وعبارة الشارح ليس الترديد فى جميعها بين النفى والإثبات فإن قوله: أو عما تستنبط هى منه ليس كذلك.
التفتازانى: (نظر بعضهم إلى أن من المباحث المتعلقة بالإثبات ما يرجع إلى أحوال الأحكام) ككون الوجوب موسعًا أو مضيقًا أو عينيًا أو كفائيًا إلى غير ذلك فجعل موضوعه الأدلة والأحكام، وفيه أن ذلك يرجع إلى أن الأمر للوجوب الموسع أو المضيق وغيرهما وحملها على الأحكام لا يقتضى أن الأحكام من الموضوع لجواز جعل موضوع المسألة عرضًا ذاتيًا للموضوع أو نوعًا سنه.
التفتازانى: (التى أكثرها أجزاء للعلم) وهو ما يستمد منه.
السعد ﵀: (فإطلاق المبادئ على الأمور المذكورة أيضًا تغليب) يعنى: أن المبادئ اصطلاحًا هى ما يتوقف عليها المقصود ذاتًا فقط وقد أطلقت على ما يتوقف عليه تصورًا وهو الحد وشروعًا وهو الغاية، ويؤيد هذا قوله فيما يأتى فأراد بالمبادئ ما هو المصطلح ويحتمل أنه يريد أن المبادئ إنما هى لغير التصورات والتصديقات التى ينبنى عليها مسائل العلم فإطلاقها على ما يشملها تغليب وهو ظاهر أول عبارته.
السعد: (إن جعل الأمور المذكورة) أى الأدلة وما ذكر بعدها وأما جعل المبادئ جزءًا فعلى ظاهره وقوله: التصورات والتصديقات يعنى التى هى مباحث الأدلة وما معها وقوله: أو المباحث تخيير فى التعبير المخرج عن الظاهر أى إما أن تقول المراد بالأدلة التصورات والتصديقات المتعلقة بها، أو تقول المراد المباحث المتعلقة بها فإن أراد بالتصورات والتصديقات المبادئ كان الأولى إبدال "أو" بالواو.
التفتازانى: (مع كونه خارجًا عن العلم) وذلك لأن التصديق بموضوعية الموضوع بعد صيرورته موضوعًا وهى بعد البحث عن عوارضه الذاتية فكيف تكون جزءًا من العلم.
السعد أيضًا: (أى الغرض الأصلى. . . إلخ) أى أن الاستنباط ليس مقصودًا فى الفن وبعضًا منه لأن ذلك مسائله بل غرض مقصود من الفن. قوله: (وعلى التقديرين إلى آخره) إذا كان المختصر عبارة عن الألفاظ من حيث دلالتها على المعانى كما هو الأصح كان المراد أنه ينحصر فى دوال ما ذكر من المبادئ وما معها
стр. 37
وإن كان عبارة عن المعاني فالأمر ظاهر لأن المبادئ معان وكذا ما معها.
قوله: (من حيث هو جزؤه) نقل عنه قدس سره أنه احتراز عن الأجزاء المحمولة فإن الحمل فيها ليس من هذه الحيثية يعنى فلا ترد الأجزاء المحمولة لأن الأجزاء من حيث هى أجزاء مأخوذة بشرط لا شئ ومباينة لما هى أجزاء له فلا يصح حملها من تلك الحيثية بل يصح حيلها من حيث إنها مأخوذة لا بشرط شئ، وهى بهذا الاعتبار يصح حملها واتخاذها مع كلها فى ضمن المأخوذ بشرط شئ قال فى شرح المواقف: الأجزاء المتمايزة بحسب العقل دون الخارج لها اعتبارات فإن الصورة العقلية تؤخذ تارة بشرط شئ أى بشرط أن ينضم إليها صورة أخرى فيطابقان معًا أمرًا واحدًا فلا يلاحظ تغايرهما بل اتحادهما كالحيوان والناطق المأخوذين من حيث أنهما يطابقان الماهية الإنسانية فالجنس بهذا الاعتبار هو النوع وكذا الفصل وتؤخذ تارة بشرط لا شئ أى بشرط أنها صورة على حدة بحيث إذا انضمت إلى صورة أخرى كانتا متغايرتين وقد تركب منهما ماهية ثالثة كالحيوان والناطق إذا اعتبرا موجودين متغايرين فى العقل وقد تركب منهما ماهية الإنسان فكل واحد من الجنس، والفصل بهذا الاعتبار جزء ومادة للنوع فلا يحمل بعضها على بعض وقد تؤخذ لا بشرط شئ فيكون لها جهتان إذ يمكن أن يعتبر التغاير بينها وبين ما يقارنها وأن يعتبر اتحادهما بحسب المطابقة لماهية واحدة وهذا هو الذاتى المحمول قال فى المواقف: ومعنى حمل الحيوان مثلًا على الإنسان أن هذين المفهومين المتغايرين فى العقل هويتهما الخارجية أو الوهمية واحدة فلا تلزم وحدة الاثنين ولا حمل الشئ على نفسه. اهـ. ثم إن حيثية الجزئية معتبرة فى تقسيم الكل إلى أجزائه بخلاف تقسيم الكلى إلى جزئياته وإن كان جزءًا من الجزئى، والجزئى كل له وكما لا يصح حمل الجزء على الكل لا يصح حمل الكل على الجزء إلا أن الجزئية فيه ليست ملحوظة ولذا صح الإخبار بالجزئى عن الكلى، واعلم أن أصل الكلام فى حمل الكل على أجزائه أو الكلى على جزئياته فالمناسب له أن يقول احترز بالحيثية المذكورة عن الجزء لا من هذه الحيثية فيصح أن يحمل عليه الكل، وقال الهروى: هذ الحيثية مانعة من صحة الحمل بين الكل والجزء سواء كان الكل موضوعًا أو محمولًا ومع قطع النظر عن تلك الحيثية قد يتحقق صدق الكل وحمله على جزئه.
стр. 38
قوله: (ويكون كل قسم) أى مفهومه لا ذاته وما صدق عليه.
قوله: (ويحتمل أن يقدر ما يتضمنه. . . إلخ) أشار بهذا التعبير إلى ضعفه ومرجوحيته بالنسبة لما ذكر أولًا وأيد هذا الاحتمال بقوله كما أشار إليه حيث قال فى وجه الحصر فيقال: ما يتضمنه الكتاب. . . إلخ. وحيث جوز اعتبار ما يتضمنه الكتاب فقد جوز اعتبار ما يتضمنه العلم.
قوله: (فيجعل من تقسيم الكلى إلى جزئياته) أى لأن المتبادر مما يتضمنه أخذه بصفة الأمر الكلى وإلا لم يبق للتقدير فائدة لأن مجموع ما يتضمنه الكتاب أو العلم هو عينه فلا يقال: إن كلمة ما مما يتضمنه يحتمل أن تكون باعتبار الشمول للكل وأن المراد المجموع فيكون الحصر من تقسيم الكل إلى أجزائه لا من تقسيم الكلى إلى جزئياته.
قوله: (وهو جزء لمفهومها) نقل عنه وإنما قال لمفهومها؛ لأنه لا يجب كونه داخلًا فى حقيقة الأقسام كما فى تقسيم الخواص كقولنا: الماشى إما كاتب أو ضاحك. اهـ. أراد بالأقسام الأفراد لا مفاهيمها.
قوله: (فإذا جعل الضمير للمختصر) أى إما باعتبار الظاهر أو بتقدير ما يتضمنه يدل على ذلك قوله: والاقتصار عليه ثانيًا فإن ذلك الاقتصار هو فى قوله: فيقال: ما يتضمنه الكتاب ويدل عليه أيضًا قوله: وجزئيات لما يتضمنه.
قوله: (لعدم الاحتياج إلى الاعتذار) أى بما فيه غاية التكلف فلا يرد أنه على تقدير رجوع الضمير إلى المختصر أو ما يتضمنه يحتاج إلى الاعتذار بما لا كبير تكلف فيه؛ وذلك لأن المختصر وما يتضمنه عبارة عن الألفاظ باعتبار دلالتها على المعاني على الراجح والمبادئ وسائر الأقسام ليست من قبيل الألفاظ وحاصل الاعتذار المحتاج إليه على جعل الضمير للعلم أو ما يتضمنه بخلاف ما إذا رجع للمختصر أو ما يتضمنه أن المبادئ بمعنى ما يتوقف عليه العلم ذاتا كاستمداده أو تصورًا كحده أو شروعًا كمعرفة غايته، كلها أجزاء للمختصر وجزئيات لما يتضمنه وليس كلها أجزاء للعلم ولا جزئيات لما يتضمنه لأن تصور العلم والتصديق بغايته خارجان عن العلم والذي منه إنما هو الاستمداد الذى هو بعض المبادئ فيحتاج إلى الاعتذار بارتكاب التغليب كما قال الشارح.
قوله: (ولأن الأنسب. . . إلخ) وذلك لأن العرف جار بتأخير حصر الشئ عن
стр. 39
تعريفه بناء على كفاية تصوره بالوجه فى بيان الحصر والمراد بالعلم المبين حصره هنا هو المراد به فى التعريف الآتى لأن شموله للحد وما معه من المبادئ بطريق التغليب فلا يرد ما قاله الهروى.
قوله: (وإن جعل الضمير للعلم) أى من غير تقدير ما يتضمنه أو بتقديره كما تقدم فى نظيره.
قوله: (ينبنى عليها) أى على التصورات والتصديقات إثبات مسائله وأهلية الموضوع أى التصديق بوجوده داخلة فى المبادئ التصديقية؛ لأنه مما ينبنى عليه المسائل لتوقف إثبات الأعراض الذاتية للموضوع عليها إذ ما لم يحصل التصديق بوجود الموضوع لم يمكن إثبات الأعراض له فالمراد بابتناء المسائل على المبادئ التصديقية توقفها عليها فى الجملة سواء كانت تلك المبادئ أجزاء قياسات العلوم أو لا.
قوله: (لدخوله فيه قطعًا) أى أنه لا بد من دخول ما يتضمنه العلم فى العلم وحده وغايته خارجان عنه فلا يصح أن يكونا من جزئيات ما يتضمنه العلم حقيقة.
قوله: (فلا يبعد تغليبها عليها) أى تغليب الاستمداد مع الأجزاء الثلاثة على المبادئ التى هى غير الاستمداد غير بعيد.
قوله: (وما قيل. . . إلخ) أى على أن الاستمداد مع كثرته جزء والقائل السعد فى حاشيته وقصد السيد رده بأنه توهم ووجهه: أن قول الشارح: أما إجمالًا فببيان أنه من أى علم استمد. . . إلخ، مع قوله: وأما تفصيلًا. . . إلخ، صريح فى أن مراده هو أن بيان الاستمداد قسمان لا أن بيان أنه من أى علم يستمد استمداد وقال ميرصدر: أنت خبير بأن البيان الإجمالى يغاير التفصيلى وأن الداخل هو الثانى لا الأول فعد الاستمداد مطلقًا جزءًا وحصر الخارج فى معرفة الحد والغاية فيه ما فيه.
قوله: (لجواز اشتماله على أهلية الموضوع) أى: اشتمال العلم على إثبات وجود الموضوع.
قوله: (من ركاكة المعنى) هى أن انحصار العلم المورد فى المختصر فى الأمور الأربعة انحصار للمختصر حقيقة وأولًا وبالذات فى هذه الأمور الأربعة فإرجاع
стр. 40
الضمير إلى العلم وإسناد الانحصار إليه ركيك ضعيف. اهـ. ميرصدر.
قوله: (بالمعنى المذكور) وهو ما يتوقف عليه العلم ذاتًا أو تصورًا أو شروعًا وفيه إشارة إلى أن المبادئ تطلق بغير ذلك وهو كذلك؛ لأنها عند المنطقيين ما ينبنى عليه مسائل العلم من التصورات والتصديقات فإدخال المقدمات من الحد والغاية فيها تغليب عند المناطقة.
قدس سره: (المتعلقة باستنباط الأحكام) أى: لا مباحث الأدلة مطلقًا لأنها من غير هذا الوجه ليست من الأصول.
قوله: (والاستدلال) هو فى الاصطلاح دليل ليس نصًا ولا إجماعًا ولا قياسًا وقد جعله المصنف ثلاثة أشياء تلازم بين حكمين من غير تعيين علة واستصحاب وشرع من قبلنا.
قوله: (وهى ما عداها) كقول الصحابى بالنسبة لصحابى آخر فإنه ليس بحجة اتفاقًا وبالنسبة لغيره ليس حجة على المختار وكالاستحسان والمصالح المرسلة.
قوله: (وبما يقابله. . . إلخ) أى: أن المتعلق بالاجتهاد عام شامل لتعلق ما يقابله وتعلق ما يستند إليه وهو الإفتاء وما يستند إلى مقابله وهو الاستفتاء، وإنما أريد ذلك لئلا يخرج مباحث التقليد والاستفتاء والإفتاء مع أنها جعلت جزءًا من المختصر أو العلم ولا يتيسر اندراجها فى سائر الأقسام.
قوله: (وبما يتوقف عليه من التعارض) إنما توقف الترجيح عليه لأن ترجيح بعض الأدلة الظنية على بعض إنما يكون عند التعارض وقوله: أو بما يعادله أى يعادل الترجيح ويماثله وقوله: من التوقف أى فى الحكم وقول: أو التخيير أى فيه فالمراد بتعلقها بالترجيح ما يشمل ذلك لئلا يبطل الحصر.
قوله: (ولو جعلت. . . إلخ) عليه يكون فى قول الشارح وإنما يكون منها استخدام.
قوله: (حيث ذكر. . . إلخ) تعليل للتقييد بقوله بالذات، وأما القيد الآخر وهو قوله من الفن فمن الواقع ونفس الأمر.
قوله: (حيث ذكر فيما وقع. . . إلخ) أى فى بيان ما وقع. . . إلخ. وهذا بناء على الظاهر فلا يرد أن الذى وقع فى مقابلة المبادئ هو الاجتهاد بمعنى مسائله والاستنباط المذكور الآن المراد به نفسه لما علمت من أن المراد ما ذكر فى بيان ما
стр. 41
وقع لا نفس ما وقع وأنه بناء على الظاهر.
