وكما علمنا أن قطع اليد ثابت في القرآن: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة/٣٨] هذا أمر متفق عليه في الجملة.
فمن أعظم الضلال أن يأتي شخص ويقول قطع اليد من مسائل الفقه وليست من المسائل الشرعية. كلام فاسد، قطع اليد وارد في كتاب الله، في القرآن وفي السنة ومجمع عليه؛ فلا يجوز لأحد أن يرده كائناً من كان، وردُّه كفر، رد قطع اليد كفر.
ودليل نصاب السرقة قوله ﷺ : «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً» (١) أخرجه مسلم. هذا دليل نصاب السرقة.
وأما دليل الحرز؛ فحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلَّق فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه» سيأتي إن شاء الله شرح هذا الحديث كاملاً في موضعه.
«ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يأويه الجَرينُ فبلغ ثمن المِجَنِّ فعليه القطع» (٢) الشاهد من الحديث أنه في البداية لما قال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خُبْنَةً فلا شيء عليه» يعني من أخذ من ثمار الأشجار وأكل فلا شيء عليه، بشرط أن لا يكون قد اتخذ خبنة يعني لم يملأ كيساً أو ما شابه وحمل معه.
قال: «ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة».
هنا جعل الخروج بالثمار من المزرعة عليه الغرامة والعقوبة ولم يجعل عليه قطعاً، بينما قال: «ومن سرق منه شيئاً بعد أن يأويه الجرين فبلغ ثمن المِجَنّ فعليه القطع». فرَّق هنا ما بين أن يأويه الجرين وبين أن يكون على الشجر.
ما يكون على الشجر لا يكون في حرز، ليس محروزاً، خاصة أنهم قالوا: بأن مزارع المدينة لم تكن محاطة بجدران أصلاً لا أسوار عليها، فهو ليس مالاً محروزاً بينما ما آواه الجرين صار مالاً محروزاً، الجرين: موضع تجفيف التمر، وهو مكان تحفظ فيه عادة فهو حرز، هذا الذي جعل العلماء يشترطون شرط الحرز في قطع اليد. والله أعلم
стр. 597
قال المؤلف ﵀: ويَكفي الإقرَارُ مَرةً واحِدةً)
قدمنا القول في ذلك فالاعتراف مرة واحدة كافٍ لإقامة الحد على الشخص، وقدمنا أدلة ذلك.
قال المؤلف ﵀: (أو شهادةُ عَدلينِ)
لكون السرقة مندرجة تحت ما ورد من أدلة الكتاب والسنة في اعتبار الشاهدين، وقد تقدم ذلك أيضاً.
قال المؤلف ﵀: (ويُندبُ تَلقينُ المُسْقِطِ)
المقصود بالمسقط: النادم، يعني من ندم على فعلته يستحب أن يلقَّن، يلقن عدم الاعتراف، يعني يُستحب للقاضي أن يقول له: لا أظنك سرقت، حتى يقول: نعم لم أسرق. فهذا الذي ذكره المؤلف، واستدل المؤلف ﵀ بحديث ضعيف من حديث أبي أمية المخزومي عند أحمد وأبي داود أن النبي ﷺ أُتي بِلِصٍّ اعترف اعترافاً ولم يوجد معه متاع، فقال له النبي ﷺ : «ما إخالك سرقت» (١) يعني ما أظنك سرقت، قال: بلى مرتين أو ثلاث.
هذا الحديث ضعيف فيه راوٍ لا يعرف، وله شاهد من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة، والصحيح في هذا الثاني أنه مرسل من رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن النبي ﷺ ، هذه هي الرواية الصواب أما ذكر أبي هريرة فيه فغلط، فالحديث ضعيف.
فعلى ذلك فكلام المؤلف في هذه الفقرة لا يسلَّم، ليس بصحيح.
قال المؤلف ﵀: (ويُحسَمُ مَوضعُ القَطعِ)
بعد قطع اليد يحسم موضع القطع، أي يُكوى، يكوى حتى ينقطع سيلان الدم.
الحَسْم: قطع الدم بالكَيّ. هذا تعريفه، ولا يصح فيه شيء، ورد فيه حديث أبي هريرة الذي تقدم من رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة والصحيح فيه الإرسال.
ولكن لا بد من قطع الدم حتى لا يهلك المقطوع.
стр. 598
قال المؤلف ﵀: وتُعَلَّقُ اليَدُ في عُنُقِ السَّارقِ)
أي بعد أن تقطع اليد تُعلَّق في عنق السارق، ورد في ذلك حديث أخرجه أبو داود وغيره عن فضالة بن عبيد قال: «أتي النبي ﷺ بسارقٍ فقطعت يده، ثم أمر بها فعُلِّقت في عنقه» (١) ولكنه حديث ضعيف لا يحتج به، فلا يصح هذا الحكم.
قال المؤلف ﵀: (ويَسقطُ: بعَفوِ المَسرُوقِ عَليهِ قَبلَ البُلوغِ إلى السُّلطانِ لا بَعدَهُ؛ فقدْ وَجَبَ)
يعني إذا وصل السارق إلى الحاكم، لا يجوز العفو عنه، لكن إذا لم يصل إلى الحاكم جاز العفو عنه؛ لحديث صفوان بن أمية قال: كنت نائماً في المسجد على خميصة لي - نوع من أنواع الثياب- فسُرقت، فأخذنا السارق، فرفعناه إلى رسول الله ﷺ فأمر بقطعه، فقلت: يا رسول الله، أفي خميصة ثمن ثلاثين درهماً؟ ! أنا أهبها له، فقال: «فهلّا كان قبل أن تأتيني به؟ » (٢) أخرجه أحمد وأبو داود.
إذا كنت تريد أن تعفو عنه، فلك ذلك ولكن قبل أن يصل الأمر إلى الحاكم.
قال المؤلف ﵀: (ولا قَطعَ في ثَمرٍ ولا كَثَرٍ مَا لم يُؤوِهِ الجَرِينُ، إذا أكلَ ولم يَتَّخِذْ خُبْنَةً؛ وإلا كانَ عليهِ ثَمنُ مَا حَملَهُ مَرَّتينِ، وضَرْبَ نَكَالٍ)
هذا ما يقتضيه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المتقدم، وهو: سئل النبي ﷺ عن الثمر المعلَّق، عن الثمر: يعني ثمر الشجر المعلق على الشجر.
فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه» يعني من أخذ من هذا الشجر من ثمارها وأكلها وهو بحاجة إلى ذلك بسبب جوع مثلاً، ولم يتخذ خبنة يعني لم يحمل في ثوبه ويخرج به.
ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة: أي من حمل في ثيابه أو في كيسه وخرج به فهذا عليه غرامة مثليه، يعني مثلاً يساوي ما أخذه عشرة دنانير، فيلزمه أن يدفع عشرين ديناراً، الضعف، وعليه العقوبة: ويعاقب أيضاً على فعله.
стр. 599
ومن سَرَق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجَرين: يعني مَن سرق منه (من الثمار) بعد أن توضع الثمار في مكان تحفظ فيه وتجفف.
فبلغ ثمن المِجَنّ فعليه القطع: فيقطع إذا بلغ القدر الشرعي للقطع.
هذا هو الحديث الذي ورد في ذلك.
المؤلف قال: ولا قطع في ثمر ولا كثر.
الثمرهو: ثمر النخل والأشجار، والكَثَرْ: طلع النخل.
يقول هنا لا قطع فيه ما لم يؤوه الجرين: ما لم يوضع في مكان حفظه وتجفيفه، يعني إذا كان على الشجر لا قطع فيه للحديث المتقدم.
فإما أن يأكل فقط فلا شيء عليه، أو يحمل معه، يتخذ خبنة، فإذا لم يبلغ القدر الذي يقطع فيه؛ فعليه ثمن ما حمله مرتين وضرب نكال، عليه العقوبة وهي الضرب.
وإذا بلغ فعليه القطع.
هذا كله مقتضى الحديث الذي تقدم وهو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
فعندنا أخذ الثمر له ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يأكل عن الشجر لحاجة فهذا لا شيء عليه، وهو جائز.
الحالة الثانية: أن يأخذ عن الشجر ويحمل معه في كيسه أو في ثوبه ويخرج به، وهذا فيه عقوبة وفيه أيضاً الغرامة المالية.
والحالة الثالثة: وهي أن يسرقه من مكان حفظه وتجفيفه، يسرق منه ما يساوي ربع دينار فما فوق ففي هذه الحالة تقطع يده.
قال المؤلف ﵀: (وَليسَ عَلى الخَائِنِ والمُنتَهِبِ والمُختَلِسِ قَطعٌ، وَقدْ ثَبتَ القَطعُ فِي جَحدِ العَارِيَّةِ)
لا بد من التفريق بين السارق، والخائن، والمُنتهب، والمُختلس، وجاحدُ العاريّة.
السارق تقدم تعريفه وحكمه.
الخائن هو: الذي يأخذ المال خُفية من مالكه، مع إظهاره النصح والحفظ.
يعني يظهر لصاحب المال أنه ناصح له وحافظ لماله، يُظهر له ذلك ثم إذا تمكن من مال الشخص أخذه خفية عن صاحبه.
стр. 600
المُنتَهِب: هو الذي يأخذ المال على جهة الغلبة والقهر والاعتماد على القوة.
المُختَلِس: هو من يَخطِف المال جهراً ويهرب.
جاحد العاريَّة: هو الذي يستعير المتاع، ثم ينكره.
نبدأ بالثلاثة الأول ببيان حكمهم، قال ﷺ : «ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس؛ قطعٌ» (١) أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما، وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم.
فهؤلاء لا تقطع أيديهم، يعزرون تعزيراً فقط.
وأما جاحد العارية فالمؤلف يذهب إلى أنه تقطع يده، وجمهور العلماء أنه لا يقطع جاحد العارية؛ لأنه ليس بسارق، والقطع ثبت على السارق، هذا عند الجمهور.
من ذهب مذهب المؤلف قال: هو سارق إما لغة أو شرعاً فيقطع؛ لما أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها (٢). الحديث في صحيح مسلم؛ ولكن الحديث منتقد.
والظاهر أن الصواب في الحديث أن المرأة سرقت لا جحدت، هكذا رواه بعض أصحاب الزهري وهي أقوى، وخالفهم معمر وتابعه البعض، قال القرطبي: «رواية أنها سرقت أكثر وأشهر من رواية الجحد، فقد انفرد بها معمر وحده من بين الأئمة الحفاظ، وتابعه على ذلك من لا يُقْتَدى بحفظه؛ كابن أخي الزهري ونمطه، هذا قول المحدثين» (٣).
ولكن الرواية الاولى أصح. والله أعلم.
وحديث ابن عمر بهذا المعنى أعله أبو حاتم الرازي كما في العلل (٤/ ١٩٨).
فالظاهر أن قول الجمهور هو الصواب. والله أعلم.
بابُ حَدِّ القَذفِ
القذف لغة: الرمي. وشرعاً: الرمي بالزنا أو اللواط.
قال ابن قدامة في المغني: وهو محرم بإجماع الأمة، والأصل في تحريمه الكتاب والسنة؛ أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ
стр. 601
ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
وأما السنة: فقول النبي ﷺ : «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ» (١) متفق عليه.
والمحصنات هاهنا العفائف. انتهى كلامه ﵀.
