قال: (مسألة: المسألة التى لا قاطع فيها قال القاضى والجبائى كل مجتهد فيها مصيب وحكم اللَّه فيها تابع لظن المجتهد وقيل المصيب واحد ثم منهم من قال لا دليل عليه كدفين يصاب وقال الأستاذان: دليله ظنى فمن ظفر به فهو المصيب وقال المريسى والأصم دليله قطعى والمخطئ آثم ونقل عن الأئمة الأربعة التخطئة والتصويب فإن كان فيها قاطع فقصر فمخطئ آثم وإن لم يقصر فالمختار مخطئ غير آثم لنا لا دليل على التصويب والأصل عدمه وصوب غير معين للإجماع وأيضًا لو كان كل مصيبًا لاجتمع النقيضان لأن استمرار قطعه مشروط ببقاء ظنه للإجماع على أنه لو ظن غيره لوجب الرجوع فيكون ظانًا عالمًا بشئ واحد لا يقال الظن ينتفى بالعلم لأنا نقطع ببقائه ولأنه كان يستحيل ظن النقيض مع ذكره فإن قيل مشترك الإلزام لأن الإجماع على وجوب اتباع الظن فيجب الفعل أو يحرم قطعًا قلنا الظن متعلق بأنه الحكم المطلوب والعلم بتحريم المخالفة فاختلف المتعلقان فإذا تبدل الظن زال شرط تحريم المخالفة فإن قيل فالظن متعلق بكونه دليلًا والعلم بثبوت مدلوله فإذا تبدل الظن زال شرط ثبوت الحكم قلنا كونه دليلًا حكم أيضًا فإذا ظنه علمه وإلا جاز أن يكون المتعبد به غيره فلا يكون كل مجتهد مصيبًا وأيضًا أطلق الصحابة الخطأ فى الاجتهاد كثيرًا وشاع وتكرر ولم ينكر عن على وزيد وغيرهما أنهم خطئوا ابن عباس فى ترك العول وخطأهم وقال من باهلنى باهلته إن اللَّه لم يجعل فى مال واحد نصفًا ونصفًا وثلثًا).
أقول: المسألة إما لا قاطع فيها من نص أو إجماع أو فيها قاطع، أما التى لا قاطع فيها فقد اختلف فيها فقال القاضى والجبائى كل مجتهد مصيب بمعنى أنه لا حكم معينًا للَّه فيها وحكم اللَّه فيها تابع لظن المجتهد فما ظنه فيها كل مجتهد فهو حكم اللَّه فيها فى حقه وحق مقلده وقد قيل للَّه فيها حكم والمصيب واحد، ثم منهم من قال للَّه فيها حكم ولم ينصب عليه دليلًا إنما يوقف عليه اتفاقًا كدفين يصاب فمن أصابه فهو المصيب وغيره المخطئ وقيل بل عليه دليل ثم اختلف فى دليله فقال الأستاذ دليله ظنى فالمخطئ غير آثم وقال بشر المريسى وأبو بكر الأصم دليله قطعى والمخطئ آثم والشافعى وأبو حنيفة ومالك وأحمد أربعتهم نقل عنهم تصويب كل مجتهد وتخطئة البعض، وأما التى فيها قاطع فإن قصر فى طلبه كان آثمًا وإن لم يقصر فغير آثم وهل هو مخطئ فيه خلاف والمختار أنه مخطئ. لنا لا
стр. 1962
دليل على التصويب والأصل عدم التصويب فوجب نفيه فإن قيل فكذا نقول فى تصويب كل واحد فيجب نفيه عن كل واحد وذلك مما لم يقل به أحد قلنا دليلنا يقتضى ذلك لولا الإجماع على تصويب واحد غير معين فإن عدم تصويب كل واحد ينافى ذلك ولا يخفى أن إثبات مثل هذا الأصل بمثل هذا الدليل لا يحسن ولنا أيضًا لو كان كل مجتهد مصيبًا لزم اجتماع النقيضين لأنه لو كان كذلك فإذا ظن حكمًا قطع بأنه الحكم فى حقه ولا شك أن استمرار قطعه مشروط ببقاء ظنه للإجماع على أنه لو ظن غيره وجب عليه الرجوع عنه إلى ذلك الغير فيكون عالمًا به ما دام ظانًا له فيكون ظانًا عالمًا بشئ واحد فى زمان واحد فيلزم القطع وعدم القطع وهما نقيضان لا يقال لا نسلم أن شرط القطع بقاء الظن قولك لو ظن غيره وجب عليه الرجوع قلنا نعم، ومن أين يلزم من زوال حكم الظن عند زوال الظن بالشئ إلى الظن بخلاف متعلقه زوال حكمه عن زواله إلى العلم بمتعلقه فإن القطع به أولى بذلك الحكم من ظنه والحال فيه، نحن فيه كذلك فإنه يستمر الظن ريثما يحصل به القطع فإذا حصل القطع زال الظن ضرورة، وحكم القطع هو اتباعه وهو به أجدر من الظن لأنا نقول أولًا إنا نقطع ببقاء الظن وعدم جزم مزيل له فإنكاره بهت ومكابرة، وثانيًا لو كان الظن موجبًا للعلم لامتنع ظن النقيض مع تذكره إذ يستحيل ظن نقيض ما علم بموجب مع تذكر ذلك الموجب لوجوب دوام العلم بدوام ملاحظة موجبه إذ الغرض أنه موجب نعم قد يزول عند الذهول عن الموجب وكونه موجبًا وذلك بخلاف ما عنه الظن فإنه قد ينتفى الظن مع تذكره لأنه ليس موجبًا كالغيم الرطب للمطر فإن قيل ما ذكرتم مشترك الإلزام لأن لزوم النقيضين وارد على المذهبين فيكون مردودًا إذ يعلم به أن منشأ الفساد ليس خصوصية أحد الذهبين ولأن لكم جوابًا تذبون به عن مذهبكم فهو جوابنا وإن لم نعلمه بعينه أو نقول لو صح هذا لبطل المذهبان وهو خلاف الإجماع بيان أنه مشترك الإلزام أن الإجماع منعقد على وجوب اتباع الظن فإذا ظن الوجوب وجب الفعل قطعًا وإذا ظن الحرمة حرم الفعل قطعًا ثم شرط القطع بقاء الظن بما ذكرتم فيلزم الظن والقطع معًا ويجتمع النقيضان قلنا إنما يلزم ذلك لو كان متعلق القطع والظن شيئًا واحدًا وليس كذلك لأن الظن متعلق بأنه الحكم المطلوب والقطع متعلق بتحريم مخالفته لأنه مظنون فاختلف المتعلقان فإن قيل فيلزمكم امتناع ظن
стр. 1963
النقيض مع تذكر طريق العلم كما تقدم قلنا لا يرد لأن العلم متعلق بأن المظنون ما دام مظنونًا يجب العمل به فإذا زال الظن فقد زال شرط العمل به فقد انتفى العلم بوجوب العمل به فى زمان زوال الظن وذلك كان حاصلًا قبل زوال الظن والعلم بوجوب العمل به عند بقائه باق مستمر فإن قيل فهذا الجواب بعينه يجرى فى دليلكم إذ يقال لا نسلم اتحاد متعلق الظن والعلم فإن الظن متعلق بكون الدليل دليلًا والعلم متعلق بثبوت مدلوله ما دام دليلًا فإذا تبدل الظن زال شرط ثبوت الحكم وهو ظن الدلالة قلنا هذا لا يدفع اجتماع النقيضين فإن كونه دليلًا أيضًا حكم فإذا ظنه فقد علمه إذ لو لم يعلمه لجاز أن يكون المتعبد به غيره أى الذى يجب العمل به غير ذلك الدليل فلا يحصل له الجزم بوجوب العمل بظنه فقد أخطأ فى اعتقاد أنه دليل فهذا حكم قد أخطأ فيه المجتهد فلا يكون كل مجتهد مصيبًا فحينئذٍ يجتمع فى كونه دليلًا الظن والعلم ويتم الإلزام ولنا أيضًا أن الصحابة أطلقوا الخطأ فى الاجتهاد كثيرًا وشاع وتكرر من غير نكير فكان إجماعًا منه ما روى عن على وزيد وغيره من تخطئة ابن عباس فى ترك العول وهو خطأهم حتى قال من باهلنى باهلته إن اللَّه لم يجعل فى مال واحد نصفًا ونصفًا وثلثًا وذلك كثير قال أبو بكر أقول فى الكلالة برأيى فإن كان صوابًا فمن اللَّه وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان، وقال عمر: إن عمر لا يدرى أنه أصاب الحق لكنه لم يأل جهدًا وعن على فى قضية المجهضة إن كان قد اجتهد فقد أخطأ وإن لم يجتهد فقد غشك.
قوله: (لا حكم للَّه معينًا فيها) إن أراد قبل الاجتهاد وهو الظاهر فلا حاجة إلى قيد التعيين لأنه لا حكم أصلًا ضرورة أن الحكم ما أدى إليه الاجتهاد وإن أراد بعد الاجتهاد فلله بالنسبة إلى كل مجتهد حكم معين قلنا المراد الأول وقَيَّد التعيين إشارة إلى قدم الخطاب بمعنى أن للَّه تعالى فيها خطابًا لكنه إنما يتعين وجوبًا أو حرمة أو غيرهما بحسب ظن المجتهد فالتابع لظن المجتهد هو الخطاب المتعلق لا نفس الخطاب وأما عند من يجعل الخطاب حادثًا فقبل الاجتهاد لا حكم أصلًا ويمكن أن يقال المراد أن حكم اللَّه قبل اجتهاد المجتهد ليس واحدًا معينًا بل له أحكام مختلفة بالنسبة إلى المجتهدين يظهر بالاجتهاد ما هو حكم بالنسبة إلى كل
стр. 1964
منهم ذهب شرذمة من المصوبة إلى أن للَّه فى الواقعة حكمًا واحدًا يتوجه إليه الطلب إذ لا بد للطالب من مطلوب لكن لم يكلف المجتهد إصابته فلذلك كان مصيبًا وإن لم يصبه إذ المعنى بالمصيب أنه أدى ما كلف به كذا ذكره الغزالى ولا يخفى أن هذا بعينه مذهب القائلين بتخطئة البعض وإن سمى المخطئ مصيبًا بمعنى أنه أدى ما كلف به.
قوله: (دليله قطعى والمخطئ آثم) ههنا مذهب آخر لم يتعرض له وهو أن الدليل قطعى والمخطئ غير آثم بل معذورًا لخفاء الدليل وغموضه وكذا القائلون بكون الدليل ظنيًا فرقتان منهم من قال لم يكلف المجتهد إصابته لخفائه وغموضه فلذا كان معذورًا بل مأجورًا وقال قوم أمر بطلبه وإذا أخطأ لم يكن مأجورًا لكن حط الإثم عنه تخفيفًا.
قوله: (والأصل عدم التصويب) بناء على أنهم قبل الاجتهاد لم يصيبوا الحكم فيستمر عدم الإصابة حتى يظهر دليل وجودها لا بناء على أن الأصل فى كل حادث هو العدم لأنه معارض بأن التخطئة أيضًا حادث.
قوله: (ولا يخفى) يعنى أن الاستدلال بأنه لا دليل على الثبوت فيجب نفيه من أضعف طرق الاستدلال ومسألة تصويب الكل أو تخطئة البعض من معظم مباحث الأصول ومعارك آراء الفرق فلا يحسن إثباته به.
