← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133411

شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي ومعه حاشية السعد والجرجاني

عضد الدين الإيجي

Полный текст (2 048 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قوله: (إنما الكلام فى الواحد بالشخص) يعنى أنه اقتصر على ذكر الخلاف فيه دون الواحد بالجنس أى بالحقيقة بحيث لا تتعدد إلا أشخاصًا وإن خالف فيه بعض المعتزلة لأنه لا اعتداد بهم وبمخالفتهم لكونها مكابرة لظهور أن ذات هذا الفرد غير ذات ذلك فلا استحالة فى حسن أحدهما وقبح الآخر وصرفهم الوجوب إلى قصد تعظيم اللَّه تعالى، والتحريم إلى قصد تعظيم الصنم على ما يفهم من الشارح لا يجدى نفعًا لأن الجنس وهو قصد التعظيم واحد وذكر الآمدى أنهم يقولون السجود مأمور به واجب للَّه تعالى فلا يكون محرمًا بل المحرم هو قصد تعظيم الصنم. قوله: (وقد منعه بعض من يجوّز ذلك) أى تكليف المحال لأن هذا ليس تكليفًا بالمحال بل تكليفًا هو محال فى نفسه لأن معناه الحكم بأن الفعل يجوز تركه ولا يجوز. قوله: (عندها لا بها) إذ قد يسقط الفرض عند فعل ما هو معصية كمن شرب مجننًا حتى جن يسقط عنه الفرض. المصنف: (من جهة واحدة) أى حقيقة أو حكمًا كالجهتين المتلازمتين كما فى صوم يوم النحر. المصنف: (له جهتان) أى غير متلازمتين. المصنف: (فالجمهور يصح) أى ففيه خلاف فالجمهور يصح أن يكون الشئ الواحد واجبًا وحرامًا من جهتين مختلفتين غير متلازمين والقاضى قال: لا يصح ويسقط الطلب عندها وكان الظاهر أن يقول عنده أى ذلك الواحد إلا أنه راعى مثاله الذى هو الصلاة فى الدار المغصوبة. الشارح: (السجود للَّه وللشمس والقمر قال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنّ﴾ [فصلت: ٣٧]) فالسجود واحد بالجنس وتعلق به الوجوب باعتبار فرد وهو السجود للَّه والحرمة باعتبار فرد آخر وهو السجود للشمس والقمر.

стр. 877

الشارح: (فصرف الوجوب والتحريم إلى قصد التعظيم) أى فصرف ذلك البعض وجوب السجود وتحريمه إلى قصد تعظيم اللَّه تعالى وقصد تعظيم الصنم فليس الواجب والمحرم السجود باعتبار فرديه بل الواجب قصد تعظيم اللَّه والمحرم قصد تعظيم الصنم وهو غير مجدٍ له لأنه يلزمه أن قصد التعظيم واحد بالجنس تعلق به الوجوب والتحريم باعتبار فرديه وهو مع ذلك خلاف ظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ. . .﴾ [فصلت: ٣٧] الآية. الشارح: (يتضمن جواز الفعل) أى لأن جواز الفعل بمعنى الإذن فيه جنس للأحكام الأربعة غير الحرام والنوع متضمن لجنسه. قوله: (وذكر الآمدى. . . إلخ) وجه لبعض المعتزلة غير الوجه الذى ذكره الشارح وهو غير مسجد لهم أيضًا إذ لا شك أن تعظيم اللَّه تعالى واجب وقد قالوا بحرمة تعظيم الصنم فيكون جنس التعظيم واحدًا بعض أفراده واجب وبعضها حرام. قوله: (كمن شرب مجننًا. . . إلخ) استبعده الإمام الرازى قائلًا الأعذار التى ينقطع التكليف بها محصورة والمصير إلى سقوط الأمر عن متمكن من الامتثال ابتداء ودوامًا بسبب معصية لابسها لا أصل له فى الشرع.

стр. 878

قال: (واستدل لو لم تصح لما ثبت صلاة مكروهة ولا صيام مكروه، لتضاد الأحكام وأجيب بأنه إن اتحد الكون منع، وإلا لم يفد لرجوع النهى إلى وصف منفك، واستدل لو لم تصح لما سقط التكليف، قال القاضى: وقد سقط بالإجماع لأنهم لم يأمروهم بقضاء الصلوات، ورد بمنع الإجماع مع مخالفة أحمد وهو أقعد بمعرفة الإجماع). الأول: دليلان ضعيفان, استدل لو لم تصح لما ثبت صلاة مكروهة ولا صيام مكروه؛ لأن الأحكام كلها متضادة، فالوجوب كما يضاد التحريم يضاد الكراهة، فلو لم يثبت مع التحريم لما ثبت مع الكراهة إذ لا مانع إلا التضاد. والجواب: أن الكون فى الحيز واحد فى الصلاة وهو مأمور به لأنه جزء المأمور به، وفى الغصب هو منهى عنه؛ لأنه هو الغصب فيتحد المتعلقان، فإن كان الصوم المكروه والصلاة المكروهة كذلك منع صحتهما وإلا لم يفد إذ لا يلزم من الصحة حيث يرجع النهى إلى وصف منفك فلا يتحد المتعلق الصحة حيث يرجع إلى الكون الذى هو ذاتى فيتحد المتعلق واستدل لو لم تكن صحيحة لم يسقط بها التكليف. قال القاضى: وقد سقط إجماعًا؛ لأنهم لم يأمروا المصلين فى الدور المغصوبة بقضاء صلواتهم. والجواب: منع الإجماع مع مخالفة أحمد وهو أقعد بمعرفة الإجماع، فلو كان إجماع لعرفه، فلم يخالفه، ولا يعنى أن مخالفته تمنع انعقاد الإجماع لجواز إجماع فى عصر قبله أو بعده. قوله: (لو لم تصح لما سقط التكليف) لأن الصحة عبارة عن موافقة الأمر أو سقوط القضاء واللازم باطل لما ذكر القاضى من الإجماع على عدم وجوب القضاء وههنا بحثا وهو أنه إن أريد عدم سقوط التكليف بها على ما هو ظاهر عبارة الشارح فانتفاء اللازم ممنوع وعدم الأمر بالقضاء لا يدل عليه لجواز أن يكون بناء على سقوط التكليف عندها لا بها وأيضًا لا يصح من القاضى الحكم بالإجماع عليه وقد سبق أن مذهبه سقوط الطلب عندها لا بها وإن أريد عدم السقوط مطلقًا على ما هو ظاهر عبارة المتن فالملازمة ممنوعة لجواز أن يوجد أمر غير صحيح يسقط

стр. 879

التكليف عنده لا به. قوله: (الكون فى الحيز) إشارة إلى أن الكون ههنا فى معناه المتعارف بين المتكلمين وهو حصول الجوهر فى الحيز وليس مجازًا عن الفعل الملزوم له والمقصود أن الكون واحد فى الصلاة والغصب، وهو مأمور به لكونه جزء الصلاة المأمور بها ومنهى عنه لكونه نفس الغصب فهو ذاتى للصلاة بمعنى جزء الماهية وللغصب بمعنى نفس الماهية فيتحد متعلق الأمر والنهى فإن قيل سيجئ فى الجواب عن دليل القاضى أن هذا الكون وإن اتحد بالذات متعدد بالاعتبار وقد سبق مثل ذلك قلنا نعم لكن هذا الجواب من قبل من يذهب إلى امتناع تعلق الوجوب والحرمة بالواحد بالشخص وإن تعددت الجهات فكيف يحتج عليه بما يبتنى على تسليم المطلوب ثم ظاهر عبارة المتن أن فى الصوم أيضًا كونًا يتعلق به الأمر والنهى وليس كذلك لأن المعتبر فيه الزمان دون المكان فعدل عنه المحقق ولهذا قيل المراد بالكون هو الفعل ليصح فى الصوم أيضًا. قوله: (ولا يعنى) قد توهم بعضهم أن المراد به الإجماع مع مخالفة أحمد وهو من أهل الإجماع فاعترض بأنها لا تمنع انعقاد إجماع قبله أو بعده وعلى ما ذكر الشارح المحقق وهو الظاهر الموافق لما فى الكتب لا يرد ذلك لأن معناه أنه لو وجد إجماع لعرفه فلم يخالفه وأما الإجماع بعده فمعلوم الانتفاء، وقال المقبول فى التنقيحات أما دعوى الإجماع فيه مع مخالفة أحمد ففاسد وإذا منع لا يتأتى تصحيحه بوجه ثم نسبة إمام من أئمة المسلمين إلى أنه خالف الإجماع ومات ميتة جاهلية إفك وتبديع بناء على مجرد وهم ثم إن أحمد ما أنكر أحد فضله فى الأمور النقلية فكيف تواترت قصة الإجماع فى خراسان من خمسمائة سنة إلى متوسط فى النقليات أو ضعيف ولم يصل على قرب المائتين إلى أشد الناس بحثًا فى النقليات المخالط لحملة الأنباء فى مواطنهم ثم لا كل من يدعى إجماعًا تقبل دعواه فبعد ظهور منع أحمد إذا منع الخصوم فما الحيلة هذا كلامه وهو مجرد استبعاد لكنه فى غاية القرب وكأنه شنع على الإمام الغزالى ﵀ حيث قال الإجماع حجة على أحمد. المصنف: (واستدل لو لم تصح. . . إلخ) أى لو لم يصح اجتماع الأمر والنهى

стр. 880

باعتبار جهتين غير متلازمتين فلا تصح الصلاة فى الأرض المغصوبة لما ثبت صلاة مكروهة. المصنف: (وأجيب بأنه إن اتحد الكون منع) أى فيمنع بطلان اللازم فلا تصح الصلاة المكروهة والصيام المكروه وقوله وإلا لم يفد أى فتمنع الملازمة. قوله: (لكن هذا الجواب من قبل من يذهب. . . إلخ) وفيه أن هذا لا يقتضى تزيف الاستدلال المذكور دون الاستدلال الذى اختاره المصنف، لأن هذا وارد حتى على ما اختاره المصنف من الاستدلال. قوله: (إذا منع الخصوم) أى منعوا منع أحمد الإجماع وقوله فما فالحيلة أى لا حيلة إلا عدم الاعتداد بهم وقوله لكنه فى غاية القرب أى فليس بعيدًا كما استبعده صاحب التنقيحات.

