← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1333

إسبال الكلام على حديث ابن عباس في القيام

أحمد الزومان

Полный текст (883 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وجه الاستدلال: سماه ساجدًا مع نومه، فأوجب هذا نفي الحدث عنه (١) وإنَّما يكون جسده في الطاعة إذا بقي وضوءه (٢) فلو كان النوم في الصلاة حدثًا لما كان جسده في طاعة الله تعالى (٣). الرد من وجوه: الأول: حديث ضعيف. الثاني: لو صح الحديث لكان تسميته ساجدًا باعتبار ما كان عليه فمدحه على مكابدة العبادة (٤). الثالث: لا مانع أن يكون في عبادة باعتبار نيته وإن كان على غير طهارة. الدليل السادس: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ نَامَ وَهُوَ جَالِسٌ فَلَا وَضُوءَ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَضَعَ جَنْبَهُ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ». الدليل السابع: عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال كنت في مسجد المدينة جالسًا أخفق فاحتضنني رجل من خلفي فالتفت فإذا أنا بالنبي ﷺ فقلت: يا رسول الله هل وجب علي الوضوء؟ قال: «لَا حَتَّى تَضَعَ جَنْبَكَ». الدليل الثامن: عن أبي أمامة ﵁، أنَّ النبي ﷺ نام حتى نفخ، ثم قال: «الْوُضُوءُ عَلَى مَنِ اضْطَجَعَ».

стр. 387

وجه الاستدلال: في هذه الأحاديث انتقاض الوضوء بالاضطجاع دون غيره (١). الرد: هذه الأحاديث لا يصح منها شيئ وضعفها شديد فلا يقوي بعضها بعضًا. الدليل التاسع: عن ابن عباس ﵄، أنَّه رأى النبي ﷺ نام وهو ساجد، حتى غط أو نفخ، ثم قام يصلي، فقلت: يا رسول الله، إنَّك قد نمت، قال «لَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ سَاجِدًا وُضُوءٌ حَتَّى يَضْطَجِعَ؛ فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ». وجه الاستدلال: في الحديث نفي الوضوء على من نام ساجدًا وأوجبه على المضطجع بعلة استرخاء المفاصل، وزوال مسكة اليقظة، ولا يوجد هذا حال القيام والركوع والسجود لأنَّ الإمساك فيها باقٍ (٢). الرد من وجهين: الأول: الحديث لا يصح. الثاني: الحديث مقابل بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁: «مَنْ نَامَ سَاجِدًا فَعَلَيْه الْوُضُوءَ» وهو حديث ضعيف أيضًا. الدليل العاشر: الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك (٣). الرد من وجهين: الأول: لا يتعلق الحكم ببقاء الطهارة بكونه قائمًا أو راكعًا أو سجدًا والقائلون بهذا القول لا يرون عدم انتقاض الوضوء بالنوم مطلقًا. الثاني: إذا تعذر اليقين يعمل بغلبة الظن فيعلق انتقاض الوضوء بزوال الشعور لا بهيئة النائم. الدليل الحادي عشر: قال الطحاوي: أصحاب رسول الله ﷺ في حياته وبعد وفاته قد كانوا في النوم على ما قد ذكرناه عنهم في هذه الآثار قولًا وفعلًا بلا اختلاف منهم فيه أنَّه لا ينقض وضوءهم إلا في خاص من النوم، والأولى في ذلك أن

стр. 388

يكون ذلك الخاص هو الذي خصه رسول الله ﷺ منه ووصفه باسترخاء المفاصل الذي لا يكون معه ضبط النائم لنفسه عن الأسباب التي تنقض وضوءه، ومعقول مع ذلك أنَّ القائم والقاعد والساجد معدوم ذلك منهم، وأنَّ المضطجع موجود ذلك فيه (١). الرد من وجوه: الأول: تقدم خلاف الصحابة ﵃ في انتقاض الوضوء بالنوم فمنهم من يرى الانتقاض مطلقًا ومنهم من يرى عدم الانتقاض مطلقًا ومنهم من يخصه بهيئة خاصة. الثاني: تقدم أنَّ حديث «لَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ سَاجِدًا وُضُوءٌ حَتَّى يَضْطَجِعَ؛ فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ» لا يصح. الثالث: ضبط النائم لنفسه عن الأسباب التي تنقض وضوءه ببقاء إدراكه من زواله بالكلية لا بهيئة النوم. الدليل الثاني عشر: الحاجة تدعو إليه ولا يمكن لمجتهد ونحوه الاحتراز منه إلا بعسر فعفي عنه كما عفي عن أشياء كثيرة في الصلاة للحاجة (٢). الرد من وجهين: الأول: تقدم في حديث عائشة ﵂: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ» وفي حديث أنس ﵁: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنَمْ». الثاني: الأركان في الصلاة والشروط ومنها الطهارة لا يعفى عنها. القول الثالث: ينقض من القائم والراكع والساجد كثير النوم لا قليله: وهو