قوله: (فما قيل) قائله الأبهرى وحاصله: أنه جعل الاستنباط مقصودًا بالعرض والمقصود بالذات هو المسائل واستدل على ذلك بذكره أن الاستنباط مقصود فى هذا المحل وفى قوله: وهو الاستنباط المقصود وأنه غرض لقوله ولما كان، الغرض منه الاستنباط مع جعل مسائله مقصودة بالذات وقد رده المحشى بأنه وساقط فاسد أما سقوطه فلما بين من أن الظاهر أن المراد المقصود بالذات حيث ذكر فى بيان ما وقع بإزاء المبادئ التى هى مقصودة فى الجملة وأما الفساد فلأن جعل المسائل مقصودة بالذات والغرض مقصودًا خلاف الصواب بل المقصود بالذات من الفن هو الغرض وأما المسائل فمقصودة بالعرض وجعلها هنا مقصودة بالذات نظرًا إلى المبادئ التى هى وسيلة إليها فلا ينافى أنها بالنسبة إلى الغرض مقصودة ثانيًا وبالعرض.
قوله: (وما ينتمى إليها) أى من أحكام الوضع قوله: ولم يرد أن العقل. . . إلخ. أى: فليست "ال" فى الأحكام للاستغراق.
قوله: (من أنه صواب دائمًا) أى بناء على أن حكم اللَّه فى كل حادثة ما أدى ظن المجتهد إليه فهو حكمه فى حقه وحق مقلده وقوله: أولًا أى بناء على أن حكم اللَّه فى الحادثة معين فمن أصابه وإن مصيبًا ومن أخطأه كان مخطئًا وإن كان غير مؤاخذ بل مأجور.
قوله: (مردد. . . إلخ) تفسير لقوله: عقلى، وقوله أى ما لا يكون كذلك تفسير لقوله: استقرائى فظاهره أن حصر الحصر فى العقلى والاستقرائى عقلى لأنه مردد بين النفى والإثبات ويجزم العقل بمجرد ملاحظته به وذلك ينافى ما نقل عن المحشى فى حاشية الحاشية من قوله وكذا التقسيمة أيضًا استقرائى إشارة إلى تقسيم الحصر إلى العقلى والاستقرائى، وجوابه: أن قول المحشى فيستند. . . إلخ، تفسير لقوله ما لا يكون كذلك وصرف له عن ظاهره من النفى المقابل للإثبات فى قوله فى بيان الحصر العقلى مردد بين النفى والإثبات. . . إلخ. فكأنه قال واستقرائى وهو ما يستند انحصاره إلى التتبع فلم يكن حصر الحصر فى العقلى والاستقرائى مرددًا بين النفى والإثبات فصح قوله فى حاشية الحاشية أنه استقرائى لكن يرد على ذلك أن الحصر قد يكون ثابتًا بالبرهان كحصر المفهوم فى الواجب
стр. 42
وقسيميه وقد يكون محتاجًا إلى ملاحظة مقدمة أجنبية كقولنا الشئ إما موجود بوجوده الخاص أو غير موجود أصلًا فإنه يحتاج إلى ملاحظة امتناع كون الشئ موجودًا بوجود غيره، وأجيب بأن المراد حكى الحصر المشهور فى العقلى والاستقرائى وما ذكر وإن كان من الحصر لكنه غير مشهور على أن حصر المفهوم فى الواجب وقسيميه حصر عقلى يجزم العقل به بمجرد ملاحظة أطرافه ثم: إن المحشى فى حاشية الحاشية قال: القسمة إن كانت عقلية فهي بديهية لا تحتاج إلى دليل وإن كانت استقرائية فدليلها أنه لو كان هناك قسم آخر لوجد بالتتبع لكن التالى باطل فكذا المقدم والملازمة ظنية أى هذه الملازمة من حيث هى ظنية لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود فاعترض بأن الحصر الاستقرائى قد لا يحتاج إلى دليل كحصر القرآن فى سورة والكتاب فى أبوابه فإنه استقرائى بتتبع الجزئيات أو الأجزاء ويجزم به العقل بمعونة من الحس من غير احتياج إلى الدليل ولو سلم فالملازمة قطعية، وأجيب بأن مجرد تتبع الجزئيات أو الأجزاء غير المحصورة عقلًا وإن بولغ فيه لا يفيد الجزم بالانحصار بل الظن بواسطة الدليل المذكور فهذا هو الحاصل من الاستقراء والزائد عليه من آخر خارج عنه.
قوله: (سواء كان فى الجزئيات. . . إلخ) أى: سواء كان الانحصار المستند إلى التتبع والاستقراء فى الجزئيات كانحصار الدلالة اللفظية فى الوضعية والطبيعية والعقلية فإنه بالاستقراء فإن دلالة اللفظ إذا لم تكن مستندة إلى الوضع ولا إلى الطبع لا يلزم أن تكون مستندة إلى العقل فقط لكن استقرأنا فلم نجد غير هذه الأقسام الثلاثة.
قوله: (والمقصود من القسمة. . . إلخ) المراد بها هنا الانحصار فى الأقسام وحاصل ما أشار إليه الفرق بين الاستقراء هنا والاستقراء المقابل للقياس والتمثيل باختلاف المقصود من كل.
قوله: (فإنها إنما تتصور. . . إلخ) أدمج فيه أنه لو كان المراد بالاستقراء هنا هو المقابل المذكور للزم الدور كما صرح بذلك فى حاشية الحاشية، وذلك أن الاستقراء بمعنى الاستدلال بأحكام الجزئيات على حكم الكلى متوقف على حصر الكلى فى جزئياته فلو كان الاستقراء هذا بهذا المعنى وجعل دليلًا على القسمة بمعنى انحصار المقسم فى أقسامه لكان الانحصار المذكور متوقفًا على الاستقراء
стр. 43
المتوقف على ذلك الانحصار وهذا دور.
قوله: (فمن قال ذلك) أى الاستقراء والقائل السعد وقوله: على تشبيه الأجزاء. . . إلخ. أى لأن الاستقراء المتعارف إنما هو الاستدلال بالجزئى على الكلى وقد أطلق على الاستدلال بالجزء على الكل وقوله: أو على أن الأمور المذكورة. . . إلخ. أى فيكون الاستقراء بمعناه المتعارف.
قوله: (معناه لغة) هو المراد هنا لكن لا بمعنى الاستدلال كما قال.
قوله: (فقد ركب شططًا) أى تجاوز الحد وقد نقل عن المحشى أنه قال: كيف وصورة الاستقراء أن يقال: جزء العلم أو الكتاب إما هذا أو ذاك وكل الواحد منهما ثبت له الحكم الفلانى فكل ما هو جزء منه ثبت له ذلك الحكم ولا شك فى توقفه على التقسيم فلو أثبت به كان دورًا. اهـ.
قوله: (لخرج المبادئ وحدها) أى لخرج من القسمة المذكورة المبادئ وحدها لانطباق القسم غير المقصود بالذات ويتوقف عليه المقصود بالذات عليها وحدها ولا يشمل ما هو ساقط عن درجة الاعتبار.
قوله: (ويبقى الإرسال) أى عدم التقييد بالمقسم فى القسم الأخير قد يقال: إن ما يتضمنه الكتاب أو العلم ليس محصورًا فى ذاته بقطع النظر عن الواقع على ما يتوقف عليه المقصود بالذات والمقصود بالذات إذ يجوز أن يكون منه ما كان غيرهما فيكون الإرسال فى موضعين لا فى القسم الأخير فقط.
قوله: (وكان أشبه بالحصر العقلى) أى لذكر الترديد بين النفى والإثبات فى جميع الأقسام بخلاف ما ذكره الشارح فإن قوله: أو عما تستنبط هى منه ليس كذلك.
قوله: (إما مطلقًا) أى لا باعتبار التعارض فصح أن يقابل بقوله: أو باعتبار التعارض وإلا فالمطلق لا يقابل المقيد إذ هو فرد منه.
قوله: (نظرًا إلى الظاهر) ولم ينظر إليه فى الأحكام لأنها فى طرف الثبوت بخلاف الترجيح والاجتهاد ففي طرف الإثبات كالأدلة التى هى الموضوع فى الحقيقة.
قوله: (وإذا عرف أحوال. . . إلخ) غرضه دفع ما يقال: بقى من أجزاء العلم معرفة أحوال الأدلة التفصيلية.
стр. 44
قال: (فالمبادئ حده وفائدته واستمداده).
أقول: قد ذكر من مبادئ العلم ثلاثة أمور:
أحدهما: حده؛ لأن كل طالب كثرة تضبطها جهة وحدة حقه أن يعرفها بتلك الجهة إذ لو اندفع إلى طلبها قبل ضبها لم يأمن أن يفوته ما يعنيه ويضيع وقته فيما لا يعنيه.
ولا شك أن كل علم مسائل كثيرة تضبطها جهة وحدة باعتبارها تعد علمًا واحدًا يفرد بالتدوين والتعليم.
ومن تلك الجهة يؤخذ تعريفه فإن كان حقيقة ومسمى اسمه ذلك كان حدًا له وإلا فلا بد أن يستلزم تميزها فيكون رسمًا له فإذًا لا بد لكل طالب علم أن يتصوره أو لا يحده أو يرسمه ليكون على بصيرة فى طلبه فإن من لم يتصور كذلك ركب متن عمياء وخبط خبط عشواء.
وثانيهما: فائدته ليخرج عن العبث وليزداد جد طالبه فيه إذا كانت مهمة ولئلا يصرف فيه وقته إذا لم يوافق غرضه.
وثالثها: استمداده إما إجمالًا فببيان أنه من أى علم يستمد ليرجع إليه عند روم التحقيق وإما تفصيلًا فبإفادة شئ مما لا بد من تصوّره وتسليمه أو تحقيقه لبناء المسائل عليه.
قوله: (قد ذكر من مبادئ العلم) أى مما يبدأ به قبل الشروع فى مقاصد العلم سواء كانت خارجة عنه وتسمى مقدمات كمعرفة الحد والغاية وبيان الموضوع والاستمداد، أو داخلة وتسمى مبادئ كتصور الموضوع والأعراض الذاتية والتصديقات التى منها تتألف قياسات العلم، إذ لو أريد بالمبادئ المصطلح عليها لم يصح جعل الحد والفائدة والاستمداد إجمالًا منها ولو أريد ما سماه المصنف مبادئ كانت كلمة وفائدته واستمداده، فاندفع ما قيل من أن المبادئ إن حملت على المصطلح لم يصح جعل الحد والغاية منها وإن حملت على ما سماه المصنف مبادئ كانت كلمة من لغوًا؛ لأن ما ذكر نفس المبادئ لا بعضها وأجيب أيضًا باختيار الشق الثانى وهو أنها للبيان قدم على المبين وإنما لم يذكر الموضوع فى المبادئ لأن تصوره داخل فى الاستمداد أعنى المبادئ بالمعنى الأخص والتصديق بموضوعيته من
стр. 45
مقدمات الشروع على بصيرة فاكتفى عنه بالحد من لغوًا؛ لأن الأمور المذكورة نفس المبادئ لا بعض منها.
قوله: (حقه أن يعرفها) أى الأنسب بحاله والأعون على تحصيل مراده لأن ما ذكر من قوله لم يأمن. . . إلخ. لا يفيد اللزوم، ولذا قال فى آخر الكلام ليكون على بصيرة فى طلبه.
قوله: (كل علم مسائل كثيرة) لا شك أن من أجزاء العلم الموضوعات أعنى التصديقات بهيئتها، ومنها المبادئ التصورية والتصديقية على ما مر لكن لما كان كلامه فيما هو المطلوب فى العلم والمقصود منه اقتصر على ذكر المسائل.
قوله: (فإن كان حقيقة مسمى اسمه ذلك) ينبغي أن يعلم أن جهة الوحدة للعلم بالذات والحقيقة هو الموضوع لا غير، لأنه لا معني لكون هذا علمًا وذاك علمًا آخر سوى أنه يبحث هذا عن أحوال شئ وذاك عن أحوال شئ آخر ثم بتبعية ذلك يكون لهذا تعريف أو غاية أو خاصة، ولذاك تعريف آخر أو غاية أو خاصة فحدّه الحقيقي ما يؤخذ من الموضوع بأن يقال هو علم يبحث عن أحوال كذا وكذا وهذا تصور لمفهوم العلم وحقيقته وأما ذاته وهويته فهو التصديق بالمسائل على التفصيل، ولا خفاء فى أن جهة الوحدة لا يلزم أن تكون محمولة كالموضوع والغاية ولا خاصة لازمة بينة فالشارح إن أراد حصر جهة الوحدة فى الحد والرسم فليس بصحيح، وإن أراد حصر التعريف المأخوذ منها فيهما فالتقريب غير تام لأن الاحتياج إلى معرفة جهة الوحدة لا يوجب الاحتياج إلى التصور بالحد والرسم؛ لجواز أن يعرف بجهة أخرى وتحصل البصيرة باعتبارها.
قوله: (ليخرج عن العبث) أى الفعل لا لفائدة لأنه إذا لم يعرف فائدة العلم ربما يكون عابثًا فى طلبه، والفائدة اسم للغاية من حيث حصولها من الفعل والغرض اسم لها من حيث كونها مقصودة للفاعل فربما لا يتوافقان، كما إذا حاول الاحتراز عن الخطأ فى الفكر واشتغل بعلم النحو.
قوله: (عند روم التحقيق) يعنى أن المبادئ الغير البينة لعلم الأصول مثلًا المبينة فى علم آخر وإن كان تسليمها كافيًا فى الأصول لكن عند قصد الحقيقة والإحاطة بدلائله، بحيث لا يبقى شئ من المقدمات غير مبين عند المستدل يلزم الرجوع إلى العلم الآخر.
стр. 46
قوله: (مما لا بدّ من تصوّره) كالأشياء المستعملة فى العلم من الموضوع وأجزائه وجزئياته وأعراضه الذاتية، ومن تسليمه كالتصديقات الغير البينة التى تبين فى علم آخر أو فى هذا العلم لكن بمسائل لا يتوقف عليها لئلا يلزم الدور، أو من تحقيقه كالتصديقات البينة التى يجب قبولها وتسمى القضايا المتعارفة.