قال المؤلف: (مَن رمَى غيرَهُ بالزنَا؛ وجبَ عليه حَدُّ القَذفِ ثَمانينَ جَلدةً إنْ كانَ حُرّاً، وأربعينَ إن كانَ مَملُوكاً)
كأن يقول مثلاً فلان زنا؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور/٤]. هذا حد الحر، وأما العبد فنصف ما على الحر من العذاب، قياساً على حده في الزنا، والنصف أربعون جلدة.
قال المؤلف: (ويثبُتُ ذلك بِإقرَارهِ مَرةً، أو بشهادةِ عَدلينِ)
للأدلة المتقدمة التي أثبتنا بها العمل بالإقرار مرة واحدة، وبشهادة عدلين.
قال المؤلف: (وإذا لم يَتُبْ؛ لم تُقبَلْ شَهادتُهُ أبَداً)
يعني القاذف إذا قذف أحد المسلمين ثم لم يتب من ذلك ويصلح لا تقبل شهادته، ويعتبر فاسقاً، والفاسق لا تقبل شهادته حتى يتوب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور/٤/ ٥]
في هذه الآية رتب الله على القذف ثلاثة أمور:
الأول: الجلد.
стр. 602
الثاني: عدم قبول الشهادة.
الثالث: الفسق.
ثم قال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] هذا الاستثناء يرفع الحكم الثاني والثالث، فتقبل شهادته ويصير عدلاً بالتوبة.
قال المؤلف ﵀: (فِإن جَاءَ بَعدَ القَذفِ بِأربَعةِ شُهُودٍ؛ سَقطَ عَنهُ الحَدُّ، وهَكَذا إذا أَقرَّ المَقذوفُ بالزِّنا)
وذلك لأنه يثبت صدقه شرعاً فيما ادعاه فيسقط عنه الحد.
يسقط عنه الحد إذا قذف مسلماً بأحد أمرين: الأول أن يأتي بأربعة شهود وهو القدر الواجب من الشهود في إقامة حد الزنا.
والثاني أن يعترف المقذوف الذي رُمِي بالزنا، يعترف بأنه زنا.
بذلك يسقط عن القاذف الحد وإلا حُدَّ ثمانين جلدة.
بقي من هو المحصن الذي إذا رُمي بالزنا استحق راميه الحد إذا لم يقم البينة؟
هو المسلم العاقل البالغ الحر العفيف من الزنا.
فمن رمى كافراً بالزنا لا يحد؛ لأن الآية قُيدت بالإيمان، وكذلك الحديث، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]، وقال النبي ﷺ في الحديث المتقدم: «وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ» (١)
والزاني حقيقة الثابت عليه ذلك؛ مَنْ قذفه لا يُحَدّ؛ لأن الآية والحديث مقيدان برمي المحصنة الغافلة، وهي العفيفة الغافلة عن الزنا.
وكذلك لا حد على من رمى المجنون بالزنا؛ لأن مثله لا يدنسه الزنا ولا يلحقه عاره، فلا ضرر عليه.
стр. 603
والصغير؛ لأن مثله لا يجامع؛ ومن لا يجامع مثله لا يلحقه العار أبداً، ولا يتصور الناس منه غالباً الزنا، ولأن من كان بهذه السن فإنه لا يدنسه القذف، حتى لو ثبت أنه زنا، والإجماع حاصل فيه.
والعبد؛ للإجماع على ذلك، وقال البعض: لا يقال له محصن في الشرع فلا يدخل في الآية.
قال ابن رشد في بداية المجتهد: «وأما المقذوف؛ فاتفقوا على أن من شرطه أن يجتمع فيه خمسة أوصاف، وهي: البلوغ، والحرية، والعفاف، والإسلام، وأن يكون معه آلة الزنا. فإن انخرم من هذه الأوصاف وصف لم يجب الحد».
والقذف يكون بلفظ يدل لغة أو عرفاً على الرمي بالزنا.
القذف الذي يوجب الحد يكون بلفظٍ صريح يدل لغة أو عرفاً على الرمي بالزنى، ويظهر من قرائن الأحوال أن المتكلم لم يُرد إلا ذلك -يعني لم يرد إلا قذف الآخر ورميه بالزنا- ولم يأتِ بتأويلٍ مقبولٍ يصح حمل الكلام عليه.
فلم يأتِ بتأويل وتفسير صحيح لكلامه حتى يُحمل الكلام عليه، ولكن لا يُفهم من كلامه إلا أنه رمى أخاه بالزنا.
وكذلك إذا أتى بلفظٍ يحتمل الرمي بالزنا ليس لفظاً صريحاً، ولكنه اعترف بأنه قصد الرمي بالزنا؛ فيجب عليه الحد في هذه الحالة.
بَابُ حَدِّ الشُّرْبِ
أي شرب الخمر.
وشرب الخمر محرم بالاتفاق، تقدم حكمه.
قال ﵀: (مَن شَرِبَ مُسكِراً- مُكلَّفاً مُختاراً- جُلِد على ما يَراهُ الإمامُ، إمَّا أَربَعينَ جَلدةً
стр. 604
أو أَقلَّ أو أَكثرَ، ولو بِالنِّعالِ)
من شرب مسكراً: أي من شرب شراباً يُسكر، والشراب المسكر تقدم: ما أذهب العقل.
وكان الشارب مكلَّفاً: فغير المكلف مرفوعٌ عنه القلم.
وكان مختاراً: فالمكره معذورٌ في الشرع.
جُلد الحد، دليله: جاء في الصحيحين من حديث أنس أن النبي ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكرٍ أربعين (١).
وفي رواية مسلم أن النبي ﷺ أُتي برجلٍ شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون. فأمر به عمر (٢).
وفي رواية في صحيح البخاري: أن عمر جلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين (٣).
يعني تجاوزوا الحد وصاروا يشربونه بكثرة؛ صار يضرب ثمانين.
قال الشافعي: أصل حد الخمر أربعون، وما زاده عمر على الأربعين كان تعزيراً. انتهى
وأما الجريد فهي: أغصان النخل.
فحد شارب الخمر أربعين، فإذا رأى الإمام أن يزيد تعزيراً تأسياً بعمر ﵁ فله ذلك. والنعال معروفة هي التي نسميها اليوم بالشباشب والسبابيط. .
قال المؤلف ﵀: (ويَكفِي إِقرارُهُ مَرَّةً، أو شَهادةُ عَدلَينِ، ولو عَلى القَيء)
يكفي إقرار الشارب على نفسه مرة أو شهادة عدلين كي يقام عليه الحد، تقدمت أدلة ذلك.
وقوله: ولو على القيء أي تقبل شهادة الشهود على أنهم رأوه يشرب الخمر، أو يتقيأ منها، تقيأ: أخرج ما في بطنه من خمر، إذا شهدوا على هذا أو على هذا؛ تعتبر شهادتهم ويقام عليه الحد بذلك.
стр. 605
لما ورد في الأحاديث أن الصحابة ﵃ أقاموا الحد على الوليد بن عقبة لما شهد عليه رجلان، أحدهما شهد على أنه شربها، والآخر أنه تقيأها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها (١). أخرجه مسلم.
قال المؤلف ﵀: (وَقَتلُهُ في الرَّابِعةِ مَنسوخٌ)
أي قتل شارب الخمر في المرة الرابعة التي يشرب فيها الخمر، إذا شرب المرة الأولى وأتي به جُلِد، وإذا شرب الثانية جلد، وإذا شرب الثالثة جلد.
وأما إذا شرب في المرة الرابعة؛ فقد جاء في ذلك حديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاقتلوهم» (٢) أخرجه أبوداود والترمذي إن صح الحديث فهو على ما ذهب إليه المؤلف منسوخ، استدل على نسخه بحديث قبيصة بن ذؤيب وفيه: ثم أتي به في الرابعة فجلده ورفع القتل (٣). أي نسخ القتل، لكن حديث قبيصة ضعيف.
والصحيح أنه يُجلد في الرابعة والخامسة والسادسة وهكذا، فإن صح حديث القتل فهو معارض بما أخرجه البخاري في صحيحه عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (٤). هذا مع أنه كان مكثراً من شربها إلا أنه لم يقتله.
وذكر الترمذي في علله أن حديث القتل لم يأخذ به أحد من أهل العلم، يعني السلف لم يعملوا به. والله أعلم
فَصلٌ
стр. 606
(والتَّعزيرُ في المَعاصِي - التي لا تُوجِبُ حَدّاً- ثَابتٌ؛ بِحبسٍ أو ضَربٍ، أو نَحوِهِمَا، ولا يُجَاوزُ عَشَرةَ أَسْواطٍ)
يعني بهذا الكلام أن التعزير يكون في المعاصي التي لا توجب حداً.
قلنا التعزير هو عقوبة غير مقدرة شرعاً، ويكون التعزير على المعاصي التي ليس فيها حد شرعي.
المعاصي التي فيها حد شرعي: كالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، هذه فيها حد شرعي، وغيرها من المعاصي التي لا حد فيها؛ فيها التعزير.
ويكون التعزير بالحبس والضرب والهجر وغير ذلك، ولا يجوز في حال الضرب الزيادة على عشرة أسواط؛ لقول النبي ﷺ : «لا يُجلد فوق عشرة أسواطٍ إلا في حد من حدود الله» (١).
والمسألة محل نزاع، واختلفوا في توجيه الحديث، لكن ظاهره ما ذكره المؤلف ﵀. وأخرج أبو داود وغيره عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ حبس رجلاً في تهمة يوماً وليلة (٢)، هذا يدل على التعزير بالحبس، الأول دل على التعزير بالجلد.
ومن التعزير التعزير بالنفي، كما فعله النبي ﷺ بالرجل المخنَّث (٣).
ومنها: الهجر كما فعله النبي ﷺ بكعب بن مالك وصاحبيه (٤).
بَابُ حَدِّ المُحَاربِ
المحارب: هو الذي يبرز لأخذ مالٍ أو لإرهابٍ مكابرة، اعتماداً على الشوكة مع البعد عن مسافة الغوث.
стр. 607
قال ابن رشد: فأما الحرابة فاتفقوا على أنها إشهار السلاح، وقطع السبيل خارج المصر. واختلفوا فيمن حارب داخل المصر ... انتهى
يبرز لأخذ مال، يخرج يريد أن يسيطر على مال الناس بتخويفهم وترهيبهم، مكابرة اعتماداً على القوة، مع البعد عن مسافة الغوث: يعني يخرج لأخذ المال من الناس بالقوة في مكان بعيد بحيث لا يستطيع أحد أن يساعد من يريد أخذ ماله.
قال المؤلف ﵀: (وهو أَحدُ الأنواعِ المَذكورةِ في القرآن الكريم: القَتلُ، أو الصَّلبُ، أو قَطعُ اليدِ والرجلِ مِن خِلافٍ، أو النَّفِيُ مِنَ الأرضِ، يَفعلُ الإمامُ منها ما رأى فيهِ صَلاحاً؛ لكلِّ مَن قَطعَ طَريقاً ولو في المِصرِ، إذا كانَ قد سَعَى في الأرضِ فَسَاداً، فإن تَابَ قَبلَ القُدرةِ عليهِ؛ سَقطَ عَنه ذلكَ)
أصل حد الحَرَابَة قول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة/٣٣]. فذكر: القتل، والصلب، وقطع الأيدي والأرجل من خلاف، والنفي.
