قال: (مسألة: لا تقليد فى العقليات كوجود البارى تعالى، وقال العنبرى بجوازه، وقيل النظر فيه حرام لنا الإجماع على وجوب المعرفة والتقليد لا يحصل لجواز الكذب ولأنه كان يصلح بحدوث العالم وقدمه ولأنه لو حصل لكان نظريًا ولا دليل، قالوا: لو كان واجبًا لكانت الصحابة أولى ولو كان لنقل كالفروع، وأجيب بأنه كذلك وإلا لزم نسبتهم إلى الجهل باللَّه وهو باطل، وإنما لم ينقل لوضوحه وعدم المحوج إلى الإكثار قالوا: لو كان لألزم الصحابة العوام لذلك، قلنا: نعم وليس المراد تحرير الأدلة، والجواب عن الشبه والدليل يحصل بأيسر نظر قالوا: وجوب النظر دور عقلى وقد تقدم، قالوا: مظنة الوقوع فى الشبه والضلالة بخلاف التقليد قلنا فيحرم على المقلد أو يتسلسل).
أقول: قد اختلف فى جواز التقليد فى العقليات من مسائل الأصول كوجود البارى وما يجوز له ويجب ويمتنع من الصفات قال عبد اللَّه العنبرى بجوازه، وقال طائفة بوجوبه وإن النظر والبحث فيه حرام، لنا أن الأمة أجمعوا على وجوب معرفة اللَّه تعالى وأنها لا تحصل بالتقليد لثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يجوز الكذب على المخبر فلا يحصل بقوله العلم.
ثانيها: أنه لو أفاد العلم لأفاده بنحو حدوث العالم من المسائل المختلف فيها فإذا قلد واحد فى الحدوث والآخر فى القدم كانا عالمين بهما فيلزم حقيتها وأنه محال.
ثالثها: أن التقليد لو حصل العلم فالعلم بأنه صادق فيما أخبر به إما أن يكون ضروريًا أو نظريًا لا سبيل إلى الأول بالضرورة وإذا كان نظريًا فلا بد له من دليل والمفروض أنه لا دليل إذ لو علم صدقه بدليل لم يبق تقليد.
القائلون بجواز التقليد فيها قالوا: أولًا: لو كان النظر واجبًا لكانت الصحابة أولى به ولو كان منهم النظر فى العقليات والأصول لنقل كما نقل نظرهم فى الاجتهاديات والفروع، فلما لم ينقل علم أنه لم يقع.
الجواب: نلتزم أن الصحابة أولى به وقد نظروا وإلا لزم نسبتهم إلى أنهم كانوا جاهلين باللَّه وبصفاته وأنه باطل بالإجماع، قولكم لو كان لنقل؟ قلنا إنما لم ينقل لوضوح الأمر عندهم وعدم ما يحوج إلى إكثار النظر والبحث على ما هو موجود فى زماننا من عدم مشاهدة الوحى وصفاء الأذهان مع كثرة الشبه التى تحدث حينًا فحينًا حتى اجتمعت لنا بخلاف الاجتهاديات لأنها خفية تتعارض فيها الأمارات
стр. 1997
فاحتاجت إلى إكثار النظر والبحث.
قالوا: ثانيًا: لو كان واجبًا لألزم الصحابة العوام بذلك، واللازم باطل، فإنا نعلم أن أكثر عوام العرب لم يكونوا عالمين بالأدلة الكلامية وأن الأعرابى الجلف والأمة الخرساء يحكم بإسلامهم بمجرد الكلمتين.
الجواب: أنهم ألزموهم وليس المراد تحرير الأدلة بالعبارات المصطلح عليها ودفع الشكوك الواردة فيها إنما المراد الدليل الجملى بحيث يوجب الطمأنينة ويحصل بأيسر نظر وكانوا يعلمون منهم العلم به كما قال الأعرابى: البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام على المسير، أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج لا تدل على اللطيف الخبير.
القائلون بوجوب التقليد فيها قالوا: النظر فيها مظنة الوقوع فى الشبه والضلال لاختلاف الأذهان والأنظار بخلاف التقليد فإنه طريق آمن فوجب احتياطًا ولوجوب الاحتراز عن مظنة الضلال إجماعًا.
والجواب: أن ما ذكرتم يوجب أن يحرم النظر على المقلد أيضًا لأنه مظنتهما فتقليده فيما يحتملهما أجدر بأن يحرم فإن نظر فممتنع، وإن قلد فيه فالكلام عائد فى مقلده ويلزم التسلسل.
قوله: (فإذا قلد واحد) يشير إلى أن لزوم حقية النقيضين مفتقر إلى اعتبار تعدد المقلدين بأن يحصل لزيد العلم بحدوث العالم تقليدًا منه لمن يقول به ولعمرو العلم بقدمه تقليدًا لمن يقول به والعلم يستدعى المطابقة فيستلزم حقية القدم والحدث وقرره بعض الشارحين إن زيدًا إذا قلد القائل بالحدوث حصل له بالعلم به وإذا قلد القائل بالقدم حصل له العلم به وعدل عنه المحقق لإمكان المناقشة بأنه إذا قلد القائل بالحدوث لم يمكنه تقليد القاتل بالقدم كما مر فى تواتر النقيضين وما ذكر فى بعض الشروح من أن النظر أيضًا قد يفضى مرة إلى الحدوث ومرة إلى القدم مدفوع بأن المفضى إلى العلم إنما هو النظر الصحيح وبهذا يندفع اعتراضه على الأول بأن الحاصل بالنظر أيضًا يحتمل الخطأ.
قوله: (إذ لو علم صدقه بدليل) مشعر بأن المعتبر فى نفى التقليد قيام الحجة على صدق المخبر وما سبق فى تعريف الفعلية مشعر بأن المعتبر قيام الحجة على
стр. 1998
وجوب العمل بقوله والجواب أن أحدهما فى قوة الآخر.
قوله: (وكانوا) أى الصحابة يعلمون من العوام أنهم عامون بالدليل الجملى واعلم أن من الشبه المذكورة فى المتن هو أن وجوب النظر دور عقلى ولا تعرض له فى الشرح وتقريره أنه لو وجب النظر فإما على العارف وهو تحصيل للحاصل أو على غيره وهو دور عقلى أى دور تقدم لا دور معية لتوقف معرفة إيجاب اللَّه النظر على معرفة ذاته ومعرفة ذاته على النظر المتوقف على إيجابه والجواب أن الوجوب الشرعى غير متوقف على النظر كذا ذكره الآمدى والأحسن أن يقال معرفة إيجابه متوقفة على معرفة ذاته باعتبار ما والتوقف على النظر هو معرفة ذاته بوجه أتم على ما هو المتعارف من الاتصاف بصفة الكمال والتنزه عن النقيصة والزوال ولو سلم فالنظر لا يتوقف على إيجابه لجواز أن ينظر وإن لم يجب وبالجملة فقد تقدَّم ذلك فى مسألة الحسن والقبح.
قوله: (ولوجوب الاحتراز) عطف على احتياطًا وقوله على المقلد بفتح اللام أى الإِمام الذى يقلده المقلد وقوله لأنه أى لأن نظر ذلك الإمام مظنتهما أى مظنة الوقوع فى الشبه والضلال فتقليد المقلد إياه فيما يحتمل الضلال والوقوع فى الشبه أولى بأن يحرم لأن فيه ما فى الأول مع زيادة احتمال كذب الإمام فإضلاله مقلده فإن نظر الإمام فقد ذكرتم أن النظر ممتنع حرام لكونه مظنة الشبهة والضلال وإن قلد غيره ينقل الكلام إليه ويتسلسل فإن قيل ينتهى إلى الوحى أو الإلهام، أو نظر المؤيد من عند اللَّه بحيث لا يقع فيه الخطأ قلنا اتباع صاحب الوحى ليس تقليدًا بل علمًا نظريًا وكذا الإلهام ونظر التأييد فلا يصح أن التقليد واجب والنظر حرام مطلقًا ثم لا يخفى على المتأمل أن قوله فيحرم النظر على المقلد أو يتسلسل ليس على ما ينبغى والصواب ويتسلسل بالواو.
стр. 1999
قال: (مسألة: غير المجتهد يلزمه التقليد وإن كان عالمًا وقيل بشرط أن يتبين له صحة اجتهاده بدليله. لنا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وهو عام فيمن لا يعلم وأيضًا لم يزل المستفتون يتبعون من غير إبداء المستند لهم من غير نكير قالوا: يؤدى إلى وجوب اتباع الخطأ، قلنا: وكذلك لو أبدى مستنده وكذلك المفتى نفسه).
أقول: من لم يبلغ درجة الاجتهاد بلزمه التقليد سواء كان عاميًا أو عالمًا بطرف صالح من علوم الاجتهاد، وقيل إنما يلزم العالم التقليد بشرط أن يتبين له صحة اجتهاد المجتهد بدليله، لنا قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وهو عام فى جميع من لا يعلم العلم، فإن علة الأمر بالسؤال هو الجهل، والأمر المقيد بالعلة يتكرر بتكررها، فنقول وهذا غير عالم بهذه المسألة فيجب عليه فيها السؤال، ولنا أيضًا لم تزل العلماء يستفتون فيفتون ويتبعون من غير إبداء المستند وشاع وذاع ولم ينكر عليهم فكان إجماعًا، قالوا: القول بذلك يؤدى إلى وجوب اتباع الخطأ لجوازه.
الجواب: أنه مشترك الإلزام لأنه لو أبدى مستنده فالخطأ جائز، وكذلك المفتى نفسه يجب عليه اتباع اجتهاده مع جواز الخطأ والحل أن اتباع الظن واجب لأنه اتباع الظن وإن كان خطأ وإنما الممتنع اتباع الخطأ لأنه خطأ كما ينبئ عنه ترتيب الحكم على الوصف فى قولك: يجب اتباع الخطأ.
قوله: (يلزمه التقليد) يريد ما هو المتعارف من تسمية أخذ العامى بقول المجتهد تقليدًا وإن قامت الحجة على وجوب اتباعه إياه وإلا فقد سبق فى تعريف التقليد أن مثله ليس بتقليد.
قوله: (والأمر المقيد) فإن قيل ليس له كثير دخل فى التقرير فإن المقصود عموم الأفراد وهذا إنما يفيد عموم المرات قلنا الاحتياج بالآية يتوقف على عمومها فيمن لا يعلم وفيما لا يعلم والأول معلوم من عموم خطابات الشارع على ما سبق وإنما الخفاء فى الثانى وقد بينه الشارحون بأنه لو تناول بعض ما لا يعلم فإما بعينه فهو باطل لعدم الدلالة أو لا بعينه ويلزم منه تخصيص طلب فائدة والأمر بالسؤال ببعض الصور دون البعض وهو خلاف الأول ولما لاح عليه أثر الضعف بينه
стр. 2000
المحقق بأن الأمر مقيد بالعلة التى هى عدم العلم فكلما تحقق عدم العلم تحقق وجوب السؤال ويلزمه العموم فيما لا يعلم والدليل على العلية ما سبق فى بحث التخصيص أن الشرط اللغوى فى السببية أغلب ويستعمل فى الشرط الذى لم يكن للمسبب سواه ومبنى الاحتجاج على ما ثبت من أن الأمر أصله الوجوب وقد يقال الخلاف فى جواز الاجتهاد وحينئذ فالاحتجاج ظاهر.