стр. 881

قال: (القاضى والمتكلمون: لو صحت لاتحد المتعلقان لأن الكون واحد وهو غصب. وأجيب باعتبار الجهتين بما سبق. قالوا: لو صحت لصح صوم يوم النحر بالجهتين، وأجيب بأن صوم يوم النحر غير منفك عن الصوم بوجه فلا يتحقق جهتين، أو بأن نهى التحريم لا يعتبر فيه تعدد إلا بدليل خاص فيه). أقول: قال القاضى والمتكلمون فى نفى صحتها: لو كانت صحيحة لاتحد متعلقًا الأمر والنهى، وأنه محال اتفاقًا بيان الملازمة أن الكون جزء الحركة والسكون، وهما جزءا الصلاة فهذا الكون جزء هذه الصلاة فيكون مأمورًا به، ثم إنه بعينه هو الكون فى الدار المغصوبة فيكون منهيًا عنه. والجواب: أن متعلقهما واحد، لكن يتعدد باعتبار جهتين فيه كما تقدَّم فى مثال الخياطة وأنه غير ممتنع. قالوا ثانيًا: لو كانت صحيحة لكان قوم يوم النحر صحيحًا باعتبار الجهتين، إذ لا مانع إلا اتحاد المتعلق واعتبار الجهتين يدفعه. الجواب بوجهين: أحدهما: أن قوم يوم النحر لا ينفك عن الصوم؛ لأن المضاف يستلزم المطلق، بخلاف الصلاة والغصب؛ لإمكان كل بدون الآخر وحاصله تخصيص الدعوى بما يجوّز انفكاك الجهتين فيه. ثانيهما: أن نهى التحريم ظاهر فى البطلان فإنه ينصرف إلى الذات غالبًا، وقد تعتبر الجهتان لدليل خاص شرعى يوجب مخالفة الظاهر فيصح بخلاف نهى الكراهة، فإنه ينصرف إلى الوصف غالبًا. قوله: (الكون جزء الحركة والسكون) لأن الحركة والسكون كون الشئ فى مكان عقيب حصوله فى مكان آخر بمعنى أنه عبارة عن مجموع الكونين والسكون عبارة عن كونه فى مكان بعد كونه فى ذلك الكان فيكون هذا الكون مأمورًا به لكونه جزء المأمور به ومنهيًا عنه بالذات وحاصل الجواب أنه مأمور به من جهة كونه من أجزاء الصلاة ومنهى عنه من جهة كونه فى ملك الغير فقالوا بطريق الإلزام: لو كفى تعددًا جهة وصحت الصلاة فى الدار المغصوبة بناء عليه لزم صحة صوم يوم النحر لكونه مأمورًا به من حيث إنه صوم ومنهيًا عنه من حيث إنه فى

стр. 882

يوم النحر فأجيب أولًا بأنه لا إلزام عند كون إحدى الجهتين لازمة للأخرى لأنا إنما نقول بجواز اتحاد المتعلق عند جواز انفكاك الجهتين، وثانيًا: بأن الظاهر فيما نهى نهى التحريم عدم الصحة لرجوعه غالبًا إلى الذات وفيما نهى نهى الكراهة هو الصحة لرجوعه غالبًا إلى الوصف والعدول عن الظاهر لا يكون إلا لدليل خاص وقد وجد فى الصلاة فى الدار المغصوبة كالآيات المطلقة فى وجوب الصلاة من غير تقييد بمكان وكإجماع غير أحمد على صحتها بخلاف صوم يوم النحر فإنه لم يقم دليل صارف عن ظاهر بطلانه بل وقع الاتفاق على ذلك. الشارح: (وحاصله تخصيص الدعوى. . . إلخ) رد بأن تخصيص الدعوى لا يدفع نقض الدليل. قوله: (وكإجماع غير أحمد) ظاهره يخالف ما تقدم من أنه لا إجماع ولو كان لعرفه أحمد.

стр. 883

قال: (وأما من توسط أرضًا مغصوبة فحظ الأصولى فيه بيان استحالة تعلق الأمر والنهى معًا بالخروج، وخطأ أبى هاشم، وإذا تعين الخروج للأمر قطع بنفى المعصية به بشرطه، وقول الإمام باستصحاب حكم المعصية مع الخروج، ولا نهى بعيد ولا جهتين لتعذر الامتثال). الأول: هذا كله فيما يصح فيه الانفكاك وجمعهما المكلف باختياره، وأما ما لا يكون كذلك كمن توسط أرضًا مغصوبة، فحظ الأصولى فيه: بيان امتناع تعلق الأمر والنهى معًا بالخروج فإنه تكليف محال وبيان خطأ أبى هاشم فى قوله بتعلقهما معًا بالخروج وإذا تعين الخروج للأمر دون النهى بدليل يدل عليه فانقطع بنفى المعصية عنه، إذا خرج بما هو شرطه فى الخروج من السرعة وسلوك أقرب الطرق وأقلها ضررًا إذ لا معصية بإيقاع المأمور به الذى لا نهى عنه. قال الإمام باستصحاب حكم المعصية عليه مع إيجابه الخروج وهو بعيد إذ لا معصية إلا بفعل منهى عنه، أو ترك مأمورٍ به، وقد سلم انتفاء تعلق النهى به فانتهض الدليل عليه، فإن قيل: فيه الجهتان، فيتعلق الأمر بإفراغ ملك الغير والنهى بالغصب، كالصلاة فى الدار المغصوبة، سواء قلنا: هو غلط لأنه لا يمكن الامتثال فلزم تكليف الحال بخلاف صلاة الغصب، فإنه يمكن الامتثال وإنما جاء الاتحاد باختيار المكلف. قوله: (فحظ الأصولى) يعنى لا بحث للأصولى عن أحوال أفعال المكلفين من حيث الوجوب والحرمة والصحة والفساد ونحو ذلك حتى يكون عليه إثباب أن الخروج عن الأرض المغصوبة واجب أو حرام بل بحثه عن أحوال الأدلة والأحكام من حيث إثبات الأدلة للأحكام وثبوت الأحكام بالأدلة فعليه أن يبين امتناع تعلق الأمر والنهى بفعل واحد من جهة واحدة كالخروج مثلًا لكونه تكليفًا محالًا هو تجويز الفعل مع عدم تجويزه. قوله: (وقول الإمام) إشارة إلى ما ذكره فى البرهان من أن المعصية مستمرة وإن كان فى حركاته فى صوب الخروج ممتثلًا كالصلاة فى الدار المغصوبة تقع امتثالًا من وجه وغصبًا واعتداء من وجه وكذا الذاهب إلى صوب الخروج ممتثل من وجه عاص لبقائه من وجه وإنما حكمنا باستمرار معصيته مع أن المعصية إنما تكون

стр. 884

بارتكاب المنهى عنه والإمكان معتبر فى النهى ولا إمكان ههنا إذ ليس فى وسعه الخلاص لأن تسببه إلى ما توسط فيه أداء سبب معصية وليس هو عندنا منهيًا عن الكون فى هذه الأرض مع بذله المجهود فى الخروج عنها ولكنه مرتبك فى المعصية مع انقطاع نهى التكليف عنه وإنما حكموا بالاستبعاد دون الاستحالة لأن الإمام لا يسلم أن دوام المعصية لا يكون إلا بفعل منهى عنه أو ترك مأمور بل ذلك فى ابتدائها خاصة وقوله ولا جهتين دفع لما أشار إليه الإمام من أن الامتثال والغصب ههنا باعتبارين كما فى مسألة الصلاة. قوله: (دفع لما أشار إليه الإمام) هو خلاف ظاهر الشارح من أنه رد على أبى هاشم القائل بتعلق الأمر والنهى بجهتين.

стр. 885

(مسائل المندوب) قال: (مسألة: المندوب مأمور به خلافًا للكرخى والرازى، لنا أنه طاعة، وأنهم قسموا الأمر إلى إيجاب وندب، قالوا: لو كان لكان تركه معصية لأنها مخالفة الأمر ولما صح لأمرتهم بالسواك. قلنا: المعنى أمر الإيجاب فيهما). أقول: هاتان مسألتان تتعلقان بالندب أولاهما أن المندوب هل هو مأمور به؟ المحققون على أنه مأمور به خلافًا للكرخى وأبى بكر الرازى، لنا أنه طاعة إجماعًا، والطاعة فعل المأمور به، ولنا أيضًا اتفاق أهل اللغة أن الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب وأمر ندب ومورد القسمة مشترك. قالوا: لو كان المندوب مأمورًا به لكان تركه معصية إذ لا معنى للمعصية إلا مخالفة الأمر وترك المأمور به يحققها، وأيضًا لو كان مأمورًا به لما صح قوله ﵊: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" لأنه ندبهم إليه ولأن الوجوب هو الذى يتضمن المشقة دون الندب. الجواب: المعصية مخالفة أمر الإيجاب وقوله: "لأمرتهم" أى أمر إيجاب، كلاهما على سبيل المجاز، وأنه وإن كان خلاف الأصل، وجب المصير إليه بالدليل الذى ذكرنا. قوله: (المندوب مأمور به) لا نزاع فى أنه تتعلق به صيغة الأمر حقيقة كانت أو مجازًا وإنما النزاع فى أنه هل يطلق عليه اسم المأمور به حقيقة ولا خفاء فى أنه مبنى على أن أمر حقيقة للإيجاب أو للقدر المشترك بينه وبين الندب فلا ينبغى أن يجعل هذا مسألة برأسها ثم الاستدلال الأول إنما يتم على رأى من يجعل أمر للطلب الجازم أو الراجح وأما من يخصه بالجازم فكيف يسلم أن كل طاعة فعل المأمور به بل الطاعة عنده فعل المأمور به أو المندوب إليه أعنى ما تتعلق به صيغة افعل للإيجاب أو الندب، والثانى إنما يتم لو كان مراد أهل اللغة أن ما يطلق عليه لفظ أمر حقيقة ينقسم إلى ما يكون للإيجاب أو للندب وليس كذلك بل مرادهم تقسيم الصيغة التى تسمى أمرًا عند النحاة فى أى معنى كان بدليل أنهم يقسمون

стр. 886

الأمر إلى الإيجاب والندب وغيرهما مما لا نزاع فى أنه ليس بمأمور به حقيقة. الشارح: (لنا أنه طاعة) أى وكل طاعة مأمور بها لأنها امتثال الأمر فيكون المندوب مأمورًا به والخصم يمنع الكبرى ويقول: لا نسلم أن كل طاعة مأمور بها بل الطاعة هى المطلوب فالمندوب مطلوب وليس كل مطلوب مأمورًا به وقوله: ولنا أيضًا اتفاق أهل اللغة أن الأمر ينقسم. . . إلخ. هى صغرى قياس كبراه وكل منقسم مشترك بين الأقسام فالأمر مشترك وللخصم أن يمنعها قائلًا: لا نسلم الانقسام المذكور. الشارح: (لأنه ندبهم إليه) أى ونفى كونه مأمورًا به لوجود المشقة على تقدير الأمر. الشارح: (ولأن الوجوب هو الذى يتضمن المشقة) أى فلا أمر إلا عند المشقة ولا مشقة إلا فى الوجوب فلا أمر فى الندب فلو كان مأمورًا به لما صح قوله ﵊: لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك. الشارح: (بالدليل الذى ذكرنا) هو أنه طاعة وأنهم قسموا الأمر إلى إيجاب وندب. قوله: (وإنما النزاع. . . إلخ) أى فهو فى مادة الأمر لا فى صيغته فقوله هنا إن المندوب مأمور به أى يطلق عليه هذا اللفظ وأن مادة الأمر للقدر المشترك بين الإيجاب والندب لا ينافى ما يأتى له من أن صيغة افعل حقيقة فى الوجوب، وهذه طريقة الآمدى وطريقة الإمام الرازى لا فرق بين الأمر وصيغة افعل.

стр. 887

قال: (مسألة: المندوب ليس بتكليف خلافًا للأستاذ وهى لفظية). أقول: المندوب ليس بتكليف لأن التكليف يشعر بإلزام ما فيه كلفة ومشقة وهو منتف قال الأستاذ: هو تكليف فإن فعله لتحصيل الثواب شاق ورد بأنه فى سعة من تركه لعدم الإلزام وإن قال وجوب اعتقاد ندبيته تكليف قلنا ذلك حكم آخر، وبالجملة فالمسألة لفظية. قوله: (فالمسألة لفظية) يعنى أن النزاع فيها مبنى على تفسير لفظ التكليف فإن فسر بإلزام ما فيه كلفة فليس بتكليف أو بطلب ما فيه كلفة فتكليف. الشارح: (ذلك حكم آخر) أى لا يلزم منه أن الفعل المباح تكليف.

стр. 888

(مسائل المكروه) قال: (مسألة: المكروه منهى عنه غير مكلف به كالمندوب ويطلق أيضًا على الحرام وعلى ترك الأولى). أقول: هذه مسألة فذة تتعلق بالمكروه وفيها ثلاثة أبحاث: الأول: أنه منهى عنه فى الأصح، والكلام فيه كما فى أن المندوب مأمور به. الثانى: أنه ليس بتكليف خلافًا للأستاذ، والكلام فيه أيضًا كما فى المندرب. الثالث: أنه يطلق على معنيين آخرين غير ما تقدَّم: أحدهما: الحرام، وكثيرًا ما يقول الشافعى: أنا أكره هذا. ثانيهما: ترك الأولى، ويقال ترك صلاة الضحى مكروه وإن لم يرد عنه نهى لكثرة الفضيلة فيها فكأن فى تركها حط مرتبة. قوله: (والكلام فيه كما فى المندوب) إلا أنه لا يتأتى مثل الاستدلال الأول إذ لا يصح أنه معصية ويتأتى الثانى وهو الاتفاق على تقسيم النهى إلى نهى تحريم ونهى كراهة. الشارح: (وكثيرًا ما يقول الشافعى أكره هذا) وكذا غيره وذلك أنهم كانوا يتورعون عن استعمال لفظ الحرام والحلال فى المجتهدات خشية وخوفًا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]. الشارح: (ثانيهما ترك الأولى) أى بناء على أن المكروه تنزيهًا لا يشمل خلاف الأولى لأن المكروه كراهة تنزيه ما ورد فيه نهى بخصوصه وخلاف الأولى ما ليس كذلك وأما على عدم الفرق فهى عينه والفرق اعتبارى فيعتبر فى خلاف الأولى ما تركه أولى وفى المكروه ما طلب تركه طلبًا غير جازم.