هذه التي ذكرها الله ﵎ في حد المحارب، وظاهر الآية أن الإمام مخير بين تلك العقوبات؛ لأنها جاءت بلفظ (أو) إذا قلنا بأنها للتخيير.
قطع اليد والرجل من خلاف، يعني أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، وإذا قطعت اليد اليسرى تقطع الرجل اليمنى، هذا معنى (من خلاف).
والصلب هو التعليق على جذع أو خشبة ونحوها حتى يموت.
والنفي: تغريبهم عن وطنهم.
فإذا تاب قبل القدرة عليه، سقط عنه الحد؛ لقول الله ﵎ في آخر الآية: ﴿إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة/٣٤]، يوجد استثناء لقبول التوبة ومنع إقامة الحد، وهو قبل القدرة عليه، فإذا تاب المحارب قبل القدرة؛ لا يقام عليه الحد.
بابُ مَنْ يَستحقُّ القَتلَ حَدّاً
стр. 608
من يستحق أن يقتل عقوبة له.
قال: (هو: الحَربِيُّ، والمُرتَدُّ، والسَّاحرُ، والكَاهِنُ، والسَّابُّ للهِ أو لِرَسُولِهِ أو للإسلامِ أو للكتابِ أو للسنةِ، والطَّاعِنُ في الدِّينِ، والزِّندِيقُ؛ بَعدَ استِتَابَتِهِم، والزَّانِي المُحصَنُ، واللُّوطِيُّ مُطلَقاً، والمُحارِبُ)
هؤلاءالذين يستحقون القتل حدّاً
الأول الحربي هو الكافر الذي ليس بينه وبين المسلمين عهد ولا أمان ولا هو من أهل الذمة.
هذا هو المحارب، ليس مستأمناً ولا معاهداً، ولا هو من أهل الذمة.
ولا خلاف في قتل هؤلاء؛ لأمر الله بقتل المشركين في عدة مواضع من كتابه، ولكن طبعاً يكون ذلك بالنظر إلى المصالح والمفاسد وبالضوابط الشرعية.
الثاني: المرتد وهو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر؛ لقول النبي ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (١). وكذلك قوله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: ومنها كفرٌ بعد إيمان» (٢) هذا الحديث متفق عليه، والذي قبله عند البخاري.
وأسباب الردة كثيرة منها: ما ذكره المؤلف ﵀.
الثالث: الساحر وهو الذي يعمل بالسحر، والسحر: عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل ويفرِّق بين الزوجين.
والساحر يُقتل لكون عمل السحر نوعاً من الكفر ففاعله مرتد.
صح عن غير واحد من الصحابة قتْلُه، وقال جندب ﵁: حد الساحر ضربة بالسيف (٣) وجندب هذا أحد صحابة رسول الله ﷺ .
قال الترمذي بعد ذكر حديث جندب: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس، وقال الشافعي: إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر، فإذا عمل عملاً دون الكفر فلم نر عليه قتلاً.
الرابع: الكاهن وهو الذي يدعي معرفة الغيب، وهذا أيضاً مرتد؛ لأن دعوى معرفة الغيب كفر. قال الله ﵎: ﴿قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [
стр. 609
النمل/٦٥]، وقال النبي ﷺ : «من أتى كاهناً أو عرافاً فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» (١) هذا المصدِّق، والمصدَّق أوْلى.
الخامس: والساب لله أو لرسوله أو للإسلام أو للكتاب أو للسنة والطاعن في الدين:
هؤلاء كلهم داخلون في قول الله ﵎: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة/٦٥/ ٦٦].
فالساب لله أو لرسوله أو للإسلام أو للكتاب -القرآن- أو للسنة والطاعن في الدين، هذا يعتبر كافراً مرتداً عن دين الله ﵎، ويجب على الحاكم قتله، وليس على أي أحد من الناس لأنا ذكرنا من البداية أن الحدود الشرعية إنما يقيمها الحكام فقط؛ لأنها لو تُركت لكل أحد لدبَّت الفوضى والخلافات بين الناس، ولكذب الناس على بعضهم البعض ليقتل بعضهم بعضاً.
فمثل هذا لا يكون إلا للحاكم.
وسب الله وسب رسوله ﷺ لا شك في أنه كفرٌ مخرج من ملة الإسلام، هذا أمرٌ مجمع عليه لا خلاف فيه ألبتة، وقد حصلت زلة من بعض أهل العلم وعذَرَ ساب الله أو ساب رسوله ﷺ بسوء التربية، هذه زلة وغلطة من عالم جليل، ينطبق عليه قول النبي ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» (٢).
لكن لا يجوز لأحد أن يتابعه على هذه الزلة؛ لأن سوء التربية ليست من موانع التكفير عند علماء الإسلام، وهذه الزلة لا علاقة لها بمسألة الإرجاء، يحاول البعض تلبيساً وكذباً رمي هذا الشيخ بالإرجاء تحت هذه الذريعة، هناك فرق بين أن يقول الشخص: سب الله وسب رسوله ليس بكفر وإنما يدل على الكفر الذي في القلب، وبين أن يقول بأنه كفر ولكن فاعله يعذر بسوء التربية.
بينهما فرق كبير، ذاك الذي يقول بأن سب الله وسب رسوله ﷺ لا يعتبر كفراً وإنما هو دليلٌ على الكفر، هذا مرجئ، فهذا الذي تقوله المرجئة.
المرجئة عندما يقولون بكفر الأعمال لا يقولون بأن العمل نفسه مكفِّر؛ لأن عندهم الإيمان اعتقاد فقط أو اعتقاد وقول، الأعمال عندهم ليست من الإيمان، وبناءً على ذلك فلا تكون
стр. 610
الأعمال كفراً، فلذلك لا يُكفِّرون بالأعمال ولكن يقولون: العمل الذي ثبت بأنه كفر في الكتاب والسنة هو دليل على ما في القلب من كفر.
فمسألة الإرجاء شيء ومسألة العذر بسوء التربية شيء آخر تماماً.
لكن هو قولٌ خطأ باطل، القول بالعذر بسوء التربية قولٌ خطأ، والذي يدل على أنه خطأ أمران: الأول: أنه لم يدل دليل من الكتاب والسنة يدل عل أن سوء التربية عذر يمنع التكفير؛ كالجهل والنسيان والخطأ وغيرها مما ثبت بالأدلة الشرعية.
الأمر الثاني: أنه ورد في السنة ما يدل على أن سوء التربية ليست مانعاً من موانع التكفير، قال النبي ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه» (١).
فهذا المولود ولد على الفطرة، والذي أفسد فطرته أبوه وأمه، فلم يكن هذا له عذر بعدما بلغ؛ تنصر أو تهود بسوء التربية، ولكن بعد أن بلغ وبلغته الرسالة لم يعد سوء التربية عذراً له على ما وقع فيه؛ لأن الرسالة وصلته ولم يبال بها.
كذلك ساب الله وساب رسوله بما أنه قد قامت عليه الحجة، وهو يعلم أن سب الله وسب رسوله غير جائز محرم، وفيه استخفاف واستهتار برب العالمين وبرسوله ﷺ فلا عذر له، فمجرد أن يسب الله أو يسب رسول الله ﷺ يكفر ويخرج من ملة الإسلام، إذا كان مكلفاً عاقلاً مختاراً قاصداً للفعل.
لزم التنبيه حتى لا نقع في الخطأ الذي وقع فيه غيرنا.
ثم السادس: الزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهذا كافرٌ في الباطن ولكن لا يقتل حتى يظهر كفره؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يقتل المنافقين الذين كانوا في زمنه، فهو زنديق يبطن الكفر ويظهر الإسلام ولكنه يعامَل على ما يُظهر، حتى يظهر خلافه.
قال المؤلف: بعد استتابتهم
أي لا يقتلون حتى تُعرض عليهم التوبة، فإن تابوا فلا يُقتلون وإلا قتلوا.
وهذه المسألة محل خلافٍ بين أهل العلم، هل تجب الاستتابة أم تُستحب، المؤلف استدل عليها بحديث ضعيف لا يصح.
قال ابن قدامة في المغني: لا يقتل - يعني المرتد- حتى يستتاب ثلاثاً، هذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم عمر، وعلي، وعطاء، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق،
стр. 611
وأصحاب الرأي. وهو أحد قولي الشافعي. وروي عن أحمد رواية أخرى، أنه لا تجب استتابته، لكن تستحب. وهذا القول الثاني للشافعي، وهو قول عبيد بن عمير، وطاوس. انتهى ثم ذكر أدلة الطرفين.
والسابع: الزاني المحصن وهذا تَقَدم أنه يرجم.
والثامن: اللوطي كذلك تقدم أنه يقتل.
والمحارب تقدم القول فيه.
كِتابُ القِصاصِ
القصاص لغة: تتبُّع الأثر. يقال: قصصت الأثر أي تتبَّعته.
واصطلاحاً: أن يُوقَعَ على الجَانِي مِثلُ ما جَنَى.
كقتل القاتل، القاتل هو الجاني، هو الذي فعل الجناية. وقتله عقاباً له على القتل، هذا معنى القصاص.
وجَرْح الجارح: كذلك إذا جرح شخصٌ آخر بغير حق يُجرح قصاصاً.
وقَطْعِ القاطع: بأن يقطع شخصٌ يد شخص تقطع يده قصاصاً.
стр. 612
قال المؤلف ﵀: (يَجبُ على المُكلَّفِ المُختارِ العَامدِ، إنِ اختارَ ذلك الوَرثةُ؛ وإلَّا فَلَهُم طَلبُ الدِّيةِ)
القصاص بالمعنى المتقدم واجب؛ لقول الله ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة/١٧٨]، وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِيْ الأَلْبَابِ﴾ [البقرة/١٧٩]، معنى هذه الآية أن الناس إذا علموا أن الشخص منهم إذا قَتَلَ قُتِل، امتنعوا عن القتل، فيكون في ذلك بقاءٌ للنفوس، بقاء لمن هم بالقتل، وبقاء لمن أراد قتله، لمن فكَّر في القتل إذا علم أنه سيقتل إذا قتل يوجد قصاص؛ سيمتنع عن القتل؛ فتُحفظ بذلك نفسه وتُحفظ أيضاً نفس من أراد قتله.
ولما منعت الكثير من الدول اليوم هذا الحكم الشرعي؛ دب فيهم الفساد وكثُر القتل بين الناس.
ويدل على وجوب القصاص أيضاً قول النبي ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة» (١) الشاهد: قوله: النفس بالنفس، فإذا قتل أحد يُقتل بمن قتله.
والقاتل الذي يجب عليه القصاص هو المكلف المختار، لرفع القلم عن غير المكلَّف، غير البالغ الذي هو الصغير هذا مرفوع عنه القلم؛ كما جاء في الحديث، «رفع القلم عن الصغير حتى يحتلم» (٢). وكذلك العاقل، المجنون مرفوع عنه القلم، في نفس الحديث رُفع القلم عن المجنون حتى يفيق» فلا بد أن يكون القاتل مكلفاً حتى يقام عليه حد القصاص.
والمختار: أخرج المكره، لكن هنا المكره فيه تفصيل فليس كل مكرهٍ يكون معذوراً ولا يُقتص منه.