قوله: (ولنا أيضًا) توضيح الدليل أنه لو كان كل مجتهد مصيبًا فإن أدى اجتهاد المجتهد إلى حرمة النبيذ حصل له الجزم بأن الحكم فى حقه الحرمة وهذا الجزم مشروط ببقاء ظن الحرمة إذ لو تغير إلى ظن الإباحة لزم الرجوع إلى القطع بأن الحكم فى حقه الإباحة وإذا كان الظن باقيًا كان المجتهد قاطعًا بحرمته عليه غير قاطع وهو محال وتوضيح السؤال أنا سلمنا أنه إذا زال ظن الحرمة إلى ظن الإباحة لزم زوال حكم ظن الحرمة وهو وجوب اتباعه لكن لا نسلم أنه إذا زال ظن الحرمة إلى العلم بالحرمة لزم زوال حكم ظن الحرمة بل صار حكمه أوكد وأثبت لأن العلم بالحرمة أولى بالاتباع من الظن بها وهذا معنى قوله وهو أجدر أى القطع بالاتباع من الظن وحينئذٍ لا يتم ما ذكرتم أن استمرار القطع مشروط ببقاء الظن وأنه إذا زال القطع وتوضيح الجواب أولًا أنا نقتصر من الاستدلال على بقاء ظن الحرمة عند القطع بأنها الحكم فى حقه على ادعاء ضرورة وأنه لم يحصل
стр. 1965
جزم يزيله وثانيًا أنا نقيم الحجة على بقاء ظن الحرمة وامتناع زواله إلى ظن الإباحة مثلًا عند القطع بأن الحكم فى حقه الحرمة وذلك لأنه إذا كان الظن بالحكم موجبًا للعلم به على ما هو اللازم من نصويب كل مجتهد امتنع ظن نقيض الحكم مع تذكر ظن الحكم لامتناع ظن نقيض المعلوم مع ملاحظة ما هو موجب للعلم وإلا لم يكن العلم علمًا ولا الموجب موجبًا لا يقال الامتناع مع التذكر لا يوجب الامتناع مطلقًا لأنا نقول الكلام فيما إذا كان متذكر الظن الحرمة قاطعًا بأنها الحكم فى حقه وإلا فلا خفاء فى جواز زوال العلم عند الذهول عن موجبه وعن كونه موجبًا وفى جواز طريان ظن النقيض حينئذٍ لا يقال فيرد مثل ذلك على غير المصوبة وتقريره أنه لو صح ما ذكرتم لزم أن يمتنع زوال ظن الحكم إلى ظن نقيضه لأنه لا محالة يكون عن أمارة هى بمنزلة الموجب له ومع تذكر موجب الشئ يمتنع زواله لأنا نقول ليس بين الظن وبين ما ينشأ هو عنه ربط عقلى حتى يكون بمنزلة الموجب له كما فى العلم الذى لا يكون إلا عن موجب فحينئذٍ لا يمتنع زوال ظن الحكم مع تذكر الأمارة التى عنها الظن كما يزول ظن المطر مع بقاء الغيم الرطب الذى هو مظنة له، وفى كلام الشارح العلامة ما يشعر بأنه لا يفهم من هذا المقام معنى يعتد به وغاية ما أدى إليه نظر الشارحين فى تقرير السؤال أنه اعتراض على الملازمة المذكورة بأنها إنما تتم لو كان استمرار القطع مشروطًا ببقاء الظن وهو ممنوع فإن الظن ينتفى بالعلم ضرورة انتفاء احتمال النقيض وما لا يمكن اجتماعه مع الشئ لا يكون شرطًا له وتقرير الجواب أنه لو انتفى ظن الشئ بالعلم لكان يستحيل ظن نقيض الشئ مع ذكر الحكم لأجل العلم فإن عند ظن نقيض الشئ يكون الشئ موهومًا وإذا كان الظن ينتفى بالعلم فبالحرى أن ينتفى الوهم اللازم لظن نقيض الشئ بالعلم فيلزم استحالة ظن نقيض مع ذكر تحكم لأجل العلم بالحكم واللازم باطل للإجماع على جواز ظن نقيض الحكم عند ذكر الحكم.
قوله: (فإن قيل) يعنى أن ما ذكرتم من لزوم اجتماع النقيضين كما يرد على تصويب الكل يرد على تخطئة البعض فلا يصلح للاستدلال أما أولًا فلأنه منقوض إجمالًا بأنه لو صح لما قام دليلًا على النقيضين ولأنه معارض بالمثل، وأما ثانيًا فلأنه مدفوع إجمالًا بأنه لا بد لكم من جواب عنه فهو بعينه جوابنا، وأما ثالثًا
стр. 1966
فلأنه لو صح لزم مخالفة الإجماع على حقية أحد المذهبين فقوله ولاح لكم عطف على قوله إذ يعلم به.
قوله: (وليس كذلك) يعنى أن قولكم إذا ظن وجوب الفعل قطعًا إن أردتم حصول القطع بأن حكم اللَّه تعالى فيه هو الوجوب فممنوع والإجماع لم ينعقد على ذلك وإن أردتم حصول القطع بلزوم الإتيان بذلك الفعل وعدم جواز تركه فمسلم لكنه لا يوجب النقيضين لأن الظن لم يتعلق بذلك بل بأن حكم اللَّه تعالى فيه هو الوجوب، فإن قيل لزوم الفعل شرعًا وجوبه فالقطع به وبتحريم الترك قطع بالوجوب قلنا نعم لكن متعلق الظن هو الحكم بمعنى الخطاب والحاصل أن الظن متعلق بالحكم بمعنى الخطاب والقطع بلزوم امتثاله بناء على كونه متعلق الظن وهذا بخلاف رأى المصوبة فإنه يستلزم كون الخطاب متعلق العلم على ما مر.
قوله: (فإن قيل فيلزمكم) إشارة إلى أن قوله فإذا تبدل الظن زال شرط تحريم المخالفة جواب سؤال توجيهه أنه لو صح ما ذكرتم من كون الظن بالحكم موجبًا للقطع بتحريم مخالفة الحكم المظنون لامتنع ظن نقيضه والعمل بخلافه لما مر من دوام العلم بدوام موجبه واللازم باطل ضرورة احتمال تغير الاجتهاد وطريان ظن النقيض وتقرير الجواب أن الظن إنما أوجب العلم بوجوب العمل بالمظنون وتحريم مخالفته ما دام مظنونًا ويشترط كونه مظنونًا والشئ كما ينتفى بانتفاء موجبه فقد ينتفى بانتفاء شرطه وجمهور الشارحين على أنه جواب سؤال تقريره أن متعلق العلم لو كان غير متعلق الظن لما اختلف بتبدل الظن لكنه يختلف لأنه إذا تبدل الظن لم يحرم المخالفة وحاصله أن زوال العلم عند زوال الظن يشعر باتحاد المتعلق والجواب أن ذلك ليس لاتحاد المتعلق بل لكون بقاء العلم بتحريم المخالفة مشروطًا ببقاء الظن بالحكم فحيئنذٍ أى حين يثبت أنه إذا ظن الحكم الذى هو كونه دليلًا فقد علمه ثم إلزام المصوبة باستلزام مذهبهم اتحاد متعلق الظن والعلم وهو جمع بين النقيضين غايته أنه لا يكون فى حكم شرعى عملى هو خطاب التكليف بل حكم شرعى اعتقادى هو كون الدليل الذى لاح للمجتهد دليلًا.
قوله: (فى قضية المجهضة) هى المرأة التى استحضرها عمر فأجهضت أى ألقت ما فى بطنها، فقال عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان إنما أنت مؤدب لا نرى عليك شيئًا، فقال على رضى اللَّه عنه: إن كانا قد اجتهدا فقد أخطآ وإن لم
стр. 1967
يجتهدا فقد غشاك، من الغش وهو الخيانة فضمير الفاعل لهما والخطاب لعمر وقد وقع فى الشارح غشك بلفظ الوحدة فإن كان سهوًا فذاك وإن كان رواية فالضمير لعثمان لأنه أشهر بالاجتهاد.
المصنف: (المسألة التى لا قاطع فيها) أى لا قاطع ظاهر فلا ينافى قول بشر المريسى، وإلا صح أن الدليل قطعى لأن المراد قطعى مع صفاته.
المصنف: (ولأنه كان يستحيل ظن النقيض) ظاهر المصنف أنه جواب ثان عن أن الظن ينتفى بالعلم من قبل المخطئة إبطالًا لمذهب الصوبة والمعنى عليه أنه لو انتفى الظن بالعلم لاستلزم الظن العلم ولو استلزم الظن العلم وكان موجبًا له لامتنع واستحال ظن نقيض متعلقه مع تذكر موجب العلم الذى هو الظن بالحكم واللازم باطل فكذا الملزوم ويصح أن يكون دليلًا ثانيًا على بطلان مذهب المصوبة والمعنى عليه لو كان ظن الحكم موجبًا للعلم على ما هو اللازم لتصويب كل مجتهد لامتنع الرجوع عن الحكم لاستلزامه ظن النقيض ولعلم به ينفى احتماله لظن النقيض فلم يكن العلم علمًا.
стр. 1968
قال: (واستدل إن كانا بدليلين، فإن كان أحدهما راجحًا تعين وإلا تساقطا، وأجيب بأن الأمارات تترجح بالنسب فكل راجح واستدل بالإجماع على شرط المناظرة فلولا تبيين الصواب لم يكن فائدة، وأجيب بتبيين الترجيح أو التساوى أو التمرين واستدل بأن المجتهد طالب وطالب ولا مطلوب محال فمن أخطأ فهو مخطئ قطعًا وأجيب مطلوبه ما يغلب على ظنه فيحصل وإن كان مختلفًا واستدل بأنه يلزم حل الشئ وتحريمه، لو قال مجتهد شافعى لمجتهدة حنفية أنت بائن ثم قال راجعتك وكذا لو تزوج مجتهد امرأة بغير ولى ثم تزوجها بعده مجتهد بولى وأجيب بأنه مشترك الإلزام إذ لا خلاف فى لزوم اتباع ظنه، وجوابه أن يرفع إلى الحاكم فيتبع حكمه).
أقول: هذة مسالك استدل بها للمذهب المختار مع ضعفها استدل بأن قوليهما فى مسألة إن كانا هما أو أحدهما لا بدليل فواضح أنه خطأ وإن كانا بدليلين فإما أن يترجح أحدهما أو يتساويا فإن ترجح أحدهما تعين للصحة ويكون الآخر خطأ إذ لا يجوز العمل بالمرجوح وإن تساويا تساقطا وكان الحكم الوقف أو التخيير فكانا فى التعيين مخطئين.
الجواب: قولك وإما أن يتساويا أو يترجح أحدهما قلنا بك ههنا قسم ثالث وهو أن يترجح كل واحد منهما فإن الأمارات تترجح بالنسبة فإنها ليست أدلة فى أنفسها فأمارة كل راجحة عنده وذلك هو رجحانه فى نفس الأمر واستدل بأن الأمة أجمعوا على شرع المناظرة ولا يتصور لها فائدة إلا تبيين الصواب من الخطأ وتصويب الجميع ينفى ذلك.
الجواب: لا نسلم أن لا فائدة لها إلا ذلك ومن فوائده ترجيح إحدى الأمارتين فى نظرهما ليرجعا إليها ومنها تساويهما، ليتساقطا ويرجعا إلى دليل آخر ومنها التمرين وحصول ملكة الوقوف على المآخذ ورد الشبه ليعين ذلك على الاجتهاد واستدل بأن المجتهد طالب فله مطلوب فإن إثبات طالب لا مطلوب له محال، فمن وجد ذلك المطلوب فهو مصيب ومن أخطأه فهو مخطئ قطعًا.
الجواب: قولك طالب ولا مطلوب له محال مسلم لكنه إنما يتم الدليل به لو ثبت أن المطلوب ثابت قبل الطلب والغرض وجدانه وذلك أول المسألة فإن مطلوب كل واحد عندنا ما يغلب على ظنه من الأمارات المختلفة فيحصل لكل مطلوبه وإن
стр. 1969
كان مختلفًا فإن قلت أليس متعلق ظنه كونه حكم اللَّه فكيف يمكن ذلك مع الجزم بأن لا حكم للَّه فى الواقعة وبالجملة فمطلب أى بعد مطلب هل فما لم يعلم بأن حكمًا كيف يطلب تعينه أهو الحرمة أو الإباحة؟ قلنا لا بل متعلق ظنه أنه أليق بالأصول وأنسب بما عهد من الشارع اعتباره واستدل بأن تصويب الكل مستلزم للمحال فيكون محالًا بيانه فى صورتين:
إحداهما: إذا كان الزوج مجتهدًا شافعيًا والزوجة مجتهدة حنفية فقال لها أنت بائن ثم قال راجعتك والرجل يعتقد الحل والمرأة الحرمة فيلزم من صحة المذهبين حلها وحرمتها.
ثانيتهما: أن ينكح مجتهد امرأة بغير ولى لأنه يرى صحته، وينكح مجتهد آخر تلك المرأة إذ يرى بطلان الأول فيلزم من صحة المذهبين حلها لهما، وأنه محال.
