← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1333

إسبال الكلام على حديث ابن عباس في القيام

أحمد الزومان

Полный текст (883 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

تعريف القرين لغة: المصاحب، والشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه والقرين: يكون في الخير والشر (١). شرعًا: القرين وهو شيطان الآدمي الذي قرن به ووكل به (٢). القرين في القرآن: دلت نصوص القرآن والسنة على أنَّ لكل إنسان قرينًا من الشياطين من ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٨]. تنبيه: اختلف المفسرون في المراد بالقرين في بعض الآيات هل هو الملك أو الشيطان كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٢٧] (٣). أو هو شيطان الجن أو الإنس كما في قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥] (٤).

стр. 247

أحاديث القرين جاء ذكر قرين بني آدم من شياطين الجن في أحاديث: ١: عائشة. ٢: عبد الله بن مسعود. ٣: ابن عمر. ٤: شريك بن طارق. ٥: ابن عباس. ٦: المغيرة بن شعبة. ٧: أبي أمامة. ٨: أبي هريرة. ٩: أبي مالك الأشعري ﵃. الحديث الأول: حديث عائشة ﵂ عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلًا، قالت: فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال: «مَا لَكِ؟ يَا عَائِشَةُ أَغِرْتِ؟» فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله ﷺ : «أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ» قالت: يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال: «نَعَمْ» قلت: ومع كل إنسان؟ قال: «نَعَمْ» قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: «نَعَمْ، وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ» (١). الحديث الثاني: حديث عبد الله بن مسعود، ﵁ عن عبد الله بن مسعود، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ» قالوا: وإياك؟ يا رسول الله قال: «وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ» (٢).

стр. 248

الحديث الثالث: حديث ابن عمر ﵄ ١: عن عبد الله بن عمر ﵄، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ» (١). ٢: عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ «فُضِّلْتُ عَلَى آدَمَ ﵇ بِخَصْلَتَيْنِ:

стр. 249

كَانَ شَيْطَانِي كَافِرًا فَأَعَانَنِي اللهُ حَتَّى أَسْلَمَ وَكُنَّ أَزْوَاجِي عَوْنًا لِي، وَكَانَ شَيْطَانُ آدَمَ كَافِرًا وَزَوْجَتُهُ كَانَتْ عَوْنًا لَهُ عَلَى خَطِيئَتِهِ» (١). الحديث الرابع: حديث شريك بن طارق ﵁ عن شريك بن طارق ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ شَيْطَانٌ»، قالوا: ولك يا رسول الله؟ قال: «وَلِي، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ» (٢). الحديث الخامس: حديث ابن عباس ﵄ ١: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول ﷺ : «لَيْسَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ». قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «نَعَمْ، وَلَكِنَّ اللهَ أَعَانَنِي

стр. 250

عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ» (١). ٢: في حديث ابن عباس ﵄ «وكانت ميمونة ﵂ حائضًا، فقامت فتوضأت، ثم قعدت خلفه تذكر الله، فقال لها النبي ﷺ : «أَشَيْطَانُكِ أَقَامَكِ»؟ قالت: بأبي وأمي يا رسول الله، ولي شيطان؟ قال: «إِي وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ وَلِي، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ، فَأَسْلَمَ» (٢). الحديث السادس: حديث المغيرة بن شعبة ﵁ عن المغيرة بن شعبة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا جُعِلَ مَعَهُ قَرِينٌ مِنَ الْجِنِّ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ» (٣). الحديث السابع: حديث أبي أمامة ﵁

стр. 251

في حديث أبي أمامة ﵁ «وَمَلِكُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَقَرِينُهُ عَنْ يَسَارِهِ» (١). الحديث الثامن: حديث أبي هريرة ﵁ عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِخَصْلَتَيْنِ كَانَ

стр. 252

شَيْطَانِي كَافِرًا فَأَعَانَنِي اللَّهُ عَلَيْهِ حتى أَسْلَمَ» ونسيت الخصلة الأخرى. (١). الحديث التاسع: حديث أبي مالك الأشعري ﵁ حديث أبي مالك الأشعري ﵁ مرفوعا -: «إنَّ القرينَ هو كاتبُ السيئاتِ» (٢). تنبيه: رويت أحاديث ليست صريحة في القرين تأتي في المسألة التالية: القرين من الملائكة.