стр. 389

رواية في مذهب المالكية (١) والحنابلة (٢). الدليل الأول: عن أنس بن مالك ﵁ قال: «أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلًا فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه ثم جاء فصلى بهم». الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁، قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يصلون ولا يتوضؤون». وفي رواية «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون». وجه الاستدلال: قياسه على نوم الجالس، لأنَّه في معناه (٣). الرد: لا يصح قياسه على القاعد فلا يتحفظ كالجالس (٤). الجواب: تمكن النوم من القائم والراكع والساجد أقل من الجالس. ضابط القلة والكثرة عند من يفرقون بين قليل النوم وكثيره من القاعد والقائم والراكع والساجد:

стр. 390

الأول: يرجع فيه للعرف: وهو مذهب الحنابلة (١) واختاره الموفق ابن قدامة (٢). الدليل: يعرف التحديد بالتوقيف ولا توقيف في المسألة (٣). الثاني: الكثير ما يتغير به هيئة النائم مثل أن يسقط على الأرض أو يرى حلمًا: قول للحنابلة (٤). الثالث: حد القلة ركعتان: قول للحنابلة (٥). الرابع: الثقيل ما لا يشعر صاحبه بالأصوات أو بسقوط حبوة بيد أو بسقوط شيء بيده أو بسيلان ريقه: وهو مذهب المالكية (٦). القول الرابع: لا ينقض الوضوء إلا نوم المستغرق: روي عن عبد الله بن عمرو وعائشة ﵃ وقال به الحسن البصري وسعيد بن المسيب (٧) وعكرمة مولى ابن

стр. 391

عباس (١) وطاوس بن كيسان (٢) وعَبِيدة بن عمرو السلماني (٣) ومحمد بن سيرين (٤)

стр. 392

وعروة بن الزبير (١) ونسب لمكحول (٢) وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد القاسم بن سلام (٣) وهو مذهب مالك (٤) ورواية عند الحنابلة (٥) واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٦) والصنعاني (٧) وابن باز (٨) وشيخنا ابن عثيمين (٩). الدليل الأول: في حديث ابن عباس ﵄ «فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني» وجه الاستدلال: غفا ابن عباس ﵄ في صلاته ولم يأمره النبي ﷺ بالوضوء فدل على أنَّه لا ينتقض الوضوء إلا بالنوم المستغرق (١٠). الدليل الثاني: في حديث عائشة ﵂ فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلا يَنَامُ قَلْبِي».

стр. 393

وجه الاستدلال: أخبر النبي ﷺ أنَّه يدرك ما حوله فلو أحدث لعلم بذلك فيقاس عليه ﷺ غيره ممن لم يستغرق بالنوم فلا ينتقض وضوءه (١). الرد: يحتمل أنَّها خشيت طلوع الفجر عليه وهو لم يوتر (٢). الجواب: لا مانع من الأمرين والله أعلم. الدليل الثالث: عن أنس بن مالك قال: «أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلًا فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه ثم جاء فصلى بهم». الدليل الرابع: عن أنس بن مالك ﵁، قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يصلون ولا يتوضؤون». وفي رواية «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون» وجه الاستدلال: نام كثير من الصحابة ﵃ ولم يسألهم النبي ﷺ هل رأيتم رؤيا؟ أو هل مكن أحدكم مقعدته؟ أو هل كان أحدكم مستندًا؟ وهل سقط شيء من أعضائه على الأرض؟ فلو كان الحكم يختلف لسألهم. فدل ذلك على أنَّ موجب الوضوء نوم المستثقل الذاهب بالحس بحيث لا يعلم بالحدث إذا خرج منه (٣). الدليل الخامس: عن عبد الله بن عمر ﵄، أنَّ رسول الله ﷺ شغل عنها ليلة، فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، ثم خرج علينا رسول الله ﷺ ، ثم قال: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اللَّيْلَةَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ». الدليل السادس: عن عائشة، قالت: أعتم رسول الله ﷺ ليلة من الليالي بصلاة العشاء، وهي التي تدعى العتمة، فلم يخرج رسول الله ﷺ حتى قال عمر بن الخطاب ﵁: نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله ﷺ ، فقال لأهل المسجد

