Полный текст (2 048 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
المصنف: (مثاله فى الصحيح الحاضر) اعترض هذا المثال مسلم الثبوت بأن الاعتراض فى هذا المثال وارد على العلة أعنى السبب لا على حكم الأصل ومثاله الصحيح أن يقول الشافعى أو المالكى: صوم شهر رمضان صوم فرض فيجب تعينه عند النية كالقضاء فيقول الحنفى: إن كان المراد بوجوب التعين الوجوب بعد تعيين الشرع فهو منتف فى الأصل فإن القضاء ليس متعينًا من قبل الشرع وإن كان قبله فمنتف فى الفرع أنه علة ولا يمكن إثباته فيه فيفوت القياس.
الشارح: (والقدح إما فى وجوده) أى وجود الوصف المدعى أنه علة فيمنع وجوده فضلًا عن كونه علة أى فى عليته أى أن الوصف الموجود المدعى أنه علة وقوله: يقدح فى كونه علة وقوله: أو نفى لازمها أى لازم العلة لا نفى نفس العلة واللازم هو بالنسبة إلى الوصف المناسب أربعة ولكل علة اثنان على ما يأتى وقوله: والأول إما منع مجرد المراد بالأول نفى العلية صريحًا وقوله: والثانى إما أن يختص. . . إلخ. هو نفى اللازم وقوله: ففى الكل منع وجود العلة. . . إلخ. أى فيرد على كل علة لقياس منع. . . إلخ. سواء كانت العلة ثبتت عليتها بالمناسبة أو بغيرها وقوله: وجود المعارض أى المعارضة للمصلحة وهو المفسدة المساوية أو الراجحة وهو المعنى بالقدح فى المناسبة والحاصل أن المعارضة فى مقام العلة تطلق بمعنى مقابلة إثبات التأثير الذى ادعاه المستدل بإثبات عدمه وهى المذكورة فى قول الشارح: أو معارضة وبيان عدم التأثير وتطلق بمعنى المقابلة بمفسدة راجحة أو مساوية وهى المذكورة فى نفى لوازم العلة إذا كانت وصفًا مناسبًا بقوله: وعدم المعارض لها وتطلق بمعنى المقابلة بإبداء وصف آخر فى الأصل وقد ذكرها المصنف فى التفصيل ولم يذكرها الشارح ههنا وقوله: حيث شرط فى العلة الاطراد والانعكاس أى فهما لازمان لكل علة سواء كانت ثابتة بتخريج المناط وهو المناسب أولًا وقوله: وهو بعد إلغاء قيد كسر أى كما يقال فى قياس صلاة الخوف على صلاة الأمن فى وجوب القضاء بعلة كونها صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها: إن كونها صلاة لا دخل له فلم يبق إلا كونها عبادة يجب قضاؤها وهو لا يقتضى وجوب الأداء لنقضه بصوم الحائض.
قوله: (اعتراضاته بحسب تقريره عشرة) أى وقد تقدم أن الاعتراضات الواردة
стр. 1857
على العلية اثنا عشر والمصنف ذكرها كذلك اثنا عشر غير أنه عد منها التركيب والتعدية.
قوله: (وفى التفصيلى عن جعل المعارضة من المخصوصة) أى فجعلها فى التفصيلى الذى ذكره المصنف من غير المخصوصة مع أنها منها.
قوله: (ثم المراد المنع فى المقيس عليه) أى لأن الكلام فى منع وجود العلة فى الأصل المقيس عليه فيمنع فى القتل بالسيف المقيس عليه القتل بالمثقل فى وجود القصاص به وجود القتل العمد العدوان.
стр. 1858
قال: (السادس: منع وجود المدعى علة فى الأصل مثل حيوان يغسل من ولوغه سبعًا فلا يطهر بالدباغ كالخنزير فيمنع، وجوابه بإثباته بدليل من عقل أو حس أو شرع).
أقول: ومن الاعتراضات منع كون ما يدعى علة لحكم الأصل موجودًا فى الأصل فضلًا عن أن تكون هى العلة، مثاله: أن يقول فى الكلب: حيوان يغسل من ولوغه سبعًا فلا يقبل جلده الدباغ كالخنزير، فيقول المعترض: لا نسلم أن الخنزير يغسل من ولوغه سبعًا.
والجواب عن هذا الاعتراض بإثبات وجود الوصف فى الأصل بما هو طريق ثبوت مثله لأن الوصف قد يكون حسيًا فبالحس أو عقليًا فبالعقل أو شرعيًا فبالشرع، مثال يجمع الثلاثة إذا قال فى القتل بالمثقل: قتل عمد عدوان فلو قيل لا نسلم أنه قتل قال: بالحس، ولو قيل: لا نسلم أنه عمد قال: معلوم عقلًا بأمارته ولو قيل: لا نسلم أنه عدوان قال: لأن الشرع حرمه.
قال: (السابع: منع كونه علة وهو من أعظم الأسئلة لعمومه وتشعب مسالكه والمختار قبوله وإلا لأدى إلى اللعب فى التمسك بكل طرد، قالوا: القياس رد فرع إلى أصل بجامع وقد حصل قلنا بجامع يظن صحته، قالوا: عجز المعارض دليل صحته، فلا يسمع المنع، قلنا: يلزم أن يصحح كل صورة فدليل بعجز المعترض وجوابه بإثباته بأحد مسالكه فيرد على كل منها ما هو شرط فعلى ظاهر الكتاب الإجمال والتأويل والمعارضة والقول بالموجب وعلى السنة ذلك والطعن بأنه مرسل أو موقوف وفى رواية بضعفه أو قول شيخه: لم يروه عنى، وعلى تخريج المناط ما يأتى وما تقدَّم).
أقول: ومن الاعتراضات منع كون الوصف المدعى عليته علة وذكر المصنِّفُ أنه من أعظم الأسئلة الواردة على القياس لعمومه فى الأقيسة إذ العلة قلما تكون قطعية ولتشعب مسالك العلية فتتعدد طرق الانفصال عنها، وعلى كل واحد منها أبحاث ستقف عليها فيطول القال والقيل فيه ما لا يطول فى غيره ومن استقرأ ذلك عليه، مثاله: أن يقول فى المثال المتقدم لا نسلم أن كون جلد الخنزير لا يقبل الدباغ معلل بكونه يغسل من ولوغه سبعًا، وقد اختلف فى كون منع العلية مقبولًا والمختار أنه مقبول وإلا لأدى إلى التمسك بكل طرود يؤدى إلى اللعب فيضيع
стр. 1859
القياس إذ لا يفيد ظنًا وتكون المناظرة عبثًا.
قالوا: أولًا: القياس حده وحقيقته أنه إلحاق فرع بأصل بجامع وقد حصل وإذا ثبت مدعاه فلا يكلف إثبات ما لم يدع.
الجواب: لا نسلم أن حد القياس وحقيقته ذلك بل إلحاق فرع بأصل بجامع يظن صحته وهذا القيد معتبر فى حد القياس اتفاقًا ولم يوجد.
قالوا: ثانيًا: عجز المعارض عن إبطاله دليل صحته إذ طرق عدم العلية من كون الوصف طرديًا وإبداء وصف آخر وغير ذلك مما لا يخفى على المجتهد، والمناظر فلو وجد لوجده ولو وجده لأظهره فلما لم يظهر علم أنه لم يوجد فالفرار إلى مجرد المنع يكفينا دليلًا على أنه صحيح فلا يسمع المنع ولا يشتغل بجوابه لأنه شاهد على نفسه بالبطلان.
والجواب: أنه يقتضى أن كل صورة عجز المعترض عن إبطاله فهو صحيح حتى دليل الحدوث والإثبات بل حتى دليلى النقيضين إذا تعارضا وعجز كل عن إبطال دليل الآخر.
وقد يقال الفرق ظاهر مما مر كيف والسبر دليل ظاهر عام لا يعجز عنه قائس ولا بد معه من العدول إلى الإبطال بمعارضته وإبداء وصف آخر فليفعل أول مرة ويطرح مؤنة ذلك من البين قصرًا للمسافة وتخرجًا من اللجج ومحاولة للمجادلة بالتى هى أحسن ولا ظهر أن هذا المنع مسموع.
فالجواب: إثبات العلية بمسلك من مسالكها المذكورة من قبل فكل مسلك تمسك بها فيرد عليه ما هو شرطه أى ما يليق به من الأسئلة المخصوصة به وقد نبه ههنا على اعتراضات الأدلة الأخرى بتبعية اعتراضات القياس على سبيل الإيجاز ولا بأس أن نبسط فيه الكلام بعض البسط لأن البحث كما يقع فى القياس يقع فى سائر الأدلة ومعرفة هذه الأسئلة نافعة فى الموضعين فنقول الأسئلة بحسب ما يرد عليه من الإجماع والكتاب والسنة، وتخريج المناط أربعة أصناف:
الصنف الأول: على الإجماع، ولم يذكره لقلته مثاله ما قال الحنفية وفى وطء الثيب الإجماع على أنه لا يجوز الرد مجانًا، فإن عمر وزيدًا أوجبا نصف عشر القيمة وفى البكر عشرها وعلى منع الرد من غير نكير وهو ظنى فى دلالته وفى نقله ولولا أحدهما لما تصور فى محل الخلاف والاعتراض عليه من وجوه:
стр. 1860
الأول: منع وجود الإجماع لصريح المخالفة أو منع دلالة المسكوت على الموافقة.
الثانى: الطعن فى السند بأن نقله فلان وهو ضعيف إن أمكنه.
الثالث: المعارضة ولا تجوز بالقياس مثل العيب يثبته ويثبته بالمناسبة أو غيرها ولا بخبر واحد إلا إذا كانت دلالته قطعية ولكن بإجماع آخر أو بمتواتر.
الصنف الثانى: على ظاهر الكتاب كما إذا استدل فى مسألة بيع الغائب بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وهو يدل على صحة كل بيع والاعتراض عليه بوجوه:
الأول: الاستفسار وقد عرفته.
الثانى: منع ظهوره فى الدلالة فإنه خرج صور لا تحصى أو لا نسلم أن اللام للعموم فإنه يجئ للعموم وللخصوص.
الثالث: التأويل وهو أنه وإن كان ظاهرًا فيما ذكرت لكن يجب صرفه عنه إلى محمل مرجوح بدليل يصيره راجحًا نحو قوله نهى عن بيع الغرر وهذا أقوى لأنه عام لم يتطرق إليه تخصيص أو التخصيص فيه أقل.
الرابع: الإجمال فإن ما ذكرناه من وجه الترجيح وإن لم يصيره راجحًا فإنه يعارض الظهور فيبقى مجملًا.
الخامس: المعارضة بآية أخرى، نحو قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، وهذا ما لم يتحقق فيه الرضا فيكون باطلًا أو بحديث متواتر كما ذكرنا.
السادس: القول بموجبه وهو تسليم مقتضى النص مع بقاء الخلاف مثل أن يقول سلمنا حل البيع والخلاف فى صحته باق فإنه ما أثبته.
الصنف الثالث: ما يرد على ظاهر السنة كما إذا استدل بقوله: "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" على أن النكاح لا ينفسخ والاعتراض عليه بوجوه الستة المذكورة:
الأول: الاستفسار.
الثانى: منع الظهور، إذ ليس فيما ذكرت من الخبر صيغة عموم، أو لأنه خطاب بخاص أو لأنه ورد على سبب خاص.
الثالث: التأويل، فإن المراد تزوج منهنّ أربعًا بعقد جديد، فإن الطارئ كالمبتدأ
стр. 1861
فى إفساد النكاح كالرضاع.
الرابع: الإجمال كما ذكرنا.
