الحكم الواحد أولى من تعدده لأنه يستلزم الانعكاس والعلة المنعكسة علة باتفاف بخلاف غيرها إذ فيه الخلاف والمتفق عليه أرجح، فإن قال المعترض إذا تمسكتم بأن الأصل هو العدم فنعارضه بأن الأصل عدم علة الأصل فى الفرع قلنا تعارضا وتساقطا والترجيح معنا من وجه آخر وهو أن العلة المتعدية أولى من القاصرة للاتفاق عليها، والخلاف فى القاصرة ولكثرتها وقلة القاصرة وإذا أثبتنا الحكم فى الفرع بعلة الأصل فقد عديناها وإذا لم نثبته بها فقد قصرنا علة الأصل على الأصل وعلة الفرع على الفرع.
قوله: (ويوضحه فى مثال) وهو أن يثبت قطع الأيدى باليد الواحدة قياسًا على قتل الأنفس بنفس واحدة بجامع وجوب الدية على الجميع ومرجعه إلى قياس القصاص على الدية بجامع كونهما أثرًا يترتب على الجناية وتقريره أن الدية على الكل الأثرين فى الأول أعنى النفس وقد وجد فى الفرع أعنى اليد فيلزم وجود الأثر الآخر وهو القصاص على الكل لأن علة الأثرين فى الأول إن كانت واحدة فواضح أنه يلزم من وجود أحد الأثرين فى الفرع وجود العلة ومن وجود العلة وجود الأثر الآخر وهو القصاص على الكل وإن كانت متعددة فتلازم الأثرين فى الأصل دليل لتلازم العلتين فوجود أحد الأثرين فى الفرع مستلزم وجود علته وهو يستلزم وجود علة الأثر الآخر فيثبت الأثر الآخر فيعترض بأنه لا يلزم من ثبوت أحد الأثرين كالدية مثلًا فى الفرع ثبوت الأثر الآخر كالقصاص لجواز أن تكون علته فى الفرع غير علته فى الأول وهى أعنى علته فى الفرع تكون بحيث تقتضى وجوب الدية على الكل لا تقتضى وجوب قطع الكل ولا يكون أيضًا متلازمًا لأمر يقتضى ذلك وإن كانت فى الأول أعنى النفس تقتضيهما جميعًا أو يكون متلازمًا لأمر يقتضى قتل الكل، فقوله وهو أى الأول هو النفس وقوله بدليل الموجب الآخر متعلق بمحذوف أى فيجب وكأنه سقط من القلم قوله ويقرر أى وجوب القصاص على الجميع فى الفرع وقوله لأن العلة فيهما أى فى الدية والقصاص فى الأصل، وقوله سواء كان أى سواء كانت علة أحد الحكمين نفس علة الآخر أو أمرًا ملازمًا لها طردًا أو عكسًا وقوله يختص به أى يوجد فى الفرع ولا يوجد فى الأصل ويقتضى ذلك الموجب يعنى الدية على الكل ولا تقتضى الموجب الآخر
стр. 1927
يعنى القصاص على الكل وتقرير الاعتراض على هذا الوجه يوافق كلام الآمدى وجميع الشارحين وسيأتى على تقدير اتحاد العلة فى الأصل وتعددها ويخالف ما ذكره المحقق فى الحاصل لأن مبناه على تعدد العلة فى الأصل على أن علة ثبوت الدية فى الفرع هى علة ثبوت الدية فى الأصل إلا أنها فى الأصل تلازم أمرًا هى علة ثبوت القصاص وفى الفرع لا تلازمه فقوله المعلوم تلازمهما أى تلازم الحكمين فى الأصل وهو النفس والنزاع إنما هو فى الفرع أعنى اليد وقوله موجب أحدهما على لفظ اسم الفاعل وضمير هو لأحدهما والمراد بالأصل ههنا الدية ولا يبعد أن تكون وهو الأصل من سهو القلم والصواب فى الأصل يعنى لم لا يجوز أن يكون الأمر الذى يوجب أحد الحكمين فى الأصل أعم بحيث يوجد فيه وفى الفرع بخلاف الأمر الذى يوجب الأثر الآخر فإنه أخص لا يوجد إلا فى الأصل وهذا لا ينافى تلازم الموجبين أعنى العلتين فى الأصل بمعنى أنه كلما ثبت هذا قد ثبت ذاك وبالعكس كما يقال الحركة والضحك متلازمان فى الإنسان وإن كانت الحركة توجد فى غيره فكأنه أشار إلى أنه يمكن تقرير الاعتراض بوجهين يبتنى أحدهما على تعدد العلة أو أراد بعلة أخرى مغايرتها للعلة فى الأصل لا بالذات بل بالوصف بمعنى أنها فى الفرع لا تلازم علة الأثر الآخر ومعنى تختص به أنها تختص بأحد الموجبين بمعنى أنه يقتضيه ولا يقتضى الموجب الآخر على أن يكون قوله ويقتضى تفسيرًا للاختصاص ولا يخفى ما فيه من التعسف.
قوله: (كما يقال الحركة والضحك) أراد بالحركة الحركة بالإرادة.
стр. 1928
(الكلام فى الاستصحاب)
قال: (الاستصحاب: الأكثر كالمزنى والصيرفى والغزالى على صحته، وأكثر الحنفية على بطلانه كان نفيًا أصليًا أو حكمًا شرعيًا مثل قول الشافعية فى الخارج الإجماع على أنه قبله متطهر والأصل البقاء حتى يثبت معارض والأصل عدمه، لنا ما تحقق ولم يظن معارض يستلزم ظن البقاء وأيضًا لو لم يكن الظن حاصلًا لكان الشك فى الزوجية ابتداءً كالشك فى بقائها فى التحريم والجواز وهو باطل وقد استصحب الأصل فيهما. قالوا: الحكم بالطهارة ونحوها حكم شرعى والدليل عليه نص أو إجماع أو قياس وأجيب بأن الحكم البقاء ويكفى فيه ذلك ولو سلم فالدليل الاستصحاب قالوا: لو كان الأصل البقاء لكانت بينة النفى أولى وهو باطل بالإجماع وأجيب بأن المثبت يبعد غلطه فيحصل الظن قالوا: لا ظن مع جواز الأقيسة، قلنا الفرض بعد بحث العالم).
أقول: معنى استصحاب الحال أنه الحكم الفلانى قد كان ولم يظن عدمه وكل ما هو كذلك فهو مظنون البقاء وقد اختلف فى صحة الاستدلال به لإفادته ظن البقاء وعدمها لعدم إفادته إياه فأكثر المحققين كالمزنى والصيرفى والغزالى على صحته وأكثر الحنفية على بطلانه فلا يثبت به حكم شرعى ولا فرق عند من يرى صحته بين أن يكون الثابت به نفيًا أصليًا، كما يقال فيما اختلف فى كونه نصابًا لم تكن الزكاة واجبة عليه والأصل بقاؤه أو حكمًا شرعيًا، مثل قول الشافعية فى الخارج من أحد السبيلين أنه كان قبل خروج الخارج متطهرًا والأصل البقاء حتى يثبت معارض والأصل عدمه، لنا ما تحقق وجوده أو عدمه فى حال ولم يظن طرو معارض يزيله فإنه يلزم ظن بقائه هذا أمر ضرورى فلولا حصول هذا الظن لما ساغ للعاقل مراسلة من فارقه ولا الاشتغال بما يستدعى زمانًا من حراثة أو تجارة ولا إرسال الودائع والهدايا من بلد إلى بلد بعيد ولا القراض والديون ولولا الظن لكان ذلك كله سفهًا، وإذا ثبت الظن فهو متبع شرعًا لما مر ولنا أيضًا أنه لو شك فى حصول الزوجية ابتداءً حرم عليه الاستمتاع إجماعًا، ولو ظن دوام الزوجية جاز له الاستمتاع إجماعًا ولا فارق بينهما إلا استصحاب عدم الزوجية فى الأولى
стр. 1929
واستصحاب الزوجية فى الثانية فلو لم يعتبر الاستصحاب للزم استواء الحالين فى التحريم والجواز وهو باطل لأنه خلاف الإجماع فقد علم إجماعهم على اعتبار الاستصحاب من المسألتين.
قالوا: أولًا: الطهارة والحل والحرمة ونحوها أحكام شرعية والأحكام الشرعية لا تثبت إلا بدليل منصوب من قبل الشارع وأدلة الشرع منحصرة فى النص والإجماع والقياس إجماعًا والاستصحاب ليس منها فلا يجوز الاستدلال به فى الشرعيات.
الجواب: إن ما ذكرتم من وجوب دليل منصوب من جهة الشارع إنما يصح فى إثبات الحكم ابتداءً وأما فى الحكم ببقائه فممنوع إذ يكفى فيه الاستصحاب ولو سلم فلا نسلم أن الدليل منحصر فى الثلاثة بل ههنا رابع وهو الاستصحاب فإن ذلك عين محل النزاع.
قالوا: ثانيًا: لو كان الأصل البقاء لكانت بينة النفى أولى بالاعتبار من بينة الإثبات واللازم منتف أما الملازمة فلأن بينة النفى مؤيدة باستصحاب البراءة الأصلية فيكون الظن الحاصل بها أقوى وأما انتفاء اللازم فلأن البينة لا تعتبر من النافى وهو المدعى عليه وتقبل من المثبت وهو المدعى اتفاقًا.
الجواب: منع الملازمة وإنما تصح لو حصل الظن بهما، ويتأيد أحدهما بالاستصحاب وليس كذلك فإن الظن لا يحصل إلا ببينة المثبت وذلك لأنه يبعد غلطه بأن يظن المعدوم موجودًا بخلاف النافى إذ لا يبعد غلطه فى ظن الموجود معدومًا بناءً على عدم علمه به مع بنائه على استصحاب البراءة، وله وجوه أخر من الأولوية وهى أن المثبت يدعى العلم بالوجود وله طرق قطعية بخلاف النافى فإن طريقه وهو عدم العلم ظنى، وأن النفس إلى دفع غير الملائم أميل منه إلى جلب الملائم ولذلك يدفع كل غير ملائم ولا يجلب كل ملائم فيكون إنكار الحق أكثر من دعوى الباطل والتجربة دالة على ذلك فقد عارض الأصل الغلبة وبقى ما ذكرنا سالمًا.
قالوا: ثالثًا: القياس جائز فينتفى ظن بقاء الأصل والأولى ظاهرة، وأما الثانية فلأن القياس يرفع حكم الأصل اتفاقًا فلا ظن إلا بعدم قياس يرفعه؛ لكن الأصول التى يمكن القياس عليها غير متناهية فالحكم بانتفائه مع الجواز تحكم.
стр. 1930
الجواب: أن الفرض فيما بحث فيه العالم عن الأصول ولم يجد أصلًا يشهد برفع حكم الأصل ولا شك أن انتفاء القياس الرافع حينئذٍ هو المظنون ومجرد الاحتمال لا يضر.
قوله: (فلا يثبت به حكم) كأنه يشير إلى أن خلاف الحنفية فى إثبات الحكم الشرعى دون النفى الأصلى وهذا ما يقولون إنه حجة فى الفرع لا فى الإثبات حتى إن حياة المفقود بالاستصحاب تصلح حجة لبقاء ملكه لا لإثبات الملك له فى مال مورثه وإلى أن التعميم بقوله سواء كان نفيًا أصليًا أو حكمًا شرعيًا إنما هو فى صحة الاحتجاج به عند القائلين به وظاهر كلام المتن أن هذا التعميم متعلق بهما جميعًا وما ذكره المحقق من التخصيص تحكم على أن نسبة القول بصحته إلى الغزالى فى مسألة الخارج من غير السبيلين ليس بمستقيم ولا موافق لكلام الأصل فإنه جعل هذا البحث مسألتين إحداهما فى استصحاب الحال ونسب القول بصحته سواء كان لأمر وجودى أو عده ى شرعى أو عقلى إلى المزنى والصيرفى والغزالى وغيرهم والأخرى فى استصحاب حكم الإجماع فى محل الخلاف كما فى مسألة الخارج من غير السبيلين ونسب القول بنفيه إلى الغزالى وجعلهما ههنا مسألة واحدة لاتحاد المأخذ.
قوله: (هذا أمر ضرورى) يعنى أن المذكور فى معرض الاستدلال تنبيه فلا يتوجه عليه ما ذكره الآمدى من النوع والمعارضات.
قوله: (ولو ظن دوام الزوجية) يعنى به الشك وإلا فلا تمسك.
