الشخص الخارجى مجهول لأنه وإن لم يكن معينًا خارجًا فهو متميز ذهنًا.
الشارح: (إنما ذلك فى غير المعين من كل وجه) وهو ما لم يتميز ذهنًا ولا خارجًا.
الشارح: (وأما فى المعين من وجه دون وجه) بأن كان متميزًا ذهنًا ويتحقق فى ضمن فرد خارجى.
الشارح: (على التأثيم بترك البعض) أى أن الإثم يكون على ترك بعض منها لا على ترك كل بعض منها وإن كان ترك بعض منها لا يتحقق إلا بترك الكل وبهذا يندفع ما قاله بعض الشراح من أن لا نسلم أن تأثيم المكلف ههنا بترك واحد فإن من ترك واحدًا لا يأثم بل التأثيم بترك الجميع.
الشارح: (والخصم قد لا يساعده فى الثانية) أى قد يمنع الإجماع على التأثيم بترك البعض ويقول بالتأثيم بترك الكل يعنى أنه يأثم على ترك الكل إثم من ترك واجبات.
الشارح: (يجب أن يعلم الآمر الواجب. . . إلخ) المراد يعلمه واجبًا فالمراد العلم التصديق أى العلم بالمأمور به من حيث إنه مأمور به لا التصورى لأن ذات الأشياء المخير فيها معلومة متميزة عنده وهذا غير مقيد.
الشارح: (لأن ما يفعله فهو الواجب اتفاقًا) قد ينازع الخصم فى ذلك كيف والقائل بأن الواجب معين عند اللَّه تعالى يقول: إن فعل المكلف الواجب عند اللَّه فذاك وإن فعل غيره سقط الواجب فما يفعله إما واجب وإما مسقط للواجب إلا أن يؤول بالاتفاق على تأدية الواجب به.
التفتازانى: (إذ لا نزاع فى أن الأمر بواحد مبهم وارد) أى فيكون مستقيمًا فلا يصح عدم استقامته وهذا رده السيد بأن الوجوب لازم للأمر ومستفاد منه فإن تعلق الأمر بالواحد تعلق الوجوب به أيضًا وإن تعلق بكل واحد كان الوجوب كذلك. . . إلخ. ما سيأتى ومحصله أن الأمر يتصف بالاستقامة وعدمها باعتبار ما دل عليه وما استفيد منه لأنه لازم له فيقال الأمر بواحد مبهم غير مستقيم لأنه يدل على إيجاب واحد لا بعينه فالأمر الذى ظاهره كذلك هو أمر بكل واحد دال على وجوب كل واحد أو أمر ببعض معين.
التفتازانى: (وهو بعينه مذهب الفقهاء) أى فالخلف بينهما على هذا لفظى وإنما
стр. 842
فر القائل بوجوب الكل من القول بوجوب واحد مبهم لأن العقل لا يدرك فيه مصلحة بناء على عقيدتهم من التحسين والتقبيح العقليين، وقوله: لكنه ينافى ما ذهب إليه بعض المعتزلة. . . إلخ. وعليه فالخلف بينهم وبين الفقهاء معنوى، وقوله: قال الإمام فى البرهان. . . إلخ. يعنى فالقول بوجوب الكل راجع لقول الفقهاء من وجوب واحد مبهم.
التفتازانى: (وليس المراد. . . إلخ) رد على الأصفهانى.
التفتازانى: (لا باعتبار ما كان جزئيًا) أى لا باعتبار جزئيته.
التفتازانى: (ورده العلامة بأنه ينافى كون الواجب هو المشترك) ظاهره أن ابن الحاجب يقول: إن الواجب المخير هو القدر المشترك فمراده بالواحد المبهم مفهوم الواحد لا ما صدقاته وهو يعكر على قوله فيما سيأتى إن الأمر بالكلى أمر بجزئى إلا أن يكون ما سيأتى سهوًا كما ذكره السيد ولو حمل الواحد المبهم عند ابن الحاجب على ذات الواحد الوجودى لزم أن يكون المكلف به غير معين.
التفتازانى: (لاستلزامه جواز ترك كل مطلقًا) أى لا يقيد أن يأتى ببدل ما تركه منها وقوله: إذ للمكلف أن يختار. . . إلخ. تعليل لاستلزام التخيير جواز الترك مطلقًا وقوله ويتركه أى ويترك غير الواجب لعدم الوجوب فقد ترك الواجب وغيره وهذا رفع لحقيقة الواجب.
التفتازانى: (حاصله أن كلًا من الواجب. . . إلخ) يفيد أن الجواب بتسليم أن الواجب والمخير فيه مفهوم أحد الأمور إلا أن ما صدق مفهوم الأحد فى الواجب الفرد المنتشر وفى المخير الفرد المعين وإن قوله: وتعدد ما صدق عليه. . . إلخ. من تتمة هذا الحل ومعناه اختيار الشق الثانى من ترديده وهو ما دل عليه قوله: وإن تعدد. . . إلخ. ومنع بطلان التخيير بين واجب وغير واجب لكن ظاهر قول الشارح أن الذى وجب وهو المبهم لم يخير فيه والمخير فيه كل المعينات أن الواجب هو الأحد والمخير فيه هو الإفراد وعليه درج السيد وجعله جوابًا بمنع الملازمة فى قولهم لو كان الواجب واحدًا إلا بعينه لكان المخير فيه الجائز تركه واحدًا لا بعينه وجعل قوله: وتعدد ما صدق عليه. . . إلخ. جوابًا ثانيًا بتسليم الملازمة ومنع أن التخيير بين الواجب وغيره يرفع حقيقة الوجوب إلا أن يحمل قوله: إن الذى وجب وهو المبهم على معنى وهو المبهم فى ضمن فرد ما وقوله والمخير فيه كل
стр. 843
المعينات على معنى مفهوم الأحد فى ضمن المعينات.
التفتازانى: (متعلق بالمخير غير) أى فى قوله أى المصنف والمخير فيه لم يجب لعدم تعينه ومعنى كون المخير فيه ليس متعينًا أنه متعدد بخلاف الواجب فإنه واحد وهو الأحد المبهم ولا يخفى ضعفه، وقوله: أو بالواجب أى فى قوله: الذى وجب لم يخير فيه، وقوله: أو بهما أى بالواجب والخير إما عدم تعين الواجب فلكونه الأحد المبهم لا المعين من الأفراد وأما عدم تعين الخير فلتعدده ولا يخفى أن الحق ما ذكره من كونه تعليلًا لكون الخير فيه لم يجب.
التفتازانى: (وأن قوله والتعدد يأبى معارضة) أى قول المصنف والتعدد يأبى كون المتعلق واحدًا معارضة للملازمة التى هى لو كان الواجب واحدًا لا بعينه لكان الخير فيه كذلك وحاصل المعارضة أن يقال: تعدد ما صدق عليه أحد الأشياء عند تعلق الوجوب والتخيير بذلك الأحد يقتضى اختلاف متعلق الوجوب والتخيير فلا يصح أنه إذا كان الواجب الواحد لا يعينه كان المخير فيه كذلك ووجه عدم صحة أن يكون معارضة أنه لا ينافى أن الواجب والمخير فيه واحد لا بعينه تعدد المتعلق ولذا قال الشارح: فإن تعددا, وقوله: أو سند لمنع الملازمة أى بأن يقال: لا نسلم الملازمة لأن الوجوب والتخيير إذا تعلقا بأحد الأمور وجب تعدد ما صدق عليه الأحد لاختلاف متعلقهما ذاتًا وهو غير صحيح لأن اختلاف المتعلق لا ينافى أن الواجب والمخير فيه هو واحد مبهم وقوله أو دليل آخر هو ما ارتضاه السيد.
التفتازانى: (والأوجه أن يجعل. . . إلخ) يقال عليه كان الأولى تأخير قوله: وإن كان بلفظ التخيير عن قوله فكذا هنا كما هو باد.
التفتازانى: (لما سبق من أن أبا هاشم. . . إلخ) على رأى أبي هاشم ومن معه لا منع لأنهم متفقون على التأثيم بالبعض وأنه لا يأثم إثم من ترك واجبات.
التفتازانى: (وههنا إنما يؤثم بترك البعض) أى وههنا التأثيم بالكل منتف إنما يؤثم بترك البعض فانتفاء التأثيم بالكل ههنا منع لصحة القياس وكون التأثيم بترك البعض سند لذلك المنع.
التفتازانى: (من أنه يكون حينئذ) أى إذا كان مستأنفًا.
التفتازانى: (إذ المنع إنما يتوجه على مقدمة دليل الخصم) أى والخصم لم يدع الإجماع على التأثيم بترك الكل فى الواجب المخير وإنما قاسه على الواجب
стр. 844
الكفائى بجامع حصول المصلحة بمبهم فى كل مع السقوط بالبعض.
التفتازانى: (يعنى قدم دليل المذهب الثالث. . . إلخ) أى: أن الشارح قصد بقوله، وهو لمن زعم. . . إلخ. أن المصنف قدم دليل المذهب الثالث للمعتزلة.
التفتازانى: (وفى هذا رد. . . إلخ) أى قوله: وهو لمن زعم. . . إلخ. رد وقوله مختص بمذهبهم الأول وهو وجوب الكل وقوله: الأظهر اختصاصه بالمذهب الثانى هو أن الواجب ما يفعله المكلف وقوله جعله للمذهب الأول وهو أن الواجب الكل وقوله إذا كان ما علمه اللَّه تعالى أى الذى فعله المكلف وقوله يلزم أن يكون غيره أى الذى لم يفعله المكلف فإنه لم يعلمه اللَّه مفعولًا له وإلا انقلب العلم جهلًا والحاصل أنه إذا كان ما يفعله المكلف واجبًا كان غيره واجبًا أيضًا لئلا يلزم التخيير بين واجب وغيره فالواجب ما علم اللَّه أنه يفعله وما علم أنه لا يفعله من الأمور التى وقع التخيير فيها وقوله وإنما ترك دليل المذهب الثالث أى الذى هو أن الواجب معين لا يختلف وقوله وهو أن اللَّه تعالى عالم بالواجب هو الدليل المذكور رابعًا وقوله وعلم ما يفعله المكلف وخير بينه وبين ما هو واجب هو ما ذكره خامسًا، ومعناه أن القائل بأن الواجب معين عند اللَّه لا يختلف يستدل على مذهبه بأنه لما كان اللَّه عالمًا بالواجب وعالمًا بما يفعله المكلف ولا يصح التخيير بين واجب وغيره كان الواجب هو ما علمه وهو المعين الذى يختلف وهو غير ظاهر لأن هذا الدليل على هذا الوجه على مقتضى صنيعه يقضى إيجاب الكل.
قوله: (لا فائدة فيه أصلًا) أى لأنه لا يتأتى خلو الشخص عن الإتيان بشئ ما فالتكليف به ضائع وإذا نظر إلى أنه لم يتعين بوجه ما كان التكليف به تكليفًا بما لا يطاق لعدم تأتيه على هذا الوجه.
قوله: (إن أراد الجميع) أى فى قوله وجب تزويج الجميع.
قوله: (فلا نزاع معهم فى المعنى) لأنه يؤول إلى أن الواجب واحد لا بعينه وإنما قالوا بوجوب الكل بهذا المعنى فرارًا من القول بوجوب واحد مبهم لأن العقل لا يدرك فيه مصلحة بناء على مذهبهم من التحسين والتقبيح العقليين.
قوله: (إبطال للمذهبين الآخرين) هما أن الواجب معين عند اللَّه تعالى ويسقط به وبالآخر وأن الواجب معين وهو ما يفعله المكلف.
قوله: (والأول أوفق بعبارة الكتاب) أى عبارة المصنف وإنما كان الأول أوفق
стр. 845
لأن عبارة الكتاب تفيد أن امتناع التخيير مرتب على كون التخيير معينًا وهو ظاهر فى أن إثبات التخيير يؤدى إلى رفعه لتنافى مقتضاهما.
قوله: (على الوجهين) أى المعين الذى يفعله المكلف والمعين عند اللَّه.
قوله: (أى على الوجه المذكور المختار عندنا) وهو التخيير فى الإتيان بالواجب فى ضمن أى معين شاء وهذا إنما يتحقق على القول المختار من أن الواجب واحد مبهم لا على المذاهب الأخر فإن الواجب لا تخيير فيه إذ الواجب الكل وإن سقط بفعل البعض أو الواجب البعض المعين وهو يختلف بحسب كل مكلف أو لا يختلف وإن فعل غيره كان ذلك الغير خلفًا عنه، وقوله: لا ننفيه مطلاقًا أى حتى يفصل نفى التخيير فى سقوط الواجب لأنه لا يصح نسبة نفيه إلى المعتزلة لأنهم لا ينفون التخيير مطلاقًا؛ لأن القائل منهم بوجوب الكل يقول بالتخيير فى السكوت، إما بفعل الكل أو بفعل البعض والقائل بمعين لا يختلف يخير فى الواقع بينه وبين خلفه والقائل بمعين هو ما يفعله يخير فيما يفعله.
قوله: (تنبيهًا على أن مآل مذهبهم نفى التخيير) أى والتخيير ورد به النص فإنكاره إنكار لظاهر النص.