قوله: (لجوازه) يعنى أن الخطأ جائز الوقوع وعلى تقدير وقوعه واجب الاتباع فلا يندفع بما قيل أنه لا يوجب وجوب اتباع الخطأ بل ما يحتمل الخطأ والجواب أنكم قائلون بأن المجتهد لو أبدى لغير المجتهد مستنده يجب على الغير اتباعه مع أن احتمال الخطأ بحاله لكون البيان ظنيًا وكذلك المجتهد يجب عليه اتباع اجتهاده مع احتماله الخطأ فما هو جوابكم فهو جوابنا وهذا التقرير مع وضوحه قد خفى على الشارحين فتوهموا أن المراد أن غير المجتهد إذا اجتهد وأفتى نفسه يجب عليه اتباع ظنه مع أن احتمال الخطأ فيه أقرب لعدم أهليته للاجتهاد ولما كان الجواب جدليًا أشار إلى التحقيق بأن الحكم المجتهد فيه متصف بأنه مظنون وبأنه خطأ فمن حيث إنه مظنون يجب اتباعه ومن حيث إنه خطأ يحرم ولا امتناع فى ذلك وإنما الممتنع وجوب اتباع الخطأ من حيث إنه خطأ.
стр. 2001
قال: (مسألة: الاتفاق على استفتاء من عرف بالعلم والعدالة أو رآه منتصبًا والناس مستفتون معظمون له وعلى امتناعه فى ضده، والمختار امتناعه فى المجهول، لنا أن الأصل عدم العلم وأيضًا الأكثر الجهال، والظاهر أنه من الغالب كالشاهد والراوى، قالوا: لو امتنع لذلك لامتنع فيمن علم سلمه دون عدالته، قلنا ممنوع ولو سلم فالفرق أن الغالب فى المجتهدين العدالة بخلاف الاجتهاد).
أقول: المستفتى إما أن يظن بالمفتى علمه وعدالته أو عدم علمه وعدالته أو يجهل حاله فيهما أما من ظن علمه وعدالته إما بالخبرة وإما بأن رآه منتصبًا للفتوى والناس متفقون على سؤاله وتعظيمه فيستفتيه بالاتفاق وأما من ظن عدم علمه أو عدم عدالته أو كليهما فلا يستفتيه اتفاقًا بقى المجهول، فإن كان مجهول العلم والجهل، وهو المجهول الذى فيه الكلام فالمختار امتناع استفتائه وإن كان معلوم العلم، مجهول العدالة فستعرف حاله فى الجواب والسؤال. لنا العلم شرط والأصل عدمه فلحق بغير العالم كالشاهد المجهول عدالته والراوى المجهول عدالته.
قالوا: لو امتنع فيمن جهل عليه بدليلكم لامتنع فيمن علم علمه وجهل عدالته بدليلكم بعينه لجريانه فيه واللازم منتفٍ.
الجواب: التزام الامتناع فيمن علم علمه وجهل عدالته لاحتمال الكذب ولو سلم فالفرق أن الغالب فى المجتهدين العدالة وليس الغالب فى العلماء الاجتهاد بل هو أقل القليل.
قوله: (إما بالخبرة وإما بأن رآه منتصبًا) إشارة إلى أن ما فى المتن أولى مما ذكر فى المنتهى حيث قال يجوز استفتاء من عرفه بالعلم والعدالة بأن رآه منتصبًا وقوله وأما من ظن يشير إلى أن ضد من عرف علمه وعدالته من ظن عدم أحدهما أو كليهما لا مجرد من لم يعرف عليه وعدالته فإنه نقيضه ويتناول المجهول أيضًا.
قوله: (لنا العلم شرط) الوجه الأول إلحاق للمجهول بما هو الأصل والثانى إلحاق له بالغالب كالشاهد والراوى المجهول العدالة لا يقبل لأن الأصل عدم العدالة ولأن الأكثر فسقه.
قوله: (لجريانه) أى دليلكم فيه أى فيمن علم علمه وجهل عدالته بأن يقال
стр. 2002
العدالة شروط الأصل عدمها وأيضًا الأكثر فسقه واللازم منتفٍ لأنه خلاف ما عليه العادة من استفتاء مجهول العدالة، وأجاب أولًا: بمنع انتفاء اللازم بناءً على أن احتمال الكذب مظنة عدم القبول، وثانيًا: بمنع الملازمة لظهور الفرق وأشار بقوله لأن الغالب فى المجتهدين إلى أن المرد بالعلم ههنا الاجتهاد وبقوله ليس الغالب فى العلماء دون أن يقول فى الناس إلى أن المراد بمن يعرف علمه أو عدالته أو لا يعرف العالم الذى حصل طرفًا من العلوم المتعلقة بالاجتهاد لا العوام الجهلة.
стр. 2003
قال: (مسألة: إذا تكررت الواقعة لم يلزم تكرير النظر، وقيل: يلزم لنا اجتهاد والأصل عدم أمر آخر، قالوا: يحتمل أن يتغير اجتهاده، قلنا: فيجب تكريره أبدًا).
أقول: المجتهد إذا اجتهد فى واقعة ثم تكررت الواقعة فهل يلزمه تكرار النظر وتجديد الاجتهاد؟ قيل: يلزمه والمختار أنه لا يلزمه، لنا أنه قد اجتهد مرة وطلب ما يحتاج إليه فى تلك المسألة وأنه وإن بقى احتمال أن يوجد شئ آخر لم يطلع عليه هو؛ لكن الأصل عدمه قالوا: يحتمل أن يتغير اجتهاده كما نراه كثيرًا ومع الاحتمال فلا بقاء للظن فينبغى أن يجتهد فيرى هل يتغير أم لا؟ فإذا لم يتغير استمر ظنه.
الجواب: لو كان السبب فى وجوب تكراره احتمال تغير الاجتهاد لوجب أبدًا لأن التغير محتمل أبدًا ولم يتقيد بوقت تكرار الواقعة وذلك باطل بالاتفاق.
قوله: (لوجب أبدًا) أى دائمًا سواء تكررت الواقعة أو لم تتكرر وفى هذا رد لما ذكره الشارح العلامة من أن المراد أنه لو صح ما ذكرتم لوجب تكرير النظر أبدًا أى كلما حدثت تلك الواقعة وهو خلاف مذهبهم لأنهم لا يقولون إلا بالثانى على ما نقل عنهم إن صح.
стр. 2004
قال: (مسألة: يجوز خلو الزمان عن مجتهد خلافًا للحنابلة لنا لو امتنع لكان لغيره والأصل عدمه، وقال ﵇: "إن اللَّه لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رءوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" قالوا: قال: "لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق حتى يأتى أمر اللَّه"، أو: "حتى يظهر الدجال". قلنا فأين نفى الجواز ولو سلم فدليلنا أظهر ولو سلم فيتعارضان ويسلم الأول، قالوا: فرض كفاية فيستلزم انتفاؤه اتفاق المسلمين على الباطل، قلنا: إذا فرض موت العلماء لم يمكن).
أقول: المختار أنه يجوز خلو الزمان عن مجتهد يرجع إليه وقد منع الحنابلة من ذلك، لنا أنه ليس ممتنعًا لذاته إذ لا يلزم من فرض وقوعه لذاته محال فلو كان ممتنعًا لكان ممتنعًا لغيره والأصل عدم الغير، وقال ﷺ : "إن اللَّه لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (*)، وهو ظاهر فى الجواز والوقوع.
قالوا: قال ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق حتى يأتى أمر اللَّه أو حتى يظهر الدجال" (**). وهو ظاهر فى عدم الخلو إلى يوم القيامة أو أشراطها.
الجواب: هذا يدل على عدم الخلو، وأما عدم الجواز فلا, ولو سلم فدليلنا أظهر لأن فيه نفى العالم صريحًا وهو يستلزم نفى المجتهد، وأما الظهور على الحق فإن دل على اعتقاد الحق فلا يدل على العلم وعلى الاجتهاد، ولو سلم فيتعارض الدليلان من السنة ويبقى الأول وهو أن الأصل عدم المانع سالمًا عن المعارض.
قالوا: الاجتهاد فرض كفاية فيكون انتفاؤه بخلو الزمان عن المجتهد مستلزمًا لاتفاق المسلمين على الباطل وأنه محال لما عرفت فى الإجماع.
الجواب: أن الاجتهاد فرض كفاية لا دائمًا بل إذا كان ممكنًا مقدورًا وإذا فرض الخلو بموت العلماء لم يكن ممكنًا مقدورًا.
قوله: (لنا أنه ليس ممتنعًا لذاته) فإن قيل الكلام فى الجواز والامتناع الشرعى وما
стр. 2005
ذكرتم لا يفيده قلنا لو سلم ذلك فالمراد أنه لو امتنع شرعًا لكان لمانع شرعى والأصل عدمه.
قوله: (وهو ظاهر فى الجواز والوقوع) حيث أخبر بقبض العلم والعلماء وحيث استعمل كلمة إذا الدالة على تحقق ووقوع الشرط وهو نفى العالم على العموم.
قوله: (وأما عدم الجواز فلا) فإن قيل كل ما أخبر الشارع بعدمه فهو ممتنع وإلا لزم جواز كذب الشارع وبعبارة أخرى ما أخبر الشارع بعدمه يلزم من فرض وقوعه محال وهو كذب الشارع فيكون ممتنعًا لأن المكن لا يلزم من فرض وقوعه محال فجوابه النقض بجميع المكنات التى أخبر الشارع بعدم وقوعها والحل بأنا لا نسلم أن كل ما يلزم من فرض وقوعه محال فهو ممتنع لذاته وإنما يكون كذلك لو كان استلزامه المحال لذاته وهو ممنوع لظهور أن ذلك بواسطة أنه قد اقترن به إخبار من ثبت صدقه بالدليل.
قوله: (فلا يدل على العلم وعلى الاجتهاد) لأن المعتقد أعم من العالم والعالم من المجتهد وإنما قال فإن دل على اعتقاد الحق لاحتمال أن يكون عبارة عن كونهم على السيرة الحسنة والطريقة المرضية ومتابعة صاحب الشريعة ونحو ذلك.
قوله: (لما عرفت فى الإجماع) وهو أنه قد تواتر معنى أن الأمة لا تجتمع على الباطل سواء وجد فيهم أهل الاجتهاد أو لم يوجد فلا يرد ما قيل: إن المستحيل اتفاق المجتهدين على الباطل لا اتفاق العوام.
قوله: (بل إذا كان ممكنًا مقدورًا) لأن ذلك من شرائط التكليف وأنت خبير بأن خلو الزمان بموت العلماء إنما ينافى حصول الاجتهاد بالفعل لا الإمكان والقدرة فالأولى الاقتصار على المنع وهو أنا لا نسلم أنه فرض كفاية على الإطلاق وقد يستند بإمكان معرفة العوام أحكام الشرع بالفعل المغلب على ظنهم عن المجتهدين فى العصر السابق عليهم وهذا مبنى على جواز تقليد الميت.
قوله: (لا نسلم أن كل ما يلزم. . . إلخ) مقتضاه أنه ممتنع لغيره وهو ينافى ما قدمه فى الاستدلال على جوازه من أنه لو كان ممتنعًا لامتنع لغيره والأصل عدمه.
стр. 2006
قال: (مسألة: إفتاء من ليس بمجتهد بمذهب مجتهد إن كان مطلعًا على المأخذ أهلًا للنظر جائز وقيل عند عدم المجهد وقيل يجوز مطلقًا وقيل لا يجوز، لنا وقوع ذلك ولم ينكر وأنكر من غيره المجوز ناقل كالأحاديث، وأجيب بأن الخلاف فى غير النقل المانع لو جاز لجاز للعامى، وأجيب بالدليل وبالفرق).