والعامد: أي الذي تعمد القتل وقصده، أخرج بذلك قتل شبه العمد وقتل الخطأ، هذا ليس فيه قصاص وسيأتي إن شاء الله تفصيله.
стр. 613
والقصاص حق لورثة المقتول، حق الورثة هم الذين يستحقون دم القتيل، هم بالخيار بين القصاص والدية، أي لهم أن يختاروا - إذا قُتِل لهم قتيل- بين أن يقتلوا القاتل، أو يأخذوا الدية بدل ذلك، وسيأتي تفصيل هذا كله إن شاء الله.
لقول الله ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة/١٧٨]، الشاهد من الآية قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: «كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ القِصَاصُ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ». فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبْدُ بِالعَبْدِ، وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى، فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] «فَالعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي العَمْدِ». أخرجه البخاري (١).
وقال النبي ﷺ : «مَنْ قُتِل له قتيلٌ فهو بخير النظرين: إما أن يفدى وإما أن يقتل» (٢) متفق عليه. فهو بخير النظرين أي يختار الأفضل له من أمرين: إما أن يُفدى أي يعطى الدية، أو يقتل القاتل.
قال المؤلف ﵀: (وتُقتَلُ المَرأةُ بالرجلِ والعكسُ، والعَبدُ بِالحُرِّ، والكَافرُ بالمُسلمِ، لا العكسُ، والفَرعُ بالأصلِ لا العكسُ)
تقتل المرأة بالرجل: إذا قتلت المرأة رجلاً فتُقتل به.
ويُقتل الرجل بالمرأة: إذا قتل الرجل امرأة يُقتل بها.
فإذا كان القاتل رجلاً أو امرأة قُتل أحدهما بالآخر، لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة؛ لقول النبي ﷺ : «المؤمنون تتكافأ دماؤهم» (٣) يعني تتساوى في القصاص والدية.
قال ابن المنذر: وأجمع عوامّ أهل العلم على أن بين الرجل والمرأة القصاص في النفس إن كان القتل عمداً؛ إلا شيء اختُلف فيه عن علي وعطاء، وروي عن الحسن.
أي خلاف نادر إذا صح عنهم، ففي المسألة شبه إجماع.
стр. 614
ثم قال ﵀: في قول النبي ﷺ : «المؤمنون تتكافأ دماؤهم» دليل على إثبات القصاص بين الرجال والنساء في النفس. وفي حديث أنس بيان ذلك وإثبات القصاص بينهما ثم ذكر حديث أنس، وهو أن رجلاً من اليهود قتل جارية من الأنصار بالحجارة، على حلية لها، فقتله النبي ﷺ بها، وضع رأسه بين حجرين ورضه حتى مات كما فعل بها. متفق عليه (١).
ويُقتل العبد بالحر، والحر بالعبد على الصحيح، الصحيح من أقوال أهل العلم أن العبد إذا قَتل حراً قُتل، وإذا الحر قتل عبداً أيضاً قُتل به؛ لعموم قول النبي ﷺ : «المؤمنون تتكافأ دماؤهم».
فإذا كان العبد مؤمناً وكان الحر مؤمناً قُتل هذا بهذا والعكس، هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم.
وبعض أهل العلم قال: لا يُقتل الحر بالعبد، واحتجوا بقول الله ﵎: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة/١٧٨]، لكن رد عليهم أهل العلم هذا، وقالوا: إذا أخذتم بدلالة هذه الآية فخذوا بقول الله ﵎ أيضاً: ﴿وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة/١٧٨]، فلا تقتلوا الرجل بالأنثى! وأنتم تقتلون الرجل بالأنثى كما دل على ذلك حديث النبي ﷺ ، فلا يصح الاستدلال بهذه الآية.
وأما الكافر فيُقتل بقتل المسلم؛ لحديث أنس المتقدم، فاليهودي لمّا قتل المسلمة قُتل بها.
ولا يُقتل المسلم بالكافر: المسلم إذا قتل كافراً لا يقتل به؛ لقول النبي ﷺ : «لا يقتل مسلمٌ بكافر» (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، فدم المسلم أنفس من دم الكافر، دم الكافر لا يساوي دم المسلم.
وأما الفرع بالأصل: أي يُقتل الابن إذا قَتل أباه أو جده، فالفرع هو الابن أو الحفيد، إذا قَتل الأصل: الأب أو الجد؛ يُقتَل به.
لا العكس: لا يُقتل الأب أو الجد بالابن، إذا قَتل الأب ابنه أو حفيده لا يُقتل به.
وكذلك الأم والجدة لا تقتل بقتلها لابنها أو حفيدها.
استدل المؤلف بقول النبي ﷺ : «لا يُقتل الوالد بالولد» (٣) أخرجه أحمد وابن ماجه وغيرهما والصحيح أن هذا الحديث ضعيف لا يحتج به.
стр. 615
وبما أن الحديث ضعيف فيبقى لنا عموم الأدلة التي فيها أن دماء المسلمين متكافئة، وأنه يجب القصاص من القاتل.
فهذه الأدلة العامة تدل على أنه يُقتل أيضاً الأب بابنه ويُقتل الجد بحفيده.
هذا هو الصحيح في المسألة؛ لأن الحديث الذي يعوِّلون عليه حديث ضعيف، والذي ذكرناه هذا هو مذهب الإمام مالك ﵀.
قال ابن المنذر في الإشراف: اختلف أهل العلم في الرجل يقتل ابنه عامداً.
فقالت طائفة: لا قود عليه، وعليه ديته، هذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وروي ذلك عن عطاء، ومجاهد.
وقال مالك، وابن نافع، وابن عبد الحكم: يقتل به.
وبهذا نقول؛ لظاهر الكتاب والسنة.
فأما ظاهر الكتاب فقوله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾.
والثابت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «المؤمنون تكافأ دماؤهم».
ولا نعلم خبراً ثابتاً يوجب استثناء الأب من جملة الآية.
وقد روينا فيه أخباراً غير ثابتة. انتهى كلامه ﵀.
قال المؤلف ﵀: (ويَثبُتُ القِصاصُ في الأَعضاءِ ونَحوِها، والجُروحُ؛ مَعَ الإِمكانِ)
يعني إذا قطع شخص يد شخص يُقتص منه فتُقطع يده، وإذا كَسَر سنه كذلك تكسر سنه هذا في الأعضاء ونحوها.
أما الجروح؛ فكأن يجرحه في وجهه بموسى مثلاً، أو يضربه على رأسه بشيء، مثل هذه الجروح فيها أيضاً القصاص ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة/٤٥].
стр. 616
إن أمكن؛ لأنه قال: والجروح مع الإمكان، لكون بعض الجروح إذا جئت تقتص من الجارح ربما أدى القصاص إلى إفساد العضو أو موت الشخص، فيخرج عن الحد المطلوب، فمثل هذا لا يُقتص منه.
ودليل القصاص في الأعضاء والجروح قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة/٤٥]، هذه الآية وإن كانت نزلت في أهل الكتاب إلا أن المعروف والمقرر في أصول الفقه أن شريعة مَن قبلنا شريعة لنا ما لم تأتِ شريعتنا بما ينسخها.
فإذا ثبت في شرعنا في الكتاب أو في السنة أن هذه شريعة مَن قبلنا فالواجب علينا أن نعمل بها؛ إلا إن دل دليل شرعي عندنا على أنها ليست لنا منسوخة، ومثل هذه الآية قد دل الدليل الشرعي على أن حكمها لنا أيضاً.
فقد جاء في الحديث في الصحيحين من حديث أنس قال: إن الرُّبيِّع كسرت ثنية جارية-الربيع هذه بنت، كسرت ثنية جارية: كسرت سن جارية، الثنية أحد الأسنان الأمامية، فكسرت أحد الأسنان الأمامية لجارية أخرى، أي لبنت ثانية؛ فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص؛ أي بكسر ثنية الربيع، وقال: «القصاص كتاب الله» (١).
قال المؤلف ﵀: (ويَسقطُ بِإبراءِ أَحدِ الوَرثةِ، ويَلزمُ نَصيبُ الآخَرينَ مِنَ الدِّيةِ)
يسقط القصاص بتنازل أحد الورثة عن حقه؛ لأن القصاص حق لجميع الورثة، فهم الذين يرثون ديته فهم أصحاب الحق في دمه.
والقصاص لا يتبعَّض، أي لا يتجزأ، فإذا أسقط أحد الورثة حقه تحوَّل إلى الدية، الدية تتبعَّض تتجزأ فإذا تنازل أحد الأشخاص يعطى الآخر نصيبه منها، أما القصاص فلا يتجزأ، فإذا أسقط أحد الورثة حقه؛ سقط القصاص، فلا يُقتل القاتل، ولكن تبقى الدية يعطى كل واحد من بقية الورثة حقه.
ثم قال: (فإذا كانَ فِيهمْ صَغيرٌ؛ يُنتَظرُ في القِصاصِ بُلُوغُهُ)
إذا كان في الورثة: أصحاب الدم؛ صغير، سنه أقل من سن البلوغ، لم يكمل عقله فلا
стр. 617
يستطيع أن يختار بنفسه، قال: فإذا كان فيهم صغيرٌ؛ يُنتظر في القصاص بلوغه، أي يُحبس القاتل إلى أن يبلغ الصغير من الورثة، ثم يُنظر عند بلوغه، أيريدون القتل أم يريدون الدية؟ هذا معنى كلامه ﵀. استدل أصحاب هذا القول بأنه حق لجميع الورثة ومنهم الصغير، ولا اختيار له قبل البلوغ، فينتظر بلوغه. وفي المسألة نزاع.
قال المؤلف ﵀: (ويُهدَرُ ما سَببهُ مِنَ المَجنِيِّ عَليهِ)
الفعل الذي يؤدي إلى موت الميت أو تلف عضو ويوجب القصاص، الذي يكون سببه المجني عليه، نفس الميت المقتول أو المجني عليه هو المتسبب في قتل نفسه أو إتلاف العضو، وليس الفاعل، فإذا كان هو المتسبب فيسقط القصاص، لا يكون له حق لا في قصاص ولا في دية.
كأن يلقي شخص نفسه أمام سيارتك، وأنت تقودها في الطريق بطريقة صحيحة، لست مسرعاً ومنتبه؛ فيموت، مع أنك أنت الذي ضربه بالسيارة؛ إلا أنه هو المتسبب في ذلك وهو المخطئ، ولست أنت فلا شيء عليك.
يبيِّن لنا ذلك الحديث الذي ورد في مثل هذه القضية، فقد جاء في الصحيحين أن رجلاً عضَّ يد رجل فانتزع يده من فيه-المعضوض الذي يده في فم الآخر نزع يده بشدة - فوقعت ثنيته-العاضّ وقعت سنه- فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال: «يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل؟ ! لا دية لك» (١) يعني تريد أن تعض يده كذكر الحيوان ولا تريده أن يدافع عن نفسه؟ ! وإذا دافع وأتلف عضواً منك بسببك، تريد أن تأخذ دية؟ لا حق لك في ذلك؛ لأنك أنت المعتدي.
