَوجودُ أُسوةَ الغُرمَاءِ) إذا أفلس الشخص وأرادوا أن يأخذوا ماله كي يقضوا دَيْنه عنه، فقضوا شيئاً ولم يكفِ المال، بقيت عليه ديون أخرى، قال المؤلف: كان الموجود أسوة الغرماء.

стр. 550

هذا كله الآن ما سبق وهذا؛ في تقديم وتأخير أصحاب الديون، مَنْ يقدَّم ويأخذ ما له من ديون على المَدين قبل الآخر، الآن لا يقدَّم أحد على الآخَر، بما أنه ليس له مالٌ معيَّن عند المفلس فلا يقدَّم على غيره. أسوة الغرماء: أي الغرماء أصحاب الديون جميعاً متساوون ومتشاركون في المال الموجود، فيقسَّم المال بينهم؛ لحديث أبي سعيد المتقدم قال لهم النبي ﷺ : «خذوا ما وجدتم» فلم يعطِ واحداً دون الآخر، ولم يقدِّم أحدهم على الآخر جعلهم جميعاً سواء. قال المؤلف ﵀: (وإذا تبيَّنَ إفلاسُهُ فلا يَجُوزُ حَبسُهُ) إذا تبيَّن أن الشخص المفلس بالفعل هو مفلس حقيقة لا يكذب ولا يتحايل؛ فلا يجوز حبسه؛ لقول الله ﵎: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة/٢٨٠]، أي إذا كان المديون غير قادر على سداد دينه؛ فأمهلوه واصبروا عليه إلى أن يتمكن من السداد، فهذا أمرٌ بالصبر؛ فلا يجوز حبسه، وحبسه يعتبر ظلماً له. قال المؤلف: (وَلَيُّ الوَاجِدِ ظُلمٌ يُحِلُّ عِرضَهُ وعُقُوبَتَهُ) هذا حديث نبوي قال فيه النبي ﷺ : «لَيُّ الواجِد يُحلُّ عِرضه وعقوبته» (١) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وزيادة ظلم ليست في الحديث. الواجد: هو الذي يجد قضاءً لدَيْنِه، أي الذي يكون قادراً على قضاء دَيْنه. لَيُّ الواجد: لَيُّه: بمعنى مماطلته. يحل عرضه: العِرض: موضع المدح والذم من الإنسان. ويحل عرضه: يبيح ذكره بسوء؛ لمماطلته ولظلمه. وعقوبته: حبسه حتى يقضيه، فيجوز للحاكم أن يحبسه حتى يقضي دَيْنه. فلا بد من التفريق بين الواجد وغير الواجد، بين القادر على القضاء وغير القادر على القضاء؛ القادر على القضاء ولا يقضي؛ يحل عرضه وعقوبته، أما غير القادر على القضاء فهذا لا يحل منه شيء والواجب الصبر عليه إلى أن يتمكن من القضاء.

стр. 551

قال المؤلف ﵀: (ويَجوزُ للحاكمِ أن يَحجُرَهُ عن التَّصرُّفِ في مَالِهِ ويَبيعَهُ لِقضاءِ دَينهِ وكذلِكَ يَجوزُ له الحَجرُ على المُبذِّرِ ومَنْ لا يُحسِنُ التَّصرُّفَ) الحَجر هو: منع الإنسان من تصرفه في ماله لسبب شرعي. وهو قسمان: الأول: حجرٌ لحفظ مال صاحب المال؛ كالحجر على الصغير والسفيه: الذي لا يحسن التصرف، والمبذِّر، والمجنون. فهؤلاء يمنعون من التصرف في أموالهم خشية أن يضيعوها، وتنفق عليهم وتحفظ لهم. والقسم الثاني: حجرٌ لإعطاء أصحاب الحقوق حقوقهم؛ كالحجر على المفلس من أجل رد حق الغرماء. هذا معنى ما ذكره المؤلف. فقال: يجوز للحاكم فالحجر عمل الحاكم. أن يحجره عن التصرف في ماله: يمنع المفلس من التصرف في ماله. ويبيعه لقضاء دينه: ويبيع الحاكم مال المفلس لقضاء دينه ورد الحقوق إلى أهلها. فهذا حجرٌ لرد الحقوق إلى أصحابها. قال: وكذلك يجوز له أي للحاكم الحجر على المبذِّر، المبذر: الذي ينفق المال في غير حقٍّ. ومن لا يحسن التصرف وهو السفيه؛ كالمجنون والصبي الصغير. دليل الحجر: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء/٥ - ٦] وأخرج أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبْتَاعُ وَفِي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ- أي في رأيه في مصالحه ضعف- فَأَتَى أَهْلُهُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، احْجُرْ عَلَى فُلَانٍ، فَإِنَّهُ يَبْتَاعُ وَفِي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ، فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَنَهَاهُ عَنِ الْبَيْعِ،