قوله: (قد ذكر من مبادئ العلم) نبه بلفظة من التبعيضية على أن المبادئ بالمعنى الأعم المقصود ههنا ليست منحصرة فيما ذكر لاندراج الموضوع فيها قال المصنف فى المنتهى فالمبادئ حده وموضوعه، وأما أهليته وإن عدت من أجزاء المعلوم فلأن ثبوت الكتاب والسنة معلوم من الدين ضرورة والإجماع يستدل عليه من بابه.
قوله: (لأن كل طالب كثرة) الطلب فعل اختيارى لا يتأتى إلا بإرادة متعلقة بخصوصية المطلوب موقوفة على امتيازه عما عداه، فإن كان واحدًا فلا بد من تصوره كذلك إذ لو لم يتصوره أصلًا امتنع طلبه قطعًا وإن تصوره باعتبار أمر شامل وقصد تحصيله فى ضمن جزئى لا بعينه فربما أداه إلى ما ليس بمطلوب، وإن كان متكثرًا فإما أن لا يكون لتلك الكثرة جهة وحدة تضبطها وتجعلها شيئًا واحدًا وتميزها عما سواها فيجب عليه تصور كل واحد على قياس ما سبق، وإما أن يكون لها تلك الجهة فحقه أن يعرفها باعتبارها إذ لو لم يتصورها بوجه استحال طلبها وأن توجه إلى تصور كل واحد منها بخصوصه تعذر عليه أو تعسر ولذلك قال: حقه دون أن يقول: عليه، أن يعرفها إلى غير ذلك مما يدل على وجوبه وتعينه وإن تصورها بما يعمها وغيرها لم تتعلق الإرادة بخصوها, ولو اندفع إلى طلبها من حيث إنها جزئى للمفهوم العام قبل ضبطها بجهة الوحدة لم يتميز عنده المطلوب، ولم يأمن أن يؤديه الطلب إلى غيره فيفوت ما يعنيه ويضيع عمره فيما لا يعنيه، ومن حمل كلامه على الوجوب زاعمًا أن ترك معرفتها من تلك الجهة والعدول إلى معرفتها من جهة أخرى يتضمن خوف فوات المطلوب وتضييع العمر ودفعه واجب عقلًا، فإن أراد أنه لا بد منه فى تحصيله فقد ظهر بطلانه، وإن أراد ما يتوقف على قاعدة التحسين فلا يناسب المقال، ولا نقول به أيضًا، وإن أراد الوجوب العرفى فمآله إلى ما ذكر من الأولوية.
قوله: (ولا شك أن كل علم) من العلوم المخصوصة المدونة، (مسائل كثيرة) لها
стр. 47
جهة وحدة تصيرها شيئًا واحدًا، إذ الكل متشاركة فى أنها تصديقات وأحكام بأمور على أخرى وإنما صار كل طائفة من هذه الأحكام علمًا خاصًا بواسطة أمر ارتبط به بعضها ببعض وصار المجموع ممتازًا عن الطوائف الأخرى ولولاه لم تعد علمًا وحدًا ولم يستحسن إفراده بالتدوين والتعليم، ثم ذلك الأمر يحتمل عقلًا أن يكون موضوع العلم بأن يكون مثلًا موضوعات مسائله راجعة إلى شئ واحد كالعدد للحساب، وأن يكون غايته كالصحة فى مسائل الطب الباحث عن أحوال بدن الإنسان والأدوية والأغذية من حيث إنها تتعلق بالصحة، وقد يجتمعان كما فى أصول الفقه، إذ يبحث فيه عن أحوال الدليل السمعى لاستثمار الأحكام ويحتمل أن يكون راجعًا إلى المحمولات باندراجها تحت جامع لها على قياس الموضوع إلى غير ذلك من الاحتمالات العقلية، وإن لم يكن واقعًا والأصل الذى لا بد من اعتباره فى جهة الوحدة هو الموضوع، لأن المحمولات صفات مطلوبة لذوات الموضوعات، فإن اتحد فذاك وإن تعدد فلا بد من تناسبها فى أمر واتحادها بحسبه؛ إما ذاتى كأنواع المقدار المتشاركة فيه لعلم الهندسة، أو عرضى، كموضوعات الطب فى الانتساب إلى الصحة وكأقسام الدليل السمعى فى الدلالة على الأحكام إذا جعلت موضوعًا لهذا الفن، ومن ثمة تراهم، يقولون: تمايز العلوم بتمايز الموضوعات بأن يبحث فى هذا عن أحوال شئ أو أشياء متناسبة، وفي ذاك عن أحوال شئ آخر أو أشياء متناسبة أخرى، ولا يعتبرون رجوع المحمولات إلى ما يعمها فالموضوع إما واحد أو فى حكمه كما إذا قيس المتعدد إلى وحدة الغاية مثلًا فإن قلت قد صرحوا بأن الموضوعات أى أهليتها والمبادئ بالمعنى الأخص من أجزاء العلوم أيضًا فالمتبادر من كلامه خلافه، وأجيب أنه لما كان نظره فيما هو المقصود من العلم اقتصر على ذكر المسائل، وقد يقال: عدهما من الأجزاء إنما هو لشدة اتصالهما بالمسائل التى هى المقصودة فى العلم ولولاها لم يلتفت إلى ما عداها؛ فالمناسب أن تعتبرها وحدها حقيقة يرشدك إلى ذلك ما أوردوه تفسيرًا لمفهومات العلوم على أنه أمر اصطلاحى فلكل أن يصطلح على ما يترجح عنده.
قوله: (ومن تلك الجهة) إذا أريد تعريف علم خاص فلا بد أن يؤخذ من جهة وحدته، فإن تعددت جاز الأخذ من كل جهة والموضوع أولى ومن المجموع إذ لو أخذ تعريفه من حيث إنه متكثر لم يحصل المطلوب أعنى معرفة ما هو علم واحد
стр. 48
من حيث هو كذلك، وأيضًا قد عرفت أن ذلك متعذر أو متعسر، فالمأخوذ إن كان حقيقة مسمى اسم ذلك العلم كان حدًا له حقيقيًا، إما تامًا إن كان تمامها، وإما ناقصًا إن كان بعضها وإلا فلا بد أن يستلزم المأخوذ تميز تلك الحقيقة لأخذه من جهة الوحدة الضابطة المميزة فيكون حدًا له رسميًا، فقد ظهر أنه لا بد لكل طالب علم أى من حقه أن يتصوره أو لا بأحدهما ليمتاز عنده فيصح توجهه إليه بخصوصه، فيكون على بصيرة فى طلبه إذ لو تصوره بما يشمله وغيره كان على متن عمياء وخبط خبط عشواء، والحاصل أن حق الطالب أن يتصوره بتعريفه المأخوذ من جهة وحدته، فإن ذلك أزيد لبصيرته وأسهل فى معرفته، فإن قلت: ما فائدة ذكر الاسم وهلا قال حقيقة مسماه؟ قلت: لأن حقيقة العلم كما عرفت مسائل كثيرة، فإدراكها بحدها إنما يكون بتصور خصوصيات المسائل التى هى أجزاؤها، وقد بان تعذره فالمطلوب تصور مدلول اسمه المطابقى ومسماه الحقيقى الذى هو عارض للمسائل باعتبار وحدتها فالمأخوذ إن كان تفصيلًا له كان حدًا له بحسب الاسم، وإلا فهو رسم له بحسبه، وأما بالقياس إلى حقيقة العلم فرسم.
قوله: (وثانيها فائدته) من حق كل طالب علم أن يعرف فائدته المترتبة عليه المقصودة منه أى يعتقد ذلك إما جزمًا أو ظنًا إذ لو لم يصدق بفائدة ما فيه استحال إقدامه عليه وإن اعتقد ما لا يعتد به مما يترتب عليه عد كده عبثًا عرفًا وإن اعتقد باطلًا فربما زال فى أثناء سعيه فكان عبثًا بلا فائدة فى نظره.
واعلم أن كل حكمة ومصلحة تترتب على فعل تسمى غاية من حيث إنها على طرف الفعل ونهايته وفائدة من حيث ترتبها عليه فتختلفان اعتبارًا وتعمان الأفعال الاختيارية وغيرها، وأما الغرض فهو ما لأجله إقدام الفاعل على فعله ويسمى علة غائبة له ولا يوجد فى أفعاله تعالى، وإن جمة فوائدها وقد يخالف فائدة الفعل كما إذا أخطأ فى اعتقادها وما قيل من أن المقصود يسمى غرضًا إذا لم يمكن للفاعل تحصيله إلا بذلك الفعل فاصطلاح جديد لم يعرف سنده لا عقلًا ولا نقلًا.
قوله: (وثالثها استمداده) يعنى ما يتوقف عليه المسائل تصورًا أو تصديقًا وبيانه إن كان غير ضروري على وجهين، أما الإجمالى فقد أفاده المصنف بقوله: وأما استمداده فمن الكلام إلى قوله: وإلا جاء الدور وذلك ليرجع إليها إذا أريد التحقيق إذ يقصر عنه تسليم المبادئ المبينة هناك وعقبه بالتفصيلى وهو أن يفاد شئ
стр. 49
مما لا بد من إدراكه؛ فإن كان تصورًا فذاك وإن كان تصديقًا فلا بد من أحد الأمرين إما تسليمه إن كان قريبًا من الطبع يسكن إليه التعلم وإما تحقيقه إن لم يكن كذلك؛ فينقل من برهانه ما يحققه بقدر ما يمكن معه بناء المسائل عليه وما قيل من أن التصور بين ذاته بديهيًا كان أو كسبيًا والتصديق البديهى يتحقق فى هذا العلم والكسبى يتسلم فيه ويتحقق هناك، يرد عليه أن البديهى لا يحتاج إلى بيان وتحقيق وإن صدر به بعض العلوم.
قوله: (فالمبادئ حدّه) أى حده الاسمى لأن التحقيق أن أسماء العلوم موضوعة بإزاء مفهومات كلية، ومن قال إن تلك الأسماء موضوعة بإزاء المسائل أو تصديقات متعلقة بها أو الملكة والأمر فى التحديد والتعريف باعتبار (١) أنه مشكل، أو المذكور فى مقام التعريف مفهوم على وله فرد هو المسائل وليس ذلك الفرد فردًا للمحدود الذى هو العلم أى المسائل ولا تكون المساواة بين الحد والمحدود، قيل: إذا وقع التحديد بالأمور الخارجية فالحد هو الخارج المفصل والمحدود هو ذلك الخارج المجمل كما إذا عرّفنا الإنسان بالحيوان الضاحك، فالحد هو الحيوان الضاحك والمحدود هو حقيقة الإنسان باعتبار ذلك الوجه وتجب المساواة بين هذا الحد وبين الإنسان باعتبار ذلك الوجه وحاصله اشتراط المساواة بين الحد وبين ذلك الوجه الإجمالى ومن قال اسم العلم موضوع بإزاء المسائل وليس له مفهوم كلى قال إن المحدود ههنا هو الوجه الإجمالى وهو مساو للتفصيلى الذى هو الحد.
قوله: (وفائدته) أى التصديق بأن الشئ الفلانى فائدة تترتب عليه فإن الفائدة المطلقة والعلم بترتبها عليه بأن يعتقد أن هناك فائدة من غير ملاحظة خصوصية لا يمكن الشروع بمجردها، والفائدة التى هى فائدته فى نفس الأمر لا تجب فى الشروع كذا ذكره بعض الأذكياء، والمفهوم من بعض المواضع أن الشارع يكفى فى شروعه التصديق بأن فى الفعل الشروع فيه فائدة ولا تجب ملاحظة خصوص فرد منها.
стр. 50
قوله: (قد ذكر من المبادئ ثلاثة أمور) قد اختلف مقالتهم بسبب ذكر لفظة "من" والمصنف ذكر فى هذا الكتاب أن مبادئ العلم هذه الأمور الثلاثة وذكر فى كتابه الآخر أنها أمور أربعة وبعضهم قال لفظة من ههنا للتبعيض إذ الموضوع أيضًا من المبادئ، وبعضهم قال لفظة من للبيان وعدم اعتبار الموضوع قسمًا على حدة مبنى على أن تصوره من الاستمداد والتصديق بموضوعيته مستغن عنه وأهليته غير مذكورة فى بابها إذ هى معلومة فى غيره، والأولى هو الثانى لأن المراد بالمبادئ بها يتوقف عليه المقصود ذاتًا أو شروعًا، والتوقف بالنسبة إلى الحد والغاية ظاهر لأن الشارع الطالب يجب أن يتصور العلم بأمر مختص به وإلا لم يكن طالبًا له إذ لو تصوره بأمر الأعم مثلًا لا يمكن له الطلب لهذا الأمر الخاص بل مطلوبه على هذا التقدير ما يصدق عليه ذلك الأعم وجميع الخواص فيه مساوية فإذا وجد واحد وجد المطلوب ولو سلم أن الشروع يمكن بدون الأمر المختص فالشروع على البصيرة يتوقف عليه، ويجب على الشارع أن يتصور له فائدة لأن الشروع فعل اختيارى ولا بد فيه من تصور فائدة وأما التوقف على الموضوع فليس بثابت إذا أريد التصديق بالموضوعية، وإن أريد التصور فهو داخل فى الاستمداد وإن أريد أهليتها فهى ليست مما يتوقف عليه الشروع ويكون من المبادئ كما ذكره سابقًا فهى مما يتوقف عليه الذات ومنه الاستمداد.
قوله: (قدّم على المبين) يعنى أن لفظة من إذا كانت للبيان فالظاهر تأخيرها عن المبين ولذا قال السائل: إن كلمة من لغو لأن معنى التبعيض فاسد مع أن عدم صحة إرادة التبعيض لا يستلزم كونها لغوًا لجواز إرادة معنى آخر والنكتة فى تقديمه أن المبدئية ههنا أهم لأنه فى بيان التعليل على المبدئية للأمور الثلاثة واعتبار كونها ثلاثة لأجل تعليل كل منها على حدة، وأيضًا لو أخر البيان لصار بمنزلة الوصف والأظهر من التركيب التوصيفى فى الكلام أن يكون معلومًا للسامع مسلمًا عنده مع أن الشارح يكون بصدد التعليل لإثبات كون الأمور الثلاثة من المبادئ ولفظة من البيانية تقتضى أمرًا مبهمًا فى ذاته سواء كان مقدّمًا أو مؤخرًا ولا يلزم أن يقصد من ذكر المبهم شوق النفس إلى ما قصد حتى يجب تأخر البيان بل قد يقصد منه إثبات معنى للمفصل وهو ههنا كون المبادئ الثلاثة.