الخامس: المعارضة بنص آخر.
السادس: القول بالموجب.
وههنا أسئلة تختص بأخبار الآحاد وهو الطعن فى السند بأن يقول هذا الخبر مرسل أو موقوف أو فى روايته قدح فإن راويه ضعيف لخلل فى عدالته أو ضبطه أو بأنه كذبه الشيخ فقال لم يرو عنى، مثاله إذا قال الأصحاب المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، قالت الحنفية لا يصح، لأن راويه مالك وقد خالفه وإذا قلنا: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل". قالوا: لا يصح لأنه يرويه سليمان بن موسى الدمشقى عن الزهرى فسئل الزهرى فقال: لا أعرفه.
الصنف الرابع: ما يرد على تخريج المناط وهو ما سيأتى من عدم الإفضاء أو المعارضة أو عدم الظهور أو عدم الانضباط أو بما تقدَّم من أنه مرسل أو غريب أو شبه.
قوله: (إذ العلة قلما تكون قطعية) بخلاف حكم الأصل وجود العلة فيه فإنه كثيرًا ما يكون قطعيًا وبهذا يندفع أن مجرد العموم لا يصلح دليلًا على كونه أعظم لأن وجود العلة وحكم الأصل كذلك.
قوله: (إلحاق فرع بأصل) فى قوة مساواة فرع الأصل بل هذا أقرب لأن القياس فعل القائس قطعًا كالإلحاق بخلاف المساواة.
قوله: (حتى دليل الحدوث) يعنى حدوث العالم وإثبات الصانع فإن المطلوب وإن كان حقًا لكن لا يصح دليلهما بمجرد المنع الذى لا يقدر المستدل على دفعه والفرق بين ما نحن فيه وبين سائر الصور ظاهر مما ذكر أن طرق عدم العلية محصورة مضبوطة لا تخفى على المجتهد والمناظر فلما لم يظهر المناظر طريقًا منها وضرب إلى مجرد المنع علم أنه ليس بموجود بخلاف سائر الأدلة فإنه لا تتعين طرق نفيها ولا تكون بحيث تظهر البتة للناظر والمناظر.
قوله: (وهو) أى هذا الإجماع ظنى فى دلالته لكونه سكوتيًا ودلالة السكوت
стр. 1862
على الموافقة ليست بقطعية وفى نقله لأنه بالآحاد لا التواتر ولولا ظنية الدلالة أو النقل فى هذا الإجماع لما تصوّر تحققه فى محل الخلاف إذ الحكم المجمع عليه إجماعًا قطعى الدلالة والنقل لا يخالف.
قوله: (لصريح المخالفة) حيث ذهب البعض إلى جواز الرد مجانًا والمراد منع وجود الإجماع مطلقًا نطقيًا كان أو سكوتيًا وبهذا يتأتى المنع الآخر أعنى منع دلالة السكوت على الموافقة.
قوله: (ولا تجوز المعارضة بالقياس) لما سبق أن القياس لا يعارض الإجماع مثل أن يقول العيب يثبت الرد قياسًا على سائر الرد ويثبت كون العيب علة للرد بالمناسبة أو غيرها من مسالك العلة.
قوله: (إلا إذا كانت دلالته قطعية) فإنه وإن كان ظنى السند لكن لقطعية دلالته يعارض الإجماع أعنى الإجماع الظنى الدلالة أو النقل إذ لو كان قطعيهما لم يعارضه خبر الواحد أصلًا وإن كان ظنيهما لم يحتج إلى قطعية الدلالة.
قوله: (ولكن بإجماع) أو تواتر على سبيل الفرض والتقدير وإلا فقد عرفت أن لا تعارض بين القطعيين.
قوله: (الاستفسار) مثل أن يقول ما معنى أحل فإنه يقال بمعنى أورده فى محله وبمعنى جعله حلالًا غير حرام.
قوله: (أو لا نسلم) عطف على منع ظهوره أى لا نسلم أنه ظاهر الدلالة على ما ذكرتم فإنه قد خرج منه بيع الملاقيح والمضامين وبيع الحر والخنزير وبيع أمهات الأولاد باتفاق منكم أو لا نسلم أن اللام للاستغراق ولم لا يجوز أن تكون للعهد الخارجى أو الذهنى.
قوله: (فإن ما ذكرناه) وهو أنه ﵇ نهى عن بيع الغرر وأنه أقوى لعدم تخصيصه أو لعليته وإن لم يجعل المرجوح راجحًا فلا أقل من أن تعارض الظهور فيبقى مجملًا.
قوله: (الستة) أى بعض الوجوه هى الستة التى ذكرت على ظاهر الكتاب وبعضها ما أشار إليه بقوله وههنا أسئلة تختص بأخبار الآحاد.
قوله: (الأول الاستفسار) عن معنى الإمساك والمفارقة أما لو قال إن أردت الإمساك بلا تجديد فممنوع أو معه فغير مفيد فليس باستفسار بل سؤال تقسيم.
قوله: (خطاب بخاص) أى بإمساك غيلان أربعًا من نسوته فلا يكون ظاهرًا فى
стр. 1863
عدم انفساخ النكاح على العموم.
قوله: (على سبب خاص) وهو أنه كان قد تزوجهن مرتبًا فأمر بإمساك الأربع الأوائل ومفارقة الأواخر والكلام فيما إذا تزوجهن معًا.
قوله: (فإن الطارئ) يعنى أن الزيادة على الأربع فى الإسلام أمر مناف للنكاح ولا خلاف فى أنه إذا كان مبتدأ مقارنًا للعقد يدفع النكاح وصحته فكذا إذا كان طارئًا يدفعه ويزيل صحته كالرضاع فإن الطارئ منه دافع وللنكاح مزيل لصحته كما أن المبتدأ منه دافع له مانع لصحته.
قوله: (الإجمال) كما ذكرنا وهو أن التأويل المذكور يعارض الظهور فيبقى مجملًا.
قوله: (القول بالموجب) أى سلمنا الإمساك لكن بشرط تجديد العقد ومن أين الدلالة على نفى هذا الاشتراط.
قوله: (أو فى روايته قدح) عطف على قوله مرسل وعلى جملة قوله هذا الخبر مرسل وقوله أو بأنه كذبه الشيخ عطف على قوله وأن راويه ضعيف لأنه فى معنى بأن راويه لتأدية الفاء والباء معنى السببية وجعله عطفًا على بأن يقول ليس بسديد لقصوره عن الدلالة على كونه مقول المعترض وقد جاء فى الرواية وفى عبارة المتن وهى قوله وفى رواية لضعفه أو قول شيخه لم يرو عنى هو عطف على ضعفه وفى شرح العلامة أن المعنى أو الطعن فيه بأنه ورد فى رواية يضعفه فلا يصح التمسك به أو الطعن فيه بأنه قول شيخه بأنه لم يروه عنى على أن الضمير فى قوله بأنه ضمير الشأن وكأنه جعل يضعفه على لفظ المضارع من الضعيف ولا يخفى ما فيه والأقرب أن يكون فى رواية على لفظ الجمع المضاف أى الطعن فى رواية الخبر لضعف بعض الرواة أو بقول شيخه لم يروه عنى.
قوله: (أو بما تقدَّم) عطف على ما سيأتى أى نظرًا إلى المعنى أى الاعتراض بما سيأتى من القدح فى إفضاء الحكم إلى المقصود ومن المعارضة بإبداء معنى آخر يصلح للعلية ومن كون الوصف خفيًا ومن كونه غير منضبط أو بما تقدَّم من كون الوصف مناسبًا مرسلًا أى لم يثبت اعتباره لا بنص أو إجماع ولا يترتب الحكم على وفقه أو غريبًا أى يثبت ترتب الحكم عليه لا بنص ولا بإجماع أو كونه شبهًا لا يثبت مناسبة إلا بدليل منفصل وفى أكثر الشروح أن المراد ما يعد به من استلزام المفسدة وغيره وما يأتى من القدح فى المناسبة وهو إبداء مفسدة راجحة أو مساوية.
стр. 1864
المصنف: (التمسك بكل طرد) أى بكل وصف طردى لم يعتبره الشارع كالطول والقصر وقوله فيرد على كل منها ما هو شرط أراد بالشرط ما يليق بكل من الاعتراضات وإلا فالشرط لا معنى للاعتراض به.
الشارح: (لعمومه فى الأقيسة) أى عموم كون الوصف علة فى الأقيسة مع كون الغالب أن لا تكون قطعية.
الشارح: (بجامع يظن صحته) أى فيكون مدعيًا ظن الصحة فعليه إثباتها إذا منعها المعترض.
الشارح: (عجز المعارض عن إبطاله) أى إبطال كون الوصف علة بأن يمنع العلية مع السند بالتخلف أو يبدى وصفًا آخر وليس المراد الاستدلال على إبطال كون الوصف علة لأن ذلك غصب لمنصب الاستدلال.
الشارح: (حتى دليل الحدوث والإثبات) الغاية بهما غير صحيحة إلا إذا اعتبر أنه غاية فى عدم الصحة كما أشار إلى ذلك المحشى بقوله فإن المطلوب وإن كان حقًا لكن لا يصح دليلنا، وأما قول الشارح بك حتى دليلى المتناقضين فالغاية باعتبار أن مقتضى الصحة عند العجز أن يكون دليلا المتناقضين عند العجز صحيحين وليس كذلك.
الشارح: (كيف والسبر دليل ظاهر عام) أى يجرى فى إثبات كل علة والغرض تأييد الفرق وإن منع العلة المجرد عجز مصحح للدليل بما ذكره من قوله والسبر. . . إلخ. وحاصله أن المستدل لما كان متمكنًا من إثبات ما ادعاه من العلة بالسبر الذى هو دليل ظاهر عام فلو قلنا بتوجه منع العلة لكان للمستدل أن يثبتها بالسبر وحينئذ يضطر المعترض إلى أن يعدل عن المنع الذى اعترض به أولًا إلى إبطال العلية بمعارضة وإبداء وصف آخر فقد رجع إلى إبطال العلية فليكن الإبطال بها من أول الأمر قصرًا للمسافة.
الشارح: (فى وطء الثيب) أى الجارية الثيب التى باعها سيدها ووجد المشترى بها عيبًا بعد أن وطئها وقوله وعلى منع الرد أى مطلقًا فقد أجمع على منع الرد مجانًا وإن كان من المجمعين من أجازه مع دفع نصف عشر القيمة فى الثيب والعشر فى البكر لكن هذا الإجماع ليس قطعيًا لتصريح بعض بجواز الرد مجانًا.
стр. 1865
قال: (الثامن: عدم التأثير وقسم أربعة أقسام الأول عدم التأثير فى الوصف، مثاله صلاة لا تقصر، فلا تقدَّم كالمغرب لأن عدم القصر فى نفى التقديم طردى فيرجع إلى سؤال المطالبة، الثانى: عدم الثأثير فى الأصل مثاله: فى بيع الغائب مبيع غير مرئى فلا يصح كالطير فى الهواء، فإن العجز عن التسليم مستقل وحاصله معارضة فى الأصل، الثالث: عدم التأثير فى الحكم، مثاله فى المرتدين مشركون أتلفوا مالًا فى دار الحرب فلا ضمان كالحربى ودار الحرب عندهم طردى فيرجع إلى الأول، الرابع: عدم التأثير فى الفرع، أمثاله زوجت نفسها فلا يصح كما لو زوجت من غير كفء، وحاصله كالثانى، وكل فرض جعل وصفًا فى العلة مع اعترافه بطرد مردود بخلاف غيره على المختار فيهما).