стр. 552

فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي لَا أَصْبِرُ عَنِ الْبَيْعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ كُنْتَ غَيْرَ تَارِكٍ الْبَيْعَ، فَقُلْ: هَاءَ وَهَاءَ، وَلَا خِلَابَةَ» (١). وثبت عن علي وعثمان أنهما همّا بالحجر على عبد الله بن جعفر. وكذلك ثبت عن عبد الله بن الزبير أنه قال: والله لتنتهين عائشة أو لأحجُرنّ عليها. وأما دليل حجر الحاكم على المفلس فقال المؤلف في شرح الدرر: وأخرج الدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه من حديث كعب بن مالك: أن النبي ﷺ حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه. وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود وعبد الرزاق من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك مرسلاً قال: كان معاذ بن جبل شاباً سخياً وكان لا يمسك شيئاً، فلم يزل يدان حتى أغرق ماله كله في الدين، فأتى النبي ﷺ فكلمه ليكلم غرماءه، فلو تركوا لأحد لتركوا لمعاذ لأجل رسول الله ﷺ ، فباع رسول الله ﷺ لهم ماله حتى قام معاذ بغير شيء. قال عبد الحق: المرسل أصح، وقال ابن الطلاع في الأحكام: هو حديث ثابت ..... إلى أن قال: وأما كونه يجوز للحاكم أن يحجر المفلس عن التصرف في ماله؛ فلحجره ﷺ على معاذ كما تقدم، وكذا بيع الحاكم مال المفلس لقضاء دينه؛ كما فعله ﷺ في مال معاذ. انتهى. والصواب في حديث معاذ الإرسال كما قال عبد الحق فلا يثبت (٢). والله أعلم قال المؤلف ﵀: (ولا يُمكَّنُ اليَتيمُ منَ التَّصرُّفِ في مَالِهِ؛ حتى يُؤنَسَ مِنهُ الرُّشدُ) للآية المتقدمة التي ذكرناها في اليتيم، حتى نجد منه الرشد وهو العقل وحسن التصرف في المال، حتى نجد منهم الرشد مع البلوغ. قال المؤلف: (ويَجوزُ لِولِيِّهِ أن يَأكُلَ مِن مَالِهِ بِالمعرُوفِ) اليتيم من مات أبوه ولم يبلغ.

стр. 553

إذا بلغ لا يسمى يتيماً، إذا كان تحت سن البلوغ وفقد أباه يسمى يتيماً، وأما إذا فقد أمه فلا يسمى يتيماً. قال المؤلف: ويجوز لوليه أن يأكل من ماله بالمعروف اليتيم لا يستطيع أن يقوم على شأنه بنفسه، فالذي يقوم على أمره هو الذي يسمى ولي اليتيم، فهو الذي يتولى أمره وينفق على اليتيم من ماله إن كان له مال، ويحفظ له ماله. هذا الشخص إذا كان غنياً وجب عليه أن يستعفف عن مال اليتيم ولا يقربه، وإذا كان فقيراً جاز له أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف. لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء/٦] اختلف العلماء في تفسير كلمة المعروف، وأقرب الأقوال إلى ذلك أن يأكل من ماله ويشرب ويلبس بقدر دفع حاجته من سد الجوع وستر العورة. وبعض أهل العلم قال: -وهو قول أيضاً قريب من الصواب-قال: يأخذ بقدر أجرة مثله في عمله، مقابل ما قام على مال اليتيم وحفظه له، وربما يكون قد تاجر له فيه، قالوا: يأخذ بقدر أجرة مثله.