стр. 394

حين خرج عليهم: «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرَكُمْ» وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس. وجه الاستدلال: كالذي قبله. الرد: ظاهر الحديث أنَّ نومهم مستغرق ولم يأمرهم النبي ﷺ بالوضوء فلعله قبل تشريع الوضوء من النوم فالقصة في أول الإسلام والله اعلم. الدليل السابع: ما يروى عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَمَنْ نَامَ، فَلْيَتَوَضَّأْ». وجه الاستدلال: استطلاق الوكاء يتحقق بالنوم المستغرق فيعلق الحكم به. الرد: الحديث ضعيف. الدليل الثامن: عن عبد الله بن عمرو وعائشة ﵃ قالا: «من نام على كل حال لا يعقل، فعليه الوضوء» (١). وجه الاستدلال: علق ابن عمر وعائشة ﵃ انتقاض الوضوء بزوال الإحساس. الرد من وجهين: الأول: لا يصح الأثر. الثاني: تقدم أنَّ الصحابة ﵃ مختلفون في المسألة. الدليل التاسع: قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنَّ غلبة النوم وتمكنه حدث

стр. 395

يوجب الوضوء (١) فنوم المستغرق ينقض الوضوء بالإجماع ويبقى ما عداه على الأصل. الرد: لا إجماع في المسألة والخلاف من لدن الصحابة ﵃ ومن أتى بعدهم. الدليل العاشر: قال إسحاق بن راهويه وهم يجمعون على أنَّ كل من أغمي عليه فقد انتقضت طهارته، وليس بينهما فرق، وليس في المغمى عليه أثر صحيح أنَّه ينتقض وضوءه، وفي النوم غير حديث (٢). الرد من وجهين: الأول: فرق بين المغمى عليه والنائم فالنائم يستيقظ إذا أوقظ بخلاف المغمى. الثاني: أحاديث انتقاض الوضوء بالنوم محمولة على المستغرق جمعًا بينهما وبين الأحاديث التي تدل على عدم انتقاض الوضوء بالنوم. الدليل الحادي عشر: النوم مظنة الحدث ومع استثقال النوم لا يعلم بالخارج فيقوم مقامه كسائر المظان (٣). الرد: تقدم الخلاف هل النوم حدث أو مظنة الحدث. الجواب: تقدم أنَّ الدليل دل على أنَّه ليس بحدث فلم يبق إلا مظنة الحدث. الدليل الثاني عشر: الناس إذا كانوا قعودًا أو قيامًا في الصلاة أو في انتظارها أو في مجالسهم ينعس أحدهم وينام ولم يؤمر أحدٌ بالوضوء في مثل هذا وهذا مما تعم به البلوى فلو كان ناقضًا لبينته الشريعة (٤). الرد: وردت النصوص العامة بانتقاض الوضوء من النوم. الجواب: الوارد يحمل على النوم المعتاد الذي توضع فيه الجنوب ويستغرق

стр. 396

النائم بحيث لا يعلم لو أحدث (١). الدليل الثالث عشر: طهارة من نام نومًا غير مستغرق متيقنة والحدث محتمل فيتمسك باليقين (٢). الرد: تقدم الاستدلال بهذا الدليل على عدم انتقاض الوضوء بالنوم مطلقًا. الترجيح: الذي يترجح لي أنَّ الوضوء لا ينتقض إلا بالاستغراق في النوم الذي يزول به الاحساس من غير تقييده بهيئة معينة وبهذا تجتمع الأدلة التي ظاهرها التعارض والله أعلم.

стр. 397

الفصل الخامس قراءة القرآن والذكر للمحدث حدثًا أصغر ١: قراءة القرآن للمحدث حدثًا أصغر. ٢: ذكر الله للمحدث حدثًا أصغر أو أكبر.

стр. 398

قراءة القرآن للمحدث حدثًا أصغر تجوز قراءة القرآن للمحدث حدثًا أصغر بدلالة السنة والإجماع الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال بت ليلة عند ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، فنام رسول الله ﷺ ، حتى إذا انتصف الليل، أو قبله بقليل أو بعده بقليل، استيقظ رسول الله ﷺ ، فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة، فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي … » (١). وجه الاستدلال: بوب البخاري على الحديث: باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره (٢). ووجه الترجمة قراءة النبي ﷺ عشر آيات قبل الوضوء. الرد من وجهين: الأول: نوم النبي ﷺ لا ينتقض به الوضوء ففي حديث عائشة ﵂: «إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلا يَنَامُ قَلْبِي (٣)» (٤). الثاني: قراءة النبي ﷺ الآيات على سبيل الذكر فلا تعطى حكم تلاوة القرآن ويأتي الكلام على هذه المسألة (٥). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» (٦). وجه الاستدلال: الحديث عام متطهرًا ومحدثًا ويدخل في الذكر قراءة القرآن

стр. 399

لكن الجنابة مخصوصة من عموم الحديث (١). الرد: القرآن أعظم الذكر لكن كلمة الذكر تطلق غالبًا على غير القرآن. الدليل الثالث: استقر إجماع أهل العلم على أنَّ المحدث حدثًا أصغر يجوز له أن يقرأ القرآن (٢).

