← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قال النووي ﵀: وفي هذا الحديث فوائد: منها كراهة سؤال الولاية سواء ولاية الإمارة والقضاء والحسبة وغيرها، ومنها بيان أن من سأل الولاية لا يكون معه إعانة من الله تعالى ولا تكون فيه كفاية لذلك العمل فينبغي أن لا يولى ولهذا قال ﷺ لا نولي عملنا من طلبه أو حرص عليه. انتهى قال المؤلف ﵀: (ولا يَحلُّ للإمامِ تَولِيَةُ مَن كان كذلكَ) أي لا يحل للإمام أن يولي القضاء من كان حريصاً عليه أو طالباً له؛ لحديث أبي موسى في الصحيحين قال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللهُ ، وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ» (١). فقال: «إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ» هذا الشاهد من الحديث، والعمل هو الإمارة والقضاء وما شابه، قال أهل العلم: لأن الطالب لذلك يرغب ولا بد في المال أو الجاه أو الانتقام من عدو ونحو ذلك من الرغبات الدنيوية، فيقع في الظلم وينحرف عن الحق بطلبه للأمور الدنيوية ولا يخلص النية قال المؤلف ﵀: ومَن كان مُتأَهِّلاً للقضاءِ؛ فهو على خَطرٍ عَظيمٍ) يعني من كان أهلاً للقضاء تحققت فيه شروط القاضي وتولى القضاء؛ فهو على خطر عظيم؛ لقول النبي ﷺ : «من جُعل قاضياً بين الناس؛ فقد ذُبح بغير سكين» (٢) فالقضاء حِمل ثقيل إذا ظلم فيه هلك، لا ينجو منه إلا من نجاه الله ﵎ بالحكم بالعدل والبعد عن الهوى وبالزهد والورع. قال المؤلف ﵀: (ولَهُ مع الإصابةِ أَجرانِ، ومع الخَطإِ أَجرٌ إن لم يَأْلُ جُهْداً في البَّحثِ) وللقاضي مع الإصابة أجران، يعني إن أصاب الحق، إن أصاب حكم الله في المسألة فهو مأجور أجران: أجر على الاجتهاد، وأجر على الإصابة.

стр. 562

وإن اجتهد في المسألة ولم يصب فيها، أخطأ؛ فله أجر، مأجور أجراً واحداً، أجر الاجتهاد، هو لم يصب فلا يأخذ أجر الإصابة، ولكنه اجتهد لمعرفة الحق فيأخذ أجر الاجتهاد فقط. إن لم يَألُ جهداً في البحث: هذا شرط، لا يؤجر إلا إذا عمل واجتهد في البحث عن الحق ولم يقصر في البحث والتفتيش عن حكم المسألة وعما يرضي الله ﵎ فيها. لم يَأْلُ: أي لم يقصر. ومعنى لم يأل جهداً: بذل كل ما يقدر عليه للوصول إلى الحق ولم يقصر. دليله قول النبي ﷺ : «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ؛ فَلَهُ أَجْرٌ» (١). هذا الحديث إنما ينطبق على من كان أهلاً للاجتهاد، أما إذا اجتهد شخص وهو ليس أهلاً للاجتهاد؛ فهذا لا يؤجر ألبتة، سواء أصاب أم أخطأ؛ لأنه دخل في أمر لا يجوز له أن يدخله وقد جاء في الحديث أن القاضي الذي يحكم بجهلٍ أنه من أهل النار، قال النبي ﷺ : «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» (٢). قال المؤلف ﵀: (وتَحرمُ عَليهِ الرِّشْوَةُ) الرشوة يقال لها: الرِّشوة والرَّشوة والرُّشوة، الراء فيها مثلثة ومعنى تثليثها أنها تصح بالحركات الثلاثة: الضمة والفتحة والكسرة. وتعريف الرِّشوة: ما يُعطى لإِحقاقِ باطلٍ أو إبطالِ حقٍّ. وأما إعطاؤها لإحقاق حقِّ أو إبطال باطل لا يتحقق إلا بدفعها؛ فلا حرمة على الدافع. يعني دفع مال أو غيره لإبطال باطل، هو باطل يجب أن يُبطَل فدفْعُ المال في ذلك لا يعتبر رشوة، إذا كان هذا الباطل لا يُبطَل إلا بدفعها، وكذلك إحقاق الحق، الحق يجب أن يحصل ولكن إذا كان لا يتحقق إلا بالدفع فيُدفَع، وليس هذا من الرشوة في حق الدافع. ولا يجوز للآخذ - إذا كان قاضياً أو والياً أوعاملاً للسلطان- أن يأخذ، بل يجب عليه أن يعين صاحب الحق على حقه دون مقابل؛ لأنه واجب عليه وكذلك إبطال الباطل.

стр. 563

فهي في حق الآخذ رشوة؛ لأن الآخذ وجب عليه أن يُحق الحق ويُبطل الباطل من غير أن يأخذ شيئاً، فإذا أخذ شيئاً مقابله فقد أخذه بالباطل فيكون من السحت. قال المؤلف: تحرم الرشوة على القاضي، وذلك لأن النبي ﷺ لعن الراشي والمرتشي (١)، لعن الراشي الذي يدفع الرشوة، والمرتشي الذي يأخذها. أخرجه أبو داود في سننه. وقال ابن قدامة في المغني: فأما الرشوة في الحكم، ورشوة العامل؛ فحرام بلا خلاف. قال الله تعالى ﴿أكالون للسحت﴾ [المائدة: ٤٢] قال الحسن، وسعيد بن جبير، في تفسيره: هو الرشوة ... انتهى باختصار. العامل يعني به العامل للسلطان؛ كالذين يعملون في الدوائر الحكومية اليوم. قال المؤلف ﵀: (والهَديَّةُ التي أُهدِيَتْ إليهِ لأَجلِ كَونِهِ قَاضِياً) يعني تحرم على القاضي الرشوة، وتحرم عليه الهدية التي تهدى إليه لأنه قاضٍ، هذا لحديث أبي حُمَيْد الساعدي قال: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنَ الْأَسْدِ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا لِي، أُهْدِيَ لِي، قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: «مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ، أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ، حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ»، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ، هَلْ بَلَّغْتُ؟ » مَرَّتَيْنِ (٢). متفق عليه. هذا يدل على أن المرء إذا أُهديت له هدية وهو يعمل في عملٍ من عمل السلطان، ولم تُهدَ له هذه الهدية إلا لأنه يعمل في هذا العمل؛ فلا يجوز له أخذ تلك الهدية؛ لأنها في حقيقة الأمر رشوة وليست هدية. لكن إذا أَهدى له شخص قد اعتاد على أن يهدي له قبل أن يتولى هذا المنصب مثلاً وأراد أن يهديه هدية كالمعتاد، فيجوز لأن الهدية لأجله لا لأجل أنه قاضٍ مثلاً. قال أهل العلم: قد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن هَدَايَا الْعمَّال لَيست كالهدايا الْمُبَاحَة، لِأَن الْعَامِل إِنَّمَا يهدى لَهُ مُحَابَاة ليفعل فِي حق الْمهْدي مَا لَيْسَ لَهُ أَن يفعل، وَتلك خِيَانَة مِنْهُ. انتهى

стр. 564

قال المؤلف ﵀: (ولا يَجوزُ له الحُكمُ حالَ الغَضَبِ) هذا لحديث أبي بكرة في الصحيحين، قال رسول الله ﷺ : «لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (١) لأن الغضب يشوش الفكر، فلا يمَكِّن من الحكم بالحق، ويُلحَق به كل ما يشوِّش الفكر؛ كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس، فلا يجوز للقاضي أن يقضي وفكره مشوش. قال المؤلف ﵀: وعليهِ التَّسويةُ بينَ الخَصمينِ؛ إلَّا إذا كان أحدُهُما كَافِراً) يعني يسوي بينهما في المجلس وغيره، فيجلسان عنده بنفس المستوى؛ لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَكَمِ (٢). أخرجه أحمد وأبو داود، ولا يصح. ولا يصح في هذه المسألة حديث كلها ضعيفة، لكن قال ابن رشد: أجمعوا على أنَّه يجب عليه أنْ يسويَ بين الخصمين في المجلس. قال ابن القيم: نهى عن رفع أحد الخصمين عن الآخر، وعن الإقبال عليه، والقيام له دون خصمه؛ لئلا يكون ذريعةً إلى انكسار قلب الآخر، وضعفه عن القيام بحجته. واستثنى المؤلف الكافر لحديث: «لا تساووهم في المجلس» (٣) وهو حديث منكر لا يُحتج به فليس بصحيح، والراجح التسوية في المجلس وغيره مما يصلح في حق الكافر بين الجميع عند الخصومة. والله أعلم قال المؤلف): والسَّماعُ منهما قبلَ القَضاءِ) لحديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يا علي: إذا جلس إليك الخصمان فلا تقضي بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول؛ فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء» (٤) أخرجه أحمد وأبو داود ولكنه حديث ضعيف. قال أهل العلم: وفيه دليل على أنه يحرم على الحاكم أن يحكم قبل سماع حجة كل واحد من

стр. 565

الخصمين، واستفصال ما لديه، وإحاطته بجميعه؛ لجواز أن يكون مع خصمه حجة يدفع بها البينة، فإن قضى قبل السماع من أحد الخصمين كان حكمه باطلاً، فلا يلزم قبوله بل يتوجه عليه نقضه، ويعيده على وجه الصحة، أو يعيده حاكم آخر. انتهى هذا هو الصحيح للمعنى الذي ذكروه. وهنا تأتي مسألة القضاء على شخص غائب، أي الحكم على شخص غائب إذا ادعى عليه أحد دعوى هل يُحكم عليه وهو غائب أم لا؟ مسألة فيها خلاف بين العلماء، والذين أجازوا ذلك استدلوا بقصة هند بنت عتبة عندما قالت للنبي ﷺ : يا رسول الله: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال لها النبي ﷺ : «خذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف» (١) هذا الحديث يستدل به العلماء على جواز القضاء على الشخص الغائب إذا تبين للحاكم أن المدعي محق في دعواه. قال النووي ﵀: واستدل به جماعات من أصحابنا وغيرهم على جواز القضاء على الغائب، وفي المسألة خلاف للعلماء؛ قال أبو حنيفة وسائر الكوفيين: لا يقضى عليه بشيء، وقال الشافعي والجمهور: يقضي عليه في حقوق الآدميين ولا يقضى في حدود الله تعالى، ولا يصح الاستدلال بهذا الحديث للمسألة؛ لأن هذه القضية كانت بمكة وكان أبو سفيان حاضراً بها وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائباً عن البلد أو مستتراً لا يقدر عليه أو متعذراً، ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجوداً فلا يكون قضاء على الغائب بل هو إفتاء كما سبق. والله أعلم انتهى والراجح قول الجمهور وهو جواز الحكم عليه؛ فالعبرة بالبينة فمتى وجدت فهي حاكمة في المسألة فإذا تعذر السماع منه فيكتفى بها، ولا يصح شيء يخالف ذلك، واستدل بعض أهل العلم على جواز ذلك بقصة العرنيين. والله أعلم قال المؤلف: (وتَسهيلُ الحِجابِ بحَسبِ الإمكَانِ) يجب على القاضي تسهيل دخول الناس عليه، الحجاب مثل الباب الذي يغلقه على نفسه حتى لا يتمكن أحد من الدخول عليه أو الحارس وما شابه. بحسب الإمكان يسهل دخول الناس عليه والوصول إليه على قدر استطاعته من غير أن يشق على نفسه فعنده أعمال كثيرة تخصه، فلا يضع صعوبات وعراقيل على الناس تمنع