стр. 253

الخلاف في عودة الضمير في كلمة (أسلم) في حديث القرين قول النبي ﷺ في حديث القرين «فأسلمُ» هل هو فعل مضارع؟ فالفاعل هو النبي ﷺ فيسلم النبي ﷺ من وسوسة القرين. أو أفعل تفضيل؟ فسلامة النبي ﷺ ليست كسلامة غيره. أو هو فعل ماضٍ فأسلمَ؟ فالفاعل القرين وعلى هذا التقدير دخل القرين في الإسلام. أو انقاد مع كفره فلا يأمر النبي ﷺ إلا بخير بخلاف غيره فيوسوس له بالشر. هذا محل الخلاف. القول الأول: أسلمُ منه: فالقرين كافر لكنَّ النبي ﷺ يسلم من وسوسته اختار ذلك سفيان بن عيينة (١) ومحمد بن الصباح الدولابي شيخ الإمام أحمد (٢). الدليل الأول: في حديث عائشة ﵂ «أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ» قالت: يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال: «نَعَمْ» قلت: ومع كل إنسان؟ قال: «نَعَمْ» قلت: ومعك؟ يا رسول الله قال: «نَعَمْ، وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَم». الدليل الثاني: عن شريك بن طارق ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ شَيْطَانٌ»، قالوا: ولك يا رسول الله؟ قال: «وَلِي، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمُ». وجه الاستدلال: الشيطان لا يسلم فيحمل أسلم على سلامة النبي ﷺ منه (٣). الرد من وجهين: الأول: لا مانع أن يخص الله نبيه ﷺ بإسلام قرينه (٤).

стр. 254

الثاني: هذا التوجيه صرف للفظ عن ظاهره (١). الدليل الثاني: ببقاء القرين على كفره تظهر فضيلة مجاهدة النبي ﷺ للشيطان (٢). الدليل الثالث: الأصل كفر القرين (٣) ولا دليل صحيح صريح بإسلام قرين النبي ﷺ . القول الثاني: خضع وانقاد: «فأسلمَ» فعل ماضٍ أي استسلم القرين قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) وابن أبي العز الحنفي (٥) وذكر هذا القول الدارمي (٦) والنووي (٧) وابن رجب (٨) ولم ينسبوه للقائلين به. الدليل الأول: في حديث شريك بن طارق ﵁، «إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ». وجه الاستدلال: لا يصلح حمل لفظ أسلم على الدخول في الإسلام فيحمل على الإسلام الظاهر وهو الانقياد (٩). الرد: تقدم أنَّه لا مانع من إسلامه فيكون من خصائص النبي ﷺ . الجواب: لم يثبت ما يدل على ذلك. الدليل الثاني: في رواية لحديث ابن مسعود ﵁ «فاستسلم» (١٠). وجه الاستدلال: هذه الرواية صريحة في انقياد القرين.

стр. 255

الرد من وجهين: الأول: ذكر هذه الرواية القاضي عياض والنووي ولم يذكرا من رواها ولم أقف عليها مسندة. الثاني: تقدم قول الدارمي: من الناس من يقول أسلم: استسلم، يقول: ذل. فالدارمي لم يجعلها من كلام النبي ﷺ فيحتمل أنَّه حصل لبس عند من ذكرها رواية مسندة والله أعلم. الدليل الثالث: عن أبي هريرة، ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ - أو كلمة نحوها - لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي» (١). وجه الاستدلال: استسلام شيطان الجن للنبي ﷺ له نظائر فلفظ «أسلم» المحتمل يحمل على الاستسلام لتعذر حمله على الدخول في الإسلام. الرد من وجهين: الوجه الأول: تقدم. الوجه الثاني: على القول بأنَّ أسلمُ أفعل تفضيل فيكون استسلام القرين نسبيًا لا مطلقًا. تنبيه: ليس هناك كبير فرق بين القول الأول والثاني فالقرين باقٍ على كفره. القول الثالث: أسلمَ من الإسلام: ذكر الخطابي أنَّه قول عامة الرواة إلا ابن عيينة (٢)

стр. 256

ونسبه للجمهور القرطبي (١) وابن الجوزي (٢) واختاره ابن خزيمة (٣) وابن حبان (٤) والطحاوي (٥) والقاضي عياض (٦) والنووي (٧) وبدر الدين الشبلي (٨) وابن حجر الهيتمي (٩) والسيوطي (١٠) وأحمد شاكر (١١). الدليل الأول: في حديث عبد الله بن مسعود، ﵁: «إِلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ». الدليل الثاني: في حديث شريك بن طارق ﵁ «إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ». الاستدلال من وجوه: الأول: قول النبي ﷺ «فلا يأمرني إلا بخير» يدل على إسلامه (١٢). الرد من وجوه: الوجه الأول: لا يأمر إلا بخير لذلته وعجزه لا لصلاحه ودينه (١٣). الوجه الثاني: في قصة أبي هريرة ﵁ مع الشيطان: «دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، حتى تختم الآية، فإنَّك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح … » (١٤)