الجواب: أنه مشترك الإلزام إذ لا خلاف فى أنه يلزمه اتباع ظنه، والجواب الحق هو الحل وهو أنه يرجع إلى الحاكم ليحكم بينهما فيتبعان حكمه لوجوب اتباع الحكم للموافق والمخالف.
قوله: (فواضح أنه خطأ) إشارة إلى أنه لم يتعرض فى المتن لهذا الشق من الترديد لوضوح حكمه.
قوله: (لكنه إنما يتم) يعنى أن الطلب يقتضى مطلوبًا لكنه يجب أن لا يكون مطلوبه حاصلًا وقت الطلب بل بعده فالمجتهد يطلب غلبة ظنه بشئ من الوجوب والندب وغيرهما بمعونة أمارة من الأمارات المختلفة وبعد حصوله تلك الغلبة يسقط طلبه وظاهر كلام الشارح أن مطلوبه أمارة من الأمارات المختلفة بحيث يظن أنها أليق بالأصول الشرعية وأنسب بما عهد من الشارع اعتباره ولكن ينبغى أن يكون المراد أن مطلوبه حكم يغلب على ظنه من النظر فى الأمارات بحيث يظن ذلك الحكم أليق وأنسب بما يعتبره الشارع فى الأحكام فليس هو طالبًا بأى من المحققات بل من المحتملات وحقيقة الحال ما ذكر فى بعض الشروح أن المطلوب حكم يغلب على ظن المجتهد وهو من هذا الوجه موجود فى الذهن وهذا القدر ويكفى فى توجه الطلب نحوه.
قوله: (مجتهدًا شافعيًا) يعنى يوافق رأيه رأى الشافعى وإلا فلا يجوز للمجتهد
стр. 1970
التقليد ومثل قولنا أنت بائن عند الشافعية رجعى وعند الحنفية بائن ووجه كونه مشترك الإلزام فى الثانى ظاهر لأنه كما يمتنع كونها حلالًا للزوجين فى نفس الأمر كذلك فى نظر المجتهد وحكمه، وأما فى الأول ففيه بحث لجواز حلها للزوج عند مجتهد وحرمتها عند مجتهد آخر، نعم يتوجه الإشكال من جهة أنه يلزم أن يكون للزوج طلب التمكن وللزوجة الامتناع كما أن فى الثانية لكل من الزوجين طلب التمكن وهذا محال.
قوله: (والجواب الحق) يشير إلى أن الجواب الأوّل جدلى لكن فى كون هذا جوابًا عن الإلزام المذكور نظر لأن حكم الحاكم إنما يصلح لدفع النزاع إذا تنازعا لا لرفع تعلق الحل والحرمة بشئ واحد فإنه بعد الحكم لم يرتفع ذلك التعلق على تقدير تصويب كل مجتهد نعم لو أجاب بأن الحل بالإضافة إلى أحدهما والحرمة بالإضافة إلى الآخر ولا امتناع فى ذلك لكان وجهًا كذا فى بعض الشروح.
قوله: (لأن حكم الحاكم إنما يصلح. . . إلخ) رده فى التحرير بأن مثل ذلك مخصوص من تعلق الحكمين بل الثابت حرمتها إلى غاية الحكم لأن لزوم المفسدة يمنع شرع ذلك.
стр. 1971
قال: (المصوبة قالوا: لو كان المصيب واحدًا لوجب النقيضان وإن كان المطلوب باقيًا أو وجب الخطأ إن سقط الحكم المطلوب وأجيب بثبوت الثانى بدليل أنه لو كان فيها نص أو إجماع ولم يطلع عليه بعد الاجتهاد وجب مخالفته وهو خطأ فهذا أجدر، قالوا: قال: "بأيهم اقتديتم اهتدتم" ولو كان أحدهما مخطئًا لم يكن هدى، وأجيب بأنه هدى لأنه فعل ما يجب عليه من مجتهد أو مقلد).
أقول: للقائلين بأن كل مجتهد مصيب دليلان، قالوا: أولًا: لو كان المصيب واحدًا والمخطئ يجب عليه العمل بموجب ظنه فإما أن نوجبه عليه مع القول ببقاء الحكم الذى هو فى نفس الأمر فى حقه أو مع زواله، والأول يستلزم ثبوت الحكم الأول والثانى فى حقه وهما نقيضان، والثانى يستلزم أن يكون العمل بالحكم الخطأ واجبًا وبالصواب حرامًا، وأنه محال.
الجواب: أن نختار الثانى وهو زوال الحكم الأول قولك أنه محال ممنوع ومما يدل على أنه ليس بمحال وقوعه فيما إذا كان فى المسألة نص أو إجماع ولم يطلع عليه بعد الاجتهاد فإنه يجب عليه مخالفته للواقع مع الاتفاق على أنه خطأ فهذا مع الاختلاف أجدر.
قالوا: ثانيًا: قال ﷺ : "أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ولو كان بعضهم مخطئًا فى اجتهاده لم يكن فى متابعته هدى فإن العمل بغير حكم اللَّه ضلال.
الجواب: أن كونه ضلالًا من وجه لا يمنع كونه هدى من وجه آخر، وهذا هدى لأنه قد فعل ما بجب عليه سواء كان مجتهدًا أو مقلدًا، فإنه يجب العمل بالاجتهاد للمجتهد ولمقلده.
قوله: (مع الاتفاق على أنه خطأ) لأن الخلاف انما هو فى الأحكام الاجتهادية التى لا قاطع فيها وأما الحكم الثابت بالدليل القطعى فهو الحكم فى حق الكل بلا خلاف وإن لم يبلغ المجتهد دليله.
стр. 1972
قال: (مسألة: تقابل الدليلين العقليين محال لاستلزامهما النقيضين وأما تقابل الأمارات الظنية وتعادلها فالجمهور جائز خلافًا لأحمد والكرخى لنا لو امتنع لكان لدليل والأصل عدمه، قالوا: لو تعادلا فإما أن يعمل بهما أو بأحدهما معينًا أو مخيرًا أو لا والأول باطل والثانى تحكم، والثالث حرام لزيد حلال لعمرو من مجتهد واحد والرابع كذب لأنه يقول لا حرام ولا حلال وهو أحدهما وأجيب يعمل بهما فى أنهما وقفا فيقف أو بأحدهما مخيرًا أو لا يعمل بهما ولا تناقض إلا من اعتقاد نفى الأمرين لا فى ترك العمل).
أقول: الدليل ما يرتبط به ثبوت مدلوله ارتباطًا عقليًا والأمارة ما يحصل به الظن ولا يرتبط ارتباطًا عقليًا كما علمت فأما الدليلان فتقابلهما وتعارضهما محال قطعًا وباتفاق العقلاء وإلا لزم حقيقة مقتضاهما فيلزم وقوع المتنافيين ولا يتصور فيهما ترجيح لأنه فرع تفاوت فى احتمال النقيض ولا يتصور فى القطعى، وأما الأمارات الظنية فتقابلهما وتعادلهما أى تساويهما من غير ترجيح هل يجوز الجمهور على أنه جائز ومنعه أحمد والكرخى لنا لو امتنع لكان امتناعه لدليل والتالى باطل إذ الأصل عدم الدليل. قالوا: لو تعادل أمارتان فإما أن يعمل بهما أو بأحدهما معينًا أو مخيرًا أو لا يعمل بهما والكل باطل.
أما الأول: وهو العمل بهما فظاهر للزوم اجتماع التحليل والتحريم وهو تناقض.
وأما الثانى: وهو العمل بأحدهما معينًا فلأنه مع تساويهما تحكم وهو باطل.
وأما الثالث: وهو العمل بأحدهما مخيرًا فلأنه حينئذٍ يجوز أن يفتى زيد بالحل ولعمرو بالحرمة، فيكون الفعل الواحد حلالًا لزيد حرامًا لعمرو من مجتهد واحد وأنه محال.
وأما الرابع: وهو عدم العمل بهما فلأنه قول بأنه ليس حلالًا ولا حرامًا مع أنه إما حلال وإما حرامًا ضرورة أن لا مخرج عنهما فيكون كاذبًا.
الجواب: أولًا: نختار الأول وهو أن يعمل بهما قولك يلزم اجتماع النقيضين قلنا إنما يلزم أن لو اقتضى كل عند الاجتماع العمل بمقتضاه عند الانفراد وليس كذلك بل مقتضاهما عند الاجتماع الوقف ولا تناقض فيه.
وثانيًا: أنا نختار العمل بأحدهما مخيرًا ونمنع استحالة الحل لزيد والحرمة لعمرو
стр. 1973
من مجتهد واحد فإنه ليس ضروريًا ولم يقم عليه دليل.
وثالثًا: أنا نختار الرابع وهو أنه لا يعمل بهما كما لو لم يكن دليل ولا تناقض فى عدم العمل بهما ولا كذب إنما التناقض فى اعتقاد نفى الأمرين لا فى ترك العمل بهما فله بعد الدليلين أن يعتقد وقوع أحدهما وأنه لا يعلمه بعينه كما كان قبل قيام الدليلين فما أوجبه الدليل ليس بمحال والمحال لم ينشأ من الدليل ولم يستلزمه الدليل.
قوله: (الدليل ما يرتبط به ثبوت مدلوله) الدليل بهذا التفسير لا يكون إلا قطعيًا ولا تقابل بين القطعيين عقليين كانا أو نقليين فلا وجه للتقييد بالعقلى إلا من جهة أن القطعيين قد يتقابلان بأن يكون أحدهما ناسخًا للآخر وأما وصف الأمارة بالظنية فلقصد التوكيد والتوضيح وقوله كما علمت إشارة إلى ما سبق من أنه ليس بين الظن وبين أمر ربط عقلى لزواله مع بقاء موجبه كالغيم الرطب للمطر وقوله وتعادلهما أى تساويهما إشارة إلى أن لا خلاف فى مجرد التقابل بأن تقتضى إحداهما ظن ثبوت الشئ والأخرى ظن انتفائه لجواز رجحان إحداهما فيعمل بها.
قوله: (وهو تناقض) لأن معنى اجتماع التحليل والتحريم أن هذا حلال وليس بحلال.
قوله: (ولا تناقض فيه) أى فى الوقف لعدم الحكم بالثبوت أو الانتفاء.
قوله: (ولا تناقض فى عدم العمل بهما ولا كذب) إن قيل المستدل إنما ادعى فيه الكذب لا التناقض فلا وجه لنفيه قلنا فيه إشارة إلى أن كذب قولنا ليس بحلال ولا حرام بل كذب مطلق ارتفاع النقيضين مبنى على التناقض لأن نفى كل من النقيضين فى قوة إثبات الآخر كأنه قيل حلال وليس بحلال، حرام وليس بحرام، ولذا قال إنما التناقض فى نفى اعتقاد نفى الأمرين يعنى الحل والحرمة لأن معناه الحكم بأنه ليس بحلال أى هو حرام وليس بحرام أى هو حلال، والحاصل أن المستدل ادعى لزوم التناقض على التقدير الأول باعتبار جمع النقيضين وعلى الرابع باعتبار رفعهما والمجيب منع اللزوم بناء على أن العمل بالمتعارضين اجتماعهما هو الوقت عن الحكم لأن الحكم بثبوت النقيضين وعدم العمل بهما هو عدم الحكم
стр. 1974
بهما لا الحكم بعدمهما، وإنما يلزم التناقض لو حكم فى الأوّل بثبوتهما، وفى الرابع بنفيهما غاية الأمر أن له بعد قيام الدليلين سواء أعيلهما أو أهملهما أن يحكم بثبوت أحد النقيضين لا بعينه، وهذا ليس من التناقض فى شئ فما أوجبه الدليل وهو عدم العمل بالدليلين المتعارضين ليس بمحال وما هو المحال أعنى اعتقاد نفى الأمرين لم يدل عليه الدليل ولا يخفى أن المراد بالاعتقاد ههنا ما يعم الظن وبالدليل ما يعم الأمارة بل نفسها.