стр. 566

من الوصول إليه؛ كحال كثيرٍ من المسؤولين اليوم لكن على قدر استطاعته؛ لقوله ﷺ : «من تولى شيئاً من أمر المسلمين فاحتجب عن حاجتهم وفقرهم؛ احتجب الله عنه دون حاجته» (١) أخرجه أحمد وأبو داود. قال المؤلف ﵀: (ويَجوزُ لهُ اتَخاذُ الأعَوانِ مَع الحَاجةِ) ويجوز للقاضي أن يتخذ رجالاً يعينونه على عمله إذا احتاج لذلك يعنونه على تنفيذ الأحكام التي يقضي بها ويحضرون له الشهود والمدعى عليهم وما شابه؛ لما ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس أنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ كَانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ مِنَ الأَمِيرِ (٢). قال المؤلف ﵀: (والشَّفاعةُ، والاستِيضَاعُ، والإِرشَادُ إلى الصُّلحِ) ويجوز للحاكم أن يشفع يتوسط، الشفاعة: هي التي نسميها نحن الواسطة. والاستيضاع: أي أن يطلب من أحد الخصمين الوضع من حقه، فيقول له مثلاً: ضع من حقك النصف أو البعض يعني تنازل عنه، ويقول للآخر: ادفع مباشرة، كما فعل النبي ﷺ ، جاء في حديث كعب بن مالك في الصحيحين أن كعب بن مالك تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، فَقَالَ: «يَا كَعْبُ»، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، «فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ»، قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قُمْ فَاقْضِهِ» (٣). تقاضى ابن أبي حَدْرَدْ يعني حصل خصام بين كعب بن مالك وابن أبي حدرد، فكعب بن مالك كان يريد مالاً من ابن أبي حدرد فحصل نزاع بينهما في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما النبي ﷺ وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف عن حجرته فنادى: يا كعب! فقال: لبيك يا رسول الله، قال: ضع من دَيْنِك هذا وأومأ إليه أي الشطر، يعني خفِّض من دَيْنِك الذي تريده من ابن أبي حدرد وأشار إليه إلى النصف، يعني إذا كنت تريد منه مائة دينار فاجعلها خمسين ديناراً، فالاستيضاع جاءت من هنا من كلمة ضع يعني نزِّل نقِّص.

стр. 567

قال كعب: قد فعلت يا رسول الله. فقال النبي ﷺ لابن أبي حدرد: قم فاقضه النصف الآخر مباشرة. فهذا الحديث يقول أهل العلم: فيه دليل على الشفاعة وعلى الاستيضاع وعلى الإرشاد إلى الصلح، فالنبي ﷺ هنا قد أصلح بينهما، وتوسط لابن أبي حدرد أن يضع كعب بن مالك من حقه فحصلت الشفاعة وحصل الاستيضاع بأن قال له ضع، وحصل أيضاً الصلح بين الطرفين. قال المؤلف ﵀: (وحُكمُهُ يَنفُذُ ظَاهِراً فَقطْ، فمَنْ قُضِيَ لهُ بِشَيءٍ؛ فَلا يَحِلُّ لَهُ إِلَّا إذَا كَانَ الحُكمُ مُطابِقاً لِلوَاقعِ) حكم الحاكم ينفذ ظاهراً فقط، يعنى أن حكم الحاكم لا يُحلّ حَراماً ولا يُحرِّم حلالاً، فإذا كان المدعي يعلم من نفسه أنه كاذب في دعواه وحَكم له القاضي بأن يأخذ ما ادعاه؛ فلا يكون ذلك طريقاً إلى تحليل هذا الشيء له، فإذا ادعى أن له قطعة أرضٍ مثلاً وهو يعلم أنه كاذب وأن هذه القطعة من الأرض ليست له بل لغيره، وحكم القاضي بناءً على ما ظهر له أن قطعة الأرض له؛ فلا تصبح له بحكم الحاكم، بل هي محرَّمة عليه وليست له ويجب عليه ردها لصاحبها وإن حكم الحاكم له بذلك. هذا معنى كلام المؤلف ﵀ أن حُكم الحاكم لا يغيِّر من حقيقة الأمر شيئاً، الواقع هو الواقع إذا كانت لك فهي حلال عليك، وإذا لم تكن لك فهي حرام عليك وإن حكم الحاكم لك بذلك فلا تكون حلالاً عليك إلا إذا طابقت الواقع وكانت بالفعل هي لك. هذا لحديث أم سلمة في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» (١) متفق عليه. هذا الحديث واضح، أنا بشر: يعني أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب إلا ما أوحى الله له به من ذلك، فهو بشر ويقضي بين الناس بما يظهر له وعلى حسب الأدلة التي أمامه وكذلك يفعل القاضي، والناس تختصم إليه يأتون إليه بالمخاصمة وكلٌ يدَّعي الحق له، قال: ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض: لعل البعض، أنتم ترون بعض الناس عنده طلاقة لسان

стр. 568

يستطيع أن يتكلم وأن يلوِّن الكلام ويزوقه وينمقه حتى يقلب الحق باطلاً والباطل حقاً، هذه ليست ممدحة هذه مَذمَّة، بعض الجهلة يمدحون أنفسهم بذلك ويفتخرون به أمام الناس وهذا غلط، هذه مَذَمَّة وليست ممدحة، أن تقلب الحق باطلاً والباطل حقاً. وبعض الناس تجد معه الحق ولكنه لا يحسن الكلام فيُغلَب ويذهب عليه حقه لعدم قدرته على الكلام والبيان. فأقضي بنحو ما أسمع: على حسب ما ظهر لي وما اطلعت عليه من أدلة، هذا واجبه وما عليه إلا أن يحكم بظاهر الحال. قال: فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، هذا واضح، من حكمت له بشيء، جاء يتقاضى في قطعة أرض، في بيت، في غير ذلك، وحكمت له به وهو ليس له، هو من حق أخيه فلا يأخذه. فإنما أقطع له قطعة من النار. هذا دليل واضح وصريح على أن حكم الحاكم لا يغيِّر حقيقة الأمر عند الله ، وحكى الشافعي الإجماع على أن حكم الحاكم لا يُحل الحرام، فمن حكم له الحاكم بأخذ شيء وهو يعلم أنه ليس له؛ فلا يحل له أخذه، ولا يحتج بحكم الحاكم فلا ينفعه عند الله.

стр. 569

كِتابُ الخُصُومُةِ الخصومة: المنازعة بين الناس. قال المؤلف ﵀: (على المُدَّعِي البَيِّنةُ، وعلى المُنكِرِ اليَمينُ) عمل القاضي في الخصومات، هذا الكتاب عقده المؤلف للخصومة كي يبيِّن كيفية عمل القاضي في الخصومات بين الناس. أول شيء يجب أن نعلمه هو: مَنْ هو المُدَّعِي، ومَنْ المُدَّعَى عليه، وما هي البيِّنة؟ هذه ثلاثة أمور مهمة جداً في هذا الباب. المدَّعِي: هو الذي يطالب بالحق، وإذا سكت عن المطالبة تُرِك. هناك تعريفات أخرى للعلماء لكن هذا أفضلها. والمُدعَى عليه: هو المطالَب بالحق، وإذا سكت لم يُترك. مثال: زيد وعمرو، زيد يطالب بحقٍ ما؛ كأن يكون عند عمرو مثلاً بيت، فيقول زيد: البيت لي، فيترافعان إلى القاضي. الذي يطالب بالحق زيد، إذا سَكَت عن المطالبة تُرك لا يلاحقه أحد، فهو المدَّعي. المدعى عليه هو عمرو الذي معه البيت، عمرو مطالَب بالبيت الذي معه، إذا سكت لا يُترك؛ لأنه يوجد مُطالِب يلاحقه وهو زيد، فلا يُترك إذا سكت، فهذا هو المدَّعى عليه. أما البينة فقال ابن القيم ﵀: -أنا ذكرت كلام ابن القيم عمداً هنا لأن المسألة فيها

стр. 570

نزاع، ونزاع يترتب عليه أحكام كثيرة- قال: البينة في كلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة: اسمٌ لكل ما يبيِّن الحق. انتهى محصورة أم غير محصورة؟ غير محصورة. عند الفقهاء محصورة بشاهدين أو شاهد ويمين، لكن في كلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة هي غير محصورة، كل ما يبيِّن الحق فهي بينة. هناك فرق واضح وكبير، وبسبب هذا الفرق وبسبب حمل الفقهاء المعنى الاصطلاحي عندهم على كلام الله وكلام رسوله حصل خلل كبير جداً في الأحكام. لا بأس بالاصطلاح، الاصطلاحات لا مشاحة فيها كما يقول أهل العلم، لكن الحذر من الاصطلاح عندما تنزله على كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، قد حصل زلل كبير وخطأ عظيم من الفقهاء المتأخرين عندما صاروا يحملون كلام الله وكلام رسوله ﷺ على المعاني الاصطلاحية، فيفهمون كلام الله وكلام رسوله ﷺ بناء على ما وضعوه هم من اصطلاحات، هذا زلل كبير، لا بد أن يفرق المرء بين المعنى الاصطلاحي والمعنى الشرعي، يفرِّق بين الأمرين ولا يفهم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ على معاني اصطلاحية اصطلح الفقهاء أو الأصوليون عليها. أول ما يفعل القاضي يُجلس الخصمين عنده ثم يطلب البينة من المدعي، يطلب البينة التي هي الدليل على دعواه، إذا أقام البينة انتهى الأمر صار الحق له، وإذا لم يقم البينة حُلَّف المدعَى عليه يميناً فإن حلف ثبتت براءته؛ لأن الأصل براءة الذمة، وإذا نكل عن الحلف-يعني امتنع عن الحلف- ثبت الحق للآخر. والذي قاله المؤلف وهو: على المدعِي البينة وعلى المنكر اليمين، المنكر هو المدعَى عليه، دليله حديث الأشعث بن قيس قال: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ » فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَيَمِينُهُ»، قُلْتُ: إِذَنْ يَحْلِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ (١). متفق عليه.