стр. 257

فقد يأمر الشيطان بالخير (١). الوجه الثالث: جاءت نصوص كثيرة من الوحيين يستدل بها على وقوع اللَّمَم من النبي ﷺ . الرد: الأمر بالشر يقع من المسلم فكون القرين يأمر النبي ﷺ باللَّمَم نادرًا لا يدل على إسلامه. الوجه الرابع: لو دخل في الإسلام لم يأمر النبي ﷺ بل يتأمر بأمره ﷺ (٢). الرد: جاء في رواية: «إلا أنِّي آمره فيطيعني». الجواب: تقدم أنَّها رواية شاذة. الوجه الخامس: هذا التوجيه صرف للفظ عن ظاهره لأنَّ الشيطان لا يكون مؤمنًا (٣). الرد: تقدم أنَّ ذلك من خصائص النبي ﷺ . الجواب: تقدم أنَّ هذا يحتاج إلى دليل ولم يوجد. الثاني: يزول عنه اسم الشيطان ويصير مسلمًا إذا أمر بالخير (٤). الرد: تقدم. الدليل الثالث: في حديث ابن مسعود ﵁ «فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِحَقٍّ». وجه الاستدلال: تقدم. الرد من وجهين: الأول: الوجوه المتقدمة. الثاني: تقدم أنَّ هذه رواية بالمعنى والمحفوظ «فلا يأمرني إلا بخير». الدليل الرابع: في حديث ابن مسعود، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ

стр. 258

أَحَدٍ، إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ» قالوا: وإياك؟ يا رسول الله قال: «وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ». وجه الاستدلال: في الحديث قرينه من الجن ولم يقل شيطانه والجن فيهم المسلم والكافر (١). الرد: تقدم في حديث عائشة وحديث شريك بن طارق ﵄ بلفظ «شيطان». الدليل الخامس: في حديث ابن مسعود ﵁: «وَلَكِنَّ اللهَ أَعَانَنِي بِإِسْلَامِهِ، أَوْ أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ». وجه الاستدلال: الحديث نص في إسلام القرين. الرد: تقدم أنَّ لفظ «بإسلامه» ليس محفوظًا وإنَّما المحفوظ «فأسلم». الدليل السادس: في حديث عائشة ﵂: «وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ». وجه الاستدلال: الظاهر أنَّ الشيطان هو الذي أسلم فالضمير في أسلم يعود على أقرب مذكور وهو الشيطان (٢). الرد: يحتمل أنَّ (حتى) بمعنى: كي، فالتقدير: أعانني كي أسلم منه فعلى هذا التقدير الضمير يعود على النبي ﷺ (٣). الدليل السابع: من خصائص النبي ﷺ إسلام قرينه (٤). الرد: تقدم. القول الرابع: أسلمُ أفعلُ تفضيل: فتقديره: فأنا أسلمُ منكم ذكره ابن الملَك الحنفي (٥) وعلى القارئ (٦) ولم يذكرا قائله.

стр. 259

الدليل الأول: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. الدليل الثاني: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]. الدليل الثالث: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]. الدليل الرابع: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]. الدليل الخامس: في حديث ابن عباس ﵄ في افتتاح النبي ﷺ قيام الليل: «فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ» (١). الدليل السادس: في حديث علي ﵃ في افتتاح النبي ﷺ الصلاة: «اللهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، … ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» (٢). الدليل السابع: عن عائشة ﵂: «كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» يتأول القرآن» (٣). الدليل الثامن: عن المغيرة بن شعبة ﵁، قال: قام النبي ﷺ حتى تورمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» (٤). الدليل التاسع: عن عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ ، إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه، قالت عائشة ﵂: يا رسول الله أتصنع هذا، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: «يَا عَائِشَةُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» (٥).

стр. 260

الدليل العاشر: عن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: «فِي سُجُودِهِ اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ، وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ» (١). الدليل الحادي عشر: في حديث عبد الله بن مسعود، ﵁: «إِلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَم، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ». الدليل الثاني عشر: في حديث شريك بن طارق ﵁: «وَلِي، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَم». وجه الاستدلال: ظاهر نصوص الكتاب والسنة السابقة وغيرها أنَّ النبي ﷺ قد يقع منه اللَّمَم فيكون قوله ﷺ في الأحاديث السابقة «فأسلمُ» أفعل تفضيل أي: فأنا أسلمُ منكم ففي أغلب الأوقات «لا يأمرني إلا بخير» فيحمل النفي على أعم الأوقات (٢). فلا بد من الجمع بين النصوص التي ظاهرها التعارض فجمهور المتقدمين على وقوع الصغائر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لكنَّهم لا يقرون عليها. قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات … وأمَّا الصغائر .. فجوزها جماعة من السلف وغيرهم على الأنبياء وهو مذهب أبي جعفر الطبري وغيره من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين … وذهبت طائفة أخرى من المحققين من الفقهاء والمتكلمين إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر … من جوز الصغائر ومن نفاها عن نبينا ﷺ مجمعون على أنَّه لا يقر على منكر من قول أو فعل (٣). وقال القرطبي: قال الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين: تقع الصغائر منهم. خلافًا للرافضة حيث قالوا: إنَّهم معصومون من جميع ذلك، واحتجوا بما وقع من ذلك في التنزيل وثبت من تنصلهم من ذلك في الحديث،