قوله: (لو تما لدلا على بطلان البخاري واحد مبهم. . . إلخ) رده ميرزاجان باختصاص الدليلين بالأول أما الأول فلأنه يدل على أن كل مجهول للآمر والمأمور يستحيل أن يكلف به ولا يكون واجبًا وينعكس إلى أن كل ما يكلف به ويكون واجبًا يجب أن يكون معلومًا للآمر والمأمور كليهما فلا يتناول المذهبين الآخرين لأن الواجب فيهما ليس معلومًا للمأمور وأما الثانى فلأنه يدل على أنه يجب أن يكون متعلق الواجب هو بعينه متعلق التخيير ومتعلق التخيير على المذهبين الأخيرين ليس كذلك وإن الواجب فيهما واحد والتخيير فيهما بين الواجب وغيره بالضرورة.
قوله: (يضم إليه ما أبطلنا به التخيير) وهو أنه لو كان التخيير معينًا لخصوص أحدهما لامتنع التخيير.
قوله: (وبالعكس) أى والقائل بوجوب البعض المعين بوجهيه يضم إليه ما أبطلنا به وجوب الكل وهو أنه لو كان الكل واجبًا لوجب تزويج جميع الخاطبين وإعتاق جميع الرقاب فى الكفارة وهو خلاف الإجماع، وقوله: إلى ما يبطل به
стр. 846
الآخر فالقائل بالبعض الذى لا يختلف يبطل القول بالبعض الذى يختلف بأنه يقتضى اختلاف المكلفين فيه مع أن المكلفين لا يختلفون فى المكلف به والقائل بالبعض الذى يختلف يبطل قول المعين بالسقوط بما يفعله المكلف ولا يسقط بغير ما وجب.
قوله: (إلى بعض مبهم) أى من المعتزلة.
قوله: (بحسب إشعار الدليل) أى بالبعض القائل بمعين لا يختلف أو بالبعض القائل بمعين يختلف.
قوله: (وتقريره) أى تقرير الدفع.
قوله: (ويقول. . . إلخ) بيان لما يورده الخصم.
قوله: (والجواب أن الواجب. . . إلخ) هذا هو الدفع.
قوله: (هو مفهوم واحد. . . إلخ) صريح فى أن الواجب هو القدر المشترك لا الجزئى المطابق للماهية لا باعتبار جزئيته.
قوله: (لأن الكلام فى الواجب الذى خير فيه) دليل على الملازمة.
قوله: (لما عرفت) أى من أن الكلام فى الواجب الذى خير فيه.
قوله: (فلجواز تركه) أى لمكان الاختيار.
قوله: (فيتوجه النقض عليهم) غير ظاهر لأن النقض مبنى على ما لم يلتزموه.
قوله: (وذلك خلاف ما ذهب إليه المصنف) أى وهذا التحقيق تحقيق وتبين لما قاله هنا.
قوله: (والجواب بالفرق بين الماهية والفرد المنتشر) أى أن الماهية الأمر بها أسر بجزئى من جزئياتها بخلاف الأمر بالفرد المنتشر فأمر به نفسه.
قوله: (فإن وإن هو الواجب) أى فقوله الذى وجب لم يخير فيه مراده به مفهوم الفرد المنتشر وهو المراد بالواحد من أشياء.
قوله: (وكلاهما قادح فيما ذكر من التحقيق) وهو أن الواجب واحد لا بعينه من حيث هو واحد لا بعينه ولم يخير فيه.
قوله: (وليس هذا الإيجاب والتخيير بالقياس إلى هذا الكلى. . . إلخ) يعنى أنه وإن تعلق الوجوب والتخيير بمفهوم الأحد فليس باعتبار ذاته بل باعتبار ما صدقه فالواجب والمخير فيه هو المفهوم باعتبار الماصدق المتعدد وكل واحد من الماصدق يصح أن يتصف بأنه واجب ومخير فيه على التناوب فالتخيير هنا بين ما يتحقق به
стр. 847
الواجب وبين ما لا يتحقق به الواجب لكنه يصلح لأن يتحقق به الواجب وذلك لا يرفع حقيقة الوجوب فهذا الجواب الثانى مبنى على أن كل واحد من الأفراد يصلح لأن يكون واجبًا بخصوصه ومخيرًا فيه جائز الترك لكن على سبيل البدل بمعنى أن أيهما فعل كان واجبًا بخصوصه وأيهما ترك كان جائز الترك بخلاف الجواب الأول فإن الواجب عليه مفهوم أحد الأشياء فلذا كان هو الحق.
قوله: (وأكل الخبز) الأولى أن يقول وغير واجب كأكل الخبز.
قوله: (كيف ومآله إلى منع أن التخيير. . . إلخ) أى فيختار أن الواجب والمخير فيه متعدد ويمنع أن ذلك يؤدى إلى رفع حقيقة الوجوب.
قوله: (كيف وقد علم. . . إلخ) أى كيف يكون قوله: وتعدد ما صدق عليه. . . إلخ. من تتمة الجواب الثانى أعنى الجواب ببيان الحل.
قوله: (نعم تحقيق المقام ما ذكر فى الحل أولًا) لأن ما ذكر أولًا جعل الواجب غير المخير فيه لأنه القدر المشترك والمخير فيه الأفراد فليس فيه تخيير بين واجب وغير واجب أصلًا وما ذكره ثانيًا التزم فيه التخيير بين واجب وغير واجب لكنه منع بطلانه لأن الواجب غير معين.
قوله: (بفعل أحد الأمور مبهمًا) فيه سقط والأصل بفعل أحد المكلفين مبهمًا كما تحصل مصلحة الواجب المخير بفعل أحد الأمور مبهمًا.
قوله: (قيل وفى كون الكفاية بلفظ التخيير نظر) أجيب بأنه أراد بلفظ التخيير أن الواجب هو حصول الفعل من أحدهم أيًا ما كان.
قوله: (فى قوة المتنازع فيه) وهو وجوب واحد ما.
قوله: (سواء كان مساويًا) أى كما هنا.
قوله: (إبطال القسم الأول) وهو السند المساوى.
قوله: (مع ما ذكره المعلل) أى من حصول المصلحة بمبهم.
قوله: (يعترض لإثبات انتفائها) تحريف وصوابه تعرض لإثبات انتفائها وتأنيث الضمير فى انتفائها مع عوده على الوصف لأنه بمعنى الصفة.
قوله: (فليحمل ما فى المنتهى على المنع) فكأنه قال: إن فى المقيس عليه الإجماع على تأثيم الكل، والإجماع على التأثيم بالكل فى الواجب المخير منتف بسند الإجماع على التأثيم بترك البعض وقوله: مستدركًا أى لأنه يكفيه أن يقول للتأثيم بترك البعض إلا أن يقول التعرض للإجماع لتقوية السند.
стр. 848
قال: (مسألة: الموسع الجمهور أن جميع وقت الظهر ونحوه وقت لإدائه، القاضى الواجب الفعل أو العزم ويتعين آخرًا وقيل وقته أوله فإن آخره فقضاء بعض الحنفية آخره فإن قدمه فنفل يسقط الفرض الكرخى إلا أن يبقى بصفة التكليف فما قدمه واجب لنا أن الأمر قيد بجميع الوقت فالتخيير والتعيين تحكم وأيضًا لو كان معينًا لكان المصلى فى غيره مقدمًا فلا يصح أو قاضيًا فيعصى وهو خلاف الإجماع، القاضى ثبت فى الفعل والعزم حكم خصال الكفارة وأجيب بأن الفاعل ممتثل لكونها صلاة قطعًا لا لأحد الأمرين ووجوب العزم فى كل واجب من أحكام الإيمان, الحنفية: لو كان واجبًا أو لا عصى بتأخير لأنه ترك قلنا التأخير والتعجيل فيه كخصال الكفارة).
أقول: هذه ثالثة مسائل الوجوب وهى أنه إذا كان وقت الواجب موسعًا أى زائدًا على الفعل كالظهر ونحوه فالجمهور على أن جميعه وقت لأدائه ففى أى جزء أوقعه فقد أوقعه فى وقته، وقال القاضى ومتابعوه: الواجب فى كل جزء من الوقت هو إيقاع الفعل فيه أو إيقاع العزم فيه على الفعل فى ثانى الحال إلا أن آخر الوقت إذا بقى منه قدر ما يسع الفعل فحينئذ يتعين الفعل، وقال قوم: وقته أوله فإن آخره عنه فقضاء، وقال الحنفية: وقته آخره فإن قدمه عليه فنفل يسقط به الفرض كتعجيل الزكاة قبل وجوبها، وقال الكرخى: هذا إذا لم يبق على صفة التكليف إلى آخر الوقت بأن يجن أو يموت وأما إذا بقى فيعلم أن ما فعله كان واجبًا لنا الأمر قيد بجميع الوقت ولا تعرض فيه للتخيير بين الفعل والعزم ولا لتخصيصه بأول الوقت أو آخره بل الظاهر ينفيهما فيكون القول بهما تحكمًا باطلًا، ولنا أيضًا إن كان وقته جزءًا معينًا فإن كان آخر الوقت كان المصلى فى غيره مقدمًا لصلاته على الوقت فلا يصح كما قبل الزوال وإن كان أوله كان المصلى فى غيره قاضيًا فيكون بتأخيره له عن وقته عاصيًا كما لو أخر إلى وقت العصر وكلاهما خلاف الإجماع.
وقال القاضى: إنه ثبت فى الفعل والعزم حكم خصال الكفارة وهو أنه لو أتى بأحدهما أجزأ ولو أخل بهما عصى وذلك معنى وجود أحدهما فيثبت.
الجواب: أنا نقطع أن الفاعل للصلاة ممتثل لكونها صلاة بخصوصها لا لكونها أحد الأمرين مبهمًا وأيضًا فلا نسلم أن الإثم بترك العزم إنما هو لكونه مخيرًا بينه
стр. 849
وبين الصلاة حتى يكونا كخصال الكفارة بل لأن العزم على فعل كل واجب إجمالًا وتفصيلًا عند تذكره هو من أحكام الإيمان يثبت مع ثبوته سواء دخل وقت الواجب أو لم يدخل فلو جوّز ترك واجب بعد عشرين سنة لأثم وإن لم يدخل الوقت ولم يجب.
وقال الحنفية: لو كان واجبًا فى أول الوقت لعصى بتأخيره لأنه ترك للواجب وهو الفعل فى الأول.
الجواب: أن الملازمة ممنوعة وإنما يلزم لو كان الفعل أولًا واجبًا على التعيين وليس كذلك بل التأخير والتعجيل فيه جائز كخصال الكفارة ومذهب الشافعية لما علم دليله بالجواب عن دليل الحنفية لأنه عكسه تركه اختصارًا.
قوله: (إنا نقطع) إشارة إلى أن هذا الحكم قطع ضرورى لا يحتاج إلى الاستدلال بأنه لو كان ممتثلًا لأحد الأمرين لجاز الاقتصار على العزم دون الإتيان حتى يرد عليه منع الملازمة إن أريد الفاعل للصلاة فى آخر الوقت، وبطلان اللازم إن أريد فى أوّله على أن التحقيق أن هذا الجواب منع أى لا نسلم ثبوت حكم خصال الكفارة فى الفعل والغرم وإنما يثبت لو لم يكن الامتثال لخصوصية الصلاة وحينئذ لا يتوجه ما ذكر.
قوله: (بل لأن العزم) يعنى أن من أحكام الإيمان ولوازمه أن يعزم المؤمن على الإتيان بكل واجب إجمالًا ليتحقق التصديق الذى هو الإذعان والقبول وأن يعزم على الإتيان بالواجب المعين إذا تذكره تفصيلًا كالصلاة مثلًا سواء دخل الوقت أو لم يدخل على ما قال فى المنتهى، وأجيب بأن العزم على فعل كل واجب قبل فعله من أحكام الإيمان فكان العصيان لذلك وأما تفريع قوله فلو جوّز على ما سبق فليس كما ينبغى بأن عدم العزم لا يستلزم تجويز الترك.
قوله: (ومذهب الشافعية) أى البعض منهم هو الذهب الثالث المشار إليه بقوله وقيل وقته أوله فإن آخره عنه فقضاء لما علم دليله بالجواب أى مع جوابه عن دليل مذهب بعض الحنفية مع جوابه، وتقريره أنه لو كان واجبًا فى آخر الوقت لعصى من تركه فى آخر الوقت وقد أتى به فى أوّله والجواب أن ذلك إنما يلزم لو تعين وجوبه آخر الوقت.
стр. 850
قوله: (أى زائدًا على الفعل) الواجب إذا نسب إلى زمانه فإن كان مساويًا له سمى واجبًا مضيفًا كالصوم وإن كان الوقت زائدًا عليه سمى واجبًا موسعًا كالظهر ولا يجوز أن يكون الوقت ناقصًا عنه إلا لغرض القضاء كما إذا طهرت وقد بقى من الوقت مقدار ركعة.
قوله: (الواجب فى كل جزء من الوقت هو إيقاع الفعل أو إيقاع العزم فيه على الفعل فى ثانى الحال) يدل على أن العزم ليس بدلًا عن نفس الفعل حتى يتوجه أن يقال: ينبغى أن يتأدى الفعل بالعزم ضرورة تأدى المبدل منه بالبدل وأن يقال: يلزم تعدد البدل وهو العزم فى كل جزء من الوقت مع وحدة المبدل منه وهو الفعل؛ لأن المبدل منه هو إيقاعات الفعل فى أجزاء الوقت والبدل هو إيقاعات العزم فيها لا فى الجزء الأخير فكل واحد منهما متعدد وكل بدل يتأدى به مبدله، وما يقال من أن البدل إنما يصار إليه عند العجز عن المبدل منه كالتيمم والوضوء مدفوع بأن ذلك فيما لا يكون على سبيل التخيير.