قوله: (فاكتفى عنه بالحد) لقائل أن يقول: يجب الاكتفاء بالتصديق بالفائدة أمر
стр. 51
مختص بالمطلوب يوجب تميزه عن الطالب قيل لا نسلم الاختصاص إذ يجوز حصولها من شئ آخر سلمنا ذلك، لكن لا يمكن الاكتفاء بالتصديق بالفائدة لأن التصديق باعتبار نفسه لا يفيد بصيرة وتميزًا فى المطلوب فإنا إذا حكمنا على رجل بأنه عالم يكون الرجل فى هذا التصديق باقيًا على عمومه لا يتقيد بالمحمول ولا يتميز فيه بعض عن بعض، وبعد ذلك يجعله الحاكم مقيدًا بالعالم ويقول الرجل الذى هو عالم وبصير باعتبار ذلك آلة لملاحظة البعض ويتميز ذلك البعض عنده وهذا حاصل التعريف فالحد يكون ضروريًا فى الشروع بالبصيرة فإن اعتبر كون التصور بالوجه من مقدمات الشروع وذكر الحد لتحصيل ذلك المطلق فالتصديق بالفائدة بعد الحد قطعًا باعتبار ذلك المطلوب، وحاصل ما ذكره فى الجواب أن المصنف لم يذكر الموضوع فى المبادئ على وجه يكون قسمًا على حدة كما ذكره فى كتابه الآخر بأن يقول فالمبادئ حده وغايته وموضوعه واستمداده وأنه جعل المبادئ عبارة عن الأمور الثلاثة، فصح جعل من بيانية لأن الموضوع إذا ذكر على هذا الوجه يحتمل أمورًا ثلاثة إرادة تصوره أو التصديق بموضوعية الموضوع أو التصديق بوجوده أما الأول فهو داخل فى الاستمداد وأما الثانى والثالث فليس شئ منهما بتمامه مذكورًا فى الكتاب فلا يصح ذكر الموضوع فى عنوان الكلام، وأنت إذا نظرت فى هذا الجواب لا تجد شيئًا يدل على أن المبادئ بحسب المفهوم لا تتناول الموضوع بل فيه استعذار لعدم ذكر بعضه فى الكتاب فيجوز أن يكون لفظ المبادئ المذكور فى تقسيم الكتاب إلى أجزائه له مفهوم عام شامل لما هو جزء من الكتاب ولغيره، ثم إذا شرع فى تفصيل أجزاء الكتاب يجب أن يقيد ذلك العام على وجه لا يتناول غير الجزء إذ تفصيل ذلك الغير لا يكون مطلوبًا، كما إذا قلنا الحيوان إما أبيض أو أسود والأبيض الذى هو من الحيوان حاله كذا فإذا قال فالمبادئ يجب أن يقصد منه المبادئ المذكورة فى الكتاب وليس فيه ركاكة قطعًا.
قوله: (وأما أهليته وإن عدّت) أى وأما عدم ذكر الموضوع باعتبار أهليته حال كونها من أجزاء العلوم فوجهه ما ذكر، وحاصل هذا الجواب تركها فى الكتاب والترك حال كونها جزء من العلم مستبعد بالنسبة إلى تركها حال كونها غير جزء والأمر فى عدم ذكر القياس سهل.
قوله: (موقوفة على امتيازه عما عداه) يعنى أن الطالب يجب عليه أن يتصور
стр. 52
مطلوبه إما بخصوصه من غير أن يجعل مفهوما كليًا آلة لملاحظته هو بأمر صادق عليه مختص به فإن كان المطلوب واحدًا فلا بد من تصوره كذلك إذ لو لم يتصوره أصلًا امتنع طلبه وإن تصوره فى ضمن مفهوم عام فلا يتعلق به إرادته وإن تصوره بأمر عام وقصد تحصيل ذلك العام فى ضمن فرد منه لا بعينه فربما آداه إلى ما ليس بمطلوب وأنت خبير بأن تلك الأقسام الثلاثة كما تجرى فى المطلوب الكثير وسيأتى ذكرها تجرى فى المطلوب الواحد أيضًا إلا أنه ترك القسم الثانى هنا وكأنه أشار بقوله وقصد تحصيله فى ضمن جزئى لا بعينه، مع أن الظاهر انتساب قصد التحصيل إلى الخاص الذى هو المطلوب فإن ما يقصد تحصيله ليس إلا المطلوب إلى أنه إذا تصور الشئ بأمر عام لم يكن طلب ذلك الشئ وقصد تحصيله بل الذى يمكن طلبه وقصد تحصيله هو المفهوم العام فى ضمن جزئى منه.
قوله: (فربما أداه إلى مما ليس بمطلوب) ههنا بحث وهو أن الفطرة السليمة حاكمة بأنه إذ لم يتصور شئ بخصوصه لم يمكن طلبه من العاقل المختار، فإنه إذا تصور المفهوم العام والتفت إلى أفراده من غير ملاحظة خصوص فرد أو ما يختص به لا يمكن له إلا طلب فرد غير معين فكل فرد من تلك الأفراد إذا حصل له فهو مطلوبه فلا يكون التأدية إلى ما ليس بمطلوب ويمكن أن يجاب بأن تصور المطلوب باعتبار أمر شامل فقط محال مفروض وقوعه فى مقدم الشرطية لزيادة التقرير والتوضيح.
قوله: (على قياس ما سبق) أى فى المطلوب الواحد من استحالة عدم تصوره مطلقًا واستحالة تصوره فى ضمن مفهوم عام عند طلبه بخصوصه وأنت تعلم أن جهة الوحدة يجب أن تعتبر ههنا على وجه يتناول كل واحد مما هو صادق على الكثرة المطلوبة مختصًا بها حتى يصح قوله فيجب عليه تصور كل واحد؛ لأن المعلوم مما سبق وجوب تصور المطلوب إما بخصوصه أو بأمر مختص به فإذا قال إن لم يكن لتلك الكثرة جهة واحدة بمعنى أن لا يكون لها مفهوم كلى مختص لزم وجوب تصور كل واحد ولو كان المراد بجهة الوحدة ما هو أخص من ذلك لم يلزم مما سبق ومن انتفاء جهة الوحدة للكثرة وجوب تصور كل واحد لجواز أن يتصور الكثرة بخاصة لا تكون جهة الوحدة.
قوله: (ولذلك قال حقه) أى ولأجل احتمال هذا القسم قال حقه ولم يذكر
стр. 53
عبارة دالة على الوجوب والشارح أورد فى تعليل قوله حقه أن يعرفها بتلك الجهة أمرًا واحدًا من جملة الأمور المحتملة عند عدم صرفتها بجهة الوحدة وهو قوله إذ لو اندفع. . . إلخ. والمحشى أورد جميعها ومثل ذلك واقع فى مواضع فإن قلت: ما المفرق بين قوله وأن تصورها بما يعمها وغيرها وبين قوله ولو اندفع إلى طلبها من حيث إنها جزئى للمفهوم العام قلت الفرق هو أن الأول يكون المطلوب فيه هو الخاص والعام آلة لملاحظته كما إذا كان المطلوب ماهية الإنسان لا من حيث هو حيوان فهو يتصور فى ضمن مفهوم الحيوان والثانى يكون المطلوب فيه هو العام حقيقة ونسبة الطلب إلى الكثرة باعتبار ذلك الفهوم، كما إذا كان المطلوب مفهوم الحيوان فى ضمن الفرد والإنسان مطلوب من حيث إنه جزئى منه وهذا القسم الأخير هو القسم الآخر المذكور فى المطلوب الواحد وهو قوله وإن تصوره باعتبار أمر شامل قيل الفرق هو أن الأول يعتبر فيه العموم والشمول الذى هو شمول الكل للأجزاء والثانى يعتبر فيه العموم الذى هو عموم الكلى لجزئياته وأنت تعلم أن العاقل إذا لم يتصور الشئ على وجه يتميز عما عداه يمتنع منه طلب ذلك الشئ كما سبق، فتصور المطلوب من حيث هو مطلوب فى مفهوم عام شامل غير معقول بل لو كان هنا مطلوب لم يكن إلا العام وتحققه فى ضمن فرد لا بعينه فليس فى هذين القسمين إلا فرض ما هو محال لزيادة التوضيح إذ قد ينسب الطلب إلى الخاص عند طلب العام كما يشعر به حاشية الحاشية.
قوله: (فقد ظهر بطلانه) أى من بيان الأقسام المحتملة عند عدم معرفة الكثرة بجهة الوحدة فإن قوله يتضمن خوف فوات المقصود وتضييع العمر ودفعه واجب عقلًا صحيح إذا لم يكن القسم الذى ذكره بقوله وإن توجه إلى تصور كل واحد منها بخصوصه تعذر عليه أو تعسر من الأقسام المحتملة.
قوله: (بواسطة أمر ارتبط به بعضها ببعض. . . إلخ) هذا الكلام يدل على أن المراد بجهة الوحدة يكون أخص من مطلق الخاصة والكلام السابق يقتضى تعميمه على ما سبقت الإشارة إليه.
قوله: (إذ لو أخذ تعريفه من حيث إنه متكثر) هذا الكلام يناسب التعميم فى جهة الوحدة؛ لأن عدم أخذ تعريف العلم من جهة وحدته على ما هو الظاهر من كلامه لا يوجب أخذ تعريفه من حيث إنه متكثر والمراد بالحد ههنا المعرف وإنما قال
стр. 54
المحشى حدًا حقيقيًا وحدًا رسميًا ليطابق قول المصنف فالمبادئ حده وبيان قوله فى حاشية الحاشية فإن ذلك أزيد لبصيرته وأسهل فى معرفته أنه إذا تصور العلم بما هو مأخوذ من جهة وحدته صار كل مسألة واردة على الشارع داخلة فى العلم المطلوب متميزًا عن غيره بخلاف الخاصة التى لا تفيد ذلك وهى خاصة ثابتة لمجموع مسائله من حيث المجموع ولا يكون بحيث إذا نظر إلى ذات المسألة يعلم ارتباطها بها ويثبت تصور المأخوذ من جهة الوحدة يصير معرفة المطلوب أسهل إذ لا يشغل بما لا يعنيه.
قوله: (عد كده عبثًا عرفًا) إنما قال عد كده عبثًا ولم يقل كان كده عبثًا لأن الطالب إذا لم يعتقد فائدة العلم المترتبة عليه المقصودة منه واعتقد فائدة أخرى وهى مترتبة أيضًا وليست بقدر المشقة لا يلزم أن يكون عبثًا عرفًا، إذ العبث العرفى على ما ذكر فى حاشية الحاشية ما لا يترتب عليه فائدة أصلًا أو يترتب ما لا يعتد به ولا يصدق هذا البيان على ذلك السعى إذ يترتب عليه فائدة معتد بها وهى الفائدة المقصودة منه ولا يلزم أن لا تكون تلك الفائدة مهمة للطالب غايته أنه لم يعتقدها فإن قلت يجوز أن تكون الفائدة المترتبة المعتد بها متعددة ولا يلزم من عدم اعتقاد الفائدة المقصودة عدم اعتقاد الفائدة المترتبة المعتد بها قلت ليس المراد بالفائدة المقصودة من العلم إلا الفائدة التى يعتد بها وتحصيل منه.
واعلم أن ترتيب القيود فيما هو من حق كل طالب علم يقتضى تقديم قوله وإن اعتقد باطلًا على قوله وإن اعتقد ما لا يعتد به لكنه نظرًا إلى أنه أولى بالتأخير.
قوله: (إن كان غير ضرورى على وجهين) البيان الإجمالى فيه يتناوله الاستمداد وهو أن يقال علم الأصول مستمد من الكلام والعربية والأحكام ويستدل على ذلك يشمل البديهى والنظرى، ويجب أن يكون كذلك إذ يثبت على هذا التقرير توقف علم الأصول على ما يعد من الاستمداد مطلقًا وهو بصدد ذلك والضرورى لا يحتاج إلى البيان بمعنى إظهاره بخصوصه من الشئ بطريق النظر، وكما أن الكلام المذكور فى البيان الإجمالى يحصل منه البيان فى النظريات مع عدم النظر المتعلق بخصوصيتها يجوز أن يحصل منه مثل ذلك البيان فى الضروريات أيضًا وقوله ليرجع إليها عند روم التحقيق يجوز أن يقيد بقولنا إن كان محتاجًا إلى
стр. 55
التحقيق بعد إثبات أن التحقيق لا يجرى فى الضرورى، لكن المحشى قد قيد البيان المنقسم إلى الإجمالى والتفصيلى بقوله: إن كان غير ضرورى لتصحيح ذكر البيان فى القسم التفصيلى إذ البيان لا يجرى فى الضرورى الواقع على التفصيل ولتصحيح قول الشارح ليرجع إليها عند روم التحقيق لأن روم التحقيق لا يكون إلا فى النظرى.
واعلم أن قول المصنف فالمبادئ حده وفائدته واستمداده يشمل جميع ما يندرج فى المبادئ بديهيًا أو نظريًا وقول الشارح: قد ذكر من مبادئ العلم ثلاثة أمور أحدها حده. . . إلخ. يكون لبيان كون كل واحد من الأمور الثلاثة مذكورا من المبادئ وبيان كون الحد مذكورا منها هو قوله؛ لأن كل طالب علم وبيان كون الفائدة مذكورا منها هو قوله ليخرج عن العبث وبيان كون الاستمداد مذكورًا منها يكون باعتبار وجهين كما بين فيه، فإن الاستمداد المذكور من المبادئ على وجهين إجمالى وتفصيلى وبيان كون الإجمالى مذكور فى أثناء المبادئ هو قوله ليرجع إليه عند روم التحقيق وبيان كون التفصيلى مذكورًا منها هو قوله لبناء المسائل عليها فلو عمم الكلام على وجه يتناول الجميع لكان أوفق.