стр. 261

وهذا ظاهر لا خفاء فيه. وقال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك (١) وأبي حنيفة (٢) والشافعي (٣): إنِّهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر أجمعها، لأنَّا أمرنا باتباعهم … (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: القول بأنَّ الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف حتى إنِّه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر أبو الحسن الآمدي أنَّ هذا قول أكثر الأشعرية وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء بل هو [هكذا هو ولعلها زائدة] لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة ﵃ والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول ولم ينقل عنهم ما يوافق القول [قال جامع الفتاوى: بياض قدر ستة أسطر] وإنَّما نقل ذلك القول في العصر المتقدم عن الرافضة ثم عن بعض المعتزلة (٥) ثم وافقهم عليه طائفة من المتأخرين. وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء أنَّهم غير [الظاهر أنَّ (غير) زائدة] معصومين عن الإقرار على الصغائر ولا يقرون عليها ولا يقولون إنِّها لا تقع بحال وأول من نقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقًا وأعظمهم قولًا لذلك: الرافضة فإنِّهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل (٦) والقول الذي عليه جمهور الناس وهو الموافق

стр. 262

للآثار المنقولة عن السلف إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقًا والرد على من يقول إنِّه يجوز إقرارهم عليها وحجج القائلين بالعصمة إذا حررت إنَّما تدل على هذا القول. وحجج النفاة لا تدل على وقوع ذنب أقر عليه الأنبياء فإنَّ القائلين بالعصمة احتجوا بأنَّ التأسي بهم مشروع وذلك لا يجوز إلا مع تجويز كون الأفعال ذنوبًا ومعلوم أنَّ التأسي بهم إنَّما هو مشروع فيما أقروا عليه دون ما نهوا عنه ورجعوا عنه (١). وكذلك ما احتجوا به من أنَّ الذنوب تنافي الكمال أو أنَّها ممن عظمت عليه النعمة أقبح. أو أنَّها توجب التنفير أو نحو ذلك من الحجج العقلية فهذا إنَّما يكون مع البقاء على ذلك وعدم الرجوع وإلا فالتوبة النصوح التي يقبلها الله يرفع بها صاحبها إلى أعظم مما كان عليه (٢). وقال شيخنا محمد العثيمين: النبي ﷺ تجوز عليه الذنوب … ، لكن هناك ذنوبًا لا يمكن أن تقع من النبي ﷺ … الرسل قد يقع منهم الذنب لكنَّهم معصومون من الاستمرار فيه (٣). القول الخامس: التوقف: هذا رأي الإمام أحمد (٤). القول السادس: جواز الأمرين: اختاره ابن هبيرة (٥). الترجيح: كثرة الأقوال في هذه المسألة وتوقف الإمام أحمد فيها يدل على تعارض الأدلة فيها وصعوبة الترجيح. ومع ذلك - فأشارك برأيي في المسألة - فالذي يترجح لي أنَّ عودة الضمير في أسلم للنبي ﷺ وسلامته ﷺ في الحديث ليست مطلقة فيسلم في أغلب الأوقات - سواء قلنا إنَّ أسلم فعلُ ماضٍ أو مضارع أو اسم تفضيل حيث لا يوجد ما يمنع

стр. 263

ذلك من جهة القواعد النحوية - جمعًا بين حديث القرين ونصوص الوحيين التي تفيد وقوع اللَّمَم منه ﷺ ولا يقر عليه والأصل في القرين من الشيطان الكفر ولم أقف على دليل صريح صحيح على إسلام قرين النبي ﷺ فيبقى كقرين غيره كافرًا لكنَّ لا يسلط القرين على النبي ﷺ كغيره من البشر والله أعلم.

стр. 264

القرين من الملائكة جاء ذكر القرين من الملائكة في: ١: حديث جابر ﵁. ٢: حديث عبد الله بن مسعود ﵁. الحديث الأول: حديث جابر ﵁. عن جابر ﵁ قال: «إذا دخل الرجل بيته أو أوى إلى فراشه ابتدره ملك وشيطان، فقال الملك: اختم بخير، وقال الشيطان: اختم بشر، فإن حمد الله وذكره أَطْرَدَه، وبات يكلؤه، فإذا استيقظ ابتدره ملك وشيطان فقالا مثله، فإن ذكر الله وقال: الحمد لله الذي رد إلي نفسي بعد موتها ولم يمتها في منامها، الحمد لله الذي ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، الحمد لله الذي ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ إِلى ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥]، فإن مات مات شهيدًا، وإن قام فصلى صلى في فضائل» (١). وهذا الموقوف له حكم الرفع لكن الذي يظهر لي أنَّ دلالته ليست ظاهرة بحيث يثبت به حكم شرعي حيث لم أقف على دليل صريح في وجود القرين من الملائكة كقرين الشياطين والله أعلم. الحديث الثاني: حديث ابن مسعود ﵁. ١: في حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ». قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: «وَإِيَّايَ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ» وتقدم أنَّ زيادة الملائكة شاذة. ٢: عن ابن مسعود ﵁ قال: «إنَّ للملك لمة، وللشيطان لمة. فلمة الملك: إيعاده بالخير وتصديق بالحق، ولمة الشيطان: إيعاد بالشر وتكذيب بالحق. فمن