стр. 400

ذكر الله للمحدث حدثًا أصغر أو أكبر يجوز ذكر الله للمحدث حدثًا أصغر أو أكبر بدلالة السنة والإجماع والنظر. الدليل الأول: في حديث أم عطية ﵂: « … حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ» (١). وجه الاستدلال: يستحب للحيض حضور مجالس الذكر والتكبير يوم العيد. الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب فانخَنَس منه فذهب فاغتسل ثم جاء فقال: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟»، قال كنت جنبًا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة فقال: «سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ» (٢). وجه الاستدلال: مجلس النبي ﷺ مجلس ذكر وأخبر النبي ﷺ أبا هريرة ﵁ أنَّه لا محذور في جلوسه معه وإن كان محدثًا حدثًا أكبر والله أعلم. الدليل الثالث: الإجماع فيجوز الذكر للمحدث حدثًا أكبر بإجماع أهل العلم (٣). الدليل الرابع: القياس فإذا جازت قراءة القرآن للمحدث حدثًا أصغر فجواز الذكر من باب أولى (٤).

стр. 401

الفصل السادس قراءة القرآن من غير نية التعبد بالتلاوة هل تعطى أحكام القرآن؟ تحرير محل الخلاف: من يقرأ القرآن لا يخلو من ثلاث أحوال: الأولى: نية أنَّ المتلو قرآن مع نية التعبد لله بالتلاوة فيعطى أحكام القرآن وهذا من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة. الثانية: لا ينوي أنَّه قرآن ولا ينوي التعبد لله بالتلاوة مثل قول بسم الله عند الوضوء والأكل والحمد لله بعد الأكل والعطاس وقوله لغيره: خذ الكتاب بقوة وادخلوها بسلام آمنين. وقد تواترت التسمية والحمد عند الأكل من أمر النبي ﷺ ولم يكن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم قبل ذلك لأنَّه يقصد الذكر ولم أقف على خلاف في أنَّ هذا لا يعطى أحكام القرآن. قال ابن قدامة: لا خلاف في أنَّ [الجنب والحائض والنفساء] لهم ذكر الله تعالى، ويحتاجون إلى التسمية عند اغتسالهم، ولا يمكنهم التحرز من هذا (١). وكذلك أدلة القول الثاني الآتية: فالحال الأولى والثانية لا تدخلان في بحثنا. الثالثة: أن ينوي أنَّه قرآن لكن لا ينوي التعبد لله بالتلاوة كذكر الآية في باب الاستدلال وقراءة الفاتحة في الرقية وقول إنِّا لله وإنِّا إليه راجعون عند المصيبة وقوله حينما يركب السيارة سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وقراءة آية في كتاب فقه وقراءة القرآن في الخطبة والموعظة وغير ذلك. فهل يعطى حكم المتعبد بالتلاوة فيحرم عليه إن كان محدثًا حدثًا أكبر وتستحب له البسملة والاستعاذة ومراعاة أحكام التجويد وغير ذلك من أحكام التلاوة أو لا؟.

стр. 402

لأهل العلم في هذه المسألة قولان. القول الأول: تعطى أحكام القرآن بالنية: فإن نوى أنَّها قرآن حينما يقرأ الآيات أو السورة ولو لم ينو التعبد لله بالتلاوة فتعطى أحكام القرآن وإن لم ينوِ أنَّها قرآن فلا تعطى حكم القرآن وهذا مذهب الأحناف (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) .........................

стр. 403

والحنابلة (١) والظاهر أنَّه مذهب عطاء بن أبي رباح (٢) وسفيان بن عيينة (٣) وعبد الرحمن بن مهدي (٤) وقال به شيخنا

стр. 404

الشيخ محمد العثيمين (١). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. وجه الاستدلال: القرآن لفظ عام يعم القليل والكثير مع نية القرآن (٢). الرد: الاستعاذة المأمور بها في الآية إنَّما هي عند قراءة القرآن للتلاوة تعبدًا لا لغيرها والله أعلم (٣). الدليل الثاني: في حديث أبي سفيان ﵁ في كتاب النبي ﷺ لهرقل «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ وَ ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] … » (٤).