قوله: (إنما يصح فى إثبات الحكم) يعنى أن المفتقر إلى دليل منصوب من جهة الشارع هو إثبات الحكم الشرعى وأما بقاؤه فلا وفى هذا التقرير احتراز عما ذكره الشارحون أن المثبت بالاستصحاب هو البقاء هو ليس بحكم شرعى فورد الاعتراض بأن النزاع فى أن الاستصحاب هل يصلح حجة فى الحكم الشرعى.
قوله: (وله) أى لبينة المثبت بتأويل الدليل وجوه أخر والمذكور وجهان أحدهما أن للعلم طرقًا قطعية من الحس والاستدلال بخلاف النفى فإن طريقه عدم العلم بالثبوت وفيه منع ظاهر وثانيهما أن نفى الواقع رفع لغير الملائم وإثبات غير الواقع طلب للملائم والأول أكثر بحكم التجربة والاستقراء فيكون الأصل هو النفى وإن
стр. 1931
كان مرجحًا لبينة النافى لكن كون نفى الثابت أغلب من إثبات المنفى يرجح بينة المثبت وهذا معنى معارضة الأصل الغلبة فيبقى ما ذكرنا من الدليل على حجية الاستصحاب سالمًا.
قوله: (والأولى) أى المقدمة الأولى وهى أن القياس جائز ظاهرة وأما المقدمة الثانية وهى أن جواز القياس يستلزم انتفاء ظن بقاء الأصل فلأن القياس رافع لحكم الأصل اتفاقًا بدليل أنه يثبت به أحكام لولاه لكانت باقية على نفيها فلا يحصل الظن ببقاء حكم الأصل إلا عند انتفاء قياس يرفعه ولا سبيل إلى الحكم بذلك الانتفاء لعدم تناهى الأصول التى يمكن القياس عليها فمن أين للعقلاء الإحاطة بنفيها والجواب أنه لا حاجة إلى القطع بانتفاء القياس الرافع بل الظن كافٍ وهو حاصل على تقدير عدم الوجدان بعد البحث والتفتيش ومجرد احتمال قياس رافع لا ينافى ظن انتفائه بل يلازمه وإنما المنافى له احتمال مساوٍ أو راجح.
الشارح: (ولو ظن دوام الزوجية) يريد لو حصل ظن الدوام عند الشك فى طلاق زوجته عملًا بالاستصحاب كان ذلك الظن معمولًا به اتفاقًا كما إذا شك فى حصول الزوجية ابتداءً وحصل ظن عدمها بالاستصحاب كانت الحرمة ثابتة عليها اتفاقًا عملًا بالاستصحاب فلا حاجة لتأويل الظن بالشك كما ذكره المحشى.
الشارح: (فقد عارض الأصل الغلبة) أى البراءة الأصلية التى تناسب بينة النفى تعارض الغلبة، وقوله: وبقى ما ذكرنا وهو الاستصحاب سالمًا أى عن المعارض.
قوله: (وما ذكره المحقق من التخصيص) أى تخصيص قول الحنفية ببطلان الاستصحاب بإثبات الحكم الشرعى تحكم قال فى التحرير: وهو حجة عند الشافعية وطائفة من الحنفية مطلقًا ونفاه كثير مطلقًا وأبو زيد وشمس الأئمة وفخر الإسلام وصدر الإسلام ومتابعوهم حجة للدفع لا للإثبات والوجه ليس حجة أصلًا.
قوله: (وفى هذا التقرير احتراز. . . إلخ) أى حيث اعتبر فى الجواب تقييد الصحة بالابتداء الذى لا ينافى أن البقاء أيضًا حكم شرعى إذ المراد به بقاء الحكم الشرعى.
قوله أيضًا: (وفى هذا التقرير. . . إلخ) أى لأن المراد بالبقاء بقاء الحكم الشرعى ودوامه وهو حكم شرعى.
стр. 1932
(الكلام فى شرع من قبلنا)
قال: (شرع من قبلنا والمختار أنه ﷺ قبل البعثة متعبد بشرع قيل نوح وقيل إبراهيم وقيل موسى وقيل عيسى وقيل ما ثبت أنه شرع ومنهم من منع وتوقف الغزالى، لنا الأحاديث متضافرة كان يتعبد كان يتحنث كان يصلى كان يطوف واستدل بأن من قبله لجميع المكلفين وأجيب بالمنع، قالوا: لو كان لقضت العادة بالمخالطة أو لزمته، قلنا التواتر لا يحتاج وغيره لا يفيد وقد تمتنع المخالطة لموانع فيحمل عليها جمعًا بين الأدلة).
أقول: قد اختلف فى أن الرسول ﷺ قبل البعثة هل كان متعبدًا بشرع أم لا؟ والمختار أنه كان متعبدًا فقيل بشرع نوح وقيل إبراهيم وقيل موسى وقيل عيسى وقيل ما ثبت أنه شرع، ومنهم من منع منه، وتوقف الغزالى، لنا ما ورد فى الأحاديث أنه كان يتعبد، كان يتحنث، أى يعتزل للعبادة، كان يصلى، كان يطوف: وكل واحد وإن كان آحادًا فإن المجموع متضافرة على إثبات القدر المشترك وتلك أعمال شرعية تعلم بالضرورة ممن يمارسها قصد الطاعة، وهو موافقة أمر الشارع، ولا يتصور من غير تعبد فإن العقل بمجرده لا يستحسنه وقد استدل بأن شرع من قبله عام لجميع المكلفين وإلا لخلا المكلف عن التكليف وأنه قبيح فيتناوله أيضًا.
والجواب: منع عموم شرع من قبله فإنه لم يثبت وما ذكر إن سلم ففرع تقبيح العقل.
قالوا: لو كان متعبدًا لقضت العادة بوقوع مخالطته لأهل ذلك الشرع أو لزمته مخالطتهم لأخذ الشرع منهم فوقع ولو وقع لنقل ولافتخر به تلك الطائفة وانتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم.
الجواب: منع قضاء العادة بالثبوت واللزوم والسند أنه متعبد بما علم أنه شرع وذلك يحصل بالتواتر دون الآحاد، والتواتر لا يحتاج إلى المخالطة وغيره وهو الآحاد لا يفيد العلم وإذا ثبت هذا فنقول لا نسلم لزوم المخالطة أو وقوعها عادة لأنها قد تمتنع لموانع وإن لم نعلمها فيجمل عدم المخالطة على الموانع من المخالطة
стр. 1933
جمعًا بين دليلنا ودليلكم، فإن جمع الأدلة ما أمكن واجب وأما حديث الافتخار فلا يثبت مع تعميمنا لما علم أنه شرع من غير تخصيص بطائفة دون أخرى.
قوله: (هل كان متعبدًا) أى مكلفًا من تعبدته أخذته عبدًا، وقوله كان يتعبد أى يأتى بالطاعة والعبادة فالأول من العبودية والثانى من العبادة فإن الجموع متضافرة أى مجتمعة متعاونة وفى هذا التقرير إشارة إلى دفع ما قال الآمدى إنا لا نسلم ثبوت شئ من ذلك بنقل يوثق به وبتقدير ثبوته فلا يدل على أنه كان متعبدًا شرعًا لاحتمال أن يكون بطريق التبرك بفعل مثل ما نقل جملته عن الأنبياء المتقدمين واندرس تفصيله.
قوله: (فوقع) الضمير فيه به للمحافظة بالتأويل.
قوله: (وإذا ثبت هذا) ظاهر الكلام أى قوله وقد يمتنع جواب آخر على تقدير قضاء العادة بلزوم المخالطة أو وقوعها فإنما يقع إذا لم يمنع عنها مانع وعلى هذا ينبغى أن يحمل كلام الشارح أى إذا ثبت وتم هذا المنع والسند قلنا منع آخر وإلا فلا يظهر لترتب هذا المنع على ثبوت ما سبق وجه.
قوله: (جمعًا بين دليلنا) الدال كونه متعبدًا وهو تضافر الأحاديث ودليلكم الدال على نفيه وهو أنه لو كان لثبتت المخالطة ولو ثبتت لنقلت إلينا لتوفر الدواعى.
قوله: (وأما حديث الافتخار) يعنى أن الافتخار إنما يتصور من طائفة مخصوصة يكون هو متعبدًا بشريعتهم فلا يرد إلا على القائلين بكونه متعبدًا بشرع أحد من الأنبياء على الخصوص وأما إذا كان متعبدًا بما علم أنه شرع فلا.
الشارح: (وتلك أعمال شرعية) جواب سؤال هو أنه لا يلزم من عبادته قبل البعثة كونه متعبدًا بشرع من قبله لجواز أن يكون ذلك ليس على وجه الطاعة بل على وجه التبرك.
стр. 1934
قال: (مسألة: المختار أنه بعد البعث متعبد بما لم ينسخ، لنا ما تقدَّم والأصل بقاؤه وأيضًا الاتفاق على الاستدلال بقوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وأيضًا ثبت أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، وتلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وهى لموسى وسياقه يدل على الاستدلال به. قالوا: لم يذكر فى حديث معاذ وصوبه. وأجيب: بأنه تركه إما لأن الكتاب يشمله، أو لقلته جمعًا بين الأدلة. قالوا: لو كان لوجب تعلمها والبحث عنها قلنا: المعتبر التواتر فلا يحتاج. قالوا: الإجماع على أن شريعته ﵇ ناسخة. قلنا: لما خالفها وإلا وجب نسخ وجوب الإيمان وتحريم الكفر).
أقول: قد اختلف فى أنه ﷺ بعد البعثة هل كان متعبدًا بشرع من قبله أما ما نسخ بدينه فظاهر أنه لم يتعبد به وأما ما لم ينسخ به وفيه الخلاف فالمختار أنه كان متعبدًا به، لنا ما تقدَّم أنه كان متعبدًا به قبل البعثة والأصل بقاء ما كان على ما كان، ولنا أيضًا أن العلماء اتفقوا على الاستدلال بقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفْسَ بِالنفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، على وجوب القصاص فى ديننا ولولا أنه متعبد بشرع من قبله لما صلح الاستدلال بكون القصاص واجبًا فى دين بنى إسرائيل على كونه واجبًا فى دينه، ولنا أيضًا أنه ﷺ قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، وتلا قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وهى مقولة لموسى ﵇، وسياق هذا الكلام يدل على الَاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ على أن عند التذكر تجب الصلاة، وإلا لم يكن لتلاوته فائدة، وذلك دلالة الإيماء، ولو لم يكن هو وأمته متعبدين بما كان موسى متعبدًا به فى دينه لما صح الاستدلال.
قالوا: أولًا: لو تعبد بشرع من قبلنا لذكره معاذ فى حديثه الذى سبق ولم يصوبه النبى ﷺ إذا تركه واللازمان منتفيان.
الجواب: أن تركه إما لأن الكتاب يشمله، وإما لقلة وقوعه جمعًا بين الأدلة.
قالوا: ثانيًا: لو كان متعبدًا بشرع من قبلنا لوجب علينا تعلم أحكام ذلك الشرع ولوجب البحث عنه على المجتهدين واللازم باطل إجماعًا.
الجواب: أن المعتبر فى ثبوته التواتر لأن الآحاد لا يفيد لعدم العلم بعدالة الأوساط والتواتر لا يحتاج إلى التعلم والبحث.
стр. 1935
قالوا: ثالثًا: انعقد الإجماع على أن شريعته ناسخة للشرائع وذلك ينافى تقريره لها وتعبده بها.
الجواب: لنا أنها ناسخة لما خالفها فإنها غير ناسخة لجميع الأحكام قطعًا وإلا وجب نسخ وجوب الإيمان وتحريم الكفر لثبوتهما فى تلك الشرائع. فهذه أنواع الاستدلال المقبولة وههنا وجوه أخر قيل بها والمصنف لا يرتضيها: مذهب الصحابى، والاستحسان، والمصالح الرسلة.
قوله: (لنا ما تقدَّم) يعنى قد ثبت بالدليل كونه ﵇ قبل البعثة متعبدًا بشرائع من قبله والأصل البقاء حتى يوجد النافى إذ لا نزاع فى مثل هذا الاستصحاب فهذا يقوم حجة على القائلين بكونه متعبدًا قبل البعثة وعلى الواقفين وعلى النافين جميعًا.
قوله: (اتفقوا على الاستدلال) المشهور فى وجه الاستدلال أن النبى ﵇ تمسك بما فى التوراة وعدل المصنِّفُ إلى الإجماع لكونه قطعيًا ومع ذلك إنما يقوم حجة على من ينكر كونه ﵇ بعد البعثة متعبدًا بشرع من قبله مطلقًا سواء ثبت ذلك للنبى ﵇ بطريق الوحى وذكره اللَّه تعالى فى القرآن أم لا وأما على المنكرين فيما إذا ثبت بالوحى ولم يذكر فى القرآن فلا فإن الحنفية على أن شرائع من قبلنا حجة إذا حكاها اللَّه تعالى فى القرآن إذ لا وثوق على باقى الكتب لوقوع التحريف.