стр. 571

وفي مسلم من حديث وائل بن حُجر قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لِأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ » قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَكَ يَمِينُهُ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: «لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ»، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمَّا أَدْبَرَ: «أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ» (١) اختصم حضرمي وكِندي-رجل من كِندة قبيلة من قبائل العرب إلى النبي ﷺ في أرضٍ، قال الحضرمي وهو المدعِي: يا رسول الله هذا غلبني على أرضي يعني تسلط على أرضي وأخذها مني كانت لأبي، فقال الكندي منكراً وهو المدعى عليه: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق. هذا يدعي وذاك ينكر، فقال رسول الله ﷺ للحضرمي- المدعِي-: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه، ما لك إلا أن يحلف اليمين يعني الكندي وهو المدعَى عليه. وفي حديث ابن عباس في الصحيحين قال: قال رسول الله ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (٢) لو يعطى الناس بدعواهم يعني بمجرد أن يدعي الشخص يعطى من غير دليل لادعى ناسٌ دماء رجالٍ وأموالهم فالكذَبة كُثُر؛ لذلك لا يجوز أن يعطى أحد شيئاً يدعيه لمجرد دعواه بل لابد من الدليل. ونقل ابن المنذر الإجماع (٣) على ما ذكره المؤلف ﵀ فلا خلاف في هذه المسألة. قال النووي ﵀: وهذا الحديث قاعدة كبيرة من قواعد أحكام الشرع؛ ففيه أنه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه، بل يحتاج إلى بينة أو تصديق المدعَى عليه، فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك، وقد بين ﷺ الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه؛ لأنه لو كان أعطي بمجردها لادعى قوم دماء قوم وأموالهم واستبيح، ولا يمكن المدعى عليه أن يصون ماله ودمه، وأما المدعِي فيمكنه صيانتهما بالبينة. انتهى

стр. 572

قال المؤلف ﵀: (ويَحكمُ الحاكمُ بالإِقرارِ) الإقرار: الاعتراف، الاعتراف من قِبَل المُدعى عليه، الاعتراف دليلٌ قوي معمول به وحجة ثابتة، أجمع العلماء على أن الإقرار يُحكم به (١). قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء/١٣٥] الشهادة على نفسه إقرار، وقال تعالى: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ [التوبة: ١٠٢]، وقال النبي ﷺ : «واغدُ يا أُنَيِّس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» (٢) إن اعترفت بالزنى فارجمها، هذا دليل على أن الاعتراف كافٍ في إقامة الحد. قال المؤلف ﵀: (وبشَهادِةِ رَجُلَينِ) هذه البينات التي يقضي بها القاضي عند المؤلف بعد الإقرار: شهادة رجلين. الشهادة مشتقة من المشاهدة، وهي: المعاينة؛ لأن الشاهد يخبر عما عاينه أي رآه. وهي في الاصطلاح: الإخبار بما عَلِمه. ودليل صحة القضاء بشهادة رجلين، قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق/٢] أي: رجلين عدلين. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة/٢٨٢] وتقدم في حديث الأشعث، قال له النبي ﷺ : «شاهداك أو يمينه» متفق عليه. وعرفنا معنى العدل فيما تقدم. قال المؤلف: (أو رَجُلٍ وَامرأَتينِ) ويحكم القاضي بشهادة رجل وامرأتين. قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة/٢٨٢]، الشاهد

стр. 573

قوله: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ أي اطلبوا الشهادة من رجلين، فإن لم يكونا رجلين فاطلبوها من رجلٍ وامرأتين. وأجمع العلماء على أن شهادة النساء في الدَّيْن والأموال جائزة (١)، وأجمعوا على أن شهادتهن في الحدود لا تقبل، غير جائزة (٢). فعند أهل العلم تفصيل: شهادة المرأة لا تقبل في كل شيء، أجمعوا على أن شهادتها في الدَّين والأموال مقبولة، وأجمعوا على أن شهادتها في الحدود غير مقبولة، واختلفوا فيما عدا ذلك. والراجح أنها مقبولة فيما عدا ما أجمعوا عليه وهو الحدود فقط، راجعوا ما قاله ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين. (٣) قال المؤلف ﵀: (أو رَجُلٍ ويَمينِ المُدَّعِي) أي يحكم الحاكم بشهادة شاهد واحد مع يمين المدعِي، إذا لم يجد المدعي سوى شاهد واحد، فيشهد معه الشاهد ويحلف هو اليمين، يكفي هذا في الحكم له؛ لحديث ابن عباس ﵁ عند مسلم قال: قضى رسول الله ﷺ بيمينٍ وشاهد. وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد الواحد. وإليه ذهب جمهور أهل العلم. هذان حديثان صحيحان واحد عند مسلم، والثاني صححه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان. وكما هي العادة في الغالب مخالفة السنن تكون من أصحاب الرأي، خالفوا في هذا، واستدلوا بمفهوم الآيات التي وردت من استشهاد رجلين أو رجل وامرأتين، قالوا: مفهومها أنه لا يصلح شاهد واحد. ولكن هذا المفهوم قد عارضه ما هو أقوى منه وهو منطوق هذه الأحاديث، والمفهوم أضعف من المنطوق. والله أعلم راجعوا لهذه المسألة كتاب ابن القيم الطرق الحكمية (ص ٦٠) قال المؤلف ﵀: (وبِيمينِ المُنكِرِ)

стр. 574

أي ويحكم الحاكم أو القاضي بيمين المنكر في حال عدم وجود البينة عند المدعي. إذا طولب المدعِي بالبينة فلم يتمكن منها، يطالَب المُدعَى عليه باليمين، فإذا حلف سقطت الدعوى وربحها المدعى عليه، لأن المدعي لا بينة عنده. وإذا نكل عن اليمين- يعني امتنع ولم يحلف- ربح الدعوى المدعي؛ لأنه لو كان المدعى عليه صاحب حق لما امتنع عن اليمين، فلذلك يُحكَم بالنكول على الصحيح من أقوال أهل العلم؛ لحديث وائل بن حُجر قال النبي ﷺ : «ألك بينة؟ » قال: لا. قال: «فلك يمينه» ثم قال: «ليس لك منه إلا ذلك» (١). قال المؤلف ﵀: (وبيمينِ الرَّدِّ) يعني إذا امتنع المدعى عليه من الحلف ولا توجد بينة مع المدعي؛ تُرَدُّ اليمين على المدعي ويحلف يميناً ويثبت له الحق بذلك. واختلف أهل العلم في هذا الرد، هل ترد اليمين على المدعي ويحلف أم لا ترد؟ الصحيح أنها لا تُرَد؛ لأنه لا يوجد دليل صحيح يدل على وجوب الرد. والذين قالوا بهذا المذهب اعتمدوا على أحاديث ضعيفة لا تصح أو على الرأي، قالوا: النكول دليل ضعيف فيتقوى برد اليمين على المدعي، لكن الصحيح كما ذكرنا أن النكول كافٍ إن شاء الله في الحكم. قال المؤلف ﵀: (وبِعلمِهِ) يعني يقضي القاضي بعلمه، الحاكم أو القاضي له أن يقضي بعلمه، إذا جاءه اثنان يختصمان في قطعة أرض، زيد يقول لي، وخصمه يقول لي، والحاكم يعلم أنها لزيد، هل له أن يحكم لزيد بها دون وجود بينة مع زيد ولا اعتراف الخصم؟ هنا محل الخلاف بين أهل العلم، فقال بعضهم: يحكم بمجرد علمه حتى وإن لم يُحضر المدعي البينات وهو يعلم أنها من حق المدعي حكم له بذلك.

стр. 575

هكذا قال البعض، وقال البعض: لا يحكم بعلمه. والذين قالوا: لا يَحكم بعلمه، قالوا: لأنه سيضع نفسه في محل تهمة، سيُتهم حيث إنه حكم من غير وجود دليل، يتهم بالرشوة أو غيرها. ثم استدلوا بالحديث المتقدم الذي قال فيه النبي ﷺ : «إنما أقضي بنحو ما أسمع» قالوا: فيقضي بما سمع لا بما علم. هذا دليلهم، ولهم غيره كعلمه بزنا المرأة ولم يقم الحد عليها. وأما دليل الطائفة الثانية التي قالت: يحكم بعلمه، فقالوا: إن الواجب عليه أن يحكم بالحق والعدل الذي يحبه الله ويرضاه وهو قد علمه، فوجب عليه أن يحكم به. واستدلوا أيضاً بحديث هند بنت عتبة التي قضى لها النبي ﷺ من غير أن يكون أبو سفيان حاضراً ومن غير أن يسمع منه، قالوا: ولكن النبي ﷺ كان يعلم صدقها لذلك حكم في مثل هذه المسألة فيكون النبي ﷺ هنا قد حكم بعلمه. وللعلماء أقوال أخرى فيه تفصيل، قال ابن هبيرة في اختلاف العلماء: واختلفوا في الحاكم هل يجوز له الحكم بعلمه؟ فقال مالك وأحمد في إحدى روايتيه: لا يجوز له ذلك في شيء أصلاً، لا فيما علمه قبل ولايته ولا بعدها لا في حقوق الله ولا في حقوق الآدميين، لا في مجلس الحكم ولا غيره. وعن أحمد رواية أخرى: له أن يحكم في الجميع على الإطلاق سواء علمه قبل ولايته أو بعدها. وقال عبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك: له أن يحكم بعلمه في مجلس حكمه في الأموال خاصة. وقال أبو حنيفة: يحكم بعلمه فيما علمه في حال قضائه؛ إلا في الحدود التي هي حقوق الله، فيحكم بعلمه في القذف إذا كان علمه في حال قضائه، فأما ما علمه قبل قضائه فلا يحكم به على الإطلاق. وللشافعي قولان: إحداهما كالرواية عن أحمد ومالك، والثاني: يحكم فيما علمه قبل ولايته وبعدها في علمه وغير علمه؛ إلا في الحدود فإنها على قولين.