стр. 405

وجه الاستدلال: في كتاب النبي ﷺ لهرقل آيتان من كتاب الله. الأولى: البسملة فعادته ﷺ افتتاح المكاتبات بها والآية الثانية صفة دعوة أهل الكتاب ونهى النبي ﷺ عن السفر بالقرآن لأرض العدو وحينما يمسون الكتاب ويقرؤونه لا يعتقدونه قرآنًا فدل على أنَّ كتابة القرآن إذا لم يقصد بها القرآن لا تعطى حكمه والله أعلم (١). الدليل الثالث: عن عمر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّمَا اَلأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوَى» (٢). وجه الاستدلال: ما يُقْرأ يحتمل القرآن وغيره فتعينه النية فلا يعد قارئًا مع عدم نية القرآن (٣). الدليل الرابع: عن ربيعة بن عبد الله التيمي، أنَّ عمر بن الخطاب ﵁، قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل، فسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة، قال: «يا أيها الناس إنَّا نمر بالسجود، فمن سجد، فقد أصاب ومن لم يسجد، فلا إثم عليه ولم يسجد عمر ﵁» (٤). وجه الاستدلال: سجد عمر ﵁ للتلاوة وأقره الصحابة ﵃ حينما قرأ في الخطبة فدل ذلك على أنَّ من قرأ بنية القرآن يعطى أحكام القرآن (٥). الرد: يفرق بين من قرأ آية ونحوها مستشهدًا ونحوه ولو قصد القرآن ومن قرأ بقصد تلاوة القرآن كالنحل و (ق).

стр. 406

القول الثاني: لا يعطى أحكام القرآن: قال به السيوطي (١) وابن عاشور (٢) والظاهر أنَّه اختيار بن حزم (٣). وهذا القول أعم من القول الأول من وجه حيث لم يشترطوا عدم نية القرآن وأخص من وجه فكلامهم حين إيراد الآية في الاستدلال ونحوه ولا يلزم أنَّهم لا يُعَدُّون الحكم لغير ذلك لكن ينسب لهم القول على منطوق كلامهم. الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال بت ليلة عند ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، فنام رسول الله ﷺ ، حتى إذا انتصف الليل، أو قبله بقليل أو بعده بقليل، استيقظ رسول الله ﷺ ، فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة، فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي … » (٤). الدليل الثاني: عن علي بن أبي طالب ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة ﵂ بنت النبي ﷺ ليلة، فقال: «أَلَا تُصَلِّيَانِ؟» فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلنا ذلك ولم يرجع إلي شيئًا، ثم سمعته وهو

стр. 407

مولٍ يضرب فخذه، وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] (١). الدليل الثالث: عن عروة بن الزبير قال: قلت لعائشة ﵂: «إِنِّي لأظن رجلًا، لو لم يطف بين الصفا والمروة، ما ضره، قالت: «لم؟» قلت: لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] إلى آخر الآية، فقالت: «ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة، ولو كان كما تقول لكان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وهل تدري فيما كان ذاك؟ إنما كان ذاك أن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر، يقال لهما إساف ونائلة، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلقون، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية، قالت: فأنزل الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إلى آخرها، قالت: فطافوا» (٢). وجه الاستدلال: ظاهر النصوص الكثيرة (٣) الواردة عن النبي ﷺ والصحابة ﵃ والتابعين حينما يقرأون القرآن من غير إرادة التعبد بالتلاوة لا يستعيذون ولا يبسملون (٤). الترجيح: حين ذكر الآية أو السورة من باب الذكر أو التعوذ أو الاستدلال أو التذكير أو غير ذلك قصدُ كونه من القرآن مرادًا ولا ينفك ذلك في حال حضور العقل لكن لكونه حجة يعمل به لا لكونه قرآنًا مطلقًا كما في باب التعبد بالتلاوة فيؤتى في هذا الباب بما ورد فيه النص سواء كان من القرآن أو السنة فمثلًا من يأتي بأذكار الصباح والمساء يأتي بالثابت من القرآن والسنة فالذي يظهر لي أنَّه لا يعطى أحكام القرآن ولا يشترط أن لا ينوي به القرآن ولكن لو قرأ القرآن بنية التلاوة كمن قرأ سورة (ق) في خطبة الجمعة فتعطى أحكام القرآن والله أعلم.

стр. 408

تنبيهان: الأول: روي حديث في الاستعاذة لقراءة القرآن للذكر ولا يصح (١). الثاني: قول المستدل ونحوه: قال الله تعالى: بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يذكر الآية فيجعل الاستعاذة من كلام الله تعالى. قال السيوطي: إن قال: قال الله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وذكر الآية ففيه من الفساد جعل الاستعاذة مقولًا لله وليست من قوله، وإن قدم الاستعاذة ثم عقبها بقوله: قال الله وذكر الآية فهو أنسب من الصورتين، غير أنَّه خلاف الوارد، وخلاف المعهود من وصل آخر الاستعاذة بأول المقروء من غير تخلل فاصل (٢).