أقول: قد اختلف فى أن غير المجتهد هل له أن يفتى بمذهب مجتهد؟ على أربعة أقوال: المختار أنه لو كان مطلعًا على مأخذ الأحكام أهلًا للنظر كان جائزًا، وإلا فلا وقيل ذلك إنما يجوز عند عدم المجتهد وأما مع وجوده فلا وقيل يجوز مطلقًا وقيل لا يجوز مطلقًا وهو مذهب أبى الحسين لنا أنه وقع إفتاء العلماء وإن لم يكونوا مجتهدين فى جميع الأعمار وتكرر ولم ينكر فكان إجماعًا.
القائلون بالجواز، قالوا: أولًا: إنه ناقل فلا يفرق بين العالم وغيره كالأحاديث.
الجواب: ليس الكلام فيمن ينقل عن المجتهد حكمًا فإنه متفق عليه إنما الخلاف فيما هو المعتاد فى الأعصار على أنه مذهب للشافعى وأبى حنيفة.
القائلون بالمنع: قالوا: لو جاز لجاز للعامى لأنهما فى النقل سواء.
الجواب: أن الإجماع هو الدليل وقد جوز للعالم دون العامى، وأيضًا فالفرق ظاهر وهو علمه بمأخذ أحكام المجتهد وأهليته للنظر دون العامى فلا يصح التسوية بينهما.
قوله: (على أربعة أقوال) تقريرها على ما فى الشارح ظاهر موافق لما فى المتن إلا أن الشارح العلامة قال: القول بأنه يجوز له الإفتاء عند عدم المجتهد أما مع وجوده فلا مذهب غريب ما ظفرت به فى شئ من الكتب وكذا القول بالجواز مطلقًا إنما جوز من جوز بشرط الاطلاع كما اختاره المصنِّفُ أو شرط أن يثبت عنده مذهب ذلك المجتهد بنقل من يثق بقوله ثم حاول تطبيق لفظ المتن على ما ثبت عنده من المذاهب مع الاعتراف بأنه قاصر عنه.
قوله: (وقيل ذلك) إشارة إلى الإفتاء بمذهب المجتهد مطلقًا إذ لو قيد بشرط الاطلاع على المآخذ والأهلية للنظر لكان قوله: وقيل يجوز مطلقًا أى مع عدم المجتهد أو وجوده هو القول المختار بعينه.
قوله: (لنا أنه وقع إفتاء العلماء) عبارة المتن لنا وقوع ذلك ولم ينكر وأنكر من
стр. 2007
غيره أى أنكر الإفتاء على غير من له اطلاع على المآخذ وأهليته للنظر فتعرض لإثبات جزأى المدعى أعنى الثبوت والنفى وفى ظاهر عبارة الشارح قصور إلا أنه أشار بقيد العلماء بحسب منطوقه إلى اشتراط الاطلاع على المآخذ والأهلية للنظر وبحسب مفهومه إلى أن إفتاء غير العلماء لم يقع من غير نكير بل مع نكير.
قوله: (فإنه متفق عليه) يعنى لا نزاع فى جواز نقل غير المجتهد إذا كان عدلًا أنه قال الشافعى كذا وقال أبو حنيفة: كذا إنما النزاع فيما هو المتعارف من الإفتاء فى المذهب لا بطريق نقل كلام الإمام واعلم التقييد بغير المجتهد إنما هو لتحقيق الخلاف إذ لا خلاف فى أنه لا يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر والإفتاء بقوله وأن المراد بمن هو مطلع على المآخذ أهل للنظر بعض أصحاب المذاهب ممن له ملكة الاقتدار على استنباط الفروع من الأصول التى مهدها الإمام وهو المسمى بالمجتهد فى المذهب كالإمام والغزالى ونحوهما كمن أصحاب الشافعى وهو فى المذهب بمنزلة المجتهد المطلق فى الشرع حيث يستنبط الأحكام من أصوله وأما الذين يفتون بما حفظوه أو وجدوه فى كتب الأصحاب فالظاهر أنهم بمنزلة النقلة والرواة فينبغى قبول أقوالهم على حصول شرائط الراوى وإلى ما ذكرنا يشير الآمدى حيث يقول: والمختار أنه إن كان مجتهدًا فى المذهب بحيث يكون مطلعًا على مآخذ المجتهد المطلق الذى يقلده وهو قادر على التفريع على قواعد إمامه متمكن من الفرق والجمع والنظر والمناظرة فى ذلك كان له الفتوى تمييزًا له عن العامى.
стр. 2008
قال: (مسألة: للمقلد أن يقلد المفضول، وعن أحمد وابن شريح الأرجح متعين. لنا القطع بأنهم كانوا يفتون مع الاشتهار والتكرر ولم ينكر وأيضًا قال: "أصحابى كالنجوم"، واستدل بأن العامى لا يمكنه الترجيح لقصوره، وأجيب بأنه يظهر بالتسامع وبرجوع العلماء إليه وغير ذلك قالوا: قولهم كالأدلة فيجب الترجيح، قلنا: لا يقاوم ما ذكرنا ولو سلم فلعسر ترجيح العوام، قالوا: الظن يقول الأعلم أقوى، قلنا تقرير ما قدمتموه).
أقول: إذا تعدد المجتهدون وتفاضلوا فلا يجب على المقلد تقليد الأفضل بل له أن يقلد المفضول وعن أحمد وابن شريح منعه بل يجب عليه النظر فى الأرجح منهما ويتعين الأرجح منهما عنده للتقليد لنا قد علم قطعًا أن المفضولين فى زمن الصحابة وغيرهم وكانوا يفتون وقد اشتهر عنهم ذلك وتكرر ولم ينكر أحد فدل على أنه جائز، وأيضًا قال ﷺ : "أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" خرج العوام لأنهم المقتدون بقى معمولًا به فى المجتهدين منهم من غير فضل واستدل بأن العامى لو كلفناه الترجيح لكان تكليفًا بالمحال لقصوره عن معرفة مراتب المجتهدين وترجيح الفاضل والمفضول منهم. الجواب: أن معرفة الترجيح ليست مستحيلة من العامى لأنه يظهر له بالتسامع من الناس وبرجوع العلماء إليه وعدم رجوعه إليهم وغيره ككثرة المستفتين وتقديم سائر العلماء له والاعتراف بفضله.
قالوا: أولًا: قول المجتهدين بالنسبة إلى المقلد كالأدلة بالنسبة إلى المجتهد، فإذا تعارضت لا يصار إليها تحكمًا بل لا بد من الترجيح وما هو إلا يكون قائله أفضل اتفاقًا.
الجواب: أن هذا قياسى فلا يقاوم ما ذكرنا من الإجماع ولو سلم فالفرق أن ترجيح المجتهدين سهل وترجيح العوام للمجتهدين وإن أمكن فهو عسر.
قالوا: ثانيًا: الظن يقول الأعلم أقوى ويجب معرفة أقوى الظنين للأخذ به عند التعارض.
الجواب: أن هذا تقرير الدليل الأول فى المعنى وإن تخالفا فى العبارة لأن إفادته للظن وكونه كالدليل للمجتهد أمر واحد، والجواب الجواب بعينه.
قوله: (فهو عسر) مبناه على أن التسامح والشهرة ورجوع العلماء إليه وإقبال الناس عليه ليس مما يطلع عليه بسهولة.
стр. 2009
قال: (مسألة: ولا يرجع عنه بعد تقليده اتفاقًا، وفى حكم آخر المختار جوازه، لنا القطع بوقوعه ولم ينكر فلو التزم مذهبًا معينًا كمالك والشافعى وغيرهما فثالثها كالأول).
الأول: إذا عمل العامى يقول مجتهد فى حكم مسألة فليس له الرجوع عنه إلى غيره اتفاقًا وأما فى حكم مسألة أخرى فهل يجوز له أن يقلد غيره؟ المختار جوازه، لنا القطع بوقوعه فى زمن الصحابة وغيره فإن الناس فى كل عصر يستفتون المفتين كيف اتفق ولا يلتزمون سؤال مفت بعينه هذا وقد شاع وتكرر ولم ينكر فلو التزم مذهبًا سعينًا وإن كان لا يلزمه كمذهب مالك ومذهب الشافعى وغيرهما ففيه ثلاثة مذاهب: أولها: يلزم، وثانيها: لا يلزم، وثالثها: أنه كالأول، وهو من لم يلتزم فإن وقعت واقعة يقلده فيها فليس له الرجوع، وأما غيرها فيتبع فيها من شاء.
قوله: (وهو من لم يلتزم) يشير إلى أن الأولى صفة العامى وفى شرح العلامة أن المراد كالحكم الأول المذكور فى هذه المسألة وهو أنه إن قلد أى عمل لا يرجع وإلا جاز
стр. 2010
(الترجيح)
قال: (الترجيح اقتران الأمارة بما تقوى به على معارضها فيجب تقديمها للقطع عنهم بذلك وأورد شهادة أربعة مع اثنين، وأجيب بالتزامه أو بالفرق).
أقول: هذا آخر الأقسام الأربعة وهو الترجيح، وأنه فى اللغة: جعل الشئ راجحًا ويقال مجازًا لاعتقاد الرجحان، وفى الاصطلاح: اقتران الأمارة بما تقوى به على معارضها, وللفقهاء ترجيح خاص يحتاج إليه فى استنباط الأحكام وذلك لا يتصور فيما ليس فيه دلالة على الحكم أصلًا، ولا فيما دلالته عليه قطعية لما سيأتى أن لا تعارض بين قطعيين ولا بين قطعى وظنى فتعين أن يكون لأمارة على أخرى ولا يحصل تحكمًا محضًا بل لا بد من اقتران أمر بما به تقوى على معارضها فهذا الاقتران الذى هو سبب الترجيح هو المسمى بالترجيح فى مصطلح القوم لا جرم عرفه بأنه اقتران الأمارة بما به تقوى على معارضها وإذا حصل الترجيح وجب العمل بها وهو تقويم أقوى الأمارتين للقطع عنهم بذلك أى فهم ذلك من الصحابة وغيرهم وعلم قطعهم به بتكرره فى الوقائع المختلفة التى لا حاجة إلى تعدادها لكونه معلومًا قطعًا لمن فتش بين مجارى اجتهاداتهم واعترض عليه بشهادة أربعة مع شهادة اثنين إذا تعارضتا فإن الظن الحاصل بالأربعة أقوى من الحاصل باثنين فكان ينبغى أن تقدَّم ولا تقدَّم.
وأجيب بالتزام تقديم شهادة الأربعة عند التعارض فإنه مختلف فيه، وبالفرق بين الشهادة والدليل فليس كل ما يرجح به الأدلة ترجح به الشهادة لما ستقف عليه من وجوه غير محصورة من الترجيح للأدلة لا ترجح بها الشهود.
قوله: (بالفرق) قيل وجه الفرق أن المقصود من الشهادة فصل الخصومات فصبط بنصاب معين فاعتبار الكثرة فيها يفضى إلى نقض الفرض وتطويل الخصومات بخلاف الأمارة فإن المقصود منها الظن بالأحكام فكلما كان الظن أقوى كان بالاعتبار أولى من غير ضرورة إلى اعتبار ضبطه.