стр. 554

كتابُ اللُّقطةِ اللقطة: هي المال الضائع من ربه يلتقطه غيرُه. المال الضائع من ربه: يعني من صاحب المال. يلتقطه غيره: شخص آخر غير صاحب المال يجده، هذه تسمى لقطة. قال المؤلف: (مَن وجدَ لُقَطَةً فليَعْرِفْ عِفَاصَها وَوِكاءَها، فإن جَاءَ صاحبُها دَفعَها إليهِ؛ وإلَّا عَرَّفَ بها حَوْلاً، وبعدَ ذلك يَجوزُ له صَرفُها ولو في نَفسهِ، ويَضمنُ مع مَجِيءِ صَاحِبِهَا) هذا حكم اللقطة إذا لم تكن تافهة حقيرة بيَّنه النبي ﷺ ، أصل باب اللقطة حديث زيد بن خالد في الصحيحين، قال: إنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ - أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ - ثُمَّ قَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا، وَسِقَاؤُهَا، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» (١). استنفق بها أي تملكها ثم أنفقها على نفسك. وكاؤها هو الخيط الذي يُربط به الوعاء ويُشدّ؛ كالأوعية التي كانت تكون مصنوعة من الجلد مثلاً تديرها على بعضها هكذا ويصبح لها فم، فتربط هذا الفم بخيط، هذا الخيط يسمى وكاءً. الوعاء: الظرف الذي توضع فيه. العفاص: الوعاء الذي تكون فيه النفقة، نفس الوعاء يسمى عفاصاً.

стр. 555

والمقصود أن تعرف أوصافها التي تتميز بها، فإن جاء صاحبها ووصفها فهي له وجب دفعها إليه. ويعرِّفها سنة كما في حديث زيد بن خالد قال: ثم عرِّفها سنة. وتعريفها يكون في مجامع الناس أي أماكن اجتماعهم كالأسواق وأمام المساجد، تعرَّف لمدة سنة، كل شهر ثلاث أربع مرات مثلاً تضع منشورات أو تنادي أنت بنفسك، تقول: من ضاعت منه محفظة فيها كذا وكذا، طبعاً لا تذكر الأوصاف حتى يذكرها الذي يأتي ويدعي أنها له. فتذكر مثلاً: من ضيع محفظة أو من أضاع قدراً من المال أو ما شابه وتنشر ذلك بين الناس مرتين ثلاث في كل شهر أربع، حسب ما تستطيع إلى مدة سنة كاملة، وبعد السنة قال المؤلف: وبعد ذلك يجوز له صرفها ولو في نفسه. إذا لم يأتِ صاحبها يجوز له أن يستعملها أو أن يتصدق بها الأمر إليه يتصرف فيها كما يشاء؛ لقول النبي ﷺ «ثم استنفق بها»، وفي رواية في الصحيح: «ثم استمتع بها» فله أن يستعملها وينتفع بها. وقول المؤلف: ويضمن مع مجيء صاحبها أي في أي وقت جاء صاحبها ضمِن الشخص الذي استعملها، لرواية عند مسلم في نفس حديث زيد بن خالد، قال: «فإن جاء صاحبها طالباً يوماً من الدهر فأدها إليه» يوماً من الدهر يعني في أي يوم جاء صاحبها يطالب بها وجب عليه أن يؤديها إليه أو يعوضه بدلها. قال المؤلف: (ولُقطةُ مكةَ أشدَّ تَعرِيفاً مِن غَيرِهَا) بل لا تحل اللقطة التي وجدت في مكة إلا لمعرِّف، فواجب تعريفها أبداً دائماً، أما الاستعمال والتملُّك فلا؛ لقول النبي ﷺ في مكة: «لا تُلتقَط لُقطتُها إلا لمُعرِّف» (١) متفق عليه. قال النووي ﵀: ومعنى الحديث: لا تحل لقطتها لمن يريد أن يعرفها سنة ثم يتملكها كما في باقي البلاد؛ بل لا تحل إلا لمن يعرفها أبداً ولا يتملكها، وبهذا قال الشافعي وعبد الرحمن بن مهدي وأبو عبيد وغيرهم، وقال مالك: يجوز تملكها بعد تعرفها سنة كما في سائر البلاد، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، ويتأولون الحديث تأويلات ضعيفة. انتهى.