стр. 265

أحسَّ من لمة الملك شيئًا فليحمد الله عليه، ومن أحسَّ من لمة الشيطان شيئًا فليتعوذ بالله منه. ثم تلا هذه الآية: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨]» (١).

стр. 266

والأثر له حكم الرفع لكنَّه كأثر جابر ﵁ دلالته ليست ظاهر في ملازمة الملك للإنسان فاللمة هي الهمة والخطرة تقع في القلب، فإلمام الملك أو الشيطان القرب من الآدمي (١) ولا يلزم من ذلك الملازمة ففي حديث أبي الدرداء ﵁، أنَّ النبي ﷺ أتى بامرأة مُجِح على باب فسطاط، فقال: «لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا»، فقالوا: نعم، فقال رسول الله ﷺ : «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، … » (٢). فوطء المرأة قرب منها من غير ملازمة لها. والله أعلم. هذا الذي وقفت عليه فيما يتعلق بالقرين من الملائكة - وفوق كل ذي علم عليم - وذكر ابن الأثير (٣) وابن كثير (٤) ومرتضى الزَّبيدي (٥) وابن باز (٦) بأنَّ للآدمي قرين من الملائكة يحثه على الخير. تنبيه: بعض أهل العلم من المفسرين وغيرهم يطلقون اسم القرين على الكرام الكاتبين وليس هذا محل البحث.

стр. 267

الفصل الثاني ترك العبادة خشية الرياء ما اعتاده المسلم والمسلمة من أعمال الخير التي يداومون عليها لا تترك إذا كانوا بحضرة الناس خشية الرياء فعن أبي مسعود البدري ﵁، قال: قال النبي ﷺ : «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ، إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ» (١). قال أبو عبيد: قال جرير (٢): معناه أنَّ يريد الرجل أن يعمل الخير فيدعه حياءً من الناس كأنَّه يخاف مذهب الرياء يقول: فلا يمنعك الحياء من المضي لما أردت قال أبو عبيد: والذي ذهب إليه جرير معنى صحيح في مذهبه … ولكن الحديث … ليس يجيء سياقه ولا لفظه على هذا التفسير ولا على هذا يحمله الناس وإنَّما وجهه عندي أنَّه أراد بقوله: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت إنَّما هو من لم يستحِ صنع ما شاء على جهة الذم لترك الحياء (٣). وعن الحسن البصري، قال: «ما من أحد عمل عملًا إلا سار في قلبه سَوْرَتان (٤)، فإذا كانت الأولى منهما لله فلا تَهيدَنَّه الآخرة» (٥).

стр. 268

قال أبو عبيد: لا تَهيدَنَّه: لا تصرفنه عن ذلك ولا تزيلنه يقال منه: هِدْتُ الرجل أَهِيده هَيْدًا وهادًا إذا زجرته عن الشيء وصرفته عنه … والذي أراد الحسن … إذا صحت نيته في أول ما يريد الأمر من البر فعرض له الشيطان فقال: إنَّك تريد بهذا الرياء فلا يمنعنه ذلك من الأمر الذي تقدمت فيه نيته. وعن الحارث بن قيس قال: «إذا هممت بخير فلا تؤخر، وإذا أتاك الشيطان وأنت تصلي، فقال: إنَّك ترائي، فزدها طولًا» (١). وروي عن محمد بن سيرين، أنَّه قال: «ما أراد رجل من الخير شيئًا إلا سار في قلبه سوراته فإذا كانت الأولى فلا تَهيدَنَّك الآخرة» (٢). وروي عن الفضيل بن عياض أنَّه قال: «ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله عنهما» (٣). فالإخلاص أن لا يكون للناس أي حظ من العبادة، ولا يترك المتعبد شيئًا منها لأجلهم (٤).