الشارح: (لأن كل طالب كثرة. . . إلخ) بيان لكون الحد مذكورًا من المبادئ وحاصل ما أشار إليه أن كل علم مسائل كثيرة تضبطها جهة وحدة وكل ما كان كذلك فلابد لطالبه من معرفته بجهة وحدته ومن جهة وحدته يؤخذ تعريفه المعنون عنه بالحد عند الأصوليين سواء كان حدًا باصطلاح المناطقة أو رسمًا باصطلاحهم فقد أشار الشارح إلى قياس مركب من الشكل الأول أشار إلى كبراه بقوله: لأن كل طالب. . . إلخ. وأشار إلى صغراه بقوله ولا شك أن كل علم. . . إلخ.
اعترض ذلك التفتازانى بأن جهة الوحدة لا يلزم أن تكون محمولة كالموضوع والغاية فإن أراد حصر جهة الوحدة فى الحد والرسم فليس بصحيح لأن الجهة قد تكون غير محمولة كالموضوع وإن أراد حصر التعريف المأخوذ منها فالتقريب غير تام.
الشارح: (ليخرج عن العبث. . . إلخ) بيان لوجه ذكر الفائدة من المبادئ، وقوله: عن العبث أى إذا لم يعتقد فائدة أصلًا لأنه عبث ظاهر، وقوله: ويزداد
стр. 56
جده إشارة إلى خروج ما إذا اعتقد الفائدة المترتبة عليه ولكنها غير الفائدة المقصودة منه وقوله: ولئلا يصرف. . . إلخ. إشارة إلى خروج ما إذا اعتقد فائدة أخرى غلطًا وهذان القسمان الخارجان من العبث العرفى.
التفتازانى: (وتسمى مقدمات كمعرفة الحد والغاية والاستمداد) جرى على ما تقدم له من أن بيان الاستمداد إجمالًا من المقدمات وقد علمت رده.
التفتازانى: (والتصديقات التى منها تتألف قياسات العلم) الأولى تعميمها لكل ما تنبنى عليه مسائل العلم.
التفتازانى: (لأن الاحتياج. . . إلخ) يعنى أن الدليل إنما ينتج الاحتياج إلى معروفة العلم بجهة وحدته ولا ينتج المطلوب وهو الاحتجاج إلى تعريفه بالحد أو الرسم وقد أجيب عن ذلك بأن مراد الشارح أن الأولى لطالب العلم أن يعرفه بحده أو رسمه المأخوذ من جهة وحدته لأنه أيسر الطرق لتمييزه وإن كان التمييز يحصل أيضًا بمعرفته بجهة وحدته من غير أخذ للتعريف منها فالبصيرة تحصل بمعرفته بجهة وحدته وبالتعريف المأخوذ منها وحصولها بالثانى أكمل وأسهل، فقول التفتازانى: لا يوجب الاحتياج. . . إلخ. مردود بأن المدعى ليس وجوب الاحتياج بل الأولى والأحسن وقوله: أن يعرف بجهة أخرى أى يعرف العلم بجهة أخرى غير الحد والرسم بل بمجرد ملاحظة جهة الوحدة وقوله فيكون على بصيرة هو مسلم ولكن المعرفة بالتعريف أولى، وقول الشارح، لا بد. . . إلخ. مراده الأولى والأحسن بالنسبة لمعرفته بجهة الوحدة لكن قوله: فإن من لم يتصور كذلك ينافى ذلك إلا أن يؤول بأن المراد من لم يتصور كذلك ولم يتصوره بجهة وحدته بل تصوره بما يعمه وغيره كما يؤخذ من حاشية السيد ولك أن تدفع كلام التفتازانى بأن معرفة العلم بجهة الوحدة عبارة عن معرفته بحده أو رسمه المأخوذ منها فقول التفتازانى لجواز أن يعرف بجهة أخرى أى غير الحد والرسم بأن يعرف بجهة الوحدة من غير تعريف مأخوذ منها ممنوع.
التفتازانى: (والغرض اسم لها) أى للغاية معناه أنه قد يطلق عليها وإلا لما صح قوله: فربما لا يتوافقان.
التفتازانى: (كالأشياء المستعملة فى العلم. . . إلخ) حمل التصور على التصور الساذج لا على مطلق الإدراك كما فعل قدس سره وهو مخرج على ما تقدم.
стр. 57
التفتازانى: (أو فى هذا العلم لكن بمسائل. . . إلخ) يقال عليه حق هذا أن يدرج فى قوله: أو تحقيقه، وقوله: أو من تحقيقه كالتصديقات البينة فيه أن التصديقات البينة هى البديهية وهى لا تحتاج إلى تحقيق فالأولى ما صنعه قدس سره فهو إشارة للرد على ما صنعه التفتازانى.
قوله: (بالمعنى الأعم) هو ما توقف عليه المقصود ذاتًا أو تصورًا أو شروعًا كما سبق للمحشى.
قوله: (المقصود ههنا) أى: فى حصر ما يمكن أن يتضمنه المختصر فى الأربعة.
قوله: (ليست منحصرة فيما ذكر) أى فى هذه الثلاثة التى هى بعض المبادئ بالمعنى العام الذى سماه المصنف بالمبادئ.
قوله: (قال المصنف. . . إلخ) استدلال على اندراج الموضوع فى المبادئ عند المصنف.
قوله: (فاندفع ما قيل. . . إلخ) قائله السعد، ووجه الدفع أننا نختار أن المراد بالمبادئ ما سماه المصنف ومنع قولك كانت كلمة من لغوًا لأن ما سماه المصنف مبادئ هو المبادئ بالمعنى الشامل للأربعة فتكون الثلاثة المذكور بعضًا منها ومن للتبعيض فقوله: لأن ما ذكر نفس المبادئ لا بعضها ممنوع.
قوله: (وإنما لم يذكر الموضوع. . . إلخ) اعتذار عن عدم ذكر الموضوع استقلالًا على الوجه المذكور فى المنتهى لأن تصوره داخل فى الاستمداد فى نفس الأمر وإن لم يذكر فيه كبعض المسائل فى سائر الأجزاء إذ لم يذكر جميع مسائل الأدلة والترجيح والاجتهاد.
قوله: (وأما أهليته) أى: ثبوت الوجود له أو التصديق بثبوت الوجود له.
قوله: (والإجماع يستدل عليه. . . إلخ) فيه أن إثبات وجود الموضوع أو جزئه فى العلم مما لم يجوزوه فكيف يستدل على الإجماع فى بابه ولم يذكر القياس لعدم كونه أصلًا مستقلًا فإنه فرع الثلاثة.
قوله: (وإن تصوره) الضمير راجع إلى المطلوب باعتبار الفرض والتقدير أى على فرض أن المطلوب يكفى فيه التصور ولو بأمر عام وفرض قصد تحصيله باعتبار كونه من جزئيات العام فربما أداه إلى جزئى آخر غير ذلك المطلوب الفرضى فيفوت ذلك المطلوب الفرضى مع أنه ليس مطلوبًا حقيقة لأنه لا يكون مطلوبًا إلا إذا
стр. 58
تصور بخصوصه وقصد تحصيله باعتبار خصوصه فقوله: وقصد تحصيله الضمير المجرور فيه عائد على المطلوب الجزئى المفروض الذى تصور بأمر عام وقوله فى ضمن جزئي. . إلخ فيه مسامحة إذ الجزئى العين لا يكون فى ضمن الجزئى غير المعين بل الأمر بالعكس فليس الظاهر مرادًا بل المراد من حيث كونه جزئيًا من الجزئيات وقوله: إلى ما ليس بمطلوب. . . إلخ. أى إلى ما ليس بمطلوب هو ذلك الذى فرضته.
قوله: (على قياس ما سبق) أى فيقال: لا بد أن يتصور كل واحد بخصوصه من حيث هو كذلك لأنه إن لم يتصوره أصلًا استحال الطلب وإن تصوره بأمر عام إلخ.
قوله: (ولذلك قال حقه) أى لأجل شموله عدم التصور بالجهة الضابطة بالتصور مسألة مسألة وإن كان متعسرًا قال حقه وهو وجه آخر ما قاله السعد فإنه قال على قوله: حقه أن يعرفها. . . إلخ. أى الأحسن بحاله والأعون على تحصيل مراده لأن ما ذكر من قوله: لم يأمن. . . إلخ. لا يفيد اللزوم فإنه إنما يقتضى أن التعبير بالأحقية نظرًا إلى إسكان التصور بالجهة غير الضابطة.
قوله: (لم تتعلق الإرادة بخصوصها) أى فلم تكن مطلوبة وقوله ولو اندفع إلى طلبها. . . إلخ معناه أنه على هذا التصور بالوجه العام الذى خرجت به عن أن تكون مطلوبة لو فرض طلبها بتوهم أن تصورها بالوجه العام كاف فيه لم يتميز عنده ذلك المطلوب الفرضى فليس فى تصور الكثرة بما يعمها وغيرها إلا صورة واحدة هى المذكورة فى تصور الأمر الواحد الذى تقدم ذكره خلافًا للهروى حيث جعل قوله: ولو اندفع. . . إلخ. صورة أخرى غير صورة ما إذا تصورها بأمر يعمها وغيرها وجعل الفرق بينهما أن الأولى العام فيها اعتبر آلة لملاحظة الجزئى المخصوص والثانية اعتبر أن المطلوب فيها هو العام وجعل ضمير تحصيله للعام.
قوله: (ومن حمل كلامه) أى قوله فحقه. . . إلخ.
قوله: (عقلًا) كان المناسب حذفه ليتأتى التشقيق بعد.
قوله: (أنه لا بد منه. . . إلخ) أى لا يمكن تحصيل المطلوب المذكور إلا بتصوره بالجهة الضابطة المذكورة.
قوله: (فقد ظهر بطلانه) أى من تأتى تصوره واحدًا واحدًا وإن تعسر أو تعذر
стр. 59
بناء على أن التعذر لغة لا يقتضى المنع كما نقل عن المحشى.
قوله: (بالتوقف على قاعدة التحسين) أى الوجوب شرعًا بناء على أن دفع الضرر واجب واعتبر تصور الكثرة بالجهة الضابطة بالنسبة إلى تصورها بالجهة العامة لا باعتبار تصورها حتى واحدًا واحدًا لأن ذلك ليس فيه خوف فوات المطلوب.
قوله: (فلا يناسب المقام) لأن المقام مقام بيان الشروع على بصيرة لا مقام بيان الأحكام.
قوله: (ولا نقول به) أى لو قطعنا النظر عن المقام فنحن لا نقول بالتحسين العقلى.
قوله: (من العلوم المخصوصة المدونة) احترازًا عن العلم الذى ليس كذلك فإنه ليس له جهة ضابطة.
قوله: (فى أنها تصديقات) أى أمور مصدق بها يدل على ذلك قوله: والأحكام فلا ينافى أن العلم هو المسائل التى هى الأحكام لا التصديقات.
قوله: (إلى غير ذلك) كرجوع بعضها إلى أن برهان مسائلها لمى وبعضها إلى أن برهان مسائلها أنى.
قوله: (المتشاركة فيه) كعلم الهندسة فإنه يبحث فيه عن الأعراض الذاتية لكل من الخط والسطح والجسم التعليمى التى هى أنواع للكم المتصل القار الذات وهو المقدار.
قوله: (فإن قلت. . . إلخ) وارد على قوله: ولا شك أن كل علم مسائل.
قوله: (وقد يقال عدهما. . . إلخ) أما اتصال الموضوع بها فمن حيث إن ارتباط بعضها ببعض ارتباطًا يحسن معه جعلها مع كثرتها علمًا واحدًا إنما هو بسببه وأما اتصال المبادئ بها فمن حيث إنها مما يحتاج إليها المسائل.
قوله: (يرشدك إلى ذلك) أى إلى كون الموضوعات والمبادئ خارجة عن حقيقة العلم ما أوردوه تفسيرًا لمفهومات العلم حيث فسروها تارة بالقواعد وتارة بالقوانين وتارة بإدراك ذلك.
قوله: (فلا بد أن يؤخذ من جهة وحدته) أراد بجهة الوحدة ما يشتمل الخاصة المركبة.
стр. 60
قوله: (واحدًا له رسميًا) إنما عبر بالحد ليطابق قول المصنف فالمبادئ حده وقد عرفت شمول الحد عندهم للرسم.
قوله: (فقد ظهر. . . إلخ) قيل عليه لا وجه لترتبه على الاستلزامين المذكورين قبله وأجيب بأن المراد أنه لا بد لطالب العلم أن يعرفه ومعرفته بجهة وحدته وهى منحصرة فى الحد والرسم وهما أسهل الطرق فى التمييز على ما عرفت فلابد لطالب العلم أن يتصوره بحده أو رسمه على ما تقدم وقصد بذلك الرد على التفتازانى فى قوله المتقدم وبينه بقوله والحاصل أن حق الطالب إلخ.
قوله: (إذ لو تصوره. . . إلخ) أى على الفرض والتنزل وإلا فلا يتأتى أن يطلب إلا ما كان متصورًا بخصوصه، وفى قوله بما يشتمله وغيره إشارة إلى أن المراد بأنه لابد أن يتصور العلم بحده ورسمه أنه لا يتصور بأمر عام وأن التصور بجهة الوحدة من غير أخذ للتعريف منها محصل للبصيرة.
قوله: (أزيد لبصيرته) أى أفيد لها من تصورها بالجهة من غير تعريف مأخوذ منها وإن كانت البصيرة فى كل كاملة.
قوله: (وقد بان تعذره) لم يقل تعسره أو تعذره ميلًا إلى أن المسائل تتزايد بتزايد الأفكار ولا يمكن الإحاطة بها.
قوله: (يعتقد. . . إلخ) قد يفهم منه أن العبث فى قول الشارح ليخرج عن العبث هو العرفى إذ العبث بحسب اللغة ما لا يترتب عليه فائدة أصلًا والتصديق بفائدة العلم لا دخل له فى الخروج عن العبث اللغوى إذ فائدة كل علم تترتب عليه سواء صدق بها أم لم يصدق وقول التفتازانى: أى الفعل لا لفائدة أى مصدق بها يدل عليه قوله: لأنه إذا لم يعرف فائدة العلم ربما يكون عابثًا فى طلبه لكن قوله ربما غير ظاهر.
قوله: (استحال إقدامه) مبنى على مذهب الحكماء والمعتزلة من وجوب وجود اعتقاد النفع فى الفعل الإرادى فلابد للفعل الاختيارى من التصديق بفائدة مخصوصة وعند الأشاعرة يجوز ترجيح الفاعل المختار أحد الأمرين الجائزين على السوية من غير مرجح وعليه يكون عبثًا محضًا.