قال المؤلف ﵀: (وإذا أَمسكَ رَجُلٌ وَقتلَ آخَرُ؛ قُتِلَ القَاتلُ وَحُبِسَ المُمسِكُ)
اثنان جاءا إلى رجل، أحدهما أمسك به ليقتله الآخر، والآخر تمكن منه عندما أمسكه الأول فقتله، فاشتركا في القتل، أحدهما بإمساكه، والآخر بقتله.
يقول المؤلف: القاتل يُقتل، والماسك يُحبَس حتى الموت كما فعل.
بعض أهل العلم قال: لا؛ يُقتلان، الاثنان يقتلان؛ لأن القتل حصل منهما.
стр. 618
والبعض فصَّل بما ذكره المؤلف ﵀، واستدلوا بحديث ضعيف، والأثر الوارد عن علي في ذلك ضعيف أيضاً، بين ضعفه البيهقي في المعرفة.
ولكن ما قاله المؤلف هو الحق إن شاء الله.
قال الإمام الشافعي في الأم: ولم أجد أحداً من خلق الله تعالى يُقتدى به حد أحداً قط على غير فعل نفسه أو قوله، فلو أن رجلاً حبس رجلاً لرجل فقتله؛ قُتل به القاتل، وعوقب الحابس، ولا يجوز في حكم الله تعالى إذا قتلتُ القاتلَ بالقتل، أن أقتل الحابس بالحبس، والحبس غير القتل، ومن قتل هذا فقد أحال حكم الله ؛ لأن الله إذا قال ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨] فالقصاص أن يفعل بالمرء مثل ما فعل. انتهى كلامه ﵀ مختصراً.
وهذه الصورة تختلف عن صورة اشتراكهما في قتله بأن يضربه كل واحد منهما ضربة قاتلة؛ فيقتلان به، ولو كانوا عشرة يقتلون به، نقلوا إجماع الصحابة على ذلك. والله أعلم
قال المؤلف ﵀: (وفي قَتلِ الخَطَأِ الدِّيةُ والكَفَّارةُ، وهوَ مَا ليسَ بِعَمدٍ، أو مِن صَبِيٍّ أو مَجنُونٍ، وهيَ على العَاقِلةِ وهمُ العَصَبةُ)
وفي قتل الخطأ الدية: القتل نوعان عند بعض أهل العلم، وثلاثة عند البعض الآخر، أي أن العلماء اختلفوا فمنهم من يقسم القتل إلى نوعين فقط:
١ - قتل عمد.
٢ - قتل خطأ.
ومن العلماء من يقسم القتل إلى ثلاثة أنواع:
١ - عَمْد.
٢ - شِبْه عمد.
٣ - خطأ.
قتل العمد: وهو أن يقصد قتل إنسان بما يُقصد به القتل غالباً.
يأتي زيد لعمرو، وينوي زيد قتل عمرو ويقصده ويذهب إليه كي يقتله، ويضربه بشيء يقتل غالباً، لا يمسك حصى صغيرة ويضربه بها، لا، يمسك مثلاً حجراً كبيراً صخرة ويضربه بها على رأسه، فمثل هذه الصخرة الكبيرة مثلها يقتل غالباً.
أو يأخذ مسدساً ويطلق على رأسه.
أو يأخذ سكيناً ويطعنه.
مثل هذه الآلات آلات قاتلة في الغالب هي تقتل ومعروف بين الناس أنها تقتل عادة، فإذا قصد إنساناً ليقتله، وضربه بما يقتل غالباً؛ فهذا القتل يسمى قتلاً عمداً.
стр. 619
وأما قتل شبه العمد: وهو أن يقصد ضربه بما لا يموت مثله من مثل ذلك الضرب غالباً.
أن يأتي بعصا مثلاً أو سوط، عصا رفيعة خفيفة مثلها لا يقتل غالباً أو سوط ويضربه به فيموت الشخص المضروب، مثل هذا شبه عمد.
أن يقصد ضربه، فالضرب مقصود.
بما لا يموت مثله: شخص مثلاً قوي مفتول العضلات طويل عريض فهذا لا يموت من ضربة عصا صغيرة عادة، لا يموت مثله من مثل ذلك الضرب غالباً، مسك عصا صغيرة وضربه بها ضربتين ثلاثة في الغالب أن مثل هذا الشخص مفتول العضلات قوي لا يموت من مثل هذه الضربات، فإذا مات يكون هذا شبه عمد.
قتل الخطأ: وهو أن لا يقصد ضربه، وإنما قصد غيره فأصابه، أو حفر بئراً فتردى فيه إنسان، أو نصب شبكة حيث لا يجوز، فتعلق بها رجل ومات.
قصد الضرب غير حاصل أصلاً، وإنما قصد غيره فأصابه؛ كالذي يُصوُّب على غزال ليصيده، فتصيب الطلقة شخصاً فتقتله، أو حفر بئراً فتردى فيه إنسان أي وقع فيه إنسان، ونحو ذلك.
رجل يريد أن يصيد طيراً أو يصيد غزالاً على الأرض فأطلق على الغزال فجاءت في رجل فقتلته، الآن هو لا يريد أن يضرب هذا الرجل نهائياً إنما قصده الغزال، فإذا جاءت الضربة فيه فهذا يعتبر قتل خطأ.
يحفر بئراً في مكان من أجل الماء، فيأتي إنسان مار فيقع في هذا البئر فيموت، فهذا يكون قتل خطأ.
ومن ذلك حوادث السيارات غالباً، صاحب السيارة لا يقصد ضرب الشخص مطلقاً، هو يسير في طريقه، فاصطدم بسيارة أخرى أو ضرب أحد المارة فمات؛ فهذا قتل خطأ.
وعَدّ المؤلف منه أن يكون القاتل صغيراً غير مكلف أو مجنوناً.
قال الإمام مالك في الموطأ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لاَ قَوَدَ بَيْنَ الصِّبْيَانِ، وَأنَّ عَمْدَهُمْ خَطَأٌ، مَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمُ الْحُدُودُ وَيَبْلُغُوا الْحُلُمَ، وَأنَّ قَتْلَ الصَّبِيِّ لاَ يَكُونُ إِلاَّ خَطَأً، وَذلِكَ لَوْ أَنَّ صَبِيّاً وَكَبِيراً قَتَلاَ رَجُلاً حُرّاً خَطَأً، كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ. انتهى
стр. 620
الآن التفصيل، بعدما عرفنا قتل العمد وقتل شبه العمد وقتل الخطأ.
القتل العمد فيه القصاص أو الدية في مال الجاني، والدية تكون مغلظة حالَّة أي غير مؤجلة.
فعندنا قصاص أو دية، وإذا كانت الدية فتكون في مال الجاني، يعني تؤخذ ممن قتل، مغلظة: سيأتي كيف تكون مغلظة وكيف تكون مخففة. حالَّة: أي غير مؤجلة، مباشرة يدفعها.
شبه العمد: فيه الدية مغلظة، إذن شبه العمد ليس فيه قصاص، القصاص في العمد فقط، شبه العمد ليس فيه قصاص فيه الدية مغلظة، على عاقلته، ليست عليه هو في ماله هو، بل على عاقلته، وهم العصبة، يعني أقاربه من جهة الأب، هؤلاء العاقلة.
هؤلاء يدفعونها جميعاً، الأغنياء منهم تؤخذ منهم كلٌ بقسطه، حتى تجتمع الدية، فلا تكون على الجاني وحده، بل تكون على العاقلة.
مغلظة وعلى العاقلة.
مؤجلة على ثلاث سنوات.
هذا التأجيل لم يثبت فيه حديث عن النبي ﷺ ؛ لكن ثبت فيه أثر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أجَّلها إلى ثلاث سنوات، ونقل البعض إجماع الصحابة عليه، ولا قصاص فيها.
الخطأ فيه الدية مخففة، الدية المخففة والدية المغلظة سنعرفها إن شاء الله في الديات؛ لكن الآن بشكل سريع: الدية المخففة مائة من الإبل، والدية المغلظة مائة من الإبل في أربعين منها أولادها، يعني أربعين منها حوامل.
الخطأ فيه الدية مخففة على العاقلة أيضاً وليست على الجاني وحده، على العاقلة الذين هم العصبة، في ثلاث سنين ولا قصاص فيه.
فالفرق بين شبه العمد والخطأ في الدية
دية شبه العمد مغلظة، ودية الخطأ مخففة.
فالقتل عمد وشبه عمد وخطأ، هذا القول هو الصحيح في المسألة للحديث الذي ورد عند أبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «عَقْل شبه العمد مغلظ
стр. 621
مثل عقل العمد، ولا يُقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس فتكون دماء في غير ضغينة ولا حمل سلاح» (١) أخرجه أحمد وأبو داود، العقل يعني المقصود به الدية.
لكن هذا الحديث فيه نزاع وخلاف في صحته.
والحديث الثاني الذي هو حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد قتل السوط أو العصا فيه مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها» (٢) أخرجه أبو داود وهذا الحديث أصح من الأول.
فيه إثبات شبه العمد، فهذا الحديث يدل على أن القسمة الصحيحة هي ما ذهب إليه الجمهور من أن القتل منه عمد وشبه عمد ومنه خطأ.
وأما الكفارة التي ذكرها المؤلف ﵀، قال: وفي القتل الخطأ الدية والكفارة؛ هي ما ذكر في كتاب الله، قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إلَّا خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إلَّا أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء/٩٢]، فالكفارة هي: تحرير رقبة، يعني عتق عبد أو أمة، واليوم هذا غير موجود عند أكثر الناس فينتقل إلى: صيام شهرين متتابعين، فمن قتل شخصاً خطأً لزمه أمران: الأول: الكفارة وهي تحرير رقبة أو صيام شهرين متتابعين.
هذا ليس على التخيير، إذا وجد الشخص تحرير رقبة؛ فهذا هو الواجب، فإذا لم يجد ينتقل إلى صيام شهرين؛ لأن الله قال: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾، قال: فمن لم يجد.
والأمر الثاني الدية، والدية هذه تكون حق لورثة المقتول، فإذا تنازلوا عنها وسامحوه تسقط عنه، وإذا لم يتنازلوا وجبت عليه، وسيأتي التفصيل في الديات.
ودليل كون الدية على العاقلة في قتل الخطأ وشبه العمد ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما أن النبي ﷺ قضى بدية المرأة على عاقلتها (٣). فهذا يدل على أن الدية تلزم العاقلة.
стр. 622
كتابُ الدِّياتِ
الديات جمع دية، وهي: المال الواجب بجنايةٍ في نفسٍ أو فيما دونها.
يعني إذا كانت الجناية بقتل نفس أو بقطع عضو، فالمال الذي يجب فيها يسمى دية.
قال المؤلف ﵀: (دِيَةُ الرجلِ المسلمِ: مِائةٌ مِنَ الإبلِ، أو مِائتَا بَقَرةٍ، أو أَلفَا شَاةٍ، أو أَلفُ دِينارٍ، أو اثنا عَشَرَ ألفَ دِرهَمٍ، أو مِائتا حُلَّةٍ، وتُغَلَّظُ دِيَةُ العَمْدِ وشِبهِهِ؛ بأنْ يكونَ المائةُ مِنَ الإبلِ في بُطونِ أربعينَ مِنها أولادُها)
المقصود بالدينار هنا الدينار من الذهب الذي يساوي أربعة غرامات وربع، والمقصود بالدرهم الدرهم من الفضة، والمقصود بالحلة هنا ثياب، رداء من الأعلى وإزار من الأسفل.