стр. 2011
الشارح (فهذا الاقتران الذى هو سبب الترجيح هو المسمى بالترجيح) أى تسمية للشئ باسم سببه لأن الترجيح فى الأصل جعل أحد المتعادلين راجحًا بإظهار فضل فيه فذلك الفضل هو السبب الداعى لجعله راجحًا وقد عرف الحنفية الترجيح على أنه فعل فقالوا: هو إظهار الزيادة لأحد المتماثلين على الآخر بما لا يستقل وأفاد هذا التعريف أنه لا ترجيح بما يستقل دليلًا فلا ترجيح بكثرة الأدلة عندهم.
الشارح: (وأجيب بالتزام تقديم شهادة الأربعة) وهو قول لمالك والشافعى.
قوله: (قيل وجه الفرق. . . إلخ) فرق فى التحرير بأن الشهادة فى الشرع مقدرة بنصاب معلوم فكفينا الاجتهاد فيه بخلاف الرواية فإنها مبنية عليه.
стр. 2012
قال: (ولا تعارض فى قطعيين ولا فى قطعى وظنى لانتفاء الظن، والترجيح فى ظنيين منقولين أو معقولين أو منقول ومعقول الأول فى السند والمتن والمدلول ومن خارج).
أقول: الدليلان إما قطعيان أو أحدهما قطعى والآخر ظنى، أو هما ظنيان ولا تعارض فى قطعيين وإلا ثبت مقتضاهما وهما نقيضان ولا بين قطعى وظنى لأن الظن ينتفى بالقطع بالنقيض وأما الظنيان فيتعارضان وحينئذٍ يحتاج إلى الترجيح والترجيح إما بين منقولين كنصين أو معقولين كقياسين أو منقول ومعقول كنص وقياس:
الشارح: (وإلا ثبت مقتضاهما) كدليل على قدم العالم وآخر على حدوثه وقوله: لأن الظن ينتفى بالقطع أى عند القطع بالنقيض كما تممه ابن السبكى قال المحلى وهو فى غير النقليين كما إذا ظن أن زيدًا فى الدار لكون مركبه وخدمه بها ثم شوهد خارجها فلا دلالة للعلامة المذكورة على كونه فى الدار حال مشاهدته خارجها فلا تعارض بينهما بخلاف النقليين فإن الظنى منهما بأن على دلالته حال دلال القطعى وإنما قدم عليه لقوته. اهـ. وقال العطار فى حواشى المحلى: الحق أن دلالة الظن باقية غاية الأمر تخلف الدليل عن المدلول.
стр. 2013
القسم الأول: فى ترجيح المنقولين:
وهو أربعة أصناف؛ لأنه يقع فى السند وهو طريق ثبوته وفى المتن وهو باعتبار مرتبة دلالته، وفى الحكم المدلول من الحرمة والإباحة وفيما ينضم إليه من خارج.
الصنف الأول: فى الترجيح بحسب السند:
ويقع فى الراوى وفى الرواية وفى المروى وفى المروى عنه ففيه أربعة فصول:
(الفصل الأول: فى الراوى):
ويكون فى نفسه وفى تزكيته فبدأ بما فى نفسه.
قال: (الأول: بكثرة الرواة لقوة الظن خلافًا للكرخى وبزيادة الثقة والفطنة والورع والعلم والضبط والنحو وبأنه أشهر بأحدها وباعتماده على حفظه لا نسخته وعلى ذكر لا خط وبموافقته عمله وبأنه عرف أنه لا يرسل إلا عن عدل فى المرسلين وبأن يكون المباشر كرواية أبى رافع نكح ميمونة وهو حلال، وكان السفير بينهما على رواية ابن عباس نكح ميمونة وهو حرام، وبأن يكون صاحب القصة كرواية ميمونة: "تزوجنى رسول اللَّه ﷺ ونحن حلالان"، وبأن يكون مشافهًا كرواية القاسم عن عائشة أن "بريدة عتقت وكان زوجها عبدًا" على من روى أنه كان حرًا لأنها عمة القاسم وأن يكون أقرب عند سماعه، كرواية ابن عمر: "أفرد رسول اللَّه ﷺ وكان تحت ناقته حين لبى"، وبكونه من أكابر الصحابة لقربه غالبًا أو متقدم الإسلام أو مشهور النسب أو غير ملتبس بمضعف وبتحملها بالغًا).
أقول: ترجيح السند بحسب الراوى نفسه وجوه:
الأول: كثرة الرواة بأن تكون رواة أحدهما أكثر عددًا من رواة الآخر، فما روايته أكثر يكون مقدمًا لقوة الظن لأن العدد الأكثر أبعد من الخطأ من العدد الأقل، ولأن كل واحد يفيد ظنًا فإذا انضم إلى غيره قوى حتى ينتهى إلى التواتر المفيد لليقين وخالف فيه الكرخى كما فى الشهادة.
والجواب: أنه ليس كل بها ترجح به الرواية ترجح به الشهادة.
الثانى: أن يكون أحد الروايتين راجحًا على الآخر فى وصف يغلب ظن الصدق كالثقة والفطنة والورع والعلم والضبط والنحو.
الثالث: أن يكون أحدهما أشهر بشئ من هذه الصفات الخمس وإن لم يعلم رجحانه فيها فإن كونه أشهر يكون فى الغالب لرجحانه.
стр. 2014
الرابع: أن يكون أحدهما يعتمد فى الرواية على حفظه للحديث لا على نسخته، وعلى تذكره سماعه من الشيخ لا على خط نفسه، فإن الاشتباه فى النسخة والخط محتمل دون الحفظ والذكر.
الخامس: أن يكون أحدهما علم أنه عمل برواية نفسه والآخر لم يعمل أو لم يعلم أنه عمل.
السادس: أن يكونا مرسلين وقد علم من أحدهما أنه لا يروى إلا عن عدل.
السابع: أن يكون أحدهما مباشرًا لما رواه دون الآخر كرواية أبى رافع: "أن النبى ﷺ نكح ميمونة وهو حلال"، فإنه يرجح على رواية ابن عباس: "أنه نكح ميمونة وهو حرام"، وذلك لأن أبا رافع كان هو السفير بينهما فكان أعرف بالحال.
الثامن: أن يكون أحدهما صاحب الواقعة دون الآخر كرواية ميمونة: "تزوجنى رسول اللَّه ﷺ ونحن حلالان". فإنها تقدَّم على رواية ابن عباس.
الثامن: أن يكون أحدهما مشافهًا كرواية القاسم عن عائشة: "أن بريرة عتقت وكان زوجها عبدًا". على رواية من روى أنها عتقت وكان زوجها حرًا، فإن عائشة كانت عمة القاسم، وقد سمع منها مشافهة بخلاف الأسود فإنه سمع من وراء حجاب.
العاشر: أن يكون عند سماعه أقرب إلى الرسول ﷺ ، كما تقدَّم رواية ابن عمر: "أنه ﷺ أفرد التلبية"، على رواية من روى أنه ثنى، لأنه روى أنه كان تحت ناقته حين لبى فالظاهر أنه أعرف.
الحادى عشر: أن يكون من أكابر الصحابة فتقدم روايته على أصاغرهم لأنه أقرب إلى الرسول غالبًا، فيكون أعرف بحاله ولأنه أشد تصونًا وصونًا لمنصبه.
الثانى عشر: أن يكون متقدم الإسلام على إسلام الآخر أو مشهور النسب والآخر غير مشهور النسب أو غير ملتبس بمن ضعف روايته، والآخر ملتبس فإن الثلاثة اهتمامهم بالتصون والتحرز وحفظ الجاه أكثر.
الثالث عشر: أن يكون قد تحمل الرواية بالغًا، والآخر صبيًا لخروجه عن الخلاف فيكون الظن به أقوى.
قوله: (الصفات الخمس) مبنى على أنه أخذ العلم بحيث يتناول النحو وإلا
стр. 2015
فالصفات المذكورة ستة وفيما سبق إنما أفرد النحو بالذكر لأنه أراد بالعلم علم الشرائع والأحكام وقد صرح بذلك من قال فقه الراوى وعلمه بالعربية.
قوله: (كرواية القاسم) هو القاسم بن محمد بن أبى بكر.
قوله: (أو غير ملتبس) عطف على متقدم الإِسلام وظاهر كلامه أن المراد التباسه واختلاطه بمن ضعف روايته وصريح كلام الآمدى والشارحين أن المراد التباس اسمه باسم من هو ضعيف الرواية فإن الذى لا يلتبس اسمه أولى لأنه أغلب على الظن.
قوله: (فإن الثلاثة) أى متقدم الإِسلام ومشهور النسب وغير المخالط بمن هو ضعيف الرواية اهتمامهم بالتصون أكثر وبهذا يعرف أن ليس المراد بالملتبس بمضعف الملتبس اسمه لأنه لا معنى لتصونه وتحرزه وإنما جعل الثلاثة وجهًا واحدًا ميلًا إلى الإيجاز وتقليل الأقسام.
الشارح: (وصريح كلام الآمدى. . . إلخ) لأنه قال فإن الذى لا يلتبس اسمه ببعض الضعفاء أغلب على الظن ممن يلتبس وقيده ابن السبكى فى شرحه على ابن الحاجب بقوله: ولا يحصل الالتباس إلا عند تقارب زمانهما واجتماعهما فى شيخ واحد ولذلك شرط إمام الحرمين أن يصعب التمييز.
стр. 2016
قال: (وبكثرة المزكين أو أعدليتهم أو أوثقيتهم وبالصريح على الحكم، والحكم على العمل).
أقول: وأما ترجيح الراوى بحسب تزكيته فوجوه:
الأول: ما يعود إلى المزكى وهو أن يكون المزكى لأحدهما أكثر من المزكى للآخر أو أعدل أو أوثق.
الثانى: ما يعود إلى كيفية التزكية فتقدم التزكية بصريح المقال على التزكية بالحكم بشهادته، وتقدم التزكية بالحكم بشهادته على التزكية بالعمل بروايته لأنه يحتاط فى الشهادة أكثر.
(الفصل الثانى: فى الترجيح بالرواية):
قال: (وبالمتواتر على المسند والسند على المرسل، ومرسل التابعى على غيره، وبالأعلى إسنادًا والمسند على كتاب معروف، وعلى المشهور، والكتاب على المشهور، وبمثل البخارى ومسلم على غيره، والسند باتفاق على مختلف فيه وبقراءة الشيخ وبكونه غير مختلف).
أقول: الترجيح بالرواية من وجوه:
الأول: أن يكون ثبت بالخبر المتواتر والآخر بالمسند.
الثانى: أن يثبت بالمسند والآخر بالمرسل.
الثالث: أن يكون مرسل التابعى والآخر مرسل غيره.
الرابع: أن يكون أعلى إسنادًا من الآخر، أى أقل مراتب رواة.
الخامس: أن يكون مسندًا معنعنًا والآخر مسندًا إلى كتاب معروف من كتب المحدثين، أو ثبت بطريق الشهرة غير مسند إلى كتاب.
السادس: أن يكون مسندًا إلى كتاب معروف، والآخر مشهور غير مسند.
السابع: أن يكون مسندًا إلى كتاب مشهور عرف الصحة كالبخارى ومسلم على ما لم يعرف بالصحة كسنن أبى داود.
الثامن: أن يكون مسندًا باتفاق، والآخر مختلف فى كونه مسندًا أو مرسلًا.
التاسع: أن يكون روايته بقراءة الشيخ عليه، والآخر بقراءته على الشيخ أو غيره من الطرق.