стр. 889

(مسائل المباح) قال: (مسألة: يطلق الجائز على المباح، وعلى ما لا يمتنع شرعًا أو عقلًا، وعلى ما استوى الأمران فيه وعلى المشكوك فيه فيهما بالاعتبارين). أقول: هذه مسائل تتعلق بالمباح ومن أسمائه الجائز، وأنه كما يطلق على المباح يطلق على ما لا يمتنع شرعًا، مباحًا كان أو واجبًا أو مندوبًا، أو مكروهًا، وعلى ما لا يمتنع عقلًا، واجبًا كان أو راجحًا، أو متساوى الطرفين، أو مرجوحًا، وعلى ما استوى الأمران فيه، سواء استويا شرعًا كالمباح أو عقلًا كفعل الصبى، وعلى المشكوك فيه فى الشرع أو العقل بالاعتبارين، وهما استواء الطرفين، وعدم الامتناع يعنى أنه كما يقال المشكوك فيه لما يستوى طرفاه فى النفس يقال لما لا يمتنع فى النفس، أى لا يجزم بعدمه كما يقال فى النقليات، وإن غلب على الظن بعد فيه شك أى احتمال ولا يراد به تساوى الطرفين كذلك يقال هو جائز والمراد أحدهما. قوله: (يطلق الجائز على المباح وعلى ما لا يمتنع شرعًا) قد فهم منه البعض أنه كما يطلق على المباح يطلق على أربعة معان أخر: ما لا يمتنع شرعًا ما لا يمتنع عقلًا ما استوى الأمران فيه شرعًا ما استوى الأمران فيه عقلًا فاعترض بأن ما استوى الأمران فيه شرعًا هو المباح نفسه فاعتذر بأن ما استوى الأمران فيه شرعًا أعم من المباح لشموله ما لا يمتنع فيه عن الفعل والترك شرعًا كفعل الصبى وهو غير المباح أعنى ما أذن الشارع فى فعله وتركه ولما كان هذا ضعيفًا بناء على أن ما لا يتعلق به خطاب الشرع لا معنى لاستواء الأمرين فيه شرعًا عدل عنه الشارح المحقق وجعل فعل الصبى مثالًا لما استوى فيه الأمران عقلًا تنبيهًا على ما ذكرنا ولا يخفى أن كلمة "أو" فى قول المصنف: "وعلى ما لا يمتنع شرعًا أو عقلًا" لم تقع موقعها، وأما قوله: "وعلى المشكوك فيه" فقد فهم منه الشارحون أنه يطلق على ما يشك فى أنه لا يمتنع شرعًا أو يشك فى أنه لا يمتنع شرعًا أو يشك فى أنه لا يمتنع عقلًا أو يشك فى أنه يستوى الأمران فيه شرعًا أو يشك فى أنه يستوى الأمران فيه عقلًا وأنت خبير بأن مثل هذا الفعل لا يكون جائزًا بل مجهول

стр. 890

الحال فعدل عنه المحقق إلى ما يقتضيه قوة نظره واستقامة فكره وهو أن عدم الامتناع أو استواء الطرفين كان فيما سبق باعتبار حكم الشرع أو نفس الأمر ومنهيًا باعتبار نفس القائل وموجب إدراكه وإلى هذا أشار بقوله فى النفس فالجائز على هذا يطلق على ما استوى طرفاه شرعًا أو عقلًا عند المخبر بجوازه وبالنظر إلى عقله وإن كان أحدهما فى نفس الأمر واجبًا أو راجحًا، وعلى ما لا يمتنع عنده فى حكم الشرع أو العقل وإن كان فى نفس الأمر ممتنعًا شرعًا أو عقلًا، وهذا هو المسمى بالمحتمل، فالمحتمل على ما فهموا هو ما شككت وترددت فى أنه متساوى الطرفين أو ليس بممتنع الوجود فى نفس الأمر أو فى حكم الشرع وعلى ما ذكره المحقق ما حصل فى عقلك أنه متساوى الطرفين أو غير ممتنع الوجود فى نفس الأمر أو فى حكم الشرع ولا خفاء فى أن ما لا يمتنع فى النفس ولا يجزم بعدمه شامل للقطعى والظنى مع أن شيئًا منهما لا يسمى مشكوكًا لظهور أنا إذا قلنا بعد إثبات اشتراط النية فى الوضوء بعد فيه شك لا نعنى أن الاشتراط مشكوك فيه بل عدم الاشتراط فالمراد أن المشكوك فيه يطلق على ما لا يمتنع فى النفس ولا يجزم بعدمه إذا كان جانب وجوده راجحًا فقوله كما فى النقليات مثال لإطلاق الشك على الاحتمال وعدم الامتناع فى النفس وقوله: "كذلك" يقال إشارة إلى ما سبق من أنه كما يقال للمشكوك لما استوى يقال لما يمتنع يعنى أنه قد يقال: هذا الحكم جائز والمراد أنه متساوى الطرفين أو لا يمتنع أن لا يجزم بعدمه ولا خفاء فى أنه لو قال: فكذلك بالفاء لكان أظهر. المصنف: (يطلق الجائز على المباح) هذا هو المقصود؛ لأنه المسألة المتعلقة بالمباح وما ذكر بعده لتتميم الإطلاقات الجائزة. المصنف: (أو عقلًا) أى يطلق الجائز على ما لا يمتنع عقلًا وكان الأولى أن يقول: وعلى ما لا يمتنع عقلًا إلا أنه اختصر أو فيه لتنويع الخلاف لا لأحد الأمرين وقوله: "وعلى ما استوى الأمران فيه" أى شرعًا أو عقلًا أى استوى فى أحدهما وهو أعم من المباح؛ لأنه ما استوى فيه الأمران شرعًا فقط فالمعانى غير المباح على هذا ثلاثة، ثالثها: استواء الأمرين شرعًا أو عقلًا ثم إن ما لا يمتنع شرعًا أعم من المعنى الأول للجائز وهو المباح وأخص مما لا يمتنع عقلًا.

стр. 891

قوله: (عدل عنه الشارح. . . إلخ) اعترضه ميرزاجان بأنه على حل الشارح لم يكن الإمكان الخاص معدودًا من جملة معانى لفظ الجائز مع أنه منها فى العقليات ثم معنى الاستواء على حل الشارح هو الاستواء فى عدم الاشتمال على المصلحة والمفسدة فى الفعل والترك تعلق به الخطاب أو لم يتعلق بل برأى العقل وعلى حل البعض معنى الاستواء الاستواء فى الوجود والعدم بحسب الواقع ونفس الأمر بالنظر إلى ذات الممكن. قوله: (وعلى المشكوك فيها فيهما) أى شرعًا أو عقلًا "بالاعتبارين" أى اعتبار استواء الأمرين واعتبار عدم الامتناع والمراد يطلق على المشكوك فيه بمعنى ما استوى فيه الأمران شرعًا أو عقلًا وعلى المشكوك فيه بمعنى ما لا يمتنع عقلًا أو شرعًا. قوله: (بحسب موجب إدراكه فيهما) يعنى أن المشكوك فيه بمعنى المحتمل كما يطلق على ما استوى فيه الأمران شرعًا أو عقلًا عند المخبر وبحسب ما أداه إليه إدراكه يطلق على ما لم يمتنع عقلًا أو شرعًا عنده. قوله: (مع أن شيئًا منهما لا يسمى مشكوكًا) اعترضه ميرزاجان بأن المظنون نمنع أنه لا يسمى مشكوكًا وقوله إذا كان جانب وجوده راجحًا اعترضه أيضًا بأنه لا يدفع النقض بالظنى وهو ظاهر ولا بالقطعى إذ الرجحان شامل للوجوب اللهم إلا أن يخص بما إذا لم ينته إلى حد الوجوب هذا وأقول: لا مانع من أن يسمى القطعى والظنى بالمشكوك أى المحتمل؛ لأنه يقطع أو يظن أن الشئ لا يمتنع شرعًا أو عقلًا بحسب إدراكه لا بحسب نفس الأمر فيسمى بالمحتمل نظرًا لما فى نفس الأمر. قوله: (كما يقال فى النقليات) أى الأمور الغير العقلية وإن غلب على الظن يعد أى الآن وقت الإخبار فيه شك ولا يراد به استواء الطرفين فكذلك الجائز يطلق على أحدهما. قوله: (ولا يخفى أنه لو قال فكذلك بالنماء لكان أظهر) أى لأنه بدونه يوهم أنه متعلق بـ "يقال" فى قوله: "كما يقال المشكوك" مع أن المتعلق به هو قوله: يقال لما لا يمتنع ويتفرع على كون المشكوك يقال على ما لا يمتنع كما يقال على ما استوى فيه الأمران أن الجائز كذلك هذا ويحتمل أن قوله: "يقال لما لا يمتنع" سقط منه واو العطف والأكل ويقال ويكون المعنى أن المشكوك فيه كما يقال لما استوى الأمران فيه وما لا يمتنع يقال الجائز والمراد أحدهما وعلى هذا يكون قول المحشى: يقال لما لا يمتنع فيه إسقاط الحرف العاطف أيضًا.

стр. 892

قال: (مسألة: الإباحة حكم شرعى خلافًا لبعض المعتزلة، لنا أنها خطاب الشارع، قالوا: انتفاء الحرج وهو قبل الشرع). أقول: ثانية مسائل المباح: الإباحة حكم شرعى خلافًا لبعض المعتزلة فإنهم يقولون: المباح ما انتفى الحرج فى فعله وتركه وذلك ثابت قبل الشرع وبعده ونحن ننكر أن ذلك إباحة شرعية بل الإباحة خطاب الشارع بذلك فافترقا. قوله: (ونحن ننكر أن ذلك إباحة شرعية) فإن قيل من اعتقد أن الإباحة لا يلزم أن تكون حكمًا شرعيًا وأنها تتحقق قبل الشرع كيف يقدح فى دعواه إنكار كون ما انتفى الحرج فى فعله وتركه إباحة شرعية قلنا: ليس المراد بالشرعية الثابتة بالشرع بل المستعملة فى الشرع يعنى نحن ننكر أن ذلك مفهوم لفظ الإباحة بحسب عرف الشرع فيرجع النزاع إلى أن الإباحة المستعملة فى لسان الشرع معناها انتفاء الحرج فى الفعل والترك أو خطاب الشارع بذلك. قوله: (كيف يقدح. . . إلخ) أى لأنه لم يلتزم أنها شرعية وثابتة بالشرع حتى يقال له إنها ليست شرعية. قوله: (إن الإباحة المستعملة فى لسان الشرع. . . إلخ) اعترضه فى التحرير بأنه إن أراد بالشرع الشارع فلا يعرف له اصطلاح فى ذلك وإن أراد أهل الاصطلاح الفقهى فالخلف لفظى مبنى على الاصطلاح.