اعتمد المؤلف في ذكر هذه الأنواع من الأموال في الدية على حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ فرض في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة» (١) أخرجه أبو داود ولكنه حديث ضعيف لا يصح.
الأصل في الدية الإبل، فَدِية المسلم الحر مائة من الإبل، لحديث عبد الله بن عمرو المتقدم قال فيه النبي ﷺ : «ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد قتل السوط أو العصا فيه مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها».
وتُقَوَّم بالمال للتسهيل على الناس.
يصح تقويمها بالمال أي تقدّر كم تساوي المائة من الإبل بالمال وتُخرَج مالاً، هذا جائز؛ لأنه جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قُتِلَ خَطَأً فَدِيَتُهُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ ثَلَاثُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَعَشَرَةُ بَنِي لَبُونٍ ذُكُورٍ» قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَوِّمُهَا عَلَى أَهْلِ الْقُرَى أَرْبَعَ مِائَةِ دِينَارٍ أَوْ عِدْلَهَا مِنَ الْوَرِقِ، وَيُقَوِّمُهَا عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ، إِذَا غَلَتْ رَفَعَ فِي قِيمَتِهَا، وَإِذَا هَانَتْ نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا عَلَى
стр. 623
نَحْوِ الزَّمَانِ، مَا كَانَ فَبَلَغَ قِيمَتُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَا بَيْنَ الْأَرْبَعِ مِائَةِ دِينَارٍ إِلَى ثَمَانِ مِائَةِ دِينَارٍ أَوْ عِدْلِهَا مِنَ الْوَرِقِ، قَالَ: وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ مَنْ كَانَ عَقْلُهُ فِي الْبَقَرِ عَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَمَنْ كَانَ عَقْلُهُ فِي الشَّاةِ أَلْفَيْ شَاةٍ» (١) أخرجه أبو داود.
فَدِية المسلم الحر مائة من الإبل مقسمة على ما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده هذا.
بنت المخاض هي التي أكملت السنة.
وبنت اللبون هي التي أكملت سنتين.
والحقة التي أكملت ثلاث سنوات.
والجذعة التي أكملت أربع سنوات.
هذه الدية المخففة.
وأما الدية المغلظة فعلى ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو الذي تقدم: ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا؛ مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها. أخرجه أبو داود.
وصح عن عثمان وزيد بن ثابت في المغلظة أنها: أربعون جذعة خَلِفة - يعني: في بطونها أولادها- وثلاثون حقة، وثلاثون بنات لبون.
هذه الدية المغلظة.
القسمة هذه التي ذكرناها هي الراجحة من أقوال أهل العلم، وهي التي وردت فيها الأحاديث الصحيحة، ووردت أحاديث أخرى بقسمة ثانية ضعيفة لا تصح اعتمدها الإمام الشافعي ﵀.
قال المؤلف ﵀: (ودِيَةُ الذِّمِيِّ نِصفُ دِيَةِ المُسلمِ)
هذه الدية التي تقدمت هي دية المسلم. أما الذمي، وهو من يدفع الجزية من الكفار للمسلمين.
стр. 624
تقدم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين. أخرجه ابو داود.
وفي رواية عن النبي ﷺ أنه قال: «دية عقل الكافر نصف دية عقل المؤمن» (١)
فالذمي والمعاهد ديته نصف دية المسلم.
قال المؤلف ﵀: (ودِيةُ المَرأةِ نِصفُ دِيةِ الرَّجلِ)
احتج المؤلف على ذلك بقول النبي ﷺ : «دية المرأة نصف دية الرجل» (٢) وهو أيضاً حديث ضعيف لا يصح فلا يثبت في هذا شيء، وردت فيه آثار عن الصحابة.
ونقل جمع من العلماء الإجماع على أن دية المرأة نصف دية الرجل، وبهذا نقول.
قال المؤلف ﵀: (والأَطرافُ وغيرُهَا كذلكَ في الزائدِ على الثُّلثِ)
جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال النبي ﷺ : «عَقْل المرأة-أي ديتها- مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها» (٣) أخرجه النسائي وغيره، وهو حديث ضعيف، قال النسائي في السنن الكبرى: إسماعيل بن عياش ضعيف كثير الخطأ. انتهى، قلت: يرويه عن ابن جريج وهو حجازي مدلس وقد عنعنه، ورواية إسماعيل عن غير الشاميين ضعيفة.
يعني المراد أن المرأة تساوي الرجل في الدية فيما كان إلى ثلث دية الرجل هكذا قال أهل العلم، فإذا تجاوزت الثلث وبلغ العقل نصف الدية؛ صارت دية المرأة على النصف من دية الرجل.
أي أن دية المرأة في أعضائها إذا كانت أقل من ثلث ديته فهي والرجل سواء، بمعنى أنه إذا قُطع إصبع من أصابع المرأة، الإصبع في الشرع فيه عشرة من الإبل، فإذا قطع إصبع واحد من المرأة فديته عشرة من الإبل، كالرجل تماماً؛ إذا قطع منه إصبع ففيه عشرة من الإبل، وإذا قطع إصبعين فيه عشرون، إذا قطع ثلاثة فيه ثلاثون من الإبل.
стр. 625
الثلاثون في دية الرجل أقل من الثلث؛ لأن دية الرجل مائة من الإبل، فثلاثون أقل من الثلث بقليل فلم تبلغ الثلث بعد، فتبقى كدية الرجل، فإذا قطعت ثلاثة أصابع من الرجل فيها ثلاثون من الإبل، وكذلك إذا قطعت ثلاثة أصابع من المرأة فيها ثلاثون من الإبل.
لكن إذا قطعت أربعة أصابع من الرجل ففيها أربعون رأساً من الإبل، وإذا قطعت أربعة أصابع من المرأة ففيها عشرون؛ لأنها تجاوزت الثلث، أربعون من الإبل قد تجاوزت الثلث من دية الرجل، فإذا تجاوزت الثلث نبدأ فيها بالتنصيف، ننصِّفها، أربعون نصفها عشرون، فتصير عشرين من الإبل.
هذا كلام المؤلف وهو ما يقتضيه الحديث الذي ذكرناه، وهو حديث ضعيف.
ورد في هذا أثر عن سعيد بن المسيب، وهو أثر جيد في الرد على الذين يعارضون السنن بعقولهم:
أخرج مالك في الموطأ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ: كَمْ فِي إِصْبَعِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ , فَقُلْتُ: كَمْ فِي إِصْبَعَيْنِ؟ قَالَ: عِشْرُونَ مِنَ الإِبِلِ، قُلْتُ: كَمْ فِي ثَلاَثةٍ أصابع؟ قَالَ: ثَلاَثُونَ مِنَ الإِبِلِ , فَقُلْتُ: كَمْ فِي أَرْبَعٍ أصابع؟ قَالَ: عِشْرُونَ مِنَ الإِبِلِ , قُلْتُ: حِينَ عَظُمَ جُرْحُهَا، وَاشْتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا، نَقَصَ عَقْلُهَا؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: بَلْ عَالِمٌ مُتَثَبِّتٌ، أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ، فَقَالَ سَعِيدٌ: هِيَ السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي.
سعيد بن المسيب أحد الفقهاء السبعة فقهاء المدينة إمام عظيم، سأله أحدهم قال له: إذا قُطع إصبع المرأة كم فيه؟ إذا قُطع إصبعان؟ إذا قطع ثلاثة؟ إذا قطع أربعة؟ فقال له: إذا قطع ثلاثة ففيها ثلاثون، وإذا قطع أربعة ففيها عشرون.
فقال له: لمّا عَظُمت مصيبتها جعلتموه عشرين؟ ! قال له: أعراقي أنت؟ إخواننا من أهل العراق، ليس المقصود ذم أهل العراق طبعاً لا، ولكن في زمنهم عُرف المذهب الحنفي في العراق وهو مذهب يقوم على الرأي: العقل.
فكان بعضهم يرُد الدليل الشرعي بالعقل، فلذلك قال له هذه الكلمة.
قال الرجل: لا ولكنني متعلم جاهل، جاهل وأريد أن أتعلم. أو عالمٌ أريد أن أتثبت فلستُ من أولئك القوم.
стр. 626
لكن الشاهد في كل الأمر أن السلف ﵃ كانوا حريصين جداً على تعظيم الدليل تعظيم البينة الحجة، قال الله قال رسول الله ﷺ ، وإذا جاء الدليل والأثر عن السلف عندهم فلا ترده بعقلك.
هذا ما كان عليه السلف قاطبة وكانوا ينكرون جداً على الذي يقدِّم رأيه، عقله على شرع الله ﵎.
فهذا الشاهد من الكلام، هذا الذي ذكره سعيد وإن كان الحديث فيه ضعيفاً إلا أن الصحابة عليه، وهو قول مالك وأحمد، فنذهب إليه لقول الصحابة.
والشافعي وأبو حنيفة يقولان: دية المرأة نصف دية الرجل مطلقاً في النفس والأعضاء كلها قلّت أم كثرت. والله أعلم.
قال ابن قدامة في المغني: (وتساوي جراح المرأة جراح الرجل إلى ثلث الدية، فإن جاوز الثلث، فعلى النصف) وروي هذا عن عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت. وبه قال سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، والزهري، وقتادة، والأعرج، وربيعة، ومالك. قال ابن عبد البر: وهو قول فقهاء المدينة السبعة، وجمهور أهل المدينة. وحكي عن الشافعي في القديم.
وقال الحسن: يستويان إلى النصف. وروي عن علي ﵁ أنها على النصف فيما قل وكثر، وروي ذلك عن ابن سيرين، وبه قال الثوري، والليث، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة وأبو حنيفة وأصحابه، وأبو ثور، والشافعي في ظاهر مذهبه. واختاره ابن المنذر ... انتهى
قال المؤلف ﵀: (وتَجبُ الدِّيَة كاملةً في: العَينينِ، والشَّفتينِ، واليَدينِ، والرِّجلينِ، والبَيضَتينِ، وفي الواحدةِ منها نِصفُها، وكذلكَ تَجبُ كامِلةً في: الأنفِ، واللسانِ، والذَّكَرِ، والصُّلبِ)
الدية كاملة واجبة في العينين: يعني إذا أذهب أحد الناس لشخصٍ عينيه، قلع عينيه، فهنا تجب الدية كاملة، أو الشفتين إذا قطع شفتيه العلوية والسفلية، أو إذا قطع يديه أو رجليه أو بيضتيه أي خصيتيه؛ في هذه كلها التي هي الأعضاء التي عند الإنسان منها اثنان، كلها إذا قُطع العضوان ففيها الدية كاملة، وإذا قطع عضو منها ففيها نصف الدية.
стр. 627
قال: وفي الواحدة منها نصفها، يعني في العين نصف الدية، في الشفة الواحدة نصف الدية، وفي اليد الواحدة نصف الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي الخصية الواحدة نصف الدية.
ثم قال: وكذلك تجب كاملة في الأنف، هذا عضو واحد، لا يوجد منه إلا واحد عند الإنسان، الأنف واللسان والذكر والصلب؛ فيها الدية كاملة، في كل عضو من هذه الأعضاء الدية كاملة، والمقصود بالصلب هنا الظهر، أي إذا كُسر الظهر ففيه الدية كاملة.