стр. 1975
قال: (مسألة: لا يستقيم لمجتهد قولان متناقضان فى وقت واحد بخلاف وقتين أو شخصين على القول بالتخيير فإن ترتبا فالظاهر رجوع وكذلك المتناظرتان ولم يظهر فرق فقول الشافعى فى سبع عشرة مسألة فيها قولان إما للعلماء وإما فيها ما يقتضى للعلماء قولين لتعادل الدليلين عنده، وإما لى قولان على التخيير عند التعادل وإما ما تقدَّم لى فيها قولان)
أقول: لا يجوز أن يكون لمجتهد فى مسألة قولان متناقضان فى وقت واحد بالنسبة إلى شخص واحد لأن دليلهما إن تعادلا توقف، وإن ترجح أحدهما فهو قوله ويتعين وأما فى وقتين فجائز لجواز تغير الاجتهاد وأما فى وقت واحد بالنسبة إلى شخصين فيجوز على القول بالتخيير عند تعادل الأمارتين ولا يجوز على القول بالوقف فإذا كان لمجتهد قولان مرتبان أى فى وقت بعد وقت فالظاهر أن الأخير رجوع عن الأول أوجبه تغير اجتهاده، وكذلك إذا كان القولان فى مسألتين متناظرتين إذا لم يظهر بينهما فرق وإن ظهر فرق حمل عليه ولم ينقل الحكم منها إلى نظيرها، مثاله إذا قال فى اشتباه طعامين أحدهما متنجس يجتهد وفى ثوبين لا يجتهد ولا فارق بينهما فيحمل على الرجوع أما لو قال فى ماء وبول لا يجتهد فالفارق ظاهر، وهو كون البول نجس الأصل لم نحمله عليه وقلنا حكمه فيما له أصل فى الطهارة الاجتهاد وفى خلافه خلاف وإذا تقرر هذا فقد قال الشافعى فى سبع عشرة مسألة فيها قولان، وقد علمت أنه لا يجوز أن يكونا قولين له فيحمل على أحد وجوه:
الأول: للعلماء فيه قولان فقال بعضهم بهذا وبعضهم بذاك، فيحكى قولهم.
الثانى: يحتمل قولين فإن فيهما ما يقتضى أن يكون للعلماء فيه قولان وذلك لتعادل الدليلين عنده.
الثالث: لى فيها قولان، وذلك على القول بالتخيير عند تعادل الدليلين.
الرابع: تقدَّم لى فيها قولان فيحكى قوليه.
قوله: (لا يستقيم لمجتهد) قيد بذلك لأنه كثيرًا ما تتناقض أقوال المجتهدين وأما التقييد بمسألة فاتفاقى إذ لا تناقض عند تعدد المسائل وكذا التقييد بشخص واحد لأنه لا ينافى فى الحل لزيد وفى عدم الحل لعمرو على ما سبق من أنه يجوز
стр. 1976
لمجتهد أن يفتى بالحل لزيد والحرمة لعمرو عند تعادل الأمارتين وأما التقييد بوقت واحد فلا بد منه للقطع بجواز تغير الاجتهادين بأن يفتى اليوم بالحل لزيد وغدًا بالحرمة له فإن قيل أليس من شرط التناقض اتحاد الزمان قلنا ذاك زمان نسبة القضيتين وهذا وقت القول والتكلم بالقضيتين مثلًا لو قلنا اليوم هذا حلال دائمًا أبدًا وغدًا هذا ليس بحلال كان تناقضًا فليتأمل فإن هذا مما يقع فيه الغلط ثم المعتبر فى اتحاد الوقت وتعدده هو العرف وإلا فزمان التكلم بالإيجاب غير زمان التكلم بالسلب فلا يتصور قولان فى وقت واحد اللهم إلا أن يصرح بأن فيه قولين، فإن قيل فما معنى جواز المتناقضين فى وقتين لا فى وقت قلنا معناه أن مثل ذلك فى وقت يعد لغوًا باطلًا من الكلام لا مجرد خطأ فى الاجتهاد بخلافه فى وقتين.
قوله: (فى مسألتين متناظرتين) يعنى إذا كان إحدى المسألتين نظير الأخرى وحكم فى أحدهما بالثبوت وفى الأخرى بالانتفاء مع عدم ظهور الفرق لم يصح ذلك إلا فى وقتين وكان القول الثانى رجوعًا عن الأول كما إذا اشتبه طعام طاهر بطعام متنجس فجوز الاجتهاد فى أخذ أحدهما ولم يجوز ذلك فيما إذا اشتبه ثوب طاهر بثوب نجس بخلاف ما إذا ظهر الفرق كما لو لم يجوز الاجتهاد عند اشتباه ماء ببول ونحو ذلك فما ليس الأصل فى كليهما، هو الطهارة فإنه لا يكون رجوعًا فقوله لم نحمله أى القول فى المسألة الثانية عليه أى على الرجوع عن القول فى المسألة الأولى، وقلنا حكمه أى المجتهد فيما له أصل فى الطهارة كالماء والطعام أن يجتهد من يشتبه عليه الأمر وفى خلافه أى فيما ليس له أصل فى الطهارة كالبول خلافه أى خلاف الحكم الأول وهو أن لا يجتهد بل يجتنبهما جميعًا.
стр. 1977
قال: (مسألة: لا ينقض الحكم فى الاجتهاديات منه ولا من غيره لاتفاق للتسلسل فتفوت مصلحة نصب الحاكم وينقض إذا خالف قاطعًا ولو حكم على خلاف اجتهاده كان باطلًا وإن قلد غيره اتفاقًا فلو تزوج امرأة بغير ولى ثم تغير اجتهاده فالمختار التحريم وقيل إن لم يتصل به حكم وكذلك المقلد يتغير اجتهاد مقلده فلو حكم مقلد بخلاف إمامه جرى على جواز تقليد غيره).
أقول: لا يجوز للمجتهد نقض الحكم فى السائل الاجتهادية لا حكم نفسه إذا تغير اجتهاده ولا حكم غيره إذا خالف اجتهاده اجتهاده بالاتفاق لأنه يؤدى إلى نقض النقض من مجتهد آخر يخالفه ويتسلسل ويفوت مصلحة نصب الحاكم وهو فصل الخصومات، هذا ما لم يكن مخالفًا لقاطع وإذا خالف قاطعًا نقضه اتفاقًا ولو حكم مجتهد بخلاف اجتهاده كان حكمه باطلًا وإن قلد فيه مجتهدًا آخر وذلك لأنه يجب عليه العمل بظنه ولا يجوز له التقليد مع اجتهاده إجماعًا إنما النزاع عند عدم الاجتهاد.
(فرع) لو تزوج امرأة بغير ولى عند ظنه صحته ثم تغير اجتهاده فرآه غير جائز فقد اختلف فيه والمختار تحريمه مطلقًا لأنه مستديم لما يعتقده حرامًا وقيل إنما يحرم إذا لم يتصل به حكم حاكم فإذا اتصل به لم يحرم وإلا لزم نقض الحكم بالاجتهاد فإن تعاطاه مقلد ثم علم تغير اجتهاد مقلده فالمختار أنه كذلك كما لو تغير اجتهاد المجتهد فى أثناء صلاته بالنسبة إليه وإلى مقلده فإن حكم مقلد بخلاف مذهب إمامه فمبنى على جواز تقليد غير إمامه وسيجئ.
قوله: (فى المسائل الاجتهادية) يعنى الأحكام الشرعية التى أدلتها ظنية.
قوله: (ويتسلسل) إذ يجوز بعض الحكم الذى هو النقض هكذا لا إلى نهاية.
قوله: (وإذا خالف قاطعًا) يعنى نصًا قطعيًا أو إجماعًا أو قياسًا جليًا.
قوله: (إنما النزاع) فى أنه هل يجوز للَّه للمجتهد أن يقلد مجتهدًا آخر فى المسألة عند عدم اجتهاده فيها فيحكم أو ينفى أو يعمل على وفق اجتهاد مجتهد آخر من غير أن يجتهد بنفسه.
قوله: (لأنه مستديم) أى لو لم يحكم بتحريمه كان ذلك المجتهد مستديمًا لما يعتقد تحريمه وهو باطل.
стр. 1978
قوله: (وإلا) أى لو حرم بعد اتصال حكم حاكم بصحته كان ذلك نقضًا لحكم ذلك الحاكم باجتهاد هذا المجتهد، ومن قواعدهم أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد فإن قيل أليس الحكم بالتحريم عند عدم اتصال حكم الحاكم به نقضًا للاجتهاد السابق قلنا لا بل هو عمل بالاجتهاد الثانى وإنما يكون نقضًا لو حكم بأنه كان حرامًا من أوّل الأمر ثم لا يخفى أن فى تفريع مسألة الزواج على ما قبلها تكلفًا وغايته أنها على تقدير اتصال حكم الحاكم يتفرع على عدم جواز بعض الحكم بالاجتهاد والأولى تقرير الآمدى حيث قال بعد ما فرغ من المباحث المذكورة وأما المجتهد إذا أداه اجتهاده إلى حكم فى حق نفسه كتجويز نكاح المرأة بلا ولى ثم تغير اجتهاده إلى آخر المبحث.
قوله: (فإذا تعاطاه) أى أخذ هذا الحكم الذى ذكرنا فى المجتهد مقلد بأن يزوج امرأة بغير ولى عند ظن إمامه صحة ذلك ثم علم بتغير اجتهاد إمامه فالمختار التحريم مطلقًا وقيل إذا لم يتصل به حكم حاكم وذلك كما لو تغير اجتهاد من اجتهد فى القبلة ثم تغير اجتهاده فى إثبات الصلاة إلى جهة أخرى فإنه يلزمه ومقلديه التحول إليها لكن تكون الركعة الأولى صحيحة وهذا بخلاف ما إذا تغير الاجتهاد فى الإناءين وهما باقيان فإنه يتيمم ويصلى.
قوله: (فيتفرع على عدم جواز نقض الحكم بالاجتهاد) أى عدم التحريم يتفرع على عدم جواز نقض الحكم بالاجتهاد.
стр. 1979
قال: (مسألة: المجتهد قبل أن يجتهد ممنوع من التقليد وقيل فيما لا يخصه وقيل فيما لا يفوت وقته، وقيل: إلا أن يكون أعلم منه وقال الشافعى إلا أن يكون صحابيًا وقيل أرجح فإن استووا تخير وقيل أو تابعيًا وقيل غير ممنوع وبعد الاجتهاد اتفاق لنا حكم شرعى فلا بد من دليل والأصل عدمه بخلاف النفى فإنه يكفى فيه انتفاء دليل الثبوت وأيضًا متمكن من الأصل فلا يجوز البدل كغيره واستدل لو جاز قبله لجاز بعده، وأجيب بأنه بعده حصل الظن الأقوى المجوز: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، قلنا للمقلدين بدليل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ [النحل: ٤٣]، ولأن المجتهد من أهل الذكر الصحابة، "أصحابى كالنجوم. . "، وقد سبق، قالوا: المعتبر الظن وهو حاصل، أجيب بأن ظن اجتهاده أقوى).
أقول: المجتهد إذا اجتهد فأداه اجتهاده إلى حكم فهو ممنوع عن تقليد مجتهد آخر اتفاقًا، وأما قبل أن يجتهد فهل هو ممنوع عن التقليد المختار أنه ممنوع وقيل ممنوع فيما لا يخصه من الحكم بل يفتى به غير ممنوع فيما يخصه وقيل هذا فيما يفوت وقته باشتغاله بالاجتهاد والنظر وأما ما لا يفوته فإنه لا يقلد فيه أصلًا وقيل ممنوع إلا أن يكون صحابيًا فإنه إن كان أرجح من غيره من الصحابة قلده فإن استووا تخير فيقلد أيهم شاء وقيل إلا أن يكون صحابيًا أو تابعيًا، وقيل غير ممنوع، لنا جواز تقليده لغيره حكم شرعى فلا بد له من دليل والأصل عدمه، وقد يقال: هذا معارض بعدم الجواز لأن الانتفاء نفى يكفى فيه عدم دليل الثبوت وقد يقال: إن التحريم الشرعى ينفى الجواز الثابت بالأصل ولنا أيضًا أن التقليد بدل الاجتهاد جوز ضرورة ممن لا يمكنه الاجتهاد ولا يجوز الأخذ بالبدل مع التمكن من المبدل كالوضوء والتيمم وكالقبلة مع جهة الاجتهاد وقد يقال ممنوع أنه بدل بل مخير فيهما عندنا واستدل لو جاز التقليد قبل الاجتهاد لجاز بعد الاجتهاد لأن المانع هو كونه مجتهدًا وأنه لا يعتبر.