قوله: (واللازمان) أى الذكر وعدم التصويب منتفيان لأن معاذًا لم يذكره والنبى ﵇ صوبه.
قوله: (لأن الكتاب يشمله) على أن المراد بكتاب اللَّه جنس الكتب السماوية وإن كان الظاهر المتبادر إلى الفهم هو القرآن وأما الجواب بأن فى القرآن إشعارًا بوجوب اتباعِ الشرائع مثل: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]، فضعيف لأن المراد به أصول الدين.
قوله: (لوجب علينا تعلم أحكام ذلك الشرع) لكونه فرض كفاية كمعرفة سائر الأحكام.
стр. 1936
قوله: (وإلا وجب نسخ وجوب الإيمان وتحريم الكفر) فإن قيل الكلام فى الفروع قلنا نسخها أيضًا ليس بكلى كالقصاص وحد الزنا ونحو ذلك.
الكلام فى مذهب الصحابى
قوله: (وللشافعى فيه قولان) أحدهما أنه حجة مقدمة على القياس والآخر أنه ليس بحجة أصلًا.
قوله: (بيانه أنه لا شئ يقدر) شرح لقوله إذ لا يقدر فيهم أكثر وكأن الشارحين لم يطلعوا على هذا المعنى حيث قالوا لو كان قول الصحابى حجة لكان لكون الصحابى أعلم وأفضل لمشاهدتهم التنزيل وسماعهم التأويل ووقوفهم على أحوال النبى ﵇ ومراده من كلامه على ما لم يقف عليه غيرهم لا لكونهم أكثر من غيرهم إذ لا يقدر فيهم ذلك.
الشارح: (وذلك دلالة إلا بما) تقدم أن الإيماء هو اقتران الحكم بوصف لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل كان بعيدًا فيحمل على التعليل دفعًا للاستبعاد.
قوله: (قلنا نسخها أيضًا ليس بكلى) أى فلو قلنا: إن شريعته ﷺ ناسخة لجميع الأحكام لما صح لأن منها وإن كان من الفروع ما لم ينسخ: كقتل النفس بالنفس وحد الزنا ونحو ذلك.
стр. 1937
(الكلام فى مذهب الصحابى)
قال: (مسألة: مذهب الصحابى ليس حجة على صحابى اتفاقًا والمختار: ولا على غيرهم، وللشافعى وأحمد قولان فى أنه حجة مقدمة على القياس، وقال قوم إن خالف القياس، وقيل الحجة قول أبى بكر وعمر رضى اللَّه عنهما، لنا لا دليل عليه فوجب تركه وأيضًا لو كان حجة على غيرهم لكان قول الأعلم الأفضل حجة على غيره إذ لا يقدر فيهم أكثر واستدل لو كان حجة لتناقضت الحجج وأجيب بأن الترجيح أو الوقف أو التخيير يدفعه كغيره واستدل لو كان حجة لوجب التقليد مع إمكان الاجتهاد وأجيب إذا كان حجة فلا تقليد، قالوا: "أصحابى كالنجوم"، "اقتدوا باللذين من بعدى"، وأجيب بأن المراد المقلدون لأن خطابه للصحابة. قالوا: ولى عبد الرحمن عليًا رضى اللَّه عنهما بشرط الاقتداء بالشيخين فلم يقبل وولى عثمان فقبل، ولم ينكر فدل على أنه إجماع. قلنا: المراد متابعتهم فى السيرة والسياسة وإلا وجب على الصحابى التقليد. قالوا: إذا خالف القياس فلا بد من حجة نقلية. وأجيب بأن ذلك يلزم الصحابى ويجرى فى التابعين مع غيرهم).
أقول: لا نزاع فى أن مذهب الصحابى ليس حجة على صحابى آخر وأما على غير الصحابى فقد اختلف فيه والمختار أنه ليس بحجة وقيل بل حجة مقدمة على القياس وللشافعى فيه قولان، وكذا لأحمد، وقال قوم إن خالف القياس فحجة وقيل الحجة قول أبى بكر وعمر دون سائر الصحابة، لنا لا دليل على كونه حجة بالأصل فوجب تركه لأن إثبات الحكم الشرعى من غير دليل لا يجوز، ولنا أيضًا لو كان مذهبه حجة لكان قول الأعلم الأفضل حجة على غيره واللازم منتفٍ بالإجماع، بيانه أنه لا شئ يقدر فى الصحابى موجبًا لكون قوله حجة على غيره إلا كونه أعلم وأفضل من الغير لمشاهدة الرسول وأحواله ﷺ فلو كان ذلك موجبًا لاستلزم الحجية فى كل أعلم أفضل من غيره، وحاصله قياس السبر ودعوى الحصر ونفى الغير ضرورة فيصير قطعيًا واستدل لو كان قوله حجة لزم تناقض الحجج لاختلاف الصحابة ومناقضة بعضهم بعضًا كما فى مسألة الجد، وأنت علىَّ حرام، وغيره واللازم باطل لإفضائه إلى ثبوت النقيضين.
стр. 1938
الجواب: لا نسلم لزوم التناقض فإن ههنا أمورًا تدفعه وهى الترجيح إن أمكن والتخيير والوقف إن لم يمكن واستدل أيضًا لو كان مذهب الصحابى حجة على غيره من المجتهدين لوجب عليهم تقليد الصحابى وهو الأخذ بما أدى إليه اجتهاد الصحابى مع إمكان الاجتهاد والأخذ مما أخذ الصحابى منه من نص أو قياس، وذلك باطل إذ لا يجوز للمجتهد تقليد غيره اتفاقًا.
الجواب: أن ذلك إنما يلزم لو لم يكن قول الصحابى حجة لأنه إذا كان حجة صار هو أحد مأخذ الحكم كسائر المآخذ فلم يكن أخذ الحكم منه تقليدًا كالمأخوذ من النص سواء حجة المخالفين أما المعممون فقالوا: قال ﷺ : "أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، وكون الاقتداء بهم اهتداءً هو المعنى بحجية قولهم فهذا للمعممين.
وأما المخصصون لأبى بكر وعمر فقالوا: أولًا: قال ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر".
الجواب: المراد فى الحديثين المقلدون لأن خطابه ﷺ للصحابة وليس قول بعضهم حجة على بعض بالإجماع.
قالوا: ثانيًا: ولى عبد الرحمن بن عوف عليًا بشرط الاقتداء بسيرة الشيخين فلم يقبل وولى عثمان بشرط الاقتداء بهما فقبل وشاع وذاع ولم ينكر فدل على أنه مجمع عليه.
الجواب: معنى الاقتداء بهما متابعتهما فى السيرة والسياسة لا فى المذهب وإلا لكان تقليد بعض الصحابة بعضًا واجبًا وهو خلاف الإجماع.
وأما من قال المخالف للقياس حجة دون غيره فقالوا: إذا خالف القياس، فلا بد له من حجة نقلية فيقبل وتكون الحجة بالحقيقة تلك والموافقة قد تكون عن القياس فلا حجة فيه.
الجواب: أنه لو صح ذلك اقتضى أن يلزم الصحابى العمل به وأيضًا فكان يجب أن يكون قول التابعين مع من بعدهم كذلك لجريان الدليل فيهما وكلاهما خلاف الإجماع.
قوله: (وحاصله قياس السبر) ولقائل أن يمنع نفى الغير بجواز أن يكون ذلك
стр. 1939
لكونه صحابيًا ويكون لهذا أثر فى جعل قوله حجة على غيره.
قوله: (فلا بد له من حجة) لأن الظاهر من حال المجتهد العدل أن لا يخالف القياس بلا دليل يصلح مأخذًا للحكم الشرعى وهو الفعلى دون العقلى واحتمال أن يكون قد ظن غير الحجة حجة لا يدفع الظهور بخلاف ما إذا كان مذهبه موافقًا للقياس فإنه يحتمل أن يكون مذهبه مأخوذًا من ذلك القياس ولم يلزم أن يكون له حجة أخرى وقياس المجتهد لا يصلح حجة على المجتهد الآخر والجواب نقضان إجماليان أحدهما من جانب من عليه الحجة وثانيهما من جانب من منه الحجة أعنى لو صح ما ذكرزم لزم أن يكون قول الصحابى المخالف للقياس حجة على الصحابى وأن يكون قول غير الصحابى إذا خالف القياس أيضًا حجة على غيره.
المصنف: (وللشافعى وأحمد قولان فى أنه حجة مقدمة على القياس) ليس المراد أن أحد القولين ليس حجة مقدمة على القياس فيصدق بأن يكون حجة ليست مقدمة على القياس بل المراد أنه ليس حجة أصلًا ولذا قال الشارح المختار إنه ليس بحجة وقيل حجة مقدمة على القياس.
المصنف: (بأن المراد المقلدون) أى المراد بالمأمورين بالاقتداء المقلدون لا الصحابة وليس قول بعضهم حجة على بعض بالإجماع.
قوله: (من جانب من عليه الحجة. . . إلخ) يعنى أن هذا الدليل من جهة إثبات حجة قول الصحابى على غيره ينقض باعتبار أن الغير الدى يكون قول الصحابى حجة عليه يتحقق فى صحابى آخر وليس حجة عليه وينتقض باعتبار أنه يؤخذ مما جعل مناطًا للحجية فيه أن يكون قول غير الصحابى إذا تحقق فيه المناط حجة إذا خالف القياس وليس كذلك.
стр. 1940
(الكلام فى الاستحسان)
قال: (الاستحسان: قال به الحنفية والحنابلة وأنكره غيرهم حتى قال الشافعى من استحسن فقد شرع ولا يتحقق استحسان مختلف فيه فقيل دليل ينقدح فى نفس المجتهد تعسر عبارته عنه قلنا إن شك فيه فمردود وإن تحقق فمعمول به اتفاقًا وقيل هو العدول عن قياس إلى قياس أقوى ولا نزاع فيه، وقيل تخصيص قياس بأقوى منه ولا نزاع فيه وقيل هو العدول إلى خلاف النظير لدليل أقوى ولا نزاع فيه، قيل العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس كدخول الحمام وشرب الماء من السقاء قلنا مستنده جريانه فى زمانه أو زمانهم مع علمهم من غير إنكار أو غير ذلك وإلا فهو مردود فإن تحقق استحسان مختلف فيه قلنا لا دليل يدل عليه فوجب تركه. قالوا: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ﴾ [الزمر: ٥٥]، قلنا أى الأظهر والأولى، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللهَ حسن، يعنى الإجماع وإلا لزم العوام).
أقول: الاستحسان قال الحنفية والحنابلة بكونه دليلًا، وأنكره غيرهم حتى قال الشافعى من استحسن فقد شرع يعنى من أثبت حكمًا بأنه مستحسن عنده من غير دليل من قبل الشارع فهو الشارع لذلك الحكم لأنه لم يأخده من الشارع وهو كفر أو كبيرة، والحق أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه لأنهم ذكروا فى تفسيره أمورًا لا تصلح محلًا للخلاف لأن بعضها مقبول اتفاقًا وبعضها مردد بين ما هو مقبول اتفاقًا وبين ما هو مردود اتفاقًا، فقيل دليل ينقدح فى نفس المجتهد ويعسر عليه التعبير عنه وهذا من المتردد بين القبول والرد إذ نقول ما المعنى بقوله ينقدح إن كان بمعنى أنه يتحقق ثبوته فيجب العمل به اتفاقًا ولا أثر لعجزه عن التعبير فإنه يختلف بالنسبة إلى الغير وأما بالنسبة إليه فلا وإن كان بمعنى أنه شاك فيه فهو مردود اتفاقًا إذ لا تثبت الأحكام بمجرد الاحتمال والشك.
وقيل: هو العدول عن قياس إلى قياس أقوى وهذا مما لا نزاع فى قبوله.
وقيل: تخصيص قياس بأقوى منه وهذا أيضًا مما لا نزاع فى قبوله.
وقيل: العدول إلى خلاف النظير لدليل أقوى منه وهذا أيضًا مما لا نزاع فى قبوله.
стр. 1941
وقيل: العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس كدخول الحمام من غير تعيين زمان المكث ومقدار الماء المسكوب والأجرة، وذلك على خلاف الدليل وكذلك شرب الماء من السقاء من غير تعيين مقدار الماء وبدله وهذا أيضًا متردد وذلك أن مستند مثله إما العادة المعتبرة من جريانه فى زمانه ﷺ فقد ثبت بالسنة أو جريانه فى عهد الصحابة مع عدم إنكارهم عليه فقد ثبت بالإجماع، وأما غيرها فإن كان نصًا أو قياسًا مما تثبت حجيته فقد ثبت به وإن كان شيئًا غيره مما لم يثبت حجيته فهو مردود قطعًا وإذا تقرر ذلك فإذا أظهر الخصم استحسانًا يصلح محلًا للنزاع قلنا له فى نفيه إنه لا دليل يدل عليه فوجب نفيه لما علمت أن عدم الدليل فى نفى الأحكام الشرعية مدرك شرعى.