قوله: (وقال الحنفية) فى بعض نسخ الشرح والمتن بعض الحنفية وهذا هو الصحيح؛ لأن المحققين من الحنفية لم يذهبوا إلى هذا بل قالوا: دل النص ظاهرًا على سببية جميع الوقت وحينئذ يلزم أحد الأمرين إما وجوب تأخير الفعل عن جميع الوقت أو تقديم المسبب على السبب لأنه إما أن يجب تأخيره عنه فيلزم الأول أو لا بل يجوز فعله فيه فيلزم الثانى وكلاهما باطل إجماعًا فوجب تأويل النص وصرف السببية إلى أجزاء الوقت، والجزء الأول من الوقت أولى بهذا الوصف لعدم المزاحم فإن اقترن به الفعل استقر عليه السببية وإلا انتقلت إلى الجزء الثانى فإن اتصل به الفعل فذاك وإلا انتقلت عنه إلى الثالث وهكذا إلى أن يبقى من الوقت قدر يسع الفعل فحينئذ يتضيق الفعل بحيث لو آخره كان عاصيًا لكن عند زفر تستقر السببية على هذا الجزء ولا تنتقل عنه إلى ما بعده، وعند الأئمة الثلاثة تنتقل هكذا إلى الجزء الأخير ولهم فى ذلك تحقيقات وتفريعات لا تناسب المقام.
قوله: (وقال الكرخى هذا) أى كونه نفلًا سقط به الفرض ويسمى مذهبه بالمراعاة فإن بقى إلى آخر الوقت وأدرك منه قدر ما يسع الفعل على صفة التكليف كان ما أداه أوّلًا فرضًا وإلا كان ما فعله نفلًا.
стр. 851
قوله: (لنا الأمر قيد بجميع الوقت) لأن الكلام فيما هو كذلك وليس المراد بتطبيق أجزاء الفعل على أجزاء الوقت أن يكون الجزء الأول من الظهر مثلًا منطبقًا على الجزء الأول من الوقت والجزء الأخير على الجزء الأخير فإن ذلك باطل إجماعًا وليس المراد تكراره فى أجزائه بأن يأتى بالظهر فى كل جزء يسعه من أجزاء الوقت وليس فى الأمر تعرض للتخيير بين الفعل والعزم ولا لتخصيصه بأوّل الوقت أو آخره ولا بجزء من أجزائه المعينة بل ظاهر الأمر ينفى التخيير والتخصيص ضرورة دلالته على وجوب الفعل بعينه وعلى تساوى نسبته إلى أجزاء الوقت؛ فيكون القول بهما أعنى: التخيير والتخصيص المذكورين تحكمًا باطلًا ويجب القول بوجوبه على التخيير فى أجزاء الوقت ففى أى جزء أداه فقد أداه فى وقته.
قوله: (فإن كان آخر الوقت) يفرض للآخر والأول إذ لم يقل أحد بتعيين جزء من أجزائه لوجوب الفعل فيه.
قوله: (فيكون بتأخير له عن وقته عاصيًا) يعنى: إذا أخرجه عمدًا ولم يصرح لأن التأخير مشعر به.
قوله: (لا لكونها أحد الأمرين) فلو كان هناك تخيير بين الصلاة والعزم لكان الامتثال بها من حيث إنها أحد الأمرين ومشتملة على هذا المفهوم المطلق كما علم من تحقيق القول بالتخيير وقوله: إنا نقطع يدل على أن هذه المقدمة مما علمت ضرورة من الدين أو أنها مجمع عليها إجماعًا قطعيًا.
قوله: (وأيضًا. . . إلخ) يريد أن الإثم بترك العزم ليس لأن المكلف مخير بينه وبين الصلاة حتى يكونا واجبين على التخيير كخصال الكفارة بل لأن العزم على فعل كل واجب إجمالًا عند الالتفات إليه على سبيل الإجمال وتفصيلًا عند تذكره بخصوصه حكم من أحكام الإيمان يثبت مع ثبوت الإيمان سواء دخل وققط الواجب أو لم يدخل فهو واجب مستمر عند الالتفات إلى الواجبات إجمالًا أو تفصيلًا، فليس وجوبه على سبيل التخيير بينه وبين الصلاة بل هو واجب قبل وجوبه ومعه.
قوله: (بل التخيير والتعجيل فيه جائز كخصال الكفارة) قيل: الفرق أن التخيير هناك بين جزئيات الفعل وههنا فى آخر الوقت وقيل: بل التخيير هناك فى الجزئيات المتخالفة الحقائق، وههنا فى الجزئيات المتفقة الحقيقة، فإن الظهر المؤداة
стр. 852
مثلًا فى جزء من أجزاء الوقت مثل المؤداة فى كل جزء من الأجزاء الباقية والمكلف مخير بين هذه الأشخاص المتخالفة بتشخصاتها المتماثلة بالحقيقة.
قوله: (ومذهب الشافعية لما علم دليله بالجواب عن دليل الحنفية) وكذا علم جوابه عن دليلهم؛ لأنه عكسه تركه اختصارًا إذ علم من الجواب جواز التعجيل وإيقاع الفعل فى أوّل الوقت على صفة الوجوب فيقال: لو لم يكن واجبًا فى أوّل الوقت لما خرج عن عهدة التكليف بأدائه فيه والتالى باطل إجماعًا، وجوابه: أنه لا يلزم من وجوبه فى أوّل الوقت تعينه للوجوب لجواز أن يكون على سبيل التخيير فى أجزائه وأيضًا لو تعين أوّله لما جاز تأخيره.
المصنف: (وقت لأدائه) أى فإذا وقع الفعل فى أى جزء منه كان واقعًا فى وقت أدائه وليس وقت الأداء ما اتصل به كما قال جمهور الحنفية فهم وإن قالوا بالواجب الموسع إلا أنهم يقولون معناه أن أى جزء وقع فيه الفعل فهو وقت أدائه فوقت الأداء جزء من الوقت لا بعينه يتعين بالوقوع فيه إن فعل فى الوقت وإلا تعين الوقت كله للسببية وأما على رأى من قال بأن وقت الأداء أول الوقت أو آخره فلا وجوب موسعًا عنده.
التفتازانى: (لا يحتاج إلى الاستدلال. . . إلخ) أى الاستدلال على أن الفاعل للصلاة ممتثل لكونها صلاة بخصوصها لا لكونها أحد الأمرين بأنه لو كان الفاعل ممتثلًا لكونها أحد الأمرين لجاز الاقتصار.
التفتازانى: (لو كان ممتثلًا لأحد الأمرين) أى لكون الصلاة التى فعلها أحد الأمرين اللذين هما الصلاة والعزم.
التفتازانى: (على أن التحقيق. . . إلخ) أى أن الجواب ليس دعوى يستدل عليها بأنه لو كان. . . إلخ. حتى يرد ما ذكر من منع اللازمة أو بطلان اللازم بل مجرد منع.
التفتازانى: (وأجيب بأن العزم. . . إلخ) مقول قوله: قال فى المنتهى.
التفتازانى: (وأجيب بأن العزم. . . إلخ) فى حاشية ميرزاجان اعتراضه بأن العزم على الفعل هو إرادته الإتيان به وليست من لوازم الإيمان ومحققاته وإلا لزم أن من ترك العزم على الفعل وقتًا ما غير مؤمن وأيضًا إن أريد بالعزم نية الفعل حاله فصحيح لكنه لا نزاع فيه وإن أريد القصد إلى الفعل ثانى حال فلا نسلم وجوبه
стр. 853
فالشارح نبه على أن مرادهم بوجوب العزم دائمًا عدم جواز الترك وهو الحق والظاهر أن المراد بتجويز الترك ما يقابل العزم والإرادة فالتفريع صحيح. اهـ باختصار.
التفتازانى: (أى مع جوابه. . . إلخ) أى: فالباء فى قوله بالجواب بمعنى مع والدليل معلوم من الدليل، والجواب من الجواب ففى قوله عن دليل الحنفية حذف أى وجوابهم.
قوله: (ليس بدلًا عن نفس الفعل) أى بل بدل عن إيقاعه فى ذلك الجزء من الوقت.
قوله: (تستقر السببية على هذا الجزء) أى الذى يبقى بعده ما يسع الفعل.
قوله: (وعند الأئمة الثلاث) أى أئمة الحنفية وهم الإمام أبو حنيفة وصاحباه ﵃ إذ المالكية والشافعية على أن السبب أول جزء من الوقت قال فى مسلم الثبوت وشرحه السبب فى الواجب الوسع الجزء الأول عند الشافعية للسبق وعند عامة الحنفية ليس الجزء الأول سببًا عينًا بل السبب موسع إلى الجزء الآخر كالمسبب وعند زفر إلى ما يسع الأداء وبعده لا سببية فمن صار أهلًا فى الجزء الذى لا يسعه لا تجب الصلاة معه عنده وعند عامة الحنفية تجب وبعد الخروج كل الوقت سبب.
قوله: (أى كونه نفلًا سقط به الفرض) الأولى حذف قوله سقط به الفرض لأن الكرخى يقول: إنه لا يكون فرضًا إلا إذا بقي المكلف بصفة التكليف إلى آخر الوقت فببقائه تبين أن ما فعله أول الوقت كان فرضًا فإذا لم يبق بصفة التكليف إلى آخر الوقت كان نفلًا لا غير.
قوله: (بالمراعاة) أى مراعاة البقاء إلى آخر الوقت بصفة التكليف.
قوله: (تعرض للآخر والأول) أى دون غيرهما من بقية أجزاء الوقت.
قوله: (إذا لم يقل أحد بتعيين جزء من أجزائه لوجوب الفعل فيه) كان عليه أن يزيد بعده سوى الأول والآخر.
قوله: (فهو واجب مستمر) أى فليس وجوبه للوقت كالصلاة.
قوله: (وكذا علم جوابه عن دليلهم) أى علم الجواب عن دليل مذهب الشافعية كالجواب عن دليل مذهب الحنفية فالدليل والجواب علمًا من الجواب وهذا خلاف ما درج عليه السعد من أن الدليل علم من الدليل والجواب من الجواب.
стр. 854
قال: (مسألة: من أخر مع ظن الموت قبل الفعل عصى اتفاقًا فإن لم يمت ثم فعله فى وقته فالجمهور أداء، وقال القاضى: إنه قضاء فإن أراد وجوب نية القضاء فبعيد ويلزمه لو اعتقد انقضاء الوقت قبل الوقت يعصى بالتأخير ومن أخر مع ظن السلامة فمات فجأة فالتحقيق لا يعصى بخلاف ما وقته العمر).
أقول: هذه رابعة مسائل الوجوب وهى أن من أدرك وقت الفعل وظن الموت فى جزء ما منه وأخر الفعل عنه مع ظنه الموت عصى اتفاقًا فإن لم يمت وفعله بعد ذلك الوقت فى وقته المقدر له شرعًا أولًا فقال الجمهور وهو أداء لصدق حده عليه، وقال القاضى: إنه قضاء لأنه صار وقته شرعًا بحسب ظنه ما قبل ذلك الوقت فهذا وقع بعد وقته ولا خلاف معه فى المعنى إلا أن يريد وجوب نية القضاء وهو بعيد إذ لم يقل به أحد إنما النزاع فى التسمية وتسميته أداء أولى لأنه فعل فى وقته المقدر له شرعًا أولًا وإن عصى بالتأخير كما إذا اعتقد انقضاء الوقت قبل الوقت وأخر فإنه يعصى ثم إذا ظهر خطأ اعتقاده وأوقعه فى الوقت كان أداء اتفاقًا ولا أثر للاعتقاد الذى قد بأن خطؤه فكذا ههنا هذا فيمن أخر مع ظن الموت وسلم وأما عكسه وهو من أخر مع ظن السلامة ومات فجأة فالتحقيق أنه لا يعصى لأن التأخير جائز له ولا تأثيم بالجائز. ولا يقال شرط الجواز سلامة العاقبة إذ لا يمكن العلم بها فيؤدى إلى تكليف المحال وهذا بخلاف ما وقته العمر فإنه لو أخر ومات عصى وإلا لم يتحقق الوجوب.
قوله: (وقال القاضى إنه قضاء) قال الآمدى الأصل بقاء جميع الوقت وقتًا للأداء كما كان ولا يلزم من جعل ظن المكلف موجبًا للعصيان بالتأخير مخالفة هذا الأصل وتضييق الوقت بمعنى أنه إذا بقى بعد ذلك الوقت كان فعل الواجب فيه قضاء، ولهذا لا يلزم من عصيان المكلف بتأخير الواجب الموسع عن أوّل الوقت من غير عزم عند القاضى أن يكون فعل الواجب بعد ذلك فى الوقت قضاء ثم قال وهو فى غاية الاتجاه ورد بالفرق لأنه لم يلزم كونه قضاء ههنا؛ لأن الوقت لم يصر مضيقًا بالنسبة إلى ظنه ههنا بخلافه ثمة نعم لو كان كونه قضاء مبنيًا على أن العصيان ينافى الأداء لاتجه ما ذكره وأما قوله ويلزمه معناه أنه يلزم القاضى أن يكون فعل الواجب فى وقته قضاء فيما إذا اعتقد قبل دخول وقت الظهر أن الوقت
стр. 855
ينقضى حين يحضر زيد مثلًا فأخر إلى أن حضر وصلى وهو أول الوقت فى الواقع فإنه يعصى مع أن فعله أداء اتفاقًا، وفى بعض الشروح أن فاعل يلزمه وقوله يعصى على سقوط لفظ أنه أى يلزم القاضى أنه يعصى فيما إذا اعتقد قبل الوقت دخول الوقت وخروجه ولم يشتغل بالواجب وكان مقتضى مذهبه أن لا يعصى؛ لأن القضاء موسع ما لم يتعيد ثم قال ولو كان الشرطية فى موقع الفاعل أى يلزم القاضى استلزام اعتقاد الانقضاء للعصيان فله أن يلتزم.