стр. 556

قال المؤلف ﵀: ولا بَأسَ بَأن يَنتفعَ المُلتقِطُ بالشيءِ الحَقيرِ؛ كالعَصا والسَّوطِ ونَحوِهما بعدَ التَّعريفِ بهِ ثَلاثاً) يعني يجوز الانتفاع بالشيء الحقير التافه الذي لا قدر له في عرف الناس، من غير تعريفٍ به على الصحيح خلافاً للمؤلف الذي قال بالتعريف لمدة ثلاثة أيام؛ لحديث أنس في الصحيحين أن النبي ﷺ مر بتمرة في الطريق فقال: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها» (١) ليس في الحديث ذكرٌ للتعريف مطلقاً. وما احتج به المؤلف على التعريف ثلاثاً ضعيف لا يصح، وهو حديث: «مَنْ التقط لقطة يسيرة حبلاً أو درهماً أو شبه ذلك؛ فليعرِّفها ثلاثة أيام فإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام» (٢) وهو حديث كما ذكرنا لا يصح، وكذلك جاء في حديث أبي سعيد: أن النبي ﷺ أمر علياً أن يعرِّف ديناراً وجده في السوق ثلاثة أيام (٣). وهو كذلك ضعيف لا يعتمد عليه. وما في الصحيحين أولى بالاعتماد عليه وجعله أصلاً لهذا الباب. والضابط في معرفة الحقير من غيره: العرف، العرف بين الناس اليوم: الدينار والديناران والثلاثة والخمسة دنانير أشياء حقيرة لا قيمة لها، ويختلف باختلاف البلدان والأزمان. قال المؤلف ﵀: وتُلتقطُ ضَالةُ الدَّوابِّ إلَّا الإبلِ) في آخر حديث زيد بن خالد المتقدم في الصحيحين، فقال الرجل: يا رسول الله: فضالة الغنم؟ قال: «خُذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب» قال: يا رسول الله: فضالة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمر وجهه ثم قال: «ما لك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربها» فبيَّن النبي ﷺ في هذا الحديث أن ضالة الغنم وهي الضأن أو المعز إذا ضلت

стр. 557

ووجدها شخص له أن يأخذها فإما أن تأخذها أنت أو يأخذها أخوك الآخر أو أن تكون من نصيب الذئب. أما ضالة الإبل فلا يجوز أخذها؛ لأن ضالة الإبل معها طعامها وشرابها ترعى وتأكل من هنا وهناك وتبقى إلى أن يجدها صاحبها، لا تضيع لا يمكن للذئب أن يأكلها ولا تضيع، فترجع إلى صاحبها أو صاحبها يجدها فلا يجوز أخذها. ويجب أن يعرف ضالة الغنم قبل أخذها؛ لقول النبي ﷺ : «من آوى ضالة فهو ضالٌّ ما لم يعرِّفها» (١) وهذا أخرجه مسلم. وهل يجب عليه أن يعرِّفها سنة؟ الصحيح لا. بعض العلماء قال: نعم، قياساً على اللقطة، هذه الضالة ليست لقطة، لكن قاسوها على اللقطة. ويوجد فرق بين اللقطة وضالة الغنم؛ فهذه تحتاج إلى نفقة وإلى رعاية بخلاف تلك. الضالة تطلق على الحيوان، الإنسان والدواب وما شابه، فيقال فيهم: ضالة. وأما اللقطة فتطلق على ما سوى ذلك. والتعريف يكون بأن يذكرها في الموضع الذي وجدها فيه، في أماكن اجتماع الناس؛ كالأسواق وأمام المساجد.

стр. 558

كتابُ القَضاءِ القضاء لغة: الحكم. وفي الاصطلاح: الحكم بين الناس بما أنزل الله. قال ابن قدامة في المغني: الأصل في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب؛ فقول الله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ [ص: ٢٦]. وقول الله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩]. وقوله: ﴿وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم﴾ [النور: ٤٨]. وقوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ [النساء: ٦٥].

