← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133411

شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي ومعه حاشية السعد والجرجاني

عضد الدين الإيجي

Полный текст (2 048 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

يقال: إنه واجب عقلًا لغيره ولا يخرج عن كونه ممكنًا عقلًا، وكذا ما علم اللَّه تعالى عدم وقوعه من العبد لا يخرج به عن كونه ممكنًا وليس محالًا. قوله: (فتكون معارضة فى المقدمة القائلة بأن المستحيل لا يتصور وقوعه) أى أن دليلها يعارض دليلها يعنى أن كون المستحيل لا يتصور وقوعه ينافيه أن المستحيل يتصور وقوعه ذهنًا لأن دليل كل يقتضى خلاف ما يقتضيه الآخر ودليل الأول أنه لو تصور مثبتًا لزم تصور الأمر على خلاف ماهيته وتصور الأمر على خلاف ماهيته محال لأنه تصور الشئ غير الشئ فلا يتصور المستحيل مثبتًا ودليل الآخر أن المستحيل نحكم عليه حكمًا إيجابيًا وكل ما كان كذلك يكون ثابتًا وحيث لم يكن فى الخارج فالثبوت فى الذهن فالمستحيل متصور الثبوت ذهنًا وهذه العارضة مدفوعة بأن المراد أن المستحيل لا يتصور وقوعه خارجًا وقولهم: إن تصور العقل ماهية المستحيل متصفة بالوجود سواء اتصفت فى الواقع وصدق ذلك العلم أو لا وكذب ليس بمحال كيف وتصور الكواذب لا يستحيل مردود بأنه لا كلام لنا مع الغفلة عن الاستحالة بل المقصود أن المحال من حيث إنه معلوم الاستحالة لا يتصور وجوده واقعًا فى الخارج فإنه يرجع إلى تصوره موجودًا وغير موجود فإن الكلام فى الطلب الحقيقى. قوله: (كان معارضة فى أصل الدعوى) هى أن المستحيل لا يصح طلبه للدليل الذى ذكره بقوله: لو صح التكليف بالمستحيل. . . إلخ. قوله: (فحاصله. . . إلخ) هو قياس من الشكل الثانى. قوله: (عدم الحصول فى الذهن) أى عدم حصول المستحيل خارجًا فى الذهن. قوله: (وفيه نظر) لعل وجهه أن المستحيل له صورة على طريق التشبيه كما سيذكره المحشى ويحتمل أن يكون وجهه أن المستحيل له صورة وإن كانت كاذبة كما ذكرناه قبل. قوله: (وجوابه أن المحكوم عليه. . . إلخ) يقال عليه إذا كفى فى الحكم بالامتناع تصور العنوان فليكف تصور العنوان فى الطلب إلا أن يقال: إن هناك فرقًا بينهما وهو أن الطلب لا بد فيه من تصور المطلوب كما طلب والمطلوب الإيقاع بخلاف الثانى. قوله: (بل على ما له تلك الصورة) مبنى على نفى الوجود الذهنى بل الموجود

стр. 912

الشبح والمثال وقوله: ولو سلم. . . إلخ. مبنى على إثبات الوجود الذهنى على معنى أن الشئ موجود فى الذهن وإن اختلفت الآثار المترتبة على الوجود الخارجى وقوله: فيكفينا ويضركم حكاية عن لسان الخصم. قوله: (أى الحكم بالامتناع ليس على ما فى الخارج) أى إنما كان الثبوت ذهنًا لا يكفيكم فى دعوى طلب المحال ولا يضرنا فى عدم طلبه، لأن الحكم ليس على الخارج حتى، يلزم تصوره فيصح طلبه وإنما الحكم على المتصور ثبوته ذهنًا وهو ليس بمستحيل. قوله: (اطلعت على ابتناء بعض المغالطة على عدم الفرق بين المعنيين) وذلك أن قوله فإن قيل متصور ذهنًا لا يرد بعد قوله: لا يتصور وقوعه لأنه بمعنى ليس له حصول خارجى. قوله: (قد جمع بين الطريقين) رد بأن النفى الذى اعتبر فى الطريقة الأولى هو نفى ما يماثل، والنفى فى الطريقة الثانية هو نفى أن يوجد مفهوم هو اجتماع السواد والبياض وأين أحدهما من الأخر.