قوله: (وإن اعتقد ما لا يعتد به. . . إلخ) أى من حيث هو كذلك وإن ترتب على العلم الفائدة المعتد بها فى الواقع ولذا قال: عد كده عبثًا عرفًا.
стр. 61
قوله: (ربما زال. . . إلخ) أورد كلمة ربما باعتبار قوله: فكان سعيه عبثًا فى نظره لأن زوال اعتقاده لا يستلزم كون سعيه عبثًا لجواز أن يكون ذلك الزوال إلى اعتقاد ترتب ما هو فائدة الفعل بحسب نفس الأمر وتكون مهمة ويسعى فى تحصيله فلا يكون سعيه عبثًا فى المآل فالتقليل راجع لقوله: فكان سعيه إلخ.
قوله: (تسمى غاية. . . إلخ) فالفائدة والغاية متحدان ذاتًا ويختلفان اعتبارًا والغرض والعلة الغائية شئ واحد.
قوله: (لا يوجد فى أفعاله) أى لأنه يلزم استكماله بالغير وهو محال.
قوله: (وقد يخالف. . . إلخ) أى الغرض الفائدة وقوله: كما إذا أخطأ. . . إلخ. أى فحينئذ يتحقق الغرض دون الفائدة.
قوله: (لا عقلًا ولا نقلًا) ذكر العقل للمبالغة فى عدم السند وإلا فلا دخل للعقل فى مثل ذلك ورد عدم السند بأنه قد ذكر فى المواقف فى بيان أن الأفعال ليست معللة بالأغراض أن غرض الفعل أمر خارج عنه يحصل تبعًا للفعل ويتوسطه وإذ هو فاعل لجميع الأشياء ابتداء كما بيناه فلا يكون شئ من الكائنات إلا فعلًا له تعالى لا غرضًا لفعل آخر لا يحصل إلا له ليصح غرضًا لذلك الفعل. اهـ. فذلك سند لما قاله الأبهرى: الذى رد عليه المحشى وأجيب بأن المراد لمن قوله: لا يحصل إلا به أى بجنس الفعل لا إلى الفعل إلى: يصير الشئ غرضًا له بقرينة تفريعه على كونه تعالى فاعلًا لجميع الكائنات ابتداء فمراد تعالى لا يمكن حصوله ابتداء بلا توسط فعل مطلقًا فالحصر فيه بالنسبة إلى حصوله بلا واسطة لا بالنسبة إلى جميع الأفعال المغايرة لذلك الفعل الآخر ولكنه بعيد.
قوله: (يعنى ما يتوقف عليه المسائل) أشار إلى أن الاستمداد بمعنى المستمد منه لا بالمعنى المصدرى.
قوله: (إن كان غير ضرورى) لأن البيان فى القسم التفصيلى وهو الذى يكون بإفادة شئ مما لابد من تصوره أو تسليمه أو تحقيقه لا يجرى فى الضرورى.
قوله: (إذ يقصر عنه تسليم المبادئ المبينة) أى تسليم المبادئ لعلم الأصول المبينة فى علم آخر قاصر عن تحقيقها فبيان الاستمداد الإجمالى يرجع إلى المستمد منه إذا أريد بتحقيق تلك المبادئ.
قوله: (وعقبه بالتفصيلى) كان الأولى أن يقول: وأما التفصيلى وهو عطف
стр. 62
على قوله أما الإجمالى.
قوله: (مما لا بد من إدراكه) حمل التصور على الإدراك المطلق ليدخل فيه التسليم والتحقيق اللذان هما من التصديق ويظهر ترك حرف العناد فى قوله وتسليمه وعلى هذا يكون عطف قوله وتسليمه على تصوره الذى هو بمعنى مطلق الإدراك من عطف الخاص على العام ويكون العناد بين التسليم والتحقيق، وقوله: فإن كان تصورًا أى ساذجًا فذاك أى فالمطلوب نفسه ولا يخفى ما فى ذلك من التكلف والأولى أن قوله: من تصوره باقٍ على معناه من التصور الساذج ثم إنه فى مثل هذا التركيب يجوز أن يعطف الثانى على الأول ثم يعطف الثالث على مجموعهما فالانفصال يكون بين الأخير وبين مجموع الأولين وهذا هو الظاهر وقد يعتبر عطف الأخير على الثانى أولًا ثم يعطف أحد الآخرين على الأول فيكون المعنى أنه لابد من الأول ومن أحد الآخرين فههنا يقال لا بد من تصوره ومن أحد الآخرين لا بينهما جميعًا لجواز أن تكون المبادئ التصديقية كلها مسلمات أو مما تحتاج إلى التحقيق.
قوله: (فينتقل من برهانه. . . إلخ) لا يقال فحينئذ لا فائدة فى البيان الاستمدادى إجمالًا لأن ما يكفى فيه التسليم يكفى نقله مجردًا وما لا يكفى فيه ذلك ينقل عن برهانه ما يمكن معه بناء المسائل عليه لأنا نقول: فائدته أن ما يكفى فيه النقل مجردًا قاصر عن التحقيق فعند رومه يرجع إلى ما منه الاستمداد الذى بين إجمالًا وأيضًا هو وإن نقل من برهانه ما يمكن بناء المسائل عليه يحتاج إلى زيادة تحقيق فيرجع إليه عند الروم لذلك.
قوله: (يرد عليه أن البديهى لا يحتاج إلى بيان) هو ما عليه الاصطلاح ولا سيما فى أمر المبادئ فإنهم يقولون المبادئ إما بينة أو مبينة بمعنى إما بديهة أو مكتسبة فلا عبرة بما قيل المراد بالبيان الذكر.
قوله: (وإن صدر به بعض العلوم) يعنى أن التصور البديهى والتصديق البديهى وإن صدر بهما بعض العلوم فلا يحتاجان إلى بيان وتحقيق لجواز أن يكون هذا التصدير لغرض آخر غير البيان والتحقيق.
стр. 63
قال: (أما حده لقبًا: فالعلم بالقواعد التى توصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية، وأما حده مضافًا: فالأصول: الأدلة، والفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال).
أقول: اللقب علم يشعر بمدح أو ذم وأصول الفقه علم لهذا العلم يشعر بابتناء الفقه فى الدين عليه وهو صفة مدح ثم إنه منقول من مركب إضافى فله بكل اعتبار حد.
أما حده لقبًا: فالعلم بالقواعد التى يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية والذى يكشف عن حقيقته أن الأحكام قد تؤخذ لا من الشرع كالتماثل والاختلاف وقد تؤخذ منه وتلك إما اعتقادية لا تتعلق بكيفية عمل وتسمى أصلية أو عملية تتعلق بها وتسمى فرعية وهذه لا تكاد تتناهى، فامتنع حفظها كلها لوقت الحاجة للكل فنيطت بأدلة كلية [بغيرهما] (*) من عمومات وعلل تفصيلية، أى كل مسألة مسألة بدليل دليل لتستنبط منها عند الحاجة وإذ ليس فى وسع الكل أيضًا أن ينتهض له لتوقفه على أدوات يستغرق تحصيلها العمر وكان يفضى إلى تعطل غيره من المقاصد الدينية والدنيوية فخص قوم بالانتهاض له وهم المجتهدون والباقون يقلدونهم فيه فدونوا ذلك وسموا العلم الحاصل لهم ومنها فقهًا وأنهم احتاجوا فى الاستنباط إلى مقدّمات كلية كل مقدّمة منها يبتنى عليها كثير من الأحكام وربما التبست ووقع فيها الخلاف فتشعبوا فيها شعبًا وتحزبوا أحزابًا ورتبوا فيه مسائل تحريرًا واحتجاجًا وجوابًا فلم يروا إهمالها نصحًا لمن بعدهم وإعانة لهم على درك الحق منها بسهولة فدوّنوها وسموا العلم بها أصول الفقه فكان حده ما ذكرنا وفوائد القيود قد ظهرت.
وأما حده مضافًا: فلا بد فى معرفة المركب من معرفة مفرداته من حيث يصح تركيبها وأصول الفقه مفرداته الأصول والفقه من حيث دلالتهما على معنيهما فالأصول الأدلة. وذلك أن الأصل فى اللغة ما يبتنى عليه الشئ ويقال فى الاصطلاح للراجح يقال الأصل الحقيقة وللمستصحب يقال تعارض الأصل والطارئ وللقاعدة الكلية يقال لنا أصل وهو أن الأصل مقدّم على الطارئ وللدليل
стр. 64
يقال الأصل فى هذه المسألة الكتاب والسنة وإذا أضيف إلى العلم فالمراد دليله والفقه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال وبهذا القيد الأخير احترزنا عما عرف بالأدلة ضرورة كعلم جبريل والرسول ﵉ ومن لم يجعله عن الأدلة ورأى ذلك مشعرًا بالاستدلال فإما للتصريح بما علم التزامًا وإما لدفع الوهم واما للبيان دون الاحتراز وباقى القيود عرفت مما تقدم.
واعلم أن له جزءًا آخر كالصورة وهو الإضافة وإضافة اسم المعنى تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه باعتبار ما دل عليه لفظ المضاف تقول مكتوب زيد والمراد اختصاصه به لمكتوبيته له بخلاف اسم العين فإنها تفيدى الاختصاص مطلقًا.
فإذًا أصول الفقه أدلة العلم من حيث هى أدلته ونقل إلى ما ذكرناه عرفًا ولو حمل الأصول على معناه اللغوى حتى يكون معناه ما يستند إليه الفقه لشمل الأقسام فلم يحتج إلى النقل.
قوله: (يشعر بمدح) يعنى باعتبار مفهومه غير العملى وإن لم يكن مما يقصد عند استعمال اللفظ علمًا.
قوله: (فله بكل اعتبار حد) الضمير راجع إلى أصول الفقه لكن المراد بالمرجع اللفظ وبالضمير المدلول، وكذا فى قوله: أما حده لقبًا المراد بالضمير المدلول ولقبًا حال عنه باعتبار اللفظ كأنه قال: أما حده حال كون اللفظ لقبًا فالعلم بالقواعد والمراد بالعلم الاعتقاد الجازم المطابق أو الملكة التى هى مبدأ تفاصيل القواعد، والقواعد هى القضايا الكلية التى تنطبق على جزئياتها عند تعرف أحكامها، والأحكام المستنبطة من القضايا النسب التامة مثل قولنا: الحج واجب ومعنى انتسابها إلى الشرع ثبوتها به وإلى الفرع تعلقها به ولو أريد بها الخطابات المتعلقة بأفعال المكلفين لكان ذكر الشرعية والفرعية مستدركًا.
قوله: (وهذه) أى الأحكام الشرعية والفرعية.
(لا تكاد تتناهى) لعدم تناهى جزئيات متعلقاتها من المحكوم عليه وبه وفيه، بمعنى أنه لا ينتهى إلى حد لا يكون بعده جزئى آخر ما دام دار التكليف، ولا خفاء فى امتناع إحاطة القوى البشرية بذلك فلا يمكن لأحد أن يحفظها كلها لوقت الحاجة، فربطها الشارع بأدلة كلية تفصيلية من عمومات وعلل فالعمومات كقوله:
стр. 65
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، والعلل كما يستنبط من أن علة حرمة الخمر الإسكار ليجرى فى غيرها من المسكرات، وعلة حرمة الربا الطعم والجنس إلى غير ذلك من الجزئيات، فقوله: من عمومات وعلل بيان للأدلة الكلية وقوله: تفصيلية صفة للأدلة ولعمومات وعلل وهو الأظهر والمقصود واحد وفيه احتراز عن الأدلة الإجمالية مثل كون الكتاب والإجماع حجة، وقد يتوهم أن تفصيلية صفة علل وأنه عطف على أدلة وليس بمستقيم؛ لأن قوله أى كل مسألة مسألة بدليل دليل بيان لذلك وتفسير وجميع ذلك شرح لاستنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية ولا يستقيم إلا على ما ذكرنا.
قوله: (وإذ ليس فى وسع الكل أيضًا) يعنى كما ليس فى وسعهم الحفظ ليس فى وسعهم الانتهاض للاستنباط (لتوقفها) أى الأحكام يعنى استنباطها، والأحسن تذكير الضمير ليعود على الاستنباط أو الانتهاض فإن قيل لو توقف على أدوات يستغرق تحصيلها العمر لم يكن فى وسع أحد لانقضاء العمر فى تحصيل الأدوات قلنا: نعم لو لم يكن بعضهم لبعض ظهيرًا ولهذا قالوا: إن العلوم إنما تتم بتلاحق الأفكار.
قوله: (وكان يفضى) عطف على ليس فى وسع.
قوله: (فدونوا) أى جمعوا ذلك المذكور من الأحكام والمسائل المستنبطة من أدلتها التفصيلية، وسموا العلم الحاصل للمجتهدين بتلك المسائل من تلك الدلائل فقهًا.
قوله: (إلى مقدمات كلية) مثل قولنا كل ما أمر به الشارع فهو واجب وكل ما دل عليه القياس فهو ثابت، ثم يجعل مثل هذه المقدمة كبرى لصغرى سهلة الحصول لتخرج المسألة الفقهية من القوة إلى الفعل كما يقال: الحج مما أمر به الشارع وكل ما أمر به الشارع فهو واجب وشرب النبيذ مما دل القياس على حرمته، وكل ما دل القياس على حرمته فهو حرام وجميع مباحث أصول الفقه راجعة إلى أحوال الأدلة والأحكام لتتم كلية تلك المقدمة إذ الأمر قد لا يكون للوجوب والذى للوجوب قد لا يثبت موجبه لنسخ أو وجود معارض والقياس قد لا يوجب لانتفاء شرط أو وجود مانع إلى غير ذلك من التفاصيل.
стр. 66
قوله: (فلم يروا) من الرأى ونصحًا مفعول له لمضمونه أى تعرضوا لتلك المقدمات مع ما يتعلق بها من الاحتجاجات والاختلافات والأسئلة والأجوبة نصحًا لمن بعدهم وإعانة.