стр. 559

وأما السنة؛ فما روى عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» (١) متفق عليه. في آي وأخبار سوى ذلك كثيرة. وأجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء، والحكم بين الناس. انتهى. قال المؤلف ﵀: (إنِّما يَصحُّ قَضاءُ مَن كانَ مُجتهِداً مُتورِّعاً عن أَموالِ النَّاسِ، عَدلاً في القَضِيَّةِ، حَاكِماً بالسَّويَّةِ) هذه الصفات التي يجب أن تتوفر في القاضي الذي يحكم بين الناس. يجب أن يكون القاضي مسلماً فلا يجوز أن يكون كافراً؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء/١٤١]. ويجب أن يكون مكلفاً عدلاً، وهو المسلم البالغ العاقل الخالي من أسباب الفسق. وسيأتي إن شاء الله في (الشاهد) تفسير هذه المعاني وقد تقدمت في دروس سابقة. يجب أن يكون عدلاً؛ لأن غير العدل لا يؤتمن على أنفس الناس وأموالهم وأعراضهم أن يحكم فيها بالعدل. ويجب أن يكون أيضاً ذكراً؛ لقول النبي ﷺ : «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» (٢) الوِلاية؛ كالقضاء والإمارة ورئاسة البلديات وما شابه، هذه لا يجوز أن تتولاها امرأة؛ لأنها لا قدرة لها على إدارة هذه الأمور، وهي ليست كالرجل في قدرته على هذه الأشياء، هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، ويحاول البعض في هذه الأيام ممن تلوثت أفكارهم بأفكار الغرب، يحاولون إما لَيّ عنق هذا الحديث أو تضعيفه بأي طريقة من طرق التضعيف، المهم عندهم أن يتخلصوا منه، وطرق التخلص إما بالتضعيف أو بالتحريف، هذه الطرق المعهودة المعروفة عن أهل البدع من القديم وليس من اليوم. واليوم طبعاً كثر أهل البدع لضعف الوازع الديني وأصبحت الأهواء سائدة عند كثير من الناس لا يتورعون عن تحريف سنة النبي ﷺ بما يتماشى مع أهوائهم، فلما رأوا أن الغرب لهم الآن كلمة ويدعون إلى مثل هذه الأشياء من رئاسة المرأة وتحريرها وما شابه، أرادوا

стр. 560

أن يتماشوا مع الغرب في أفكارهم فحاولوا أن يتخلصوا من دلالة هذا الحديث، فلا يُنظر لأمثال هؤلاء ولا يُسمع لما يقولون فهم أذناب الغرب الأمر عندهم كما قال الأول: إذا قالتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا ... فإنّ القولَ ما قَالَتْ حَذَامِ حتى لو كان الأمر على حساب تكذيب الشرع. ويجب أن يكون القاضي مجتهداً؛ لأنه يجب عليه أن يحكم بالعدل، والعدل هو ما جاء في الكتاب والسنة، وهو ما أنزل الله على رسوله ﷺ وإذا لم يكن مجتهداً لن يتمكن من استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها من الكتاب والسنة كي يقضي بها؛ فلا بد أن يكون مجتهداً حتى يتمكن من استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها. وأيضاً يجب أن يكون القاضي حراً؛ لأن العبد مشغول بحقوق سيده فلا يصلح للقضاء. وقول المؤلف: متورعاً عن أموال الناس أي عفيف النفس، لا يطمع في أموال الناس فيقع في أخذ الرشوة منهم. والورع: ترك ما يضر في الآخرة. وما ذكره المؤلف هنا داخل في شرط العدالة. وقوله: عدلاً في القضية أي يكون عادلاً في الحكم بين الناس، القضية هي الحكومة. وقوله: حاكماً بالسوية أي يعدل بين الناس في الحكم، فلا يميل إلى بعضهم على حساب بعض. قال المؤلف ﵀: (ويَحرمُ عليهِ الحِرصُ على القَضاءِ وطلبُهُ) وذلك لقول النبي ﷺ : «يا عبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة، فإن أُعطيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها» (١) متفق عليه. هذا فيه نهي عن سؤال الإمارة، ويدخل فيه القضاء؛ لأنه نوع من الإمارة، ولكن إذا لم يوجد غيره أهلاً في القضاء فعندئذ يجوز له أن يطلبه، لماذا؟ لأنه واجب عليه في تلك الحالة، فالقضاء حكمه أنه واجب كفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا لم يكن هناك من هو أهل للقضاء بالعدد الذي يسقط به الواجب الكفائي؛ وجب وتعيَّن على من توفرت فيه شروط القضاء، وفي هذه الحالة وجب عليه أن يتقدم ليسد هذا الجانب.