стр. 893

قال: (مسألة: المباح غير مأمور به خلافًا للكعبى، لنا أن الأمر طلب يستلزم الترجيح ولا ترجيح. قال: كل مباح ترك حرام، وترك الحرام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وتؤول الإجماع على ذات الفعل، لا بالنظر إلى ما يستلزم جمعًا بين الأدلة، وأجيب بجوابين: الأول: أنه غير متعين لذلك، فليس بواجب، وفيه تسليم أن الواجب واحد، فما فعل فهو واجب قطعًا. الثانى: إلزامه أن الصلاة حرام إذا ترك بها واجب، وهو يلزمه باعتبار الجهتين، ولا مخلص إلا بأن ما لا يتم الواجب إلا به من عقلى أو عادى فليس بواجب، وقول الأستاذ الإباحة تكليف بعيد). أقول: اختلف فى المباح، هل هو مأمور به؟ فنفاه الجمهور خلافًا للكعبى، لنا أن الأمر طلب، وهو يستلزم ترجيح المأمور به على مقابله، والمباح لا ترجيح فيه لتساوى طرفيه فلا يكون مأمورًا به، احتج الكعبى بأن كل مباح ترك حرام فإن المسكوت ترك للقذف والسكون ترك للقتل، وكل ترك حرام واجب، فالمباح واجب، وبهذا يتم دليله، فقوله: وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كأنه جواب لسؤال، وهو أنه ليس ترك الحرام نفس فعل المباح غايته أنه لا يحصل إلا به، فأجاب بأنه لا يضرنا فإنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبه يتم دليلنا، وألزم بأن هذا الدليل والدعوى فى مصادمة الإجماع فلا يسمع؛ وذلك للإجماع على أن الفعل ينقسم إلى مباح وواجب، ولا شئ من المباح بواجب، فأجاب: بأن دليلنا قطعي فيجب تأوّل الإجماع بذات الفعل من غير نظر إلى ما يستلزمه من ترك الحرام جمعًا بين الأدلة، ولا يمتنع كون الشئ مباحًا لذاته واجبًا لما يستلزمه كما يكون الشئ واجبًا حرامًا باعتبارين، وقد أجيب عن دليله بجوابين: الأول: لا نسلم أنه لا يتم الواجب إلا به، وذلك أنه غير معين لذلك لإمكان الترك بغيره وهو ضعيف، لأن فيه تسليم أن الواجب أحدها لا بعينه، فما يعمل فهو واجب قطعًا، غاية ما فى الباب أنه واجب غير لا معين، وهو لم يدع إلا أصل الوجوب. الثانى: أنه يلزمك أن تكون الصلاة حرامًا إذا ترك بها واجب لأنه سبب الحرام، وسبب الحرام حرام، وهو أيضًا ضعيف فإن له أن يلتزمه باعتبار الجهتين،

стр. 894

كما تقدَّم. والجواب الحق الذى لا مخلص منه إلا به: منع كون ما لا يتم الواجب إلا به من ضروراته العادية والعقلية واجبًا كما تقدَّم، ثم قال الأستاذ: الإباحة تكليف ولا يخفى بعده أو يحمل على أنه يتضمن تكليفًا وهو وجوب اعتقاد إباحته. قوله: (غاية ما فى الباب أنه واجب غير لا معين) يرد عليه أن المخير يجب أن يكون واحدًا من أمور معينة فإن قيل يكفى التعين النوعى وهو حاصل بكونه واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا قلنا: لا بد فى التعين النوعى من تعين حقيقة الفعل كالصوم والإعتاق مثلًا ولا يحصل ذلك بمجرد اعتبار شئ من الأعراض العامة. المصنف: (كل مباح ترك حرام) اعترض بأنا لا نسلم أن كل مباح ترك حرام ولا مستلزم له للقطع بأن الترك وهو كف النفس عن الفعل فرع خطوره بالبال وفرع داعية النفس له فمن لم يقصد الكف عن شئ وفعل مباحًا ولم يخطر بباله الحرام ولم يوجد منه كف فلا يكون آتيًا بترك الحرام الذى هو الواجب وإن كان غير آثم لعدم فعل المنهى عنه، فاجتماع ترك الحرام وفعل المباح أو غيره غير لازم. الشارح: (فإنهم يقولون المباح. . . إلخ) فالخلاف فى كون الإباحة حكمًا شرعيًا أو لا مبنى على الخلاف فى تفسيرها فعند المعزلة أنها انتقاء الحرج وعندنا خطاب الشارع بذلك. الشارح: (ولا مخلص منه) أى عما قاله الكعبى. قوله: (من الأعراض العامة) ككونها واجبة أو مندوبة.

стр. 895

قال: (مسألة: المباح ليس بجنس للواجب بل هما نوعان للحكم، لنا لو كان جنسه لاستلزم النوع التخيير، قالوا مأذون فيهما واختص الواجب، قلنا تركتم فصل المباح). أقول: ظن قوم أن المباح جنس للواجب، وهو باطل، بل هما نوعان داخلان تحت جنس الحكم، لنا أن المباح لو كان جنسًا للواجب لاستلزم النوع وهو الواجب التخيير لأنه من حقيقة الجنس، والنوع مستلزم لجنسه ضرورة، واللازم ظاهر بطلانه، قالوا: المأذون فى فعله حاصل فيهما وهو تمام حقيقة المباح وجزء حقيقة الوجوب لاختصاصه بقيد زائد وهو أنه غير مأذون فى تركه ولا معنى للجنس إلا ذلك الجواب، لا نسلم أن ذلك حقيقة المباح بل ذلك جنسه وفصله أنه مأذون فى تركه وبه يمتاز عن الواجب فلا يصدق عليه.

стр. 896

(خطاب الوضع) قال: (مسألة: خطاب الوضع كالحكم على الوصف بالسببية الوقتية كالزوال والمعنوية كالإسكار والملك والضمان والعقوبات، وبالمانعية للحكم لحكمة تقتضى نقيض الحكم كالأبوة فى القصاص، وللسبب لحكمة تخل بحكمة السبب كالدين فى الزكاة فإن كان المستلزم عدمه فهو شرط فيهما كالقدرة على التسليم والطهارة). أقول: الأحكام الثابتة بخطاب الوضع أصناف، منها: الحكم على الوصف بالسببية، وهو: جعل وصف ظاهر منضبط مناطًا لوجود حكم، فلله تعالى فى الزنا حكمان: وجوب الجلد، وسببية الزنا له، وتنقسم بحكم الاستقراء إلى الوقتية، كزوال الشمس لوجوب الصلاة، والمعنوية كالإسكار للتحريم وكأسباب الملك والضمان والعقوبات ولولا تصريحه بذلك فى المنتهى لم يبعد جعلها أمثلة للأسباب لاقترانها بالسكر، وإنما هو سبب، ومنها الحكم على الوصف بكونه مانعًا وهو ينقسم إلى مانع للحكم ومانع للسبب، أما المانع للحكم فهو ما استلزم حكمة تقتضى نقيض الحكم كالأبوة فى القصاص، فإن كون الأب سببًا لوجود الابن يقتضى أن لا يصير الابن سببًا لعدمه، وأما المانع للسبب فهو ما يستلزم حكمة تخل بحكمة السبب كالدين فى الزكاة، فإن حكمة السبب وهو الغنى مواساة الفقراء من فضل ماله، ولم يدع الدين فى المال فضلًا يواسى به، ومنها الحكم على الوصف بكونه شرطًا للحكم وحقيقته أن عدمه مستلزم لعدم الحكم كما أن المانع وجوده مستلزم لعدم الحكم فبالحقيقة عدمه مانع وذلك لحكمة فى عدمه تنافى حكمة الحكم أو السبب فالحكم كالقدرة على التسليم فإن عدمها ينافى حكم البيع وهو إباحة الانتفاع والسبب كالطهارة للصلاة فإن عدمها ينافى تعظيم البارى وهو السبب لوجوب الصلاة. قوله: (وكأسباب الملك) يعنى أن البيع سبب للملك وأن الغصب ونحوه من الإتلافات سبب للضمان وأن مثل الزنا سبب للعقوبة التى هى الحد ولولا أنه

стр. 897

صرح فى المنتهى بأن المراد أسباب هذه الأمور لم يبعد أن يجعل الملك ونحوه عطفًا على السكر الذى هو سبب لوجود الحد فتكون هذه أيضًا أسبابًا فإن الملك سبب إباحة الانتنفاع والضمان سبب براءة الذمة والعقوبات سبب سقوط المطالبة الدنيوية والإنصاف أن هذا فى غير الملك بعيد. قوله: (وأما المانع للسبب) يريد أن الحكم وجوب الزكاة وسببه الغنى والحكمة فيه وفى سببيته مواساة الفقراء والدين يستلزم عدم بفاء فهل نواسى به وهذا حكمة تخل بالمواساة فيكون الدين مانعًا لاستلزامه حكمة تخل بحكمة السبب. قوله: (وحقيقته) أى حقيقة كون الوصف شرطًا أن عدم ذلك الوصف مستلزم لعدم الحكم فعدمه مانع وقد سبق أن المانع إنما يكون مانعًا لما فيه من حكمة تخل بحكمة الحكم أو السبب فكذا كون عدم الوصف مانعًا يكون لما فيه من حكمة تنافى حكمة الحكم أو السبب وهذا معنى قوله فيهما فحكم البيع إباحة الانتفاع والقدرة على التسليم شرطه فإن عدمها وهو العجز عن التسليم ينافى حكم البيع وهو إباحة الانتفاع ويلزم من هذا أن يكون فى عدم القدرة على التسليم حكمة منافية لحكمة حكم البيع إذ تنافى اللوازم يستلزم تنافى الملزومات لكنه مبنى على تحقيق حكمتين إحداهما فى عدم القدرة والأخرى فى إباحة الانتفاع ليكونا ملزومين فيتنافيان وكذا فى شرطية الطهارة للصلاة الحكم هو وجوب الصلاة وسببه تعظيم البارى وعدم الطهارة ينافى ذلك، لكن ينبغى أن يبين أن فى عدم الطهارة حكمة تنافى الحكمة فى تعظيم اللَّه تعالى، فالكلام قاصر عن إفادة المرام، وقال بعض الشارحين: ثبوت الملك حكم، وصحة البيع سببه وإباحة الانتفاع حكمة صحة البيع والقدرة على التسليم شرط صحة البيع، لأن عدم القدرة على التسليم تستلزم عدم القدرة على الانتفاع الموجب لاختلال إباحة الانتفاع وهذا حصول الثواب أو دفع العقاب حكم والصلاة سببه وحكمة الصلاة التوجه إلى جناب الحق والطهارة شرط الصلاة لأن عدمها يستلزم ما يقتضى نقيض الحكم، أعنى عدم حصول الثواب وعدم دفع العقاب مع بقاء حكمة الصلاة وقال الشارح العلامة: البيع سبب ثبوت الملك وحكمة البيع حل الانتفاع بالمعقود عليه وهو موقوف على القدرة على الانتفاع وهى على القدرة على التسليم فعدمها يخل بحكمة السبب وشرط الحكم ما اشتمل عدمه على حكمة تقتضى نقيض حكم