أقول: عدم التأثير عبارة عن إبداء وصف لا أثر له وقسمه الجدليون أربعة أقسام:
فأعلاها: ما يظهر عدم تأثير الوصف مطلقًا ثم أن يظهر عدم تأثيره فى ذلك الأصل ثم أن يظهر عدم تأثير قيد منه ثم أن لا يظهر شئ من ذلك لكن لا يطرد فى محل النزاع فيعلم سنه عدم تأثيره وخصوا كل قسم باسم تمييزًا لبعضها عن بعض وتسهيلًا للعبارة عنها باختصار فالأول وهو ما كان فيه الوصف غير مؤثر يسمى عدم التأثير فى الوصف مثاله: أن يقال فى الصبح لا يقصر فلا يقدم إذ أنه كالمغرب فيقال عدم القصر لا تأثير له فى عدم تقديم الأذان فإنه لا مناسبة ولا شبه فهو وصف طردى ولا يعتبر اتفاقًا ولذلك استوى المغرب وغيره مما يقصر فى ذلك ومرجعه المطالبة بكون العلة علة.
القسم الثانى: وهو أن يكون الوصف غير مؤثر فى ذلك الأصل للاستغناء عنه بوصف آخر ويسمى عدم التأثير فى الأصل مثاله: أن يقول فى بيع الغائب مبيع غير مرئى فلا يصح بيعه كالطير فى الهواء فيقول المعترض كونه غير مرئى وإن ناسب نفى الصحة فلا تأثير له فى مسألة الطير لأن العجز عن التسليم كاف فى منع الصحة ضرورة استواء المرئى وغير المرئى فيها ومرجعه المعارضة فى العلة بإبداء علة أخرى وهو العجز عن التسليم.
الثالث: أن يذكر فى الوصف العلل به وصفًا لا تأثير له فى الحكم المعلل ويسمى عدم التأثير فى الحكم مثاله أن يقول الحنفية فى مسألة المرتدين إذا أتلفوا
стр. 1866
أموالنا مشركون أتلفوا مالًا فى دار الحرب فلا ضمان عليهم كسائر المشركين، فيقول المعترض: دار الحرب لا تأثير له عندكم ضرورة استواء الإتلاف فى دار الحرب ودار السلام فى إيجاب الضمان عندهم ومرجعه إلى مطالبه تأثير كونه فى دار الحرب فهو كالأول.
الرابع: أن يكون الوصف المذكور لا يطرد فى جميع صور النزاع، وإن كان مناسبًا ويسمى عدم التأثير فى الفرع مثاله أن يقال فى تزويج المرأة نفسها زوجت نفسها بغير إذن وليها، فلا يصح، كما زوّجت من غير كفء فيقول المعترض كونه غير كفء لا أثر له فإن النزاع واقع فيما زوجت من كفء ومن غير كفء وحكمهما سواء فلا أثر له ومرجعه إلى المعارضة بوصف آخر وهو تزويج فقط فهو كالثانى، واعلم أن حاصل ما ذكر أن الأقسام الأربعة الأول والثالث منها يرجعان إلى منع العلة والثانى، والرابع إلى المعارضة فى الأصل بإبداء علة أخرى والأول قد مر والثانى سيأتى فليس هو سؤالًا برأسه، وقد يقال إن ذلك لعدم التمييز بين ما يقصد به منع العلية ليدل عليها وبين الدليل على عدمها وكذا بين إبداء ما يوجب احتمال علية الغير وبين ما يوجب الجزم به قوله وكل فرض لما كان حاصل القسم الرابع وجود قيد طردى فى الوصف المعلل به وهو كونه غير كفء ذكر ذلك قاعدة تتعلق به وهى أن كل ما فرض جعله وصفًا فى العلة من طردى هل هو مردود عند المناظرين فلا يجوزونه أما إذا كان المستدل معترفًا به طردى فالمختار أنه مردود لأنه فى كونه جزء العلة كاذب باعترافه وأنه لحد قبيح وقيل ليس بمردود لأن الغرض استلزام الحكم فالجزء إذا استلزم الحكم فالكل مستلزم قطعًا وأنه إذا لم يكن معترفًا بأنه طردى فالمختار أنه غير مردود لجواز أن يكون فيه غرض صحيح كدفع النقض الصريح إلى النقض المكسور وهو أصعب بخلاف الأول فإنه معترف بأنه غير مؤثر وأن العلة هو الباقى فيرد النقض كما لو لم يذكره والتفوه به لا يجديه نفعًا فى دفع النقض وقيل مردود لأنه لغو وإن لم يعترف به وقد عرف الفرق.
قولد: (إبداء وصف لا أثر له) أى إبداء المعترض فى قياس المستدل وصفًا لا أثر له فى إثبات الحكم بأن يظهر عدم تأثيره مطلقًا أو فى ذلك الأصل أو يظهر عدم
стр. 1867
تأثير قيد منه أو يعلم عدم تأثيره بعدم اطراده فى محل النزاع بناء على أن التأثير مستلزم للاطراد فكل أخص مما بعده فلذا كان أعلى أى أقوى فى إبطال العلية.
قوله: (فهو كالثانى) أى عدم التأثير فى الأصل إذ لا تأثير للوصف فى ذلك الوصف استغناء عنه بوصف آخر فمرجعه إلى معارضة وصف كونه من غير كفء بوصف آخر هو مجرد تزويج المرأة نفسها من غير اعتبار للكفاءة وعدمها وفى المنتهى أنه كالثالث يعنى عدم التأثير فى الحكم لأن المستدل جعل الوصف تزويجًا لم يراع الولى فيه كفاءة الزوج فيقول المعترض فيه عدم الكفاءة مما لا تأثير له لأن تزويجها نفسها باطل عندكم سواء كان من كفء أو من غير كفء وبالجملة ينبغى أن يكون المراد بقوله زوجت نفسها أى من غير كفء على ما صرح به فى المنتهى ليتحقق الاشتراك فى الوصف وإن لم يكن فى المتن والشرح إشعار بذلك وأن يكون قوله كما زوجت من غير كفء على لفظ المبنى للمفعول ليتحقق المغايرة بين الأصل والفرع وفى بعض الشروح أن المراد زوجت نفسها مطلقًا فلا يصح كما إذا زوّجت نفسها من غير كفء والاعتراض أن ليس المؤثر فى الأصل تزويجها نفسها مطلقًا بل مع قيد كونه من غير كفء.
قوله: (والأول) أى منع العلة قد مر إذ هو ثانى اعتراضات النوع الذى نحن بصدده والثانى أن المعارضة فى الأصل ستأتى إذ هو عاشرها.
قوله: (وقد يقال) يعنى أن حاصل الأول والثالث من هذه الأقسام الأربعة ليس مجرد منع العلية وطلب إقامة الدليل عليها بل إثبات عدم علية الوصف مطلقًا أو فى ذلك الأصل وفرق بين منع العلية لقيام الدليل عليها وبين إقامة الدليل على عدمها وكذا حاصل الثانى والرابع ليس مجرد المعارضة فى الأصل بإبداء ما يحتمل أن يكون من العلة بل إثبات أن العلة هى ذلك الغير وفرق بين إبداء ما يحتمل العلية وإبداء ما هو العلة قطعًا.
قوله: (وقال فرض) من الشارحين من فسر هذا المقام بما يشهد بأنه لم يفهمه وآخرون اعترفوا بعدم الفهم فلذا بالغ المحقق فى توضيحه بما لا مزيد عليه فقوله وهو أصعب يريد أن إيراد النقض المكسور أصعب على المعترض من إيراد النقض الصحيح لأن فيه بيان عدم تأثير بعض أجزاء الوصف وبيان نقض البعض الآخر وفى النقض الصريح ليس إلا بيان نقض الوصف أعنى ثبوته فى صورة مع عدم
стр. 1868
الحكم فيها وقوله بخلاف الأول متعلق بقوله لجواز أن يكون يعنى أن المستدل إذا لم يكن معترفًا بكون الوصف طرديًا لجواز أن يكون له فى ضم الوصف الطردى إلى العلة غرض صحيح بأن لا يوجد المجموع مع عدم الحكم بخلاف ما إذا قال معترفًا بأن الوصف المضموم طردى فإن ذلك اعتراف بأنه لا مدخل له فى العلية وأن العلة هى ذلك الأمر الذى فرض الطردى وصفًا فيه فحينئذٍ يسهل النقض بإيراد صورة يوجد فيها مجرد ذلك الأمر ولا يوجد الحكم وتلفظه بأن العلة هى المجموع مع اعترافه بذلك لا يفيده، وقوله لأنه أى الوصف الطردى المضموم إلى ما هو العلة لغو سواء اعترف المستدل بذلك أو لم يعترف والجواب أنه إذا لم يعترف بذلك يجوز أن يتعلق له به غرض صحيح بخلاف ما إذا اعترف فافترقا.
المصنف: (لأن عدم القصر طردى) أى لا مناسبة فيه للحكم أصلًا وهو غير معتبر اتفاقًا وقوله فيرجع إلى سؤال المطالبة أى الذى هو الاعتراض الثانى فى الاعتراضات الواردة على العلة وقوله عدم التأثير فى الحكم الفرق بين الأول وبينه أن الطردية فى الأول متفق عليها بين المتناظرين وفى هذا الطردية إنما هى إلزامية على رأى المستدل ولذا قال المصنف ودار الحربى عندهم طردى وعدم التأثير فى الحكم نشأ من القيد الذى اعتبره المستدل وقوله فلا ضمان أى إذا أسلموا وقوله فيرجع إلى الأول أى لأن كلًا فى المعنى مطالبة بالعلية وطلب للدليل عليها وقوله كما لو زوجت من غير كفؤ أى كما لو زوج الولى الصغيرة من غير كفؤ.
الشارح: (وهو كالثانى) أى فى أن كلًا راجع إلى إبداء علة أخرى وهو المطلق فيرجعان إلى المعارضة فى الأصل فالمستدل قد جعل فى المثال الرابع العلة فى الأصل تزويجها نفسها بغير كفؤ والمعترض يبدى وصفًا هو العلة وهو تزويجها نفسها مطلقًا سواء كان بغير كفؤ أو بكفؤ لأن كونه بكفؤ لا أثر له وفى التحرير: إن الرابع راجع إلى الثالث فإن المعترض إذا ألقى القيد فقد منع علية المقيد ومقصود المعترض ليس إثبات علة أخرى.
стр. 1869
قال: (التاسع: القدح فى المناسبة بما يلزم من مفسدة راجحة أو مساوية وجوابه بالترجيح تفصيلًا أو إجمالًا كما سبق).
أقول: هذا أول الاعتراضات الأربعة المخصوصة بالمناسبة ويخص باسم القدح فى المناسبة وهو إبداء مفسدة راجحة أو مساوية لما مر أن المناسبة تنخرم بالمعارضة.
والجواب بترجيح المصلحة على المفسدة تفصيلًا أو إجمالًا، أما تفصيلًا فبخصوص المسألة بأن هذا ضرورى وذلك حاجى أو بأن إفضاء هذا قطعى أو أكثرى وذاك ظنى أو أقلى أو أن هذا اعتبر نرعه فى نوع الحكم وذاك اعتبر نوعه فى جنس الحكم إلى غير ذلك مما تنبهت له وأما إجمالًا فبلزوم التعبد ولولا اعتبار المصلحة وقد أبطلناه.
مثاله: أن يقول فى الفسخ فى المجلس وجد سبب الفسخ فيوجد الفسخ وذلك دفع ضرر المحتاج إليه من المتعاقدين فيقال معارض بضرر الآخر فيقول الآخر يجلب نفعًا، وهذا يدفع ضررًا ودفع الضرر أهم للعقلاء ولذلك يدفع كل ضر ولا يجلب كل نفع.