стр. 913

قال: (المخالف لو لم يصح لم يقع لأن العاصى مأمور وقد علم اللَّه أنه لا يقع وأيضًا أخبر أنه لا يؤمن، كذلك من علم بموته ومن نسخ عنه قبل تمكنه، ولأن المكلف لا قدرة له إلا حال الفعل وهو حينئذ غير مكلف فقد كلف غير مستطيع ولأن الأفعال مخلوقة للَّه تعالى، ومن هذين نسب تكليف المحال إلى الأشعرى، وأجيب بأن ذلك لا يمنع تصوّر الوقوع لجوازه منه فهو غير محل النزاع وبأن ذلك يستلزم أن التكاليف كلها تكليف بالمستحيل وهو باطل بالإجماع، قالوا: كلف أبا جهل تصديق رسوله فى جميع ما جاء به، ومنه أنه لا يصدقه فقد كلفه بأن يصدقه فى أن لا يصدقه، وهو مستلزم أن لا يصدقه، والجواب: أنهم كلفوا بتصديقه وإخبار رسوله كإخبار نوح ﵇ ولا يخرج الممكن عن الإمكان بخبر أو علم نعم لو كلفوا بعد علمهم لانتفت فائدة التكليف ومثله غير واقع). أقول: للمخالفين وهم مجوزو تكليف المحال وجهان: قالوا: أوّلًا: لو لم يصح تكليف المحال لم يقع وقد وقع لأن العاصى مأمور ويمتنع منه النفعل لأن اللَّه قد علم أنه لا يقع، وخلاف معلومه محال، وإلا لزم جهله، وأيضًا أخبر أنه لا يؤمن فى قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، وخلاف خبره محال وإلا لزم كذبه وكذلك من علم بموته قبل تمكنه من الفعل المأمور به فإنه يمتنع منه الفعل وكذلك من نسخ عنه قبل تمكنه من الفعل فإنه يمتنع منه الفعل امتثالًا، ولأن المكلف لا قدرة له إلا حال الفعل، كما ثبت فى الكلام من مذهب الأشعرى وهو حينئذٍ غير مكلف، فإن التكليف قبل الفعل لإن استدعاء الفعل مقدم عليه إذ لا يتصور إلا فى المستقبل فهو حال التكليف غير مستطيع ولأن أفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى على ما ثبت فى الكلام من مذهب الأشعرى ومن هذين الأصلين وهو قول الأشعرى إن القدرة مع الفعل وإن أفعال العباد مخلوقة للَّه نسب تكليف المحال إلى الأشعرى وإلا فهو لم يصرح به. والجواب: وجهان: أحدهما: أن ما ذكرتم لا يمنع تصور الوقوع لجواز وقوعه من المكلف فى الجملة، وإن امتنع لغيره من علم أو خبر أو غيرهما فهو غير محل النزاع. ثانيهما: أنه يبطل المجمع عليه فيكون باطلًا بيانه أن ذلك يستدعى أن التكاليف