стр. 898

السبب مع بقاء حكمة السبب فعدم الطهارة مع الإتيان بمسمى الصلاة يشتمل على ما يقتضى نقيض حكم السبب أعنى عدم الثواب فإنه نقيض حصول الثواب الذى هو حكم السبب أعنى الصلاة مع بقاء حكمة السبب وهو التوجه إلى جناب القدوس. المصنف: (مسألة خطاب الوضع) سبق أن المصنف يرى دخول خطاب الوضع فى الحكم وأن الحكم يعم الخطاب التكليفى والوضعى. المصنف: (بالسببية الوقتية) أى بأن الوقت المخصوص سبب. المصنف: (تقتضى نقيض الحكم) ظاهره أن المدار على اقتضاء حكمة المانع نقيض الحكم من غير اعتبار حكمة للحكم تكون حكمة المانع منافية لها وكذا مقتضى كلام الشارح وهو خلاف ما يعطيه كلام المحشى ويحتمل تنزيل كلام المصنف والشارح عليه بأن يقال تقتضى نقيض الحكم لمنافاتها لحكمته. المصنف: (فإن كان المستلزم عدمه) أبى فإن كان عدم الوصف هو الذى استلزم الإخلال فالوصف شرط فيهما أى فى استلزام عدمه الإخلال بحكمة الحكم بأن اشتمل على حكمة تنافى حكمة الحكم وفى استلزامه الإخلال بحكمة السبب بأن اشتمل العدم على حكمة تخل بحكمة السبب. المصنف: (كالقدرة على التسليم والطهارة) المتبادر أن الأول لما فى عدمه الإخلال بحكمة الحكم والثانى لما فى عدمه الإخلال بحكمة السبب وعليه حل الشارح المحقق وغيره قد جعل الأمر بالعكس على ما ستعرفه مما نقله المحشى. قوله: (عطفًا على السكر) الأولى الإسكار إذ هو الذى فى عبارة المصنف. قوله: (والضمان سبب براءة الذمة) لعله أراد بالضمان غرم بدل المتلف إذ لو أراد به شغل الذمة بالبدل لكان سببًا للمطالبة لا براءة الذمة كما قال. قوله: (والإنصاف أن هذا فى غير الملك بعيد) وجهه أن ليس غيره سببًا لحكم هو أحد الأحكام الخمسة إلا أن يقال: إن المراد بالحكم كل ما ترتب على شئ كما سنذكره. قوله: (وقد سبق أن المانع إنما يكون مانعًا لما فيه من حكمة تخل بحكمة الحكم) الذى سبق أن المانع إنما يكون مانعًا لحكمة تقتضى نقيض الحكم فإذا أول بما تقدم

стр. 899

أمكن أن يكون قد سبق ذلك. قوله: (فحكم البيع إباحة الانتفاع) أعلم أن الحكم فى هذا الوضع ليس قاصرًا على الوجوب وأخواته بل يشمل كل ما ترتب على شئ وقوله: والقدرة على التسليم شرطه أى شرط حكم البيع هذا ظاهره مع أن القدرة المذكورة شرط لصحة البيع الذى هو سبب لحل الانتفاع؛ فإن اعتبر أنها وإن كانت شرطًا فى صحة البيع لكن لما ترتب على عدمها نقيض حكم البيع كانت شرطًا فى الحكم بهذا الاعتبار كان واضحًا. قوله: (حكمة منافية لحكمة حكم البيع) الحكمة المنافية هى عدم إمكان الانتفاع بالمبيع. قوله: (إذ تنافى اللوازم يستلزم تنافى الملزومات) إذا كان عدم القدرة ملزومًا لحكمة وإباحة الانتفاع ملزومًا لحكمة وقلنا: إن عدم القدرة مناف لإباحة الانتفاع وقلنا: إنه يلزم من تنافيهما تنافى حكمتيهما لا يناسب أن يقال: إذ تنافى اللوازم يستلزم تنافى الملزومات استدلالًا على ذلك بل أن يقال: إن تنافى الملزومات يستلزم تنافى اللوازم إلا أن يكون المعنى أنه إذا كان تنافى اللوازم يستلزم تنافى الملزمات وقد وجدنا الملزومين هنا متنافين فيكون ذلك دليلًا على تنافى اللازمين فتأمله. قوله: (ليكونا ملزومين) أى فيكون عدم القدرة وإباحة الانتفاع ملزومين فيتنافيان. قوله: (وسببه تعظيم البارى) وحكمة ذلك السبب هى حسن الأدب كما أن حكمة عدم الطهارة سوء الأدب. قوله: (وعدم الطهارة ينافى ذلك) الطهارة شرط فى صحة الصلاة وعدمها ينافى الصحة لكن بالنسبة للوجوب الذى جعل حكمًا للصلاة لا ينافيه وإنما ينافى سببه وهو تعظيم اللَّه تعالى فجعلت شرطًا فى السبب بهذا الاعتبار. قوله: (ثبوت الملك. . . إلخ) على هذا تكون القدرة شرطًا للسبب والطهارة شرطًا للحكم. قوله: (وقال الشارح العلامة) هو كالذى قبله.

стр. 900

قال: (وأما الصحة والبطلان أو الحكم بهما فأمر عقلى لأنها إما كون الفعل مسقطًا للقضاء وإما موافقة أمر الشرع والبطلان والفساد نقيضها الحنفية، الفاسد المشروع بأصله الممنوع بوصفه، وأما الرخصة فالمشروع لعذر مع قيام المحرّم لولا العذر كأكل الميتة للمضطر والقصر والفطر فى السفر واجبًا ومندوبًا ومباحًا). أقول: لفظ الصحة والبطلان يستعمل فى العبادات تارة وفى المعاملات أخرى أما فى العبادات فالصحة عند المتكلمين موافقة أمر الشرع وإن وجب القضاء كالصلاة بظن الطهارة وعند الفقهاء كون الفعل مسقطًا للقضاء، لا يقال القضاء حينئذ لم يجب فكيف يسقط لأنا نقول المعنى رفع وجوبه، وهو مناقشة لفظية، وأما فى المعاملات فترتب الأثر المطلوب منها عليها، ولو فسرناها فى العبادات به ورجعنا الخلاف إلى الخلاف فى ثمرتها لكان حسنًا والبطلان نقيضها فيهما، والفساد يرادف البطلان، وقالت الحنفية: الباطل من المعاملات هو اللامشروع بأصله، كبيع الملاقيح، والفاسد المشروع بأصله دون وصفه، كالزنا ولذلك قالوا: إذا طرح الزيادة صح، ولم يحتج إلى تجديد عقد وإن ثبت لهم ذلك لم نناقشهم فى التسمية، إذا عرفت ذلك فاعلم أنه قد يظن أن الصحة والبطلان فى العبادات من جملة أحكام الوضع فأنكر ذلك إذ بعد ورود أمر الشرع بالفعل فكون الفعل موافقًا للأمر أو مخالفًا وكون ما فعل تمام الواجب حتى يكون مسقطًا للقضاء وعدمه لا يحتاج إلى توقيف من الشارع بل يعرف بمجرد العقل فهو ككونه مؤديًا للصلاة وتاركًا لها، سواء بسواء، فلا يكون حصوله فى نفسه ولا حكمنا به بالشرع فلا يكون من حكم الشرع فى شئ بل هو عقلى مجرد، ومنها: الرخصة وهو ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام المحرّم لولا العذر والعزيمة بخلافها، وحاصله أن دليل الحرمة إذا بقى معمولًا به وكان التخلف عنه لمانع طارئ فى حق المكلف، لولاه لثبتت الحرمة فى حقه، فهو الرخصة وإلا فالعزيمة، فخرج من الرخصة الحكم ابتداء وما نسخ تحريمه أو خصص من دليل محرّم، ثم الرخصة قد تكون واجبًا، كأكل الميتة للمضطر أو مندوبًا كالقصر فى السفر أو مباحًا كالفطر فى السفر. قوله: (ولو فسرناها) يعنى يحسن أن يقال الصحة مطلقًا عبارة عن ترتب الأثر

стр. 901

المطلوب من الحكم عليه إلا أن المتكلمين يجعلون الأثر المطلوب فى العبادات هو موافقة أمر الشرع والفقهاء يجعلونه دفع وجوب القضاء فمن ههنا اختلفوا فى صحة الصلاة بظن الطهارة فلا يكون الخلاف فى تفسير صحة العبادات بل فى تعيين الأثر المطلوب منها. قوله: (والبطلان نقيضها) أى نقيض الصحة فى العبادات والمعاملات فهو فى العبادات عبارة عن عدم ترتب الأثر عليها أو عن عدم سقوط القضاء وفى المعاملات عن عدم ترتب الأثر المطلوب فيها عليها وليس فى كلام المصنِّف تعرض للصحة والبطلان فى المعاملات، اللهم إلا أن يتكلف فتدرج الصحة فى موافقة أمر الشارع فلذا صرح الشارح المحقق بأن ما أورد فى المتن مختص بصحة العبادات ثم أورد تفسير الجمهور لصحة المعاملات وأشار إلى أنه يمكن اطراده فى العبادات أيضًا وإلى أن ثمرتها موافقة أمر الشارع أو إسقاط القضاء لا حصول الثواب ليرد اعتراض العلامة بأن الثواب قد لا يترتب على الصلاة الصحيحة فيحتاج إلى جوابه بأن المراد جواز ترتب الثمرة لا وجوبه ثم لا يخفى أن المراد بالأثر فى المعاملات ما يترتب عليها شرعًا كحصول ملك العين وحل الانتفاع فى البيع ومنفعة البضع فى النكاح لا حصول الانتفاع وحصول التوالد والتناسل حتى يرد الاعتراض بأن مثل التوالد قد يترتب على الفاسد وقد يتخلف عن الصحيح. قوله: (وقالت الحنفية) المعتبر فى الصحة عندهم وجود الأركان والشرائط مما ورد فيه نهى وثبت قبح وعدم مشروعية فإن كان ذلك باعتبار الأصل فباطل، أما فى العبادات فكالصلاة بدون بعض الشرائط والأركان، وأما فى المعاملات فكبيع الملاقيح وهى ما فى البطن من الأجنة لانعدام ركن البيع أعنى المبيع وإن كان باعتبار الوصف ففاسد، كصوم الأيام المنهية فى العبادات وكالربا فى المعاملات فإنه اشتمل على فضل خال عن العوض والزائد فرع عن المزيد عليه فكان بمنزلة وصف وأيضًا وجد أصل مبادلة المال بالمال لا وصفها الذى هو المبادلة التامة وإن كان باعتبار أمر مجاور فمكروه لا فاسد كالصلاة فى الدار المغصوبة والبيع وقت نداء الجمعة فظهر أن التقييد بالمعاملات ليس على ما ينبغى. قوله: (وإن ثبت لهم ذلك) أى صحة بيع الدار عند طرح الزيادة لم نناقشهم فى تسمية الأول باطلًا، والثانى فاسدًا إذ لا مشاحة فى الاصطلاحات.

стр. 902

قوله: (قد يظن أن الصحة والبطلان فى العبادات) قيد بذلك لأن الدليل الذى أورد فى المتن يخصه حيث زعم أن الصحة إما كون الفعل مسقطًا للقضاء وإما موافقة أمر الشارع هذا والمقام لا يخلو عن خلل حيث أطلق الصحة والبطلان أولًا وخص التفسير بالعبادات وأدرج الشارح تفسير المعاملات ثم أطلق تفسير الفاسد للحنفية وخصه الشارح بالمعاملات ثم خص ما ظن أنه من أحكام الوضع بالعبادات. قوله: (ومنها الرخصة) جعل الآمدى أصناف خطاب الوضع ستة: الحكم بالسببية والشرطية والمانعية والصحة والبطلان، والسادس العزيمة والرخصة، والمصنف قرر الثلاثة الأول وصرح بنفى كون الصحة والبطلان منها، ثم قال: وأما الرخصة فلم يشعر كلامه بإثبات أو نفى إلا أن نظمه فى أسلوب الصحة حيث قال: وأما الصحة وأما الرخصة ربما أشعر بأنه ليس من أحكام الوضع والشارح نظمه فى أسلوب الثلاثة الأول حيث قال: ومنها الرخصة إلا أن تطابق المتن والشرح على أنها تكون واجبًا ومندوبًا ومباحًا ينفى كونها من خطاب الوضع بل خطاب الاقتضاء والتخيير، ومن دأب الشارح المحقق فى أمثال هذه المقامات أن يجمل الكلام إجمالًا. قوله: (والعزيمة بخلافها) ذكر فى المنتهى أن العزيمة ما ألزم من الأحكام لا لذلك أى لا لعذر مع قيام المحرّم لولا العذر والظاهر أنه مختص بالواجب إلا إذا أريد بألزم أثبت وشرع فيعم وهو اللائق بكلام الشارح لكنه مخالف لاصطلاح الجمهور. قوله: (وحاصله) يعنى أن معنى المحرم دليل الحرمة ومعنى قيامه بقاؤه معمولًا به ومعنى العذر ما يطرأ فى حق المكلف فيمنع حرمة الفعل أو الترك الذى دل الدليل على حرمته ومعنى قوله: لولا العذر أن المحرم كان محرمًا ومثبتًا للحرمة فى حقه أيضًا لولا العذر فهو قيد لوصف التحريم لا للقيام فليتأمل، وقوله: فهو الرخصة الضمير للحكم الثابت بطريق التخلف عن المحرم وهو أعم من الفعل كأكل الميتة والترك كصوم المسافر وصلاته الرباعية ولذا عدل عما ذكره غيره وهو ما جاز فعله لعذر مع قيام السبب الحرم وإن جاز أن يوجد الفعل شاملًا للترك أيضًا بناء على أنه كف فخرج من الرخصة الحكم ابتداء لأنه لا محرّم وخرج ما نسخ