مثال آخر: إذا قلنا التخلى للعبادة أفضل لما فيه من تزكية النفس، فيقال لكنه يفوت أضعاف تلك المصلحة منها إيجاد الولد وكف النظر وكسر الشهوة، وهذه أرجح من مصالح العبادة فيقول بل مصلحة العبادة أرجح لأنها لحفظ الدين وما ذكرتم لحفظ النسل.
قوله: (هذا أول الاعتراضات) قد عرفت أن وجود المعارض للمصلحة هو القدح فى المناسبة وقد جعله عند الضبط الإجمالى ثانى اعتراضات المناسبة لكنه فى المتن أوّلها.
قوله: (لما مر) فى مسلك المناسبة أن المختار انخرام المناسبة لمفسدة تلزم راجحة أو مساوية.
قوله: (إلى غير ذلك) مثل أن هذا اعتبر نوعه فى جنسه وذاك جنسه فى جنسه وأن هذا الضرورى دينى وذاك مالى.
قوله: (وقد أبطلناه) أى التعبد حيث ذكرنا أن الأحكام مشتملة على المصالح إما تفضلًا وإما وجوبًا.
стр. 1870
الشارح: (مثاله أن يقول فى الفسخ فى المجلس) أى فى خيار المجلس الذى تقول به الشافعية.
الشارح: (التخلى أفضل) أى التخلى للنوافل أفضل من التزوج وقوله لكنه يفوت أضعاف تلك المصلحة أى وذلك التفويت مفسدة راجحة لكن قوله بعد وهذه أرجح من مصالح العبادة يقتضى أن المعارض للمصلحة مصلحة أخرى راجحة وهو خلاف الفرض.
قوله: (وقد عرفت. . . إلخ) لما كان المفضى إلى المقصود هو ترتب الحكم على الوصف المناسب صح إضافة الإفضاء إلى الوصف وإلى الحكم.
стр. 1871
قال: (العاشر: القدح فى إفضاء الحكم إلى المقصود كما لو علل حرمة المصاهرة على التأبيد بالحاجة إلى ارتفاع الحجاب المؤدى إلى الفجور، فإذا تأبد انسد باب الطمع المفضى إلى مقدمات الهم والنظر المفضى إلى ذلك فيقول المعترض بل سد باب النكاح أفضى إلى الفجور والنفس مائلة إلى الممنوع والنظر المفضى إلى ذلك فيقول المعترض بل سد باب النكاح أفضى إلى الفجور والنفس مائلة إلى الممنوع وجوابه أن التأبيد يمنع عادة بما ذكرناه فيصير كالطبيعى كالأمهات).
أقول: ومما يختص بالمناسب من الاعتراضات القدح فى إفضائه إلى المصلحة المقصودة من شرع الحكم له، مثاله: أن يقال فى علة تحريم مصاهرة المحارم على التأبيد أنها الحاجة إلى ارتفاع الحجاب ووجه المناسبة أنه يفضى إلى رفع الفجور وتقريره أن رفع الحجاب وتلاقى الرجال والنساء يفضى إلى الفجور وأنه يندفع بتحريم التأبيد إذ يرتفع الطمع المفضى إلى مقدمات الهم والنظر المفضية إلى الفجور فيقول المعترض لا يفضى إلى ذلك بل سد باب النكاح أفضى إلى الفجور لأن النفس حريصة على ما منعت منه، وقوة داعية الشهوة مع اليأس عن المحل مظنة الفجور.
والجواب: ببيان الإفضاء إليه بأن يقول فى المسألة التأبيد يمنع عادة ما ذكرناه من مقدمات الهم والنظر وبالدوام يصير كالأمر الطبيعى فلا يبقى المحل مشتهى كالأمهات.
قوله: (القدح فى إفضائه إلى المصلحة) الظاهر أن الضمير للحكم على ما هو صريح عبارة المتن لكن المذكور فيما سبق أن الإفضاء إلى المصلحة إنما هو من شروط الوصف المناسب وقد عرفت أن فى هذا المقام تسامحًا وأن المفضى إلى المصلحة هى شرعية ذلك الحكم كالتحريم مثلًا.
قوله: (ووجه المناسبة) أى بين تحريم مصاهرة المحارم كأم الزوجة على التأبيد وبين الحاجة إلى ارتفاع الحجاب أن التحريم يفضى إلى رفع الفجور من جهة أن التحريم على التأبيد يرفع الطمع المفضى إلى الهم والنظر المفضى إلى الفجور فيعترض بأن التحريم على التأبيد لا يفضى إلى رفع الفجور بل ربما يفضى إلى الفجور لكونه عبارة عن سد باب النكاح والمنع عنه والإنسان حريص على ما منع.
стр. 1872
قال: (الحادى عشر: كون الوصف خفيًا كالرضا والقصد والخفى لا يعرف الخفى وجوابه ضبطه بما يدل عليه من الصيغ والأفعال)
أقول: ثالث اعتراضات المناسبة كون الوصف غير ظاهر كالرضا فى العقود والقصد فى الأفعال والجواب ضبطه بصفة ظاهرة كضبط الرضا بصيغ العقود وضبط العمد بفعل يدل عليه عادة كاستعمال الجارح فى القتل.
قوله: (كون الوصف غير ظاهر) قد سبق أن من شرط المناسب كونه وصفًا ظاهرًا لأن الغيب لا يعرف الغيب فلا حاجة ههنا إلى ما ذكر فى المتن أن الخفى لا يعرف الخفى ومع ذلك فمعناه أنه لا يعرف الحكم الخفى لا الحكمة الخفية على ما فى بعض الشروح لأن العلل إنما هى أمارات ومعرفات للأحكام التى هى غيب عنا لا للحكم والمصالح وإنما توهم ذلك من جهة أن الوصف الذى هى الحكمة إذا كان خفيًا ليضبط بظاهر يعرفه ويدل عليه عادة كصيغ العقود على الرضا واستعمال الجارح على العمد وما وقع فى بعض الشروح أنه يضبط بالأمور الظاهرة من الصيغ والأفعال الموضوعة على للدلالة على الأمور الباطنة موهم أنه فهم من الأفعال الفعل النحوى.
قوله: (من جهة أن الوصف الذى هو الحكمة) أى الباعث.
قوله: (بظاهر يعرفه ويدل عليه) أى مبنى على ذلك أى أن المعرف هو الحكمة بمعنى الباعث مع أن المعرف هو الحكم.
стр. 1873
قال: (الثانى عشر: كونه غير منضبط كالتعليل بالحكم والمقاصد كالحرج والمشقة والزجر فإنها تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال وجوابه إما أنه منضبط بنفسه أو بضابط كضبط الحرج بالسفر ونحوه).
أقول: ورابع اعتراضات المناسب كون الوصف غير منضبط كالحكم والمصالح مثل الحرج والمشقة والزجر فإنها أمور ذوات مراتب غير محصورة ولا متميزة وتختلف بالأشخاص والأحوال والأزمان فلا يمكن تعيين القدر المقصود منها، وجوابه أنه إما منضبط بنفسه كما تقول فى المشقة والمضرة: إنه منضبط عرفًا، وإما بضبطه بوصف كالمشقة بالسفر والزجر بالحدود.
قوله: (مثل الحرج والمشقة) معلوم أنهما ليسا من الحكم والمصالح بل المراد أن قصر الصلاة وجواز الإفطار مثلًا فى مظان الحرج والمشقة حكمة ومصلحة ثم الظاهر أن ليس بين الحرج والمشقة كثير فرق فلذا قال كالمشقة بالسفر من غير تعرض للحرج.
المصنف: (كالتعليق بالحكم والمقاصد) ظاهر عبارة التحرير وشرحه أن المراد بالحكم البواعث وبالمقاصد المصالح المرتبة على الحكم المرتب على العلة بمعنى الوصف الظاهر المنضبط وقوله كالحرج والمشقة راجع للحكم وقوله والزجر راجع للمقاصد ولكن الذى فهمه المحشى أن المراد بالحكم والمقاصد واحد هو المصلحة المترتبة حيث قال معلوم أن الحرج والمشقة ليسا من الحكم والمصالح بل المراد أن قصر الصلاة وجواز الإفطار مثلًا فى مظان الحرج والمشقة حكمة ومصلحة.
стр. 1874
قال: (الثالث عشر: النقض كما تقدَّم وفى تمكين المعترض من الدلالة على وجود العلة إذا منع ثالثها يمكن ما لم يكن حكمًا شرعيًا، رابعها ما لم يكن طريق أولى بالقدح. قالوا: لو دل المستدل على وجود العلة بدليل موجود فى محل النقض فنقض المعترض ثم منع وجوهًا فقال المعترض ينتقض دليلك لم يسمع لأنه انتقل من نقض العلة إلى نقض دليلها وفيه نظر أما لو قال يلزمك إما انتقاض علتك أو انتقاض دليلها كان متجهًا ولو منع المستدل تخلف الحكم ففى تمكين المعترض من الدلالة، ثالثها يمكن ما لم يكن طريق أولى).
أقول: النقض كما علمت عبارة عن ثبوت الوصف فى صورة مع عدم الحكم فيها ويمكن فى جوابه منع كل واحد منهما فليجعل البحث فيه قسمين:
القسم الأول: فيما يمنع المستدل وجود الوصف فى صورة النقض وهو وارد بالاتفاق، وفيه بحثان:
الأول: هل للمعترض أن يدل على وجوده حينئذٍ أو ابتداء؟ قيل: نعم إذ به يتم إبطال دليل الخصم وقيل لا فإنه انتفال من الاعتراض إلى الاستدلال وقيل إن كان حكمًا شرعيًا فلا لأن الاشتغال بإثبات حكم شرعى هو الانتقال بالحقيقة وهو غير جائز وإلا فنعم، لظهور أمر تتميمه لدليله وقيل لا ما دام له طريق فى القدح أولى من النقض وأما إذا لم يكن له طريق أولى به فجائز وذلك لأن غصب المنصب والانتقال إنما ينفيان استحسانًا فإذا وجد الأحسن لم يرتكبهما وإلا فالضرورة تجوزهما.
البحث الثانى: إذا كان المستدل قد ذكر على وجود العلة فى الأصل دليلًا موجودًا فى محل النقض ونقض المعترض العلة فقال المستدل لا نسلم وجودها فقال المعترض فينتقض دليلك لوجوده فى محل النقض بدون مدلوله وهو وجود العلة فقد قال الجدليون لا يسمع هذا من المعترض لأنه انتقل من نقض العلة إلى نقض دليلها، قال المصنِّفُ وفيه نظر ولعل ذلك أن القدح فى دليل العلة قدح فى العلة وهو مطلوبه فلا يقال هذا إذا ادعى انتقاض دليل العلة معينًا ولو ادعى أحد الأمرين، فقال يلزم إما انتقاض العلة وإما انتقاض دليلها، وكيف كان لا يثبت العلية كان مسموعًا بالاتفاق فإن عدم الانتقال فيه ظاهر.
القسم الثانى: فيما يمنع المستدل عدم الحكم فى صورة النقض وهو وارد اتفاقًا
стр. 1875
وهل للمعترض إقامة الدليل على عدم الحكم قيل نعم إذ به يحصل مطلوبه وقيل لا لأنه انتقال وقيل نعم إذا لم يكن له طريق أولى بالقدح كما تقدَّم.
قوله: (على وجوده) أى وجود الوصف فى صورة النقض حينئذٍ أى حين منع المستدل وجوده أو ابتداء أى قبل منعه.
قوله: (إذ به) أى بوجود الوصف فى صورة النقض يحصل النقض فيتم إبطال دليل الخصم فكما أنه متمكن من إبطال فكذا من متمماته.