قوله: (هذه رابعة مسائل الوجوب) هذه المسألة متعلقة بالواجب الموسع ومتفرعة عليه ولهذا صدرت بالفرع فى المحصول وغيره.
قوله: (مع ظنه الموت) إشارة إلى اجتماع الظن وبقائه مع التأخير فلا يكون تكرارًا لقول وظن الموت.
قوله: (بحسب ظنه) متعلق بصار فإن ظنه سبب لتعيين ما قبل ذلك الوقت وقتاله شرعًا ولهذا يعصى بالتأخير.
قوله: (ولا خلاف معه فى المعنى) فإن القاضى يوافق الجمهور فى أنه فعل واقع فى وقت كان مقدرًا له شرعًا أوّلًا وهم يوافقونه فى كونه واقعًا خارجًا عما صار وقتًا له بحسب ظنه فلا منازعة فى المعنى إلا أن يريد القاضى وجوب نية القضاء بناء على أن ذلك الظن كما صار سببًا لتعين ذلك الجزء وقتًا صار سببًا أيضًا لخروج ما بعده عن كونه وقتًا له مقدرًا أوّلًا بالكلية وهو بعيد إذ لم يقل أحد بوجوب نية القضاء وخروج ما بعده عن كونه مقدرًا له أولا فى نفس الأمر فإن تعين ذلك الجزء إنما يظهر فى حق العصيان ولا يلزم اعتباره فى خروج ما بعده عن كونه وقتًا عند ظهور فساد الظن القتضى لتعينه.
قوله: (كما إذا اعتقد انقضاء الوقت قبل الوقت) فإن المكلف إذا ظن قبل دخول وقت الظهر مثلًا أنه لو لم يشتغل به ينقضى وقته وأخر يعصى اتفاقًا وبعد ظهور خطأ اعتقاده إذا أوقعه فى الوقت كان أداء بلا خلاف فلا أثر للاعتقاد البين خطؤه فى التسمية بالقضاء وهذا بعينه يدل على فساد القول بوجوب نية القضاء أيضًا وإلا لوجبت فى صورة الوفاق وما يتوهم من الفرق بين الصورتين بأن المتعلق فى إحداهما جزء من أجزاء الوقت المقدر له شرعًا أولًا وفى الثانية ما هو
стр. 856
خارج عنه متقدم عليه فلا تعويل عليه إذ مدار الحكم على التعيين والعصيان بالتأخير وهو مشترك بينهما.
قوله: (ولا يقال شرط الجواز سلامة العاقبة. . . إلخ) فيه بحثان أحدهما إنا لا نسلم أن اشتراط جواز التأخير بسلامة العاقبة مع عدم العلم بها يؤدى إلى تكليف الحال إنما يلزم ذلك أن لو وجب عليه التأخير بشرط السلامة أما لو جاز له التأخير فلا، كيف وهو متمكن من الإتيان بالواجب حينئذ على المبادرة نعم لما كان جواز التأخير متعلقًا بالفعل الكلف به وفى ثبوته على هذا الاشتراط جهالة كان هناك شائبة تكليف بالمحال إذ مرجعه أن يقال له افعل هذا الفعل فى هذا الوقت أو افعله فيما بعده بشرط السلامة والتحقيق أنه يلزم على هذا الاشتراط أن لا يكون لجواز التأخير فائدة إذ لم يمكن للمكلف العمل بمقتضاه لأنه محال منه فلو كان مكلفًا به لزم تكليف المحال وإلا فلا، وثانيهما أن الفرق بين ما وقته العمر وبين غيره مشكل فإن ما يسع وقته العمر إن لم يجز تأخيره أصلًا لم يكن موسعًا قطعًا وإن جاز فإما مطلقًا فلا عصيان كالتأخير مع الموت فجأة إذ لا تأثيم بالجائز وإما بشرط سلامة العاقبة فيلزم التكليف بالمحال كما فى غيره وأما ذكره من أنه لو جاز له التأخير أبدًا وإذا مات لم يعص لم يتحقق الوجوب أصلًا بخلاف الظهر مثلًا فإن جواز تأخيره إلى أن يتضيق وقته فلا يرتفع الوجوب ففيه أنه لا يقدح فيما ذكره من الدليل المشترك بين الصورتين غايته أنه يعارضه فى هذه الصورة فلا يتحقق فيهما مقتضى أحدهما لمقاومة كل منهما الآخر والذى يمكن أن يقال فى توجيهه: هو أن المعارض أعنى ارتفاع الوجوب دليل قطعى وما ذكرتموه ظنى فعمل به فيما عدا صورة المعارضة وفيها يتعين إعمال المعارض القطعى دونه وفى المحصول أنه يجوز له التأخير فيما يسع العمر بشرط أن يغلب على ظنه أنه يبقى فلو ظن أنه لا يبقى تعين وعصى بالتأخير مات أو لم يمت ولهذا قال أبو حنيفة ﵀ لا يجوز تأخير الحج لعدم ظن البقاء إلى سنة أخرى والشافعى ﵀ يرى ذلك فى حق الشاب الصحيح دون الشيخ والمريض وبهذا الكلام يظهر أن المعارض ليس بقطعى.
المصنف: (ويلزمه لو اعتقد. . . إلخ) فى عبارة بعض محققى الشافعية ما نصه:
стр. 857
أعلم أنه يتفرع على خلاف القاضى أنه يجب نية القضاء بناء على أنه يجب التعرض له وعدم صحة صلاة ذلك الظان الجمعة مع إمامها إذ لا تقضى. اهـ.
المصنف: (ويلزمه لو اعتقد انقضاء الوقت يعصى بالتأخير) فاعل يلزمه هو كون الفعل فى الوقت قضاء وقوله يعصى محرف عن فعصى أى أنه إذا اعتقد انقضاء الوقت قبل دخوله كما إذا اعتقد أنه عند مجئ زيد ينقضى الوقت وأخر حتى جاء زيد وعصى بهذا التأخير ثم تبين أن الوقت باق وأدى فيه يلزم القاضى أن يقول: إن ما أداه فى الوقت قضاء مع أنه أداء اتفاقًا.
الشارح: (وظن الموت فى جزء ما منه) أى ظن فى الوقت الذى أدركه الموت فى جزء ما منه.
الشارح: (وأخر الفعل عنه) أى عما أدركه من الوقت الذى ظن الموت فى جزء يعقبه والمراد آخره عن مقدار ما يسع الفعل منه ولو قال: وأخر الفعل إليه أى إلى الجزء الذى ظن قبله الموت فيه لكان أوضح.
التفتازانى: (ورد بالفرق) أى بين تأخير الواجب الوسع عن أول الوقت من غير عزم وبين تأخير من ظن الموت ثم تبين أنه لم يمت، وقوله لم يلزم كونه قضاء ههنا أى فى تأخير الواجب الوسع عن أول الوقت من غير عزم وقوله بخلافه ثمت أى فى تأخير من ظن الموت.
التفتازانى: (وأما قوله: ويلزمه. . . إلخ) إيضاحه على ما فى عبارة بعض المحققين أن الوجه فى رد كلام القاضى خلاف ما يرد به صاحب الأحكام وهو أن الاعتقاد البين خطؤه لا عبرة به وإلا لزم القاضى أن يقول: إن فعل الواجب فى وقته قضاء فيما إذا اعتقد قبل دخول وقت الظهر أن الوقت ينقضى حين يحضر زيد مثلًا فأخر إلى أن حضر وصلى وهو أول الوقت فى الواقع فإنه يعصى للظن البين خطؤه مع أن فعله أداء اتفاقًا.
التفتازانى: (وفى بعض الشروح أن فاعل يلزمه. . . إلخ) فيه أنه غير ظاهر لأنه إن كان التأخير عمدًا حتى خرج الوقت فى اعتقاده وقلنا: إنه وإن أداه فى الوقت يكون قضاء لزومًا للقاضى وإن لم يقل به فعصيانه بالتأخير بعد دخول الوقت مسلم لأن القضاء موسع ما لم يتعمد الترك فى وقت الأداء وهو قد تعمد الترك فى وقت الأداء الذى هو ما قبل الوقت وقد ظنه الوقت وأخر حتى خرج وإن كان
стр. 858
التأخير ليس عمدًا فلا يعصى بالتأخير.
التفتازانى: (لو كان الشرطية فى موقع الفاعل) أى: لو كان الشرطية التى هى قوله: لو اعتقد إنقضاء الوقت قبل الوقت يعصى بالتأخير واقعة موقع الفاعل لقوله يلزمه.
قوله: (إشارة إلى اجتماع الظن وبقائه مع التأخير) فلو ظن الموت ثم ذهب الظن قبل أن يؤخر وأخر فلا إثم عليه فالشرط فى الإثم عند ظن الموت بقاء الظن حال التأخير فليس قوله ظنه الموت مكررًا مع قوله: وظن الموت فى جزء منه.
قوله: (إذ مدار الحكم) أى بكونه قضاء.
قوله: (فلو كان مكلفًا به لزم تكليف المحال) أى فقوله يؤدى إلى تكليف المحال مبنى على فرض التكليف بالتأخير يعنى لو فرض واجبًا كان التكليف به تكليفًا بالمحال، والجواب أنه وإن لم يكن تكليفًا لأن التكليف إلزام ما فيه كلفة أو طلبه لكنه يثبت حيث يثبت التكليف وإذا كان التكليف بالتأخير محالًا لم يعلق بالتأخير الجواز وإن لم يكن الجواز تكليفًا ثم إن الشارح والمحشى قد جريا على أنه إذا اشترط فى وجوب التأخير علم سلامة العاقبة كان التكليف به تكليفًا بالمحال مع أنه حيث كان الشرط للوجوب والخلل جاء من جهة المأمور فالمحال هو ذلك الوجوب وهو التكليف فيكون من باب التكليف المحال لا من التكليف بالمحال.
стр. 859
قال: (مسألة: ما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدورم شرطًا واجب والأكثر وغير شرط كترك الأضداد فى الواجب وفعل ضد فى المحرّم وغسل جزء الرأس وقيل لا فيهما، لنا لو لم يجب الشرط لم يكن شرطًا وفى غيره لو استلزم الواجب وجوبه لزم تعقل الموجب له ولم يكن تعلق الوجوب لنفسه ولامتنع التصريح بغيره ولعصى بتركه ولصح قول الكعبى فى نفى المباح ولوجبت نيته، قالوا: لو لم يجب لصح دونه ولما واجب التوصل إلى الواجب والتوصل واجب بالإجماع وأجيب إن أريد بلا يصح وواجب لا بد منه فمسلم وإن أريد مأمور به فأين دليله وإن سلم الإجماع ففى الأسباب بدليل خارجى).
أقول: الاتفاق على أن الوجوب إذا كان مقيدًا بمقدمة لم تكن تلك المقدمة واجبة كأن يقول: إن ملكت النصاب فزك فهذا لا يكون إيجابًا لتحصيل النصاب. إنما الكلام فى الواجب المطلق هل يكون ما لا يتم ذلك الواجبط إلا به واجبًا أو لا ومختار المصنف أن ما لا يتم الواجب إلا به إن كان مقدورًا للمكلف يتأتى الفعل بدونه عقلًا وعادة لكن الشارع جعله شرطًا للفعل فهو واجب وإلا فلا وقال الأكثرون وغير ما جعله الشارع شرطًا أيضًا واجب مما يلزم فعله عقلًا كترك الأضداد فى الواجب وفعل ضد فى الحرم أو عادة كغسل جزء من الرأس لغسل الوجه كله وقيل لا وجوب فى الشرط وغيره، بهذا يشهد لفظه فى المنتهى لكن غيره إذا قال فى هذه المسألة مقدورًا احترز به عن بعض ما لا يمكن تحصيله من الآلات وكأنه يرى ذلك مما هو قيد فى الوجوب، لنا إما أن الشرط يجب فلأنه لو لم يجب الشرط لم يكن شرطًا إذ بدونه يصدق أنه أتى بجميع ما أمر به فتجب صحته وأنه ينفى حقيقة الشرطية. وأما أن غيره لا يجب فلأنه لو استلزم وجوب الواجب وجوبه لزم تعقل الموجب له وإلا أدى إلى الأمر بما لا يشعر به واللازم باطل لأنا نقطع بإيجاب الفعل مع الذهول عما يلزمه وأيضًا التعلق داخل فى حقيقة الوجوب فكل ما تعلق به الخطاب فهو واجب وما لم يتعلق به فهو غير واجب فلو وجب اللازم ولم يتعلق به خطاب طلب لما كان كذلك وأيضًا لو استلزم وجوبه لامتنع التصريح بأنه غير واجب ونحن نقطع بصحة إيجاب غسل الوجه ونفى إيجاب غيره وأيضًا لو استلزم لعصى بتركه. ومعلوم أن تارك غسل جزء من الرأس إذا لم يحصل بدونه غسل الوجه إنما يعصى بترك غسل الوجه لا
стр. 860
بترك غسل جزء من الرأس وأيضًا لو استلزم لصح قول الكعبى فى نفى المباح لأن فعل الواجب وهو ترك الحرام لا يتم إلا به فيجب وأنه باطل إجماعًا وأيضًا لو استلزم لوجبت نية المقدمة والتالى باطل بالاتفاق.