стр. 903

تحريمه لأنه لا قيام للمحرم حيث لم يبق معمولًا به وخرج ما خص من دليل المحرّم لأن التخلف ليس لمانع فى حقه بل التخصيص بيان أن الدليل لم يتناوله وخرج أيضًا وجوب الإطعام فى كفارة الظهار عند فقد الرقبة لأنه الواجب ابتداء على فاقد الرقبة كما أن الإعتاق هو الواجب ابتداء على واجدها وكذا خرج التيمم على فاقد الماء لأنه الواجب فى حقه بخلاف التيمم للجرح ونحوه وقوله: وإلا فعزيمة معناه وإن لم يكن الحكم كذلك فعزيمة وظاهره أن الحكم منحصر فى الرخصة والعزيمة والحق أن الفعل لا يتصف بالعزيمة ما لم يقع فى مقابلة الرخصة، وتمام تحقيق هذه المباحث فى أصول الحنفية. قوله: (أو مباحًا) إن أراد به ما تساوى فعله وتركه لم يصح التمثيل بفطر المسافر لأنه إن تضرر فالفطر أحب وإلا فالصوم وإن أراد أعم من ذلك مثل ما أذن فيه الشارع لاندرج فيه المندوب. الشارح: (ومنها الرخصة) أى الحكم بأن الحكم رخصة أو عزيمة من أحكام الوضع لا نفس الرخصة والعزيمة. قوله: (إلا أن تطابق المتن والشرح. . . إلخ) علمت أن الكلام ليس فى نفس الرخصة بل فى الحكم بالرخصة فلا منافاة بين تقسيم الرخصة إلى الواجب والمندوب والمباح وبين جعل الحكم بها من خطاب الوضع.

стр. 904

(المحكوم فيه) قال: (المحكوم فيه: الأفعال: مسألة: شرط المطلوب الإمكان، ونسب خلافه إلى الأشعرى، والإجماع على صحة التكليف بما علم اللَّه أنه لا يقع لنا لو صح التكليف بالمستحيل لكان مستدعى الحصول لأنه معنى الطلب ولا يصح لأنه لا يتصور وقوعه واستدعاء حصوله فرعه لأنه لو تصوّر مثبتًا لزم تصور الأمر على خلاف ماهيته وهو محال، فإن قيل: لو لم يتصوّر لم يعلم إحالة الجمع بين الضدين لأن العلم بصفة الشئ فرع تصوّره، قلنا الجمع المتصوّر جمع المختلفات وهو المحكوم بنفسه ولا يلزم من تصوّره منفيًا عن الضدين تصوّره مثبتًا، فإن قيل: متصوّر ذهنًا للحكم عليه ولا فى الخارج؟ قلنا فيكون الخارج مستحيلًا والذهنى بخلافه. وأيضًا يكون الحكم بالاستحالة على ما ليس بمستحيل، وأيضًا الحكم على الخارج يستدعى تصوره للخارج). أقول: فرغ من أبحاث الحكم وشرع فى المحكوم فيه، وهو: أفعال المكلفين، وفيه مسائل، هذه أولاها: شرط المطلوب الإمكان، فلا يجوز طلب المحال والتكليف به عند المحققين ونسب خلافه إلى الأشعرى، ولم يثبت تصريحه به والإجماع منعقد على صحة التكليف بما علم اللَّه أنه لا يقع وإن ظن قوم أنه ممتنع لخيره، لنا لو صح التكليف بالمستحيل لكان المستحيل مستدعى الحصول واللازم باطل، أما الملازمة فلأن التكليف به هو الطلب وهو استدعاء الحصول، وأما بطلان اللازم فلأنه لا يتصور وقوعه واستدعاء حصوله فرع تصوّر الوقوع وموقوف عليه، فإذا انتنهى انتفى، وإنما قلنا: لا يتصوّر وقوعه لأنه لو تصوّر لتصوّر مثبتًا، ويلزم منه تصوّر الأمر على خلاف ماهيته؛ فإن ماهيته تنافى ثبوته وإلا لم يكن ممتنعًا لذاته فما يكون ثابتًا فهو غير ماهيته، وحاصله أن تصوّر ذاته مع عدم ما يلزم ذاته لذاته يقتضى أن تكون ذاته غير ذاته ويلزم قلب الحقائق؛ وتوضيحه أنا لو تصورنا أربعة ليس بزوج وكل ما ليس بزوج ليس بأربعة، فقد تصوّرنا أربعة ليست بأربعة فالمتصوّر لنا أربعة وليس بأربعة هذا خلف، فإن قيل: لو لم يتصوّر المستحيل لم يتصوّر الجمع بين الضدين فامتنع العلم بإحالة الجمع بين الضدين لأن إحالة

стр. 905

الجمع بينهما صفة الجمع بينهما والعلم بثبوت الصفة للشئ فرع تصوّر ذلك الشئ. قلنا: نحن لا ندعى انتفاء تصوّر المستحيل مطلقًا بل انتفاء تصوره مثبتًا وهو أخص ولا يلزم من نفى الأخص نفى الأعم، والذى ذكرتم يستدعى تصوّره مطلقًا لا تصوّره مثبتًا فلا يضرنا، وبيانه أن المتصوّر هو الجمع بين المختلفات كالسواد والحلاوة، وهو المحكوم بنفيه عن الضدين فقد تصوّر فى الضدين منفيًا لا مثبتًا، فإن قيل المستحيل متصور ثبوته ذهنًا لأنا نحكم عليه بالحكم الثبوتى بأنه معدوم ومستحيل وثبوت الشئ لغيره فرع ثبوته فى نفسه، فهو ثابت، وإذ ليس فى الخارج فهو فى الذهن وذلك كاف فى طلبه، قلنا ما ذكرتم باطل لوجوه: الأول: أنه يكون الخارج مستحيلًا، والذهنى بخلافه، وهو المتصوّر فلا يكون المستحيل هو المتصوّر. الثانى: أن الحكم بالامتناع على المتصوّر، وقد ذكرت أن ذلك هو الذهنى وهو غير ممتنع فقد حكمت بالامتناع على ما ليس بممتنع. الثالث: أن تصوّره ذهنًا لا يكفيكم ولا يضرنا؛ لأن حكم الذهن على الخارج بالامتناع يستدعى تصوره للخارج وبينا أنه لا يتصوّر لأنه تصوّر الأمر على خلاف حقيقته. قوله: (والإجماع منعقد على صحته) بل على وقوعه كتكليف الكافر بالإيمان والعاصى بالطاعة وإنما الخلاف فيما أمكن فى نفسه لكن لا تتعلق به القدرة الحادثة عادة سواء امتنع لا لنفس مفهومه كخلق الأجسام أم لم يمتنع كحمل الجبل والطيران إلى السماء فجوزه الأشاعرة وإن لم يقع وأما ما يكون مستحيلًا بالنظر إلى نفس مفهومه كجمع الضدين وقلب الحقائق فجواز التكليف فيه فرع تصوره فمنهم من قال: لو لم يتصور لامتنع الحكم بامتناع تصوره وطلبه ومنهم من قال: طلبه يتوقف على تصوره واقعًا، وهو منتف ههنا فإنه إنما يتصور إما منفيًا بمعنى أنه ليس لنا شئ موهوم أو محقق هو اجتماع الضدين أو بالتشبيه بمعنى أن يتصور اجتماع المخالفين كالسواد والحلاوة ثم يحكم بأن مثله لا يكون بين الضدين وذلك غير تصور وقوعه ولا مستلزم له كذا فى الواقف. قوله: (وإن ظن قوم أنه ممتنع لغيره) يشير إلى أن الصحيح استناد الكل إليه

стр. 906

بطريق الاختيار من غير أن يتأدى إلى وجوب أو امتناع. قوله: (فإن ماهيته تنافى ثبوته) إشارة إلى أنه لا ينتقد بما علم اللَّه أنه لا يقع إذ لا يلزم من تصوره مثبتًا تصور الأمر على خلاف ماهيته. قوله: (فإن قيل) حاصل السؤال إثبات أن المستحيل متصور الثبوت ذهنًا فتكون معارضة فى المقدمة القائلة بأن المستحيل لا يتصور وقوعه وإذا ضم إليه قولنا: وكل ما يتصور ثبوته يصح طلبه على ما يشعر به قوله: وذلك كاف فى طلبه، كان معارضة فى أصل الدعوى أو ابتداء دليل للمخالف من غير قصد إلى المقابلة أو الممانعة، وإنما ذكر فى هذا المقام وعلى طريق السؤال لشدة ملاءمته لدليل الخصم، نعم لما كان المذهبان على طرفى النقيض كان دليل كل منهما معارضة لدليل الآخر من جهة المعنى، وأما الأجوبة فتقريرها على ما فى الشارح ظاهر وإنما الكلام فى توجيهها وكأن الأول معارضة ولا يتوجه إلا إذا جعل السؤال دليلًا للمخالف وبالجملة فحاصله أن المستحيل هو الخارجى ليس هو الذهنى وهو ظاهر والمتصور هو الذهنى لأنه الحاصل فى العقل فليس المستحيل هو المتصور فإن قيل عدم الحصول فى الذهن لا يوجب عدم التصور، فإن المتصور هو الذى حصل فى العقل صورته لا هو نفسه، قلنا: إنما يكون ذلك فيما له صورة والمستحيل ليس كذلك، وفيه نظر، والثانى: نقض إجمالى، أى: لو صح ما ذكرتم لزم الحكم بالامتناع على ما ليس بممتنع. بيانه: أن المحكوم عليه فى قولنا: اجتماع النقيضين مستحيل وممتنع ونحو ذلك هو المتصور وقد ذكر فى تقرير السؤال أن المحكوم عليه المتصور ذهنى ثابت فى الذهن ومعلوم أن الثابت فى الذهن ليس بممتنع فالمحكوم عليه بالامتناع ليس بممتنع، وجوابه: أن المحكوم عليه فى القضية وإن كان متصورًا لكن لا يكون الحكم على الصورة الذهنية بل على ما له تلك الصورة وهو ذات الممتنع مثلًا، ولو سلم فعدم امتناع الذهنى إنما هو فى الذهن والحكم إنما هو بالامتناع فى الخارج، وحاصل معنى قولنا: اجتماع النقيضين ممتنع أن المعنى الحاصل فى الذهن من هذا اللفظ يمتنع أن يوجد له فى الخارج فرد يطابقه. وأما الثالث: فلا أرى له توجيهًا لأن امتناع طلب المستحيل لما كان مبنيًا على أنه لا يتصور ثبوته كما سبق فى تقرير الدليل كان تصور ثبوت المستحيل ذهنًا كافيًا لما ذهبنا إليه من صحة طلبه نافيًا لما ذكرتم من امتناع تصور وقوعه فيكفينا ويضركم