стр. 2017
العاشر: أن يكون غير مختلف فى رفعه إلى الرسول، والآخر مختلف فى رفعه إلى الرسول، وفى كونه موقوفًا على الراوى.
قوله: (الأول أن يكون ثبت بالخبر المتواتر والآخر بالمسند) هذا إذا كان المتواتر ظنى الدلالة وإلا فقد سبق أنه لا تعارض بين القطعى والظنى وأما تقديم المسند على المرسل فقد سبق نبذ من تفاصيل ذلك فى بحث الخير وبالجملة هو مختلف فيه واحتجاج الفريقين مذكور فى المطولات من أصول المذهبين.
المصنف: (وبالمتواتر على المسند) أى المسند آحادًا.
المصنف: (وبالأعلى إسنادًا) أى لأنه كلما قلت الرواة كان أبعد عن الخطأ وقوله: والسند على كتاب معروف أى السند مقدم على العزو إلى كتاب معروف بين المحدثين لأنه أبعد عن التصحيف والتبديل وقوله: والمشهور أى يقدم المسند على الخبر المشهور بدون كتاب لأن المسند يرويه العدل عن العدل والمشهور قد لا يكون كذلك فرب مشهور غير صحيح وقوله: والكتاب على المشهور أى يرجح الخبر المعزو إلى الكتاب على الخبر المشهور لأن تطرق احتمال الوهم إلى المشهور أكثر من تطرقه إلى الكتاب.
стр. 2018
(الفصل الثالث: فى الترجيح بحسب المروى):
قال: (وبالسماع على محتمل وبسكوته مع الحضور على الغيبة وبورود صيغة فيه على ما فهم وبما لا تعم به البلوى على الآخر فى الآحاد).
أقول: الترجيح بحسب المروى بوجوه:
الأول: أن يكون روى سماعه من الرسول، والآخر محتمل لأن قد سمع منه وإن لم يسمع كما قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، والآخر قال رسول اللَّه ﷺ .
الثانى: أن يكون جرى بحضوره وسكت عنه والآخر جرى بغيبته فسمع وسكت عنه.
الثالث: أن يكون قد ورد فيه صيغة من النبى ﷺ , والآخر فهم منه فرواه الراوى بعبارة نفسه.
الرابع: ويختص بما روى بالآحاد وهو أنه يكون مما لا تعم به البلوى، والآخر مما تعم به البلوى؛ للخلاف فى قبول الآحاد فى مثله.
(الفصل الرابع: فى الترجيح بحسب المروى عنه):
قال: (وبما لم يثبت إنكار لرواته على الآخر).
أقول: الترجيح بحسب المروى عنه هو أن لا يثبت إنكار لرواته على ما ثبت إنكار لرواته وهذا يحتمل وجهين ما لم يقع لرواته إنكار له وما لم يقع للناس إنكار لرواته واللفظ محتمل والوجهان مذكوران فى الكتب المشهورة لكن المصرح به كما المنتهى هو الأول.
قوله: (والآخر محتمل) لأن قد سمع منه وإن لم يسمع هذا هو الظاهر من قوله وبالسماع على محتمل ويعلم منه ترجيح ما هو بالسماع على غير ما هو بالسماع وقد صرح بهما فى المنتهى حيث قال: وبأن يكون من سماع منه ﵇ على غيره أو يحتمل وحمله على أن ما سمع منه راجح على ما سمع من غيره بعيد لأنه ترجيح بعلو الإسناد وقد سبق.
قوله: (والآخر) أى الراوى الآخر (فهم) من النبى ﵇ ذلك المعنى فرواه بعبارة نفسه ويندرج فيه ما إذا كان الآخر قد فهم معنى من فعل النبى عليه
стр. 2019
السلام فرواه وما إذا قال: أمر النبى ﵇ بكذا أو نهى عن كذا دون أن يروى صيغة الأمر والنهى الصادرة عنه ﵇.
المصنف: (وبسكوته مع الحضور على الغيبة) أى يرجح الخبر المروى لما جرى فما حضرته ﵊ وسكت عليه على ما جرى فى غيبته وبلغه ﷺ وسكت عليه وقوله: وبما لا تعم به البلوى. . . إلخ. أى يرجح الخبر الذى يكون المروى فيه بما لا تعم به البلوى على الخبر الذى مرويه مما تعم به البلوى لأن التفرد بنقل ما تعم به البلوى يوهم الكذب.
قوله: (ويعلم منه ترجيح ما هو بالسماع على غير ما هو بالسماع) أى كأن يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول كذا والآخر يقول كتب إلى رسول اللَّه ﷺ بكذا.
стр. 2020
الصنف الثانى: الترجيح بحسب المتن:
قال: (المتن النهى على الأمر والأمر على الإباحة على الصحيح والنهى بمثله على الإباحة والإباحة على النهى والأقل احتمالًا على الأكثر والحقيقة على المجاز، والمجاز على المجاز بشهرة مصححه أو قوته أو قرب جهته أو رجحان دليله أو شهرة استعماله، والمجاز على المشترك على الصحيح، كما تقدَّم والأشهر مطلقًا واللغوى المستعمل شرعًا على الشرعى بخلاف المنفرد الشرعى، وبالتأكيد الدلالة ويرجح فى الاقتضاء بضرورة الصدق على ضرورة وقوعه شرعًا، وفى الإيماء بانتفاء العبث أو الحشو على غيره، وبمفهوم الموافقة على المخالفة على الصحيح، والاقتضاء على الإشارة، وعلى الإيماء، وعلى المفهوم، وتخصيص العام على تأويل الخاص، لكثرته والخاص ولو من وجه والعام لم يخصص على ما خص والتقييد كالتخصيص والعام الشرطى على النكرة المنفية وغيرها والمجموع باللام ومن وما على الجنس باللام والإجماع على النص والإجماع على ما بعده فى الظنى).
أقول: الترجيح بحسب المتن من وجوه:
الأول: أن يكون مدلوله نهيًا والآخر أمرًا، لأن أكثر النهى لدفع مفسدة، وأكثر الأمر لجلب منفعة واهتمام العقلاء بدفع المفسدة أشد، ولأن النهى للدوام دون الأمر، ولقلة محامل لفظ النهى.
الثانى: أن يكون مدلوله أمرًا ومدلول الآخر إباحة للاحتياط وهذا هو القول الصحيح، وقد قيل يقدم ما مدلوله الإباحة لأن مدلوله متحد ومدلول الأمر متعدد ولأن المبيح يمكن العمل به على تقديرى المساواة والرجحان والأمر على تقدير الرجحان فقط، ولأنه لا يختل به مقصود الفعل والترك إن أراد المكلف والأمر يختل به مقصود الترك.
الثالث: ما هو للإباحة وينهى بمثله على ما هو للإباحة خالصًا ولا ينهى بمثله وقيل مراده ترجيح النهى على الإباحة وذلك معلوم من ترجيحه النهى على الأمر والأمر على الإباحة وإذن لا يبقى لقوله بمثله معنى، وحمله على أن المراد بمثل الدليل الدال على تقديم الأمر على الإباحة مع أنه غير مذكور فى الكتاب بعيد جدًا.
الرابع: أن يكون أقل احتمالًا، والآخر أكثر احتمالًا كالمشترك بين معنيين على
стр. 2021
المشترك بين ثلاثة معان.
الخامس: أن يكون حقيقة والآخر مجازًا.
السادس: يقدم المجاز على مجاز آخر بكرن ما يصحح المجاز أعنى الحلاقة مشهورًا فيه دون الآخر، أو أقرب منع قربهما واتحاد جهتهما، أو بأن مصححه قريب بدون الآخر كاسم السبب على المسبب يقدم على عكسه لأن السبب مستلزم لسببه ولا عكس أو برجحان دليل المجاز من الأمور التى ذكرناها فى معرفة المجاز ككونه ثبت بنص الواضع أو بصحة النفى والآخر بعدم الاطراد أو بعدم صحة الاشتقاق أو بشهرة استعماله دون الآخر.
السابع: يقدم المجاز على المشترك وقيل بالعكس، وقد تقدَّم.
الثامن: يقدم الأشهر مطلقًا أى فى اللغة أو فى الشرع أو فى العرف على غيره.
التاسع: يقدم اللغوى المستعمل شرعًا فى معناه اللغوى على اللفظ الشرعى وهو ما نقله الشارع من معناه اللغوى لعدم التغيير والبعد عن الخلاف بخلاف المنفرد الشرعى وهو ما له معنى شرعى، والآخر له معنى لغوى، فإن حمله على الشرعى أظهر.
العاشر: ما تأكد دلالته بأن تتعدد جهات دلالته أو تكون أقوى والآخر تتحد جهة دلالته، أو يكون أضعف نحو: "نكاحها باطل باطل باطل"، وكما تقدَّم دلالة المطابقة على دلالة الالتزام.
الحادى عشر: إذا تعارض نصان يدلان بالاقتضاء فأحدهما لضرورة الصدق، والآخر لضرورة وقوعه شرعيًا، قدم الأول؛ لأن الصدق أتم من وقوعه شرعيًا.
الثانى عشر: إذا تعارض إيماءان أحدهما لانتفاء العبث أو لانتفاء الحشو والآخر لغيره من ترتيب حكم على وصف، قدم الأول لكون انتفاء العبث والحشو أظهر من دلالة الفاء والترتيب.
الثالث عشر: إذا تعارض ما يدل بمفهوم الموافقة وما يدل بمفهوم المخالفة قدم الأول، لأن مفهوم الموافقة أقوى، ولذلك قلنا فى مفهوم المخالفة شرطه انتفاء مفهوم الموافقة، وقيل بالعكس لأنه للتأسيس، والموافقة للتأكيد، وبأن الموافقة لا تتم إلا بفهم المعنى فى الأصل وأنه موجود فى المسكوت، وأنه فيه أقوى بخلاف المخالفة فمقدماتها أقل فتكون أولى.
стр. 2022
الرابع عشر: يقدم ما يدل بالاقتضاء على ما يدل بالإشارة، وعلى ما يدل بالإيماء، وعلى ما يدل بالمفهوم موافقة ومخالفة لأن نفى الصحة أبعد من انتفاء قصد هذه الأمور.
الخامس عشر: إذا لزم فى أحدهما تخصيص العام وفى الآخر تأويل الخاص قدم تخصيص العام لأنه أكثر.
السادس عشر: يقدم الخاص على العام لأنه أقوى دلالة على ما يتضمنه من دلالة العام عليه لاحتمال تخصيصه منه وكذلك يقدم الخاص من وجه العام من وجه على العام من كل وجه.
السابع عشر: يقدم العام الذى لم يخصص على الذى قد خصص لتطرق الضعف إليه بالخلاف فى حجيته.
الثامن عشر: تقييد المطلق كتخصيص العام فيقدم المقيد ولو من وجه على المطلق والمطلق لم يخرج منه مقيد على ما أخرج منه.
التاسع عشر: إذا تعارضت صيغ العموم فصيغة الشرط الصريح تقدَّم على صيغة النكرة الواقعة فى سياق النفى وغيرها كالجمع المحلى والمضاف ونحوهما لأن دلالتها أقوى لإفادة التعليل ثم يقدم الجمع المحلى والاسم الموصول كمن وما على اسم الجنس المعرف باللام لكثرة استعماله فى المعهود فتصير دلالته على العموم أضعف.
العشرون: إذا ظن تعارض إجماعين قدم المتقدم منهما على ما بعده كالصحابة على التابعين والتابعين على تبعهم وعلى هذا الترتيب لأنهم أعلى رتبة وأقرب إلى الرسول.