стр. 576

قال المؤلف ﵀: (ولا تُقبل شَهادةُ مَنْ ليس بِعدلٍ) الشاهد يجب أن يكون عدلاً؛ لقول الله ﵎: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق/٢] وقوله: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ [البقرة/٢٨٢]، والعدل هو: المسلم البالغ العاقل الخالي من أسباب الفسق. هذه الأوصاف يجب أن تتوفر فيه، لا يكون الشخص عدلاً حتى تتوفر فيه هذه الشروط: الإسلام: فلا تُقبل شهادة الكافر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة/٢٨٢]، وقال: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق/٢]، والكافر ليس منا، ليس من رجالنا، ثم إنه يكذب على الله، الكافر يكذب على الله فلا يؤمن كذبه على الخلق، وهو أيضاً من ضمن الفسقة الذين قال الله ﵎ فيهم: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات/٦]، والكافر أفسق الفاسقين. هذا شرط الإسلام. أما شرط البلوغ فلقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة/٢٨٢]، وغير البالغ ليس منهم. وكذلك غير البالغ غير مكلف فهو لا يعي معنى العقاب والعذاب وعواقب الكذب وما شابه، بل ربما إذا علم أنه غير مكلف أن يتساهل في المخالفة. والعقل لا يصلح للشهادة إلا من كان عاقلاً، فالمجنون لا يصلح للشهادة. الخلو من أسباب الفسق: أسباب الفسق ارتكاب الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة، هذا سبب الفسق يسمى الشخص فاسقاً إذا ارتكب كبيرة ولم يتب منها، أو أصر على الصغيرة. الكبيرة: ما تُوُعِّد عليه بغضب أو لعنة أو رُتِّب عليه عقاب في الدنيا أو عذاب في الآخرة. والصغيرة ما سوى ذلك. قال المؤلف ﵀: (ولا الخَائنِ، ولا ذِي العَداوةِ، والمُتَّهمِ، والقَانعِ لأهلِ البيتِ، والقاذفِ، ولا بَدويٍّ على صَاحبِ قَريةٍ) كل هؤلاء لا تقبل شهادتهم أما الخائن فأمره واضح فهو ليس عدلاً ولا مؤتمن، فالخيانة من علامات المنافق كما أخبر النبي ﷺ (١). والخائن هو: الذي يؤتمن على الشيء فيأخذه. فلا يكون عليه أميناً.

стр. 577

قال أبو عبيد: لا نراه خَصَّ به الخِيانةَ في أَماناتِ النَّاس دُونَ ما افتَرضَ اللهُ تَعالَى على عبادِه وائْتَمَنهم عليه، فإنَّه قد سَمَّى ذلك أَمانةً فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ فمن ضَيَّع شيئًا مِمَّا أَمَر اللهُ تعالى به، أو رَكِب شيئًا مِمَّا نَهَى الله عنه؛ فليس ينبغي أن يَكُونَ عَدلًا؛ لأنه قد لَزِمَه اسمُ الخِيانة. وأما ذو العداوة فهو الذي بينه وبين المشهود عليه عداوة، فوجود هذه العداوة تجعل الشاهد محل تهمة. تُتْرَك شهادته حتى نأمن من تأثير العداوة على الشهادة على الآخر، فيشهد بالباطل لإلحاق الضرر به. والمتهم مَنْ يُظنُّ به أنه يشهد زوراً لمن يحابيه؛ لصحبة أو قرابة أو غير ذلك. والقانع لأهل البيت أي الذي ينفق عليه أهل البيت؛ كالخادم والتابع؛ فربما تدفعه نفقتهم عليه أن يحابيهم ويميل إليهم في الشهادة. دليله حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد وأبي داود قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غِمْر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت» (١). ولا ذي غِمْر على أخيه أي ولا ذي حقد على أخيه. والقاذف: كذلك القاذف لا تجوز شهادته، والقاذف هو الذي يرمي غيره بالزنى، وهذا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور/٤]، الشاهد قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾، يعني يرمون العفيفات الطاهرات يرمونهن بالزنى لا تقبلوا لهم شهادة أبداً. قال: والبدوي على صاحب قرية.

стр. 578

دليله حديث أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية» (١). أخرجه أبو داود وغيره. هذا الحديث فيه إشكال، إن صح فهو محمول عند أهل العلم على مَنْ لم تُعرَف عدالته من أهل البدو، أو من يجهل أحكام الشهادة. قالوا: والغالب أنهم لا تُعرف عدالتهم. قال الذهبي في تعليقه على المستدرك: وهو حديث منكرعلى نظافة سنده. قال المؤلف ﵀: (وتَجوزُ شَهادةُ مَن يَشهَدُ على تَقريرِ فِعلِهِ أو قَولِهِ إذا انتفَتِ التُّهمَةُ) يعني بذلك إذا ادعى شخصٌ أنه مثلاً رضع من فلانة، فيجوز لفلانة هذه أن تشهد أنها أرضعته، تشهد على حدوث فعلها وتأكيده، تشهد وتقول: أنا أرضعت فلاناً، فتشهد بفعلٍ هي فعلته. أو أن يشهد الشخص بقولٍ هو قاله لمصلحة المشهود له أو ضده، المهم أن الشاهد يشهد بأمرٍ هو فعله أو قاله. هذا ما يريده المؤلف، يقول: يجوز هذا الأمر. ودليل ذلك حديث عقبة بن الحارث ﵁ عندما تزوج امرأة، قالت امرأة أخرى: إني أرضعت عقبة والتي تزوج، فسأل عقبةُ النبيَّ ﷺ ؟ فقال له ﷺ : «كيف وقد قيل؟ » (٢) يعني كيف ستتزوجها وقد قيل: إنك رضعت أنت وهي من امرأة واحدة؟ فهذه المرأة قد شهدت بفعل نفسها أنها هي التي أرضعته، وقُبلت شهادتها ففارقها عقبة، فارق زوجته التي كان قد تزوج. فهذه الشهادة مقبولة بشرط أن لا يُتهم الشاهد، الذي شهد بأنه قال أو فعل، لا يكون متهماً بأن يكون بينه وبين المشهود عليه عداوة أو له مصلحة. قال المؤلف ﵀: (وشَهادةُ الزُّورِ مِن أكبرِ الكَبائِرِ) شهادة الزور، هي: شهادة الكذب، يعني أن تخبر عند التحاكم أنك رأيت أو سمعت شيئاً

стр. 579

وأنت كاذب في ذلك، وهي من أكبر الكبائر؛ لأن النبي ﷺ سئل عن الكبائر فقال: «الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين» ثم قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور أو قال: شهادة الزور» (١) متفق عليه. فشهادة الزور أكبر الكبائر بنص حديث النبي ﷺ ، وهذا فيه تحذير من ارتكاب هذه الجريمة وهي شهادة الكذب. قال المؤلف ﵀: (وإذا تَعارضَ البَيِّنتانِ ولم يُوجد وَجهُ تَرجيحٍ؛ قُسِّمَ المُدَّعَى) إذا جاء الخصمان إلى القاضي، وأقام كل واحد منهما البينة على أن الشيء الذي تنازعا عليه له، فالأول أقام البينة على ذلك بإحضار شاهدين عدلين مثلاً، والثاني كذلك أقام البينة على ذلك مثله، ولا يوجد وجه ترجيح. بينتان قويتان بنفس القوة، ليس عند القاضي مرجِّح يقوي به أحد القولين، ماذا يفعل في هذه الحالة؟ قال المؤلف: قُسِّم المُدَّعَى، ما هو المدعى؟ إذا ادعى مثلاً أحد الخصمين على الآخر أن الأرض له، أوالبيت، أو أن السيارة له، فالأرض أو البيت أو السيارة هي المُدّعَى، فالمدعى هو الشيء الذي يدعيه كل واحد من الطرفين؛ كقطعة الأرض أو السيارة وما شابه. فإذا تساوت البينات بين الخصمين يقسم المدعى، يعني قطعة الأرض إذا تنازعا على قطعة أرض تقسم قطعة الأرض بينهما. هذا معنى كلام المؤلف. استدل المؤلف بالحديث الذي أخرجه أبو داود: أن رجلين ادعيا بعيراً على عهد رسول الله ﷺ ، فبعث كل واحدٍ منهما بشاهدين؛ فقسمه النبي ﷺ بينهما نصفين (٢). فالمدعي عنده بينة والمدعى عليه عنده بينة، فهذا جاء بشاهدين وهذا جاء بشاهدين، ولا يوجد ما يدل على أن الحق مع أحدهما؛ لذلك قسمه بينهما. هذا حديث أبي موسى وهو حديث معلولٌ عند أهل الحديث كما قال البيهقي ﵀، فلا يحتج به حديث ضعيف. قال البيهقي عند ذكر هذه المسألة: قال الشافعي ﵀: فيها قولان: أحدهما: يقرع بينهما

стр. 580

, فأيهما خرج سهمه حلف: لقد شهد شهوده بحق, ثم يقضي له بها. قال: وكان سعيد بن المسيب يقول بالقرعة , ويرويه عن النبي ﷺ , والكوفيون يروونها عن علي بن أبي طالب ﵁ ..... والقول الآخر: أنه يقضي بينهما نصفين (١)؛ لأن حجة كل واحد منهما فيها سواء. انتهى ما نقله البيهقي. وأنا أقول بهذا الثاني؛ لأنه لا يصح عن النبي ﷺ شيء، وصح عن أبي الدرداء القول بالثاني. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (وإِذا لَم يَكُنْ للمُدَعِّي بَيِّنةٌ؛ فليسَ لهُ إلَّا يَمينُ صَاحِبهِ، ولوكَانَ فَاجِراً) هذه المسألة تقدمت، ودليلها حديث وائل بن حجر المتقدم، قال النبي ﷺ : «ألك بينة؟ » قال: لا، قال: «فلك يمينه» إذا لم تكن لك بينة على ما تدَّعي فليس لك إلا يمين من تدَّعي عليه، فيحلف يميناً ويأخذ الحق. قال: إنه فاجر لا يبالي على ما حلف عليه. قال له النبي ﷺ : «ليس لك منه إلا ذلك» انتهى الأمر، إذا لم تأت ببينة فليس لك حق إذا حلف هو يمين، حتى لو كان فاجراً. الحديث أخرجه مسلم في صحيحه. قال المؤلف ﵀: (ولا تُقبَلُ البَيِّنةُ بعدَ اليَمينِ) إذا جاء الخصمان إلى القاضي، وقال زيد أحد الخصمين: قطعة الأرض التي مع عمرو لي، فطولب زيد بالدليل من القاضي، بيِّنة، البيِّنة على المدعي، فما استطاع أن يأتي بها، حُلِّف عمرو فحلف أن الأرض له، ثم بعد ذلك تمكن زيد من الإتيان بالبينة، يقول المؤلف: لا تُقبل البينة بعد اليمين. بما أن المدعى عليه حلف اليمين، فلا نقبل البينة بعدها نقبلها قبل أن يحلف فقط.