стр. 914

كلها تكليف بالمستحيل لوجوب وجود الفعل أو عدمه لوجوب تعلق العلم بأحدهما وأيًا كان تعين، وامتنع الآخر وللدليلين الأخيرين، وأما الموت والنسخ والإخبار فلا يعم وكون كل تكليف بالمستحيل باطلًا بالإجماع لأن من جوز التكليف بالمحال لم يقل بوقوعه، ومن قال بوقوعه لم يعمم. قالوا: ثانيًا: لو لم يجز لم يقع وقد وقع فإنه كلف أبا جهل ونحوه بالإيمان وهو تصديق رسوله فى جميع ما جاء به، ومنه أن لا يصدقه فقد كلفه بأن يصدقه فى أنه لا يصدقه وهو محال لأن تصديقه فى أن لا يصدقه يستلزم أن لا يصدقه إذ يعلم تصديقه له ويلزم تكذيبه لأنه خلاف ما أخبر به. والجواب: أنهم لم يكلفوا إلا بتصديقه وأنه ممكن فى نفسه متصوّر وقوعه إلا أنه مما علم اللَّه أنهم لا يصدقونه لعلمه بالعاصين وإخباره لرسوله كإخباره لنوح بقوله: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، لا أنه أخبرهم بذلك ولا يخرج الممكن عن الإمكان بعلم أو خبر، نعم لو كلفوا بالإيمان بعد علمهم بإخباره بأنهم لا يؤمنون لكان من قبيل ما علم المكلف امتناع وقوعه منه، ومثل ذلك غير واقع لأنه يوجب انتفاء فائدة التكليف وهو الابتلاء لاستحالته منهم لما ذكرتم فلذلك لو علموا لسقط منهم التكليف. قوله: (وأيضًا أخبر) عطف على قوله: قد علم، وهذا دليل آخر على أن العاصى يمتنع منه الفعل وذلك فى الكفار خاصة، وقوله: وكذلك، أى: مثل العاصى من علم بموته ومن نسخ عنه الفعل، وقوله: لأن المكلف، عطف على قوله: لأن العاصى، وقوله: لوجوب تعلق العلم بأحدهما، أى: بوجود الفعل أو عدمه، فإن اللَّه تعالى يعلم قطعًا أنه يفعله فيتعين الفعل ويمتنع الترك أو لا يفعله فيتعين الترك ويمتنع الفعل فيكون التكليف إما بالممتنع فظاهر أنه تكليف بالمستحيل، وإما بالواجب فيكون تكليفًا بما ليس فى وسعه وهو المعنى بتكليف المحال على ما مر فى كون القدرة مع الفعل وكون أفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى، لا يقال بل هو تكليف بالمستحيل الذى هو إيجاد ما يجب وجوده لأنا نقول إنما يكون مستحيلًا لو لم يكن وجوده بذلك الإيجاد، وقوله: وللدليلين الأخيرين يعنى أن كل ما يصدر عن المكلف لا قدرة له عليه إلا حال الفعل، والتكليف قبله