стр. 561

قال النووي ﵀: وفي هذا الحديث فوائد: منها كراهة سؤال الولاية سواء ولاية الإمارة والقضاء والحسبة وغيرها، ومنها بيان أن من سأل الولاية لا يكون معه إعانة من الله تعالى ولا تكون فيه كفاية لذلك العمل فينبغي أن لا يولى ولهذا قال ﷺ لا نولي عملنا من طلبه أو حرص عليه. انتهى قال المؤلف ﵀: (ولا يَحلُّ للإمامِ تَولِيَةُ مَن كان كذلكَ) أي لا يحل للإمام أن يولي القضاء من كان حريصاً عليه أو طالباً له؛ لحديث أبي موسى في الصحيحين قال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللهُ ، وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ» (١). فقال: «إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ» هذا الشاهد من الحديث، والعمل هو الإمارة والقضاء وما شابه، قال أهل العلم: لأن الطالب لذلك يرغب ولا بد في المال أو الجاه أو الانتقام من عدو ونحو ذلك من الرغبات الدنيوية، فيقع في الظلم وينحرف عن الحق بطلبه للأمور الدنيوية ولا يخلص النية قال المؤلف ﵀: ومَن كان مُتأَهِّلاً للقضاءِ؛ فهو على خَطرٍ عَظيمٍ) يعني من كان أهلاً للقضاء تحققت فيه شروط القاضي وتولى القضاء؛ فهو على خطر عظيم؛ لقول النبي ﷺ : «من جُعل قاضياً بين الناس؛ فقد ذُبح بغير سكين» (٢) فالقضاء حِمل ثقيل إذا ظلم فيه هلك، لا ينجو منه إلا من نجاه الله ﵎ بالحكم بالعدل والبعد عن الهوى وبالزهد والورع. قال المؤلف ﵀: (ولَهُ مع الإصابةِ أَجرانِ، ومع الخَطإِ أَجرٌ إن لم يَأْلُ جُهْداً في البَّحثِ) وللقاضي مع الإصابة أجران، يعني إن أصاب الحق، إن أصاب حكم الله في المسألة فهو مأجور أجران: أجر على الاجتهاد، وأجر على الإصابة.

стр. 562

وإن اجتهد في المسألة ولم يصب فيها، أخطأ؛ فله أجر، مأجور أجراً واحداً، أجر الاجتهاد، هو لم يصب فلا يأخذ أجر الإصابة، ولكنه اجتهد لمعرفة الحق فيأخذ أجر الاجتهاد فقط. إن لم يَألُ جهداً في البحث: هذا شرط، لا يؤجر إلا إذا عمل واجتهد في البحث عن الحق ولم يقصر في البحث والتفتيش عن حكم المسألة وعما يرضي الله ﵎ فيها. لم يَأْلُ: أي لم يقصر. ومعنى لم يأل جهداً: بذل كل ما يقدر عليه للوصول إلى الحق ولم يقصر. دليله قول النبي ﷺ : «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ؛ فَلَهُ أَجْرٌ» (١). هذا الحديث إنما ينطبق على من كان أهلاً للاجتهاد، أما إذا اجتهد شخص وهو ليس أهلاً للاجتهاد؛ فهذا لا يؤجر ألبتة، سواء أصاب أم أخطأ؛ لأنه دخل في أمر لا يجوز له أن يدخله وقد جاء في الحديث أن القاضي الذي يحكم بجهلٍ أنه من أهل النار، قال النبي ﷺ : «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» (٢). قال المؤلف ﵀: (وتَحرمُ عَليهِ الرِّشْوَةُ) الرشوة يقال لها: الرِّشوة والرَّشوة والرُّشوة، الراء فيها مثلثة ومعنى تثليثها أنها تصح بالحركات الثلاثة: الضمة والفتحة والكسرة. وتعريف الرِّشوة: ما يُعطى لإِحقاقِ باطلٍ أو إبطالِ حقٍّ. وأما إعطاؤها لإحقاق حقِّ أو إبطال باطل لا يتحقق إلا بدفعها؛ فلا حرمة على الدافع. يعني دفع مال أو غيره لإبطال باطل، هو باطل يجب أن يُبطَل فدفْعُ المال في ذلك لا يعتبر رشوة، إذا كان هذا الباطل لا يُبطَل إلا بدفعها، وكذلك إحقاق الحق، الحق يجب أن يحصل ولكن إذا كان لا يتحقق إلا بالدفع فيُدفَع، وليس هذا من الرشوة في حق الدافع. ولا يجوز للآخذ - إذا كان قاضياً أو والياً أوعاملاً للسلطان- أن يأخذ، بل يجب عليه أن يعين صاحب الحق على حقه دون مقابل؛ لأنه واجب عليه وكذلك إبطال الباطل.