قالوا: لو لم يجب لصح الأكل دونه ولا يصح لأن المفروض الامتناع دونه، وأيضًا: لو لم يجب لما كان التوصل إلى الواجب واجبًا والتوكل إلى الواجب واجب بالإجماع.
الجواب عنهما: أن قولك فى نفى اللازمين لا يصح الأصل بدونه والتوصل واجب إن أردت به أنه لا بد منه فمسلم لكنه غير محل النزاع وإن أردت به أنه مأمور به شرعًا فهو ممنوع وهو المدعى فأين دليله.
فإن قال: الإجماع على وجوب التوصل شرعًا فإن تحصيل أسباب الواجب واجب كحز الرقبة فى القتل وأسباب الحرام حرام وما ذلك إلا لأنها وسيلة.
فالجواب: لا نسلم الإجماع وإن سلم فهو فى الأسباب خاصة لدليل خارجى لا لأنها وسيلة فلا يدل على وجوب التوكل مطلقًا.
قوله: (الاتفاق على أن الوجوب) قد فسر الواجب المطلق بما يجب فى كل وقت وعلى كل حال فنوقض بالصلاة فزيد فى كل وقت قدره الشارع فنوقض بصلاة الحائض تزيد إلا لمانع وهذا لا يشمل غير المؤقتات ولا مثل الحج والزكاة فى إيجاب ما يتوقف عليه من الشروط والمقدمات؛ فأشار المحقق إلى أن المراد الإطلاق والتقييد بالنسبة إلى تلك المقدمة حتى إن الزكاة بالنسبة إلى تحصيل النصاب مقيد فلا يجب، وإلى تعينه وإفرازه مطلق فيجب ثم لا خلاف فى إيجاب الأسباب، فالأمر بالقتل أمر بضرب السيف مثلًا والأمر بالإشباع أمر بالإطعام إنما الخلاف فى غيره وتقريره على ما ذكره القوم ظاهر؛ لأنهم يريدون بما لا يتم الواجب إلا به ما يتوقف عليه وجوده شرعًا أو عقلًا أو عادة ويحترزون بالمقدورية عما لا يكون فى وسع المكلف كتحصيل القدم فى القيام وكعدد الأربعين فى الجمعة ونحو ذلك ويعنون بالشرط ما جعله الشارع شرطًا لذلك وإن كان يتصوّر وجوب ذلك الفعل بدونه كالطهارة للصلاة؛ إلا أن المصنف كأنه يعتقد أن الواجب بالنسبة إلى الأمور التى يلزم فعلها عقلًا أو عادة ليس واجبًا قطعًا إذ لا يجاب مقيد
стр. 861
بحصولها فلا تدخل هى تحت ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فلا تفتقر إلى الاحتراز عنها بقيد المقدورية، فلهذا فسر المقدورية بأن يتأتى الفعل بدونه عقلًا وعادة على معنى أن المكلف عند الإتيان بالواجب يتمكن من فعل تلك المقدمة وتركها هذا تقرير الشارح وعليه إشكال مبنى على جعل قوله: يتأتى الفعل بدونه وصفًا كاشفًا للمقدور وذلك أن المقدمة المقدورة حينئذٍ لا تتناول إلا ما جعله الشارع شرطًا ضرورة أن ما لا يلزمه فعله عقلًا أو عادة لا يكون مقدورًا بهذا المعنى، وحينئذٍ يكون التقييد بقوله شرطًا لغوًا والتعميم بقوله وغير شرط باطلًا فالأولى أن يراد بالمقدور مفهومه الظاهر أى ما يدخل تحت قدرة المكلف، ويجعل قوله يتأتى الفعل بدونه وصفًا مخصصًا لا كاشفًا أى إن كان مقدورًا بهذه الصفة فهو واجب وإلا فلا.
قوله: (لو لم يجب الشرط لم يكن شرطًا) لا خفاء فى أن النزاع فى أن الأمر بالشئ هل يكون أمرًا بشرطه وإيجابًا له فوجوب الشرط الشرعى للواجب معلوم قطعًا إذ لا معنى لشرطيته سوى حكم الشارع أنه يجب الإتيان به عند الإتيان بذلك الواجب كالوضوء للصلاة وهذا كما أن الشرط العقل معلوم أنه لازم عقلًا فعلى هذا لا نسلم أن الإتيان بالمشروط دون الشرط إتيان بجميع ما أمر به وإنما يصح لو لم يكن الشرط مأمورًا به بأمر آخر وإن أراد الأمر المتعلق بأصل الواجب فلا نسلم أنه إذا أتى بجميع ما أمر به يجب صحته، وإنما تجب لو لم يكن له شرط أوجبه الشارع بأمر آخر.
قوله: (وأما أن غيره لا يجب) قد استدل عليه بستة أوجه واعترض الشارح العلامة ﵀ إما إجمالًا فبأنه يرد على أكثرها البعض بالشرط وإما تفصيلًا فبأنه يرد على الأول منع الملازمة وإنما ذلك فى الواجب أصالة، وعلى الثالث منع الملازمة فيمن يقدر على غسل الوجه بدون جزء من الرأس ومنع بطلان التالى فيمن يعجز وبه يخرج الجواب عن الرابع مع ورود منع بطلان التالى وعلى الخامس منع الملازمة وإنما يتم لو لم يحصل ترك الحرام إلا بفعل المباح وكذا على السادس وإنما يلزم لو كان الواجب مقصودًا بالذات ألا ترى أن النية يشترط واجب قطعًا ولا يجب عنها وإلا تسلسل وأما الوجه الثانى فتقرير الشارح العلامة ﵀ ومن تبعه هو أن وجوب الشئ لو استلزم وجوب غير يشترط لم يكن تعلق
стр. 862
الوجوب به لنفس الوجوب أو لنفس ذلك الغير لتوقفه حينئذ على التعلق بملزومه والتالى باطل؛ لأن الطلب لا يعقل تعلقه بشئ غير المطلوب على ما سبق فى الاحتجاج على الجبائية، ولما كان ضعفه ظاهرًا إذ قد يتعلق بالذات شئ وبالعرض شئ آخر عدل عنه الشارح إلى ما فى ضعفه نوع خفاء أما تقريره فهو أن تعلق الخطاب داخل فى حقيقة الوجوب لكونه من أقسام الحكم فكل واجب متعلق الخطاب، وينعكس إلى ما ليس بمتعلق الخطاب ليس بواجب فلو صدق لا دخل له فى البيان، وأما ضعفه فلأنا لا نسلم أن اللازم لم يتعلق به خطاب طلب بل هذا عين النزاع فإن دعوى كونه واجبًا هو أن خطاب طلب ملزوم متعلق به أيضًا وبعضهم على أنه من تتمة الأول أى لو استلزم الواجب وجوب ذلك الغير والحال أنه لم يكن تعلق الوجوب لنفسه بل بالموجب لزم تعلق الموجب لذلك الغير وبعضهم على أن المراد أن تعلق الوجوب ليس لنفسه بل لا بد من قيام ما يدل على الوجوب والعقل مما لا دخل له فى الإيجاب، والنص لا إشعار فيه إلا لوجوب الأصل دون ذلك الغير وفسادها غنى عن البيان.
قوله: (إن أردت به) أى بعدم صحة الأصل بدون وجوب التوصل إلى الواجب به أنه لا بد منه فى الإتيان بالواجب فسلم لكنه لا يستلزم كونه مأمورًا به شرعًا، وإن أردت أنه مأمور به شرعًا فالنزاع لم يقع إلا فيه؛ فإن قيل كل ما لا بد منه ممتنع الترك وكل ممتنع الترك واجب وكل واجب مأمور به شرعًا فلنا إن أريد بالوجوب الحكم الشرعى فلا نسلم الصغرى أو مجرد اللزوم فلا نسلم الكبرى.
قوله: (لدليل خارجى) قيل هو الإجماع ورد بأن المراد دليل داعٍ إلى الإجماع والاتفاق على ذلك وقيل: ضرورة الجبلة بمعنى أن التوصل بالسبب عند امتثال المسبب من ضرورات الجبلة، ورد بأن جميع ما لا بد منه كذلك مع أنه لا يفيد الوجوب بمعنى خطاب الطلب بل الدليك هو أن ليس فى وسع المكلف إلا مباشرة الأسباب فيتعلق الخطاب بها قطعًا.
قوله: (إنما الكلام فى الواجب المطلق) قال الشارح الواجب المطلق ما لا يتوقف وجوبه على مقدمة وجوده من حيث هو كذلك وإنما اعتبر الحيثية لجواز أن يكون واجبًا مطلقًا بالقياس إلى مقدمة ومقيدًا بالنسبة إلى أخرى فإن الصلاة بل التكاليف
стр. 863
بأسرها موقوفة على البلوغ والعقل فهى بالقياس إليها مقيدة وأما بالإضافة إلى الطهارة فواجبة مطلقًا وبالجملة الإطلاق والتقييد أمران إضافيان ولا بد من اعتبار الحيثية فى حدود الأشياء الداخلة تحت المضاف على ما هو المشهور وقد صرح به صاحب الشفاء فى مبحث الجنس.
قوله: (يتأتى الفعل بدونه عقلًا وعادة) تفسير للمقدور فليس المراد منه كون المقدمة فى نفسها مقدورة بل إن الفعل مقدور بدونها يمكنه الإتيان به مع عدمها عقلًا وعادة وفيه مع قوله: لكن الشارع جعله شرطًا للفعل إشارة إلى انقسام المقدمة ثلاثة أقسام ما يتوقف عليه الفعل عقلًا كترك الأضداد فى الواجب وفعل ضد فى الحرام وتسمى مقدمة عقلية وشرطًا عقليًا وما يتوقف عليه عادة كغسل جزء من الرأس لغسل الوجه كله وتسمى مقدمة عادية وشرطًا عاديًا وما لا يتوقف عليه بأحد الوجهين لكن الشارع يجعل الفعل موقوفًا عليه وضده شرطًا له كالطهارة للصلاة وتسمى مقدمة شرعية وشرطًا شرعيًا والمصنف قد أطلق الشرط وأراد به هذا القسم بدليل المقابل حيث جعل ترك الأضداد غير شرط فذلك إما اصطلاح منه على تخصيص الشرط بما يتوقف عليه الفعل من جهة الشرع وإما على تقدير التقييد بالشرعى وقد حذف اختصارًا.
قوله: (بهذا يشهد لفظه فى المنتهى) يعنى بما ذكرنا من معنى المقدور يشهد عبارة المصنف فى المنتهى ولا تحضرنى تلك العبارة فإن كانت على ما نقل من أنه قال فيه: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب إن كان مقدور للمكلف غير لازم عقلًا كترك أضداد المأمور به ولا عادة كجزء من الرأس فى الوضوء فوجه الشهادة أن قوله غير لازم له عقلًا صفة كاشفة للمقدور لا قيدًا آخر وإلا كان الأنسب إيراد العاطف بيهما والتمثيل للأول أيضًا وأنت خبير بأن تلك الشهادة غير صريحة من تلك العبارة فيجوز أن يحمل المقدور فى كلامه على ما حمل عليه فى كلام غيره ولو ثبت أن المراد ما ذكره كان مخالفًا للمشهور فى مقامين: أحدهما الفرق بين الشرط الشرعى وبين غيره، والثانى فى معنى المقدور وما يحترز به عنه.
قوله: (عن بعض ما لا يمكن تحصيله من الآلات) كاليد مثلًا فى الكتابة وكان المصنف يرى ذلك أى ما لا يمكن المكلف تحصيله من الآلات بما هو قيد فى الوجوب بناء على امتناع التكليف بالمحال فالواجب بالقياس إليه مقيد فيكون
стр. 864
خارجًا عن المبحث.
قوله: (لنا إما أن الشرط يجب) يريد أن الشرط الشرعى يجب بذلك الأمر الذى وجب به الفعل المشروط إذ لو لم يجب به وليس هناك أمر آخر يقتضى وجوبه على ما هو المفروض لزم أن يكون ذلك الفعل المشروط تمام ما أمر به فإذا أتى به حال عدم الشرط صدق أنه أتى بجميع المأمور به فيجب صحة ما أتى به وأجزاؤه وخروجه عن عهدة التكليف وهذا ينفى حقيقة الشرطية المستلزمة انتفاء المشروط عند انتفاء شرطه فلا يكون الشرط الشرعى شرطًا للفعل قطعًا هذا خلف ولا يمكن إجراء هذا الدليل فى الشرائط العقلية والعادية وأما أن غير الشرط الشرعى لا يجب فلأنه لو استلزم وجوب الواجب بأمر وجوب غير الشرط بذلك الأمر لزم تعقل الموجب بذلك الأمر للغير إذ لو لم يلزم لأدى إلى الأمر بشئ وإيجابه مع عدم شعور الآمر به وهو بديهى الاستحالة واللازم أعنى لزوم تعقل الموجب له باطل لأنا نقطع بجواز إيجاب الفعل بل بحصوله مع الذهول عما يلزم الفعل عقلًا أو عادة وأما الشرط الشرعى فلا بد من لزوم تعقله لأن الشارع لما جعل الفعل موقوفًا عليه فقد جعله من تتمته فإذا طلب الفعل فقد طلب من حيث هو موقوف عليه وإلا يلزم ذلك المحذور وأيضًا التعلق داخل فى حقيقة الوجوب لأنه طلب مخصوص ولا بد فيه من تعلقه بالمطلوب فكلما تعلق به الخطاب كان واجبًا وما لم يتعلق به لا يكون واجبًا فلو وجب اللازم العقلى أو العادى للفعل ولم يتعلق به خطاب طلب ضرورة أن الأمر الوارد بوجوب الفعل ليس له تعلق باللازم لما كان التعلق داخلًا فى حقيقة الوجوب وهو باطل والشرط الشرعى قد تعلق به الخطاب بناء على ما عرف وما يقال من أن التعلق فى الوجوب والطلب ليس ذاتيًا غايته أنه لازم بين لا يمكن تعلقهما بدونه فليس بضائر فى المقصود لحصوله على التقديرين وأيضًا لو استلزم وجوبه لامتنع التصريح بأنه غير واجب ظاهر ولا يتأتى فى الشرعى لاستلزامه ذلك المحال وكذا قوله وأيضًا لو استلزم لعصى لا يجرى فيه لثبوت العصيان بتركه أيضًا فإن تارك الصلاة مع الوضوء يعصى بترك كل منهما.