стр. 915

وكل فعل له فهو مخلوق اللَّه تعالى لا قدرة للعبد عليه، وأما الموت والنسخ والإخبار فلا يعم كل مكلف إذ ليس كل فعل مما علم اللَّه موت المكلف قبل التمكن منه أو أخبر بأنه لا يقع، أو نسخه عنه قبل تمكنه منه، فقوله فى المتن بأن ذلك لا يمنع تصور الوقوع إشارة إلى جميع ما سبق، وقوله: وبأن ذلك يستلزم إشارة إلى البعض، وهو الأول والأخيران. قوله: (لأن من جوز) أى ليس كل من جوز التكليف بالمحال قال بوقوعه بل افترقوا فرقتين ومن قال بالوقوع لم يقل بأن كل تكليف تكليف بالمحال فوقع اتفاق الكل على عدم العموم. قوله: (قالوا ثانيًا) فإن قيل قد بين فى الوجه الأول انتفاء اللازم بوجوه متعددة، وهذا أيضًا من وجوه بيان انتفاء اللازم فكيف جعل دليلًا على حدة دون الوجوه السابقة؟ قلنا: لأن دعوى المستدل أن هذا تكليف بما هو مستحيل فى نفسه لا بما يمتنع أو يجب وإن كان ممكنًا فى نفسه كما فى الأول وحاصل تقريرهم أن أبا جهل مكلف بأن يصدق الرسول فى جميع ما جاء به حتى فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، فيكون مكلفًا بأن يصدقه فى أن لا يصدقه فى شئ مما أتى به من اللَّه تعالى، وهو محال فقيل: لأنه تكليف بالنقيضين لأن التصديق فى الإخبار بأنه لا يصدقه فى شئ يستلزم عدم تصديقه رسوله فى ذلك ضرورة أنه صدقه فى شئ والتكليف بالشئ تكليف بلوازمه ورد بالمنع لا سيما اللوازم العدمية، وقيل: لأنه تكليف بجمع النقيضين أى بالتصديق فى حال وجوب عدم التصديق بناء على إخبار اللَّه تعالى بأنه لا يصدق ويرد عليه أنه حينئذٍ يكون الوجه الأول، أعنى التكليف بما علم اللَّه انتفاءه أو أخبر بذلك على ما أشار إليه بقوله: وأيضًا أخبر أنه لا يؤمن فلذا عدل الشارح المحقق عن ذلك وبين أن تصديقه فى أن لا يصدقه محال لأنه يستلزم أن لا يصدقه وما يكون وجوده مستلزمًا لعدمه يكون محالًا، وجه الاستلزام أنه إذا صدقه فى هذا الإخبار امتثالًا للأمر بالتصديق فقد علم قطعًا أنه صدقه وجزم بذلك وهذا حكم بخلاف ما أخبر به النبى ﷺ من أنه لا يصدقه فى شئ أصلًا وهو معنى تكذيبه وإنما احتاج إلى قوله: إذ يعلم أى أبو جهل تصديقه للرسول لأن التكذيب هو الحكم بكذب المخبر فمجرد التصديق فى أنه لا يصدقه وإنما يستلزم كذب المخبر

стр. 916

لا تكذيبه لكن إذا علم ذلك وجزم بصدور هذا التصديق عنه كان حكمًا بكذب الرسول فى إخباره بأنه لا يصدقه ولزم تكذيبه لأن تصديقه للنبى ﷺ خلاف ما أخبر به من أنه لا يصدقه فيكون الحكم به حكمًا بوقوع خلاف ما أخبر به النبى ﷺ وهو معنى التكذيب وأنت خبير بأن مجرد كون التصديق مستلزمًا لعدم التصديق كاف فى الاستحالة ولا حاجة إلى استلزامه التكذيب المفتقر بيانه إلى توسط العلم. قوله: (والجواب) حاصله أن هذا أيضًا من قبيل التكليف بما علم اللَّه عدم وقوعه وأخبر بذلك وهو ليس من تكليف المحال فى شئ وذلك لأن أبا جهل وأمثاله لم يكلفوا إلا بتصديق النبى ﷺ فيما جاء به ولم يخاطبهم اللَّه ولم يخبرهم بأنهم لا يؤمنون حتى يلزم التكليف بأن يصدقوه فى عدم التصديق على التفصيل والتعيين ليلزم المحال بل إنما أخبر النبى ﷺ بأنهم لا يؤمنون كما أخبر نوحًا وخاطبه صريحًا بأنه لا يؤمن من قومه إلا من قد آمن، ولما كان هذا المعنى وهو كون الإعلام للنبى ﷺ لا للقوم فى إخبار نوح ﵇ أظهر شبه به إخبار النبى ﷺ ، والشيخ العلامة قد تحير فى هذا المقام ولم يحم حول المرام. قوله: (نعم لو كلفوا) هذا لا مدخل له فى الجواب وإنما هو زيادة تحقيق وتتميم له وحاصله أن الفعل إما واجب أو ممتنع بحسب العلم والإرادة ولا نزاع فى صحة التكليف وفى وقوعه وإذا انضم إلى ذلك الإخبار بأنه لا يقع فالتكليف بحاله إن لم يسمع المكلف ذلك الإخبار وإن سمعه فالتكليف به صحيح نظرًا إلى إمكانه فى نفسه لكنه غير واقع لعدم الفائدة من العزم أو الفعل والكفار مكلفون بالإيمان إجمالًا سواء ورد الإخبار بأنهم لا يؤمنون أم لم يرد وكذا إذا ورد ولم يسمعوه أو سمعوه ولم يصدقوا به أما لو صدقوا وعلموا أن الفعل يمتنع منهم البتة فيسقط التكليف بذلك بالاتفاق على ما سيجئ فى المسألة الأخيرة من مسائل المحكوم عليه ولا يلزم من هذا عدم تكليفهم بالإيمان على تقدير إسماعهم الآية الدالة على أنهم لا يؤمنون لأنهم لا يصدقونها ولا يحصل لهم العلم: بمضمونها وإلا لزم كذب الإخبار بأنهم لا يؤمنون.