стр. 269

قال أبو الفرج بن الجوزي: ترك الطاعات خوفًا من الرياء فإن كان الباعث له على الطاعة غير الدين فهذا ينبغي أن يترك؛ لأنَّه معصية، وإن كان الباعث على ذلك الدين وكان ذلك لأجل الله مخلصًا فلا ينبغي أن يترك العمل؛ لأنَّ الباعث الدين، وكذلك إذا ترك العمل خوفًا من أن يقال: مراء، فلا ينبغي ذلك لأنَّه من مكايد الشيطان (١). وقال النووي: لا ينبغي أن يترك الذكر باللسان مع القلب خوفًا من أن يظن به الرياء، بل يذكر بهما جميعًا ويقصد به وجه الله تعالى، وقد قدمنا عن الفضيل ﵀: أن ترك العمل لأجل الناس رياء. ولو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس، والاحتراز من تطرق ظنونهم الباطلة لا نسد عليه أكثر أبواب الخير، وضيع على نفسه شيئًا عظيمًا من مهمات الدين، وليس هذا طريق العارفين (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: من كان له ورد مشروع من صلاة الضحى أو قيام ليل أو غير ذلك فإنَّه يصليه حيث كان ولا ينبغي له أن يدع ورده المشروع لأجل كونه بين الناس إذا علم الله من قلبه أنَّه يفعله سرًا لله مع اجتهاده في سلامته من الرياء ومفسدات الإخلاص؛ ولهذا قال الفضيل بن عياض: … وفعله في مكانه الذي تكون فيه معيشته التي يستعين بها على عبادة الله خير له من أن يفعله حيث تتعطل معيشته ويشتغل قلبه بسبب ذلك فإنَّ الصلاة كلما كانت أجمع للقلب وأبعد من الوسواس كانت أكمل (٣). وما روي عن حبيب بن أبي ثابت عن كريب عن ابن عباس ﵄: «وأردت أن أقوم فأصب عليه فخفت أن يدع الليلة من أجلي» ورواية حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس ﵄: «فأردت أن أقوم فأصب عليه، فخشيت أن يذر شيئًا من عمله» لا تصحان والمحفوظ أنَّ ابن عباس ﵄ كان مستيقظًا لكنَّه تظاهر بالنوم كراهة أن

стр. 270

يعلم النبي ﷺ أنَّه كان يرقبه (١). وعلى فرض صحته فكان النبي ﷺ يترك بعض العمل خشية أن يفرض على أمته لا لأجل خشية الريا فيحمل عليه والله أعلم (٢). وقد يترك النبي ﷺ العبادة بحضرة الناس ويصليها في بيته لمصلحة شرعية فعن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ ، يصلي في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه وجاء رجل آخر، فقام أيضًا حتى كنا رهطًا فلما حس النبي ﷺ أنَّا خلفه جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخل رحله، فصلى صلاة لا يصليها عندنا، قال: قلنا له: حين أصبحنا أفطنت لنا الليلة؟ قال: فقال: «نَعَمْ ذَاكَ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى الَّذِي صَنَعْتُ» (٣). فصلى النبي ﷺ بأصحابه ﵃ قيام رمضان عدة ليالي ثم تركه خشية أن يفرض عليهم (٤).

стр. 271

الباب الرابع الطهارة

стр. 272

تمهيد في هذا الباب ذكرت مسائل الطهارة الواردة في حديث ابن عباس ﵄ في سبعة فصول الفصل الأول: أحكام السواك. الفصل الثاني: أحكام الوضوء. الفصل الثالث: الاستعانة على طهارة الحدث. الفصل الرابع: الخلاف في انتقاض الوضوء بالنوم. الفصل الخامس: قراءة القرآن والذكر للمحدث حدثًا أصغر. الفصل السادس: قراءة القرآن من غير نية التعبد بالتلاوة هل تعطى أحكام القرآن؟ الفصل السابع: وضوء الحائض وقت الصلاة وذكرها لله.

стр. 273

الفصل الأول أحكام السواك ١: السواك للصلاة. ٢: السواك في المسجد. ٣: محل السواك من الوضوء.

стр. 274

السواك للصلاة تحرير محل الخلاف: قال ابن الملقن: اجتمع بحمد الله وعونه من الأحاديث من حين شرع المصنف في ذكر السواك إلى هذا المكان زيادة على مائة حديث كلها في السواك ومتعلقاته، وهذا عظيم جسيم، فواعجبًا سنة واحدة تأتي فيها هذه الأحاديث ويهملها كثير من الناس بل كثير من الفقهاء المشتغلين. وهي خيبة عظيمة نسأل الله المعافاة منها (١). فاستقر الإجماع على استحباب السواك عند الوضوء والصلاة (٢) فليس الخلاف في أصل استحباب السواك للصلاة إنَّما الخلاف في مسألتين: الأولى: السواك للصلاة إذا كان في المسجد وتأتي هذه المسألة (٣). الثانية: هل السواك سنة مطلقًا لكل صلاة أو لا؟ وأهل العلم لهم في هذه المسألة ثلاثة أقوال: قول يستحب للحاجة. وقول لا يستحب إذا استاك للوضوء وقول يستحب مطلقًا. القول الأول: يستحب السواك للحاجة: فإذا لم تطل المدة بين السواك والصلاة لا يستحب وإذا طالت المدة استحب فلا يستحب إذا استاك للفريضة الاستياك