قوله فى الظنى: أى ذلك يتصور فى الإجماع الظنى دون القطعى وإلا لزم تعارض الإجماعين فى نفس الأمر وأنه محال عادة.
قوله: (ويختص بما روى فى الآحاد) فإن قيل معلوم أن جميع وجوه الترجيح إنما تكون فيما هو من قبيل الآحاد إذ لا تعارض بين المتواترين ولا بين متواتر وآحاد، قلنا قد يكون المتواتر ظنى الدلالة فيقع فيه التعارض.
قوله: (يحتمل وجهين) أحدهما إنكار الراوى لحديثه وثانيهما إنكار الثقات
стр. 2023
لروايته ويندرج فى الأول ما ذكره الآمدى وهو أن الحديث الذى ينكر فى رواته الأصل الفرع يرجح على ما أنكر وكذا الخبر الذى أنكر الأصل رواية الفرع عنه إنكار نسيان ووقوف يرجح على ما أنكره إنكار تكذيب وجحود وذلك لأن فى كل من الصورتين قد أنكر الراوى أخبر الروى وإنما لم يتعرض المحقق فى أمثال هذه المواضع لبيان وجه الترجيح لظهوره وهو أن الظن الحاصل به أقوى.
قوله: (لأن أكثر النهى) قيد بذلك لأن كلًا من الأمر والنهى قد يكون تعبدًا محضًا لا يدرك فيه جهة مصلحة أو مفسدة هذا إذا أريد بالأمر والنهى الإيجاب والتحريم وإن أريد أعم من ذلك فظاهر.
قوله: (ولأن النهى للدوام) هذا ما قال الآمدى لو قدر وكون كل واحد منهما مطلقا فإن أكثر من قال بالخروج عن العهدة فى الأمر بالفعل مرة واحدة نازع فى النهى.
قوله: (ولقلة محامل لفظ النهى) أما بحسب ما يستعمل لأن فيه من المعانى الحقيقية والمجازية فلما ذكر فى موضعه من أن الأمر يستعمل فى ستة عشر معنى والنهى فى ثمانية وأما بحسب الحقيقة فلما ذكر الآمدى أن النهى متردد بين التحريم والكراهة، والأمر دائر بين الوجوب والندب والإباحة على بعض الآراء.
قوله: (وهذا هو القول الصحيح) قال الآمدى الأمر وإن ترجح على المبيح نظرًا إلى أنه عمل به لا يضر مخالفة المبيح ولا كذلك بالعكس لاستواء طرفى المباح وترجح جانب المأمور به إلا أن المبيح ترجح على الأمر من أربعة أوجه الأول: أن مدلول المبيح متحد ومدلول الأمر متعدد كما سبق، الثانى: أن غاية ما يلزم من العمل بالمبيح تأويل الأمر بصرفه عن محمله الظاهر إلى محمله البعيد والعمل بالأمر يلزم منه تعطيل المبيح بالكلية، والتأويل أولى من التعطيل، الثالث: أن المبيح قد يمكن العمل بمقتضاه على تقدير مساواته للأمر وعلى تقدير رجحانه والعمل بمقتضى الأمر متوقف على الترجيح وما يتم العمل به على تقديرين أولى مما لا يتم العمل به إلا على تقدير واحد بحيث إن العمل بالمبيح بتقدير أن يكون الفعل مقصود للمكلف لا يختل لكونه مقتدورًا له والعمل بالأمر يوجب الاختلال بمقصود الترك بتقدير كون الترك مقصودًا ومعنى إمكان العمل بالمبيح على تقدير مساواته للأمر وهو أنهما إذا تساويا تساقطا وبقى كل من الفعل والترك على جوازه الأصلى ولا يخفى أن هذا إنما هو على تقدير أن لا يسبقه إيجاب أو تحريم.
стр. 2024
قوله: (الثالث ما هو للإباحة) كأنه وقع فى نسخة الشارح العلامة: والإباحة على النهى فاعترض بأنه يستلزم ترجيح النهى على النهى لترجحه على الأمر المرجح على الإباحة الرجحة على النهى وأجاب بأنه ليس بمحال عند اختلاف جهات الترجيح ولا يخفى ما فيه بل الصحيح الذى عليه النسخ: والنهى بمثله على الإباحة وظاهره ما فهيه الشارحون هو أن النهى يرجح على الإباحة ورده المحقق بوجهين أحدهما أنه معلوم من ترجيح النهى على الأمر المرجح على الإباحة وثانيهما: أنه لا معنى حينئذ للفظ "بمثله" ولما كان ظاهرًا وهو أن ما دل على ترجيح الأمر على الإباحة وهو الاحتياط قال على ترجيح النهى عليها دفعه بأن هذا الدليل غير مذكور فى المتن فالإشارة إليه بمثله بعيد جدًا وأنت خبير بأن هذا الاستبعاد أبعد منه جدًا لأن مثله فى هذا الكتاب أكثر من أن يحصى وبه يندفع الوجه الأول أيضًا من الرد لأنه إشارة إلى أن ترجح النهى على الإباحة ليس مبنيًا على ترجحه على الأمر الرجح على الإباحة بل الدليل قائم فيه بعينه حتى لو لم يكن النهى مرجحًا على الأمر لكان ترجيحه على الإباحة بحاله ولا يخلو أيضًا عن إشارة إلى اختلاف فيه كما فى الأمر ولذا قال الآمدى المبيح مقدم على النهى على ما عرف فى الأمر وأما ما ذهب إليه الشارح فمن التأويلات البعيدة والتكليفات الباردة التى لم تخطر ببال المصنِّف ولم يذكرها أحد فى مقام الترجيح ولم يحتج إليها قط فى استنباط الأحكام ولا أرى عليه باعثًا سوى الترفع عن الاتباع والتشوق إلى الابتداع وإلا فهو أبعد مما استبعده أن مرة ومع ذلك فلا تظهر له جهة لأن حاصله أن المبيح الذى قد يستعمل للتحريم يرجح على المبيح الذى لا يستعمل له أصلًا ومبناه على ترجيح النهى على الإباحة لكن التعارض بين المبيحين مما لا يتصور.
قوله: (إذا قرب مع قربهما) كالسبب الذى بلا واسطة والذى بواسطة واحدة وهذا مشعر بأن الواقع فى نسخته: أو قربه وفى أكثر النسخ: أو قوته أى بقوة تصحح ذلك المجاز بأن تكون العلاقة بينه وبين محل حقيقته أقوى من الذى بين المجاز الآخر ومحل حقيقته وقوله: أو بأن مصححه قريب دون الآخر شرح لقوله: أو قرب جهته أى جهة ذلك المجاز وذلك كإطلاق السبب على المسبب يقدم على إطلاق المسبب على السبب لأن السبب لا يوجد بدون مسببه والمسبب قد
стр. 2025
يوجد بدون سببه الخاص بأن يثبت بسبب آخر ولا خفاء فى أن ما يكون ملزومًا للشئ أدل عليه مما ليس بملزوم لكن كون هذا من الترجيح بقرب الجهة ليس بظاهر والأولى التمثيل بنفى الذات فإن جعله مجازًا من نفى الصحة أولى من جعله مجازًا من نفى الكمال وفى شرح العلامة أن قرب جهته بأن تكون الملازمة بينه وبين محل حقيقته أظهر من الملازمة بين المجاز الآخر ومحل حقيقته والحاصل أنه مهما كانت علاقة أحد المجازين أشهر أو أقوى أو أظهر من علاقة الآخر فهو أولى.
قوله: (بنص الواضع أو بصحة النفى) هما أقوى من دلائل المجاز بخلاف عدم الاطراد وعدم الاشتقاق فإنهما من الأدلة الضعيفة على ما سبق.
قوله: (أو بشهرة استعماله) عطف على قوله يكون بها يصحح أى يقدم المجاز على مجاز آخر بشهرة استعماله لكونه قريبًا من الحقيقة ومثل هذا العطف الملبس غير لائق بالشروح.
قوله: (أى فى اللغة أو فى الشرع أو فى العرف) وهذا أولى مما فى الشروح أنه قال مطلقًا ليتناول الترجيح بين حقيقتين وبين مجاز لأنه يتناول بها بين المجازين أيضًا فيقع قوله: أو بشهرة استعماله مستدركًا على أن فى تقديم المجاز الأشهر على الحقيقة المشهورة نظرًا.
قوله: (لعدم التغيير) يعنى أن العمل بما هو من لسان الشارع من غير تغيير للوضع اللغوى أولى من العمل بما هو من لسانه مع تغيير للوضع اللغوى وأن فى وجود اللفظ الشرعى والمنقول جواز استعماله خلافًا بخلاف اللغوى المستعمل شرعًا فى معناه اللغوى.
قوله: (والآخر له معنى لغوى) ربما يشعر بأن المقصود الترجيح بين لفظين لأحدهما معنى شرعى وللآخر معنى لغوى فيرجح المعنى الشرعى ويحمل اللفظ عليه وهذا كلام مضطرب كما لا يخفى وإلا وضح ما ذكره الآمدى وهو أنه إذا كان لفظ واحد له مدلول لغوى وقد استعاره الشارع فى معنى آخر وصار عرفًا له فإنه مهما أطلق الشارع ذلك اللفظ فيجب تنزيله على عرفه الشرعى دون اللغوى لأن الغالب من الشارع أنه إذا أطلق لفظًا وله موضوع فى عرفه أنه لا يريد به غيره.
قوله: (العاشر ما تأكد من دلالته) ذكر الآمدى من جهات الترجيح أن يكون أحد اللفظين دالًا على مطلوبه من وجهين أو أكثر والآخر لا يدل إلا من جهة
стр. 2026
واحدة فالذى كثرت فيه دلالته أولى لأنه أغلب مع الظن، ومنها أن تكون دلالة أحدهما مؤكدة فهى أولى من غير المؤكدة لكونه أقوى دلالة وأغلب على الظن كما فى قوله ﵇: "فنكاحها باطل باطل باطل"، ومنها أن تكون دلالة أحدهما بالمطابقة فتقدم على ما يدل بالالتزام لأنها أضبط والمصنف عبر عن جميع ذلك بتأكد الدلالة فقوله وكما تقدَّم دلالة المطابقة عطف على قوله بأن تتعدد جهات دلالته يدلان بالاقتضاء هو لازم غير صريح قد قصد وتوقف عليه الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية نحو: "رفع عن أمتى الخطأ والنسيان"، ونحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ونحو: أعتق عبدى عنى على ألف.
قوله: (إذا تعارض إيماءان) هو اقتران وصف بالحكم لو لم يكن لتعليله لكان بعيدًا فإذا كان البعد إلى حيث يلزم عبث أو حشو كان أبعد مما إذا لزم كون ما بعد الفاء غير العلة أو كون ما يترتب عليه علة له إلى غير ذلك من أقسام الإيماء واقتصار الشارح على قوله من ترتيب حكم على وصف إنما هو على سبيل التمثيل.
قوله: (لأن مفهوم الموافقة أقوى) ولهذا لم يقع فيه اختلاف بل ألحق بالقطعيات.