هذا معنى ما قاله المؤلف، وما ذكره هنا أكثره مجمع عليه، مثلاً العينان فيها إجماع.
كذلك أجمعوا على أن اليد الواحدة فيها نصف الدية، وأجمعوا كذلك على أن الأنف إذا قُطع بالكامل ففيه الدية كاملة، وإذا قطعت الأرنبة منه فقط-الأرنبة هي رأس الأنف من الأمام- ففيها نصف الدية.
والذكر كذلك أجمعوا عليه، والصلب كذلك فيه إجماع، واللسان فيه إجماع كذلك. هذه كلها قد أجمعوا عليها، نقل الإجماع ابن المنذر في كتابه الإجماع.
وورد ذكر هذه الأشياء كلها في حديث عمرو بن حزم عند النسائي، وبعضها مذكور في حديث عمرو بن شعيب عند أبي داود، لكن في الجملة كلها أحكام صحيحة على ما ذكره المؤلف ﵀.
قال المؤلف ﵀: (وأَرْشُ المَأمُومةِ والجَائِفةِ؛ ثُلُثُ دِيةِ المَجنِيِّ عَليهِ، وفي المُنَقِّلَةِ عُشْرُ الدِّيَةِ ونِصفُ عُشرِهَا، وفي الهاشِمَة عُشرُهَا، وفي كُلِّ سِنٍّ نِصفُ عُشرِهَا، وكَذَا في المُوضِحَةِ، وما عَدا هذه المُسمَّاة فيكون أَرشُهُ بِمقدَارِ نِسبتِهِ إلى أَحدِهِا تَقرِيباً)
المَأمُومَة: هي الجناية البالغة أم الدماغ، الجناية يُضرب شخص بحجر كبير فتصل إلى أصل الدماغ من الداخل.
الجَائِفَة: هي الطعنة التي تبلغ الجوف.
المُنَقِّلة: هي التي تنقل العظم أو تكسره.
الهَاشِمَة: هي الشجة التي تُهشِّم العظم.
المُوضِحَة: الشجة التي توضح العظم، أي تظهره وتكون في الوجه أو في الرأس.
وهذه الأشياء التي ذكرها المؤلف كلها مذكورة في كتاب عمرو بن حزم
стр. 628
قال المؤلف: وأَرش المأمومة: يعني القيمة التي تجب في المأمومة والجائفة؛ ثلث دية المجني عليه.
دية المجني عليه إذا كان رجلاً مائة من الإبل، ثلثها.
والذمي والمرأة ديتهما خمسون من الإبل، فثلث الخمسين.
وفي المُنَقِّلة عشر الدية ونصف عشرها، عشر دية الرجل المسلم عشرة من الإبل، ونصف عشرها خمس، ففيها خمسة عشر رأساً من الإبل.
وفي الهاشمة عشرها: يعني عشرة من الإبل في الرجل المسلم.
وفي كل سن نصف عشرها. نصف عشر الدية، خمس من الإبل، نقل الإجماع على ذلك في كل سن خمس من الإبل.
وكذا في الموضحة: أي كذلك الموضحة فيها نصف عشرها.
وما عدا هذه المسماة يعني غير الذي ذكرناه لكم فيكون أَرشه يعني القيمة والقدر الذي يقدر فيه بمقدار نسبته إلى أحدهما تقريباً، نقرِّب بعد ذلك الجنايات الأخرى نقربها إلى أقرب ضربة من الضربات التي ذكرناها، ونساويها بها؛ لأنه لا يوجد نص عندنا شرعي فيها فنجتهد، نقيسها بغيرها ونعطيها القدر التي تستحقه من ذلك.
قال الإمام مالك في الموطأ: «الأمر عندنا أن المأمومة والمنقلة والموضحة لا تكون إلا في الوجه والرأس، فما كان في الجسد من ذلك فليس فيه إلا الاجتهاد».
قال المؤلف ﵀: (وفي الجَنِينِ - إذا خَرجَ مَيتاً- الغُرَّةُ، وفي العَبدِ قِيمتُهُ، وَأَرشُهُ بِحَسَبِها)
في الجنين إذا خرج ميتاً الغرة؛ لحديث في الصحيحين: أن النبي ﷺ قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرة عبد أو أمة (١). وغرة العبد أو الأمة تقدر بعشر دية الأم، عشر دية الأم إذا كانت مسلمة حرة على الصحيح خمس من الإبل.
أصل الغرة بياض في وجه الفرس، يكون في مقدمة وجه الفرس، هذه أصل الغرة، والمقصود بها هنا: العبد أو الأمة.
وأما إذا خرج الجنين حياً ثم مات من الجناية؛ ففيه الدية أو القَوَدْ، يعني إما الدية أو القتل
стр. 629
قصاصاً.
وقوله: وفي العبد قيمته وأرشه بحسبها: العبد إذا قُتل ليس فيه دية، ليس كالحر بل فيه القيمة، قيمة العبد في السوق، تُدفع قيمة العبد. قالوا: لا خلاف في ذلك.
قال ابن المنذر: وأجمعوا أن في العبد يُقتل خطأً قيمته، إذا كانت القيمة أقل من الدية، يعني الدية مائة من الإبل مثلاً، إذا كان يساوي هذا العبد أقل من مائة من الإبل فتُدفع قيمته؛ لكن إذا زادت عن مائة من الإبل، هنا حصل خلاف بين أهل العلم، والصحيح أن فيه قيمته مطلقاً سواء زادت أم نقصت.
وأرشه بحسبها: فلنقل إن العبد يساوي في السوق ألف دينار، فإذا قُطعت يده؛ صار عقل اليد خمسمائة دينار، النصف؛ لأن الحر إذا قطعت يده عقلها نصف الدية، فتكون يد العبد فيها نصف القيمة، وكذلك إذا قطعت الأصبع، ننظر في الحر كم عقل الأصبع فيه؟ العُشر، فتكون أصبع العبد عشر قيمته، ينظر كم يساوي في السوق وهو سليم، فنقدر العشر، فتكون ديته بناء على ذلك، هذا معنى قول المؤلف: وأرشه بحسبها. والله أعلم
لأن العبد في ذلك كله حكمه حكم المتاع الذي يباع ويشترى ويُملَك، فهو مملوك مثله مثل المتاع لذلك قاسوه بالمتاع. والله أعلم
بَابُ القَسَامَةِ
قال المؤلف ﵀: (إذا كانَ القَاتِلُ مِن جَمَاعةٍ مَحصُورينَ؛ ثَبتَت، وهي: خَمسونَ يَمِيناً، يَختارُهُم وَلِيُّ القَتيلِ، والدِّيَةُ - إن نَكَلُوا- عليهم، وإنْ حَلفُوا سَقَطَتْ، وإنِ التبَسَ الأمرُ؛ كانتْ مِن بيتِ المَالِ)
هذا موضوع القَسامة كاملاً.
القسامة: مصدر مشتق من القَسَم، تقول: أَقسَم يُقسِم إقساماً وقسامةً.
وصورتها هنا: أن يُوجد قَتيل لا يُعرف قاتله، وادّعى وليُّه على جماعةٍ معينة أن القاتل منهم، وعليهم لَوَثٌ ظاهر.
стр. 630
المقصود باللوث: ما يغلب على الظن صدق المدّعي، بأن يوجد القتيل بين قوم من الأعداء مثلاً ولا يخالطهم غيرهم، أو اجتمع جماعة في بيت أو في صحراء وتفرقوا عن قتيل، فإذا كان القتيل في بلدة أو في طريق من طرقها أو قريباً منها أجريت القسامة على أهل تلك البلدة.
وكيفيته: أن يَختار وليُّ المقتول خمسين رجلاً من هذه البلدة؛ ليحلفوا بالله أنهم ما قتلوه، ولا علموا له قتيلاً.
فلا هم قتلوه ولا يعرفون مَنْ قتله.
فإن حلفوا سقطت عنهم الدية.
وإن امتنعوا وجبت ديته على أهل تلك البلدة جميعاً.
وإن التبس الأمر كانت ديته من بيت مال المسلمين.
ودليلها ما أخرجه البخاري ومسلم عن سهل بن أبي حثمة أن عبد الله بن سهل ومُحَيِّصَة خرجا إلى خيبر من جَهدٍ أصابهم- من جهد يعني فقر ومشقة وتعب بسبب قلة ذات اليد- فأُخبر محيصة أن عبد الله قُتل وطرح في فقيرٍ أو عين- فقير حفرة من الحفر التي كان يغرس فيها الفسيل أو عين ماء يشرب منها- فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا: ما قتلناه والله، ثم أقبل حتى قدم على قومه - محيصة اتهم اليهود فأنكر اليهود وحلفوا أنهم ليسوا هم، فرجع محيصة إلى قومه - فذكر لهم، وأقبل هو وأخوه حُوَيِّصة - وهو أكبر منه- وعبد الرحمن بن سهل، فذهب ليتكلم- يعني محيصة جاء هو وحويصة وعبد الرحمن إلى النبي ﷺ وحويصة أكبر من محيصة، فأراد محيصة أن يتكلم كونه هو الذي كان مع أخيه الذي قتل- وهو الذي كان بخيبر فقال النبي لمُحَيِّصَة: «كبِّر كبِّر» -أي قدِّم في الكلام من هو أكبر سناً- يريد السن، فتكلم حُويِّصة ثم تكلم مُحَيِّصة، فقال رسول الله: «إما أَنْ يَدُوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحربٍ» - بالنسبة لليهود إما أن يدفعوا دية صاحبكم أو الحرب- فكتب رسول الله ﷺ به، فكُتب: ما قتلناه، -كتب النبي ﷺ لليهود، فكتبوا أننا لم نقتله- فقال رسول الله لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ » قالوا: لا. قال: «أفتحلف لكم يهود؟ » قالوا: ليسوا بمسلمين. فوداه رسول الله ﷺ من عنده مائة ناقة حتى أُدخلت الدار (١).
وفي رواية عند مسلم قال: «أتحلفون خمسين يميناً؟ »، قال: «فتبرِّئكم يهود بخمسين يمين».
وفي رواية أخرى عند مسلم: «يقسم خمسين منكم على رجلٍ منهم»، أي خمسين واحد منكم يقسموا أن واحداً منهم هو الذي قتله.
وقال أيضاً: «فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم».
стр. 631
كتابُ الوَصِيَّةِ
الوصية مأخوذة من وَصَيْتُ الشيء بالشيء وصلته؛ لأنه وصل ما كان في حياته بما بعده. هذا أصلها اللغوي.
واصطلاحاً: تمليكٌ مضافٌ إلى ما بعد الموت.
كأن تقول سيارتي بعد موتي لفلان.
قال المؤلف ﵀: (تَجِبُ على مَن لهُ ما يُوصِي فيه)
فالوصية واجبة فقط على من له ما يوصي به من حقوق؛ لقول النبي ﷺ : «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه؛ إلا ووصيته مكتوبة عنده» (١) متفق عليه.
فهذا الحديث يدل على أن من له شيء يريد أن يوصي فيه وجبت عليه الوصية في ذلك.
قال النووي ﵀ عند شرح الحديث المذكور: فيه الحثُّ على الوصية، وقد أجمع المسلمون على الأمر بها، لكن مذهبنا ومذهب الجماهير أنها مندوبة لا واجبة، وقال داود وغيره من أهل الظاهر هي واجبة لهذا الحديث، ولا دلالة لهم فيه فليس فيه تصريح بإيجابها، لكن إن كان على الإنسان دين أو حق أو عنده وديعة ونحوها؛ لزمه الإيصاء بذلك.