قوله: (وإلا) أى وإن لم يكن وجود الوصف فى صورة النقض حكمًا شرعيًا فيعم أى للمعترض أن يقيم الدليل على وجوده لأن كون هذا تتميمًا لمطلوبه لا انتقالًا إلى مطلوب آخر أمر ظاهر بخلاف ما إذا كان حكمًا شرعيًا فإن جانب الانتقال فيه أظهر فضمير تتميمه ودليله للمعترض واللام متعلق بتتميمه والمراد دليله على نفى العلية وعلى بطلان قياس المستدل وجمهور الشارحين على أن المراد أن المذهب الثالث هو التفصيل بأن الحكم المختلف فيه إن كان حكمًا عقليًا للمعترض أن يدل على وجود الوصف فى صورة النقض لأنه يقدح فيه فتحصل فائدة وإن كان حكمًا شرعيًا فلا لعدم الفائدة إذ للمستدل أن يقول يجوز أن يكون تخلف الحكم لوجود مانع أو انتفاء شرط فيجب الحمل عليه جمعًا للدليلين دليل الاستنباط ودليل التخلف فلا تبطل العلة بخلاف الحكم العقلى فإن هذا لا يتمشى فيه ولا يخفى ضعف هذا الكلام.
قوله: (وهو مطلوبه) أى القدح فى العلة مطلوب المعترض وفى بعض الشروح وجه النظر أن هذا انتقال من اعتراض وغير المسموع وهو الانتقال من الاعتراض والاستدلال.
قوله: (وكيف كان) أى سواء كان للازم انتقاض العلة أو انتقاض دليلها لم تثبت العلية أما على الأول فلما مر أن النقض يبطل العلية وأما الثانى فلأنه لا بد لثبوت العلية من مسلك صحيح، وأما ما قال إن انتقاض دليل العلة يستلزم انتقاض العلة فظاهر البطلان.
قوله: (كما تقدَّم) من أنه إذا كان له طريق فى القدح أولى من النقض لم يسمع
стр. 1876
من المعترض إقامة الدليل على وجود الوصف فى صورة النقض وإذا لم يكن يسمع لمكان الضرورة فكذا إقامة الدليل على انتفاء الحكم إلا فى المستثنات وهى الصور التى ينتفى فيها الحكم وتوجد العلة أية كانت من العلل المعتبرة فى حكم المسألة على اختلاف المذاهب فإنه لا نزاع فى أن ورود النقض على سبيل الاستثناء لا يفيد العلة كالعرايا وضرب الدية على العاقلة لأنه لما ورد على كل مذهب كان مجامعًا لما هو عليه ولهذا اتفقوا على أن المستثنى لا قياس عليه ولا تناقض به.
стр. 1877
قال: (والمختار لا يجب الاحتراز من النقض، وثالثها إلا فى المستثنيات لنا أنه سئل عن الدليل وانتفاء المعارض ليس منه وأيضًا فإنه وارد وإن احترز اتفاقًا).
أقول: هل يلزم المستدل أن يحترز فى متن الاستدلال من النقض بأن يذكر قيدًا يخرج محل النقض؟ قيل يلزمه لئلا ينتقض العلة وقيل يلزمه إلا فى المستثنيات، وهى ما يرد على كل علة فإذا قال فى الأرز مطعوم فيجب فيه التساوى كالبر فلا حاجة إلى أن يقول ولا حاجة تدعو إلى التفاضل فيه فيخرج العرايا فإنه وارد على كل تقدير سواء عللنا بالطعم أو القوت أو الكيل فلا تعلق له بإبطال مذهب وتصحيح آخر، والمختار أنه لا يجب أصلًا، لنا أنه سئل عن دليل العلية التزمه ووفى به والنقض دليل عدم العلية فهو بالحقيقة معارضة ونفى المعارض ليس من الدليل فهو غير ملتزم له فلا يلزمه، ولنا أيضًا أن ذكره إنما كان لئلا يرد النقض وذلك إنما يصح إذا لم يرد النقض معه وليس كذلك فإنه وارد معه اتفاقًا بأن نقول هذا وصف طردى والباقى منتقض.
قوله: (سئل عن دليل العلية) تقرير أول الوجهين على ما فى الشروح أنه إنما سئل عن الدليل المقتضى للحكم وانتفاء المعارض ليس منه لأن الدليل هو الوصف المؤثر لا غير والمعنى بالمعارض ما لأجله تخلف الحكم فى صورة النقض ولو كان انتفاؤه من العلة لما كان الوصف المفروض نفس العلة بل جزأها وتقرير ثانيهما أن النقض وارد اتفاقًا وإن احترز عنه فالاحتراز ملغى وفى بعض الشروح أن النقض إن لم يكن حاصلًا فى نفس الأمر فقد تم الدليل وإن كان حاصلًا فلا يتم احتراز عنه لفظًا أو لا والغرض من إيراد أمثال هذه المباحث أن يظهر لك قوة تصرف الشارح المحقق فى الدقائق وحسن تقصيه عن المضائق.
стр. 1878
قال: (وجوابه ببيان معارض اقتضى نقيض الحكم أو خلافه لمصلحة كالعرايا وضرب الدية أو لدفع مفسدة آكد كحل الميتة للمضطر فإن كان التعليل بظاهر عام حكم بتخصيصه وتقدير المانع كما تقدَّم).
أقول: لما فرغ من بحث النقض بجزءيه بين وجه الجواب عنه وهو بإبداء المانع، أعني بيان وجود معارض فى محل النقض اقتضى نقيض الحكم كنفى الوجوب للوجوب أو خلافه كالحرمة للوجوب وذلك إما لتحصيل مصلحة أو دفع مفسدة، أما تحصيل المصلحة فكما فى العرايا إذا أوردت على الربويات لعموم الحاجة إلى الرطب والتمر وقد لا يكون عندهم ثمن آخر وكضرب الدية على العاقلة إذا أورد على الزجر بشرع الدية لمصلحة أولياء المقتول مع عدم تحميل القاتل ما لم يقصد به القتل وكون أوليائه يغنمون بكونه مقتولًا فليغرموا بكونه قاتلًا، ولذلك قال ﷺ : "ما لك غنمه فعليك غرمه" وأما دفع المفسدة فكما علل حرمة الميتة بقذارته فإذا أورد المضطر قيل ذلك لدفع مفسدة هلاك النفس وهو أعظم من كل المستقذر هذا كله إذا لم تكن العلة منصوصة بظاهر عام وأما إن كانت كذلك فلا يجب إبداء المانع بعينه بل يحكم بتخصيصه بغير محل النقض ويقدر المانع بجذب مصلحة أو دفع مفسدة، فيكون تخصيصًا للعموم لا للعلة، فإنه أهون وقد تقدَّم ما فيه كفاية.
قوله: (لما فرغ) يشير إلى أن المراد بجواب النقض الجواب عنه بعدم تحققه حتى أن منع أحد جزأيه لا يكون جوابًا عنه بل دفعًا لتحققه.
قوله: (وذلك) أى اقتضاء المعارض نقيض الحكم أو خلافه قد يكون لتحصيل مصلحة أولى ودفع مفسدة أوكد وبهذا يظهر أن فى عبارة المتن اقتصارًا بحذف المعطوف عليه ونقض العرايا من قبيل نقض الحكم باعتبار وجوب التساوى وعدمه أو حرمة التفاضل وعدمها وأما وجوب الدية على العاقلة فيحتمل أن يجعل من قبيل اقتضاء خلاف الحكم لظهور أن وجوب دية مخففة على العاقلة حكم مخالف لوجوب دية مغلظة على العاقلة فقوله لعموم الخاصة متعلق بقوله كما فى العرايا وقوله لمصلحة أولياء المقتول متعلق بقوله كضرب الدية إشارة إلى تحصيل المصلحة وأن نفس ضرب الدية لمصلحة أولياء المقتول وكونها ليست على القاتل لعدم قصده وكونها على أوليائه لكون الغرم بالغنم وصورة المضطر من قبيل خلاف الحكم لأن
стр. 1879
الإباحة خلاف الحرمة ثم الصور المذكورة كلها من قبيل المستثنيات ومثله كاف فى التمثيل.
قوله: (فإنه) أى تخصيص عموم اللفظ أهون من تخصيص العلة لأن دلالة العام ظاهرة كثر فيها التخصيص بخلاف العلة وقد تقدَّم فى بحث شرائط العلة حيث قال فيجب تقدير المانع.
الشارح: (إذا أورد على الزجر بشرع الدية) أى أن القاتل عمدًا قد شرع له الدية زجرًا والزجر ليس موجودًا فى قتل الخطأ وقد أوجبوا الدية على العاقلة ولكن روعى فى ذلك مصلحة أولياء المقتول وفيه أنه لا معنى للنقض لأنه لم توجد العلة فى الخطأ وتخلف عنها الحكم لأن الزجر إنما هو قتل العمد والخطأ مخالف للعمد فلا نقض ولا قياس فتأمل.
الشارح: (مع عدم تحمل القاتل هذا على مذهب الشافعية) أما غيرهم فالقاتل كواحد من العاقلة.
الشارح: (وقد تقدم ما فيه كفاية) أى فى قول المصنف وفى النقض وهو وجود المدعى علة مع تخلف الحكم ثالثها إلى أن قال: وإن كانت منصوصة فبظاهر عام فيجب تخصيصه كعام وخاص ووجب تقدير المانع وحاصله أن النص الظاهر العام يجب تخصيصه بغير صورة النقض لأن ذلك النص عام يدل على العلية فى محل النقض وغيره وعدم الحكم خاص يدل على عدم العلية فى محل النقض وإذا تعارض عام وخاص خصص العام.
قوله: (وبهذا يظهر أن فى عبارة المتن اقتصارًا بحذف المعطوف عليه) لعله بحذف صفة المعطوف عليه وهو لفظ أولى وأما المعطوف عليه فهو لفظ المصلحة وهو مذكور وقوله من قبيل نقيض الحكم تحريف وصوابه من قبيل اقتضاء نقيض الحكم.
стр. 1880
قال: (الرابع عشر: الكسر وهو نقض المعنى والكلام فيه كالنقض).
أقول: الكسر وهو نقض المعنى وحاصله وجود المعنى فى صورة مع عدم الحكم فيه وقد علمت هل يسمع ومتى يسمع فحيث يسمع فهو كالنقض والكلام فيه كالكلام فيه من الأجوبة الثلاثة والكلام عليها سؤالًا وجوابًا، واختلافًا واختيارًا فلا يتكرر.
ومثاله: ما مر من الترخص للسفر لحكمة المشقة فيكسر بالحمال، واعلم أن منع وجود العلة ههنا أظهر منه فى النقض لما مر أن قدر الحكمة يتفاوت فقد لا يحصل ما هو مناط الحكم منه فى الأصل فى الفرع ومنع بقاء الحكم ههنا قد يدفع بوجه آخر وهو أنه لم لا يجوز أن يثبت حكم هو أولى بالحكمة، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك كله فى موضعه.
قوله: (وهو نقض المعنى) أى وجود الحكمة المقصودة من الوصف مع عدم الحكم وقد علمت فى بحث شروط العلة أن المختار أنه لا تبطل العلية فلا تسمع إلا إذا علم وجود قدر الحكمة أو أكثر ولم يثبت حكم آخر أليق بتحصيل الحكم منه وحينئذٍ هو كالنقض فيجاب أولًا بمنع وجود المعنى وثانيًا بمنع عدم الحكم كيلا يتحقق وإذا تحقق يجاب بإبداء المانع وحينئذٍ فهل للمعترض أن يدل على وجود المعنى فيه أربعة مذاهب وعلى وجود الحكم فيه ثلاثة مذاهب وهل يجب الاحتراز عن الكسب فى متن الاستدلال المختار أنه لا يجب.