قالوا: أولًا: قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم﴾ [الزمر: ٥٥]، والأمر للوجوب، فدل على ترك بعض واتباع بعض بمجرد كونه أحسن وهو معنى الاستحسان.
الجواب: أن المراد بالأحسن الأظهر والأولى، فعند التعارض الراجح بدلالته فإذا تساويا فالراجح بحكمه.
قالوا: ثانيًا: قال ﵇: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن"، دل أن ما رآه الناس فى عاداتهم ونظر عقولهم مستحسنًا فهو حق فى الواقع إذ ما ليس بحق فليس بحسن عند اللَّه.
الجواب: المسلمون صيغة عموم فالمعنى ما رآه جميع المسلمين حسنًا فيتناول إجماع جميع أهل الحل والعقد لا ما رآه كل واحد حسنًا وإلا لزم حسن ما رآه آحاد العوام حسنًا، وما أجمع عليه فهو حسن عند اللَّه لأن الإجماع لا يكون إلا عن دليل.
قوله: (على خلاف دليله) هو ما يورد فى موضعه من الدليل على وجوب تعيين المنفعة والأجرة فى الإجارات وتعيين المبيع والثمن فى المبايعات.
قوله: (فإذا أظهر الخصم استحسانًا) اعلم أن الذى استقر عليه رأى المتأخرين هو أن الاستحسان عبارة عن دليل يقابل القياس الجلى الذى تسبق إليه الأفهام وهو حجة لأن ثبوته بالدلائل التى هى حجة إجماعًا لأنه إما بالأثر كالسلم والإجارة
стр. 1942
وبقاء الصوم فى النسيان وإما بالإجماع كالاستصناع وإما بالضرورة كطهارة الحياض والآبار وإما بالقياس الخفى وأمثلته كثيرة، والمراد بالاستحسان فى الغالب قياس خفى يقابل قياسًا جليًا، وأنت خبير بأنه على هذه التفاسير ليس دليلًا خارجًا عما ذكر من الأدلة.
قوله: (لما علمت) إشارة إلى ما سبق مرارًا أن ما لا دليل على كونه حجة شرعية يمتنع أن يثبت به حكم شرعى.
قوله: (فعند التعارض) أى بحسب الظهور والأولوية يتبع الراجح بحسب الدلالة بأن يكون أقوى دلالة وعند تساوى الدلالتين يتبع الراجح بحسب الحكم كترجيح المحرم على المباح.
قوله: (إذ ما ليس بحق فليس بحسن عند اللَّه تعالى) بيان للمطلوب بعكس النقيض لكونه أظهر فى البيان وتقريره أن ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وكل ما هو حسن عند اللَّه فهو حق أما الصغرى فبحكم النبى ﵇، وأما الكبرى فبحكم عكس النقيض وهو أن ما ليس بحق ليس بحسن عند اللَّه بحكم الضرورة.
المصنف: (تخصيص قياس بأقوى منه) أى بدليل أقوى منه غير قياس وإنما قلنا غير قياس لئلا يتكرر مع ما قبله وقوله إلى خلاف النظير أى يعدل فى المسألة إلى خلاف ما حكم به فى نظائرها لوجه هو أقوى من الأول.
стр. 1943
(الكلام فى المصالح المرسلة)
قال: (المصالح المرسلة: تقدمت لنا لا لدليل فوجب الرد قالوا: لو لم تعتبر لأدى إلى خلو وقائع، قلنا بعد تسليم أنها لا تخلو العمومات والأقيسة تأخذها).
أقول: المصالح المرسلة مصالح لا يشهد لها أصل بالاعتبار فى الشرع وإن كانت على سنن المصالح وتلقتها العقول بالقبول، وقد تقدمت فى القياس، لنا أن لا دليل فوجب الرد كما فى الاستحسان.
قالوا: لو لم تعتبر لأدى إلى خلو وقائع عن الحكم لعدم مساعدة النص وأصل القياس فى الكل وأنه باطل.
الجواب: لا نسلم أنه باطل وإن سلم فلا نسلم اللزوم، لأن العمومات والأقيسة تأخذ الجميع وإن سلم فعدم المدرك بعد ورود الشرع بأن ما لا مدرك فيه بعينه فحكمه التخيير مدرك شرعى.
قوله: (الكلام فى المصالح المرسلة) قد سبق أنها المصالح التى لا يشهد لها أصل بالاعتبار ولا بالإلغاء لا بالنص بالإجماع ولا يترتب الحكم على وفقه ولا نزاع فيما علم إلغاؤه ولا فى المرسل القريب الذى لم يعلم اعتبار جنسه.
قوله: (وإن سلم) أى بطلان الخلو يعنى أن قوله بعد تسليم أنها لا تخلو إشارة إلى منع انتفاء اللازم وقوله العمومات والأقيسة نأخذها إلى منع اللزوم وإن كان الأنسب تقديمه وزاد المحقق لمنع اللزوم سندًا آخر وهو ثبوت حكم التخيير على تقدير عدم اعتبار المصالح المرسلة بناءً على أن انتفاء المدارك العينة مدرك شرعى للتخيير على ما سبق مرارًا أن الحكم عند انتفاء المدرك هو نفى الوجوب أو التحريم مثلًا وهو معنى التخيير فقوله وإن سلم معناه تسليم أن العمومات والأقيسة لا تأخذ الجميع لا تسليم اللزوم إذ لا يصح دعوى حكم التخيير.
قوله: (على معنى أنه بعد تحرير. . . إلخ) مرتبط بما فى بعض الشروح وكذا قوله الآتى بمعنى أن الكلام مفروض مرتبط بما فى شرح العلامة.
стр. 1944
(الكلام فى الاجتهاد)
قال: (الاجتهاد فى الاصطلاح استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعى والفقيه تقدَّم وقد علم المجتهد والمجتهد فيه).
أقول: قد فرغ من المبادئ والأدلة السمعية وغرضه الآن مباحث الاجتهاد، والاجتهاد فى اللغة: تحمل الجهد وهو المشقة فى أمر يقال اجتهد فى حمل حجر البزارة ولا يقال اجتهد فى حمل النارنجة وفى الاصطلاح: استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعى فقولنا استفراغ الوسع معناه بذل تمام الطاقة بحيث يحس من نفسه العجز عن المزيد عليه وهو كالجنس، وقولنا الفقيه احتراز عن استفراغ غير الفقيه وسعه، وقولنا لتحصيل ظن إذ لا اجتهاد فى القطعيات، وقولنا بحكم شرعى ليخرج ما فى طلب غيره من الحسيات والعقليات فإنه بمعزل عن مقصودنا والفقيه قد تقدَّم لأنك قد علمت الفقه فيكون الموصوف به هو الفقيه وقد علم بذلك ركنا الاجتهاد وهما المجتهد والمجتهد فيه فالمجتهد من اتصف بصفة الاجتهاد على التفسير المذكور والمجتهد فيه حكم ظنى شرعى عليه دليل.
قوله: (بذل تمام الطاقة) يشير إلى أن هذا التفسير ليس أعم من تفسير الآمدى فإنه قال الاجتهاد فى اللغة استفراغ الوسع فى تحقيق أمر من الأمور مستلزم للكلفة والمشقة ولهذا يقال اجتهد فى حمل حجر البزارة ولا يقال اجتهد فى حمل الخردلة وفى الاصطلاح استفراغ الوسع فى طلب الظن شئ من الأحكام الشرعية على وجه يحسن من النفس العجز عن المزيد عليه وبهذا القيد خرج اجتهاد المقصر فإنه لا يعد فى الاصطلاح اجتهادًا معتبرًا فزعم البعض أن من ترك هذا القيد جعل الاجتهاد أعم كما هو ظاهر كلام الغزالى وحجر البزارة حجر عظيم للعصارين به يستخرج دهن البزر.
قوله: (احتراز عن استفراغ غير الفقيه) الظاهر أنه لا وجه لهذا الاحتراز ولهذا لم يذكر هذا القيد الغزالى والآمدى وغيرهما فإنه لا يصير فقيهًا إلا بعد الاجتهاد اللهم إلا أن يراد بالفقه التهيؤ لمعرفة الأحكام على ما سبق ثم ظاهر كلام القوم أنه
стр. 1945
لا يتصور فقيه غير مجتهد ولا مجتهد غير فقيه على الإطلاق نعم اشترط فى الفقه التهيؤ للكل وجوز الاجتهاد فى مسألة دون مسألة تحقق مجتهد ليس بفقيه هذا وقد شاع إطلاق الفقيه على من يعلم الفن وإن لم يكن مجتهدًا.
قوله: (وقد علم بذلك ركنا الاجتهاد) معنى مفهوم المجتهد والمجتهد فيه لكن مقصود الآمدى حين اشتغل فى هذا القام ببيان المجتهد والمجتهد فيه بيان ما يشترط ليتحقق الاتصاف بذلك قال المجتهد من اتصف بالاجتهاد وله شرطان:
الأول: معرفة البارى وصفاته وتصديق النبى بمعجزاته وسائر ما يتوقف عليه الإيمان كل ذلك بأدلته الإجمالية وإن لم يقدر على التحقيق والتفصيل على ما هو دأب المتبحرين فى علم الكلام.
الثانى: أن يكون عالمًا بمدارك الأحكام وأقسامها وطرق إثباتها، ووجوه دلالتها وتفاصيل شرائطها ومراتبها وجهات ترجيحها عند تعارضها والتقصى عن الاعتراضات الواردة عليها فيحتاج إلى معرفة حال الرواة وطرق الجرح والتعديل وأقسام النصوص المتعلقة بالأحكام وأنواع العلوم الأدبية من اللغة والصرف والنحو وغير ذلك هذا فى حق المجتهد مطلقًا وأما المجتهد فى مسألة فيكفيه ما يتعلق بها ولا يضره الجهل بما لا بتعلق بها وقال الإمام حجة الإسلام شرط المجتهد أن يكون محيطًا بمدارك الشرع متمكنًا من استفادة الظن منها وأن يكون عدلًا وهذا شرط قبول فتواه لا شرط اجتهاده فى نفسه فلا بد من معرفة الكتاب قدر ما يتعلق بالأحكام بأن يكون عالمًا بمواقعها ويتمكن عند الحاجة من الرجوع إليها ولا بد من معرفة الأحاديث المتعلقة بالأحكام بأن يكون عنده أصل مصحح يجمعها ويعرف موقع كل باب بحيث يتمكن من الرجوع إليها وإن كان على حفظه فهو أحسن وأكمل ولا بد أن تتميز عنده مواقع الإجماع بحيث يعرف أن ما أدى إليه اجتهاده ليس مخالفًا للإجماع بأن يعلم أنه موافق لمذهبه أو واقعة متجردة لا خوض فيها لأهل الإجماع ولا بد أن يكون متمكنًا من الرجوع إلى النفى الأصلى والبراءة الأصلية وأن يعلم أنه لا يغير إلا بنص أو قياس ثم لا بد من معرفة أقسام الأدلة وأشكالها وشرائطها ومعرفة ما يتوقف عليه معرفة الشارع من حدوث العالم وافتقاره إلى صانع موصوف بما يجب متنزه عما يمتنع باعث للأنبياء مصدق إياهم بالمعجزات وهذا فى الحقيقة من لوازم الاجتهاد وتوابعه لا مقدماته وشرائطه ولا بد
стр. 1946
من معرفة اللغة بأقسامها قدر ما يتعلق باستنباط الأحكام من الكتاب والسنة ومن معرفة الناسخ والمنسوخ منهما ويفتقر فى السنة خاصة إلى معرفة حال الرواة وتمييز الصحيح عن الفاسد والمقبول عن المردود والتحقيق فى ذلك أن يكتفى بتعديل الإمام العدل الذى عرف صحة مذهبه فى التعديل وبالجملة لا بد من علم الحديث وعلم اللغة وعلم أصول الفقه وأما الكلام وفروع الفقه فلا حاجة إليهما كيف والفروع يولدها المجتهدون ويحكمون فيها بعد حيازة منصب الاجتهاد نعم إنما يحصل منصب الاجتهاد فى زماننا بممارسته فهو طريق تحصيل الدربة فى هذا الزمان ثم ههنا دقيقة يغفل عنها الأكثرون وهو أن ما ذكرنا إنما يشترط فى حق المجتهد المطلق الذى يفتى فى جميع الشرع وليس الاجتهاد عندى منصبًا لا يتجزأ بل قد يكون العالم مجتهدًا فى مسألة دون مسألة فيفتقر إلى ما يتعلق بتلك المسألة لا غير.