الجواب: لا نسلم انحصار المانع فى كونه مجتهدًا بل هو أنه إذا اجتهد حصل له ظن الحكم باجتهاده وظن خلافه بفتوى الغير والحاصل بالاجتهاد أقوى الظنين فيكون العمل به عملًا بالأرجح فيجب دليل المجوز مطلقًا، وجوه:
قالوا: أولًا: قال اللَّه تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وهو قبل الاجتهاد لا يعلم والآخر من أهل الذكر فوجب عليه سؤاله للعمل به
стр. 1980
وهو المطلوب.
الجواب: الخطاب مع المقلدين بدليل قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وهو صيغة عموم يفهم من سياقه أن من يعلم لا يجب عليه السؤال، وأن السؤال إنما هو لمن لا يقدر على العلم بنفسه، والمجتهد ليس كذلك ولأن المجتهد من أهل الذكر والأمر دل على رجوع غير أهل الذكر إلى أهل الذكر وفى دلالته على مراده تمحل لا يخفى.
قالوا: ثانيًا: قال ﵇: "أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".
الجواب: ما سبق أنه للمقلد.
قالوا: ثالثًا: المعتبر الظن وهو حاصل بفتوى الغير فيجب العمل به.
الجواب: ما مر أن ظنه باجتهاده أقوى من ظنه بفتوى الغير فيجب العمل بالأقوى.
قوله: (ثم يقضى فيما يخصه) ليس المراد بذلك اختصاص الحكم به بحيث لا يعم غيره من المكلفين بل كون الغرض من الاجتهاد تحصيل رأى فيما اشتغل بعلمه لا فيما يفتى به بغيره كما فى المسائل الاجتهادية فى الصلاة حين يريد أن يصلى.
قوله: (وقيل هذا) أى عدم المنع فيما يخصه إنما هو فى العمل الذى يفوت عليه وقته لو اشتغل بالنظر والاجتهاد كما إذا كان آخر وقت الصلاة بحيث لو اشتغل بالاجتهاد فى مسائلها الاجتهادية فاتته الصلاة وفى هذا إشارة إلى أن هذا تفصيل لمذهب القائلين بالمنع فيما لا يخصه وليس المراد أنه يجوز له التقليد فيما يفوت وقته سواء كان مما يخصه أو يفتى به.
قوله: (إلا أن يكون) أى الإمام الذى يقلده المجتهد أعلم منه فإنه حينئذٍ لا يكون ممنوعًا من تقليده.
قوله: (إلا أن يكون صحابيًا) مشعر بأن مذهب الشافعى رضى اللَّه عنه جواز تقليد الصحابى من غير اشتراط الترجيح والمذكور فى رسالته القديمة أنه يجوز له تقليد الواحد من الصحابة فى نظره على غيره ممن خالف وإن استووا فى نظره تخير فى تقليد من شاء ولا يجوز له تقليد من عداهم ولهذا وقع فى بعض النسخ وقال الشافعى إلا أن يكون صحابيًا أرجح فإن استووا تخير ولفظ المنتهى يوافق
стр. 1981
هذا وعليه مبنى كلام الشارح.
قوله: (وقد يقال) اعتراض على جواب المعارضة بأن لنفى ههنا تحريم شرعى ورفع للجواز الأصلى فهو المحتاج إلى الدليل دون الجواز وكل منهما حكم شرعى يحتاج إلى دليل.
قوله: (وظن خلافه بفتوى الغير) دفع لما ذكره العلامة أن انتفاء الظن الأقوى قبل الاجتهاد إنما هو بانتفاء أصل الظن إذ ليس للمجتهد قبل الاجتهاد ظن بحكم معين فى المسألة فكان الأولى أن يقول وأجيب بأنه بعده حصل له الظن اعلم أن الجواب المذكور هو حاصل ما جعله العلامة اعتراضًا على بيان اللازمة حيث قال لو جاز قبله لجاز بعده لصدق عكس نقيضها وهو أنه لو لم يجز بعده لم يجز قبله لأن المانع لزوم المخالفة وهو مشترك لاحتمال أن يؤديه الاجتهاد إلى خلاف رأى من قلده لأن الغرض أنه مجتهد وإلى هذا أشار فى المنتهى بقوله لأن المانع كونه مجتهدًا لأجل المخالفة ثم قال ولقائل أن يمنع اتحاد الجامع لأنه فى الأصل وجود المخالفة وفى الفرع اححمالها ولا يلزم من الاحتراز من تحقق المخالفة الاحتراز عن احتمالها.
قوله: (وهو) أى الخطاب الذى هو ﴿فَاسْأَلُوا﴾ [الأنبياء: ٧]، للعموم يفهم منه بحكم مفهوم الشرط أن من يعلم لا يجب عليه السؤال وفى مقابلة ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]، بأهل الذكر إشعار بأن المراد إن كنتم من أهل العلم والمراد القدرة على تحصيله ويفهم منه أن من تكون له القدرة على تحصيله كالمجتهد لا يكون له السؤال وقوله ولأن المجتهد عطف على قوله بدليل يعنى أن المجتهد قبل الاجتهاد من أهل الذكر والمفهوم من الأمر أنه يجب على غير أهل الذكر الرجوع إلى أهل الذكر إذ المساويان فى العلم لا يؤخر أحدهما بالسؤال عن الآخر للقطع بأن الغرض حصول العلم للسائل فدل ذلك على أن الخطاب للمقلدين خاصة ولما احتاج بيان كون الخطاب للمقلدين إلى هذه المقدمات قال وفى دلالته على مراده تمحل لا يخفى.
قوله: (أى الإمام الذى يقلده المجتهد أعلم منه) هذا الشرح موافق لنسخة المصنف التى معنا التى نصها: إلا أن يكون أعلم منه، وقال الشافعى: إلا أن
стр. 1982
يكون صحابيًا وقيل أرجح لكن الشارح لم يشرح على تلك النسخة بل على نسخة: إلا أن يكون صحابيًا أرجح.
قوله: (لأنه فى الأصل هو ما بعد الاجتهاد) وقوله: وفى الشرع هو ما قبل الاجتهاد.
قوله: (أى الخطاب الذى هو فاسألوا) الظاهر أن المراد بقوله وهو صيغة عموم الفعل فى قوله: لا تعلمون.
стр. 1983
قال: (مسألة: المختار يجوز أن يقال للمجتهد احكم بما شئت فهو صواب وتردد الشافعى، ثم المختار لم يقع. لنا لو امتنع لكان لغيره والأصل عدمه، قالوا: يؤدى إلى انتفاء المصالح لجهل العبد، وأجيب بأن الكلام فى الجواز ولو سلم لزمت المصالح أو أن جهلها الوقوع قالوا: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]، وأجيب بأنه يجوز أن يكون بدليل ظنى، قالوا: ". . . لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها"، فقال العباس: إلا الإذخر، فقال: "إلا الإذخر" (*)، وأجيب بأن الإذْخَر ليس من الخلا فدليله الاستصحاب أو منه ولم يرده وصح استثناؤه بتقدير تكريره لفهم ذلك أو منه وأريد ونسخ بتقدير تكريره بوحى سريع، قالوا: "لولا أن أشق. . "، أحجنا هذا لعامنا أو للأبد؟ فقال: "للأبد، ولو قلت: نعم لوجب"، ولما قتل النضر بن الحارث ثم أنشدته ابنته:
ما كان ضرك لو مننت وربما ... منَّ الفتى وهو المغيظ المحنق
فقال ﵇: "لو سمعته ما قتلته" (**). وأجيب يجوز أن يكون خير فيه معينًا ويجوز أن يكون بوحى).
أقول: هذه تعرف بمسألة التفويض وهو أنه يفوض الحكم إلى المجتهد فيقال له احكم بما شئت فإنه صواب وفى جوازه خلاف، والمختار جوازه وتردد الشافعى فيه والمجوزون اختلفوا فى وقوعه، والمختار أنه لم يقع لنا فى الجواز ليس ممتنعًا لذاته قطعًا، فلو كان ممتنعًا لكان ممتنعًا لغيره واللازم منتف إذ الأصل عدم المانع.
قالوا: أولًا: التفويض إلى العبد مع جهله بما فى الأحكام من المصالح يؤدى إلى انتفاء المصالح لجواز أن يختار ما المصلحة فى خلافه فيكون باطلًا.
الجواب: الكلام فى الجواز لا فى الوقوع وغايته أنه يؤدى إلى جواز انتفاء المصالح لا إلى انتفائها وذلك مذهبنا الذى نقول به ولئن سلم فلا نسلم أن جهله بالمصالح مستلزم لانتفاء المصالح، وذلك لأنه إنما أمر بذلك حيث علم أنه يختار ما فيه المصلحة فيكون المصلحة لازمة لما يختاره وإن جهل المصلحة.
القائلون بالوقوع قالوا: أولًا: قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا
стр. 1984
حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]، ولا يتصور تحريمه على نفسه إلا بتفويض التحريم إليه وإلا كان المحرم هو اللَّه.
الجواب: لا نسلم أنه لا يتصور إلا بالتفويض بل قد يحرم على نفسه بدليل ظنى.
قالوا: ثانيًا: قال ﷺ فى مكة عظمها اللَّه: "لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها"، فقال العباس: إلا الإذخر، فقال ﷺ : "إلا الإذْخر" دل على تفويض الحكم إلى رأيه حتى يطلق ابتداء ويستثنى بالتماس العباس مع ظهور أنه لم ينزل الوحى فى تلك اللحظة الخفيفة إذ لم تظهر علاماته.
الجواب: بأحد أمورٍ ثلاثة: إما بأن الإذخر ليس من الخلا فيكون دليل العباس أو دليل جواز الاختلاء هو الاستصحاب، فيكون الاستثناء منقطعًا وهو سائغ وشائع ولو مجازًا إذ المعنى لكن الإذخر يختلى وإما بأن الإذْخر من الخلا، لكن لم يرد بالعموم تخصيصًا وصرفًا له عن ظاهره وفهمه السائل أنه لم يرد فصرح بالمراد تحقيقًا، لما فهمه بانضمام التقرير إليه فقيل ذلك تقريرًا لما فهم السائل فإن قيل إذا لم يرد فكيف يصح استثناؤه من القول الأول مع عدم دخوله وقد علمت بطلان ذلك فى تقرير الاستثناء قلنا ليس استثناء منه بل يقدر تقريره لقوله لا يختلى خلاها كأنه قال: لا يختلى خلاها إلا الإذخر وسوغ له ذلك اتحاد معناهما وأما بأنه من الخلا وأريد بالأول ونسخ فإن قيل كيف النسخ والاستثناء يأبى ثبوت الحكم له قلنا ليس الاستثناء من الأول بل بتقدير التكرير فتقديره لا يختلى خلاها إلا الإذخر فأطلق أولًا لثبوت الحكم مطلقًا ثم استثنى لورود نسخه بوحى سريع كلمح البصر وإثبات عدمه بعدم علامته لا يصح لأن مثله لا يظهر فيه علامة إنما ذلك فيما يطول زمانه.
قالوا: ثالثًا: قال ﷺ : "لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك". وهو صريح فى أن الأمر وعدمه إليه وأنه سئل فى حجة الوداع: أحجنا هذا لعامنا هذا أو للأبد؟ فقال: "بل للأبد، ولو قلت نعم لوجب". وهو صريح فى أن قوله المجرد من غير وحى يوجب وأنه لما قتل النضر بن الحارث ثم أنشدته ابنته:
أمحمد ولأنت نجل نجيبة ... فى قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق
стр. 1985
قال: "لو سمعت ما قتلته". فدل أن القتل وعدمه إليه.
الجواب: يجوز أن يكون قد خير فيها معينًا فقيل له لك أن تأمر وأن لا تأمر ونحوه ويجوز أن يكون بوحى نزل بأنه لو شفع فيه فأقبل ونحوه.
قوله: (احكم بما شئت) أى من غير اجتهاد وإلا فلا نزاع فى الجواز.