قوله: (فقد لا يحصل) أى فى الفرع ما هو المناط للحكم فى الأصل من قدر الحكمة بخلاف نفس الوصف فإنه لا يتفاوت.
قوله: (ومنع انتفاء الحكم) قد عرفت أن ليس للمستدل فى رفع انتفاء الحكم فى صورة النقض سوى المنع وبيان المانع وأما فى الكسب فله أن يدفعه لأن انتفاء الحكم مع وجود الحكم لا يصلح اعتراضًا على عليتها لجواز أن يكون قد شرع فى صورة الكسر لتحصيل تلك الحكمة حكم آخر هو أولى بها كما إذا قال العلل، إنما قطع اليد باليد للزجر فيقول المعترض حكمة الزجر قائمة فى القتل العمد العدوان مع أنه لا قطع فيجيب العلل بأنه قد شرع فيه حكم آخر هو أليق وأشد زجرًا من القطع وهو القتل وقد سبق تحقيق ذلك.
стр. 1881
الشارح: (واعلم أن منع وجود العلة. . . إلخ) المراد منع العلة بمنع الحكمة المقتضية لاعتبارها علة ثم الكلام على تقدير سماع الكسر.
قوله: (سوى المنع) أى لدفع تحققه وقوله أو بيان المانع أى بعد تحققه.
стр. 1882
قال: (الخامس عشر: المعارضة فى الأصل بمعنى آخر إما مستقل كمعارضة الطعم بالكيل أو القوت أو غير مستقل كمعارضة القتل العمد العدوان بالجارح والمختار قبولها لنا لو لم تكن مقبولة لم يمتنع التحكم لأن المدعى علة ليس بأولى بالحرمة أو بالاستقلال من وصف المعارضة فإن رجح بالتوسعة منع الدلالة ولو سلم عورض بأن الأصل انتفاء الأحكام وباعتبارهما معًا وأيضا فلما ثبت أن مباحث الصحابة كانت جمعًا وفرقًا، قالوا: استقلالهما بالمناسبة يستلزم التعدد قلنا تحكم باطل كما لو أعطى قريبًا عالمًا).
أقول: معنى المعارضة فى الأصل هو أن يبدى المعترض معنًى آخر يصلح للعلية مستقلًا أو غير مستقل بل جزءًا أما المستقل فيحتمل أن يكون علة مستقلة دون الأول وأن يكون جزء علة فهو مع الأول علة مستقلة وعلى التقديرين فلا يحصل الحكم بالأول وحده، مثاله أن يعلل حرمة الربا بالطعم فيعارضه بالقوت أو الكيل وأما غير المستقلة فيحتمل أن يكون جزء العلة فينفى استقلال الأول، مثاله: أن يعلل القصاص فى المحدد بكونه قتلًا عمدًا عدوانًا فيعارضه بكونه بالجارح فإنه لما جاز أن تكون العلة الأوصاف المذكورة مع قيد كونه بالجارح لم يتعد إلى المثقل ثم اختلف فى قبول هذه المعارضة ولنا قبولها لنا لو لم تقبل لم يمتنع التحكم واللازم باطل ضرورة واتفاقًا، بيان الملازمة أن الوصف المبدى فى الصورة الأولى يصلح للاستقلال والجزئية كالوصف المدعى علة والمبدى فى الصورة الثانية يصلح جزءًا للعلة كما يصلح الوصف المدعى علة وقيوده كذلك فكان الحكم باستقلال المدعى أو جزئيته دون المبدى تحكمًا فإن قيل لا تحكم مع الرجحان ووصف التعليل راجح إذ فى اعتباره دون وصف المعارضة توسعة فى الأحكام لأنه إذا اعتبر تعدى الحكم إلى الفرع ولو اعتبر الآخر وهو أنه لا يوجد فى الفرع لم يتعد قلنا لا نسلم دلالة حصول التوسعة بكونه علة على كونه علة نعم يصلح ذلك مرجحًا لدليل لو كان قد ثبت عليتها والكلام فيه ولو سلم فهو معارض بما يرجح اعتبار وصف المعارضة وهو أن إلغاءه فيه إثبات حكم الفرع على خلاف الأصل لأن الأصل انتفاء الأحكام وأن اعتباره فيه جمع للدليلين وهو أولى من إلغاء واحد ولنا أيضًا بالنقل أن مباحث الصحابة رضوان اللَّه عليهم كانت جمعًا وفرقًا ومن تأمل كتب السير وتتبع تفاصيل الآثار لم يخف عليه ذلك وما ذلك إلا بتعميم بعضية وصف وتخصيص
стр. 1883
بعضية آخر والنظر فى أن العلة أيما هى وذلك إجماع على إبداء وصف فارق وقبوله وهو المراد.
قالوا: المفروض استقلال كل واحد منهما بالعلية وهو يستلزم تعدد العلة فيصار إليه وحينئذ يكون ما ذكرناه علة مستقلة وعلية غيره غير ضائرة.
والجواب: لما احتمل استقلالهما والتعدد وجزئيتهما والوحدة كان الحكم بالاستقلال والتعدد تحكمًا محضًا وأنه باطل وذلك كما لو أعطى قريبًا عالمًا فإنه يمكن أن إعطاءه لقرابته أو لعلمه أو لهما فالحكم بأحد الثلاثة تحكم.
قوله: (مستقلًا أو غير مستقل) تفصيل للصلوحية يعنى أن الوصف المعارض به إما أن يصلح للاستقلال بالعلية أو لا والثانى لا يحتمل أن يكون علة مستقلة بل غايته احتمال أن يكون جزء علة والأول يحتمل أن يكون علة بالاستقلال وأن يكون جزء علة بأن تكون العلة هى الوصف المعارض والمعارض به جميعًا وهذا التفصيل وإن لم يكن إليه إشارة فى المتن لكن فيه فائدة تظهر فى تقرير دليل المختار فإذا علل المستدل حرمة الربا بالطعم فمعارضة المعترض بالقوت يحتمل أن يكون باعتبار أن القوت هى العلة وحده أو العلة هى مجموع الطعم والقوت وإذا علل القصاص فى الحدد بالقتل العمد العدوان فمعارضته بالجارح لا تحتمل سوى أن يكون هو جزء العلة لأنه لا يصلح للاستقلال وحاصل الكلام أن فى التقسيم الأول الاستقلال فى الصلوح وفى الثانى الوجود.
قوله: (فى قبول هذه المعارضة) يعنى المعارضة فى الأصل على ما يشهد به استدلال الطرفين لا القسم الثانى منها خاصة على ما ذهب بعض الشارحين.
قوله: (بيان الملازمة) تقريره على ما ذكره العلامة أن وصف المستدل ليس أولى بالاستقلال من الجزئية لأنه كما احتمل أن يكون كل من وضع المستدل والمعارض علة بدليل المناسبة احتمل أن يكون المجموع علة بالمناسبة فالحكم بكون وصف المستدل علة مستقلة لا جزء علة تحكم وعلى هذا لفظ من وصف المعارضة لغو لأن الأولوية إنما هى بين الاستقلال والجزئية لا بين وصفى المستدل والمعارض وعلى ما فى بعض الشروح أن الدليل دال على علية كل من وصفى المستدل والمعارض سواء كان كل مستقلًا كالطعم والقوت أو غير مستقل كما إذا علل بالقتل العمد العدوان
стр. 1884
فزاد المعارض قيد كونه بالجارح حتى يكون المجموع علة فإنه إذا لم يقبل وجعل أحد الوصفين علة لزم ترجح أحد الجائزين ثم قال: وعبارة المصنِّف أعنى الدليل وبيان الملازمة وافق عقد المسألة فى العموم لا التمثيل فإن قوله ليس بأولى بالجزئية أو بالاستقلال يشمل ما إذا كان الوصف المدعى علته مركبًا والمعترض أخذ جزءًا منه وادعى الاستقلال وما إذا كان المدعى علة وصفًا وضم المعترض إليه وصفًا آخر وعلى هذا لا يكون قوله وصف المعارضة زائدًا وقال بعض الشارحين لو كان قوله ليس بأولى بالجزئية أو بالاستقلال شاملًا لما إذا كان الوصف المدعى علة مركبًا والمعترض أخذ جزءًا منه وادعى الاستقلال لزم أن لا تقبل المعارضة لأنه لا يكون إثبات علية جزء المدعى علته يلزم الحكم فى الفرع ضرورة وجود الجزء الذى هو العلة المستقلة على زعم المعترض فيه وأما على تقرير الشارح المحقق فحاصله أن الصلوح للاستعمال والجزئية جميعًا أو للجزئية فقط مشترك بين وصفى المستدل والمعارض فتخصيصه بوصف المستدل تحكم فقوله الوصف المبدى يعنى الوصف المعارض فى الصورة الأولى يعنى فيما إذا كان يصلح للعلية مستقلًا سواء كان علة مستقلة أو جزء علة يصلح للاستقلال أى يحتمل أن يكون علة مستقلة دون الأول وللجزئية أى يحتمل أن يكون جزء علة بأن يكون مع الأول علة مستقلة كما أن الوصف المدعى علة أعنى وصف المستدل يصلح لذلك والوصف المبدى فى الصورة الثانية فيما إذا كان لا يصلح للعلية إلا غير مستقل يصلح أى يحتمل أن يكون جزء علة كما أن الوصف المدعى علة وكلًا من قيوده كالعمد والعدوان مثلًا يصلح لذلك أى لكونه جزء علة فكان الحكم بالاستقلال المدعى يعنى وصف المستدل أو جزئيته دون استقلال المبدى يعنى وصف المعارض أو جزئيته تحكمًا لتساويهما فى الصلوح من غير مرجح فى الوجود.
قوله: (فإن قيل) لما كان مبنى لزوم التحكم على تساوى وصف المستدل المعبر عنه بوصف التعليل ووصف المعترض المعبر عنده بوصف المعارضة من غير ترجيح كان وجه السؤال أن وصف المستدل لما فيه من التوسعة أولى بالعلية ووجه الجواب أنا لا نسلم دلالة حصول التوسعة بالوصف على كونه علة كيف وفيه شائبة دور ضرورة توقف العلم بكل منهما على الآخر ولو سلم أنه يدل عليه أو أن ذلك بمجرد الترجيح دون الدلالة ضرورة ثبوت العلية بالمناسبة ونحوها عورض بترجيح
стр. 1885
وصف المعارضة بأن فى إلغائه لزوم مخالفة الأصل أعنى عدم الحكم وفى اعتباره لزوم موافقة الأصل أعنى الجمع بين دليل المعلل والمعارض حيث اعتبر كل من وصفيهما ولو بالجزئية وأما من جعل مبنى لزوم التحكم على تساوى استقلال وصف التعليل وجزئيته جعل صفة وجه السؤال ترجيح الاستقلال لما فيه من التوسعة ووجه الجواب منع دلالة الاستقلال على التوسعة ثم المعارضة بترجيح الجزئية لما فيها من موافقة الأصل أعنى عدم الحكم ومن اعتبار وصفى المستدل والمعارض حيث جعل كلًا منهما جزء علة.