قوله: (حجر البزارة) بتشديد الزاى أى الذين بعصرون الأبزار لإخراج زيتها.
قوله: (الظاهر أنه لا وجه لهذا الاحتراز) قال فى التحرير: إن هذا سهو لأن المذكور بذل الطاقة لا بذل الاجتهاد ويتصور من غيره فى طلب حكم وشيوع استعمال الفقيه لغيره ممن يحفظ الفروع فى غير اصطلاح الأصول وفى مسلم الثبوت لو أريد بالفقيه المجتهد لزم التسلسل فى الاجتهاد وقال شارحه التلازم بين الفقيه والمجتهد لا يضر لأن المذكور بذل الطاقة وهو أعم من الاجتهاد وهذا على التنزل.
стр. 1947
قال: (مسألة اختلفوا فى تجزؤ الاجتهاد المثبت لو لم يتجزأ لعلم الجميع، وقد سئل مالك عن أربعين مسألة فقال فى ست وثلاثين منها: لا أدرى، وأجيب بتعارض الأدلة أو بالعجز عن المبالغة فى الحال، قالوا: إذا اطلع على أمارات مسألة فهو وغيره سواء، وأجيب بأنه قد يكون ما لم يعلمه متعلقًا لنا فى كل ما يقدر جهله يجوز تعلقه بالحكم المفروض وأجيب الفرض حصول الجميع فى ظنه عن مجتهد أو بعد تحرير الأئمة الأمارات).
أقول: قد اختلف فى تجزؤ الاجتهاد بجريانه فى بعض السائل دون بعض وتصويره أن المجتهد قد يحصل له فى بعض المسائل ما هو مناط الاجتهاد من الأدلة دون غيرها فإذا حصل له ذلك فهل له أن يجتهد فيها أو لا بل لا بد أن يكون مجتهدًا مطلقًا عنده ما يحتاج إليه فى جميع المسائل من الأدلة.
احتج المثبتون بوجهين: قالوا: أولًا: بأنه لو لم يتجزأ الاجتهاد لزم علم المجتهد بجميع المآخذ ويلزمه العلم بجميع الأحكام، واللازم منتفٍ لأن مالكًا مجتهد بالإجماع، وقد سئل عن أربعين مسألة فقال فى ست وثلاثين منها: لا أدرى.
الجواب: أن العلم بجميع المآخذ لا يوجب العلم بجميع الأحكام لجواز عدم العلم ببعض لتعارض الأدلة أو للعجز فى الحال عن المبالغة إما لمانع يشوش الفكر، أو لاستدعائه زمانًا.
قالوا: ثانيًا: إذا اطلع على أمارات بعض السائل فهو وغيره سواء فى تلك المسألة وكونه لا يعلم أمارات غيرها لا مدخل له فيها فإذًا يجوز له الاجتهاد فيها كما جاز لغيره.
الجواب: لا نسلم أنه وغيره سواء فإنه قد يكون ما لم يعلمه متعلقًا بالمسألة التى يجتهد فيها وهذا الاحتمال يقوى فيه ويضعف أو ينعدم فى المحيط بالكل فى ظنه واحتج النافى بأن كل ما يقدر جهله به يجوز تعلقه بالحكم المفروض فلا يحصل له ظن عدم المانع من مقتضى ما يعلمه من الدليل.
الجواب: أن المفروض حصول جميع ما هو أمارة فى تلك المسألة فى ظنه نفيًا أو إثباتًا، إما بأخذه من مجتهد، وإما بعد تقرير الأئمة الأمارات وضم كل إلى جنسه، وإذا كان كذلك فقيام ما ذكرتم من الاحتمال لبعده لا يقدح فى ظن الحكم فيجب عليه العمل به.
стр. 1948
قوله: (وهذا الاحتمال) إشارة إلى دفع الاعتراض بأن هذا الاحتمال ينافى ما فرض من اطلاعه على جميع الأمارات المتعلقة بتلك المسألة يعنى أن فرض الاطلاع على جميع أمارات المسألة فى مجتهدها وأما أمارات جميع المسائل فى المجتهد المطلق إنما تكون بحسب ظنه، ففى مجتهد المسألة المطلع على أمارات البعض يقوى احتمال أن يكون فى جملة ما لا يعلمه ما يكون له تعلق بتلك المسألة فيقدح فى ظنه الحكم فلا يجب العمل به بخلاف المجتهد المحيط بالكل بحسب ظنه فإن ذلك الاحتمال يضعف عنده أو ينعدم بالكلية فيبقى ظنه بالحكم بحاله وأما الاعتراض بأن ما ذكر من الجواب بأنه قد يكون ما لم يعلمه متعلقًا بالمسألة هو بعينه ما ذكر دليلًا من قبل النافى فدفعه دفعه فمدفوع بأنه قد يصح فى مقام المنع والاستناد ما لا يصح فى مقام الاستدلال ثم لا يخفى أن قوله فى ظنه متعلق بالإحاطة والضعف والانعدام جميعًا وأن ضمير جهله وله للفقيه المطلع على أمارات البعض وقوله من الدليل بيان ما يعلمه أى لا يحصل له ظن عدم ما يكون مانعًا من الحكم الذى هو مقتضى القدر الذى يعلمه من الدليل والتعميم بقوله نفيًا أو إثباتًا ليعم الدليل والمانع وقوله إما بأخذه إشارة إلى أن حصول الأمارة بطريق الأخذ والتعلم عن المجتهد لا ينافى الاجتهاد وقوله وإما بعد إشارة إلى أن قوله أو بعد تحرير الأئمة عطف على قوله عن المجتهد لا على قوله الفرض حصول الجميع كما فى بعض الشروح على معنى أنه بعد تحرير الأئمة الأمارات وتخصيص كل بعض منها ببعض من المسائل عرف الفقيه أن ما عداها لم يكن فيه تعلق بتلك المسألة ولا على قوله حصول كما فى شرح العلامة بمعنى أن الكلام مفروض بعد تحرير الأئمة الأمارات وتخصيص كل ببعض من المسائل.
стр. 1949
قال: (مسألة: المختار أنه ﵇ كان متعبدًا بالاجتهاد لنا مثل قوله ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، "ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى" ولا يستقيم ذلك فيما كان بالوحى واستدل أبو يوسف بقوله: ﴿لتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وقرره الفارسى واستدل بأنه أكثر ثوابًا للمشقة فيه فكان أولى وأجيب بأن سقوطه لدرجة أعلى)
أقول: النبى ﷺ هل كان متعبدًا بالاجتهاد فيما لا نص فيه قد اختلف فى جوازه وفى وقوعه، المختار وقوعه، لنا قوله تعالى: ﴿عَفَا اللُّهُ عَنكَ لِمَ أذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، عاتبه على حكمه، ومثل ذلك لا وركون فيما علم بالوحى وقال ﷺ : "لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى" (*) وسوق الهدى حكم شرعى أى لو علمت أولًا ما علمت آخرًا لما فعلت ومثل ذلك لا يستقيم إلا فيما عمل بالرأى، واستدل اْبو يوسف رحمة اللَّه عليه بقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وقرره الفارسى أى بين وجه دلالته، فقال: الرؤية تقال للإبصار مثل: رأيت زيدًا، وللعلم مثل: رأيت زيدًا قائمًا، وللرأى مثل: أرى فيه الحل أو الحرمة وأراك لا تستقيم لرؤية العين لاستحالتها فى الأحكام ولا للعلم لوجوب ذكر المفعول الثالث له لذكر الثانى إذ المعنى بما أراكه اللَّه ليتم الصلة فيتعين أن يكون المراد الرأى أى بما جعله اللَّه رأيًا لك وأجيب بأنه بمعنى الإعلام وما مصدرية فلا ضمير وحذف المفعولان معًا وأنه جائز وقد استدل بأن الاجتهاد أكثر ثوابًا لما فيه من المشقة وقال ﷺ : "أفضل العبادات أحمزها" (**) أى أشقها، وقال: "ثوابك على قدر نصبك" (***) والأكثر ثوابًا أولى وعلو درجته ﷺ يقتضى أن لا يسقط عنه تحصيلًا لمزيد الثواب ولئلا يكون غيره مختصًا بفضيلة ليست له.
الجواب: لا نسلم أن علو درجته يقتضى عدم سقوطه بل قد يقتضى سقوطه إذ الشئ قد يسقط لدرجة أعلى ولا يكون فيه نقص لأجره ولا يكون غيره مختصًا بفضيلة ليست له، وذلك كمن يحرم ثواب الشهادة لكونه حاكمًا وثواب التقليد لكونه مجتهدًا وثواب القضاء لكونه إمامًا.
стр. 1950
قوله: (عاتبه على حكمه) الذى هو الإذن للأسارى وهذا يقوم حجة على من منع اجتهاده مطلقًا، وأما من جوزه فى الحروب وأمور الدنيا دون الأحكام الشرعية التى لا تتعلق بذلك فالحجة عليه قوله ﵇: "لو استقبلت من أمرى. . " الحديث، ولذا صرح بأن سوق الهدى حكم شرعى.
قوله: (لوجوب ذكر المفعول الثالث) يعنى أن الرؤية بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين وعند التعدية بهمزة يصير ذا ثلاثة مفاعيل الأخيران منها مفعولا باب علمت لا يجوز الاقتصار على أحدهما وههنا الكاف مفعول أول والضمير المنصوب العائد إلى ما الموصولة مفعول ثانٍ وهو فى حكم المذكور ضرورة افتقار الصلة إلى عائد فلو كان أراك بمعنى أعلمك لكان هذا من الاقتصار على المفعول الأول من باب علمت وهو ليس بجائز وتحقيقه أن المراد بالاقتصار ترك أحد المفعولين بالكلية لا مجرد حذفه من اللفظ مع قيام القرينة على تعينه وإلا لما كان هذا من الاقتصار إذ الأول أيضًا محذوف وبهذا يندفع ما ذكر فى بعض الشروح أن الضمير لما كان محذوفًا جاز حذف المفعول الثالث أيضًا وكأنه لم يتوض فى المتن للجواب لظهوره وذكر العلامة أن التقرير والجواب قد سقطا من قلم الناسخ والحق أن جعل ما مصدرية من جهة المعنى وأن لفظ استدل إنما يكون إشارة إلى دليل ضعيف إذا كان بلفظ المبنى للمفعول.
قوله: (إذ الشئ قد يسقط لدرجة أعلى) وما يقال إن حصول منصب أعلى لا يمنع حصول منصب أدنى مع أنه كلام على السند ضعيف إذ قد يمنعه كما فى الشهادة والحكم وكما فى التقليد والاجتهاد.
قوله: (الذى هو الإذن للأسارى) صوابه للمنافقين كما عاتبه على أخذ الفداء من الأسارى فى آية ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧].
قوله: (وبهذا يندفع ما ذكر فى بعض الشروح أن الضمير. . . إلخ) أى لأن الحذف المعتبر هو ما لا يكون فى حكم الذكر، وقوله: وكأنه لم يتعرض فى المتن للجواب أى الذى قاله الشارح من أنه بمعنى الإعلام وما مصدرية وقوله: إن التقرير والجواب أى التقرير الذى ذكره الفارسى لبيان ما قاله أبو يوسف والجواب الذى ذكره الشارح.
стр. 1951
قال: (قالوا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] وأجيب بأن الظاهر رد قولهم افتراه ولو سلم فإذا تعبد بالاجتهاد بالوحى لم ينطق إلا عن وحى، قالوا: لو كان لجاز مخالفته لأنها من أحكام الاجتهاد وأجيب بالمنع كالإجماع عن اجتهاد، قالوا: لو كان لما تأخر فى جواب. قلنا: لجواز الوحى أو لاستفراغ الوسع قالوا: القادر على اليقين يحرم عليه الظن قلنا لا يعلم إلا بعد الوحى فكان كالحكم بالشهادة).
أقول: هذه حجج المنكرين لكونه ﷺ متعبدًا بالاجتهاد.
قالوا: أولًا: قال تعالى فى حقه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، وهو ظاهر فى العموم وإن كان ما نطق به فهو عن وحى وهو ينفى الاجتهاد.
الجواب: أن الظاهر رد ما كانوا يقولونه فى القرآن أنه افتراه فيختص بما بلغه وينتفى العموم ولئن سلمنا فلا نسلم أنه ينفى الاجتهاد لأنه إذا كان متعبدًا بالاجتهاد بالوحى لم يكن نطقًا عن الهوى بل كان قولًا عن الوحى.