قوله: (فكان حده مما ذكرنا) لأن الاسم إنما وضع لهذا العلم المخصوص فلا يكون له حقيقة سوى ذلك، لما تقرر من أنهم إذا حصلوا مفهومًا ووضعوا بإزائه اسمًا كان ذلك حقيقة مسماه، فلا يقدح فى كونه حدًا اشتماله على ما هو خارج عن العلم كالتعلق والغاية ونحو ذلك.
قوله: (وفوائد القيود قد ظهرت) أى وقع الاحتراز عن العلم بالجزئيات وبالقواعد المقصودة بالذات أو المتوصل بها إلى استنباط غير الأحكام كالصناعات والأحكام غير الشرعية مثل: العقليات والاصطلاحات أو الشرعية الأصلية كالاعتقادات أو الشرعية الفرعية من أدلتها الإجمالية كقواعد الكلام والعربية، إذ لا اختصاص لها باستنباط كل حكم حكم من دليل دليل كما فى قواعد الأصول إذ لا مزيد فيها على أن الكتاب أو السنة مثلًا صدق وحق ولا يرد علم الخلاف إذ لا يتوصل بقواعدها إلى الاستنباط بل إلى حفظ المستنبطات أو هدمها من غير تعلق لها بخصوصيات الأحكام، وكذا علم الحساب إذ التوصل بقواعدها فى مثل له على خمسة فى خمسة إلى تعيين تقدير المقر به لا إلى وجوبه الذى هو حكم شرعى، ولو أنفق فى علم الخلاف مثلًا ذكر قاعدة متعلقة بخصوص الاستنباط كان من مسائل الأصول، ولا امتناع فى اشتراك علمين فى مسألة باعتبارين وما يقال إن قواعد الخلاف لا يتوصل بها إلى استنباط جميع الأحكام بل بعضها ليس بشئ، لأنه لا ينفى كونها من الأصول كسائر قواعده.
قوله: (من حيث يصح تركيبها) مثلًا لا بد فى معرفة البيت من معرفة الأرض والجدار والسقف من حيث يصح تألف البيت منها لا من حيث إنها جواهر أو أعراض حادثة أو قديمة، وكذا لا بد فى معرفة المركب الإضافى من معرفة كل من جزأيه من حيث يصح إضافة أحدهما إلى الآخر، وذلك بمعرفة مدلولهما من غير توقف (١) على أنه من اللفظين ثلاثى أو رباعى مجرد أو مزيد معرب أو مبنى إلى
стр. 67
غير ذلك.
قوله: (وذلك أن الأصل) يعنى أنه يطلق فى اصطلاح الفقهاء والأصوليين على معان أحدهما الدليل وقد قامت القرينة على أنه المراد.
قوله: (وبهذا القيد) يعنى سبق أن الفقه اسم للعلم الحاصل للمجتهدين المستنبطين للأحكام من أدلتها التفصيلية، فعلم الرسول وجبريل ﵉ لا يكون فقهًا لأنه قد حصل بالأدلة ضرورة لا طلبًا واكتسابًا فحيث لم يذكر الاستنباط فى تعريف الفقه احتيج إلى قيد الاستدلال احتراز عنه، وبعضهم يرى أنه ليس علمًا عن الأدلة لأن حصول العلم عن الأدلة مشعر بكونه بطريق الاستدلال، إذ الحاصل بطريق الضرورة يكون معها لا عنها لأن معنى الدليل ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبرى، فلا يفهم حصول من حصول العلم عنه إلا التوصل إليه بالنظر فيه، فعلى هذا يكون هذ القيد للدلالة مطابقة لا ما دل عليه الكلام التزامًا أو لدفع وهم من يعقل هذا اللزوم ويظن أن مثل علم الرسول عن الأدلة أو لبيان أن الفقه يكون بطريق الاستدلال البتة وإن لم يكن تركه فى التعريف مخلًا، وأما ما يقال من أن قوله عن أدلتها ليس متعلقًا بالعلم بل بالأحكام أو بالفرعية بمعنى أنه يتفرع عن الأدلة فيصدق على علم اللَّه وعلم الرسول وعلم المقلد، ويحترز عنه بقيد الاستدلال فلم يلتفت إليه الشارح لبعده.
قوله: (واعلم) قال الإمام فى المحصول أما أصول الفقه فاعلم أن إضافة الاسم إلى الشئ تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه فى المعنى الذى عينت له لفظة المضاف يقال: هذا مكتوب زيد والمراد ما ذكرنا، ولما لم يكن هذا مطردًا فى مثل دار زيد وفرسه خصه الشارح باسم المعنى وهو ما يدل على معنى زائد على الذات بخلاف اسم العين وهو ما يدل على نفس الذات فإنه لا دلالة فى إضافته إلى الشئ على خصوصية الاختصاص، وأنت خبير بأن جعل جميع الصفات أسماء المعانى خلاف الاصطلاح فالأولى ما ذكرنا فى شرح التنقيح من تخصيص هذا الحكم بالمشتق وما فى معناه كالأصل مثلًا فإنه بمعنى الدليل أو بمعنى المنبنى عليه والمستند إليه، ولهذا جزمنا بأن الشرع فى قولهم أصول الشرع بمعنى المشروع لا الشارع لغيره فيما دل عليه لفظ المضاف، فقد أراد به الدلالة مطلقًا ولو التزامًا فلا منافاة، ومن قال اسم المعنى ما دل على معنى لا يقوم بنفسه وهو معنى العرض
стр. 68
وإضافته تفيد اختصاص المعنى الذى هو مدلوله لا اختصاص ما يقوم به، سواء كان غير مشتق كدق الثوب فإن المختص هو الدق لا القصار أو مشتقًا كما فى: كاتب زيد إذ تفيد اختصاص الكتابة به لا من قامت هى به ولا سائر معانيه وأعراضه، والمشتق إذا كان موضوعًا لشئ يقوم بنفسه باعتبار معنى يقوم به يصح لغة إطلاق كل من اسم العين والمعنى عليه بشرط انضمام الآخر إليه أو بالتجوز وأما اسم العين وهو ما دل على ما يقوم بنفسه فإضافته تفيد اختصاص المضاف مطلقًا أى بحسب الذات والمعانى القائمة به وإن لم يدل عليها لفظه لأنها تابعة له فإذا قيل: دار زيد أفاد أنها جميع منافعها مختصة به ولهذا ثبت الخيار لن اشترى دارًا مؤجرة من غيره إذا لم يعلم ذلك، وأما إذا علم كان فى حكم المستثنى فقد عدل عن الصواب، أما أولًا فلان اختصاص الدق باعتبار تعلقه الخارج عن مفهومه وكأنه لم يتنبه من عبارة الكتاب للفرق بين المختص الذى هو المضاف وجهة اختصاصه ولا مما نقله عن الحصول حيث قال: إضافة اسم المعنى تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه فى المعنى الذى عينت له لفظة المضاف وأما ثانيًا فلأن إضافة الفرس إلى زيد مثلًا لا تفيد اختصاص باعتبار لونه وحركته وطوله إلى غير ذلك من صفاته بل باعتبار ملكيته أو ركوبه وإذا قيل دار زيد فإن فهم اختصاصها بحسب السكنى فذاك وإن فهم الملكية فهم اختصاص منافعها لا سائر أعراضها تبعًا لها لا لإضافتها وأما مسألة الإجارة فلأن الشراء يفيد ملك العين المستتبع لمنافعها ولا تعلق لها بالإضافة أصلًا وقد فرعها عليها كما صرح بذلك ليصح هذا الاختصاص ولو حمل اسم المعنى على ما يدل على معنى يقوم بالغير لم يستقم على ما لا يخفى.
قوله: (ونقل إلى ما ذكرناه) وهو العلم بالقواعد المذكورة على ما يتناول البحث عن أحوال الأدلة والاجتهاد والترجيح.
قوله: (ولو حمل) يعنى لا ضرورة إلى جعل أصول الفقه بمعنى أدلته ثم النقل إلى العلم بالقواعد المذكورة، بل يجوز أن يجعل أصول الفقه بمعنى ما ينبنى عليه الفقه ويسند إليه ويكون شاملًا لمباحث الأدلة والاجتهاد والترجيح لاشتراكها فى ابتناء الفقه عليها، ويكون إطلاقها على العلم المخصوص إما على حذف المضاف أى: علم الأصول أو على صيرورتها بالغلبة علمًا.
стр. 69
قوله: (يشعر بمدح) أى باعتبار مفهومه الأصلى فإن ذلك قد يقصد به تبعًا.
قوله: (علم لهذا العلم) هو من الأعلام الأجناس لأن علم أصول الفقه كلى يتناول أفرادًا متعددة إذ القائم منه بزيد غير ما قام منه بعمرو شخصًا وإن اتحد معلوماهما ولما احتيج إلى نقل هذا اللفظ عن معناه الإضافى جعلوه علمًا للعلم المخصوص على ما عهد فى اللغة لا اسم جنس له.
قوله: (فله بكل اعتبار حد) الفرق بين الاعتبارين أنه باعتبار اللقبية مفرد لا يلاحظ فيه حال الأجزاء، باعتبار الإضافة مركب يعتبر فيه حالها وأيضًا معناه لقبًا علم ومعناه مضافًا معلوم، قيل: الضمير فى له راجع إلى أصول الفقه لكن أريد بالمرجع اللفظ وبالضمير المدلول وكذا فى قوله: أما حده لقبًا أريد بالضمير المدلول ولقبًا حال عنه باعتبار اللفظ أى حده حال كون لفظه لقبًا.
قوله: (أما حده لقبًا) قدم حده بهذا الاعتبار لأنه المقصود الأصلى وأما اعتبار الإضافة فهو مع تقدمه وجودًا مذكور ههنا تبعًا والعلم سيأتى تفسيره وهو بمعنى الاسم لا المصدر وحيث كانت الإضافة ذاتية له أو لازمة احتيج إلى تقييده بالقواعد والجار صلة المحذوف أى المتعلق بها، والقاعدة اصطلاحًا قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها وتسمى فروعًا واستخراجها منها تفريعًا كقولنا كل إجماع حق.
قوله: (والذى يكشف عن حقيقة هذا الحد أن الأحكام) بمعنى التصديقات (قد تؤخذ لا من الشرع) كالعقل والحس كالحكم بأن هذا مماثل لذاك ومخالف له (وقد تؤخذ منه وتلك) المأخوذة من الشرع (إما أن لا تتعلق بكيفية عمل وتسمى اعتقادية) لأن الغرض منها مجرد اعتقاد (وأصلية) وفيه إشارة إلى أن الاعتقادات وإن استقل العقل بإثباتها منها أخذها من الشرع ليعتد بها (وإما أن تتعلق بها وتسمى عملية) إذ المقصود منها الأعمال (وفرعية) لابتنائها على الاعتقادية (وهذه) الأحكام الشرعية الفرعية (لا تكاد تنحصر فى عدد) وتقف عند حد كما تقدم والقوى البشرية قاصرة عن ضبط أمثاله (فنيطت) تلك الأحكام وربطت (بأدلة كلية) أى شاملة لأحكام جزئيات كثيرة.
وقوله: (من عمومات وعلل) بيان للأدلة يعنى عمومات الكتاب والسنة والعلل
стр. 70
القياسية إذ مبنى القياس عليها.
وقوله: (تفصيلية) صفة ثانية لأدلة ولهذا فسرها بقوله: أى كل مسألة مسألة بدليل دليل والقول بأن كونها صفة لعمومات وعلل أظهر وإن كان مآله معنى إلى ما ذكر فيه ذهول أيضًا عما فسر بها وقد ظهر بتفسيرهما أن التفصيلية لا تنافى الكلية ولا العموم فإن الأدلة الجزئية منصوبة على أعيان المسائل الشاملة لأحكام جزئية، وأما خواصه ﷺ فلا يتعلق بها استنباط يتوصل به إلى عمل لا يقال ربما استند مسائل كثيرة إلى دليل واحد لأن ذلك بجهات متعددة فهو بكل اعتبار دليل آخر ولم يذكر الإجماع لقلته أو لأن له سندًا من الثلاثة فهو راجع إليها ومن زعم أن الأدلة الكلية هى الإجمالية التى يبحث عنها فى الأصول من جهة حجيتها ودلالتها إجمالًا مثل أن الكتاب مثلًا حجة، وأن جهة دلالته ماذا، وأن العلل التفصيلية هى الأدلة التفصيلية التى يبحث عنها الفقيه من الآيات المخصوصة وغيرها الدالة على أعيان المسائل الجزئية، وقد أطلقوا العلة على الدليل فى قولهم: العلة المنصوصة فإن معرفة الأحكام الفقهية متوقفة على معرفة الدلائل إجمالية وتفصيلية؛ فيجعل الجزئية لخصوصها صغرى والإجمالية لعمومها كبرى فيقال مثلًا: هذا أمر بالجمع وكل أمر بشئ فهو لإيجابه فقد عدل بالكلام عن ظاهره إلى ما لا طائل تحته؛ إذ الأدلة الإجمالية إما مفهومتها الكلية كالكتاب والسنة فلم ينط بها شئ من الأحكام ولا يمكن استنباطها منها قطعًا، وإما الأحكام الكلية الواردة عليها المنطوية على جزئياتها فهى مسائل الأدلة فكيف يصح أنها محتاج إليها فى استنباط الأحكام من أدلتها التى نيطت بها وتحرير المقام أن المسائل المخصوصة مستندة إلى أدلة معينة يحتاج فى استنباطها منها إلى معرفة أحوالها التى لا تكاد تنحصر فى عدد يتمكن من ضبط تفاصيله مثلها؛ فاحتيج إلى معرفتها على وجه كلى إجمالى يرجع إليه فيما يقصد استنباطه وإنما وصف الأدلة بالكلية على ما فى بعض النسخ بقياسها إلى ما يندرج تحتها كما مر ولو لم توجد لم يضر، وقد أصاب من قال ما يتوهم من أن تفصيلية صفة علل وأنه عطف على أدلة فليس بمستقيم فإن قوله أى كل مسألة مسألة بدليل دليل بيان لذلك وجميعه شرح للاستنباط عن الأدلة التفصيلية.
قوله: (لتوقفه) أى الاستنباط وفى بعض النسخ لتوقفها فالضمير للأحكام على
стр. 71
معنى توقف استنباطها على أدوات لا تحصل إلا فى مدة متطاولة هى شرائط الاجتهاد من معرفة تفاصيل الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع وحال الرواة والنسخ وشرائط القياس والنظر وغير ذلك.