стр. 275

للنافلة بعدها وإذا استاك للوضوء لا يستاك للصلاة بعده وهو مذهب المالكية (١) واختاره أبو شامة شهاب الدين المقدسي الشافعي (٢). الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ بِوُضُوءٍ أَوْ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ سِوَاكٌ وَلَأَخَّرْتُ عِشَاءَ الْآخِرَةِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ». وجه الاستدلال: كما أن الوضوء لا يندب للراتبة التي بعد الفريضة فكذلك السواك (٣). الرد من وجوه: الأول: أكثر روايات الحديث بلفظ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ». الثاني: يأتي خلاف الحفاظ هل المحفوظ حديث أبي هريرة أو حديث زيد بن خالد الجهني ﵄؟ ورجح البخاري حديث زيد بن خالد ﵁ وهو بلفظ «كل الصلاة». الثالث: متى يستحب تجديد الوضوء؟ من مسائل الخلاف (٤). الدليل الثاني: عن أم حبيبة ﵁، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَوْلَا أَنْ

стр. 276

أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، كَمَا يَتَوَضَّؤونَ» (١). وجه الاستدلال: كالذي قبله. الرد: كالذي قبله. الدليل الثالث: لم يرد عن النبي ﷺ الاستياك عند كل صلاة فلم ينقل عنه أنَّه يفتتح كل صلاة بسواك (٢). الرد من وجهين: الأول: يأتي استياك النبي ﷺ بين كل ركعتين من التهجد لكنَّه لا يصح. الثاني: ما يدل على السنة قد يكون قولًا وفعلًا أو فعلًا أو قولًا والسواك لكل صلاة من السنة القولية. الدليل الرابع: لم ينقل عن النبي ﷺ أنَّه جدد الوضوء لشيء من السنن إذا

стр. 277

كان على طهارة فكذا إذا كان على سواك لكن لو تغير فمه استاك كما لو أحدث توضأ (١). الرد من وجهين: الأول: قياس السواك على الوضوء قياس مع الفارق لعدة أمور منها اختلاف المشقة بينهما (٢) وللاختلاف في سبب المشروعية فالوضوء تعبد محض بخلاف السواك اختلف في مشروعيته هل هو تعبد أو من باب النظافة؟. الثاني: تقدم أنَّ مسألة تجديد الوضوء من مسائل الخلاف. الدليل الخامس: كما أنَّه على وضوء فهو على سواك (٣). الرد: كالذي قبله. الدليل السادس: كما أنَّه لا يستحب تجديد الوضوء فكذلك لا يستحب تجديد السواك (٤). الرد من وجهين: الأول: لا يصح القياس. الثاني: مسألة تجديد الوضوء من مسائل الخلاف وتقدمت. الدليل السابع: شرع السواك لإكمال التنظف والمصلي يناجي ربه فاستحب أن يناجيه طيب الفم فإذا تغير الفم شرع له السواك (٥). الرد: ليست مشروعية السواك للنظافة فقط فهو عبادة فيستحب السواك عند الوضوء ولو كانت أسنانه نظيفة ولا رائحة لفيه.

стр. 278

القول الثاني: السواك للوضوء: فلا يستحب للصلاة إلا إذا لم يستك عند الوضوء وهو مذهب الأحناف (١). الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «لوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» (٢).

стр. 279

الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى

стр. 280

أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَمَعَ كُلِّ وُضُوءٍ سِوَاكٌ، وَلَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى

стр. 281

نِصْفِ اللَّيْلِ» وجه الاستدلال: السواك مستحب للوضوء فإذا لم يستك مع الوضوء استاك للصلاة (١). الرد من وجهين: الأول: هذا اللفظ لا يصح. الثاني: استحبابه للوضوء لا ينفي استحبابه لغير الوضوء كالصلاة ودخول البيت. الدليل الثاني: عن حذيفة ﵁، قال: «كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه» (٢). الدليل الثالث: في حديث ابن عباس ﵄ «ثم عمد إلى شجب من ماء، فتسوك وتوضأ وأسبغ الوضوء» (٣). الدليل الرابع: في حديث سعد بن هشام عن عائشة ﵂ «كنَّا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك، ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصل التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن نبي الله ﷺ ، وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسع يا بني» (٤) الدليل الخامس: عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁، قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة فاستاك ثم توضأ ثم قام يصلي، فقمت معه فبدأ فاستفتح البقرة فلا يمر

стр. 282

بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم ركع فمكث راكعًا بقدر قيامه، ويقول في ركوعه: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ»، ثم سجد بقدر ركوعه، ويقول في سجوده: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» ثم قرأ آل عمران ثم سورة سورة يفعل مثل ذلك» (١).