قوله: (وقيل بالعكس) إشارة إلى ما قال الآمدى: يمكن ترجيح مفهوم المخالفة بوجهين أحدهما: أن فائدته التأسيس وفائدة مفهوم الموافقة التأكيد والتأسيس أصل والتأكيد فرع وثانيهما: أن مفهوم الموافقة لا يتم إلا بتقدير فهم المقصود من الحكم فى محل النطق وبيان وجوده فى محل المسكوت وأن اقتضاءه للحكم فى محل السكوت أشد وأما مفهوم المخالفة فإنه يتم بتقدير عدم فهم المقصود من الحكم فى محل النطق وبتقدير كونه غير متحقق فى محل السكوت وبتقدير أن يكون له معارض فى محل السكوت ولا يخفى أن ما يتم على تقديرات أربعة أولى مما لا يتم إلا على تقدير واحد ولأن نفى الصحة يعم نفى الصدق والصحة العقلية والشرعية وهذه الأمور إشارة إلى ما يدل عليه بالإشارة وما يدل عليه بالإيماء وما يدل عليه بالمفهوم موافقة ومخالفة.
قوله: (يقدم الخاص على العام) نفى لما توهمه الشارح العلامة نظرًا إلى ظاهر لفظ المتن أن المراد أنه يقدم الخاص مطلقًا والخاص من وجه والعام لم يخص منه البعض على ما خص أى على العام المخصوص فنبه المحقق على أن المراد تقدم كل
стр. 2027
على ما يقابله إلا أن فى اللفظ حذفًا واختصارًا.
قوله: (الشرط الصريح) كأنه احتراز عما يتضمن معنى الشرط كالمبتدأ الموصوف بالجملة ونحو ذلك وينبغى أن يكون المراد تقديم الشرط على النكرة المنفية بغير لا التى لنفى الجنس إذ النفى بـ "لا" التى لنفى الجنس نص فى الاستغراق لا يحتمل الخصوص ولهذا قال صاحب الكشاف فى قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، إن قراءة الفتح توجب الاستغراق وقراءة الرفع تجوزه.
قوله: (فى الإجماع الظنى) أى من جهة المتن والسند أو من إحدى الجهتين دون لأخرى أو أحد الإجماعين من إحدى الجهتين والآخر من الجهتين وللآمدى فى هذا المقام سيما ترجيح العمومات والإجماعات تطويل تفصيل تركه المصنِّفُ ولم يتعرض له الشارح ووقع فى نسخ المتن: والإجماع على النص ولم يتعرض له الشارح ووجهه أن النص يحتمل النسخ بخلاف الإجماع وينبغى أن يقيد بالظنين.
الشارح: (أن يكون مدلوله نهيًا والآخر أمرًا) المراد أن يكون المتن قد اشتمل على لفظ الأمر ولفظ النهى أى اللفظ الموضوع لذلك، وأما نفس المدلول الذى دل عليه لفظ المتن فهو الآتى فى قوله: الحظر على الإباحة.
الشارح: (لأن مدلوله متحد) لأنه التخيير فقط.
الشارح: (ولأنه لا يختل به مقصود الفعل والترك) أى أنه لو عمل بمقتضى الإباحة لم يلزم منه فوات المقصود من الأمر لأن فى قدرته أن يفعل كما فى قدرته أن يترك بخلاف ما لو عمل بمقتضى الأمر فيلزم أن يفوته الترك وقد يكون مقصودًا.
الشارح: (ما هو للإباحة وينهى بمثله على ما هو للإباحة خالصًا) هذا شرح لقول المصنف: والنهى بمثله على الإباحة فالباء فى "بمثله" متعلقة بـ "ينهى" والضمير فيه للدال على الإباحة المذكورة وقوله: على ما هو للإباحة متعلق بالفعل المقدر أى: يرجح النهى باللفظ المحتمل للإباحة على الإباحة باللفظ الخاص لها، وحاصله يرجع إلى أن النهى المحتمل يقدم على الإباحة كما يقدم النهى المحقق عليها وهذا كما ذكره من الترجيح بالرواية أنه يقدم ما احتمل كون إسناده أعلى كما يقدم ما تحقق علو إسناده على غيره.
стр. 2028
الشارح: (أو أقرب مع قرببها واتحاد جهتهما أو بأن مصححه قريب) اعترض الترجيح بالأقربية والقرب صاحب التحرير بأن الرجحان إنما يكون بما يزيد قوة دلالة على المراد أو الثبوت والحقيقى لم يرد فهو كغيره من المعانى التى ليست بمرادة وتعين المجاز فى كل بالدليل فاستوى المجاز الأقرب أو القريب مع غيره وقوله يقدم على عكسه قال فى التحرير وينبغى تعارضهما فى السبب المتحد لمسبب لأن كلًا يستلزم الآخر.
الشارح: (أظهر من دلالة الفاء والترتب) أى من دلالة الفاء على التعليل والترتب عليه.
قوله: (ولا يخفى ما فيه) هو أنه لا اختلاف لجهات الترجيح على هذا وقوله: ولما كان ظاهرًا. . . إلخ. أى: لما كان لفظ "مثله" "ظاهرا" من حيث إن معناه أن دليله مثل دليل ترجيح الأمر على الإباحة دفعه بأن هذا الدليل غير مذكور فى المتن وقوله: ولا يخلو أيضًا عن إشارة إلى اختلاف فيه كما فى الأمر أى أن لفظ "بمثله" فيه إشارة أيضًا إلى أن الاختلاف الذى فى الأمر المشار إليه بقوله: والأمر على الإباحة على الصحيح وقوله: وأما ما ذهب إليه الشارح. . إلخ قد رده الأبهرى كما ذكرناه.
قوله: (والأولى التمثيل بنفى الذات) أى كما فى لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب.
قوله: (ومثل هذا العطف الملبس غير لائق بالشروح) رده الأبهرى بأن قوله: من الأمور التى ذكرناها فى معرفة المجاز تنادى بأنه ليس عطفًا على عدم الاطراد لأن شهرة الاستعمال ليست من علامات المجاز ولم يذكر هناك فكيف يكون ملبسًا.
قوله: (وأن فى وجود اللفظ الشرعى المنقول وجواز استعماله خلافًا) شرح لقوله: وللبعد عن الخلاف وفيه أنه لا خلاف فى أن الشارع يستعمل الألفاظ فى مدلولاتها الشرعية التى لم تعهد فى اللغة إنما الخلاف فى كونها حقائق أو مجازات وثبوت المدعى لا يتوقف على ذلك.
قوله: (إلى غير ذلك من أقسام الإيماء) تقدم أن منها الحكم بعد سماع وصف والتفريق بين حكمين بصفة مع ذكرهما أو أحدهما نحو: للفارس سهمان وللراجل سهم والقاتل لا يرث، ومنها ترتب الحكم على الوصف نحو: أكرم العلماء وأهن الجهلاء.
стр. 2029
الصنف الثالث: الترجيح بحسب المدلول:
قال: (المدلول الحظر على الإباحة وقيل بالعكس وعلى الندب لأن دفع المفاسد أهم وعلى الكراهة والوجوب على الندب والمثبت على النافى كخبر بلال: "دخل البيت وصلى"، وقال أسامة: "دخل ولم يصل"، وقيل سواء، والدارئ على الموجب، والموجب للطلاق والعتق لموافقته النفى، وقد يعكس لموافقته التأسيس والتكليفى على الوضعى بالثواب، وقد يعكس والأخف على الأثقل وقد يعكس).
أقول: الترجيح بحسب المدلول من وجوه:
الأول: يقدم الحظر على الإباحة للاحتياط وقيل بل تقدَّم الإباحة على الحظر لئلا تفوت مصلحة إرادة المكلف ولأنه لو قدم لكان إيضاح واضح وهو الجواز الأصلى.
الثانى: يقدم الحظر على الندب لأن الحظر لدفع المفسدة والندب لجلب المنفعة ودفع المفسدة أهم فى نظر العقلاء.
الثالث: يقدم الحظر على الكراهة لأنه أحوط.
الرابع: يقدم الوجوب على الندب لأنه أحوط.
الخامس: يقدم المثبت على النافى، نحو: خبر بلال: "دخل البيت وصلى"، وقال أسامة: "ولم يصل"، وذلك وإن غفلة الإنسان على الفعل كثيرة ولأنه يثبت زائدًا ولأنه للتأسيس، والنافى قد يبنى على الأصل، وقيل يساوى المثبت النافى فإنه لو قدر تقدمه لكان مقررًا للأصل، وهو بعيد ولو قدر متأخرًا لكان تأسيسًا فيحصل التعارض.
السادس: يقدم الذى يوجب درء الحد على الموجب للحد لما فيه من اليسر ونفى الحرج الذى قد علم تشوق الشارع إليه.
السابع: يقدم الموجب للطلاق والعتق على ما يوجب عدمهما لأنه مؤيد بالأصل إذ الأصل عدم الزوجية والرقية، وقيل بل يعكس لكونه موافقًا للدليل المؤسس لصحتهما المترجح على النافى لصحتهما وهو الأصل.
الثامن: يقدم الحكم التكليفى كالاقتضاء على الوضعى كالصحة لأنه محصل للثواب، وقيل بل الوضعى لأنه لا يتوقف على فهم وتمكن.
التاسع: يقدم الأخف على الأثقل لليسر ونفى الحرج وقيل بل بالعكس إذ المصلحة فيه أكثر وذلك قال: "ثوابك على قدر نصبك".
стр. 2030
قوله: (الحظر مقدم على الإباحة) وهو مذهب الجمهور ووجهه أن ملابسة المحظور توجب الإثم بخلاف المباح فكان أولى.
قوله: (للاحتياط) ولهذا لو اجتمع فى العين الواحدة جهة حظر وإباحة كالمتولد بين ما يؤكل وما لا يؤكل قدم التحريم، وقال ﵇: "ما اجتمع الحلال والحرام إلا وقد غلب الحرام"، وقال ﵇: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، وذهب أبو هاشم وعيسى بن أبان إلى التساوى والتساقط ولم يذهب أحدى إلى ترجيح الإباحة إلا أن الآمدى قال: يمكن ترجيح الإباحة من جهة أنا لو علمنا بالحظر لزم منه ذوات مقصود الإباحة من الترك مطلقًا ولو علمنا بالإباحة فقد لا يلزم منه فوات مقصود الحظر بالكلية لأن الغالب أنه لو كان حرامًا فلا بد وأن يكون لمفسدة ظاهرة وعند ذلك فالغالب أن يكون المكلف عالمًا بها وقادرًا على دفعها لعلمه بعدم لزوم المحظور من ترك المباح ولأن المباح مستفاد من التخيير قطعًا بخلاف استفادة الحرمة من النهى لتردده بين الحرمة والكراهة فقوله: وقيل بل تقدَّم الإباحة على الحظر لئلا تفوت مصلحة إرادة المكلف إشارة إلى الوجه الأول، وأما قوله: ولأنه لو قدم لكان إيضاح واضح وهو الجواز الأصلى فوجهه أنه لو قدم الحظر لكان بمنزلة جعل المحرم متأخر الورود عن المبيح ناسخًا له فيكون المبيح ناسخًا له فيكون المبيح المتقدم عليه فى الورود إيصاحًا للواضح بخلاف ما إذا قدر وروده بعد المحرم.
قوله: (ودفع المفسدة أهم) قال فى المنتهى: ويرجح الحظر على الندب بما تقدَّم فى الإباحة والحظر على الوجوب وإن الحظر لدفع مفسدة والوجوب لتحصيل مصلحة ودفع المفسدة أهم عند العقلاء وهذا هو الموافق لكلام الآمدى فمن ههنا قيل قد سقط ههنا شئ من المتن فكان الأصل هكذا: وعلى الوجوب لأن دفع المفاسد أهم قال الآمدى: ولأن إفضاء الحرمة إلى مقصودها أم من إفضاء الواجب إلى مقصوده لتأتيه بالترك وإن لم تقصد فكانت المحافظة عليها أولى.