стр. 409

الفصل السابع وضوء الحائض وقت الصلاة وذكرها لله لا تجب الصلاة على الحائض بل تحرم عليها وهذا معلوم من دين الإسلام بالضرورة لكن هل إذا دخل وقت الصلاة يستحب للحائض الوضوء وذكر الله؟ لأهل العلم في المسألة قولان قول بالمشروعية وقول بعدمها. القول الأول: الاستحباب: روي عن عقبة بن عامر ﵁ وقال به عطاء بن أبي رباح -والظاهر أنَّه قول معمر بن راشد- (١) والحسن البصري (٢) ومكحول الشامي (٣) وإسحاق بن راهويه (٤) وروي عن أبي جعفر الباقر (٥) وهو مذهب

стр. 410

الأحناف (١). الدليل الأول: في حديث ابن عباس ﵄ «كانت ميمونة ﵂ حائضًا، فقامت فتوضأت، ثم قعدت خلفه تذكر الله» (٢). وجه الاستدلال: توضأت ميمونة ﵂ وجلست خلف النبي ﷺ تذكر الله ولم ينهها النبي ﷺ . الرد: الحديث منكر. الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄، أنَّ عمر، قال: يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ» (٣). وجه الاستدلال: يستحب للجنب وهو محدث الوضوء فكذلك الحائض. الرد: الجنب يرتفع الحدث عن أعضاء الوضوء بخلاف الحائض فحدثها باقٍ. الدليل الثالث: قال النبي ﷺ لعائشة ﵂ عندما حاضت وأدركها الحج: « … اغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ فَفَعَلَتْ … » (٤).

стр. 411

الدليل الرابع: قال النبي ﷺ لأسماء بنت عميس ﵂ عندما ولدت محمد بن أبي بكر بذي الحُلَيْفَة: «اغْتَسِلِي واسْتَثْفرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي … » (١). وجه الاستدلال: أمر النبي ﷺ الحائض والنفساء بالاغتسال للإحرام فدل على مشروعية الطهارة للحائض. الرد: اغتسال الحائض والنفساء للنظافة لا لرفع الحدث لأنَّه قبل الطهارة (٢). الدليل الخامس: عن عقبة بن عامر الجهني ﵁، أنَّه كان «يأمر المرأة الحائض عند أوان الصلاة، أن توضأ وتجلس بفناء مسجدها فتذكر الله وتسبح» (٣). وجه الاستدلال: يرى عقبة بن عامر ﵁ استحباب وضوء الحائض واشتغالها بالذكر وقت الصلاة. الرد: الأثر لا يصح. الدليل السادس: حتى لا تنسى الحائض ما اعتادته من الصلاة. الرد: هذا مما وجد سببه في عهد النبي ﷺ فلو كان مشروعًا لأمر به النبي ﷺ ولفعلته أمهات المؤمنين وبقية الصحابيات ﵅. الدليل السابع: منعت من الصلاة حال الحيض ولم تمنع من الذكر. الرد: كالذي قبله.

стр. 412

القول الثاني: عدم المشروعية: وهو رأي طاوس بن كيسان (١) والحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان (٢) وأبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي (٣) وإبراهيم بن يزيد النخعي (٤) وسعيد بن عبد العزيز التنوخي (٥) ونسبه ابن عبد البر وابن رجب لأكثر العلماء (٦) وهو مذهب المالكية (٧) والشافعية (٨) والظاهر أنَّه مذهب الحنابلة (٩).

стр. 413

الدليل الأول: عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١). وجه الاستدلال: هذا العمل لم يشرعه النبي ﷺ للحائض. الرد: تقدم عن ميمونة ﵂. الجواب: تقدم أنَّ ضعفه شديد. الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إنِّي امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» (٢). وجه الاستدلال: ذكر النبي ﷺ حكم الحائض ولو كان الوضوء والذكر وقت الصلاة مشروعًا لها لبينه النبي ﷺ لها (٣). الدليل الثالث: الوضوء لا يؤثر في حدث الحائض لأنَّه مستمر فلا تصح الطهارة مع استمراره (٤). الرد: يؤثر في الحدث كوضوء الجنب.

стр. 414

الجواب: تقدم. الترجيح: الذي يترجح لي عدم مشروعية وضوء الحائض وقت الصلاة واشتغالها بالذكر فلو كان مشروعًا لأمر به النبي ﷺ ولنقل عن الصحابيات ﵅ بأسانيد صحيحة وتقدم قول إبراهيم النخعي بدعة وقول أبي قلابة ما وجدت لهذا أصلًا والله أعلم.

стр. 415

الباب الخامس صلاة التطوع الفصل الأول: أحكام الحركة التي ليست من جنس الصلاة. الفصل الثاني: أحكام راتبة الفجر. الفصل الثالث: التنفل بين صلاة المغرب والعشاء. الفصل الرابع: مقدار راتبة العشاء. الفصل الخامس: أحكام قيام الليل. الفصل السادس: الجهر في صلاة الليل فرضه ونفله. الفصل السابع: الجماعة في صلاة النفل.