قال الشافعي ﵀: معنى الحديث ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده، ويستحب تعجيلها، وأن يكتبها في صحته، ويشهد عليه فيها، ويكتب فيها ما يحتاج إليه، فإن تجدد له أمر يحتاج إلى الوصية به ألحقه بها. انتهى كلام الشافعي.
قال النووي: قالوا: ولا يكلف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات وجزيئات الأمور المتكررة.
قال: وأما قوله ﷺ ووصيته مكتوبة عنده فمعناه مكتوبة وقد أشهد عليه بها لا أنه يقتصر على الكتابة، بل لا يعمل بها ولا تنفع إلا إذا كان أشهد عليه بها، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال الإمام محمد بن نصر المروزي من أصحابنا يكفي الكتاب من غير إشهاد لظاهر الحديث. والله أعلم
ثم قال المؤلف ﵀: ولا تَصِحُّ: ضِراراً)
إذا كانت الوصية للإضرار بالغير فلا تصح؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن
стр. 632
الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت فيُضارّان في الوصية؛ فتجب لهما النار». ثم قرأ أبو هريرة ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللهِ﴾ [النساء/١٢] إلى قوله ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١). أخرجه أبو داود وغيره، وهو حديث ضعيف فيه شهر بن حوشب لا يحتج به لسوء حفظه.
وفي الآية المذكورة دليل على المراد.
وصح عن ابن عباس أنه قال: الإضرار في الوصية من الكبائر (٢).
قال الشوكاني: وقد روى جماعة من الإئمة الإجماع على بطلان وصية الإضرار.
إذن الوصية إذا كُتبت للإضرار بالورثة فهي باطلة؛ كمن يوصي مثلاً بماله للفقراء أو لجمعية خيرية، أو يوقف ماله كله عند الموت؛ للإضرار بالورثة، فمثل هذه الوصية تعتبر باطلة؛ لأنها وصية إضرار، وهذا محل إجماع كما نقل.
قال المؤلف ﵀: (ولا لِوارِثٍ)
أي الوصية كذلك لا تصح لوارث؛ لقول النبي ﷺ : «لا وصية لوارث» (٣) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما.
فإذا كان الشخص من الورثة فلا تصح الوصية له، نقل ابن المنذر وغيره الإجماع عليه.
فإذا كان الوالدان مثلاً لا يرثان فالوصية جائزة لهما بالإجماع.
لكن إذا كانا من الورثة ولهما إرث فهنا لا تجوز الوصية لهما.
فمَنْ كان من الورثة له نصيب في الإرث فلا تجوز الوصية له، ومن لم يكن له نصيب في الإرث فتجوز الوصية له للحديث الذي ذكرناه، والإجماع.
قال ابن المنذر ﵀ في الإجماع: وأجمعوا على أنه لا وصية لوارث إلا أن يجيز ذلك.
وأجمعوا أن الوصية لوالدين لا يرثان المرء، والأقرباء الذين لا يرثون؛ جائزة.
وقال ابن حزم في مراتب الإجماع: واتفقوا أن الوصية لوارث لا تجوز.
قال المؤلف: (ولا في مَعصيةٍ)
كذلك لا تصح الوصية في معصية؛ لأن الوصية بالمعصية معصية، وقد نهى الله عباده عن معاصيته في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ فلا تجوز الوصية بالمعصية، كالوصية بالبناء على القبور أوبناء كنيسة، أو شراء الخمور أو الدخان، وما شابه.
قال ابن حزم في مراتب الإجماع: واتفقوا أن الوصية بالمعاصي لا تجوز.
وقال: واتفقوا أن من أوصى بما لا يملك وبطاعة ومعصية؛ أن الوصية تنفذ في الطاعة وبما يملك، وتبطل في المعصية وفيما لا يملك.
стр. 633
قال المؤلف: (وهي في القُرَبِ من الثُّلُثِ)
يعني إذا أوصى شخص بشي من ماله أو بكل ماله بأن يوضع في قربة كبناء مسجد؛ فلا تصح الوصية إلا بالثلث من ماله فقط، فإذا كانت الوصية بثلث المال أو أقل عُمل بها.
وإذا كانت الوصية ليست فيها معصية وصية طاعة قربة جائزة، وكذلك إذا كانت في مباح، وكانت بثلث المال أو أقل من الثلث صحَّت.
وأما إذا كانت الوصية بأكثر من الثلث فلا تصح، فلا يعمل بها إلا بالثلث فقط.
وذلك لحديث سعد أن النبي ﷺ قال: «الثلث والثلث كثير أو كبير»، هذا عندما كان سعد بن أبي وقاص على فراش المرض، أصابه مرض شديد حتى ظن أنه هالك، فقال للنبي ﷺ : أموت الآن على فراشي وليس لي إلا بنتٌ ترثني، فأراد أن يتصدق، فقال للنبي ﷺ : أتصدق بثلثي مالي. فقال النبي ﷺ : «لا». قال: فالشطر. يعني النصف. قال: «لا». فقال النبي: «الثلث والثلث كثير أو كبير»، يعني تصدق بالثلث، لكنه أيضاً كثير، يعني لو أنه نزل عن الثلث كان أفضل. ثم قال له: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» (١)، يعني أن تترك الورثة الذين من خلفك أغنياء عندهم ما يكفيهم، خير من أن تتركهم يحتاجون الناس ويمدون أيديهم للناس.
هذا الحديث متفق عليه، وهو الدليل على ما ذكر المؤلف ﵀.
وقال ابن المنذر ﵀ في الإجماع: وأجمعوا على أن الوصايا مقصورة بها على ثلث مال العبد.
وأخرج البخاري عن ابن عباس ﵄، قال: لو غض الناس إلى الربع، لأن رسول الله ﷺ قال: «الثلث والثلث كثير أو كبير» (٢).
وقال ابن المنذر في الإقناع: ويستحب إذا أوصى المرء أن ينقص من الثلث شيئاً؛ لقول النَّبِيّ ﷺ : «الثلث والثلث كثير».
ويستحب أن يدع المرء ورثته أغنياء؛ لقول النَّبِيّ ﷺ : «إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس».
قال المؤلف ﵀: (ويَجبُ تَقدِيمُ قَضاءِ الدُّيونِ)
الديون: أموال هي من حق أصحابها مشغولة بها ذمة الميت وليست من حقه.
стр. 634
فوجب رد الحقوق إلى أصحابها قبل العمل بالوصية، قبل تنفيذ الوصية وقبل تقسيم التركة، وليس بين العلماء خلاف في تقديم الدَّيْن على الوصية.
قال ابن حزم في مراتب الإجماع: واتفقوا أن الوصية لا تجوز إلا بعد أداء ديون الناس، فإن فضل شيء جازت الوصية والا فلا.
واختلفوا في ديون الله تعالى من كل فرض في المال أو مخير بمال؛ فأسقطها قوم وأوجبها آخرون قبل ديون الناس، ولم يجعلوا لديون الناس إلا ما فضل عن ديون الله تعالى؛ وإلا فلا شيء للغرماء.
ثم قال المؤلف: (ومَن لم يَترُك ما يَقضِي دَينهُ؛ قَضَاهُ السُّلطانُ مِن بيتِ المَالِ)
شخص عليه ديون وماله الذي عنده لا يكفي لقضاء دينه، يقول المؤلف هنا: يقضيه السلطان من بيت المال؛ لحديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي ﷺ قال في خطبته: «من ترك مالاً أو حقاً فلورثته»، إذا مات الشخص وترك مالاً ميراثاً فماله للورثة، «ومن ترك كَلًّا أو ديناً فكَلُّه إلي ودينه عليّ» (١)، كَلاً يعني ترك عيالاً يحتاجون إلى نفقة، أو ترك ديناً فقال النبي ﷺ : «فكَلُّه إلي» يعني عياله عليّ يعني أنا أتكفل بهم، «ودينه علي» والذي على النبي ﷺ يرجع على السلطان في بيت مال المسلمين.
قال النووي ﵀: واختلف أصحابنا في قضاء دين من مات وعليه دين، فقيل: يجب قضاؤه من بيت المال، وقيل: لا يجب.
ومعنى هذا الحديث أن النبي ﷺ قال: أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم وموته، وأنا وليه في الحالين، فإن كان عليه دين قضيته من عندي إن لم يخلف وفاء، وإن كان له مال فهو لورثته لا آخذ منه شيئاً، وإن خلف عيالاً محتاجين ضائعين فليأتوا إلي فعلي نفقتهم ومؤنتهم.
стр. 635
كِتابُ المَوَاريثِ
المواريث: جمع ميراث، وهو اسمٌ لما يورث عن الميت.
يقال: ورث فلان غيره إذا ناله شيء من تركته، أو خَلَفه في أمرٍ من الأمور بعد وفاته.
قال المؤلف: (هي مُفصلَّةٌ في الكِتابِ العَزيزِ)
في سورة النساء الآية ١١ والآية ١٢ والآية ١٧٦ فصل الله الكثير من حقوق العباد في التركة.
نمر عليها هنا مروراً سريعاً، والتفصيل تجدونه في شرحي على الرحبية.
قال الله في كتابه الكريم: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء/١١] هذه القسمة الأولى من التركة ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾: إذا مرت معك كلمة الأولاد في القرآن أو في السنة اعرف أن المقصود بها الذكر والأنثى.
﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾: إذن الذكر من الأبناء له نصيبان، والأنثى لها نصيب واحد، فإذا أخذ الذكر مائة دينار فالأنثى تأخذ خمسين ديناراً.
﴿فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾: إذا كان الشخص لم يترك أبناء ذكوراً، ولكنه ترك بنات إناثاً، وهنَّ أكثر من اثنتين، مات وترك ثلاث بنات أو أربعة أو خمسة أو أكثر، قال: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾: الثلثان يُقسَّم الثلثان على عدد البنات، كلهن يأخذن الثلثين، والثنتان كذلك قياساً عند أهل العلم على الأخوات.
﴿وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾: إذا ترك الميت بنتاً واحدة، هلك هالك وترك بنتاً فلها النصف، طيب إذا معها أخ؟ نرجع لأول الآية: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ فهنا الآن هي واحدة، لا معها أخت ولا معها أخ بالنسبة لها.
دائماً الأوصاف التي تُذكر، تذكر للميت، عندما يقال: هلك هالك وترك بنتاً، وأخاً، وأماً، هذه النسبة بالنسبة للميت، يعني بنت الميت، وأخ الميت .. إلخ.
ميراث الأبوين:
قال تعالى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ﴾: لأبوي الميت، الأبوان على التغليب، المقصود الأب والأم.
﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ يعني الأم والأب لكل واحد منهما السدس ﴿مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ يعني إذا هلك هالك وترك أباً وأماً وعنده ولد، عنده ذرية ذكور أم إناث، واحد أم أكثر المهم عنده ولد، فإذا كان عنده ولد فلأبيه السدس، ولأمه السدس، والولد بعد ذلك يأخذ الباقي إذا كان ذكراً، وإذا كانت أنثى واحدة تأخذ النصف منه والباقي يرجع إلى الأب.