قوله: (ومعلوم أن تارك غسل جزء من الرأس) يريد أنه معلوم من الدين بالضرورة أو بالإجماع وكذا الدليلان الآخران لا يجريان فى الشرط الشرعى.
قوله: (الجواب عنهما) تحريره أن قولهم لو لم يجب لصح الأصل دونه إن أريد
стр. 865
لو لم يجب لأمكن الأصل أى الفعل بدون اللازم العقلى أو العادى فالملازمة ممنوعة لجواز أن يتوقت الواجب على أمر لا يكون واجبًا بحيث لا يمكن وجوده بدونه إما عقلًا أو عادة وإن أريد أنه لو لم يجب لكان الأصل واجبًا دونه فبطلان التالى ممنوع فإنه المتنازع فيه وبعبارة أخرى محصل كلامهم: أنه لا يصح الفعل بدونه فيكون واجبًا فنقول: إن أردتم بلا يصح الفعل دونه أنه لا يمكن دونه فاللازم من الدليل أنه واجب بمعنى أنه لا بد منه لكنه غير محل النزاع وإن أردتم به أن اللازم مأمور به شرعًا مع العقل فهو ممنوع وهو المدعى فأين دليله وكذا قولهم التوصل إلى الواجب واجب إن أريد أنه لا بد فى حصول الواجب من التوصل وأنه لا يمكن إلا به فلا نزاع فيه ولا يفيد وإن أريد المعنى الآخر فهو مصادرة على المطلوب، فإن قال الخصم: قد انعقد الإجماع على وجوب التوصل وجوبًا شرعيًا فإنهم أجمعوا على أن تحصيل أسباب الواجب واجب وأسباب الحرام حرام وليس ذلك الوجوب والتحريم إلا لأن الأسباب وسائل إلى الواجب أو الحرام فبالحقيقة الإجماع على وجوب التوصل فى الواجب فيتم الدليل الثانى ويندفع المنع فالجواب أنا لا نسلم انعقاد الإجماع على ما ذكرتم وإن سلم فهو فى الأسباب خاصة لدليل خارجى هو أن الوجوب لا يتعلق بالمسببات أصلًا لعدم تعلق القدرة بها إما مع عدم الأسباب فلامتناعها وإما معها فلكونها حينئذ لازمة لا يمكن تركها بوجه، فإذا ورد أمر متعلقًا ظاهرًا بمسبب فهو فى الحقيقة متعلق بالسبب فهو الواجب حقيقة وإن كان وسيلة له ظاهرًا فلذلك أجمعوا على وجوب تحصيل أسباب الواجب لا لأنها وسيلة إليه فلا يدل الإجماع على وجوب التوصل مطلقًا فإن اللوازم العقلية والعادية أعنى لشروط الفعل بحسبهما ينافيه ذلك الدليل لأن الفعل معها مقدور وإذا تصورت هذا الكلام عرفت أنه يمكن اندراج الأسباب فى عبارة المتن فى صدر المسألة فإن قوله: وغير شرط يتناولها بإطلاقه ولا يرد عليه ما قيل: من أنه حينئذ قوله: وقيل لا فيهما على الاختلاف فى الأسباب مع أنها متفق عليها ولك أن تخص غير الشرط الشرعى بما عدا الأسباب ولا يلزم إهمالها لأنها قد علمت (١).
стр. 866
المصنف: (ما لا يتم الواجب إلا به. . . إلخ) المراد بيتم يوجد لا ما يشمل المكمل كالسنن بدليل قوله واجب وإنما عبر عن الوجود بالتمام للإشارة إلى أن ما توقف عليه الواجب من توابعه لا من أجزائه وأركانه وما واقعة على فعل بدليل قوله واجب؛ لأن الأحكام التكليفية متعلقها الأفعال، فإن قلت: إن هذه المسألة حينئذ من مسائل الفقه فهى من غاية وفائدة علم الأصول لا منه ولا من مبادئه قلت: إن الغرض من هذه المسألة بيان قسم من أقسام الوجوب وأن منه ما يكون للمقدمة وليس الحكم على المقدمة بالوجوب مقصودًا لذاته ثم إن المصنف لم يقيد الواجب بالمطلق ليخرج مقدمة الوجوب لأنها خارجة بقوله لا يتم الواجب إلا به لأن ذلك هو مقدمة الوجود لا الوجوب ولهذا قيل: إن المطلق فى قولهم ما لا يتم الواجب المطلق إلا به ليس للاحتراز عن المقيد وجوبه بما يتوقف عليه لأن ما يتوقف عليه ليس مقدمة وجود بل مقدمة وجوب فهى خارجة بقوله ما لا يتم فإذا اعتبر أن مقدمة الوجوب يتوقف عليها وجود الواجب من حيث كونه واجبًا صح أن يكون ما لا يتم الواجب إلا به يشمل مقدمة الوجوب كما يشمل مقدمة الوجود التى يتوقف عليها وجود الواجب وإن كان لا من حيث وجوبه فالمراد بما يتوقف عليه وجود الواجب ما هو أعم من كونه من حيث كونه واجبًا أولا من حيث كونه واجبًا فتدخل مقدمة الوجوب فيحترز عنها بتقيد الواجب بالمطلق لتخرج مقدمة الوجوب، فإنها وإن كانت لا يوجد الواجب من حيث كونه واجبًا إلا بها لكن الواجب الموقوف عليها ليس مطلقًا بل مقيدًا ثم الحصر فى قوله ما لا يتم الواجب إلا به حصر إضافى أى لا يتم الواجب بعدم ما توقف عليه.
المصنف: (وكان مقدورًا شرطًا) قال ابن السبكى فى شرحه على هذا الكتاب: إن قوله شرطًا يعنى شرعيًا احتراز من الشرط العادى والعقل لا عن السبب أيضًا بل السبب أولى بالوجوب من الشرط الشرعى ولو أريد به ما عدا السبب أيضًا لكان خرقًا للإجماع الذى قاله هو أى ابن الحاجب ورد ذلك المحلى فى شرحه
стр. 867
على جمع الجوامع بأن ابن الحاجب قد أفصح فى مختصره الكبير بعدم وجوب السبب وأن الشارع إلا يقصده بالطلب وأما الإجماع الذى قاله فإنما هو على وجوب السبب عند المسبب لكن كون وجوبه من دليل خارجى أو من الصيغة فيه الخلاف والدليل الخارجى هو أنه لما لم يكن فى وسع المكلف حصول المسبب كان القصد بطلبه طلب السبب.
المصنف: (لنا لو لم يجب الشرط لم يكن شرطًا) الملازمة ممنوعة لأن الشرط من خطاب الوضع فلا يتوقف على إيجاب له سواء كان من أمر آخر أو من إيجاب مشروطة ألا ترى أن الوضوء شرط لصحة صلاة الصبى نعم إذا قلنا كما قال السعد: إنه لا معنى لاشتراط الشئ إلا إيجابه صحت الملازمة وإلا صح فى الاستدلال لو لم يجب الشرط بإيجاب المشروط لم يتحقق إيجاب المشروط وقد فرض واجبًا، وأما الاستدلال بأنه لو لم يجب بإيجاب فى المشروط لكان تكليفًا بالحال ففيه أن المحال إنما هو التكليف بالواجب مأخوذًا مع عدم الشرط لا التكليف بالواجب بدون وجوب شرطه ورد بأن التكليف بالواجب إما مقارن للمقدمة وهو المدعى أو مطلق بحيث يصلح لعدم المقارنة فالتكليف بما يتناول المحال.
المصنف: (ولا امتنع التصريح بنفيه) إن أراد بامتناع التصريح بنفى وجوبه نفى وجوبه بإيجاب الواجب فنفى التالى عين النزاع وإن أراد نفى وجوبه مطلقًا منعنا الملازمة.
المصنف: (ولصح قول الكعبى فى نفى المباح) أى لأنه قال: كل مباح فهو ترك حرام فإن المسكوت ترك للقذف والسكون ترك للقتل وكل ترك حرام واجب فلو كان ما توقف عليه الواجب من غير الشرط واجبًا لكان المباح واجبًا إذ يتوقف ترك الحرام الذى هو واجب عليه ورد قول الكعبى بنفى المباح بمنع الصغرى القائلة كل مباح فهو ترك حرام إن أريد بترك الحرام الكف عنه الذى لا يكون إلا بعد الداعية للحرام إذ يتحقق المباح بدون الترك المذكور عند عدم الداعية للحرام وبمنع الكبرى القائلة كل ترك حرام فهو واجب إن أريد بترك احرام انتفاؤه إذ قد ينتفى الحرام بعدم الداعية له فلا يتحقق الكف الواجب فلا يكون كل ترك حرام واجبًا.
الشارح: (فكلما تعلق به الخطاب) أى تعلقًا إلزاميًا وإنما ذكر هذه ليتوصل
стр. 868
بصدقها إلى صدق عكس نقيضها الذى هو محط الاستدلال وقوله لما كان كذلك أى لما كان ما لم يتعلق به فهو غير واجب.
التفتازانى: (فنوقض بصلاة الحائض) يعنى لأنها عند الحيض لا تجب فلا يصدق أن الصلاة تجب فى كل وقت قدره الشارع فلا تكون واجبة مطلقًا بالنسبة للوضوء مثلًا.
التفتازانى: (وهذا لا يشمل غير المؤقتات) أى إذا كان الواجب المطلق هو ما يجب فى كل وقت قدره الشارع إلا لمانع لم يشمل إلا المؤقتات أى التى قدر لها الشارع وقتًا معينًا لا غيرها مثل الزكاة والحج فلا يكون واجبًا مطلقًا بالنسبة إلى ما يتوقف عليه وجوده وقوله فأشار الشارح المحقق إلى أن المراد. . . إلخ. أى حيث قال الوجوب إذا كان مقيدًا بمقدمة. . . إلخ. وقوله وإلى تعيينه وإقرازه أى تعيين وإقراز القدر الواجب.
التفتازانى: (ثم لا خلاف فى إيجاب الأسباب) مقصود السعد أن كلام المصنف إنما هو فى الشرط الشرعى والعادى والعقلى لا ما يشمل السبب وأورد عليه أن المصنف ذكر فى مختصره الكبير أن السبب وقع فيه خلاف ورجح عدم وجوب السبب وتقدم توجيه الإجماع وأنه إنما هو على مطلق وجوب السبب وأما كونه بإيجاب الواجب أو إيجابه لذاته فليس مجمعًا عليه.
التفتازانى: (فى الأمر بالقتل أمر بضرب السيف) يحتمل أنه أمر به تبعًا كما هو أمر بالقتل أصالة فيكون السبب واجبًا بوجوب السبب ويحتمل أنه أمر به أصالة وإنما عبر بالمسبب عن السبب وكذا يقال فى الأمر بالإشباع أمر بالإطعام.
التفتازانى: (إلا أن المصنف كأنه يعنقد أن الواجب بالنسبة إلى الأمور التى يلزم فعلها عقلًا أو عادة. . . إلخ) فيه أن الشارح إنما قال: إن المصنف يرى ويعتقد أن ما لا يمكن تحصيله من الآلات قيد فى الوجوب لا فى الوجود فهو خارج بما لا يتم الواجب إلا به فلا حاجة إلى إخراجه بقيد المقدورية وأما ما يلزم فعله عقلًا أو عادة مما هو شرط عقلى أو عادى فخارج بقيد المقدورية بمعنى تأتى الفعل الواجب بدونه ولكن الشارع جعله شرطًا، وأما السبب العقلى والعادى فواجب على ما قاله التفتازانى وبهذا تعلم أن ما قيل من أن ابن الحاجب يقول: إن الأسباب العادية والعقلية مما توقف عليها الوجوب، والجمهور على أنها مما يتوقف عليها
стр. 869
الوجود والاعتراض على ابن الحاجب بأن الكلام فى أسباب الفعل لا أسباب الوجوب فى غير محله على أن جعله الشرط العقلى والعادى مقدمة وجوبًا على ما نسبه السعد إلى ابن الحاجب باطل لاقتدائه أنه لا يجب غسل الوجه إلا إذا غسل بعض الرأس فى الشرط العادى وكذا يقال فى العقلى.
التفتازانى: (وحينئذ يكون التقييد بقوله شرطًا لغو) فيه أن قوله شرطًا وصف كاشف لقوله مقدورًا وقول الشارح يتأتى الفعل بدونه لكن الشارع جعله شرطًا. . . إلخ. بيان لانقسام المقدمة ثلاثة أقسام كما ذكره قدس سره فلا يكون قوله شرطًا لغوًا.