قوله: (لنا فى الجواز) بمثله يمكن الاستدلال على عدم الوقوع أو لا بد للوقوع من دليل والأصل عدمه فإن قيل أليس قد سبق فى مسألة تقليد المجتهد أنه لو جاز لكان الدليل والأصل عدمه وأن الامتناع نفى يكفيه عدم الدليل قلنا ذاك جراز وامتناع شرعى بمعنى الإذن فى التقليد وعدم الإذن وهذا عقلى بمعنى أنه هل يجوز التفويض أم لا.
قوله: (حتى يطلق ابتداء) تقرير البعض أنه لو لم يجز التفويض لما جاز له من تلقاء نفسه التحريم والاستثناء والأظهر ما أشعر به كلام المصنِّف وهو أن الذى من تلقاء نفسه هو الاستثناء لأن صدر الحديث وهو قوله: "إن اللَّه حرم مكة يوم خلق السموات والأرض لا يختلى خلاها"، مشعر بأن التحريم كان من اللَّه وأما الأجوبة فحاصلها أنا لا نسلم لفظ الخلا متناول للإذخر ولو سلم فلا نسلم إرادته منه حتى يحتاج إلى الاستثناء ولو سلم فلا نسلم عدم دخوله تحت حكم التحريم ولما ورد على الأخيرين أنه لا يصلح الاستثناء حينئذٍ لأن المستثنى يجب أن يكون مرادًا بحسب دلالة اللفظ غير مراد بحسب الحكم أجاب أنه ليس مستثنى من الخلا المذكور بل يقدر ما هو تكرير اللفظ الأول ويقصد فيه دخول الإذخر بحسب دلالة اللفظ دون إرادة الحكم فقوله وإما بأن الإذخر من الخلا يعنى أن اللفظ صالح له لكنه ليس بمراد من عموم لفظ خلاها على تخصيصه عنه وصرف اللفظ عن ظاهره حيث أريد به بعض ما هو مدلوله والسائل أى السامع وهو العباس قد فهم أنه ليس بمراد فصرح بما هو المراد وهو قصر اللفظ على البعض ليتحقق ما فهمه بأن ينضم إليه تقرير النبى ﵇ إياه فقال ﵇: "إلا الإذخر" ليتقرر ما فهمه لا ليخرج عن لفظ خلاها المذكور بعض ما هو داخل تحت الدلالة غير داخل تحت الحكم فاستثناء العباس رضى اللَّه عنه وتقرير النبى ﵇ إياه ليس من لفظ خلاها المذكور بل من مقدر مكرر والذى جوز للعباس تقدير التكرير مع أن المذكور
стр. 1986
غير متناول للإذخر بحسب الدلالة أيضًا هو اتحاد معنى قولنا لا يختلى خلاها بحسب اللغة سواء كان الإذخر مرادًا منه أو لم يكن وتقرير الثالث أنه ﵇ حين قال لا يختلى خلاها اليوم كان الإذخر داخلًا بحسب حكم التحريم فنسخ تحريم الإذخر خاصة بوحى سريع فقال: إلا الإذخر بتقدير لا يختلى خلاها إلا الإذخر مرادًا بالخلا فى هذا القدر ما يتناول الإذخر دلالة لا حكمًا على ما هو قاعدة الاستثناء المتصل وفى بعض الشروح أن الاستثناء على الثانى أيضًا منقطع كما إذا قيل جاءنى القوم إلا زيدًا مرادًا بالقوم من عداه ويحتمل الاتصال بأن الإذخر مراد من حيث إن العباس فهم الإرادة وإن لم يرده النبى ﵇ ولما ورد أن عدم الإرادة ينافى صحة الاستتناء أجاب بأنا لو قدرنا أن استثناءه ﵇ تكرير لاستثناء العباس حتى يكون معناهما واحدًا ولا لكون أحدهما منقطعًا والآخر متصلًا صح حينئذٍ لفهم العباس إرادة الإذخر وتكون صحة الاستثناء لذلك الفهم لا للإرادة فى نفس الأمر وفى شرح العلامة سلمنا أن الإذخر من الخلا لكن لم يرده النبى ﵇ بعموم خلاها ليحرم ثم يحل وكون المستثنى مرادًا بالمستثنى منه إنما يجب فيما إذا كان الاستثناء تحقيقًا وما هنا يجوز أن يكون استثناء النبى ﵇ تقريرًا لما فهمه السائل وإذا لم يرده لا يكون لما ذكره تكريرًا للاستثناء وبتقدير تكريره إنما صح استثناؤه لأنه لما علم أن السائل فهم الدخول والإرادة ولهذا تابعه النبى ﵇ فى تكرير الاستثناء بناء على ما فهمه لا أنه مستثنى عند النبى والظاهر أن غير المحقق لم يحم حول مقصود المصنِّف، قال فى المنتهى: وأجيب بأن الإذخر ليس من الخلا فيكون جائزًا بدليل الاستصحاب أو منه لكنه لم يرد بالعموم وصح استثناؤه تقريرًا لما فهمه السائل وقدر تكريره لأن المعنى واحد ومنه وأريد ونسخ بوحى أسرع من لمح البصر.
قوله: (وإثبات عدمه) دفع لما ذكره المستدك من أنه لم ينزل الوحى فى تلك اللحظة الحقيقية لعدم ظهور علامته يعنى أن ظهور العلامات إنما يكون فى الوحى المتدرج لا فيما هو كلمح البصر.
قوله: (لما قتل النضر بن الحارث) كان رسول اللَّه ﵇ تأذى به قتله صبرًا وكان من جملة أذاه أنه كان يقرأ الكتب فى أخبار العجم على العرب ويقول: محمد يأتيكم بأخبار عاد وثمود وأنا منبئكم بأخبار الأكاسرة والقياصرة يريد بذلك
стр. 1987
القدح فى نبوته فجاءت ابنته قتيلة إلى حضرة النبى ﵇ وأنشدته أبياتًا هى هذه:
يا راكبًا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق
بلغ به ميتًا فإن نجية ... ما إن تزال بها الركائب تخفق
منى إليه وعبرة مسفوحة ... جادت لمائحها وأخرى تحنق
فليسمعن النضر إن ناديته ... إن كان يسمع ميت أو ينطق
ظلت سيوف بنى أبيه تنوشه ... للَّه أرحام هناك تشقق
أمحمد ولأنت نجل نجيبة ... فى قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق
والنضر أقرب من أصبت وسيلة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق
نونت المنادى ضرورة والمعنى أنت كريم الطرفين يقال: هذا عريق فى الكرم إذا كان متناهيًا فيه أو استفهامية والمعنى أى شئ كان يضرك لو عفوت والفتى وإن كان مغضبًا مضجرًا منطويًا على حنق وحقد وعداوة قد يمن ويعفو وفى هذا اعتراف بالذنب، فرق لها النبى ﵇ وبكى، وقال: "لو جئتنى قبل لعفوت عنه"، ثم قال: "لا يقتل قرشى بعد هذا صبرًا".
قوله: (ويجوز أن يكون قد خير فيها) أى فى هذه الصورة على التعيين بأن قيل له لك أن تأمر بالسواك وأن لا تأمر وأن تجعل الحجة للعام وللأبد وأن تقتل النضر وأن تعفو ولا يلزم من هذا جواز التفويض مطلقًا.
المصنف: (أن يقال للمجتهد) أى يقال من قبل اللَّه تعالى للمجتهد سواء كان نبيًا أو عالمًا.
المصنف: (قالوا يؤدى إلى انتفاء المصالح) مردود بأنه إذا قيل له من قبل اللَّه تعالى احكم بما ثبت فهو صواب لا يكون إلا لمصلحة إذا حكم.
الشارح: (لو قلت نعم لوجب) أجيب بأن مدلوله الوجوب على تقدير قوله نعم وهذا صحيح لأنه ﵊ لا يقولها إلا إذا كان الحكم كذلك ولكل من أين أن الحكم يكون كذلك فقد يكون ممتنعًا وقوله نعم لا يدل على جواز أن يقول نعم لأن الشرطية لا تدل على جواز الشرط الذى فيها قاله الإسنوى.
стр. 1988
قوله: (أقول أليس قد سبق. . . إلخ) أى فمقتضاه أن التفويض لا يجوز.
قوله: (يا راكبًا إن الأثيل مظنة) الأثيل بضم الهمزة وفتح الثاء الثلثة موضع فيه قبر النضر بالصفراء والمظنة المنزل العلم ومن صبح خامسة أى ليلة خامسة لليلة التى يبتدأ منها المسير إلى الأثيل، ومن كلامهم إذا خرجت من هذا المكان فموضع كذا مظنة من عشية يوم كذا ومفعول بلغ الثانى محذوف أى تحيتى لدلالة ما بعده وهو قوله: فإن تحية عليه منى تخفق تضطرب ومنى متعلق بمضمر دل عليه قوله: أبلغ أى أوصل، وعبرة معطوف على المفعول المحذوف، ومسفوحة أى مصبوبة، وجادت لمائحها أى أجابت داعيها وساعدت مستقيها وأصل المائح المستقى، وأخرى عطف على عبرة وتخنق أى وأبلغ إليه عبرة أخرى قد خنقتنى، وقوله وظلت سيوف بنى أبيه هو تحسر منها لما جرى على أبيها تريد: صارت سيوف إخوته تتناوله بعد أن كانت تذب عنه ثم قالت كالمستعطفة: للَّه أرحام وقرابات فى ذلك المكان قطعت واللام فى للَّه للتعجب وكانت عادتهم إذا استعظموا أمرًا نسبوه للَّه تفخيمًا لأمره والمغيظ اسم مفعول كالمحنق والمعرق اسم مفعول من أعرق مبنى للمجهول أى له عرق فى الكرم وبالبناء للفاعل بمعنى المنتجع والمعنى أنت كريم الطرفين.
стр. 1989
قال: (مسألة: المختار أنه ﷺ لا يقر على خطأ فى اجتهاده وقيل بنفى الخطأ لنا لو امتع لكان لمانع والأصل عدمه وأيضًا: ﴿لِمَ أَذِنْتَ﴾ [التوبة: ٤٣]، ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ. . .﴾ [الأنفال: ٦٧]، حتى قال: "لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه غير عمر" لأنه أشار بقتلهم، وأيضًا: "إنكم تختصمون إلىَّ ولعل أحدكم ألحن بحجته، فمن قضيت له بشئ من مال أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار". وقال: "أنا أحكم بالظاهر"، وأجيب بأن الكلام فى الأحكام لا فى فصل الخصومات، ورد بأنه مستلزم للحكم الشرعى المحتمل، قالوا: لو جاز لجاز أمرنا بالخطأ وأجيب بثبوته للعوام، قالوا: الإجماع معصوم فالرسول أولى، قلنا اختصاصه بالرتبة واتباع الإجماع له يدفع الأولوية فيتبع الدليل، قالوا: الشك فى حكمه مخل بمقصود البعثة وأجيب بأن الاحتمال فى الاجتهاد لا يخل بخلاف الرسالة والوحى).
أقول: بناء على أن النبى ﷺ يجوز له الاجتهاد فهل يجوز عليه الخطأ فيه؟ فيه خلاف، وعلي تقدير جوازه فإذا وقع هل يقرر عليه أو ينبه على الخطأ؟ المختار أنه لا يقرر لنا من المعقول أنه لو امتنع عليه الخطأ لكان لمانع لأنه ممكن لذاته والأصل عدم المانع ولنا أيضًا من الكتاب قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]، فدل أن أذنهم كان خطأ، وقوله تعالى فى المفاداة يوم بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] الآية، حتى قال ﷺ : "لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه غير عمر" (*)، وذلك لأنه أشار بقتلهم وغيره أشار بالفداء، فدل أن المفاداة سنه خطأ ولنا أيضًا من السنة قوله ﷺ : "إنكم تختصمون إلىَّ ولعل أحدكم ألحن بحجته، فمن قضيت له بشئ من مال أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار" (**)، وقوله: "أنا أحكم بالظاهر" (***)، فدل أنه قد يقضى بما لا يكون حقًا، وأنه قد يخفى عليه الباطن وقد أجيب عن هذا بأنه إنما يدل على خطئه فى فصل الخصومات وهو غير محل النزاع فإن الكلام فى الأحكام لا فى فصل الخصومات، وجوابه أن فصل
стр. 1990
الخصومات مستلزم للحكم الشرعى بأن المال حلال لزيد حرام لعمرو وأنه يحتمل الصواب والخطأ فيكون خطؤه فى الحكم الشرعى جائزًا، وقد يجاب عنه بأن الخطأ فى الحكم الشرعى لمعين للخطأ فى اندراجه تحت عموم قد أصيب فى حكمه لا يكون خطأ فى الاجتهاد مثل هذا حرام لاعتقاده خمرًا ولا يكون خمرًا.