стр. 416

الفصل الأول أحكام الحركة التي ليست من جنس الصلاة (١)

стр. 417

تمهيد الحركة نوعان الأول: من جنس الصلاة وهي إمَّا ركن أو مستحب والثاني: حركة ليست من جنس الصلاة وهي موضوع البحث: الحركة التي ليست من جنس الصلاة تجري فيها الأحكام الخمسة. أولًا: الحركة المباحة. ثانيًا: الحركة المكروهة. ثالثًا: الحركة المستحبة. رابعًا: الحركة الواجبة. خامسًا: الحركة المحرمة. ضابط الكثرة والقلة في الحركة. حكم سجود السهو للحركة التي ليست من جنس الصلاة.

стр. 418

الأول: حكم الحركة التي ليست من جنس الصلاة الحركة التي ليست من جنس الصلاة تجري فيها الأحكام الخمسة (١): أولًا: الحركة المباحة وهي ثلاثة أنواع: النوع الأول: الحركة القليلة للحاجة. النوع الثاني: الحركة الكثيرة غير المتوالية. النوع الثالث: الحركة الكثيرة المتوالية حال الاضطرار. والأنواع الثلاثة جائزة ولا تبطل الصلاة بها وهو مذهب أبي بكر الصديق وأبي برزة الأسلمي ﵁ والأحناف (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية (٦) والسعدي (٧) وتلميذه شيخنا العثيمين (٨) وابن حزم - في الجملة - (٩) وهي من مسائل الإجماع في الجملة.

стр. 419

الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وجه الاستدلال: أهل العلم مجمعون على أنَّ المصلي في شدة الخوف يصلي راكبًا أو ماشيًا وصلاته صحيحة ولو كثرت حركته نقل الإجماع ابن عطية (١) والجويني (٢) والجصاص (٣) والقرطبي (٤). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وجه الاستدلال: المصلي لا بد له فيها من عمل قليل يدفع المار ويسوي ثوبه ويميط عنه الأذى إن أصابه فلو فسدت صلاته بهذا لحصل حرج شديد وهو منتفٍ شرعًا (٥). الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وجه الاستدلال: لا بد للمصلي من رعاية التعظيم والخشوع في صلاته فهو لبها، ويتعذر إن لم يتعسر كون المصلي على هيئة واحدة في جميع صلاته فلا يخلو من حركة فيُسِّرَ بالعفو عن القدر الذي لا يدل على الاستهانة بالصلاة (٦). الدليل الرابع: عن عائشة ﵁ قالت «كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي،

стр. 420

في قبلته فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما»، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح (١). وجه الاستدلال: غَمْزُ النبي ﷺ لرجلي عائشة ﵂ للحاجة وهو عمل قليل فدل على جوازه من غير كراهة (٢). الدليل الخامس: عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر ﵁، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم فصلى أبو بكر ﵁، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس وكان أبو بكر ﵁ لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ : «أن امكث مكانك»، فرفع أبو بكر ﵁ يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر ﵁ حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ ، فصلى، فلما انصرف قال: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ» فقال أبو بكر ﵁: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ، مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ التُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» (٣). وجه الاستدلال: في الحديث التصفيق في الصلاة والتفات أبي بكر ﵁ وإشارة النبي ﷺ له وتأخر أبي بكر ﵁ خطوات وتقدم النبي ﷺ وهذه عدة أفعال قليلة - من النبي ﷺ ومن أصحابه ﵃ ليست من جنس الصلاة للحاجة (٤). الدليل السادس: عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁، قال: «بينا أنا أصلي مع

стр. 421

رسول الله ﷺ ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم؟ تنظرون إلي، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله، ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ» (١). وجه الاستدلال: أقر النبي ﷺ أصحابه ﵃ فدل على جواز الحركة اليسيرة للحاجة من غير كراهة (٢). الدليل السابع: عن الأزرق بن قيس، قال: كنا بالأهواز نقاتل الحرورية، فبينا أنا على جرف نهر إذا رجل يصلي، وإذا لجام دابته بيده، فجعلت الدابة تنازعه وجعل يتبعها - قال شعبة: هو أبو برزة الأسلمي ﵁ فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ، فلما انصرف الشيخ، قال: إنَّي سمعت قولكم «وإنِّي غزوت مع رسول الله ﷺ ست غزوات - أو سبع غزوات - وثماني وشهدت تيسيره»، وإنِّي إن كنت أن أراجع مع دابتي أحب إلي من أن أدعها ترجع إلى مألفها فيشق علي» (٣). وجه الاستدلال: مشى أبو برزة الأسلمي ﵁ خطوات ويرى أنَّ ذلك مما جاءت الشريعة بجوازه للحاجة. الدليل الثامن: في حديث وائل بن حجر ﵁: «أنَّه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، - وصف همام حيال أذنيه - ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، … » (٤).