التفتازانى: (والتعميم بقوله وغير شرط باطل) أى لأنه لم يدخل فى المقدور الذى هو الموضوع وفيه أن قوله وغير شرط تعميم ما لا يتم الواجب إلا به لما علمت من أن قوله إن كان مقدورًا شرطًا قيد واحد فكأنه يقول ما لا يتم الواجب إلا به واجب إن كان شرطًا والأكثر وغير شرط.
التفتازانى: (وإلا فوجوب الشرط الشرعى للواجب معلوم قطعًا إذ لا معنى لاشتراطه سوى حكم الشارع أنه يجب الإتيان به. . . إلخ) قد لا يسلم ذلك فإن الطهارة شرط للصلاة فى الصبى ولا يجب الإتيان بها وإنما تكون الصلاة فاسدة لو أتى بها من غير طهارة فالخطاب بالشرط وضعى وقوله: كما أن الشرط العقلى. . . إلخ. يعنى أن الشرط واجب شرعًا فى الشرط الشرعى وعقلًا فى الشرط العقلى وعادة فى الشرط العادى.
التفتازانى: (فعلى هذا) أى على أنه لا نزاع فى أصل وجوب الشرط وإنما هو فى إيجابه بإيجاب مشروطه وقوله: فلا نسلم أن الإتيان. . . إلخ. فقول الشارح فى بيان اللازمة إذ بدونه يصدق أنه أتى بجميع ما أمر به ممنوع، وإنما يصح لو لم يكن الشرط مأمورًا به بأمر آخر وقد علمت أنه مأمور به بأمر آخر كما تقدم من أنه لا معنى لاشتراطه سوى حكم الشارع أنه يجب الإتيان به عند الإتيان بذلك الواجب، وقوله: وإن أراد الأمر التعلق بأصل الواجب أى إن أراد بقوله: إذ بدونه يصدق أنه أتى بجميع ما أمر به الأمر المتعلق بأصل الواجب فلا نسلم أنه حينئذ يجب صحته فقوله فيجب صحته ممنوع وهذا إنما بظهر لو كان الدليل على أصل الواجب يدل على الوجوب فقط بقطع النظر عن صحته وفساده وتكون
стр. 870
صحته مأخوذة من أمر آخر بالشرط وهو خلاف موضوع المسألة من أن الدليل قال على الواجب وما خلا عن الصحة ليس واجبًا، وحينئذ فيختار أن المراد أتى بجميع ما أمر به بذلك الأمر لأصل الواجب ومتى كان آتيًا بالمأمور به بذلك الأمر لزم أن يكون صحيحًا كما قيل فى تقرير الدليل الذى ذكره المحلى فى شرح جمع الجوامع بقوله: إذ لو لم يجب لجاز ترك الواجب التوقت عليه أن المعنى لو لم يجب بإيجاب الواجب الأصلى لم يكن إيجابه أى إيجاب الأصلى إيجابًا لذلك الأصلى.
التفتازانى: (يرد على أكثرها النقض) وذلك ما عدا الخامس والسادس.
التفتازانى: (فيمن يقدر على غسل الوجه بدون غسل جزء من الرأس) فيه أن الغرض أن المقدمة يتوقف عليها وجود الواجب وحينئذ لا بد أن يمتنع التصريح بعدم الوجوب ومن يقدر لا يكون بالنسبة إليه أمر يتوقت عليه المشروط فلا معنى لهذا التفصيل.
التفتازانى: (وبه يخرج الجواب عن الرابع) فيقال: لا نسلم الملازمة فيمن يقدر ونمنع بطلان الملازم فيمن يعجز، وقوله: مع ورود منع بطلان التالى أى وروده بقطع النظر عن التفصيل المذكور.
التفتازانى: (لنفس ذلك الوجوب أو لنفس ذلك الغير) أى الضمير فى قوله: ولم يكن تعلق الوجوب لنفسه عائد على الوجوب أو غير الشرط الشرعى.
التفتازانى: (لا يعقل تعلقه بشئ غير المطلوب) أى هنا وقد تعلق بالملزوم ولولاه لما تعلق باللازم وقوله على ما سبق فى الاحتجاج على الجبائية أى فى قوله وعلى الجبائية لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب من وجوه واعتبارات لم يكن تعلق الطلب لنفسه لتوقفه على أمر زائد، وقوله: وينعكس أى بعكس النقيض الموافق وقوله فلو صدق تحريف عن قوله فلو وجب وقوله لا دخل له فى البيان أى لأنه علم مما قبله أن ما لم يتعلق به الخطاب غير واجب واللازم لم يتعلق به خطاب فلا يكون واجبًا.
التفتازانى: (والحال أنه لم يكن تعلق الوجوب لنفسه بل بالموجب) بكسر الجيم لا معنى لهذا الحال إذ لا يعقل وجوب من غير موجب وإنما الكلام فى أن استلزام الواجب وجوب الغير يقتضى تعقل الموجب لذلك الغير، وقوله: لزم تعلق الموجب تحريف وحقه لزم تعقل الموجب، وقوله: وبعضهم على أن المراد. . .
стр. 871
إلخ. هذا لا يستقيم كلام المصنف عليه إذ كان مقتضاه أن يقول: لتعلق الوجوب بنفسه أى من غير الوجب والمعنى لو وجب لتعلق الوجوب بنفسه.
قوله: (فأما مطلقًا) أى عن اشتراط سلامة العاقبة.
قوله: (فيما يسع العمر) مفعول يسع محذوف والتقدير فيما يسعه ولو قال فيما وقته العمر لكان أولى وقوله يشترط أن يغلب على ظنه أنه يبقى أى سواء تحقق البقاء أو لم يتحقق فلا عصيان.
قوله: (لعدم ظنه البقاء) أى أنه لا يتأتى ظن البقاء من إنسان ما فلا يجوز تأخير الحج متى كان مستطيعًا أصلًا.
قوله: (والشافعى يرى ذلك) أى يرى ظن البقاء ممكنًا.
قوله: (وبهذا يظهر أن المعارض ليس بقطعى) أى لما علمت من جواز التأخير ولو أدى إلى ارتفاع الوجوب فعدم ارتفاع الوجوب لا يضر على هذا.
قوله: (وليس هناك) أمر آخر يقتضى وجوبه على ما هو المفروض دفع به اعتراض السعد بقوله: لا نسلم أن الإتيان بالمشروط إتيان بجميع ما أمر به وإنما يصح لو لم يكن الشرط مأمورًا به بأمر آخر، وحاصل الدفع أن المفروض عدم أمر آخر سوى الأمر بالأصل وعلى هذا الذى ذكره السيد يظهر للخلاف ثمرة لأن الشرط إن لم يجب إيجاب لواجب وإنما الخطاب به خطاب وضع يكون الثواب والعقاب باعتبار المشروط وحده وإن وجب بإيجابه كان مثابًا ومعاقبًا بالنسبة للشرط أيضًا وكان الشرط كما أنه مخاطب به خطاب وضع مخاطب به خطاب تكليف تبعًا لخطاب المشروط وأما على تقرير السعد من أن الشرط واجب باشتراطه فلا تظهر ثمرة الخلاف فى كونه واجبًا بإيجاب الواجب أو ليس واجبًا بإيجابه لأنه يثاب على فعله ويعاقب على تركه مطلقًا نظرًا لوجوبه فى ذاته وهذا كله فى الشرط الشرعى وأما الشرط العقلى والعادى فتظهر ثمرة الخلاف إن كان القائل بإيجابه بإيجاب الواجب يقول: إنه يثاب على فعله ويعاقب على تركه كما يثاب ويعاقب على فعل وترك الواجب المشروط وأما القائل بعدم إيجابه بإيجاب الواجب فلا ثواب ولا عقاب إلا باعتبار المشروط والشرط لازم عقلًا أو عادة لا يقصد بالطلب هذا وقد فرع فى بعض كتب الأصول على وجوب مقدمة الواجب تحريم الزوجة إذا اشتبهت بالأجنبية لأن الكف عن الأجنبية واجب ولا يحصل العلم به إلا بالكف
стр. 872
عن الزوجة فيجب الكف عنها ليتيقن الكف عن الأجنبية وهو ظاهر فى أن المقدمة التى يتوقف عليها الواجب شاملة لما يتوقف عليها العلم بالإتيان بالواجب ومعنى قولهم إنها مقدمة وجود أنها مقدمة وجود على وجه يخرج به من العهدة وهذا التفريع مبنى على أن مقدمة الواجب واجبة مطلقًا ولو شرطًا عقليًا أو عاديًا.
قوله: (وأما الشرط الشرعى. . . إلخ) هذا ونظيره الآتى قصد به الرد على العلامة الشيرازى فى نقض أكثر الأدلة المذكورة على عدم وجوب غير الشرط الشرعى بالشرط الشرعى.
قوله: (يلزم ذلك المحذور) أى وهو نفى حقيقة الشرطية.
قوله: (تحريره أن قولهم. . . إلخ) هذا تحرير للجواب عن الدليلين فى ذاته وللجواب المذكور فى المصنف، وقوله: وبعبارة محصل كلامهم. . . إلخ. هو جواب المصنف وهذا هو ما ذكره الشارح.
قوله: (هو أن الوجوب لا يتعلق بالمسببات أصلًا) قد جارى المحشى هنا الشارح كما جاراه فى شرح المواقف فى بحث النظر فى معرفة اللَّه واجب وإن كان قد رده فى شرح المواقف قبل ذلك بأن المعرفة واجبة إجماعًا من الأمة فلو كان السبب هو المكلف به عند التكليف بالمسبب ظاهرًا لكان المكلف به فى المعرفة هو النظر مع أن الإجماع على أنها مكلف بها قصدًا وهى مقدورة يتمكن المكلف من تركها بترك سببها ومن إيجادها بإيجاد سببها.
قوله: (وإذا تصورت هذا الكلام) أى الذى تضمن أن هناك من يقول: بأن الإجماع على وجوب التوصل إلى الواجب فى الأسباب لكونها وسيلة إلى الواجب عرفت أنه يمكن اندراج الأسباب. . . إلخ. ولا يرد عليه أنها متفق عليها لأن الاتفاق إنما هو على وجوبها وأما كون الوجوب بإيجاب المسبب أو لذاته فشئ آخر.
قوله: (لأنها قد علمت) أى من الشرط العقلى والعادى إذ كل لا بد منه فى تحصيل الواجب وهذا آخر ما كتب السيد على هذا الكتاب.
стр. 873
(مسائل الحرام)
قال: (مسألة: يجوز أن يحرم واحد لا بعينه خلافًا للمعتزلة وهى كالمخير).
أقول: هاتان مسألتان مما يتعلق بالتحريم إحداهما أنه يجوز أن يحرم واحد مبهم من أشياء معينة، ويكون معناه: أن له ترك أيها شاء، جمعًا وبدلًا وليس له أن يجمع بينها، خلافًا للمعتزلة، وهى كمسألة الواجب المخير اختلافًا ودليلًا وشبهة وجوابًا.
قوله: (معناه أن له ترك أيها شاء) الأنسب أن عليه ترك أيها شاء جميعًا بأن يترك الكل كما إذا أتى فى الخير بالجميع وبدلا بأن يترك البعض ويأتى بالبعض كما إذا أتى فى الخير بالبعض وترك البعض وليس له أن يجمع بينهما كما ليس له فى المخير أن يترك الجميع.
المصنف: (وهى كالمخير) بل تزيد على المخير بأن بعض المعتزلة زعم عدم ورود النهى عن واحد مبهم فى اللغة.
الشارح: (هاتان مسألتان) أى مسألة تحريم واحد لا بعينه والمسألة الآتية التى تليها.
الشارح: (وليس له أن يجمع) فالمقصود فى تحريم واحد مبهم من أشياء معينة عدم الجمع بينها لأن المقصود الاجتناب عن واحد وذلك إما بالاجتناب عن الكل أو عن واحد فقط فامتنع الجمع، ويكون المقصود فى تحريم واحد لا بعينه من أشياء معينة عدم الجمع بينها أنفع ما قيل: إن تعلق التحريم بالمفهوم الكلى يقتضى تحريم الكل وليس كتعلق الإيجاب بواحد مبهم من أشياء معينة، فالتحقيق أن التحريم متعلق بالمجموع من حيث هو مجموع.
الشارح: (اختلافًا) أى فقيل: إن النهى عن واحد مبهم من أشياء معينة نحو لا تأكل السمك أو اللبن يحرم واحدًا لا بعينه وهو القدر المشترك بينهما على أن المراد عدم الجمع بينهما لا المفهوم الكلى لأنه يقتضى تحريم كل واحد على ما تقدم لك
стр. 874
أو الماصدق الجزئى الغير المعين على ما تقدم، وقيل يحرم الجمع وقيل يحرم واحدًا معينًا عند اللَّه وقيل يحرم معينًا وهو ما يختاره المكلف للترك وقوله ودليلًا هو على الأول أنه لو قال الشارع حرمت عليك أحد هذه الأشياء وأيًا منها تركت خرجت من العهدة ولك فعل الباقى لم يمنع وقوله وشبهة هى أن غير المعين مجهول ويستحيل وقوعه فلا يكلف به وقوله وجوابًا هو أنه معين من حيث هو ترك أحدها.