стр. 563

فهي في حق الآخذ رشوة؛ لأن الآخذ وجب عليه أن يُحق الحق ويُبطل الباطل من غير أن يأخذ شيئاً، فإذا أخذ شيئاً مقابله فقد أخذه بالباطل فيكون من السحت. قال المؤلف: تحرم الرشوة على القاضي، وذلك لأن النبي ﷺ لعن الراشي والمرتشي (١)، لعن الراشي الذي يدفع الرشوة، والمرتشي الذي يأخذها. أخرجه أبو داود في سننه. وقال ابن قدامة في المغني: فأما الرشوة في الحكم، ورشوة العامل؛ فحرام بلا خلاف. قال الله تعالى ﴿أكالون للسحت﴾ [المائدة: ٤٢] قال الحسن، وسعيد بن جبير، في تفسيره: هو الرشوة ... انتهى باختصار. العامل يعني به العامل للسلطان؛ كالذين يعملون في الدوائر الحكومية اليوم. قال المؤلف ﵀: (والهَديَّةُ التي أُهدِيَتْ إليهِ لأَجلِ كَونِهِ قَاضِياً) يعني تحرم على القاضي الرشوة، وتحرم عليه الهدية التي تهدى إليه لأنه قاضٍ، هذا لحديث أبي حُمَيْد الساعدي قال: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنَ الْأَسْدِ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا لِي، أُهْدِيَ لِي، قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: «مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ، أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ، حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ»، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ، هَلْ بَلَّغْتُ؟ » مَرَّتَيْنِ (٢). متفق عليه. هذا يدل على أن المرء إذا أُهديت له هدية وهو يعمل في عملٍ من عمل السلطان، ولم تُهدَ له هذه الهدية إلا لأنه يعمل في هذا العمل؛ فلا يجوز له أخذ تلك الهدية؛ لأنها في حقيقة الأمر رشوة وليست هدية. لكن إذا أَهدى له شخص قد اعتاد على أن يهدي له قبل أن يتولى هذا المنصب مثلاً وأراد أن يهديه هدية كالمعتاد، فيجوز لأن الهدية لأجله لا لأجل أنه قاضٍ مثلاً. قال أهل العلم: قد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن هَدَايَا الْعمَّال لَيست كالهدايا الْمُبَاحَة، لِأَن الْعَامِل إِنَّمَا يهدى لَهُ مُحَابَاة ليفعل فِي حق الْمهْدي مَا لَيْسَ لَهُ أَن يفعل، وَتلك خِيَانَة مِنْهُ. انتهى