стр. 422

وجه الاستدلال: التحف النبي ﷺ بثوبه بعد تكبيرة الإحرام وهذا عمل يسير للحاجة (١). الدليل التاسع: في حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة - امرأة من الأنصار ﵃ قد سماها سهل ﵁ «مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا، أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» فأمرته فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بها فوضعت هاهنا، ثم رأيت رسول الله ﷺ صلى عليها وكبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» (٢). وجه الاستدلال: تحرك النبي ﷺ حركة كثيرة غير متوالية بصعوده على درج المنبر ونزوله القهقرى مرارًا لأجل تعليم أصحابه ﵃ بالفعل وقد علمهم قبل ذلك بالقول فدل على أنَّ الحركة الكثيرة إذا لم تكن متوالية لا تفسد الصلاة (٣). الدليل العاشر: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ، لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، وَإِنَّ اللهَ أَمْكَنَنِي مِنْهُ فَذَعَتُّهُ، فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى جَنْبِ سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ أَجْمَعُونَ - أَوْ كُلُّكُمْ - ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، فَرَدَّهُ اللهُ خَاسِئًا» (٤). وجه الاستدلال: خنق النبي ﷺ الشيطان وهم بربطه بسارية من سواري

стр. 423

المسجد فدل على أنَّ قدر هذا العمل لا يفسد الصلاة (١). الدليل الحادي عشر: عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال: «رأيت النبي ﷺ يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص وهي ابنة زينب ﵄ بنت النبي ﷺ على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها» (٢). وجه الاستدلال: وضعُ أمامة ﵂ وحملُها في صلاة الفرض عمل كثير غير متوالٍ للحاجة جائز ولا يفسد الصلاة (٣). الدليل الثاني عشر: الإجماع فأهل العلم مجمعون على أنَّ الحركة اليسيرة لا تبطل الصلاة والكثيرة غير المتوالية - وإن كانوا يختلفون في بعضها هل هي من الكثير أو القليل؟ - نقل الإجماع ابن عبد البر (٤) والروياني (٥) وأبو بكر ابن العربي (٦) والعمراني (٧) وابن بطال (٨) والرافعي (٩)

стр. 424

والنووي (١) والعلائي (٢) وابن نجيم (٣) وصديق حسن خان (٤). ثانيًا: الحركة المكروهة الحركة اليسيرة إذا كانت لغير حاجة تكره ولا تبطل الصلاة: وهو مذهب الأحناف (٥) والمالكية (٦) والشافعية (٧) والحنابلة (٨) وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية (٩) وشيخنا العثيمين (١٠) وشيخه السعدي (١١). الدليل الأول: عن عائشة ﵂، قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: «هُوَ اِخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ اَلشَّيْطَانُ مِنْ صَلاةِ اَلْعَبْدِ» (١٢). الدليل الثاني: عن سهل بن الحَنْظَلَّية ﵁ قال: «ثوب بالصلاة - يعني صلاة

стр. 425

الصبح -، فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب» (١). وجه الاستدلال: أخبر النبي ﷺ أنَّ الالتفات ينقص أجر الصلاة والتفت النبي ﷺ في الصلاة للحاجة وأقر أبا بكر ﵁ حينما التفت فدل على كراهة الالتفات من غير حاجة وجوازه للحاجة والله أعلم. الدليل الثالث: عن أبي بكرة ﵁: أنَّه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف فقال له النبي ﷺ «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ» (٢). وجه الاستدلال: خطا أبو بكرة ﵁ خطوات حتى دخل في الصف فنهاه النبي ﷺ عن تكرار ذلك ولم يأمره بإعادة الصلاة فدل ذلك على أنَّ العمل اليسير من غير حاجة يكره ولا يفسد الصلاة (٣). الدليل الرابع: عن معيقيب ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: في الرجل يسوي التراب حيث يسجد، قال: «إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً» (٤). وجه الاستدلال: رخص النبي ﷺ بتسوية التراب في الصلاة وبين أنَّ تركه أولى فدل على كراهته لعدم الحاجة له حيث تمكن التسوية قبل التحريم والله أعلم (٥). الدليل الخامس: في حديث ابن عباس ﵄ «ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخْلَفَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ» (٦). وجه الاستدلال: حول النبي ﷺ ابن عباس ﵄ من خلفه للنهي عن المرور بين يدي المصلي مع أنَّ الأيسر تحويله من بين يديه.
следующие страницы →