قوله: (الأنسب أن عليه ترك أيها شاء. . . إلخ) اعترضه ميرزاجان بأنه يلزم على هذا استدراك قول الشارح وليس له أن يجمع بينها فالحق أن يفاد بالعبارة الأولى جواز ترك هذا وحده وهذا وحده وتركهما معًا وبالثانية عدم الجمع.
стр. 875
قال: (مسألة: يستحيل كون الشئ واجبًا حرامًا من جهة واحدة، إلا عند بعض من يجوّز تكليف المحال، وأما الشئ الواحد له جهتان كالصلاة فى الدار المغصوبة، فالجمهور يصح، والقاضى لا يصح، ويسقط الطلب عندها، وأحمد وأكثر المتكلمين لا يصح ولا يسقط لنا القطع بطاعة العبد وعصيانه بأمره بالخياطة ونهيه عن مكان مخصوص للجهتين، وأيضًا لو لم تصح لكان لاتحاد المتعلقين، إذ لا مانع سواه اتفاقًا ولا اتحادًا لأن الأمر للصلاة والنهى للغصب، واختيار المكلف جمعهما لا يخرجهما عن حقيقتهما).
أقول: هل يجوز كون الشى واجبًا حرامًا معًا ولا بد قبل من متحرير محل النزاع، فنقول: أما الواحد بالجنس فجائز فيه ذلك بأن يجب فرد ويحرم فرد، كالسجود للَّه وللشمس والقمر، ومنعه بعض المعتزلة لأن الفعل يحسن ويقبح لذاته فصرف الوجوب والتحريم إلى قصد التعظيم إنما الكلام فى الواحد بالشخص وذلك إما أن تتحد فيه الجهة أو تتعدد فإن اتحدت بأن يكون الشئ الواحد من الجهة الواحدة واجبًا حرامًا معًا فذلك مستحيل قطعًا إلا عند بعض من يجوّز تكليف المحال وقد منعه بعض من يجوّز ذلك نظرًا إلى أن الوجوب يتضمن جواز الفعل، وهو يناقض التحريم، إنما البحث فى الشئ الواحد بالشخص يكون له جهتان فيجب بإحداهما ويحرم بالأخرى، وذلك كالصلاة فى الدار المغصوبة، فتجب لكونها صلاة وتحرم لكونها غصبًا، فقال الجمهور: تصح الصلاة، وقال القاضى: لا تصح، لكن يسقط الطلب عندها لا بها، وقال أحمد وأكثر المتكلمين والجبائى: لا تصح، ولا يسقط الطلب، لنا أن السيد إذا أمر عبده بخياطة ثوب ونهاه عن السكون فى مكان مخصوص ثم خاطه فى ذلك المكان فإنا نقطع أنه مطيع عاص لجهتى الأمر بالخياطة والنهى عن المكان، ولنا أيضًا أنه لو لم تكن صحيحة لكان؛ لأن متعلق الوجوب والحرمة واحد، إذ لا مانع سواء اتفاقًا، واللازم باطل إذ لا اتحاد للمتعلقين فإن متعلق الأمر الصلاة ومتعلق النهى الغصب، وكل منهما يتعقل انفكاكه عن الآخر، وقد اختار المكلف جمعهما مع إمكان عدمه، وذلك لا يخرجهما عن حقيقتهما اللتين هما متعلقًا الأمر والنهى، حتى لا تبقيا حقيقتين مختلفتين فيتحد المتعلق.
стр. 876
قوله: (إنما الكلام فى الواحد بالشخص) يعنى أنه اقتصر على ذكر الخلاف فيه دون الواحد بالجنس أى بالحقيقة بحيث لا تتعدد إلا أشخاصًا وإن خالف فيه بعض المعتزلة لأنه لا اعتداد بهم وبمخالفتهم لكونها مكابرة لظهور أن ذات هذا الفرد غير ذات ذلك فلا استحالة فى حسن أحدهما وقبح الآخر وصرفهم الوجوب إلى قصد تعظيم اللَّه تعالى، والتحريم إلى قصد تعظيم الصنم على ما يفهم من الشارح لا يجدى نفعًا لأن الجنس وهو قصد التعظيم واحد وذكر الآمدى أنهم يقولون السجود مأمور به واجب للَّه تعالى فلا يكون محرمًا بل المحرم هو قصد تعظيم الصنم.
قوله: (وقد منعه بعض من يجوّز ذلك) أى تكليف المحال لأن هذا ليس تكليفًا بالمحال بل تكليفًا هو محال فى نفسه لأن معناه الحكم بأن الفعل يجوز تركه ولا يجوز.
قوله: (عندها لا بها) إذ قد يسقط الفرض عند فعل ما هو معصية كمن شرب مجننًا حتى جن يسقط عنه الفرض.
المصنف: (من جهة واحدة) أى حقيقة أو حكمًا كالجهتين المتلازمتين كما فى صوم يوم النحر.
المصنف: (له جهتان) أى غير متلازمتين.
المصنف: (فالجمهور يصح) أى ففيه خلاف فالجمهور يصح أن يكون الشئ الواحد واجبًا وحرامًا من جهتين مختلفتين غير متلازمين والقاضى قال: لا يصح ويسقط الطلب عندها وكان الظاهر أن يقول عنده أى ذلك الواحد إلا أنه راعى مثاله الذى هو الصلاة فى الدار المغصوبة.
الشارح: (السجود للَّه وللشمس والقمر قال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنّ﴾ [فصلت: ٣٧]) فالسجود واحد بالجنس وتعلق به الوجوب باعتبار فرد وهو السجود للَّه والحرمة باعتبار فرد آخر وهو السجود للشمس والقمر.
стр. 877
الشارح: (فصرف الوجوب والتحريم إلى قصد التعظيم) أى فصرف ذلك البعض وجوب السجود وتحريمه إلى قصد تعظيم اللَّه تعالى وقصد تعظيم الصنم فليس الواجب والمحرم السجود باعتبار فرديه بل الواجب قصد تعظيم اللَّه والمحرم قصد تعظيم الصنم وهو غير مجدٍ له لأنه يلزمه أن قصد التعظيم واحد بالجنس تعلق به الوجوب والتحريم باعتبار فرديه وهو مع ذلك خلاف ظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ. . .﴾ [فصلت: ٣٧] الآية.
الشارح: (يتضمن جواز الفعل) أى لأن جواز الفعل بمعنى الإذن فيه جنس للأحكام الأربعة غير الحرام والنوع متضمن لجنسه.
قوله: (وذكر الآمدى. . . إلخ) وجه لبعض المعتزلة غير الوجه الذى ذكره الشارح وهو غير مسجد لهم أيضًا إذ لا شك أن تعظيم اللَّه تعالى واجب وقد قالوا بحرمة تعظيم الصنم فيكون جنس التعظيم واحدًا بعض أفراده واجب وبعضها حرام.
قوله: (كمن شرب مجننًا. . . إلخ) استبعده الإمام الرازى قائلًا الأعذار التى ينقطع التكليف بها محصورة والمصير إلى سقوط الأمر عن متمكن من الامتثال ابتداء ودوامًا بسبب معصية لابسها لا أصل له فى الشرع.
стр. 878
قال: (واستدل لو لم تصح لما ثبت صلاة مكروهة ولا صيام مكروه، لتضاد الأحكام وأجيب بأنه إن اتحد الكون منع، وإلا لم يفد لرجوع النهى إلى وصف منفك، واستدل لو لم تصح لما سقط التكليف، قال القاضى: وقد سقط بالإجماع لأنهم لم يأمروهم بقضاء الصلوات، ورد بمنع الإجماع مع مخالفة أحمد وهو أقعد بمعرفة الإجماع).
الأول: دليلان ضعيفان, استدل لو لم تصح لما ثبت صلاة مكروهة ولا صيام مكروه؛ لأن الأحكام كلها متضادة، فالوجوب كما يضاد التحريم يضاد الكراهة، فلو لم يثبت مع التحريم لما ثبت مع الكراهة إذ لا مانع إلا التضاد.
والجواب: أن الكون فى الحيز واحد فى الصلاة وهو مأمور به لأنه جزء المأمور به، وفى الغصب هو منهى عنه؛ لأنه هو الغصب فيتحد المتعلقان، فإن كان الصوم المكروه والصلاة المكروهة كذلك منع صحتهما وإلا لم يفد إذ لا يلزم من الصحة حيث يرجع النهى إلى وصف منفك فلا يتحد المتعلق الصحة حيث يرجع إلى الكون الذى هو ذاتى فيتحد المتعلق واستدل لو لم تكن صحيحة لم يسقط بها التكليف.
قال القاضى: وقد سقط إجماعًا؛ لأنهم لم يأمروا المصلين فى الدور المغصوبة بقضاء صلواتهم.
والجواب: منع الإجماع مع مخالفة أحمد وهو أقعد بمعرفة الإجماع، فلو كان إجماع لعرفه، فلم يخالفه، ولا يعنى أن مخالفته تمنع انعقاد الإجماع لجواز إجماع فى عصر قبله أو بعده.
قوله: (لو لم تصح لما سقط التكليف) لأن الصحة عبارة عن موافقة الأمر أو سقوط القضاء واللازم باطل لما ذكر القاضى من الإجماع على عدم وجوب القضاء وههنا بحثا وهو أنه إن أريد عدم سقوط التكليف بها على ما هو ظاهر عبارة الشارح فانتفاء اللازم ممنوع وعدم الأمر بالقضاء لا يدل عليه لجواز أن يكون بناء على سقوط التكليف عندها لا بها وأيضًا لا يصح من القاضى الحكم بالإجماع عليه وقد سبق أن مذهبه سقوط الطلب عندها لا بها وإن أريد عدم السقوط مطلقًا على ما هو ظاهر عبارة المتن فالملازمة ممنوعة لجواز أن يوجد أمر غير صحيح يسقط
стр. 879
التكليف عنده لا به.
قوله: (الكون فى الحيز) إشارة إلى أن الكون ههنا فى معناه المتعارف بين المتكلمين وهو حصول الجوهر فى الحيز وليس مجازًا عن الفعل الملزوم له والمقصود أن الكون واحد فى الصلاة والغصب، وهو مأمور به لكونه جزء الصلاة المأمور بها ومنهى عنه لكونه نفس الغصب فهو ذاتى للصلاة بمعنى جزء الماهية وللغصب بمعنى نفس الماهية فيتحد متعلق الأمر والنهى فإن قيل سيجئ فى الجواب عن دليل القاضى أن هذا الكون وإن اتحد بالذات متعدد بالاعتبار وقد سبق مثل ذلك قلنا نعم لكن هذا الجواب من قبل من يذهب إلى امتناع تعلق الوجوب والحرمة بالواحد بالشخص وإن تعددت الجهات فكيف يحتج عليه بما يبتنى على تسليم المطلوب ثم ظاهر عبارة المتن أن فى الصوم أيضًا كونًا يتعلق به الأمر والنهى وليس كذلك لأن المعتبر فيه الزمان دون المكان فعدل عنه المحقق ولهذا قيل المراد بالكون هو الفعل ليصح فى الصوم أيضًا.
قوله: (ولا يعنى) قد توهم بعضهم أن المراد به الإجماع مع مخالفة أحمد وهو من أهل الإجماع فاعترض بأنها لا تمنع انعقاد إجماع قبله أو بعده وعلى ما ذكر الشارح المحقق وهو الظاهر الموافق لما فى الكتب لا يرد ذلك لأن معناه أنه لو وجد إجماع لعرفه فلم يخالفه وأما الإجماع بعده فمعلوم الانتفاء، وقال المقبول فى التنقيحات أما دعوى الإجماع فيه مع مخالفة أحمد ففاسد وإذا منع لا يتأتى تصحيحه بوجه ثم نسبة إمام من أئمة المسلمين إلى أنه خالف الإجماع ومات ميتة جاهلية إفك وتبديع بناء على مجرد وهم ثم إن أحمد ما أنكر أحد فضله فى الأمور النقلية فكيف تواترت قصة الإجماع فى خراسان من خمسمائة سنة إلى متوسط فى النقليات أو ضعيف ولم يصل على قرب المائتين إلى أشد الناس بحثًا فى النقليات المخالط لحملة الأنباء فى مواطنهم ثم لا كل من يدعى إجماعًا تقبل دعواه فبعد ظهور منع أحمد إذا منع الخصوم فما الحيلة هذا كلامه وهو مجرد استبعاد لكنه فى غاية القرب وكأنه شنع على الإمام الغزالى ﵀ حيث قال الإجماع حجة على أحمد.
المصنف: (واستدل لو لم تصح. . . إلخ) أى لو لم يصح اجتماع الأمر والنهى
стр. 880
باعتبار جهتين غير متلازمتين فلا تصح الصلاة فى الأرض المغصوبة لما ثبت صلاة مكروهة.
المصنف: (وأجيب بأنه إن اتحد الكون منع) أى فيمنع بطلان اللازم فلا تصح الصلاة المكروهة والصيام المكروه وقوله وإلا لم يفد أى فتمنع الملازمة.
قوله: (لكن هذا الجواب من قبل من يذهب. . . إلخ) وفيه أن هذا لا يقتضى تزيف الاستدلال المذكور دون الاستدلال الذى اختاره المصنف، لأن هذا وارد حتى على ما اختاره المصنف من الاستدلال.
قوله: (إذا منع الخصوم) أى منعوا منع أحمد الإجماع وقوله فما فالحيلة أى لا حيلة إلا عدم الاعتداد بهم وقوله لكنه فى غاية القرب أى فليس بعيدًا كما استبعده صاحب التنقيحات.