стр. 907

اللهم إلا أن يجعل امتناع الطلب مبنيًا على أنه لا يتصور ثبوته فى الخارج وحينئذٍ يقع قوله: لأن حكم الذهن مرتبطًا أى الحكم بالامتناع ليس على الخارج حتى يلزم تصور المحكوم عليه مثبتًا فى الخارج وإلا فليس له كثير دخل فى عدم الكفاية والمضرة ولم يدع المعارض والمستدل حكم الذهن على الخارج بل صرح بأن المحكوم عليه بالامتناع لا ثبوت له إلا فى الذهن، هذا غاية ما أمكن فى هذا المقام، وتقرير غيره من الشارحين قاصر عن إفادة المرام، لأن أقرب ما قالوا هو أن السؤال معارضة ثانية فى المقدمة أو اعتراض على جواب العارضة الأولى توجيهه أنه يلزم من تصور الجمع بين الضدين تصوره مثبتًا فى الذهن لكونه محكومًا عليه فيكون حاصلًا فى الذهن فيتصور ثبوته فيه ولا يتصور وقوع الجمع بين الضدين فى الخارج حتى يلزم تصور الأمر على خلاف ما عليه، وأما الأجوبة الثلاثة: فتقرير الأول: أن اجتماع الضدين لو كان متصورًا ذهنًا لكان الحكم باستحالته إنما هو بحسب الخارج دون الذهن ضرورة ثبوت المحكوم عليه فى الذهن فتصور وقوعه ذهنًا يكون تصور وقوع الممكن، والنزاع إنما هو فى تصور وقوع الحال أو أنه لو كان ثابتًا فى الذهن لكان ثابتًا فى الخارج لأن الذهن ثابت فى الخارج واللازم باطل لأنه لا مستحيل فى الخارج. وتقرير الثانى: أنه يكون الحكم بالاستحالة الذاتية على ما ليس بمستحيل بالذات لأن المستحيل بالذات ما يمتنع تصوره أو أن الجمع بين الضدين فى الذهن غير مستحيل فيكون الحكم باستحالته حكمًا باستحالة ما ليس بمستحيل. وأما فى الثالث: فلم يذكروا شيئًا يعتد به وفى بعض الشروح أن الثالث من تتمة الثانى، وكلاهما جواب واحد حاصله أن المستحيل إذا تصور ذهنًا فالحكم بالاستحالة إما على الذهنى وهو باطل لأنه غير مستحيل وإما على الخارجى وهو محال لأنه غير متصور، واعلم أن المتصور قد يراد به ما يمكن أن يكون له حصول خارجى وينبغى أن يكون بلفظ اسم الفاعل وإن اشتهر بلفظ اسم المفعول وقد يراد به ما له حصول عقلى وحينئذٍ لا يعتد بالذهن فلا يقال هذا متصور ذهنًا، وإذا تأملت كلامهم فى هذا المقام اطلعت على ابتناء بعض المغالطة على عدم الفرق بين المعنيين. قوله: (وبيانه) ذكر فى المواقف نقلًا عن الشفاء أن المستحيل لا تحصل له صورة

стр. 908

فى العقل فلا يمكن أن يتصور شئ هو اجتماع النقيضين فتصوره إما على طريق التشبيه بأن يعقل بين السواد والحلاوة أمر هو الاجتماع ثم يقال مثل هذا الأمر لا يمكن حصوله بين السواد والبياض وإما على سبيل النفى بأن يعقل أنه لا يمكن أن يوجد مفهوم هو اجتماع السواد والبياض وبالجملة فلا يمكن تعقله بماهيته بل باعتبار من الاعتبارات وههنا قد جمع بين الطريقين وخلط أحدهما بالآخر على ما هو ظاهر المتن. قوله: (بالحكم الثبوتى) يعنى حكمًا إيجابيًا كقولنا اجتماع النقيضين محال ومعدوم فإنه موجبه نظرًا إلى الظاهر فيستدعى ثبوت الموضوع وليس فى الخارج فهو فى الذهن وهذا بخلاف السالبة فإنه ربما يمنع لزوم ثبوت موضوعها إذ قد سلب عنه الشئ ونفى وهو لا يقتضى ثبوته. المصنف: (شرط المطلوب الإمكان) إنما قال شرط المطلوب إشارة إلى أن الكلام ليس فى ورود صيغة الطلب بل فى نفس الطلب النفسانى ثم المراد أن الإمكان شرط ثبتت شرطيته عقلًا كما جرى عليه المصنف حيث قال: لو صح لكان. . . إلخ. فإنه دليل عقلى والمراد بالإمكان الإمكان العقلى والعادى أى أن يكون المطلوب ممكنًا عقلًا وعادة فما أمكن فى ذاته وامتنع لعدم إمكانه عادة وما لم يكن ممكنًا فى ذاته بل امتنع لنفس مفهومه فيه النزاع وعليه فالدليل أخص من المدعى وقال الشيرازى: إن المراد الممكن لذاته وإن امتنع لعادة أو غيرها كما هو ظاهر المصنف وقيل: إن النزاع فيما أمكن فى ذاته وامتنع لعدم تعلق القدرة به عادة وأما ما لم يمكن فى ذاته فمتفق على عدم جوازه. المصنف: (ونسب خلافه للأشعرى) لم يصرح الأشعرى بالخلاف وإنما ذلك قضية مذهبه. المصنف: (لنا لو صح. . . إلخ) المصنف إن قال بعدم جواز التكليف بالمستحيل كما قال جمهور المعتزلة إلا أن المصنف يخالفهم فى المأخذ فمأخذه ما ذكره بقوله: لو صح. . . إلخ. ومأخذهم هو قبح التكليف به وأيضًا مأخذ القدرية أن الآمر يريد وقوع المأمور لأن الجمع بين علمه تعالى بأنه لا يقع وإرادة وقوعه تناقض. المصنف: (لكان مستدعى الحصول لأنه معنى الطلب) لا حاجة لهذا التطويل بل

стр. 909

يكفى أن يقول لو صح التكليف بالمستحيل لكان مطلوبًا. المصنف: (لأنه معنى الطلب) أى التكليف هو معنى الطلب وهو دليل على الصغرى وقوله: ولا يصح كونه مستدعى الحصول هذا هو بطلان اللازم وقوله: لأنه لا يتصور وقوعه أى وما لا يتصور وقوعه لا يكون مستدعى الحصول استدلال على بطلان اللازم وقوله: لأنه لو تصور. . . إلخ استدلال على مقدمة هذا الدليل القائلة: إنه لا يتصور وقوعه، وقوله: فإن قيل لو لم يتصور. . . إلخ. معارضة لقوله: لأنه لا يتصور وقوعه وقوله: لم يعلم أى لم يصدق مع أن التصديق حاصل وقوله: قلنا الجمع التصور حاصله الفرق بين ما يقتضيه طلب المستحيل من تصوره مثبتًا وما يقتضيه الحكم بإحالة اجتماع الضدين من تصوره منفيًا وفى التحرير منع توقف التكليف بالجمع بين الضدين على تصوره واقعًا بل يكفى فيه تصور الاجتماع الممكن ثم طلبه للضدين فيستدعى فى الطلب مثل ما يستدعيه فى الحكم وقوله: فإن قيل متصور ذهنًا. . . إلخ. يحتمل أن يكون المعنى فإن قيل ذلك جوابًا عن السؤال المتقدم فى قوله فإن قيل: لو لم يتصور لم يعلم إحالة الجمع بين الضدين وحاصله أن العلم بإحالة الجمع بين الضدين يستلزم تصوره وثبوته ذهنًا لا خارجًا والمدعى أنه لا يتصور وقوعه خارجًا وحاصل رده أنه يلزمه أن المتصور ليس هو المستحيل الذى هو الجمع المذكور فى هذا الفرض وأن الحكم بالإحالة على ما ليس بمستحيل وأن الحكم على الخارج وهو الجمع بين الضدين مثلًا يستدعى تصوره للخارج. المصنف: (ولا فى الخارج) أى وليس ثابتًا فى الخارج فليكن ثابتًا فى الذهن. المصنف: (وأيضًا الحكم على الخارج. . . إلخ) يصح أن يكون منعًا للكبرى المحذوفة بعد قوله متصور ذهنًا للحكم عليه تقديرها وكل متصور ذهنًا يصح طلبه وحاصل المنع أن الطلب يستدعى تصور المطلوب ثابتًا فى الخارج، والمتصور ذهنًا للحكم عليه لم يتصور ثابتًا فى الخارج. الشارح: (ولم يثبت تصريحه به) أى وإنما أخذ من قوله إن القدرة مع الفعل وإن أفعال العباد لمخلوقة له تعالى أما من الأول: فلأنه لما لم تكن القدرة حال التكليف الذى هو قبل الفعل صار الفعل غير مقدور ومستحيلًا بالنسبة إلى المكلف، وأما من الثانى: فلأن أفعال العباد لما لم تكن مقدورة للعبد استحالت منه

стр. 910

والحق أنه لا يلزم الأشعرى التكليف بالمحال لأن القدرة إنما تجب فى زمن الإيقاع حتى يتحقق الامتثال لا زمن التكليف فلم يكن التكليف بما هو غير مقدور حال الإيقاع والتكليف عنده لا يتعلق إلا بالكسب لا بالإيجاد على أن الكلام فى المستحيل لذاته وليس فى كلام الأشعرى ما يؤخذ منه جوازه أصلًا. الشارح: (وإن ظن قوم أنه ممتنع لغيره) أى ظن قوم أن ما تعلق علم اللَّه بأنه لا يقع ممتنع ومستحيل لغير ذاته مع أنه ليس محالًا كما قاله الغزالى وطائفة من المحققين بل هو ممكن مقطوع بعدم وقوعه لأن كل ممكن عادة فهو ممكن عقلًا ولا عكس، وفيه أن الوصف بالمحالية التى لا تجامع الإمكان هو الوصف بالمحالية الذاتية وليست هى المرادة فى قولهم: محال لغيره غايته أن إطلاق المحال على الممكن الذى منع من أحد طرفيه مانع مجاز والتقييد بقولهم: لغيره قرينة ذلك إلا أن يقال لا يطلق المحال اصطلاحًا إلا على المحال عقلًا أو عادة نظرًا لذات الشئ. قوله: (سواء امتنع لا لنفس مفهومه. . . إلخ) وإنما لم يكن مستحيلًا لذاته لعدم ترتب محال عليه لأنه لو تعلقت به القدرة الحادثة لا يكون محلها شريكًا لأنه مخلوق وفى تكليفه ذلك فالاستحالة عادية فقط. قوله: (أم لم يمتنع) أى بأن يكون من جنس ما تتعلق به القدرة لكن يكون من نوع أو صنف لم تجر العادة بتعلق القدرة الحادثة به كحمل الجبل والطيران إلى السماء. قوله: (فمنهم من قال. . . إلخ) يفيد أن فيه خلافًا أيضًا وهو كذلك هكذا قال السيد -قدس سره- فى شرح المواقف اعتراضًا على صاحب المواقف فى قوله إن النزاع ليس فى المستحيل لذاته وأن ذكر الدليل الذى يتعلق به ذكر للشئ فى غير محله لأنه لا نزاع فيه. قوله: (إنما يتصور إما منفيًا. . . إلخ) أى إنما يتصور على أحد وجهين إما منفيًا. . . إلخ. قوله: (يشير إلى أن الصحيح. . . إلخ) أى أن قوله وإن ظن قوم أنه ممتنع لغيره المفيد أن الحق أنه ليس محالًا فيه إشارة إلى أن الصحيح استناد الكل إليه بطريق الاختيار من غير أن يتأدى إلى وجوب أو امتناع فمع تعلق علم اللَّه بوقوعه لا