قالوا: ثانيًا: لو جاز له الاجتهاد لجاز مخالفته واللازم باطل بالإجماع بيان الملازمة أن ما قاله حينئذٍ من أحكام الاجتهاد وجواز المخالفة من لوازم أحكام الاجتهاد إذ لا قطع بأنه حكم اللَّه تعالى لاحتمال الإصابة والخطأ.
الجواب: منع لزومه لأحكام الاجتهاد مطلقًا بل إذا لم يقترن بها القاطع كاجتهاد يكون عنه إجماع فإن اقتران الإجماع به يخرجه عن أن تجوز مخالفته فكذلك اجتهاد الرسول ﷺ قد اقترن به قوله وهو قاطع.
قالوا: ثالثًا: لو كان متعبدًا بالاجتهاد لما تأخر فى جواب سؤال بل يجتهد ويجيب لوجوبه عليه ﷺ ، واللازم باطل لأنه تأخر فى جواب كثير من المسائل.
الجواب: لا نسلم الملازمة فإنه ربما تأخر لجواز الوحى الذى عدمه شرط فى الاجتهاد لأنه إنما يفيد فيما لا نص فيه فلا بد من تحقق عدم النص بعدم الوحى وأيضًا فربما تأخر للاجتهاد فإن استفراغ الوسع يستدعى زمانًا.
قالوا: رابعًا: لو كان قادرًا على اليقين فى الحكم بالوحى فلا يجوز له الاجتهاد لأنه لا يفيد إلا ظنًا والقادر على اليقين يحرم عليه الظن.
الجواب: لا نسلم أنه قادر على اليقين فإنه لا يعلم الحكم إلا بإنزال الوحى
стр. 1952
عليه وأنه غير مقدور له نعم هو قادر عليه بعد الوحى وحينئذٍ لا يجوز له الاجتهاد اتفاقًا وذلك كحكمه بالشهادة مع أنها لا تفيد إلا الظن ولا يقال يمكنه معرفة الحكم يقينًا بالوحى فيحرم عليه الظن.
قوله: (ولئن سلمنا) أى العموم بناءً على أن خصوص السبب لا يوجب خصوص الحكم وأنه ليس ههنا ما يقتضى التخصيص بما يبلغه من اللَّه تعالى فلا نسلم أن عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، ينافى جواز اجتهاده فإن تعبده بالاجتهاد إذا كان بالوحى كان نطقه بالحكم المجتهد فيه نطقًا عن الوحى لا عن الهوى.
المصنف: (فإن الظاهر رد قولهم افتراه) أى فيكون الضمير فى قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] للقرآن، وقوله: ولو سلم فإذا تعبد بالاجتهاد. . . إلخ. هذا الجواب لا يحتاج إليه الحنفية لأنهم يقولون: إن الاجتهاد منه ﷺ متى أقر عليه كان وحيًا باطنًا وقوله لجاز مخالفته أى لأنه يجوز للمجتهد مخالفة المجتهد لأنه لا قطع بأن الحكم الصادر من الاجتهاد حكم اللَّه لاحتمال الصواب والخطأ.
стр. 1953
قال: (مسألة: المختار وقوع الاجتهاد ممن عاصره ظنًا، وثالثها: الوقف، ورابعها الوقف فيمن حضره لنا قول أبى بكر رضى اللَّه عنه: لا ها اللَّه إذًا لا يعمد إلى أسد من أسد اللَّه يقاتل عن اللَّه ورسوله فيعطيك سلبه. فقال ﷺ : "صدق" وحكم سعد ابن معاذ فى بنى قريظة فحكم بقتلهم وسبى ذراريهم فقال ﵇: "لقد حكمت بحكم اللَّه من فوق سبعة أرقعة". قالوا: القدرة على العلم تمنع الاجتهاد قلنا ثبت الخيرة بالدليل، قالوا: كانوا يرجعون إليه قلنا صحيح فأين منعهم).
أقول: فى جوار الاجتهاد فى عصره ﷺ خلاف ومن جوزه فقد اختلف فى وقوعه على أربعة مذاهب:
أولها: وقع ظنًا لا يقينًا.
ثانيها: لم يقع.
ثالثها: الوقف.
رابعها: وقع ممن غاب عنه وفيمن بحضرته التوقف، لنا قول أبى بكر: لا ها اللَّه إذًا لا يعمد إلى أسد من أسد اللَّه يقاتل عن اللَّه ورسوله فيعطيك سلبه، قاله فى قتادة وقد قتل رجلًا من المشركين وهو يطلب سلبه، والظاهر أنه عن الرأى دون الوحى فقال رسول ﷺ : "صدق" أى فى الحكم فصوبه والكلام فى هذه الصيغة وإذا تصحيف والصحيح لا ها اللَّه ذا وأنه ما تقديره فقد استوفى فى فن آخر ولنا أيضا ما صح فى الخبر أنه حكم سعد بن معاذ فى بنى قريظة فحكم بقتلهم وسبى ذراريهم، فقال ﷺ : "لقد حكمت بحكم اللَّه من فوق سبع أرقعة" أى بحكم اللَّه والرقيع السماء.
قالوا: المفروض أنهم قادرون على العلم بالرجوع إلى الرسول والقدرة على العلم تمنع الاجتهاد المفروض الذى غايته الظن.
الجواب: لا نسلم أنها تمنعه إذ قد ثبت الخيرة بين العلم والاجتهاد بالدليل الذى قد مر، قال فى المنتهى: ولو سلم فالحاضر يظن أن لو كان وحى لبلغه والغائب لا يقدر.
قالوا: قد ثبت أن الصحابة كانوا يرجعون إليه فى الوقائع وهو دليل منع الاجتهاد.
الجواب: أن هذا لا دلالة له على منعهم من الاجتهاد لجواز أن يكون الرجوع فيما لم يظهر لهم وجه الاجتهاد أو لجواز الأمرين.
стр. 1954
قوله: (فى جواز الاجتهاد فى عصره ﵇ خلاف) فذهب الأكثرون إلى جوازه عقلًا والأقلون إلى امتناعه ثم اختلف المجوزون فمنهم من جوّز للقضاة فى غيبته ولم يجوز مطلقًا، ومنهم من جوّزه مطلقًا إذا لم يوجد منه منع ومنهم من اشترط الإذن فى ذلك، قال فى المنتهى: المختار جواز الاجتهاد عقلًا لمن عاصره مطلقًا، وثالثها: يجوز للقضاة فى غيبته، ورابعها: يجوز بإذن خاص هذا فى الجواز وفى الوقوع أيضًا أربعة مذاهب، أولها: وقع فى حضوره وغيبته ولكن ظنًا لا قطعًا ثانيها لم يقع أصلًا والمشهور أنه مذهب أبى على وأبى هاشم ثالثها الوقف فى الوقوع مطلقًا ونسبه الآمدى إلى أبى على الجبائى ورابعها الوقف فيمن حضر دون من غاب وهو مذهب القاضى عبد الجبار.
قوله: (لا ها اللَّه إذن) عن أبى قتادة الأنصارى ثم السلمى أنه قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﵇ عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، قال: فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من السلمين فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه ضربة فقطعت الدرع قال وأقبل على فضمنى ضمة وجدت منها ريح الموت فأدركه الموت فأرسلنى فلحقت عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه فقلت له ما بال الناس قال ثم إن الناس رجعوا فقال رسول اللَّه ﵇: "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه"، قال أبو قتادة فقمت ثم قلت من يشهد لى ثم جلست ثم قال تلك الثلاثة فقال رسول اللَّه ﵇: "ما لك يا أبا قتادة؟ " فاقتصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم صدق يا رسول اللَّه وسلب ذلك القتيل عندى، فأرضه منه فقال أبو بكر: "لا ها اللَّه إذن لا يعمد إلى أسد من أسد اللَّه يقاتل عن اللَّه وعن رسوله فيعطيك سلبه". فقال رسول اللَّه ﵇: "صدق فأعطه إياه"، فقال أبو قتادة فأعطانيه. قال الخطابى والصواب: "لا ها اللَّه ذا" بغير ألف قبل الذال ومعناه فى كلامهم لا واللَّه يجعلون الهاء مكان الواو ومعناه لا واللَّه يكون ذا كذا فى شرح السنة فالمراد بأسد أبو قتادة والخطاب فى فيعطيك للرجل الذى عنده السلب ويطلب من رسول اللَّه إرضاء أبى قتادة من ذلك السلب، وفاعل لا يعمد ويعطيك ضمير رسول اللَّه ﵇، وقوله فى الشرح وهو يطلب سلبه أى أبو قتادة يطلب سلب ذلك المشرك ربما يوهم خلاف
стр. 1955
المقصود، وقوله إذن تصحيف إشارة إلى ما ذكره الخطابى، وأما الصيغة فيروى لا اللَّه بإثبات الألف والتقاء الساكنين على حدة ولا ها اللَّه بحذف الألف والأصل لا واللَّه فحذفت الواو وعوض منها حرف التنبيه وينبغى أن يكون هذا مراد من قال يجعلون الهاء مكان الواو وأما التقدير فقول الخليل إن ذا مقسم عليه وتقديره لا واللَّه الأمر ذا فحذف الأمر لكثرة الاستعمال وقول الأخفش إنه من جملة القسم توكيد له كأنه قال ذا قسمى قال والدليل أنهم يقولون لا ها اللَّه ذا لقد كان كذا فيجيئون بالمقسم عليه بعده.
قوله: (بحكم من فوق سبع أرقعة) بفتح الميم على أن من موصولة وفى المتن وسائر كتب الأصول: (بحكم اللَّه من فوق سبعة أرقعة) بكسر الميم وإثبات التاء فى سبعة وفى الكتب المعتبرة فى الحديث: "لقد حكمت بحكم الملك. . " بكسر الميم، وروى بفتحها.
قوله: (بالدليل الذى قد مر) هو قول أبى بكر رضى اللَّه عنه: "لا ها اللَّه ذا"، وتصديق الرسول ﵇ إياه، فإنه يدل على أنه كان مخيرًا بين أن يرجع فيعلم وأن يجتهد فيحكم إذ لو تعين عليه العلم بالرجوع إلى النبى ﵇ لما جاز له العدول إلى الاجتهاد وقد يتوهم أنه الذى مر فى آخر المسألة السابقة من ثبوت الخيرة للنبى ﵇ بين أن يحكم بالظن الحاصل من الشاهد وبين أن ينتظر الوحى وليس بشئ، أما أولًا فلأن الكلام فى غير النبى ﵇ من مجتهدى عصره، وأما ثانيًا فلأن ما ذكر مع أنه ليس بدليل بل سند منع إنما يدل على أنه يتعين اتباع الظن قبل الوحى والعلم بعده من غير خيرة وتوهم بعض الشارحين أن المراد أنه تثبت الخيرة بين الرجوع إلى النبى ﵇ وبين الاجتهاد بالدليل فلا تمنع القدرة على العلم الاجتهاد وفساده واضح وتقرير الشارح العلامة أن القدرة على العلم إنما تمنع الاجتهاد وإذا لم يثبت الاختيار بين الرجوع إلى النبى ﵇ وبين الاجتهاد يدل على جواز الاجتهاد حينئذٍ وعدم ثبوته حينئذٍ لجواز أن تثبت الخيرة لهم حينئذٍ بالدليل وعبارة المنتهى ربما تشعر بهذا المعنى حيث قال وأجيب بجواز الخيرة لهم بالدليل ولو سلم فالحاضر يظن أنه لو كان لبلغه والغائب لا يقدر يعنى لو سلم أن لا دليل على الخيرة فى حقهم فالرجوع متعذر أما من الغائب فظاهر وأما من الحاضر فلوجود المانع وهو ظنه أنه لو كان
стр. 1956
وحى فى تلك الواقعة لبلغه.
قوله: (لجواز أن يكون الرجوع) يشير إلى أن مرجع هذا الجواب إلى ما ذكر فى المنتهى حيث قال وأجيب فيما لم يظهر لهم فيه وجه الاجتهاد ولو سلم فلجواز الأمرين.
الشارح: (وإن إذًا تصحيف) قال الأبهرى يمكن تصحيحه بأن إذًا حرف جزاء تكون جوابًا لإقرار غير القاتل بأن السلب لأبى قتادة وإنما يطلب إرضاءه منه والرواة ثقات فحمل روايتهم على التصحيف بعيد. اهـ.
قوله: (ثم قال تلك الثلاثة) تحريف وصوابه ثم قال مثل ذلك الثانية فقمت فقلت من يشهد لى ثم جلست ثم قال الثالثة مثله فقمت فقال رسول اللَّه ﷺ ويحتمل أن يكون الأصل قالها ثلاثًا.