стр. 581

هذا قول المؤلف ﵀، والصحيح أن البينة تُقبل متى جاء بها صاحبها؛ فالمراد إظهار الحق وإيصال الحقوق إلى أصحابها، ويحصل ذلك بالبينات فهي أقوى من اليمين. ولا يوجد دليل صحيح يدل على ما ذكره المؤلف ﵀ من رد البينة بعد اليمين. والله أعلم قال ابن حزم: وقد اختلف الناس في هذا فروينا من طريق وكيع نا سفيان الثوري عن هشام بن حسان عن ابن سيرين قال: كان شريح يستحلف الرجل مع بينته، ويقبل البينة بعد اليمين، ويقول: البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة. وبالحكم على الحالف إذا أقام الطالب بينة بعد يمين المطلوب يقول سفيان الثوري، والليث بن سعد. وبه يقول أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق ... انتهى ثم ذكر أقوال أهل العلم الأخرى. قال المؤلف ﵀: (ومَنْ أَقرَّ بِشيءٍ عَاقِلاً بَالِغاً غَيرَ هَازلٍ ولا بِمُحالٍ عَقلاً أو عَادةً؛ لَزِمَهُ ما أقرَّ بهِ؛ كَائِناً ما كَانَ، ويَكفِي مَرّةً واحدة؛ مِن غَيرِ فرقٍ بَينَ مُوجِباتِ الحُدُودِ وَغِيرِهَا كمَا سَيأتِي) تقدم معنا أن الإجماع منعقد على الحكم بالإقرار، بمجرد أن يقر الشخص بالحق الذي عليه يحكم القاضي بالإقرار الذي حصل، فإذا اعترف الشخص بما ادُّعي عليه لزمه الحق، وشرط ذلك أن يكون المعترف عاقلاً بالغاً يفهم ما يقوله وما يقر به على نفسه؛ لأن المجنون والصبي ليسا مكلفين، فلا حكم لإقرارهما. ويكون جادّاً يعني غير هازل، ليس لاعباً، لا يمزح ويلعب، يكون جاداً في اعترافه، فالهزل ليس اعترافاً حقيقة. ويعترف بشيء يصدَّق عادة وعقلاً، لا يعترف بشيء مستحيل، مستحيل عليه أن يفعله أو أن يقوله مثلاً؛ لأن هذا كذب ظاهر، يعترف بشيء يكون معقولاً وفي العادة يقع. ويكفي أن يعترف مرة واحدة لا يطالَب بالاعتراف بأكثر من مرة سواء كان هذا في الحدود أم في غيره. هذا معنى ما ذكره المؤلف، ودليل الحكم بالاعتراف تقدم وهو حديث: «واغدُ يا أنيس إلى

стр. 582

امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها»، قال له: إن اعترفت فارجمها، والاعتراف يحصل بمرة واحدة، فلم يقل له إن اعترفت أكثر من مرة. كِتابُ الحُدُودِ الحدود جمع حَدّ، والحد لغة هو: المنع. واصطلاحاً: عقوبة مقدَّرة شرعاً؛ كحد الزاني المحصن؛ الرجم، هذه عقوبة ثبتت بالشرع. بَابُ حَدِّ الزَّانِي أول الحدود التي بدأ بها المؤلف ﵀: حد الزنا

стр. 583

الزاني هو فاعل الزنا، والزنا الذي يوجب الحد هو: تَغييب الحَشَفَةِ- هي رأس الذكر- في فرجٍ محرَّمٍ، مشتهىً بالطبع، من غير شبهة نكاح. تغييب الحَشفةِ في فرجٍ محرَّمٍ: أخرج تغييب رأس الذكر في فرجٍ حلال؛ كالزوجة والأمة، فهذا لا يعد من الزنا. مشتهىً بالطبع: أي يدخل الرجل رأس ذكره في فرج يشتهيه الرجل بطبيعته التي خلقه الله عليها؛ كقبل المرأة مثلاً، أخرج بذلك فروج الحيوانات. من غير شبهة نكاح: يعني عندما جامع المرأة لم يكن يظن أنها زوجته؛ كمن يتزوج أخته من الرضاع وهو لا يدري، أو يجامع امرأة نكحها بغير ولي، وجود شبهة النكاح تنفي حد الزنا، فلا يقام على شخص حد الزنا. قال المؤلف ﵀: (إن كانَ بِكراً حُرّاً جُلِد مِائةَ جَلدةٍ، وَبعدَ الجَلدِ يُغرَّبُ عَامَاً، وإن كَانَ ثَيِّباً جُلدَ كما يُجلَدُ البِكرُ ثُمَّ يُرجَمُ حَتَّى يَمُوتُ) الزاني وهو الذي تقدم وصفه، إما أن يكون بِكراً أو ثيباً. البكر هو: الذي لم يتزوج، رجلاً كان أو امرأة، فيقال: رجل بكر وامرأة بكر. فالذي لم يتزوج يسمى بكراً. والثيب خلاف البكر، يعني مَنْ ليس بكراً فهو ثيب، وهو الذي تزوج، رجلاً كان أو امرأة. وحد الزاني البكر يختلف عن حد الزاني الثيب. يقول المؤلف: إذا كان الزاني بكراً أي غير متزوج، حُرّاً أي ليس عبداً مملوكاً؛ جُلد مائة جلدة. هذا حده في الشرع، أن يُجلد مائة جلدة، وبعد أن يُجلد يغرَّب عاماً. التغريب: أن يُبعد عن البلاد التي يعيش فيها. إذا كان مثلاً يعيش في عَمّان - عاصمة الأردن- نغرِّبه إلى العقبة مثلاً، لا يلزم أن يُخرج من كل الأردن، لا، لو أُبعد إلى العقبة - مدينة ساحلية جنوب الأردن- يكفي هذا يسمى تغريباً. هذا معنى التغريب، ومدته: سنة كاملة؛ لقول الله ﵎: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور/٢]. هذا دليل الجلد.

стр. 584

وأما دليل التغريب فثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ وغيره أن النبي ﷺ قال في رجلٍ زنى بامرأة رجلٍ آخر، وكان الزاني بِكراً والمرأة متزوجة، قال النبي ﷺ لوالد الزاني: «على ابنك جلد مائة وتغريب عامٍ، واغدُ يا أُنَيِّس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» متفق عليه. الشاهد: قال: على ابنك جلد مائة وتغريب عام، تغريب عام زيادة من السُّنة عن النبي ﷺ . وأخرج مسلم من حديث عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْمُ» (١). وأما إذا كان الزاني ثيباً-أي متزوجاً- وحراً ليس عبداً، جُلد كما يجلد البكر، أي مائة جلدة ثم بعد الجلد يُرجم، أي يضرب بالحجارة حتى يموت. هذا كلام المؤلف، قال: وإن كان ثيباً جُلد كما يُجلد البكر، يعني يُجلد مائة جلدة ثم يرجم حتى يموت، فيُجمع عليه الجلد والرجم. هذا ما ذكره المؤلف، والصحيح أنه يُرجم فقط ولا يُجلد؛ لأن النبي ﷺ رجم ولم يجلد مَنْ زنى وكان متزوجاً، والأحاديث في الصحيحين، أحاديث كثيرة في الصحيحين أن أناساً قد زنوا وهم متزوجون ورجمهم النبي ﷺ ولم يجلدهم، منها حديث ماعز والغامدية، فهذه أدلة تدل على أن الزاني الثيب لا يُجمع عليه الجلد والرجم، وإنما يُرجم فقط. وكذلك في الحديث المتقدم قال لأُنَيِّس: «واغدُ يا أُنيِّس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها»، لم يقل له: إن اعترفت فاجلدها وارجمها، قال له: إن اعترفت فارجمها. هذه الأحاديث واضحة الدلالة في أن الثيب لا يُجمع عليه الجلد والرجم. والحديث الذي يستدل به المؤلف هو حديث عبادة بن الصامت الذي تقدم، قال: «الثيب بالثيب جلد مائة والرجم» هذا الحديث الصحيح أنه منسوخ بالأحاديث السابقة، هذا الحديث في أول الإسلام، عند نزول حد الزنا، فأول ما شرع الحد شرع بهذا الحديث قال: «قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» فهذا كان متقدماً، ثم جاءت الأحاديث الأخرى التي فيها أن النبي ﷺ رجم ولم يجلد، فعندنا ناسخ

стр. 585

ومنسوخ هذا الحديث كان في البداية ثم الأحاديث التي بعده كانت متأخرة عنه فتعتبر ناسخة له. ورجم أبو بكر وعمر ﵄ ولم يجمعا بين الجلد والرجم. وكما قال السلف ﵃ قاعدة في ذلك أنك إذا أردت أن تعلم آخر الأمرين من أفعال النبي ﷺ وأقواله وتشريعاته فانظر إلى ما كان يفعل أبو بكر وعمر تعرف ما استقرت عليه الشريعة. قال المؤلف ﵀: ويَكفِي إِقرارُهُ مرّةً، وما وَردَ مِن التّكرَار في وَقائِعِ الأَعيانِ؛ فَلِقصدِ الاستِثباتِ) يكفي اعتراف الزاني بالزنا مرة واحدة ليقام عليه الحد، إذا أقر على نفسه أنه زنى مرة واحدة كفانا ذلك، وأقيم عليه الحد بهذا الإقرار، ولا يجب أن يكرر الاعتراف أكثر من مرة. وقال بعض أهل العلم: يجب أن يعترف أربع مرات حتى يقام عليه حد الزنا، لكنه قول ضعيف، استدلوا له بحديث ماعز أنه اعترف على نفسه أربع مرات عند النبي ﷺ بأنه زنى حتى أقام عليه الحد. لكن حديث إرسال أنيِّس لإقامة الحد يدل على أن الاعتراف يكون مرة واحدة وهو الحجة. يقول المؤلف ﵀: ويكفي إقراره مرة، وردّ على من استدل بمثل حديث ماعز بقوله: وما ورد من التكرار في وقائع الأعيان فلقصد الاستثبات، يعني نقول في حديث ماعز أن التكرار الذي حصل فيه فقط للتثبت، وليس شرطأً لإقامة الحد لحديث أنيس. وقائع الأعيان جمع واقعة عين. واقعة العين هي: الحادثة التي تقع لشخصٍ معيَّن، تسمى واقعة عين، فيقال مثلاً: واقعة عين لا عموم لها، أي أنها خاصة بالشخص بعينه، كما في حادثة خزيمة بن ثابت، هذه تسمى واقعة عين حدثت لشخص معين، جعل النبي ﷺ شهادته بشهادة رجلين. هذه واقعة عين لا عموم لها أي خاصة بخزيمة بن ثابت. هذا معنى واقعة العَيْن. قال المؤلف ﵀: (وأمّا الشهادةُ فلا بُدّ مِن أربعةٍ)

стр. 586

الإقرار يكفي مرة واحدة، ولكن الشهادة لا بد من أربعة شهود، أربعة شهود يشهدون على الشخص بأنه زنى حتى يثبت عليه حكم الزنا. قال الله ﵎ في كتابه الكريم: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء/١٥]، إذا ثبت عليهن الزنا وشهد عليهن أربعة شهود بأنهن قد زنين قال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء/١٥]، يحبسن في البيوت حتى يمتن أو يجعل الله لهن سبيلا. ثم جاء حديث عبادة بن الصامت المتقدم «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْمُ» شاهدنا من هذا قول الله ﵎: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ﴾ [النساء/١٥]، أربعة شهود منكم، فلا بد من أربعة شهود يشهدون على حادثة الزنا، كيف تكون شهادتهم؟ قال المؤلف ﵀: (ولا بدّ أن يَتضمَّنَ الإقرارُ والشَّهادةُ التَّصريحَ بِإيلاجِ الفَرجِ في الفَرجِ) الإقرار بالزنا أو الشهادة به؛ شهادة خطيرة يترتب عليها إقامة حد شديد رادع، ربما يكون فيه إزهاق نفس، ربما يكون فيه جلد وربما رجم حتى الموت، فالمسألة خطيرة تحتاج إلى تثبت وتصريح في الألفاظ، لا تنفع الكنايات والإشارات من بعيد لاحتمال الخطأ فيها. فعندما يقر الزاني على نفسه لا بد أن يقر بأنه قد زنى بإدخال فرجه في فرجها، في حديث ماعز النبي ﷺ قال له: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ» قَالَ: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَنِكْتَهَا». لاَ يَكْنِي، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ (١) فأقام عليه الحد، فما قبل إلا بالتصريح. وكذلك الشهادة، الشهود يشهدون بمثل هذا أنهم قد رأوا فرجه في فرجها، وإلا فلا تقبل، وهم لا يشهدون إلا إذا رأوا ذلك.