стр. 564

قال المؤلف ﵀: (ولا يَجوزُ له الحُكمُ حالَ الغَضَبِ) هذا لحديث أبي بكرة في الصحيحين، قال رسول الله ﷺ : «لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (١) لأن الغضب يشوش الفكر، فلا يمَكِّن من الحكم بالحق، ويُلحَق به كل ما يشوِّش الفكر؛ كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس، فلا يجوز للقاضي أن يقضي وفكره مشوش. قال المؤلف ﵀: وعليهِ التَّسويةُ بينَ الخَصمينِ؛ إلَّا إذا كان أحدُهُما كَافِراً) يعني يسوي بينهما في المجلس وغيره، فيجلسان عنده بنفس المستوى؛ لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَكَمِ (٢). أخرجه أحمد وأبو داود، ولا يصح. ولا يصح في هذه المسألة حديث كلها ضعيفة، لكن قال ابن رشد: أجمعوا على أنَّه يجب عليه أنْ يسويَ بين الخصمين في المجلس. قال ابن القيم: نهى عن رفع أحد الخصمين عن الآخر، وعن الإقبال عليه، والقيام له دون خصمه؛ لئلا يكون ذريعةً إلى انكسار قلب الآخر، وضعفه عن القيام بحجته. واستثنى المؤلف الكافر لحديث: «لا تساووهم في المجلس» (٣) وهو حديث منكر لا يُحتج به فليس بصحيح، والراجح التسوية في المجلس وغيره مما يصلح في حق الكافر بين الجميع عند الخصومة. والله أعلم قال المؤلف): والسَّماعُ منهما قبلَ القَضاءِ) لحديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يا علي: إذا جلس إليك الخصمان فلا تقضي بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول؛ فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء» (٤) أخرجه أحمد وأبو داود ولكنه حديث ضعيف. قال أهل العلم: وفيه دليل على أنه يحرم على الحاكم أن يحكم قبل سماع حجة كل واحد من

стр. 565

الخصمين، واستفصال ما لديه، وإحاطته بجميعه؛ لجواز أن يكون مع خصمه حجة يدفع بها البينة، فإن قضى قبل السماع من أحد الخصمين كان حكمه باطلاً، فلا يلزم قبوله بل يتوجه عليه نقضه، ويعيده على وجه الصحة، أو يعيده حاكم آخر. انتهى هذا هو الصحيح للمعنى الذي ذكروه. وهنا تأتي مسألة القضاء على شخص غائب، أي الحكم على شخص غائب إذا ادعى عليه أحد دعوى هل يُحكم عليه وهو غائب أم لا؟ مسألة فيها خلاف بين العلماء، والذين أجازوا ذلك استدلوا بقصة هند بنت عتبة عندما قالت للنبي ﷺ : يا رسول الله: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال لها النبي ﷺ : «خذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف» (١) هذا الحديث يستدل به العلماء على جواز القضاء على الشخص الغائب إذا تبين للحاكم أن المدعي محق في دعواه. قال النووي ﵀: واستدل به جماعات من أصحابنا وغيرهم على جواز القضاء على الغائب، وفي المسألة خلاف للعلماء؛ قال أبو حنيفة وسائر الكوفيين: لا يقضى عليه بشيء، وقال الشافعي والجمهور: يقضي عليه في حقوق الآدميين ولا يقضى في حدود الله تعالى، ولا يصح الاستدلال بهذا الحديث للمسألة؛ لأن هذه القضية كانت بمكة وكان أبو سفيان حاضراً بها وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائباً عن البلد أو مستتراً لا يقدر عليه أو متعذراً، ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجوداً فلا يكون قضاء على الغائب بل هو إفتاء كما سبق. والله أعلم انتهى والراجح قول الجمهور وهو جواز الحكم عليه؛ فالعبرة بالبينة فمتى وجدت فهي حاكمة في المسألة فإذا تعذر السماع منه فيكتفى بها، ولا يصح شيء يخالف ذلك، واستدل بعض أهل العلم على جواز ذلك بقصة العرنيين. والله أعلم قال المؤلف: (وتَسهيلُ الحِجابِ بحَسبِ الإمكَانِ) يجب على القاضي تسهيل دخول الناس عليه، الحجاب مثل الباب الذي يغلقه على نفسه حتى لا يتمكن أحد من الدخول عليه أو الحارس وما شابه. بحسب الإمكان يسهل دخول الناس عليه والوصول إليه على قدر استطاعته من غير أن يشق على نفسه فعنده أعمال كثيرة تخصه، فلا يضع صعوبات وعراقيل على الناس تمنع
следующие страницы →