قوله: (يقدم الحظر على الكراهة لأنه أحوط) قال الآمدى: لتساويهما فى طلب الترك مع زيادة الحظر بالذم على الفعل ولأن الحظر أولى لتحصيل المقصود منهما وهو الترك لا يلزمه من دفع المفسدة الملازمة للفعل ولأن فى العمل بالكراهة تجويزًا
стр. 2031
للفعل وفيه إبطال للمحرم بخلاف العكس وبهذا يظهر ترجيح الوجوب على الندب.
قوله: (لأن غفلة الإنسان عن الفعل كثيرة) يعنى يحتمل أن يكون مبنى النافى على الغفلة وقوله: ولأنه يثبت زائدًا يعنى المثبت يفيد زيادة علم، وقوله: ولأنه أى المثبت يفيد التأسيس وهو إثبات ما لم يكن ثابتًا بخلاف النافى فإنه ربما كان مبناه على أن الأصل هو النفى والأولى أن يقال: فإنه لا يفيد إلا التأكيد لأن الأصل هو النفى وذهب القاضى عبد الجبار إلى تساوى المثبت والنافى من جهة أن الظاهر تأخر النافى فى الورود فإنه لو اعتبر النافى سابقًا فى الورود حتى يكون العمل بالمثبت لزم كونه مقررًا للأصل الذى هو النفى بمنزلة تأكيد له وهو بعيد لكونه إيضاح الواضح ولو اعتبر متأخرًا فى الورود حتى يكون العمل به كان تأسيسًا للعدم بعد الوجود والتأسيس خير من التأكيد وحينئذٍ يقع التعارض بين جهتى ترجيح المثبت والنافى فيتساويان فإن قيل جهات ترجيح المثبت ثلاثة والنافى واحدة فكيف يتساويان قلنا مبناه على أنه لم يعتبر منها إلا إفادته زيادة العلم على ما صرح به الآمدى والشارح العلامة اعتبر فى جانب المثبت إفادة زيادة العلم والتأسيس وفى جانب النافى موافقة الأصل وكون الظاهر تأخره.
قوله: (لما فيه) أى فى الدرء من اليسر ونفى الحرج وقد قال اللَّه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، قال فى المنتهى لأن ما يعرض فى الحد من المبطلات أكثر منه فى الدرء وذهب المتكلمون إلى تقديم موجب الحد نظرًا إلى أن فائدة العمل بالموجب التأسيس وبالدرء التأكيد.
قوله: (يقدم الموجب للطلاق) هذا ما قال الكرخى إن ما حكمه وقوع الطلاق أو العتق أولى لأنه على وفق الدليل النافى لملك البضع وملك اليمين والنافى لهما على خلافه قال الآمدى: ويمكن أن يقال بل النافى لهما أولى لأنه على وفق الدليل المقتضى لصحة النكاح وإثبات ملك اليمين المترجح على النافى لهما فقوله: لصحتهما الضمير للزوجية والرقية وأشار بلفظ "المؤسس" إلى جهة ترجيح المثبت ومن البعيد ما ذهب إليه الشارح العلامة من أن قوله: والموجب للطلاق مجرور معطوف على الموجب قبله والمعنى أن الدارء أى الدافع للحد والطلاق والعتق يعنى
стр. 2032
النافى لها يرجح على الموجب للحد والوجب للطلاق والعتق لموافقة الدارء النفى الأصلى وقد يعكس أى يرجح الموجب فى الثلاثة على النافى لموافقة التأسيس على ما بينا (*).
قوله: (وقال ﵊: "ما اجتمع الحلال والحرام إلا وقد غلب الحرام") فى شرح التحرير أن هذا الحديث لم يعرف مرفوعًا كما قال الزركشى بل قال الحافظ العراقى: لم أجد له أصلًا.
قوله: (من الترك مطلقًا) صوابه: من الفعل مطلقًا.
قوله: (إشارة إلى الوجه الأول. . . إلخ) رد الأبهرى كلًا من الوجهين؛ أما الأول فلأن تصور المكلف واعتقاده أن فى الفعل أو الترك مصلحة ربما لا يكون مطابقًا للواقع ويكون خطأ ولما كان شرعية الأحكام متابعة لمصالح العباد كان الحظر بناء على مصلحة فى الترك أو مفسدة فى الفعل أولى، وأما الثانى بإلا فلأنه يلزم من تقديم الإباحة أى العمل بها كثرة التغير من ارتفاع الإباحة الأصلية بالحظر ثم ارتفاع الحظر بالإباحة الشرعية بخلاف ما إذا كان العمل بالحظر.
قوله: (لتأتيه بالترك) أى لتأتى مقصود الحظر بالترك وإن لم يقصد اجتناب المحظور.
قوله: (لصحتهما) أى قول الشارح فى توجيه العكس: لكونه موافقًا للدليل المؤسس لصحتهما.
стр. 2033
الصنف الرابع: الترجيح بحسب الخارج:
قال: (الخارج يرجح الموافق لدليل آخر أو لأهل المدينة أو للخلفاء أو للأعلم وبرجحان أحد دليلى التأويلين وبالتعرض للعلة والعام على سبب خاص فى السبب والعام عليه فى غيره والخطاب شفاهًا مع العام كذلك والعام لم يعمل فى صورة على غيره وقيل بالعكس والعام بأنه أمس بالمقصود مثل: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، على: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وبتفسير الراوى بفعله أو قوله وبذكرهر السبب وبقرائن تأخره كتأخر الإسلام أو تاريخ مضيق أو تشديد لتأخر التشديدات المعقولات قياسان أو استدلالان فالأول أصله وفرعه ومدلوله وخارج).
أقول: الترجيح بحسب الخارج من وجوه:
الأول: يرجح الموافق لدليل آخر على ما لا يؤيده دليل آخر.
الثانى: يقدم الموافق لعمل أهل المدينة على ما لم يعملوا: بمقتضاه وكذا الموافق لعمل الأئمة الأربعة على غيره.
الثالث: يقدم موافق عمل الأعلم على غيره.
الرابع: إذا تعارض مؤولان ودليل تأويل أحدهما راجح قدم على الآخر.
الخامس: ما تعرض فيه للعلة يقدم على ما ذكر فيه الحكم فقط من غير تعرض للعلة لأن دلالته وفهم الاهتمام بقبوله آكد.
السادس: إذا تعارض عامان أحدهما وارد على سبب خاص والآخر ليس كذلك ففى ذلك السبب يقدم العام الوارد عليه بقوة دلالته فيه وفى غير ذلك السبب يقدم العام الآخر للخلاف فى تناول الوارد على سبب لغيره.
السابع: إذا ورد عام وهو خطاب شفاه لبعض من تناوله وعام آخر ليس كذلك فهو كالعامين ورد أحدهما على سبب دون الآخر فيتقدم عام المشافهة فيمن شوفهوا به وفى غيرهم الآخر ووجهه ظاهر.
الثامن: إذا تعارض عام لم يعمل به فى صورة من الصور وعام عمل به ولو فى صورة قدم ما لم يعمل به ليعمل به فيكون قد عمل بهما ولو اعتبر ما عمل به لزم إلغاء الآخر بالمرة والجمع ولو بوجه أولى وقيل بالعكس فيقدم ما عمل به لأنه شاهد له بالاعتبار.
стр. 2034
التاسع: إذا تعارض عامان أحدهما أمس بالمقصود وأقرب إليه قدم على الآخر مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، يقدم فى مسألة الجمع بينهما فى وطء النكاح على قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، فإنه أمس بمسألة الجمع.
العاشر: إذا تعارض خبران وفسر راوى أحدهما ما قد رواه يقول أو فعل دون راوى الآخر قدم الأول لأنه أعرف بما رواه فيكون ظن الحكم به أوثق.
الحادى عشر: ما ذكر فيه سبب ورود النص يرجح على غيره لأنه يدل على زيادة اهتمامه.
الثانى عشر: ما اقترن به قرينة تدل على تأخره يقدم على الآخر، وذلك مثل تأخر إسلام راويه إذ الآخر يجوز أن يكون قد سمعه قبل إسلامه سيما إن علم موت الآخر قبل إسلامه ومثل كونه مؤرخًا بتاريخ مضيق والآخر بتاريخ موسع نحو ذى القعدة من سنة كذا أو سنة كذا لاحتمال كون الآخر قبل ذى القعدة ومثل أن يكون فيه تشديد لأن التشديدات متأخرة، وإنما جاءت حين ظهر الإِسلام وغلبت شوكته، وكذا كل ما يشعر بشوكة الإِسلام.
قوله: (يرجح الموافق لدليل آخر) من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس أو عقل أو حس لأنه أغلب على الظن ولأن مخالفة دليلين أشد محذورًا.
قوله: (الأئمة الأربعة) يعنى الخلفاء الراشدين على ما هو ظاهر كلام الآمدى لأن أمر النبى ﷺ بمتابعتهم والاقتداء بهم مما يفيد غلبة الظن وكذا كونهم أعرف بالتنزيل وموافقة الوحى والتأويل ولهذا اعتبر عمل أهل المدينة وعمل الأعلم.
قوله: (ما تعرض فيه للعلة يقدم) قال الآمدى: لقربه إلى المقصود سبب سرعة الانقياد وسهولة القبول ولدلالته على الحكم من جهة اللفظ ومن جهة العلة وربما ترجح ما لم يدل على العلة من جهة أن المشقة فى قبوله أشد والثواب عليه أعظم.
قوله: (ووجهه ظاهر) وهو قوة أدلة عام المشافهة فيمن شوفهوا ونقصان دلالته فى غيرهم للخلاف فى تناوله والافتقار إلى دليل من خارج كالإجماع على عدم التفرقة ولقوله ﵇: "حكمى على الواحد حكمى على الجماعة".
стр. 2035
قوله: (فى وطء النكاح) فيه بحث لأن محل الخلاف هو الجمع بين الأختين بملك اليمين وقد دل قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: ٢٣]، بعمومه على حرمته، وقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]، بعمومه على إباحته إلا أن الأول أحسن بمسألة الجمع فيقدم قال الآمدى: إن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، فى الوطء قصد به بيان تحريم الجمع بين الأختين فى الوطء بملك اليمين فإنه مقدم على قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] حيث لم يقصد به بيان الجمع وعدل المحقق عن ذلك لظهور أن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، إنما هو فى تحريم وطء النكاح.
الشارح: (أمس بالمقصود وأقرب إليه مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]) أى فإن عمومه للوطء بالملك والنكاح أمس بحرمة الجمع.
الشارح: (إذ الآخر يجوز أن يكون قد سمعه قبل إسلامه) أى الآخر الذى لم يتأخر إسلامه يجوز أن يكون قد سمع ما رواه قبل إسلامه ممن تأخر إسلامه فيكون كالمنسوخ بتأخر ما رواه المتأخر إسلامًا وقوله: لظهور أن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] إنما هو فى تحريم وطء النكاح يقال: لا معنى لتقديمه على عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣].
قوله: (قال الآمدى: لقربه إلى المقصود بسبب سرعة الانقياد. . . إلخ) علل صاحب التحرير تقديم ما فيه العلة بإظهار الاعتناء لا بالأقبلية فلا يرد عليه أنه ربما ترجح ما لم يدل على العلة من جهة أن المشقة فى قبوله أشد.