стр. 911

يقال: إنه واجب عقلًا لغيره ولا يخرج عن كونه ممكنًا عقلًا، وكذا ما علم اللَّه تعالى عدم وقوعه من العبد لا يخرج به عن كونه ممكنًا وليس محالًا. قوله: (فتكون معارضة فى المقدمة القائلة بأن المستحيل لا يتصور وقوعه) أى أن دليلها يعارض دليلها يعنى أن كون المستحيل لا يتصور وقوعه ينافيه أن المستحيل يتصور وقوعه ذهنًا لأن دليل كل يقتضى خلاف ما يقتضيه الآخر ودليل الأول أنه لو تصور مثبتًا لزم تصور الأمر على خلاف ماهيته وتصور الأمر على خلاف ماهيته محال لأنه تصور الشئ غير الشئ فلا يتصور المستحيل مثبتًا ودليل الآخر أن المستحيل نحكم عليه حكمًا إيجابيًا وكل ما كان كذلك يكون ثابتًا وحيث لم يكن فى الخارج فالثبوت فى الذهن فالمستحيل متصور الثبوت ذهنًا وهذه العارضة مدفوعة بأن المراد أن المستحيل لا يتصور وقوعه خارجًا وقولهم: إن تصور العقل ماهية المستحيل متصفة بالوجود سواء اتصفت فى الواقع وصدق ذلك العلم أو لا وكذب ليس بمحال كيف وتصور الكواذب لا يستحيل مردود بأنه لا كلام لنا مع الغفلة عن الاستحالة بل المقصود أن المحال من حيث إنه معلوم الاستحالة لا يتصور وجوده واقعًا فى الخارج فإنه يرجع إلى تصوره موجودًا وغير موجود فإن الكلام فى الطلب الحقيقى. قوله: (كان معارضة فى أصل الدعوى) هى أن المستحيل لا يصح طلبه للدليل الذى ذكره بقوله: لو صح التكليف بالمستحيل. . . إلخ. قوله: (فحاصله. . . إلخ) هو قياس من الشكل الثانى. قوله: (عدم الحصول فى الذهن) أى عدم حصول المستحيل خارجًا فى الذهن. قوله: (وفيه نظر) لعل وجهه أن المستحيل له صورة على طريق التشبيه كما سيذكره المحشى ويحتمل أن يكون وجهه أن المستحيل له صورة وإن كانت كاذبة كما ذكرناه قبل. قوله: (وجوابه أن المحكوم عليه. . . إلخ) يقال عليه إذا كفى فى الحكم بالامتناع تصور العنوان فليكف تصور العنوان فى الطلب إلا أن يقال: إن هناك فرقًا بينهما وهو أن الطلب لا بد فيه من تصور المطلوب كما طلب والمطلوب الإيقاع بخلاف الثانى. قوله: (بل على ما له تلك الصورة) مبنى على نفى الوجود الذهنى بل الموجود

стр. 912

الشبح والمثال وقوله: ولو سلم. . . إلخ. مبنى على إثبات الوجود الذهنى على معنى أن الشئ موجود فى الذهن وإن اختلفت الآثار المترتبة على الوجود الخارجى وقوله: فيكفينا ويضركم حكاية عن لسان الخصم. قوله: (أى الحكم بالامتناع ليس على ما فى الخارج) أى إنما كان الثبوت ذهنًا لا يكفيكم فى دعوى طلب المحال ولا يضرنا فى عدم طلبه، لأن الحكم ليس على الخارج حتى، يلزم تصوره فيصح طلبه وإنما الحكم على المتصور ثبوته ذهنًا وهو ليس بمستحيل. قوله: (اطلعت على ابتناء بعض المغالطة على عدم الفرق بين المعنيين) وذلك أن قوله فإن قيل متصور ذهنًا لا يرد بعد قوله: لا يتصور وقوعه لأنه بمعنى ليس له حصول خارجى. قوله: (قد جمع بين الطريقين) رد بأن النفى الذى اعتبر فى الطريقة الأولى هو نفى ما يماثل، والنفى فى الطريقة الثانية هو نفى أن يوجد مفهوم هو اجتماع السواد والبياض وأين أحدهما من الأخر.

стр. 913

قال: (المخالف لو لم يصح لم يقع لأن العاصى مأمور وقد علم اللَّه أنه لا يقع وأيضًا أخبر أنه لا يؤمن، كذلك من علم بموته ومن نسخ عنه قبل تمكنه، ولأن المكلف لا قدرة له إلا حال الفعل وهو حينئذ غير مكلف فقد كلف غير مستطيع ولأن الأفعال مخلوقة للَّه تعالى، ومن هذين نسب تكليف المحال إلى الأشعرى، وأجيب بأن ذلك لا يمنع تصوّر الوقوع لجوازه منه فهو غير محل النزاع وبأن ذلك يستلزم أن التكاليف كلها تكليف بالمستحيل وهو باطل بالإجماع، قالوا: كلف أبا جهل تصديق رسوله فى جميع ما جاء به، ومنه أنه لا يصدقه فقد كلفه بأن يصدقه فى أن لا يصدقه، وهو مستلزم أن لا يصدقه، والجواب: أنهم كلفوا بتصديقه وإخبار رسوله كإخبار نوح ﵇ ولا يخرج الممكن عن الإمكان بخبر أو علم نعم لو كلفوا بعد علمهم لانتفت فائدة التكليف ومثله غير واقع). أقول: للمخالفين وهم مجوزو تكليف المحال وجهان: قالوا: أوّلًا: لو لم يصح تكليف المحال لم يقع وقد وقع لأن العاصى مأمور ويمتنع منه النفعل لأن اللَّه قد علم أنه لا يقع، وخلاف معلومه محال، وإلا لزم جهله، وأيضًا أخبر أنه لا يؤمن فى قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، وخلاف خبره محال وإلا لزم كذبه وكذلك من علم بموته قبل تمكنه من الفعل المأمور به فإنه يمتنع منه الفعل وكذلك من نسخ عنه قبل تمكنه من الفعل فإنه يمتنع منه الفعل امتثالًا، ولأن المكلف لا قدرة له إلا حال الفعل، كما ثبت فى الكلام من مذهب الأشعرى وهو حينئذٍ غير مكلف، فإن التكليف قبل الفعل لإن استدعاء الفعل مقدم عليه إذ لا يتصور إلا فى المستقبل فهو حال التكليف غير مستطيع ولأن أفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى على ما ثبت فى الكلام من مذهب الأشعرى ومن هذين الأصلين وهو قول الأشعرى إن القدرة مع الفعل وإن أفعال العباد مخلوقة للَّه نسب تكليف المحال إلى الأشعرى وإلا فهو لم يصرح به. والجواب: وجهان: أحدهما: أن ما ذكرتم لا يمنع تصور الوقوع لجواز وقوعه من المكلف فى الجملة، وإن امتنع لغيره من علم أو خبر أو غيرهما فهو غير محل النزاع. ثانيهما: أنه يبطل المجمع عليه فيكون باطلًا بيانه أن ذلك يستدعى أن التكاليف

стр. 914

كلها تكليف بالمستحيل لوجوب وجود الفعل أو عدمه لوجوب تعلق العلم بأحدهما وأيًا كان تعين، وامتنع الآخر وللدليلين الأخيرين، وأما الموت والنسخ والإخبار فلا يعم وكون كل تكليف بالمستحيل باطلًا بالإجماع لأن من جوز التكليف بالمحال لم يقل بوقوعه، ومن قال بوقوعه لم يعمم. قالوا: ثانيًا: لو لم يجز لم يقع وقد وقع فإنه كلف أبا جهل ونحوه بالإيمان وهو تصديق رسوله فى جميع ما جاء به، ومنه أن لا يصدقه فقد كلفه بأن يصدقه فى أنه لا يصدقه وهو محال لأن تصديقه فى أن لا يصدقه يستلزم أن لا يصدقه إذ يعلم تصديقه له ويلزم تكذيبه لأنه خلاف ما أخبر به. والجواب: أنهم لم يكلفوا إلا بتصديقه وأنه ممكن فى نفسه متصوّر وقوعه إلا أنه مما علم اللَّه أنهم لا يصدقونه لعلمه بالعاصين وإخباره لرسوله كإخباره لنوح بقوله: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، لا أنه أخبرهم بذلك ولا يخرج الممكن عن الإمكان بعلم أو خبر، نعم لو كلفوا بالإيمان بعد علمهم بإخباره بأنهم لا يؤمنون لكان من قبيل ما علم المكلف امتناع وقوعه منه، ومثل ذلك غير واقع لأنه يوجب انتفاء فائدة التكليف وهو الابتلاء لاستحالته منهم لما ذكرتم فلذلك لو علموا لسقط منهم التكليف. قوله: (وأيضًا أخبر) عطف على قوله: قد علم، وهذا دليل آخر على أن العاصى يمتنع منه الفعل وذلك فى الكفار خاصة، وقوله: وكذلك، أى: مثل العاصى من علم بموته ومن نسخ عنه الفعل، وقوله: لأن المكلف، عطف على قوله: لأن العاصى، وقوله: لوجوب تعلق العلم بأحدهما، أى: بوجود الفعل أو عدمه، فإن اللَّه تعالى يعلم قطعًا أنه يفعله فيتعين الفعل ويمتنع الترك أو لا يفعله فيتعين الترك ويمتنع الفعل فيكون التكليف إما بالممتنع فظاهر أنه تكليف بالمستحيل، وإما بالواجب فيكون تكليفًا بما ليس فى وسعه وهو المعنى بتكليف المحال على ما مر فى كون القدرة مع الفعل وكون أفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى، لا يقال بل هو تكليف بالمستحيل الذى هو إيجاد ما يجب وجوده لأنا نقول إنما يكون مستحيلًا لو لم يكن وجوده بذلك الإيجاد، وقوله: وللدليلين الأخيرين يعنى أن كل ما يصدر عن المكلف لا قدرة له عليه إلا حال الفعل، والتكليف قبله

стр. 915

وكل فعل له فهو مخلوق اللَّه تعالى لا قدرة للعبد عليه، وأما الموت والنسخ والإخبار فلا يعم كل مكلف إذ ليس كل فعل مما علم اللَّه موت المكلف قبل التمكن منه أو أخبر بأنه لا يقع، أو نسخه عنه قبل تمكنه منه، فقوله فى المتن بأن ذلك لا يمنع تصور الوقوع إشارة إلى جميع ما سبق، وقوله: وبأن ذلك يستلزم إشارة إلى البعض، وهو الأول والأخيران. قوله: (لأن من جوز) أى ليس كل من جوز التكليف بالمحال قال بوقوعه بل افترقوا فرقتين ومن قال بالوقوع لم يقل بأن كل تكليف تكليف بالمحال فوقع اتفاق الكل على عدم العموم. قوله: (قالوا ثانيًا) فإن قيل قد بين فى الوجه الأول انتفاء اللازم بوجوه متعددة، وهذا أيضًا من وجوه بيان انتفاء اللازم فكيف جعل دليلًا على حدة دون الوجوه السابقة؟ قلنا: لأن دعوى المستدل أن هذا تكليف بما هو مستحيل فى نفسه لا بما يمتنع أو يجب وإن كان ممكنًا فى نفسه كما فى الأول وحاصل تقريرهم أن أبا جهل مكلف بأن يصدق الرسول فى جميع ما جاء به حتى فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، فيكون مكلفًا بأن يصدقه فى أن لا يصدقه فى شئ مما أتى به من اللَّه تعالى، وهو محال فقيل: لأنه تكليف بالنقيضين لأن التصديق فى الإخبار بأنه لا يصدقه فى شئ يستلزم عدم تصديقه رسوله فى ذلك ضرورة أنه صدقه فى شئ والتكليف بالشئ تكليف بلوازمه ورد بالمنع لا سيما اللوازم العدمية، وقيل: لأنه تكليف بجمع النقيضين أى بالتصديق فى حال وجوب عدم التصديق بناء على إخبار اللَّه تعالى بأنه لا يصدق ويرد عليه أنه حينئذٍ يكون الوجه الأول، أعنى التكليف بما علم اللَّه انتفاءه أو أخبر بذلك على ما أشار إليه بقوله: وأيضًا أخبر أنه لا يؤمن فلذا عدل الشارح المحقق عن ذلك وبين أن تصديقه فى أن لا يصدقه محال لأنه يستلزم أن لا يصدقه وما يكون وجوده مستلزمًا لعدمه يكون محالًا، وجه الاستلزام أنه إذا صدقه فى هذا الإخبار امتثالًا للأمر بالتصديق فقد علم قطعًا أنه صدقه وجزم بذلك وهذا حكم بخلاف ما أخبر به النبى ﷺ من أنه لا يصدقه فى شئ أصلًا وهو معنى تكذيبه وإنما احتاج إلى قوله: إذ يعلم أى أبو جهل تصديقه للرسول لأن التكذيب هو الحكم بكذب المخبر فمجرد التصديق فى أنه لا يصدقه وإنما يستلزم كذب المخبر
следующие страницы →