стр. 1957
قال: (مسألة: الإجماع على أن المصيب فى العقليات واحد وأن النافى ملة الإسلام مخطئ آثم كافر اجتهد أو لم يجتهد، وقال الجاحظ لا إثم على المجتهد بخلاف المعاند وزاد العنبرى كل مجتهد فى العقليات مصيب. لنا إجماع المسلمين على أنهم من أهل النار ولو كانوا غير آثمين لما ساغ ذلك واستدل بالظواهر، وأجيب باحتمال التخصيص قالوا: تكليفهم بنقيض اجتهادهم ممتنع عقلًا وسمعًا لأنه مما لا يطاق. وأجيب بأنه كلفهم الإسلام وهو من المتأتى المعتاد فليس من المستحيل فى شئ).
أقول: قد اختلف أكل مجتهد مصيب أم لا؟ وحكم العقليات والشرعيات فى ذلك مختلف فجعلهما مسألتين وتكلم أولًا فى العقليات وذكر الإجماع على النفى بل المصيب من المتخالفين واحد ليس إلا والآخر مخطئ، وأن من كان نافيًا لملة الإسلام كلها أو بعضها فهو مخطئ آثم كافر سواء اجتهد أو لم يجتهد خلافًا للجاحظ فإنه قال: لا إثم على المجتهد مع أنه مخطئ ويجرى عليه فى الدنيا أحكام الكفار بخلاف المعاند فإنه آثم، وإليه ذهب العنبرى وزاد عليه أن كل مجتهد فى العقليات مصيب فإن أراد وقوع معتقده حتى يلزم من اعتقاد قدم العالم وحدوثه اجتماع القدم والحدوث فخروج عن المعقول وإن أراد عدم الإثم فمحتمل عقلًا ولنا فى نفيه إجماع المسلمين قبل ظهور المخالف على قتل الكفار وقتالهم وعلى أنهم من أهل النار يدعونهم بذلك إلى النجاة ولا يفرقون بين معاند ومجتهد بل يقطعون بأنهم لا يعاندون الحق بعد ظهوره لهم بل يعتقدون دينهم الباطل عن نظر واجتهاد واستدل بالظواهر نحو قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]، وقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧].
الجواب: أنه لا يفيد قطعًا لجواز التخصيص بغير المجتهد منهم، قالوا: تكليفهم بنقيض اجتهادهم تكليف بما لا يطاق فيمتنع، أما الأولى فلأن المقدور بالذات هو الاجتهاد والنظر لكونهما من قبيل الأفعال دون الاعتقاد فإنه من قبيل الصفات وما يؤدى إليه الاجتهاد حصوله بعد الاجتهاد ضرورى واعتقاد خلافه ممتنع.
وأما الثانية: فلما تقدم من دليل العقل والسمع على امتناع تكليف ما لا يطاق وعلى عدم وقوعه.
стр. 1958
الجواب: لا نسلم أن نقيض اعتقادهم غير مقدوو فإن ذلك امتناع بشرط المحمول أى ما داموا معتقدين لذلك يمتنع أن يعتقدوا خلافه وذلك لا يوجب كون الفعل ممتنعًا عنهم غير مقدور لهم فإن الممتنع الذى لا يجوز التكليف به ما لا يتأتى عادة كالطيران وحمل الجبل، وأما ما كلفوهم به فهو الإسلام وهو متأتٍ منهم ومعتاد حصوله من غيرهم ومثله لا يكون مستحيلًا.
قوله: (مخطئ آثم كافر) لم يقتصر على الكفر ليتأتى ذكر خلاف العنبرى فى الخطأ والجاحظ فى الإثم وعمم الحكم بقوله سواء اجتهد أو لم يجتهد ليتأتى خلاف الجاحظ فى الإثم على تقدير الاجتهاد.
قوله: (فإن أراد) لا يقال المراد أن حكم اللَّه فى حقه هو ما أدى إليه اجتهاده لأنا نقول الكلام فى العقليات التى لا دخل فيها لوضع الشارع ككون العالم قديمًا أو حادثًا وكون الصانع ممكن الرؤية أو ممتنعها.
قوله: (ولنا فى نفيه) أى نفى ما ذهب إليه الجاحظ والعنبرى وفى قوله قبل ظهوو المخالف دفع لما يتوهم من أنه لا يتصور الإجماع مع مخالفتهما هذا وفى ورود الدليل على محل النزاع مناقشة لأن الإجماع إنما هو فى الكافر المخالف للملة صريحًا والنزاع إنما هو فيمن ينتمى إلى الإسلام فيكون من أهل القبلة وإلا فكيف يتصور من المسلم الخلاف فى خطأ مثل اليهود والنصارى، قال الإمام حجة الإسلام النظريات تنقسم إلى قطعية وظنية والقطعية أقسام كلامية وأصولية وفقهية، أما الكلامية فنعنى بها ما يدرك بالعقل من غير ورود السمع كحدوث العالم وإثبات المحدث وصفاته وبعثة الرسل ونحو ذلك والحق فيها واحد والمخطئ آثم فإن أخطأ فيما رجع إلى الإيمان باللَّه ورسوله فكافر وإلا فآثم مخطئ مبتدع، كما فى مسألة الرؤية وخلق القرآن وإرادة الكائنات وأمثالها ولا يلزم الكفر وأما الأصولية فمثل حجية الإجماع والقياس وخبر الواحد ونحو ذلك مما أدلتها قطعية فالمخالف فيها آثم مخطئ وأما الفقهية فالقطعيات منها مثل وجوب الصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج وتحريم الزنا والقتل والسرقة والربا وكل ما علم قطعًا من دين اللَّه فالحق فيها واحد والمخالف آثم فإن أنكر ما علم ضرورة من مقصود الشاوع كتحريم الخمر والسرقة ووجوب الصلاة والصوم فكافر وإن علم
стр. 1959
بطريق النظر كحجية الإجماع والقياس وخبر الواحد والفقهيات المعلومة بالإجماع فآثم مخطئ لا كافر.
قوله: (يعنى أنه ليس بمعذور) لكونه من الصفات والكيفيات النفسية دون الأفعال الاختيارية والمراد بنقيض الاعتقاد هو اعتقاد نقيض معتقدهم بقرينة قوله واعتقاد خلافه ممتنع والمراد بالامتناع بشرط المحمول هو الامتناع بشرط وصف الموضوع وقد سبق مثل ذلك فى موضع آخر ومعنى كون حصول نتيجة الاجتهاد ضروريًا أنه لا ينفك عنه وإن كان ذلك بحسب جرى العادة عندنا دون الوجوب.
الشارح: (فإن ذلك امتناع بشرط المحمول) أى لأن ضرورة الشئ إنما تستلزم امتناع مقابله إذا كانت الضرورة بحسب الذات كما إذا قيل: الإنسان حيوان بالضرورة فإنه يستلزم امتناع كونه جمادًا والضرورة فيما نحن فيه ليست ذاتية لأن اعتقاد ما أدى إليه اجتهاده واعتقاد خلافه كل ممكن الثبوت لذات المجتهد بدل الآخر بل ما نحن فيه ضرورة لا بشرط المحمول وقد رد المحشى كون الامتناع بشرط المحمول، وقال: إنه بشرط الموضوع يعنى هكذا معتقد ذلك الكفر يمنع اعتقاد غيره ما دام معتقده.
قوله: (لكونه من الصفات والكيفيات النفسية) رده الأبهرى بأنه إن أريد من الفعل التأثير فلا نسلم أن غيره ليس مقدورا فالعلم الكسبى مقدور مع أنه ليس بتأثير لأنه من الصفات وأن أريد به ما يحصل عقب القدرة الحادثة ويكون أثرًا لها على قول من يقول: إن القدرة الحادثة مؤثرة فالاعتقاد من هذا القبيل ثم قال كيف ولو لم يكن الاعتقاد مقدورًا لامتنع التكليف به.
стр. 1960
قال: (مسألة: القطع لا إثم على المجتهد فى حكم شرعى اجتهادى وذهب بشر المريسى والأصم إلى تأثيم المخطئ. لنا العلم بالتواتر باختلاف الصحابة المنكر والشائع من غير نكير ولا تأثيم لمعين ولا مبهم والقطع أنه لو كان أثم لقضت العادة بذكره واعترض كالقياس).
أقول: ما مر حكم المجتهد فى الاعتقاديات من الأصول وأما الأحكام الشرعية الفرعية الاجتهادية إذا أخطأ فيها المجتهد فنحن نقطع بأنه لا إثم فيه ولا خلاف فيه سوى ما يروى عن بشر المريسى وأبى بكر الأصم من أن المخطئ آثم ولا يعبأ بخلافهما لأنه بعد انعقاد الإجماع. لنا أنا علمنا بالتواتر أن الصحابة قد اختلفوا فى المسائل الاجتهادية وتكرر ذلك وشاع ولم ينقل نكير ولا تأثيم من بعضهم لبعض معين بأن يقول أحد المخالفين أن الآخر آثم ولا مبهم بأن يقال أحدهما آثم مع القطع أنه لو كان أثم لذكر ولخافوا الاجتهاد وتجنبوه وخوفوا منه فلما لم يتكلم فيه بتأثيم علم قطعًا عدم الإثم واعترض بما مر من الأسئلة على دليل كون القياس حجة والجواب هو الجواب فلا معنى للتكرار.
قوله: (اعترض كالقياس) إشارة إلى ما قال فى باب القياس فإن قيل أخبار آحاد فى قطعى إلى آخر الجواب.
стр. 1961
قال: (مسألة: المسألة التى لا قاطع فيها قال القاضى والجبائى كل مجتهد فيها مصيب وحكم اللَّه فيها تابع لظن المجتهد وقيل المصيب واحد ثم منهم من قال لا دليل عليه كدفين يصاب وقال الأستاذان: دليله ظنى فمن ظفر به فهو المصيب وقال المريسى والأصم دليله قطعى والمخطئ آثم ونقل عن الأئمة الأربعة التخطئة والتصويب فإن كان فيها قاطع فقصر فمخطئ آثم وإن لم يقصر فالمختار مخطئ غير آثم لنا لا دليل على التصويب والأصل عدمه وصوب غير معين للإجماع وأيضًا لو كان كل مصيبًا لاجتمع النقيضان لأن استمرار قطعه مشروط ببقاء ظنه للإجماع على أنه لو ظن غيره لوجب الرجوع فيكون ظانًا عالمًا بشئ واحد لا يقال الظن ينتفى بالعلم لأنا نقطع ببقائه ولأنه كان يستحيل ظن النقيض مع ذكره فإن قيل مشترك الإلزام لأن الإجماع على وجوب اتباع الظن فيجب الفعل أو يحرم قطعًا قلنا الظن متعلق بأنه الحكم المطلوب والعلم بتحريم المخالفة فاختلف المتعلقان فإذا تبدل الظن زال شرط تحريم المخالفة فإن قيل فالظن متعلق بكونه دليلًا والعلم بثبوت مدلوله فإذا تبدل الظن زال شرط ثبوت الحكم قلنا كونه دليلًا حكم أيضًا فإذا ظنه علمه وإلا جاز أن يكون المتعبد به غيره فلا يكون كل مجتهد مصيبًا وأيضًا أطلق الصحابة الخطأ فى الاجتهاد كثيرًا وشاع وتكرر ولم ينكر عن على وزيد وغيرهما أنهم خطئوا ابن عباس فى ترك العول وخطأهم وقال من باهلنى باهلته إن اللَّه لم يجعل فى مال واحد نصفًا ونصفًا وثلثًا).