стр. 917

المصنف: (لأن العاصى. . . إلخ) علة لمحذوف أى واللازم باطل فقد وقع لأن العاصى. . . إلخ. فقد وقع التكليف مع كون المكلف به ممتنعًا لتعلق علم اللَّه بعدم وقوعه. المصنف: (ومثله غير واقع) أى وإن جاز. الشارح: (يمتنع منه الفعل امتثالًا) قيد الامتناع هنا بالامتثال لتأتيه فى ذاته وإن كان الأمر به قد نسخ بخلاف ما قبله.

стр. 918

قال: (مسألة: حصول الشرط الشرعى ليس شرطًا فى التكليف قطعًا خلافًا لأصحاب الرأى وهى مفروضة فى تكليف الكفار بالفروع والظاهر الوقوع. لنا لو كان شرطًا تجب صلاة على محدث وجنب ولا قبل النية ولا اللَّه أكبر قبل النية ولا اللام قبل الهمزة، وذلك باطل قطعًا, قالوا: لو كلف بها لصحت منه، قلنا: غير محل النزاع. قالوا: لو صح لأمكن الامتثال، وفى الكفر لا يمكن وبعده سقط قلنا: يسلم ويفعل كالمحدث الوقوع ومن يفعل ذلك ولم يك من المصلين. قالوا: لو وقع لوجب القضاء. قلنا: القضاء بأمر جديد فليس بينه وبين وقوع التكليف ولا صحته ربط عقلى). أقول: لا يشترط فى التكليف بالفعل حصول الشرط الشرعى لذلك الفعل بل يجوز التكليف بالفعل وإن لم يحصل شرطه شرعًا خلافًا لأصحاب الرأى وأبى حامد الإسفرايينى، والمسألة مفروضة فى بعض جزئيات محل النزاع، وهو تكليف الكفار بالفروع مع انتفاء شرطها وهو الإيمان حتى يعذب بالفروع كما يعذب بالإيمان أولًا، والأكثر على جوازه وهم يفعلون ذلك تقريبًا للفهم وتسهيلًا للمناظرة ولأنه إذا ثبت فيه ثبت فى الجميع لعدم القائل بالفصل لاتحاد المأخذ والنظر إما فى جوازه أو فى وقوعه، أما الجواز فقطعى، وأما الوقوع فالظاهر وقوعه لنا مقامان: أحدهما: الجواز قطعًا ودليله أنه لو كان حصول شرط الفعل شرعًا شرطًا للتكليف به لم تجب صلاة على محدث وجنب لانتفاء شرطها وهو الطهارة ولم تجب الصلاة قبل النية لأنها شرطها وقد انتفت، ولا اللَّه أكبر قبل النية ولا اللام من اللَّه قبل الهمزة، لذلك وكل ذلك معلوم البطلان بالضرورة. قالوا: أولًا: لو كلف الكافر بالفروع لصحت منه لأن الصحة موافقة الأمر واللازم منتف اتفاقًا. الجواب: أنه غير محل النزاع إذ لا يريد أنه مأمور بفعله حالة كفره، نعم تصح منه بأن يؤمن ويفعل كالجنب والمحدث. قالوا: ثانيًا: لو صح التكليف به لأمكن الامتثال وأنه لا يمكن أما الأولى: فلأن الإمكان شرط التكليف فلا ينفك عنه، وأما الثانية: فلأن الامتثال إما فى الكفر ولا يمكن منه وإما بعده ولا يمكن لسقوط الأمر عنه والامتثال فرعه.