стр. 587

قال المؤلف ﵀: (ويَسقُطُ بِالشُّبُهَاتِ المُحتَمِلَةِ) يسقط الحد بوجود شبهة تمنع من إقامة الحد، فإذا وُجدت شبهة سقط الحد. هذا يستدلون له بحديث «ادرءوا الحدود بالشبهات» (١) أي ادفعوا الحد عن الشخص بوجود شبهة، وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه من حديث علي وهو ضعيف، ولا يصح في هذا الباب حديث. والمسألة عندنا مبنية على وجود الأدلة والبينات، فإذا وُجدت الأدلة والبينات أقمنا الحد عليه وإلا فلا، نعم إذا اشتبهت الأدلة أو اشتبه وجود مانع كإكراه أو جهل فيدرأ الحد عنه؛ فالخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، صح عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «ادْرَءُوا الْقَتْلَ وَالْجَلْدَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ». والله أعلم قال المؤلف ﵀: (وبالرُّجوعِ عن الإِقرارِ) هنا محل خلاف، إذا أقر الشخص على نفسه بأنه زنى مثلاً ثم رجع عن هذا الإقرار، فقال: لم أزن، هل هذا الرجوع يؤخذ به أم لا يؤخذ به؟ المؤلف يقول: وبالرجوع عن الإقرار، أي يسقط الحد بالرجوع عن الإقرار. يستدل المؤلف على ذلك بحديث ماعز أنه لما وجد مس الحجارة عندما كانوا يرجمونه صرخ فقال: يا قوم ردوني إلى رسول الله فإن قومي قتلوني، وغَرّوني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله ﷺ غير قاتل. فلما أخبروا النبي ﷺ بذلك قال: «فهلا تركتموه وجئتموني به؟ » (٢) من هنا أخذ المؤلف قوله. وهذه الرواية أخرجها أبو داود وهي ضعيفة، فالثقات الأثبات الذين رووا قصة ماعز لم يذكروا هذه الزيادة فيه، وإن صحت فظاهرها إرادة التثبت فقط، وإلا فمن أين لنا أن النبي ﷺ إذا جاءوه به كان سيسقط عنه الحد؟ ليس لنا أن ندَّعي هذا، فلو صحَّت هذه الرواية فليس فيها ما يدل على ما ذهب إليه المؤلف، مع أنها رواية ضعيفة. وفي نفس الحديث قال حسن بن محمد بن علي بن أبي طالب حدثني ذلك من قول رسول الله ﷺ : «فهلا تركتموه» من شئتم من رجال أسلم ممن لا أتهم، قال: ولم أعرف هذا الحديث،

стр. 588

قال: فجئت جابر بن عبد الله، فقلت: إن رجالا من أسلم يحدثون، أن رسول الله ﷺ قال لهم حين ذكروا له جزع ماعز من الحجارة حين أصابته: «ألا تركتموه»، وما أعرف الحديث، قال: يا ابن أخي، أنا أعلم الناس بهذا الحديث، كنت فيمن رجم الرجل، إنا لما خرجنا به فرجمناه، فوجد مس الحجارة صرخ بنا: يا قوم ردوني إلى رسول الله ﷺ ، فإن قومي قتلوني، وغروني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله ﷺ غير قاتلي، فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسول الله ﷺ ، وأخبرناه قال: «فهلا تركتموه وجئتموني به» ليستثبت رسول الله ﷺ منه، فأما لترك حد فلا، قال: فعرفت وجه الحديث. انتهى فهذا فهم جابر ﵁ للحديث. والصحيح أنه لا يسقط الحد عنه بالرجوع عن الإقرار؛ لأن الحكم قد ثبت عليه بإقراره فلا يُرجع فيه؛ إلا إذا تبين أنه كان كاذباً في إقراره على نفسه. قال المؤلف ﵀: (وبِكونِ المَرأةِ عَذراءَ أو رَتقَاءَ، وبِكونِ الرَّجُلِ مَجبُوبَاً أو عِنِّيناً) يسقط حد الزنا بما ذُكر، هذه أدلة واضحة على عدم حدوث الزنا، فإذا وُجد الإقرار ووجدت علامة من هذه العلامات دل ذلك على أن الإقرار غير صحيح؛ لوجود هذه العلامة التي تدل على عدم حدوث الزنا. فوجود هذه الأشياء يمنع من حصول الجماع، فلا يمكن معها حصول الزنا. بكون المرأة عذراء، العذراء: البكر بأن تكون المرأة بكراً يعني لم تُفتض بكارتها، لكن هذه العلامة غير صحيحة فيمكن في بعض النساء أن يحصل الزنا وتبقى بكارتها. بعض النساء عندهن غشاء يسمونه اليوم غشاء مطاطياً، لا يمزق بسهولة. أما الرتقاء فهي التي التصق ختانها يعني مسدود الفرج عندها، التصق ختانها فلا يصل الرجل إليها لشدة انضمام فرجها، هذه لا يمكن جماعها أصلاً. والمجبوب، بالنسبة للرجل الآن، المجبوب: مقطوع الذكر، هذا لا يمكن الجماع في حقه. والعِنّين: الذي لا يقدر على الجماع، وقيل: هو الذي لا ينتصب ذكره أصلاً. قال المؤلف ﵀: (وتَحرمُ الشَّفاعةُ في الحُدودُ) الشفاعة تعني الواسطة، فلا يجوز التوسط لأحد عند الحاكم لإسقاط حد من حدود الله وجب عليه.

стр. 589

هذه الواسطة محرمة؛ لحديث عائشة في الصحيحين في قصة المخزومية التي سرقت، امرأة من بني مخزوم سرقت، فجاء أسامة بن زيد إلى النبي ﷺ يشفع فيها، كي لا يقام عليها الحد، لا تُقطع يدها بعد أن سرقت. فقال النبي ﷺ : «أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟ » (١) هذا استفهام إنكاري، ينكر عليه النبي ﷺ هذا الفعل. قال النووي ﵀: وقد أجمع العلماء على تحريم الشفاعة في الحد بعد بلوغه إلى الإمام وعلى أنه يحرم التشفيع فيه. يعني يحرم على الإمام أن يقبل شفاعة أي أحد في حدٍّ من حدود الله. قال: فأما قبل بلوغه إلى الإمام فقد أجاز الشفاعة فيه أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس، فإن كان فلا يُشفع فيه. انتهى يعني تقبل الشفاعة بشرط أن لا يُرفع الأمر إلى الحاكم، إذا لم يرفع الأمر إلى الحاكم تجوز الشفاعة فيه عند أكثر العلماء، قال: إلا إذا كان الشخص المشفوع فيه شريراً معروفاً بالشر بين الناس فمثل هذا لا يُشفع فيه. قال المؤلف ﵀: (ويُحفَرُ لِلمَرجُومِ إلى الصَّدرِ) من أراد الحاكم رجمه، تُحفر له حفرة إلى حد صدره ويوضع فيها ثم يُرجم، هذا معنى ما ذكره المؤلف. الروايات الصحيحة في الصحيحين ليس فيها الحفر للمرجوم. ورد الحفر للمرجوم في حديث عند مسلم (٢) من رواية بشير بن المهاجر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أنهم حفروا لماعز وللغامدية. وبشير هذا الذي زاد زيادة الحفر، قال فيه ابن معين: ثقة. وقال أحمد بن حنبل: منكر الحديث، وقد اعتبرتُ أحاديثه فإذا هو يجيء بالعجب. وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه. قلت: فعلى هذا فالزيادة التي زادها زيادة منكرة لا تصح، لا تقبل منه هذه الزيادة خصوصاً أن غيره من الرواة يروون نفس الحديث بدون هذه الزيادة، ومع وجود هذا الذي ذكره

стр. 590

الإمام أحمد والذي ذكره الإمام البخاري ﵀ فيه فهذا دليل واضح على أن الرجل قد وهِم في هذه الزيادة، بل جاء في رواية أنهم كانوا يرجمون ماعزاً وفَرَّ منهم! فلا يوجد حفر ولا ربط، وجاء مُصَرَّحاً به في حديث أبي سعيد في قصة ماعز، قال: إنهم لم يحفروا له (١) -لماعز-. هذه الرواية عند مسلم من حديث أبي سعيد وهي أصح من رواية بشيرٍ هذا. قال المؤلف ﵀: (ولا تُرجَمُ الحُبلَى حتى تَضعَ وتُرضعَ ولدَهَا، إن لم يُوجد مَنْ يُرضِعُهُ) إذا كانت الزانية حاملاً، فهذه لا ترجم بحملها؛ لأن الرجم بالحمل سيؤدي إلى قتل الحمل الذي في البطن، وهذا لا يجوز فلذلك تؤجَّل الحامل إلى أن تضع، ثم بعد أن تضع إن وُجد من يرضع الولد حتى لا يهلك، فيقام عليها الحد، وأما إذا لم يوجد فتبقى حتى يكمل رضاعه ثم بعد ذلك يقام عليها الحد. دليل ذلك حديث سليمان بن بريدة عن أبيه عند مسلم أن النبي ﷺ جاءته امرأة غامدية، يعني من قبيلة غامد، فاعترفت بالزنا، قالت: إني حبلى من الزنا، فقال لها النبي: «حتى تضعي ما في بطنك»، فلما وضعت قال: «لا نرجمها وندع ولدها صغير السن ليس له من يرضعه» فقام رجلٌ من الأنصار فقال: إليّ رضاعه يا نبي الله. قال: فرَجَمها (٢). قال المؤلف ﵀: (وَيَجوزُ الجَلدُ حَالَ المَرضِ بعِثْكَالٍ وَنحَوِه) العِثكال هو الذي يحمل البُسر في النخل، ثمار النخل في مرحلة قبل أن يصبح تمراً، يوجد مرحلة أثناء نموه يصل إليها يكون رُطباً، والمرحلة التي قبل الرُّطب يكون بَلحاً وبعد البلح يكون بُسراً. هذا البسر يكون محمولاً على عروق، هذه العروق الصغيرة التي يكون معلق بها البسر تكون معلقة على مثل العنقود، مثل عنقود العنب تماماً ولكن في النخل، وله فروع، هذا يسمى عِثكالاً، هذا هو العثكال، هو الذي يحمل البسر في النخل مثل العنقود في العنب. يُجلد المريض الذي لا يرجى برؤه بهذا العثكال ونحوه أي ما يقاربه.