أقول: المسألة إما لا قاطع فيها من نص أو إجماع أو فيها قاطع، أما التى لا قاطع فيها فقد اختلف فيها فقال القاضى والجبائى كل مجتهد مصيب بمعنى أنه لا حكم معينًا للَّه فيها وحكم اللَّه فيها تابع لظن المجتهد فما ظنه فيها كل مجتهد فهو حكم اللَّه فيها فى حقه وحق مقلده وقد قيل للَّه فيها حكم والمصيب واحد، ثم منهم من قال للَّه فيها حكم ولم ينصب عليه دليلًا إنما يوقف عليه اتفاقًا كدفين يصاب فمن أصابه فهو المصيب وغيره المخطئ وقيل بل عليه دليل ثم اختلف فى دليله فقال الأستاذ دليله ظنى فالمخطئ غير آثم وقال بشر المريسى وأبو بكر الأصم دليله قطعى والمخطئ آثم والشافعى وأبو حنيفة ومالك وأحمد أربعتهم نقل عنهم تصويب كل مجتهد وتخطئة البعض، وأما التى فيها قاطع فإن قصر فى طلبه كان آثمًا وإن لم يقصر فغير آثم وهل هو مخطئ فيه خلاف والمختار أنه مخطئ. لنا لا
стр. 1962
دليل على التصويب والأصل عدم التصويب فوجب نفيه فإن قيل فكذا نقول فى تصويب كل واحد فيجب نفيه عن كل واحد وذلك مما لم يقل به أحد قلنا دليلنا يقتضى ذلك لولا الإجماع على تصويب واحد غير معين فإن عدم تصويب كل واحد ينافى ذلك ولا يخفى أن إثبات مثل هذا الأصل بمثل هذا الدليل لا يحسن ولنا أيضًا لو كان كل مجتهد مصيبًا لزم اجتماع النقيضين لأنه لو كان كذلك فإذا ظن حكمًا قطع بأنه الحكم فى حقه ولا شك أن استمرار قطعه مشروط ببقاء ظنه للإجماع على أنه لو ظن غيره وجب عليه الرجوع عنه إلى ذلك الغير فيكون عالمًا به ما دام ظانًا له فيكون ظانًا عالمًا بشئ واحد فى زمان واحد فيلزم القطع وعدم القطع وهما نقيضان لا يقال لا نسلم أن شرط القطع بقاء الظن قولك لو ظن غيره وجب عليه الرجوع قلنا نعم، ومن أين يلزم من زوال حكم الظن عند زوال الظن بالشئ إلى الظن بخلاف متعلقه زوال حكمه عن زواله إلى العلم بمتعلقه فإن القطع به أولى بذلك الحكم من ظنه والحال فيه، نحن فيه كذلك فإنه يستمر الظن ريثما يحصل به القطع فإذا حصل القطع زال الظن ضرورة، وحكم القطع هو اتباعه وهو به أجدر من الظن لأنا نقول أولًا إنا نقطع ببقاء الظن وعدم جزم مزيل له فإنكاره بهت ومكابرة، وثانيًا لو كان الظن موجبًا للعلم لامتنع ظن النقيض مع تذكره إذ يستحيل ظن نقيض ما علم بموجب مع تذكر ذلك الموجب لوجوب دوام العلم بدوام ملاحظة موجبه إذ الغرض أنه موجب نعم قد يزول عند الذهول عن الموجب وكونه موجبًا وذلك بخلاف ما عنه الظن فإنه قد ينتفى الظن مع تذكره لأنه ليس موجبًا كالغيم الرطب للمطر فإن قيل ما ذكرتم مشترك الإلزام لأن لزوم النقيضين وارد على المذهبين فيكون مردودًا إذ يعلم به أن منشأ الفساد ليس خصوصية أحد الذهبين ولأن لكم جوابًا تذبون به عن مذهبكم فهو جوابنا وإن لم نعلمه بعينه أو نقول لو صح هذا لبطل المذهبان وهو خلاف الإجماع بيان أنه مشترك الإلزام أن الإجماع منعقد على وجوب اتباع الظن فإذا ظن الوجوب وجب الفعل قطعًا وإذا ظن الحرمة حرم الفعل قطعًا ثم شرط القطع بقاء الظن بما ذكرتم فيلزم الظن والقطع معًا ويجتمع النقيضان قلنا إنما يلزم ذلك لو كان متعلق القطع والظن شيئًا واحدًا وليس كذلك لأن الظن متعلق بأنه الحكم المطلوب والقطع متعلق بتحريم مخالفته لأنه مظنون فاختلف المتعلقان فإن قيل فيلزمكم امتناع ظن
стр. 1963
النقيض مع تذكر طريق العلم كما تقدم قلنا لا يرد لأن العلم متعلق بأن المظنون ما دام مظنونًا يجب العمل به فإذا زال الظن فقد زال شرط العمل به فقد انتفى العلم بوجوب العمل به فى زمان زوال الظن وذلك كان حاصلًا قبل زوال الظن والعلم بوجوب العمل به عند بقائه باق مستمر فإن قيل فهذا الجواب بعينه يجرى فى دليلكم إذ يقال لا نسلم اتحاد متعلق الظن والعلم فإن الظن متعلق بكون الدليل دليلًا والعلم متعلق بثبوت مدلوله ما دام دليلًا فإذا تبدل الظن زال شرط ثبوت الحكم وهو ظن الدلالة قلنا هذا لا يدفع اجتماع النقيضين فإن كونه دليلًا أيضًا حكم فإذا ظنه فقد علمه إذ لو لم يعلمه لجاز أن يكون المتعبد به غيره أى الذى يجب العمل به غير ذلك الدليل فلا يحصل له الجزم بوجوب العمل بظنه فقد أخطأ فى اعتقاد أنه دليل فهذا حكم قد أخطأ فيه المجتهد فلا يكون كل مجتهد مصيبًا فحينئذٍ يجتمع فى كونه دليلًا الظن والعلم ويتم الإلزام ولنا أيضًا أن الصحابة أطلقوا الخطأ فى الاجتهاد كثيرًا وشاع وتكرر من غير نكير فكان إجماعًا منه ما روى عن على وزيد وغيره من تخطئة ابن عباس فى ترك العول وهو خطأهم حتى قال من باهلنى باهلته إن اللَّه لم يجعل فى مال واحد نصفًا ونصفًا وثلثًا وذلك كثير قال أبو بكر أقول فى الكلالة برأيى فإن كان صوابًا فمن اللَّه وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان، وقال عمر: إن عمر لا يدرى أنه أصاب الحق لكنه لم يأل جهدًا وعن على فى قضية المجهضة إن كان قد اجتهد فقد أخطأ وإن لم يجتهد فقد غشك.
قوله: (لا حكم للَّه معينًا فيها) إن أراد قبل الاجتهاد وهو الظاهر فلا حاجة إلى قيد التعيين لأنه لا حكم أصلًا ضرورة أن الحكم ما أدى إليه الاجتهاد وإن أراد بعد الاجتهاد فلله بالنسبة إلى كل مجتهد حكم معين قلنا المراد الأول وقَيَّد التعيين إشارة إلى قدم الخطاب بمعنى أن للَّه تعالى فيها خطابًا لكنه إنما يتعين وجوبًا أو حرمة أو غيرهما بحسب ظن المجتهد فالتابع لظن المجتهد هو الخطاب المتعلق لا نفس الخطاب وأما عند من يجعل الخطاب حادثًا فقبل الاجتهاد لا حكم أصلًا ويمكن أن يقال المراد أن حكم اللَّه قبل اجتهاد المجتهد ليس واحدًا معينًا بل له أحكام مختلفة بالنسبة إلى المجتهدين يظهر بالاجتهاد ما هو حكم بالنسبة إلى كل
стр. 1964
منهم ذهب شرذمة من المصوبة إلى أن للَّه فى الواقعة حكمًا واحدًا يتوجه إليه الطلب إذ لا بد للطالب من مطلوب لكن لم يكلف المجتهد إصابته فلذلك كان مصيبًا وإن لم يصبه إذ المعنى بالمصيب أنه أدى ما كلف به كذا ذكره الغزالى ولا يخفى أن هذا بعينه مذهب القائلين بتخطئة البعض وإن سمى المخطئ مصيبًا بمعنى أنه أدى ما كلف به.
قوله: (دليله قطعى والمخطئ آثم) ههنا مذهب آخر لم يتعرض له وهو أن الدليل قطعى والمخطئ غير آثم بل معذورًا لخفاء الدليل وغموضه وكذا القائلون بكون الدليل ظنيًا فرقتان منهم من قال لم يكلف المجتهد إصابته لخفائه وغموضه فلذا كان معذورًا بل مأجورًا وقال قوم أمر بطلبه وإذا أخطأ لم يكن مأجورًا لكن حط الإثم عنه تخفيفًا.
قوله: (والأصل عدم التصويب) بناء على أنهم قبل الاجتهاد لم يصيبوا الحكم فيستمر عدم الإصابة حتى يظهر دليل وجودها لا بناء على أن الأصل فى كل حادث هو العدم لأنه معارض بأن التخطئة أيضًا حادث.
قوله: (ولا يخفى) يعنى أن الاستدلال بأنه لا دليل على الثبوت فيجب نفيه من أضعف طرق الاستدلال ومسألة تصويب الكل أو تخطئة البعض من معظم مباحث الأصول ومعارك آراء الفرق فلا يحسن إثباته به.
قوله: (ولنا أيضًا) توضيح الدليل أنه لو كان كل مجتهد مصيبًا فإن أدى اجتهاد المجتهد إلى حرمة النبيذ حصل له الجزم بأن الحكم فى حقه الحرمة وهذا الجزم مشروط ببقاء ظن الحرمة إذ لو تغير إلى ظن الإباحة لزم الرجوع إلى القطع بأن الحكم فى حقه الإباحة وإذا كان الظن باقيًا كان المجتهد قاطعًا بحرمته عليه غير قاطع وهو محال وتوضيح السؤال أنا سلمنا أنه إذا زال ظن الحرمة إلى ظن الإباحة لزم زوال حكم ظن الحرمة وهو وجوب اتباعه لكن لا نسلم أنه إذا زال ظن الحرمة إلى العلم بالحرمة لزم زوال حكم ظن الحرمة بل صار حكمه أوكد وأثبت لأن العلم بالحرمة أولى بالاتباع من الظن بها وهذا معنى قوله وهو أجدر أى القطع بالاتباع من الظن وحينئذٍ لا يتم ما ذكرتم أن استمرار القطع مشروط ببقاء الظن وأنه إذا زال القطع وتوضيح الجواب أولًا أنا نقتصر من الاستدلال على بقاء ظن الحرمة عند القطع بأنها الحكم فى حقه على ادعاء ضرورة وأنه لم يحصل
стр. 1965
جزم يزيله وثانيًا أنا نقيم الحجة على بقاء ظن الحرمة وامتناع زواله إلى ظن الإباحة مثلًا عند القطع بأن الحكم فى حقه الحرمة وذلك لأنه إذا كان الظن بالحكم موجبًا للعلم به على ما هو اللازم من نصويب كل مجتهد امتنع ظن نقيض الحكم مع تذكر ظن الحكم لامتناع ظن نقيض المعلوم مع ملاحظة ما هو موجب للعلم وإلا لم يكن العلم علمًا ولا الموجب موجبًا لا يقال الامتناع مع التذكر لا يوجب الامتناع مطلقًا لأنا نقول الكلام فيما إذا كان متذكر الظن الحرمة قاطعًا بأنها الحكم فى حقه وإلا فلا خفاء فى جواز زوال العلم عند الذهول عن موجبه وعن كونه موجبًا وفى جواز طريان ظن النقيض حينئذٍ لا يقال فيرد مثل ذلك على غير المصوبة وتقريره أنه لو صح ما ذكرتم لزم أن يمتنع زوال ظن الحكم إلى ظن نقيضه لأنه لا محالة يكون عن أمارة هى بمنزلة الموجب له ومع تذكر موجب الشئ يمتنع زواله لأنا نقول ليس بين الظن وبين ما ينشأ هو عنه ربط عقلى حتى يكون بمنزلة الموجب له كما فى العلم الذى لا يكون إلا عن موجب فحينئذٍ لا يمتنع زوال ظن الحكم مع تذكر الأمارة التى عنها الظن كما يزول ظن المطر مع بقاء الغيم الرطب الذى هو مظنة له، وفى كلام الشارح العلامة ما يشعر بأنه لا يفهم من هذا المقام معنى يعتد به وغاية ما أدى إليه نظر الشارحين فى تقرير السؤال أنه اعتراض على الملازمة المذكورة بأنها إنما تتم لو كان استمرار القطع مشروطًا ببقاء الظن وهو ممنوع فإن الظن ينتفى بالعلم ضرورة انتفاء احتمال النقيض وما لا يمكن اجتماعه مع الشئ لا يكون شرطًا له وتقرير الجواب أنه لو انتفى ظن الشئ بالعلم لكان يستحيل ظن نقيض الشئ مع ذكر الحكم لأجل العلم فإن عند ظن نقيض الشئ يكون الشئ موهومًا وإذا كان الظن ينتفى بالعلم فبالحرى أن ينتفى الوهم اللازم لظن نقيض الشئ بالعلم فيلزم استحالة ظن نقيض مع ذكر تحكم لأجل العلم بالحكم واللازم باطل للإجماع على جواز ظن نقيض الحكم عند ذكر الحكم.
قوله: (فإن قيل) يعنى أن ما ذكرتم من لزوم اجتماع النقيضين كما يرد على تصويب الكل يرد على تخطئة البعض فلا يصلح للاستدلال أما أولًا فلأنه منقوض إجمالًا بأنه لو صح لما قام دليلًا على النقيضين ولأنه معارض بالمثل، وأما ثانيًا فلأنه مدفوع إجمالًا بأنه لا بد لكم من جواب عنه فهو بعينه جوابنا، وأما ثالثًا