قالوا: لو جاز لجاز كوننا مأمورين بالخطأ واللازم ظاهر البطلان بيان الملازمة، أنا مأمورون باتباعه فلو كان ما أفتى به خطأ لكنا مأمورين بالخطأ.
الجواب: منع بطلان اللازم لثبوته فى حق العوام حيث أمروا باتباع المجتهد ولو كان خطأ.
قالوا: ثانيًا: الإجماع معصوم عن الخطأ لكون أهله أمة الرسول فخصوا بهذا الشرف لكونهم أمة الرسول فالرسول نفسه أولى أن يحصل له كهذا الشرف.
الجواب: أن اختصاصه بالرتبة المعينة، وهى رتبة النبوة التى هى أعلى مراتب المخلوقين وكون أهل الإجماع الذين لهم رتبة العصمة متبعين له يدفع أولويته برتبة العصمة وذلك كرتبة القضاء لا تكون للإمام ورتبة الإمارة لا تكون للسلطان، ثم لا يعود عليهما ذلك بضير ولا نقص فكذا ههنا، وإذا جاز أن يكون وأن لا يكون فالدليل هو المتبع، وقد دل على جواز الخطأ.
قالوا: ثالثًا: تجويز الخطأ عليه يوجب الشك فى قوله أصواب هو أم خطأ، وذلك مخل بمقصود البعثة، وهو الوثوق بما يقول أنه حكم اللَّه تعالى.
الجواب: أن جواز الخطأ فى الاجتهاد لا يوجب ذلك، وإنما يخل بالبعثة جواز الخطأ فى الرسالة وما يبلغه من الوحى بأن يغير ويبدل وانتفاؤه معلوم بدلالة تصديق المعجزة.
قوله: (وإذا وقع هل يقرر) كلامه مشعر بأن ههنا خلافًا فى جواز الخطأ وعدمه وعلى تقدير الوقوع فى التقرير وعدمه وأن المختار عدم التقرير إلا أن أدلة الطرفين إنما هى على جواز الخطأ وعدمه والمذكور فى شرح العلامة أن عدم التقرير على الخطأ اتفاق لا مختار وإنما الخلاف فى أنه هل يجوز أن يقع بشرط عدم التقرير عليه أم لا يجوز أصلًا.
قوله: (والأصل عدم المانع) اعترض بأن علو رتبته وكمال عقله وقوة حدسه
стр. 1991
وفهمه مانع.
قوله: (وقد يجاب) جواب عن الاعتراض على جواب دليل السنة يعنى أن الخلاف إنما هو فى الخطأ فى استنباط الحكم الشرعى عن أماراتها لا فى الخطأ فى ثبوت الحكم الشرعى بمعين بناء على الخطأ فى أنه هل يندرج تحت العموم الذى أثبت له حكم صواب كما إذا جزم بأن الخمر حرام ثم زعم أن هذا المائع خمر فجزم بحرمته فإن الاندراج وعدمه ليس من الأحكام الشرعية.
قوله: (لثبوته فى حق العوام) قد يتكلم على هذا السند بأنهم مأمورون بالاتباع وهو ليس بخطأ وإنما الخطأ الحكم الذى أدى إليه الاجتهاد وأنت خبير بأنه لا معنى للأمر بالاتباع سوى الأمر بالفعل على الوجه الذى أفتوا به.
стр. 1992
قال: (مسألة المختار أن النافى مطالب بدليل وقيل فى العقلى لا الشرعى لنا لو لم يكن لكان ضروريًا نظريًا وهو محال وأيضًا الإجماع على ذلك فى دعوى الوحدانية والقدم، وهو نفى الشريك ونفى الحدوث النافى لو لزم لزم منكر مدعى النبوة وصلاة سادسة ومنكر الدعوى، وأجيب بأن الدليل يكون استصحابًا مع عدم الدافع وقد يكون انتفاء لازم ويستدل بالقياس الشرعى بالمانع وانتفاء الشرط على النفى بخلاف من لا يخصص العلة).
أقول: النافى للحكم هل عليه أن يقيم الدليل على انتفائه أم لا؟ المختار أنه مطالب بالدليل، وقيل يطالب فى الحكم العقلى دون الشرعى لنا أنه إذا ادعى علمًا بنفى أمر غير ضرورى وجودًا وعدمًا فإن لم يحتج إلى طريق يفضى إليه لكان ضروريًا والمفروض خلافه فيكون ضروريًا نظريًا هذا خلف، ولنا أيضًا الإجماع على ذلك فى دعوى وحدانية اللَّه وهى نفى الشريك وفى دعوى قدمه وهو نفى الأول والحدوث عنه فيبطل السلب الكلى، ثم نقول فثبت الإيجاب الكلى إذ لا قائل بالفصل، دليل النافى للمطالبة بالدليل لو لزم كل مدع لنفى أن يقيم الدليل عليه للزم منكر دعوى الرسالة أن يقيم الدليل على عدم رسالته وكذلك منكر وجوب صلاة سادسة، وكذلك المدعى عليه المنكر لما يدعى عليه على عدم لزومه له واللوازم الثلاثة ظاهرة البطلان.
الجواب: أن الدليل قد يكون هو استصحاب الأصل مع عدم الرافع وذلك محقق فى منكر الدعوى ولذلك لا يطالب بذكره وقد يكون انتفاء لازم وهو متحقق فى الصلاة السادسة إذ الاشتهار من لوازمها عادة، وقد انتفى وكذا فى دعوى الرسالة إذ لازمها وجود المعجز عادة، وقد انتفى والحاصل منع بطلان اللوازم فإن الثلاثة مطالبون بالدليل لكنه مقرر معلوم عند الجمهور فلا حاجة إلى التصريح به وإذا قلنا النافى مطالب بالدليل فالنافى للحكم الشرعى هل يجوز له الاستدلال بالقياس قد اختلف فيه؟ والحق أنه إنما يستدل به إذا كان الجامع عدم شرط أو وجود مانع لا باعثًا فإن عدم الحكم لا يكون لباعث بل يكفى فيه عدم الباعث على الحكم وذلك إنما يصح عند من يجوز تخلف الحكم عن علته ولا يجعله قادحًا فى العلية إذا كان لمانع أو عدم شرط كما مر فهو فرع تخصيص العلة فجوزناه لجوازه عندنا ومن لا يجوزه لا يجوز.
стр. 1993
قوله: (وجودًا وعدمًا) قيد بذلك لأنه لو كان ضروريًا وجودًا كان نفيه بديهى الاستحالة فلا تسمع دعواه أو كان ضروريًا عدمًا كان نفيه غنيًا عن الدليل.
قوله: (فيكون ضروريًا نظريًا) لا حاجة إليه لأن لزوم كونه ضروريًا على تقدير كونه غير ضرورى كاف فى الاستحالة.
قوله: (إذ لا قائل بالفصل) محل نظر لأنا قائلون بافتقار ما هو فى صورة الإثبات كالوحدانية والقدم ونحو ذلك إلى الدليل بخلاف ما هو نفى محض كيف وقد سبق مرارًا أن النفى يكفيه عدم دليل الثبوت وأن جعل مثل هذا دليل النفى بأن يقال هذا منفى لعدم دليل ثبوته فلا نزاع فى أنه لا بد منه لكن لا معنى للمطالبة ولا يصلح أن يكون مثله مسألة خلافية.
قوله: (وذلك محقق فى منكر الدعوى) أى ما يدعى عليه فإن الأصل براءة الذمة فلا يحتاج إلى إقامة دليل آخر ولا يخفى أن هذا جاز فى منكر الرسالة ووجوب الصلاة السادسة للقطع بأن الأصل عدم ذلك إلا أنه حاول التنبيه على تحقق دليل آخر هو انتفاء لازم الثبوت.
قوله: (كما مر) فى بحث النقض جواز تخلف الحكم عن المقتضى لتحقق مانع أو انتفاء شرط ويسمى تخصيص العلة فمن جوزه جوز الاستدلال بالقياس فى نفى الحكم الشرعى بأن يقاس على صورة أثبت فيها نفى الحكم لوجود المانع أو انتفاء الشرط ومن لم يجوزه لم يجوز الاستدلال بالقياس لأن تحقق العلة يستلزم تحقق الحكم البتة لامتناع التخلف فحيث ينتفى الحكم لا يكون ذلك إلا لانتفاء العلة ومثله ليس من القياس فى شئ.
стр. 1994
(التقليد والمفتى والمستفتى وما يستفتى فيه)
قال: (التقليد والمفتى والمستفتى وما يستفتى فيه: فالتقليد العمل بقول غيرك من غير حجة وليس الرجوع إلى الرسول وإلى الإجماع والعامى إلى المفتى والقاضى إلى العدول بتقليد لقيام الحجة ولا مشاحة فى التسمية والمفتى الفقيه وقد تقدَّم والمستفتى خلافه فإن قلنا بالتجزئة فواضح والمستفتى فيه المسائل الاجتهادية لا العقلية على الصحيح).
أقول: لما فرغ من الاجتهاد شرع فى مقابله وهو الاستفتاء والبحث فيه عن المقلد والمفتى والاستفتاء وما فيه الاستفتاء ففيه أربعة أبحاث:
الأول: التقليد: وهو العمل بقول الغير من غير حجة كأخذ العامى والمجتهد بقول مثله وعلى هذا فلا يكون الرجوع إلى الرسول تقليدًا له وكذا إلى الإجماع وكذا رجوع العامى إلى المفتى وكذا رجوع القاضى إلى العدول فى شهادتهم وذلك لقيام الحجة فيها فقول الرسول بالمعجز والإجماع بما مر فى حجيته، وقول الشاهد والمفتى بالإجماع ولو سمى ذلك أو بعض ذلك تقليدًا كما سمى فى العرف أخذ المقلد العامى بقول الفتى تقليدًا فلا مشاحة فى التسمية، والاصطلاح.
الثانى: فى المفتى: وهو الفقيه وقد تقدم تعريف الفقه، ويعلم منه الفقيه لأنه من قام به الفقه.
الثالث: المستفتى: وهو خلافه فإن لم نقل بتجزؤ الاجتهاد وهو كونه مجتهدًا فى بعض المسائل دون بعض فكل من ليس مجتهدًا فى الكل فهو مستفت فى الكل وإن قلنا به فالأمر واضح أيضًا فإنه مستفت فيما ليس مجتهدًا فيه، مفت فيما هو مجتهد فيه، ولا يمتنع ذلك لأن شرط التقابل اتحاد الجهات.
الرابع: المستفتى فيه: المسائل الاجتهادية ولا استفتاء فى المسائل العقلية على القول الصحيح لوجوب العلم بها بالنظر والاستدلال كما سنقرر.
قوله: (شرع فى مقابله) إشارة إلى أن البحث عن التقليد بالعرض، ومن جهة أنه مقابل الاجتهاد، وبهذا يصح انحصار مقاصد الكتاب فى الأدلة السمعية
стр. 1995
والاجتهاد والترجيح.
قوله: (بقول مثله) أى كأخذ العامى وأخذ المجتهد بقول المجتهد والمراد بالقول ما يعم الفعل والتقرير تغليبًا.
قوله: (لأن شرط التقابل) يعنى أن المفتى والمستفتى إنما يكونان متقابلين ممتنعى الاجتماع عند اتحاد متعلقهما وأما إذا اعتبر كونه مفتيًا فى حكم ومستفتيًا فى آخر فلا.