стр. 591

يجلد بهذا خشية أن يهلك؛ لأنه مريض ضعيف لا يقدر على الجلد بأكثر من هذا. هذا العثكال يكون له فروع، هذه الفروع يجب أن تكون مائة واحدة فيجلد بها جلدة واحدة، فتكون بدلاً عن مائة جلدة بضربة واحدة. دل على ذلك الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود أن رجلاً ضعيفاً مُخْدَجاً-أي ناقص الخلقة، بطبيعته مريض ضعيف - زنى بأَمَة، فأُخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: «اضربوه حداً». اضربوه الحد مائة جلدة، قالوا: يا رسول الله: إنه أضعف مما تظن. لو ضربناه مائةً قتلناه. فقال: «خذوا له عثكالاً فيه مائة شِمراخ» العثكال: الغصن الكبير الذي يكون عليه أغصان صغار ويسمى كل واحد من تلك الأغصان شمراخاً «ثم اضربوه به ضربة واحدة» (١) ففعلوا. وأخرج مسلم من حديث علي أن أَمة لرسول الله زنت، فأمر النبي علياً أن يجلدها، فوجدها علي حديثة عهد بنفاس، فخشي إن جلدها أن يقتلها، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «أحسنت اتركها حتى تَماثَل» (٢) يعني اتركها حتى تبرأ من مرضها. هذا يدل على أن المرض الذي يرجى برؤه يختلف عن المرض الذي لا يرجى برؤه. الأول أمر بجلده بالعثكال، أما هذه فقال له: «اتركها حتى تماثل» إلى أن تبرأ. قال المؤلف ﵀: (ومَن لاطَ بِذكرٍ؛ قُتل ولو كان بِكراً، وكذلك المفعولُ بِهِ إذا كانَ مُختَاراً) لاط من اللواط يعني من أدخل ذكره في دبر ذكرٍ يُقتل هو والذي لاط به، الفاعل والمفعول به يقتلان، إذا كان المفعول به راضياً مختاراً بذلك غير مكره، سواء كان الفاعل بكراً أم ثيباً لا فرق. هذا ما ذكره المؤلف ﵀. جاء في ذلك أحاديث، منها حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوطٍ فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (٣)، وحديث أبي هريرة قال النبي ﷺ : «اقتلوا الفاعل والمفعول به، أُحصِنا أو لم يُحصنا» (٤) تزوجا أم لم يتزوجا.

стр. 592

لكن لا يصح منها شيء عن النبي ﷺ ، كلها أحاديث ضعيفة لا يُعمل بها. واختلف أهل العلم في حكم اللوطي، والصحيح قتله ثيباً كان أم بكراً. نقل بعض أهل العلم إجماع الصحابة على قتله، وجاء بإسنادٍ صحيح عن ابن عباس أنه يُرجم من دون تفريقٍ بين البكر والثيب. وصح عن غير واحد من التابعين أنه كالزاني يفرَّق بين الثيب فيُرجم والبكر فيُجلد. الخلاف معروف بين السلف، والصحابة منقول الاتفاق عنهم بأنه يقتل على جميع الأحوال. قال الترمذي ﵀: واختلف أهل العلم في حد اللوطي، فرأى بعضهم: أن عليه الرجم أحصن أو لم يحصن، وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال بعض أهل العلم من فقهاء التابعين منهم: الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم، قالوا: حد اللوطي حد الزاني، وهو قول الثوري، وأهل الكوفة. انتهى قال ﵀: (ويُعزَّرُ مَنْ نَكحَ بَهيمةً) التعزير في اللغة له معنيان: التوقير والتعظيم، وليس هذا المعنى هو المراد هنا. وبمعنى: التأديب، وهو المراد هنا. وفي الاصطلاح: عقوبة غير مقدَّرة شرعاً. التعزير يكون على ذنب شرعي ليس فيه حدٌّ في الشرع. وقول المؤلف: ويعزَّر مَن نكح بهيمة أي مَنْ أتى بهيمة يعزر، الظاهرأنه لم يثبت عنده في ذلك حديث عن النبي ﷺ يُثبِت حداً من الحدود الشرعية لمن أتى البهيمة. ورد حديث في ذلك عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة» (١) أخرجه أحمد وأبو داود، وهو حديث ضعيف لا يحتج به.

стр. 593

فالقول ما قاله المؤلف ﵀، فقد نقل أهل العلم الإجماع على تحريم إتيان البهيمة (١)، ولم يثبت فيه حدٌ فلا يبقى إلا التعزير للردع عن هذا الفعل. قال المؤلف ﵀: (ويُجلَدُ المَملوكُ نِصفَ جَلدِ الحُرِّ) المؤلف في البداية في إقامة الحد على الزاني وضع قيداً وهو أن يكون حراً، قال: إن كان بكراً حراً جُلد مائة جلدة. هنا جاء حكم العبد، فقال: ويُجلد المملوك نصف جلد الحر سواء كان ثيباً أم بكراً. العبد والأَمة يجلدان خمسين جلدة إذا زنيا، سواء كانا بكرين أم ثيبين لا فرق؛ لقول الله ﵎ في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء/٢٥] فالأَمة إذا تزوجت ثم زنت، فعليها نصف ما على المحصنة - يعني الحرة - من العذاب، الحرة إذا زنت تجلد خمسين جلدة إذا كانت غير متزوجة، وإذا كانت متزوجة ترجم، لكن الرجم لا ينصَّف، لا يمكن أن نقول: أنها ترجم مثلاً بخمسين حجر أو بخمس وعشرين حجر فربما يموت الشخص من حجرين وربما يموت من مائة فلا ينصَّف الرجم؛ لذلك نقول بالتنصيف في الجلد على جميع الأحوال، ولا يوجد تفصيل في البكر والثيب بالنسبة للمملوك. هذه الآية جاءت في الأَمة وقاسوا عليها العبد أيضاً. قال المؤلف: (ويَحُدُّهُ سَيِّدُهُ أو الإمَامُ) يعني الذي يقيم الحد على المملوك مالكه أو إمام المسلمين. الأصل في الحدود أنه لا يقيمها إلا الإمام، وأما حد العبد أو الأَمة إذا زنيا فيجوز لسيدهما أيضاً أن يقيم عليهما الحد.

стр. 594

لحديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ، فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ» (١) «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد»، الخطاب لسيد الأمة. «ولا يُثَرِّب عليها» أي لا يوبخها ويعنِّفها. هذا الحديث يدل على جواز إقامة السيد الحد على عبيده وإمائه. بابُ حَدِّ السَّرقةِ السرقة في اللغة: هي الأخذ خفية. وشرعاً: أخذ مال الغير خُفيَة من حِرْزِ مثله. قال المؤلف ﵀: (مَنْ سَرقَ - مُكلَّفاً مُختَاراً- مِن حِرْزٍ رُبعَ دِينارَ فَصاعِداً؛ قُطِعَت كَفُّهُ اليُمنَى) حد السرقة: قَطْع اليد؛ لقول الله ﵎ في كتابه الكريم: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة/٣٨]، وقَطَع النبي ﷺ الكَفَ في السرقة، جاء ذلك في حديث أخرجه البيهقي (٢) وله شواهد. فاليد التي تقطع هي الكف، من العظم البارز أول الكف، من المفصل إلى رؤوس الأصابع. والسرقة التي تُقطع بها اليد لها شروط: للسارق شروط وللمسروق شروط، إذا تحققت قطعت اليد وإلا فلا. شروط السارق: أن يكون مكلفاً، يعني بالغاً عاقلاً. في جميع الحدود الشرعية لا بد أن يكون المرء مكلفاً؛ لإقامة الحدود عليه.

стр. 595

وغير المكلف مرفوعٌ عنه القلم. وأن يكون أيضاً مختاراً، أي يسرق بإرادته من غير إكراه، فالإكراه يمنع من إقامة الحد، تقدمت أدلة ذلك. وشروط المسروق أن يكون في حِرْزِ مثله عادة. الحرز: الحفظ، يعني أن يكون المسروق محفوظاً في مكانٍ مثله يُحفظ فيه عادة، مثلاً الذهب: إذا كان المسروق ذهباً، يحفظ الذهب عادة داخل البيوت في أماكن خاصة، المهم في الأمر أنه يحفظ عند الناس في أماكن معينة معلومة عندهم. فإذا سُرق الذهب من مكان يحفظ فيه عادة، يكون قد سُرق من حرزه. هذا معنى الحرز، يعني المكان الذي يُحفظ فيه الشيء عادة، وهذا يختلف باختلاف الأشياء وباختلاف الأعراف أيضاً أعراف الناس. السيارة مثلاً تحفظ بإغلاقها، فإذا أُغلقت تكون محروزة، وأما إذا كانت مفتوحة فلا تكون محروزة، فإذا سرقها السارق وهي مفتوحة لا تُقطع يده، أما إذا سرقها وهي مغلقة تقطع يده بها. والأموال النقدية تحفظ في البيوت وتحفظ أيضاً في البنوك اليوم، فإذا سُرقت من أماكن كهذه، فقد سُرقت من حرز مثلها. فالمسروق شرطه أن يكون في حرزِ مثله، أي محفوظاً في مكان يحفظ فيه مثله عادة، أي في عادة الناس. ثانياً: أن تكون قيمته ربع دينارٍ فصاعداً، ربع دينار، دينار من الذهب، إذا كانت قيمة المسروق ربع دينار فصاعداً تقطع فيه اليد وإلا فلا. الدينار من الذهب أربعة غرامات وربع، فربع دينار يساوي غراماً واحداً وربع الربع، ربع دينار تقدر اليوم بسبع وثلاثين ديناراً أردنياً، ما يساوي مائة وثلاثاً وتسعين ريالاً سعودياً، ويختلف من وقت لآخر على حسب ثمن غرام الذهب. هذا القدر الذي تقطع به اليد، أما أقل من هذا فلا تقطع اليد به. فإذا توفرت هذه الشروط وجب قطع يد السارق. والذي يُقطع هو كف اليد اليمنى، بهذا جاءت السُّنة.