стр. 283

الدليل السادس: عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، حدثني رجل ﵁ من أصحاب رسول الله ﷺ قال: رأيت النبي ﷺ في سفره، فقلت: لأرمقنَّ الليلة كيف صلاة رسول الله ﷺ ؟ فلما صلى العشاء، وهي التي تدعى العتمة اضطجع فنام هويًا من الليل، ثم استيقظ فنظر في السماء، فقال: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩١ - ١٩٤] قال الرجل: ثم أهوى رسول الله ﷺ بيده إلى قرابه، فاستخرج منه سواكًا، ثم اصطب من إداوته ماء في قدح له فاستن ثم صب في يده ماء، فتوضأ، ثم قام، فصلى. قال الرجل: حتى قلت: قد صلى قدر ما نام، ثم سلم، ثم اضطجع، فنام، حتى قلت: قد نام قدر ما صلى، ثم استيقظ ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، ثم نظر في السماء، وتلاوته ما تلا من القرآن، واستنانه، ووضوئه، وصلاته، ثم فعل مثل ذلك في النوم، حتى قضى صلاته، ثم استيقظ وفعل كما فعل أول مرة، فعل ذلك ثلاث مرات» (١). الدليل السابع: عن الحجاج بن عمرو المازني قال: «كان النبي ﷺ يتهجد بعد نومه، وكان يستن قبل أن يتهجد» (٢). وجه الاستدلال: نقل الصحابة ﵃ استياك النبي ﷺ إذا قام إلى التهجد وذلك قبل الوضوء ولم ينقلوا أنَّه كان يتخلل صلاته سواك (٣). الدليل الثامن: عن صفوان بن المعطل السلمي ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر فرمقت صلاته ليلة «فصلى العشاء الآخرة، ثم نام فلما كان نصف الليل استيقظ فتلا الآيات العشر آخر سورة آل عمران، ثم تسوك، ثم توضأ، ثم قام فصلى ركعتين، فلا أدري أقيامه أم ركوعه أم سجوده أطول؟ ثم انصرف فنام، ثم استيقظ فتلا الآيات، ثم تسوك، ثم توضأ، ثم قام فصلى ركعتين لا أدري أقيامه أم ركوعه أم سجوده أطول؟ ثم انصرف فنام، ثم استيقظ ففعل ذلك، ثم لم يزل يفعل

стр. 284

كما فعل أول مرة حتى صلى إحدى عشرة ركعة» (١). الدليل التاسع: في حديث عائشة ﵂، «ثم ينصرف فيغفي قليلًا فأقول: هذا غفا أم لا؟ حتى يأتيه المؤذن فيقول مثل ما قال في الأولى، ثم يجلس فيدعو بالسواك فيستن ويتوضأ، ثم يركع ركعتين خفيفتين، ثم يخرج إلى الصلاة، فكانت هذه صلاته ثلاث عشر ركعة» (٢). وجه الاستدلال: كالذي قبلهما. الرد: الحديثان منكران. الدليل العاشر: السواك فيه نظافة فهو يناسب الطهارة فيكون من أجزائها (٣). الرد: السواك فيه شائبة تعبد فيستحب ولو كان الفم نظيفًا. القول الثالث: استحباب السواك مطلقًا: فيستحب السواك بين كل ركعتين سواء استاك للوضوء أو لا. صلى قبلهما صلاة بسواك أو لا. وهذا قول لبعض الأحناف (٤) وهو مذهب الشافعية (٥) والحنابلة (٦) واختاره ابن حزم (٧). الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي

стр. 285

لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ - ورواية البخاري مَعَ - كُلِّ صَلَاةٍ» (١). وجه الاستدلال: كل من ألفاظ العموم فيعم كل صلاة (٢). الرد من وجوه: الأول: حديث أبي هريرة ﵁ جاء بلفظ الصلاة والوضوء وهما بمعنى واحد فالسواك عند الوضوء للصلاة غالبًا؛ فذكر السواك مع الوضوء لأنَّه وقت تنظيف الفم وذكره عند الصلاة لأنَّها المقصودة بالطهارة (٣). الجواب من وجهين: الجواب الأول: يأتي أنَّ الصحابة ﵃ فهموا من الحديث استحباب السواك للصلاة. الجواب الثاني: السواك كما هو مشروع في غير هذين الموضعين فهو مشروع فيهما ولا تعارض بين الأحاديث حتى يحتاج للتأويل. الثاني: كل صلاة يحتمل الصلاة والوضوء ولفظ الوضوء لا يحتمل إلا الوضوء فيحمل عليه (٤). الجواب: كالذي قبله. الدليل الثاني: عن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، ﵁ «أنَّ رسول الله ﷺ أُمِر بالوضوء لكل صلاة، طاهرًا وغير طاهر، فلما شق ذلك عليه، أُمِر بالسواك لكل صلاة» (٥).
следующие страницы →