стр. 1996
قال: (مسألة: لا تقليد فى العقليات كوجود البارى تعالى، وقال العنبرى بجوازه، وقيل النظر فيه حرام لنا الإجماع على وجوب المعرفة والتقليد لا يحصل لجواز الكذب ولأنه كان يصلح بحدوث العالم وقدمه ولأنه لو حصل لكان نظريًا ولا دليل، قالوا: لو كان واجبًا لكانت الصحابة أولى ولو كان لنقل كالفروع، وأجيب بأنه كذلك وإلا لزم نسبتهم إلى الجهل باللَّه وهو باطل، وإنما لم ينقل لوضوحه وعدم المحوج إلى الإكثار قالوا: لو كان لألزم الصحابة العوام لذلك، قلنا: نعم وليس المراد تحرير الأدلة، والجواب عن الشبه والدليل يحصل بأيسر نظر قالوا: وجوب النظر دور عقلى وقد تقدم، قالوا: مظنة الوقوع فى الشبه والضلالة بخلاف التقليد قلنا فيحرم على المقلد أو يتسلسل).
أقول: قد اختلف فى جواز التقليد فى العقليات من مسائل الأصول كوجود البارى وما يجوز له ويجب ويمتنع من الصفات قال عبد اللَّه العنبرى بجوازه، وقال طائفة بوجوبه وإن النظر والبحث فيه حرام، لنا أن الأمة أجمعوا على وجوب معرفة اللَّه تعالى وأنها لا تحصل بالتقليد لثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يجوز الكذب على المخبر فلا يحصل بقوله العلم.
ثانيها: أنه لو أفاد العلم لأفاده بنحو حدوث العالم من المسائل المختلف فيها فإذا قلد واحد فى الحدوث والآخر فى القدم كانا عالمين بهما فيلزم حقيتها وأنه محال.
ثالثها: أن التقليد لو حصل العلم فالعلم بأنه صادق فيما أخبر به إما أن يكون ضروريًا أو نظريًا لا سبيل إلى الأول بالضرورة وإذا كان نظريًا فلا بد له من دليل والمفروض أنه لا دليل إذ لو علم صدقه بدليل لم يبق تقليد.
القائلون بجواز التقليد فيها قالوا: أولًا: لو كان النظر واجبًا لكانت الصحابة أولى به ولو كان منهم النظر فى العقليات والأصول لنقل كما نقل نظرهم فى الاجتهاديات والفروع، فلما لم ينقل علم أنه لم يقع.
الجواب: نلتزم أن الصحابة أولى به وقد نظروا وإلا لزم نسبتهم إلى أنهم كانوا جاهلين باللَّه وبصفاته وأنه باطل بالإجماع، قولكم لو كان لنقل؟ قلنا إنما لم ينقل لوضوح الأمر عندهم وعدم ما يحوج إلى إكثار النظر والبحث على ما هو موجود فى زماننا من عدم مشاهدة الوحى وصفاء الأذهان مع كثرة الشبه التى تحدث حينًا فحينًا حتى اجتمعت لنا بخلاف الاجتهاديات لأنها خفية تتعارض فيها الأمارات
стр. 1997
فاحتاجت إلى إكثار النظر والبحث.
قالوا: ثانيًا: لو كان واجبًا لألزم الصحابة العوام بذلك، واللازم باطل، فإنا نعلم أن أكثر عوام العرب لم يكونوا عالمين بالأدلة الكلامية وأن الأعرابى الجلف والأمة الخرساء يحكم بإسلامهم بمجرد الكلمتين.
الجواب: أنهم ألزموهم وليس المراد تحرير الأدلة بالعبارات المصطلح عليها ودفع الشكوك الواردة فيها إنما المراد الدليل الجملى بحيث يوجب الطمأنينة ويحصل بأيسر نظر وكانوا يعلمون منهم العلم به كما قال الأعرابى: البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام على المسير، أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج لا تدل على اللطيف الخبير.
القائلون بوجوب التقليد فيها قالوا: النظر فيها مظنة الوقوع فى الشبه والضلال لاختلاف الأذهان والأنظار بخلاف التقليد فإنه طريق آمن فوجب احتياطًا ولوجوب الاحتراز عن مظنة الضلال إجماعًا.
والجواب: أن ما ذكرتم يوجب أن يحرم النظر على المقلد أيضًا لأنه مظنتهما فتقليده فيما يحتملهما أجدر بأن يحرم فإن نظر فممتنع، وإن قلد فيه فالكلام عائد فى مقلده ويلزم التسلسل.
قوله: (فإذا قلد واحد) يشير إلى أن لزوم حقية النقيضين مفتقر إلى اعتبار تعدد المقلدين بأن يحصل لزيد العلم بحدوث العالم تقليدًا منه لمن يقول به ولعمرو العلم بقدمه تقليدًا لمن يقول به والعلم يستدعى المطابقة فيستلزم حقية القدم والحدث وقرره بعض الشارحين إن زيدًا إذا قلد القائل بالحدوث حصل له بالعلم به وإذا قلد القائل بالقدم حصل له العلم به وعدل عنه المحقق لإمكان المناقشة بأنه إذا قلد القائل بالحدوث لم يمكنه تقليد القاتل بالقدم كما مر فى تواتر النقيضين وما ذكر فى بعض الشروح من أن النظر أيضًا قد يفضى مرة إلى الحدوث ومرة إلى القدم مدفوع بأن المفضى إلى العلم إنما هو النظر الصحيح وبهذا يندفع اعتراضه على الأول بأن الحاصل بالنظر أيضًا يحتمل الخطأ.
قوله: (إذ لو علم صدقه بدليل) مشعر بأن المعتبر فى نفى التقليد قيام الحجة على صدق المخبر وما سبق فى تعريف الفعلية مشعر بأن المعتبر قيام الحجة على
стр. 1998
وجوب العمل بقوله والجواب أن أحدهما فى قوة الآخر.
قوله: (وكانوا) أى الصحابة يعلمون من العوام أنهم عامون بالدليل الجملى واعلم أن من الشبه المذكورة فى المتن هو أن وجوب النظر دور عقلى ولا تعرض له فى الشرح وتقريره أنه لو وجب النظر فإما على العارف وهو تحصيل للحاصل أو على غيره وهو دور عقلى أى دور تقدم لا دور معية لتوقف معرفة إيجاب اللَّه النظر على معرفة ذاته ومعرفة ذاته على النظر المتوقف على إيجابه والجواب أن الوجوب الشرعى غير متوقف على النظر كذا ذكره الآمدى والأحسن أن يقال معرفة إيجابه متوقفة على معرفة ذاته باعتبار ما والتوقف على النظر هو معرفة ذاته بوجه أتم على ما هو المتعارف من الاتصاف بصفة الكمال والتنزه عن النقيصة والزوال ولو سلم فالنظر لا يتوقف على إيجابه لجواز أن ينظر وإن لم يجب وبالجملة فقد تقدَّم ذلك فى مسألة الحسن والقبح.
قوله: (ولوجوب الاحتراز) عطف على احتياطًا وقوله على المقلد بفتح اللام أى الإِمام الذى يقلده المقلد وقوله لأنه أى لأن نظر ذلك الإمام مظنتهما أى مظنة الوقوع فى الشبه والضلال فتقليد المقلد إياه فيما يحتمل الضلال والوقوع فى الشبه أولى بأن يحرم لأن فيه ما فى الأول مع زيادة احتمال كذب الإمام فإضلاله مقلده فإن نظر الإمام فقد ذكرتم أن النظر ممتنع حرام لكونه مظنة الشبهة والضلال وإن قلد غيره ينقل الكلام إليه ويتسلسل فإن قيل ينتهى إلى الوحى أو الإلهام، أو نظر المؤيد من عند اللَّه بحيث لا يقع فيه الخطأ قلنا اتباع صاحب الوحى ليس تقليدًا بل علمًا نظريًا وكذا الإلهام ونظر التأييد فلا يصح أن التقليد واجب والنظر حرام مطلقًا ثم لا يخفى على المتأمل أن قوله فيحرم النظر على المقلد أو يتسلسل ليس على ما ينبغى والصواب ويتسلسل بالواو.
стр. 1999
قال: (مسألة: غير المجتهد يلزمه التقليد وإن كان عالمًا وقيل بشرط أن يتبين له صحة اجتهاده بدليله. لنا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وهو عام فيمن لا يعلم وأيضًا لم يزل المستفتون يتبعون من غير إبداء المستند لهم من غير نكير قالوا: يؤدى إلى وجوب اتباع الخطأ، قلنا: وكذلك لو أبدى مستنده وكذلك المفتى نفسه).
أقول: من لم يبلغ درجة الاجتهاد بلزمه التقليد سواء كان عاميًا أو عالمًا بطرف صالح من علوم الاجتهاد، وقيل إنما يلزم العالم التقليد بشرط أن يتبين له صحة اجتهاد المجتهد بدليله، لنا قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وهو عام فى جميع من لا يعلم العلم، فإن علة الأمر بالسؤال هو الجهل، والأمر المقيد بالعلة يتكرر بتكررها، فنقول وهذا غير عالم بهذه المسألة فيجب عليه فيها السؤال، ولنا أيضًا لم تزل العلماء يستفتون فيفتون ويتبعون من غير إبداء المستند وشاع وذاع ولم ينكر عليهم فكان إجماعًا، قالوا: القول بذلك يؤدى إلى وجوب اتباع الخطأ لجوازه.
الجواب: أنه مشترك الإلزام لأنه لو أبدى مستنده فالخطأ جائز، وكذلك المفتى نفسه يجب عليه اتباع اجتهاده مع جواز الخطأ والحل أن اتباع الظن واجب لأنه اتباع الظن وإن كان خطأ وإنما الممتنع اتباع الخطأ لأنه خطأ كما ينبئ عنه ترتيب الحكم على الوصف فى قولك: يجب اتباع الخطأ.
قوله: (يلزمه التقليد) يريد ما هو المتعارف من تسمية أخذ العامى بقول المجتهد تقليدًا وإن قامت الحجة على وجوب اتباعه إياه وإلا فقد سبق فى تعريف التقليد أن مثله ليس بتقليد.
قوله: (والأمر المقيد) فإن قيل ليس له كثير دخل فى التقرير فإن المقصود عموم الأفراد وهذا إنما يفيد عموم المرات قلنا الاحتياج بالآية يتوقف على عمومها فيمن لا يعلم وفيما لا يعلم والأول معلوم من عموم خطابات الشارع على ما سبق وإنما الخفاء فى الثانى وقد بينه الشارحون بأنه لو تناول بعض ما لا يعلم فإما بعينه فهو باطل لعدم الدلالة أو لا بعينه ويلزم منه تخصيص طلب فائدة والأمر بالسؤال ببعض الصور دون البعض وهو خلاف الأول ولما لاح عليه أثر الضعف بينه
стр. 2000
المحقق بأن الأمر مقيد بالعلة التى هى عدم العلم فكلما تحقق عدم العلم تحقق وجوب السؤال ويلزمه العموم فيما لا يعلم والدليل على العلية ما سبق فى بحث التخصيص أن الشرط اللغوى فى السببية أغلب ويستعمل فى الشرط الذى لم يكن للمسبب سواه ومبنى الاحتجاج على ما ثبت من أن الأمر أصله الوجوب وقد يقال الخلاف فى جواز الاجتهاد وحينئذ فالاحتجاج ظاهر.
قوله: (لجوازه) يعنى أن الخطأ جائز الوقوع وعلى تقدير وقوعه واجب الاتباع فلا يندفع بما قيل أنه لا يوجب وجوب اتباع الخطأ بل ما يحتمل الخطأ والجواب أنكم قائلون بأن المجتهد لو أبدى لغير المجتهد مستنده يجب على الغير اتباعه مع أن احتمال الخطأ بحاله لكون البيان ظنيًا وكذلك المجتهد يجب عليه اتباع اجتهاده مع احتماله الخطأ فما هو جوابكم فهو جوابنا وهذا التقرير مع وضوحه قد خفى على الشارحين فتوهموا أن المراد أن غير المجتهد إذا اجتهد وأفتى نفسه يجب عليه اتباع ظنه مع أن احتمال الخطأ فيه أقرب لعدم أهليته للاجتهاد ولما كان الجواب جدليًا أشار إلى التحقيق بأن الحكم المجتهد فيه متصف بأنه مظنون وبأنه خطأ فمن حيث إنه مظنون يجب اتباعه ومن حيث إنه خطأ يحرم ولا امتناع فى ذلك وإنما الممتنع وجوب اتباع الخطأ من حيث إنه خطأ.