стр. 596

وكما علمنا أن قطع اليد ثابت في القرآن: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة/٣٨] هذا أمر متفق عليه في الجملة. فمن أعظم الضلال أن يأتي شخص ويقول قطع اليد من مسائل الفقه وليست من المسائل الشرعية. كلام فاسد، قطع اليد وارد في كتاب الله، في القرآن وفي السنة ومجمع عليه؛ فلا يجوز لأحد أن يرده كائناً من كان، وردُّه كفر، رد قطع اليد كفر. ودليل نصاب السرقة قوله ﷺ : «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً» (١) أخرجه مسلم. هذا دليل نصاب السرقة. وأما دليل الحرز؛ فحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلَّق فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه» سيأتي إن شاء الله شرح هذا الحديث كاملاً في موضعه. «ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يأويه الجَرينُ فبلغ ثمن المِجَنِّ فعليه القطع» (٢) الشاهد من الحديث أنه في البداية لما قال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خُبْنَةً فلا شيء عليه» يعني من أخذ من ثمار الأشجار وأكل فلا شيء عليه، بشرط أن لا يكون قد اتخذ خبنة يعني لم يملأ كيساً أو ما شابه وحمل معه. قال: «ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة». هنا جعل الخروج بالثمار من المزرعة عليه الغرامة والعقوبة ولم يجعل عليه قطعاً، بينما قال: «ومن سرق منه شيئاً بعد أن يأويه الجرين فبلغ ثمن المِجَنّ فعليه القطع». فرَّق هنا ما بين أن يأويه الجرين وبين أن يكون على الشجر. ما يكون على الشجر لا يكون في حرز، ليس محروزاً، خاصة أنهم قالوا: بأن مزارع المدينة لم تكن محاطة بجدران أصلاً لا أسوار عليها، فهو ليس مالاً محروزاً بينما ما آواه الجرين صار مالاً محروزاً، الجرين: موضع تجفيف التمر، وهو مكان تحفظ فيه عادة فهو حرز، هذا الذي جعل العلماء يشترطون شرط الحرز في قطع اليد. والله أعلم

стр. 597

قال المؤلف ﵀: ويَكفي الإقرَارُ مَرةً واحِدةً) قدمنا القول في ذلك فالاعتراف مرة واحدة كافٍ لإقامة الحد على الشخص، وقدمنا أدلة ذلك. قال المؤلف ﵀: (أو شهادةُ عَدلينِ) لكون السرقة مندرجة تحت ما ورد من أدلة الكتاب والسنة في اعتبار الشاهدين، وقد تقدم ذلك أيضاً. قال المؤلف ﵀: (ويُندبُ تَلقينُ المُسْقِطِ) المقصود بالمسقط: النادم، يعني من ندم على فعلته يستحب أن يلقَّن، يلقن عدم الاعتراف، يعني يُستحب للقاضي أن يقول له: لا أظنك سرقت، حتى يقول: نعم لم أسرق. فهذا الذي ذكره المؤلف، واستدل المؤلف ﵀ بحديث ضعيف من حديث أبي أمية المخزومي عند أحمد وأبي داود أن النبي ﷺ أُتي بِلِصٍّ اعترف اعترافاً ولم يوجد معه متاع، فقال له النبي ﷺ : «ما إخالك سرقت» (١) يعني ما أظنك سرقت، قال: بلى مرتين أو ثلاث. هذا الحديث ضعيف فيه راوٍ لا يعرف، وله شاهد من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة، والصحيح في هذا الثاني أنه مرسل من رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن النبي ﷺ ، هذه هي الرواية الصواب أما ذكر أبي هريرة فيه فغلط، فالحديث ضعيف. فعلى ذلك فكلام المؤلف في هذه الفقرة لا يسلَّم، ليس بصحيح. قال المؤلف ﵀: (ويُحسَمُ مَوضعُ القَطعِ) بعد قطع اليد يحسم موضع القطع، أي يُكوى، يكوى حتى ينقطع سيلان الدم. الحَسْم: قطع الدم بالكَيّ. هذا تعريفه، ولا يصح فيه شيء، ورد فيه حديث أبي هريرة الذي تقدم من رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة والصحيح فيه الإرسال. ولكن لا بد من قطع الدم حتى لا يهلك المقطوع.

стр. 598

قال المؤلف ﵀: وتُعَلَّقُ اليَدُ في عُنُقِ السَّارقِ) أي بعد أن تقطع اليد تُعلَّق في عنق السارق، ورد في ذلك حديث أخرجه أبو داود وغيره عن فضالة بن عبيد قال: «أتي النبي ﷺ بسارقٍ فقطعت يده، ثم أمر بها فعُلِّقت في عنقه» (١) ولكنه حديث ضعيف لا يحتج به، فلا يصح هذا الحكم. قال المؤلف ﵀: (ويَسقطُ: بعَفوِ المَسرُوقِ عَليهِ قَبلَ البُلوغِ إلى السُّلطانِ لا بَعدَهُ؛ فقدْ وَجَبَ) يعني إذا وصل السارق إلى الحاكم، لا يجوز العفو عنه، لكن إذا لم يصل إلى الحاكم جاز العفو عنه؛ لحديث صفوان بن أمية قال: كنت نائماً في المسجد على خميصة لي - نوع من أنواع الثياب- فسُرقت، فأخذنا السارق، فرفعناه إلى رسول الله ﷺ فأمر بقطعه، فقلت: يا رسول الله، أفي خميصة ثمن ثلاثين درهماً؟ ! أنا أهبها له، فقال: «فهلّا كان قبل أن تأتيني به؟ » (٢) أخرجه أحمد وأبو داود. إذا كنت تريد أن تعفو عنه، فلك ذلك ولكن قبل أن يصل الأمر إلى الحاكم. قال المؤلف ﵀: (ولا قَطعَ في ثَمرٍ ولا كَثَرٍ مَا لم يُؤوِهِ الجَرِينُ، إذا أكلَ ولم يَتَّخِذْ خُبْنَةً؛ وإلا كانَ عليهِ ثَمنُ مَا حَملَهُ مَرَّتينِ، وضَرْبَ نَكَالٍ) هذا ما يقتضيه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المتقدم، وهو: سئل النبي ﷺ عن الثمر المعلَّق، عن الثمر: يعني ثمر الشجر المعلق على الشجر. فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه» يعني من أخذ من هذا الشجر من ثمارها وأكلها وهو بحاجة إلى ذلك بسبب جوع مثلاً، ولم يتخذ خبنة يعني لم يحمل في ثوبه ويخرج به. ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة: أي من حمل في ثيابه أو في كيسه وخرج به فهذا عليه غرامة مثليه، يعني مثلاً يساوي ما أخذه عشرة دنانير، فيلزمه أن يدفع عشرين ديناراً، الضعف، وعليه العقوبة: ويعاقب أيضاً على فعله.

стр. 599

ومن سَرَق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجَرين: يعني مَن سرق منه (من الثمار) بعد أن توضع الثمار في مكان تحفظ فيه وتجفف. فبلغ ثمن المِجَنّ فعليه القطع: فيقطع إذا بلغ القدر الشرعي للقطع. هذا هو الحديث الذي ورد في ذلك. المؤلف قال: ولا قطع في ثمر ولا كثر. الثمرهو: ثمر النخل والأشجار، والكَثَرْ: طلع النخل. يقول هنا لا قطع فيه ما لم يؤوه الجرين: ما لم يوضع في مكان حفظه وتجفيفه، يعني إذا كان على الشجر لا قطع فيه للحديث المتقدم. فإما أن يأكل فقط فلا شيء عليه، أو يحمل معه، يتخذ خبنة، فإذا لم يبلغ القدر الذي يقطع فيه؛ فعليه ثمن ما حمله مرتين وضرب نكال، عليه العقوبة وهي الضرب. وإذا بلغ فعليه القطع. هذا كله مقتضى الحديث الذي تقدم وهو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. فعندنا أخذ الثمر له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يأكل عن الشجر لحاجة فهذا لا شيء عليه، وهو جائز. الحالة الثانية: أن يأخذ عن الشجر ويحمل معه في كيسه أو في ثوبه ويخرج به، وهذا فيه عقوبة وفيه أيضاً الغرامة المالية. والحالة الثالثة: وهي أن يسرقه من مكان حفظه وتجفيفه، يسرق منه ما يساوي ربع دينار فما فوق ففي هذه الحالة تقطع يده. قال المؤلف ﵀: (وَليسَ عَلى الخَائِنِ والمُنتَهِبِ والمُختَلِسِ قَطعٌ، وَقدْ ثَبتَ القَطعُ فِي جَحدِ العَارِيَّةِ) لا بد من التفريق بين السارق، والخائن، والمُنتهب، والمُختلس، وجاحدُ العاريّة. السارق تقدم تعريفه وحكمه. الخائن هو: الذي يأخذ المال خُفية من مالكه، مع إظهاره النصح والحفظ. يعني يظهر لصاحب المال أنه ناصح له وحافظ لماله، يُظهر له ذلك ثم إذا تمكن من مال الشخص أخذه خفية عن صاحبه.

стр. 600

المُنتَهِب: هو الذي يأخذ المال على جهة الغلبة والقهر والاعتماد على القوة. المُختَلِس: هو من يَخطِف المال جهراً ويهرب. جاحد العاريَّة: هو الذي يستعير المتاع، ثم ينكره. نبدأ بالثلاثة الأول ببيان حكمهم، قال ﷺ : «ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس؛ قطعٌ» (١) أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما، وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم. فهؤلاء لا تقطع أيديهم، يعزرون تعزيراً فقط. وأما جاحد العارية فالمؤلف يذهب إلى أنه تقطع يده، وجمهور العلماء أنه لا يقطع جاحد العارية؛ لأنه ليس بسارق، والقطع ثبت على السارق، هذا عند الجمهور. من ذهب مذهب المؤلف قال: هو سارق إما لغة أو شرعاً فيقطع؛ لما أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها (٢). الحديث في صحيح مسلم؛ ولكن الحديث منتقد. والظاهر أن الصواب في الحديث أن المرأة سرقت لا جحدت، هكذا رواه بعض أصحاب الزهري وهي أقوى، وخالفهم معمر وتابعه البعض، قال القرطبي: «رواية أنها سرقت أكثر وأشهر من رواية الجحد، فقد انفرد بها معمر وحده من بين الأئمة الحفاظ، وتابعه على ذلك من لا يُقْتَدى بحفظه؛ كابن أخي الزهري ونمطه، هذا قول المحدثين» (٣). ولكن الرواية الاولى أصح. والله أعلم. وحديث ابن عمر بهذا المعنى أعله أبو حاتم الرازي كما في العلل (٤/ ١٩٨). فالظاهر أن قول الجمهور هو الصواب. والله أعلم. بابُ حَدِّ القَذفِ القذف لغة: الرمي. وشرعاً: الرمي بالزنا أو اللواط. قال ابن قدامة في المغني: وهو محرم بإجماع الأمة، والأصل في تحريمه الكتاب والسنة؛ أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ
следующие страницы →