قوله: (وكان يفضى) أى تحصيل الأدوات فهو عطف على يستغرق لا على قوله ليس فى وسع.
قوله: (فخص) جواب لإذ (والباقون يقلدونهم فيه) أى فى المستنبط الذى هو الأحكام (فدونوا ذلك) المستنبط أى جمعوه وسموا العلم المتعلق به الحاصل للمجتهدين من الأدلة التفصيلية فقهًا.
قوله: (إلى مقدمات كلية) هى مسائل تتعلق بالأدلة السمعية من الجهات المذكورة؛ كما يقال: الأمر للوجوب والقياس يجب العمل به والإجماع لا ينسخ، ومنهم من أمعن فقال: إن استدل على الأحكام بالشكل الأول كانت قواعد من الأصول كبراه؛ كقولنا هذا حكم يدل على ثبوته القياس وكل حكم يدل عليه القياس فهو ثابت، وإن استدل عليها بطريق الاستثناء كانت هى من الملازمات الكلية كقولنا: كلما دل القياس على ثبوت هذا الحكم كان ثابتًا لكن الملزوم حق؛ ثم قال: ربما لا تكون هذه القضية الكلية مسألة من الأصول فى مندرجة فيها كقولنا: كلما دل القياس على وجوب شئ كان واجبًا لاندراجه تحت قولنا: كلما دل القياس على ثبوت حكم كان ثابتًا؛ ثم صدقها كلية جعلت كبرى أو ملازمة يتوقف على أحوال الأدلة من وجود شرائطها، وارتفاع موانعها وأحوال الأحكام إذ بعضها كالعلية مثلا لا يثبت بالقياس فيصير قيودًا فى تلك المقدمة الكلية؛ فمباحثها راجعة إليها ومسائل من الأصول أيضًا.
قوله: (ورتبوا فيها) أى ورتبوا فى بيان المقدمات التى احتيج إليها (مسائل) حرروها وأثبتوها وما يتعلق بها مما عليها أو لها.
قوله: (فلم يروا) أى لم يحصل لهم رأى إهمال تلك المقدمات ولم يستحسنوه للنصح والإعانة فهو نفى معلل لا نفى معلل بالإضافة، وإنما لم يقل وسموا العلم الحاصل لهم بها أصول الفقه كما ذكره سابقًا لعدم اختصاصه بالمجتهدين دون الفقه.
قوله: (فكان حده ما ذكرنا) يعنى قوله العلم بالقواعد. . . إلخ. وإنما كان حدًا
стр. 72
له إما لأن الاسم إنما وضع لهذا المفهوم فهو حد له بحسبه، وإما لأنه يرادف المعرف على اصطلاحهم فاشتماله على الإضافة إلى المعلوم أو الغاية لا ينافى ذلك.
قوله: (وفوائد القيود قد ظهرت) فبالقواعد خرج العلم بالجزئيات والعلم ببعض تلك القواعد؛ فإنه جزء منه، وبقيد التوصل إلى استنباط الأحكام ما يتوصل به إلى استنباط الصنائع والذوات أى: طبائع الأشياء، أو إلى حفظ الأحكام وهدمها كقواعد الخلاف وإن وافقت مسائل الأصول؛ فإن الحيثيات معتبرة، وبالشرعية الفرعية ما يتوصل به إلى استنباط الأحكام العقلية والشرعية الأصلية، وفى جعل الأحكام منقسمة إليها إشارة إلى أنها بمعنى التصديقات لا الخطابات المتعلقة بأفعال المكلفين؛ فلا يلزم استدراك قيدى الشرعية والفرعية، وقوله من أدلتها التفصيلية بيان للواقع متعلق بالاستنباط، وقيل: احتراز عما يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها الإجمالية كقواعد الكلام والعربية إذ لا مزيد فيها على إن الكتاب مثلًا صدق وحق ولا اختصاص لها باستنباط حكم حكم من دليل دليل كمسائل الأصول، وفيه بحث لأن تلك الأحكام ليست مستندة إلى أدلة إجمالية مستنبطة هى منها؛ بل إلى أدلة تفصيلية كما أشير إليها، وقواعد الكلام والعربية مبادئ يتبين بها أحوال الأدلة الإجمالية التى هى مسائل الأصول ليتوصل بها إلى استنباط الأحكام من أدلتها التنفصيلية؛ فلا يتوصل بتلك القواعد إلى استنباطها من أدلتها الإجمالية لتخرج بقيد التفصيلية، هذا وقد اعترض على الحد بالمنطق إذ لا يتوصل إلا بقواعده فيكون جزءًا من الأصول، وجوابه إن وصف القواعد يشعر بمزيد اختصاص لها بالأحكام المخصوصة ومنه يستفاد أيضًا ما يدفع به النقض بعلم اللَّه تعالى ورسوله وجبريل ﵉.
قوله: (من حيث يصح تركيبها) قيل عليه إن أريد معرفة المركب بكنهه فلا بد من معرفة مفرداته كذلك وإن أريد معرفته بوجه ما فلا حاجة أصلًا إلى معرفتها لجواز تصوره باعتبار أمر عارض وأجيب بأن المراد معرفته من حيث هو مركب فلا بد من معرفة المفردات من حيث يصح تركيبها فإن البانى يحتاج إلى معرفة أجزاء البيت من حيث يصح التئامها وما يتعلق بذلك من الاستقامة والاعوجاج والصلابة والرخاوة؛ لا من حيث أنها مركبة أو بسيطة قديمة أو حادثة إذ لا دخل لها فى صحة تركيبه منها وأصول الفقه مركب إضافى دال على معنى كذلك فلا بد من
стр. 73
معرفة مفرديه أعنى هذين اللفظين الدالين على معنيهما من حيث تصح الإضافة بينهما.
قوله: (ويقال فى الاصطلاح) هذه أربعة معان اصطلاحية تناسب المعنى اللغوى؛ فإن المرجوح كالمجاز مثلًا له نوع ابتناء على الراجح كالحقيقة، وكذا الطارئ بالقياس إلى المستصحب والمدلول إلى الدليل وفروع القاعدة مبنية عليها، وقرينة الإضافة إلى العلم دلت على تعيين المراد عرفًا وسيأتى جواز الحمل على معناه لغة.
قوله: (والفقه) يقال فقه بالكسر أى فهم وبالضم إذا صار فقيهًا.
قوله: (وبهذا القيد الأخير) يعنى بقيد الاستدلال (احترزنا عن العلم بتلك الأحكام الحاصلة من أدلتها التفصيلية ضرورة لا استدلالا كعلم جبريل والرسول ﵉ فإنه وإن كان مستفادًا من تلك الأدلة لكنه بطريق الحدس بلا تجشم اكتساب فلا يسمى فقهًا عرفًا؛ لما سبق من أنه موضوع للعلم الحاصل بالاستنباط، وأما علم اللَّه بالأحكام فليس مستندًا إلى الأدلة بل هو عالم بهما معا غير مستفيد أحدهما عن الآخر قطعًا، وما قيل من أن الأدلة علل الأحكام الثابتة بها وحيث كان علمه بالأشياء على ما هى عليها فى أنفسها وجب اسناده إليها فمردود؛ أما أولًا فلأنها أمارات، وأما ثانيًا فلأن العلم بالمعلول لا يجب أن يكون مستفادًا من العلة ومن الناس ولم يجعل علمهما عن الأدلة، ورأى أن كونه عنها يشعر بالاستدلال لملاحظة الحيثية لا لأن الحاصل بطريق الضرورة معها لا عنها إذ لا منافاة بين المعية زمانًا والتأخر ذاتًا، ثم الدلالة على الحيثية إما صريحة لتبادرهما أو التزام على ما هو أصلها؛ فعلى الأول قيد الاستدلال لدفع توهم أن الحاصل عن الأدلة قد يكون بلا استدلال، وقد يقال: هو بإيهامه أولى من دفعه، وعلى الثانى إن لم يعتبر اللالتزام فى التعريفات فهو للتصريح بما علم التزامًا، ولا بد منه فى صحة تحديده لفظًا وإن اعتبر فهو للاهتمام ببيان المحدود واعتبار هذا القيد فيه، وقوله دون الاحتراز متعلق بالكل ومن وجه الكلام بأن العلم عن الأدلة يستلزم حصوله بالاستدلال عرفًا لتبادره إلى الفهم؛ فخرج به ما عرف بالأدلة ضرورة وقصد بالقيد أحد ما ذكر؛ لأن قوله عن الأصول يحتمل العلم الاستدلالى والحاصل بسببها ضرورة فإن جعل ظاهرًا فيما أريد به كان القيد
стр. 74
تأكيدا إما للتصريح به وإما لرفع نقيضه الذى هو إثبات له، وإن جعل متساوى الدلالة عليهما كان القيد بيانا لما هو المراد منها فقد خبط حيث ادعى تبادر المعنى من لفظه وفرع عليه ما يقتضى إجماله بالقياس إليه.
قوله: (وباقى القيود قد عرفت مما تتقدم) فالمراد بالأحكام التصديقات وكل واحد من الشرعية والفرعية احتراز، وقوله عن أدلتها متعلق بالعلم وخرج به علم اللَّه تعالى وما علم من الأحكام ضرورة من الدين فإنه ليس جزءًا من الفقه وبالتفصيلية خرج ما يقال فى علم الخلاف من ثبوت الوجوب بالمقتضى وانتفائه بالنافى إن قلنا بإفادته علمًا وخرج أيضًا اعتقاد المقلد العامى إن حملنا العلم على التصديق وستقف على جلية الحال وما قيل من أن قوله عن الأدلة يتعلق بالفرعية على معنى أنها يتفرع عنها فيتناول علم اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ويحترز عنه بالاستدلال فما لا يلتفت إليه.
قوله: (واعلم) يعنى أن له جزأين كالمادة وجزءًا ثالثًا كالصورة، قيل: إنما لم يتعرض له لأنه أريد به معناه لغة ولا نقل فيه بخلاف الأولين.
قوله: (وإضافة اسم المعنى) أراد باسم المعنى ما دل على شئ باعتبار معنى أى: صفة عارضة له؛ سواء كان قائمًا بنفسه أو بغيره، كالمكتوب والمضمر وحاصله المشتق وما فى معناه وباسم العين ما ليس كذلك كالدار والعلم لا المصطلح النحوى من أن المعنى ما قام بغيره والعين ما يقابله، فإضافة اسم المعنى تفيد الاختصاص باعتبار الصفة الداخلة فى مفهوم المضاف، وأما إضافة اسم العين فتفيد الاختصاص مطلقًا أى غير مقيد بصفة داخلة فى مسمى المضاف، فإذا قلت دار زيد أو علمه أفاد اختصاصًا فى الملكية أو السكنى وفى القيام أو التعلق، وما ذكره ابن الحاجب من أن الإضافة المعنوية إلى المعرفة تفيد تعريفًا؛ لأن وضعها على أن تفيد أن بين المضاف والمضاف إليه خصوصية ليست فيما بعد وليت شعرى كيف تورط فى هذه التعسفات البعيدة من الأذهان السليمة؟ !
قوله: (فإذا) نتيجة لما سبق من أن الأصل إذا أضيف إلى علم يراد به دليله، وإن إضافة اسم المعنى تفيد الاختصاص فيما دل عليه لفظ المضاف، واحتيج إلى النقل؛ لأنه بهذا العنى لا يتناول الترجيح والاجتهاد فنقل عرفًا إلى ما ذكرناه من العلم بالقواعد المخصوصة المشتملة على مباحث الأدلة والكيفيتين وفيه إيماء إلى
стр. 75
أن موضوعه مجموع الثلاثة.
قوله: (ولو حمل) استفادة من الأحكام يعنى: لو حمل لفظ الأصول المضاف إلى الفقه على معناه لغة كان معنى أصول الفقه ما يستند إليه الفقه ويبتنى عليه ويشمل جميع معلومات هذا الفن فلم يحتج إلى نقله عن معناه الأصلي الذى هو المعلوم الخاص إلى جعله لقبًا للعلم المخصوص فيعبر عن معلوماته بلفظه وعنه بإضافة العلم إليه، وإن احتيج إلى اعتبار قيد الإجمال ومن ثمة قيل فى المحصول أصول الفقه مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها وكيفية حال المستدل بها؛ وفي الأحكام هى: أدلة الفقه وجهات دلالتها على الأحكام الشرعية وكيفية حال المستدل بها من جهة الجملة.
قوله: (أورد على حد الفقه) يعنى أن الأحكام جمع محلى باللام؛ فإما أن يحمل على الاستغراق، أو على الجنس المتناول للكل والبعض الذى أقله ثلاثة منها لا بعينها، وأما الحمل على بعض معين ولو بكونه أكثر مثلًا فمما لا مساغ له إذ لا دليل هناك على عهد فلا يرد أن دخول علم المقلد إنما هو على تقدير إرادة البعض مطلقًا، وأما إرادة المعين فإنما ترد بأنها رد إلى الجهالة لا بدخوله فى الحد.
قوله: (أى باعتبار مفهومه الأصلى) فإن قلت يجوز أن يكون اللفظ الذى هو علم الجنس موضوعا لمفهوم كلى مشعر بمدح أو ذم باعتبار ذلك المفهوم نفسه من غير اعتبار المعنى الأول وهو علم له قلت: كأنهم لم يطلقوا اللقب إلا على مشعر بمدح أو ذم باعتبار مفهومه الأصلى ولم يعتبروا الإشعار الواقع فى المعنى العلمى قيل ليس معنى قولهم اللقب علم يشعر بمدح أو ذم أنه يدل على الصفة التى يمدح بها أو يذم بل معناه أنه يشعر بمدح لما وضع بإزائه فيجب أن يكون له معنى أصلى والمدح للعلم الجنسى باعتبار الفرد.
قوله: (فإن ذلك قد يقصد تبعًا) إنما قال هذا القول لأن اللقب إذا استعمل فى معناه العلمى ولم يلاحظ ههنا معناه الأول واتصاف ذلك المعنى به لم يتحقق عند هذا الاستعمال مدح؛ لأن المدح هو الوصف المخصوص الذى لا يتحقق إلا عند القصد.
قوله: (لا يلاحظ فيه حال الأجزاء) أى لا يلاحظ فيه حال الأجزاء لأداء المعنى