قوله: (وما ذلك) أى ليس الجمع إلا تعميم الحكم بين أصل وفرع لموجب وصفما مشترك بينهما ولا الفرق إلا تخصيص ذلك الحكم بالأصل دون الفرع بموجب وصف يختص بالأصل وبحث ونظر فى أن علة الحكم فى الأصل هى ذلك الوصف المشترك أو المختص وذلك إجماع على أن للمعترض إبداء وصف فارق لا يوجد فى الفرع وأنه يقبل ويترك به قياس المستدل ولا معنى لقبول المعارضة سوى هذا وفى بعض الشروح أن تحقق الفرق إنما يكون بإبداء خصوصية الأصل اعتبارًا أو خصوصية الفرع منعًا، وهذا دليل قبول المعارضة، وأما ما ذهب إليه بعض الشارحين من أن الفرق إنما يتحقق بكون ما جعل المستدل علة جزء علة فلا يخفى ما فيه ومبناه على أنه خصص الاختلاف بالقسم الثانى من هذه المعارضة.
قوله: (المفروض استقلال كل واحد) فإن قيل هذا إنما يصح فى الصورة الأولى أعنى ما يكون وصف المعارض صالحًا للاستقلال قلنا ليس المراد أن المفروض استقلال كل من الوصفين بل كل مما يدعيه المستدل والمعارض ففى الصورة الثانية ما يدعيه المعارض علة هو المجموع المركب من وصف المستدل والوصف الذى أبداه المعارض وعليته لا تنافى علية الجزء الأول الذى يدعيه المستدل علة بالاستقلال بناء على جواز تعدد العلل فلا تكون المعارضة قادحة فلا يقبل وتقرير الجواب فى الصورة الأولى ظاهر لأنه إذا احتمل أن تكون العلة هى الطعم وأن تكون القوت وأن تكون المجموع كان الحكم بعلية الطعم كما يدعيه المستدل تحكمًا باطلًا، وأما فى الصورة الثانية فتقريره أنه كما يحتمل أن تكون العلة هى الجزء الأول كالقتل العمد العدوان يحتمل أن تكون المجموع المركب منه ومن كونه بالجارح حتى لا
стр. 1886
تكون العلة إلا واحدة فالقول بالاستقلال الأول وتعدد العلة تحكم وكان فى عطف التعدد على الاستقلال وعطف الوحدة على الجزئية على سبيل البيان والتفسير إشارة إلى هذا المعنى وتقرير بعض الشارحين أنه لو قبلت منه هذه المعارضة لزم استقلال كل من وصفى المستدل والمعارض فتتعدد العلة المستقلة وهو باطل والجواب منع اللزوم لجواز أن يسند الحكم إلى المجموع والمعارضة بأنه لو لم يقبل لزم التحكم وهو إسناد الحكم إلى أحد الوصفين مع الدلالة على علية كل منهما.
قوله: (إن فى التقسيم الأول) هو أن الوصف المعارض به مستقل أو غير مستقل وقوله والتقسيم الثانى هو أن الوصف المعارض به المستقل إما هو العلة أو جزء العلة وقوله فى الوجود أى التحقق ومعنى كون الوصف مستقلًا أنه لم يعتبر جزءًا ينضم إلى ما اعتبره المستدل فيصلح لأن يكون علة برأسه أو جزءًا ينضم إلى ما جعله المستدل علة بخلاف دعوى المعارض أن الوصف جزء علة فلا يصلح إلا للجزئية وقوله وبيان الملازمة أى وهو قوله لأن المدعى علة ليس بأولى بالجزئية أو الاستقلال من وصف المعارضة وقوله لأن ما إذا كان الوصف المدعى علة مركبًا والمعترض أخذ جزءًا منه وادعى الاستقلال ووجه الشمول أن يقال: إن هذا الوصف المركب قد اعتبر فيه أجزاؤه من العلة فيقال: إن جزئية الجزء منه ليست أولى من جزئية الوصف المعارض فكما اعتبر كل جزء منه جزءًا من العلة جاز أن يعتبر وصف المعارض جزءًا من العلة أو يقال: إن جزئية كل ليست أولى من استقلال الوصف المعارض.
قوله: (لأنه لا يكون إثبات علية جزء المدعى علة يلزم الحكم فى الفرع) فيه سقط والأصل: لأنه لا يكون إثبات علية جزء المدعى علة مفيدًا للمعترض لأنه لو ثبت علية جزء المدعى علة يلزم الحكم فى الفرع.
قوله: (لا نسلم دلالة حصول التوسعة. . . إلخ) أى لكونه ليس من مسالك العلة ولما فيه من الدور.
قوله: (والمعارضة بأنه لو لم يقبل. . . إلخ) عطف على قوله: استقلال كل يعنى فاللازم أمران.
стр. 1887
قال: (وفى بيان لزوم نفى الوصف عن الفرع ثالثها إن صرح لزم لنا أنه إذا لم يصرح فقد أتى بما ليس ينتهض معه الدليل فإن صرح لزمه الوفاء بما صرح).
أقول: هذا بحث متفرع على قبول المعارضة وهو أنه هل يلزم المعترض بيان أن الوصف الذى أبديته منتف فى الفرع أو لا فقيل يلزمه لينفعه دعوى التعليل به إذ لولاه لم تنتف العلة فى الفرع فثبت الحكم فيه وحصل مطلوب المستدل وقيل لا يلزمه لأن غرضه هدم استقلال ما ادعى المستدل أنه مستقل وهذا القدر يحصل بمجرد إبدائه وقيل: إن تعرض لعدمه فى الفرع صريحًا لزمه بيانه وإلا فلا وهذا هو المختار أما أنه إذا لم يصرح به فليس عليه بيانه فلأنه قد أتى بما لا يتم الدليل معه وهذا غرضه لا بيان عدم الحكم فى الفرع حتى لو ثبت بدليل آخر لم يكن إلزامًا له وربما سلمه وأما أنه إذا صرح به لزمه فلأنه التزم أمرًا وإن لم يجب عليه ابتداءً فيلزمه بالتزامه ويجب عليه الوفاء بما التزمه.
المصنف: (وفى بيان لزوم نفى الوصف) صوابه وفى لزوم بيان الوصف.
стр. 1888
قال: (والمختار أنه لا يحتاج إلى أصل لأن حاصله نفى الحكم لعدم العلة أو صد المستدل عن التعليل بذلك وأيضًا فأصل المستدل أصله).
أقول: هذا بحث آخر يتفرع على قبول المعارضة وهو أنه هل يحتاج المعارض إلى أصل يبين تأثير وصفه الذى أبداه فى ذلك الأصل حتى يقبل منه كأن يقول العلة الطعم دون القوت كما فى الملح قد اختلف فيه والمختار أنه لا يحتاج لأن حاصل هذا الاعتراض أحد الأمرين إما نفى ثبوت الحكم فى الفرع بعلة المستدل ويكفيه أن لا يثبت عليتها بالاستقلال ولا يحتاج فى ذلك إلى أن يثبت علية ما أبداه بالاستقلال فإن كونه جزء العلة يحصل مقصوده فقد لا يكون علة فلا يؤثر فى أصل أصلًا وأما صد المستدل عن التعليل بذلك لجواز تأثير هذا والاحتمال كاف فهو لا يدعى عليته حتى يحتاج إلى شهادة أصلًا، وأيضًا فإن أصل المستدل أصله بأن يقول العلة للطعم أو الكيل أو كلاهما كما فى البر بعينه فإذًا مطالبته بأصل مطالبة له بما قد تحقق حصوله فلا فائدة فيه.
المصنف: (لأن حاصله نفى الحكم) أى فلم يدع المعارض كون وصفه علة حتى يحتاج إلى إثباته بشهادة الأصل.
الشارح: (كما فى الملح) أى فإنه مطعوم وليس بقوت مع كونه ربويًا.
стр. 1889
قال: (وجواب المعارضة إما بمنع وجود الوصف أو المطالبة بتأثيره إن كان مثبتًا بالمناسبة أو الشبه لا بالسبر أو بخفائه أو عدم انضباطه أو منع ظهوره أو انضباطه أو بيان أنه عدم معارض فى الفرع مثل المكره، على المختار بجامع القتل فيعترض بالطواعية فيجيب بأنه عدم الإكراه المناسب لنقيض الحكم وذلك طردًا ويبين كونه ملغى أو يبين استقلال ما عداه فى صورة الظاهر أو إجماع مثل: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" فى معارضة المطعوم بالكيل ومثل: "من بدل دينه فاقتلوه" فى معارضة التبديل بالكفر بعد الإيمان وغير متعرض للتعميم).
أقول: إذ قد عرفت أن المعارضة مقبولة فالجواب عنها من وجوه:
منها: منع وجود الوصف مثل أن يعارض القوت بالكيل فيقول لا نسلم أنه مكيل لأن العبرة بعادة زمن الرسول ﷺ وكان حينئذٍ موزونًا.
ومنها: المطالبة بكون وصف المعارض مؤثرًا، يقال ولم قلت إن الكيل مؤثر وهذا إنما يسمع من المستدل إذا كان مثبتًا للعلة بالمناسبة أو الكتابه حتى يحتاج المعارض فى معارضته إلى بيان مناسبة أو شبه بخلاف ما إذا أثبته بالسبر فإن الوصف يدخل فى السبر بدون ثبوت المناسبة بمجرد الاحتمال.
ومنها: بيان خفائه.
ومنها: عدم انضباطه.
ومنها: منع ظهوره.
ومنها: منع انضباطه، هذه الأربعة لما علمت أن الظهور والانضباط شرط فى الوصف المعلل به فلا بد فى دعوى صلوح الوصف علة من بيانهما وللصاد عنهما أن يبين عدمهما وأن يطالب ببيان وجودهما.
ومنها: بيان أن الوصف عدم معارض فى الفرع، مثاله: أن يقيس المكره على المختار فى القصاص بجامع القتل، فيقول المعترض معارض بالطواعية فإن العلة هو القتل مع الطواعية فيجيب المستدل بأن الطواعية عدم الإكرام المناسب لنقيض الحكم وهو عدم القصاص فحاصله عدم معارض وعدم المعارض طرد لا يصلح للتعليل لأنه ليس من الباعث فى شئ كما علمت.
ومنها: أن يبين كون وصف المعارض ملغى إذ قد تبين استقلال الباقى بالعلية فى صورة ما بظاهر نص أو إجماع، مثاله: إذا عارض فى الربا الطعم بالكيل
стр. 1890
فيجيب بأن النص دل على اعتبار الطعم فى صورة ما وهو قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء".
مثال آخر: أن يقول فى يهودى صار نصرانيًا أو بالعكس: بدل دينه فيقتل كالمرتد فيعارضه بالكفر بعد الإيمان فيجيب بأن التبديل معتبر فى صورة ما لقوله: "من بدل دينه فاقتلوه" هذا إذا لم يتعرض للتعميم فلو عمم وقال فثبت ربوية كل مطعوم أو اعتبار كل تبديل للحديث لم يسمع لأن ذلك إثبات للحكم بالنص دون القياس لا تتميم القياس بالإلغاء والمقصود ذلك ولأنه لو ثبت العموم لكان القياس ضائعًا ولا يضره كونه عامًا إذا لم يتعرض للتعميم ولم يستدل به.
قوله: (بخلاف ما إذا أثبته) أى أثبت المستدل كون الوصف علة بالسبر فعارضه المعترض بوصف آخر فإنه لا يسمع حينئذٍ من المستدل مطالبة المعترض بكون وصفه مؤثرًا لأن الوصف يدخل فى السبر بمجرد احتمال كونه مناسبًا وإن لم تثبت مناسبته أعنى المناسبة بالنظر إليه أو إلى الخارج على ما يعم الشبه فتتم المعارضة بمجرد إبداء وصف آخر محتمل للعلية من غير أن تثبت مناسبته وكون الضمير فى قوله إن كان مثبتًا بالمناسبة للمستدل صريح فى الأصل حتى قال فى المنتهى أو المطالبة بتأثيره وأن المستدل أثبته بالمناسبة أو الشبه لا بالسبر وقال الآمدى إن كان طريق إثبات العلة من جانب المستدل المناسبة أو الشبه دون السبر والتقسيم والشارحون لما لم يتنبهوا لبيانه جعلوا الضمير للمعترض وقال العلامة: الظاهر أن وقوع المستدل مكان المعترض فى كلامهما زيغ بصرًا وطغيان قلم من الناقلين وذلك لأنه إنما يصح لو كان المعترض يطالب المستدل بتأثير وصفه ثم تقريره أن المطالبة بالتأثير إنما تكون إذا أثبت المعترض علية الوصف بالمناسبة أو الشبه أما إذا أثبته بالسبر فيكون مؤثرًا ضرورة تعين كونه علة وتقرير بعضهم أنه إذا أثبته بالسبر لم تصح المطالبة بالتأثير لأن السبر كافٍ فى الدلالة على العلية بدون تأثير.
قوله: (معارض بالطواعية) يعنى بوصف غير صالح للاستقلال وقوله المناسب صفة الإكراه والحكم هو القصاص ونقيضه عدمه.
قوله: (إذ قد تبين) تعليل الإلغاء وفى نسخ المتن أو تبين على أنه وجه آخر من الجواب وعليه جمهور الشارحين وهو الصواب، أما أولًا فلأن استقلال ما عدا
стр. 1891
هذا الوصف لا يوجب إلغاءه لجواز التعدد والشارح فسره بالباقى ليتعين كون الوصف المعارض جزءًا أو يتبين باستقلال الباقى إلغاؤه وأما ثانيًا فلأن مجرد بيان الإلغاء لا يتعين أن يكون باستقلال ما عداه وأما الإلغاء فلأن مجرد بيان استقلال ما عداه كاف فى الجواب وإن كان مستلزمًا لإلغائه وفيه بحث لأنه إنما يكون إذا لم يبين المعارض استقلال وصفه.
قوله: (ولا يضره) دفع لما يتوهم أن عموم النص يفيد المستدل سواء تعرض لتعميمه أو لم يتعرض لأنه لا معنى للقياس عند كون حكم الفرع منصوصًا فدفعه بأنه لا يضر لجواز أن لا يقول هو أو الخصم بالعموم أو يظهر لعمومه مخصص أو نحو ذلك من موانع التمسك بالعموم فيتمسك بالقياس فى هذا إشارة إلى أن قوله غير متعرض حال من فاعل تبين على معنى أن مثل هذا البيان إنما يسمع من المستدل إذا لم يتعرض لتعميم النص بحيث يتناول صورة الفرع وبهذا يندفع ما ذكره العلامة أن معناه من غير أن يتعرض لاستغراق التبديل بالعلية فى جميع الصور وكأنه احترز عن تعرض الاستغراق لأنه غير محتاج إليه مع أنه منتقض بمن بدل الكفر بالإيمان، ومع هذا فهو غير محتاج إليه لأنه ظاهر وفى بعض الشروح أن معناه ليس على المستدل عند بيان استقلال ما عدا الوصف أن يبين عليته فى جميع صورة وجود الوصف فإن الاقتران مع المناسبة ولو فى صورة يكفى فى الدلالة على العلية فلم يحتج إلى التعميم وقيل معناه غير متعرض لثبوته فى جميع الصور لما فيه من العسر وعدم الاحتياج.
قوله: (لأنه إنما يصح لو كان المعترض يطالب المستدل بالتأثير) أى فحينئذ يصح أن يثبت المستدل العلة بالمناسبة أو الشبه وقوله ثم تقريره أى تقرير قول المصنف إن كان مثبتًا بالمناسبة أو الشبه على أن ضمير كان للمعترض وقوله وتقرير بعضهم. . . إلخ. هو أيضًا على أن ضمير كان للمعترض لا للمستدل وكل من التقريرين خلاف الصواب إذ بفرض إثبات المعترض المعارضة بالمناسبة كيف يمنع المستدل التأثير كما هو الفرض والتأثير هو المناسبة وفى التحرير أو منع تأثيره إن كان المستدل لم يثبت وصف علية وصف أو أثبته بأى طريق كان وتقييد سماعه بما إذا كان المستدل أثبت وصفه بالمناسبة ونحوها لا بالسبر ونحو تحكم.
стр. 1892
قوله: (والشارح فسره. . . إلخ) أى فلا يرد عليه أن استقلال ما عداه لا يوجب إلغاءه لجواز التعدد وقوله لا يتعين أن يكون باستقلال ما عداه أى بل قد يكون لعدم اعتبار الشارع له فى جنس الأحكام كالطول والقصر وقوله كاف فى الجواب أى فلا حاجة إلى اعتبار الإلغاء وقرله وفيه بحث أى فى كفاية مجرد استقلال ما عداه فى الجواب عن المعارضة بحث وقوله لأنه إنما يكون إذا لم يبين أى إنما يكون كافيًا إذا لم يبين المعارض استقلال وصفه أما لو بين فليس كافيًا.
قوله: (ومع هذا فهو غير محتاج إليه. . . إلخ) مكرر مع قوله أو لا غير محتاج إليه.
стр. 1893
قال: (ولا يكفى إثبات الحكم فى صورة دونه لجواز علة أخرى ولذلك لو أبدى أمر آخر يخلف ما ألغى فسد الإلغاء ويسمى تعدد الوضع لتعدد أصلها مثل أمان من مسلم عاقل فيصح كالحر لأنهما مظنتان لإظهار مصالح الإيمان فيعترض بالحرية فإنها مظنة الفراغ للنظر فيكون أكمل فيلغيها بالمأذون له فى القتال فيقول خلف الأذن الحرية فإنه مظنة لبدل الوسع أو لعلم السيد بصلاحيته، وجوابه الإلغاء إلى أن يقف أحدهما).
أقول: ربما يظن أن إثبات الحكم فى صورة دون وصف المعارض كاف فى إلغائه والحق أنه ليس بكاف لجواز وجود علة أخرى لما تقدَّم من جواز تعدد العلة وعدم وجوب العكس ولأجل ذلك لو أبدى فى صورة عدم وصف المعارضة وصفًا آخر يخلفه لئلا يكون الباقى مستقلًا فسد الإلغاء لابتنائه على استقلال الباقى فى تلك الصورة وقد بطل وتسمى هذه الحالة تعدد الوضع لتعدد أصلهما والتعليل فى أحدهما بالباقى على وضع أى قيد وفى الآخر على وضع آخر أى مع قيد آخر، مثاله: أن يقال فى مسألة أمان العبد للحربى أمان من مسلم عاقل فيقبل كالحر لأنهما -أعنى الإسلام والعقل- مظنتان لإظهار مصلحة الإيمان أى بدل الأمان وجعله آمنًا فيقول المعترض هو معارض بكونه حرًا أى العلة كونه مسلمًا عاقلًا حرًا، فإن الحرية مظنة فراغ قلبه للنظر لعدم اشتغاله بخدمة السيد فيكون إظهار مصالح الإيمان معه أكمل فيقول المستدل الحرية ملغاة لاستقلال الإسلام والعقل فى صورة العبد المأذون له من قبل سيده فى أن يقاتل، فيقول المعترض إذن السيد له خلف من الحرية فإنه مظنة لبذل الوسع فيما تصدى له من مصالح القتال أو لعلم السيد بصلاحيته لإظهار مصالح الإيمان، وجواب تعدد الوضع أن يلغى المستدل ذلك الخلف بإبداء صورة لا يوجد فيها الخلف أيضًا فإن أبدى المعترض خلفًا آخر فجوابه إلغاؤه وعلى هذا إلى أن يقف أحدهما فيكون الدبرة عليه فإن ظهر صورة لا خلف فيها تم الإلغاء وبطل الاعتراض، والأظهر عجز المستدل.
قوله: (كاف فى إلغائه) لما جعل الشارحون بيان استقلال ما عداه وجهًا برأسه وجعلوا هذا الكلام متعلقًا به بمعنى أنه لا يكفى فى بيان استقلال وصف المستدل إثبات الحكم فى صورة بدون وصف المعارض لجواز أن يكون الحكم لعلة أخرى
стр. 1894
غير وصف المستدل فلا يلزم استقلاله ولأجل كون الحكم بعلة أخرى لو أبدى المعترض أمرًا آخر تخلف الملغى أى يقوم مقام ما ألغاه المستدل بثبوت الحكم دونه فسد إلغاؤه ويسمى فساد الإلغاء بالوجه المذكور تعدد الوضع لتعدد أصل العلة فإن المعترض أثبت علية وصف المعارضة أولًا فلما ألغاه المستدل أثبت علية وصف آخر ولما جعله الشارح المحقق من تتمة بيان إلغاء وصف المعارض جعله متعلقًا به أى لا يكفى فى إلغاء وصف المعارض إثبات الحكم فى صورة دونه لجواز أن يكون ذلك لعلة أخرى لما سبق من جواز تعدد العلل وأن انتفاء العلة لا يوجب انتفاء الحكم وهذا هو الموافق لكلام الآمدى.
قوله: (ولأجل ذلك) أى ولأجل أنه ليس بكاف فى الإلغاء لو أبدى المعترض فى صورة عدم وصف المعارضة وصفًا آخر يقوم مقام وصف المعارضة لئلا يكون وصف المستدل مستقلًا فسد إلغاء المستدل وصف المعارضة لابتناء إلغائه على استقلال وصف إلغائه على استقلال وصف المستدل فى صورة عدم وصف المعارضة وقد بطل استقلاله بإبداء المعترض قيدًا آخر ينضم إليه فيبطل ما يبتنى عليه.
قوله: (لتعدد أصلهما) أى أصل الوصفين وتعليل الحكم بقبول الأمان فى أحد الأصلين كما فى أمان السلم العاقل الحر بالباقى أى بالإسلام والعقل على وضع وهو كونه مع الحرية وفى الآخر كإمام العبد المأذون بالباقى على وضع آخر وهو كون الإسلام والعقل مع إذن السيد وفى بعض النسخ لتعدد أصليهما أى أصل العلة وهو ظاهر.
قوله: (فيكون الدبرة) أى الهزيمة من الأدبار على من وقف.
стр. 1895
قال: (ولا يفيد الإلغاء لضعف المعنى مع تسليم المظنة كما لو اعترض فى الردة بالرجولية فإنها مظنة الإقدام على القتال فيلغيها بالمقطوع اليدين).
أقول: إذ قد عرفت أن من أجوبة المعارضة الإلغاء فالإلغاء هل يثبت بضعف المعنى؟ إذا سلم وجود المظنة المتضمنة لذلك المعنى، الحق أنه لا يثبت، مثاله: أن يقول الردة علة القتل فيقول المعترض بل مع الرجولية لأنه مظنة الإقدام على قتال المسلمين إذ يعتاد ذلك من الرجال دون النساء فيجيب المستدل بأن الرجولية وكونها مظنة الإقدام لا تعتبر وإلا لم يقتل مقطوع اليدين لأن احتمال الإقدام فيه ضعيف بل أضعف من احتماله فى النساء وهذا لا يقبل منه حيث سلم أن الرجولية مظنة اعتبرها الشارع وذلك كترفه الملك فى السفر لا يمنع رخص السفو فى حقه لقلة المشقة إذ المعتبر المظنة وقد وجدت لا مقدار الحكمة لعدم انضباطها.
قوله: (بضعف المعنى) أى الحكمة التى تتضمنها المظنة وجمهور الشارحين لم يفرقوا بين المعنى والمظنة فزعموا أن المراد أنه لو سلم المستدل كون وصف المعارضة مظنة للحكم المختلف فيه فلا يفيد بيان الإلغاء بضعف المظنة فى صورة لأنه لا يخل بالعلية.
следующие страницы →