стр. 919

الجواب: أنه فى الكفر ممكن بأن يسلم ويفعل كالحدث غايته أنه مع الكفر لا يمكن وذلك ضرورة بشرط المحمول لا ينافى الإمكان الذاتى كقيام زيد فى وقت عدم قيامه فإنه ممكن وإن امتنع بشرط عدم قيامه. ثانيهما: الوقوع ظاهرًا ودليله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، وهو للعقلاء، وقوله تعالى حكاية الكفار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٢, ٤٣]، صرح بتعذيبهم بترك الصلاة ولا يحمل على المسلمين، كقوله ﵊: "نهيت عن قتل المصلين"، لأن قوله ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِين﴾ [المدثر: ٤٤]، ينفيه، قالوا: لو وقع التكليف بها لوجب القضاء ولا يجب اتفاقًا. الجواب: منع الملازمة لأن القضاء، إنما يجب بأمر جديد وليس بينه وبين وقوع التكليف ولا صحته ربط عقلى، فلا يستلزمه أحدهما. قوله: (حصول الشرط الشرعى) الشرط على ما اختاره المصنِّفُ ما يستلزم نفيه نفى أمر على غير جهة السببية وإن كان ذلك بحكم العقل فعقلى أو الشرع فشرعى أو اللغة فلغوى، والمراد شرط صحة الفعل كالإيمان للطاعات والطهارة وللصلاة لا شرط الوجوب ووجوب الأداء للاتفاق على أن حصول الأول شرط فى التكليف بوجوبه ووجوب أدائه، والثانى شرط فى التكليف بوجوب أدائه دون وجوبه وهذا فى الأوامر ظاهر دون النواهى إذ لا معنى لكون الإيمان شرطًا شرعيًا لترك الزنا أو لصحته. قوله: (حتى يعذب بالفروع) أى يقع التعذيب بترك الواجبات وارتكاب المنهيات. قوله: (وهم يفعلون ذلك) الظاهر أن المراد أن العلماء يفرضون المسائل الكلية فى بعض الصور الجزئية تقريبًا للفهم وتسهيلًا للمناظرة فلا يخفى أن قوله: والأكثر على جوازه لم يقع موقعه والحق أن المراد أولًا يقع التعذيب والكفار يفعلون الإخلال بالفروع ويكون قوله: تقريبًا متعلقًا بقوله: والمسألة مفروضة. قوله: (لنا مقامان) هذا التقرير ليس على ما ينبغى لأن قولنا: لو كان شرطًا لم تجب صلاة على محدث دليل على الوقوع دون مجرد الجواز وقولهم لو كلف بها

стр. 920

لصحت نفى للوقوع دون الجواز فإن قيل فلا وجه حينئذٍ لقوله الوقوع ومن يفعل ذلك. . . إلخ، قلنا: إنه لم يفصل أصل المسألة إلى الجواز والوقوع وإنما فصل الصورة الجزئية التى هى تكليف الكفار بالفروع فسكت عن أدلة الجواز واشتغل بأدلة الوقوع فليتأمل والذى يلوح من أصول الحنفية أن نزاعهم ليس إلا فى تكليف الكفار بالفروع دون مثل وجوب الصلاة على المحدث. قوله: (ولا اللام قبل الهمزة) فى كونه شرطًا شرعيًا بل شرطًا مناقشة لا تخفى. قوله: (لو كلف بها لصحت) قد اختلفت كلمتهم فى تقرير هذه الشبهة وجوابها أن المراد بالصحة الصحة الشرعية أو العقلية فبين الشارح العلامة الملازمة بأن الفروع لو امتنعت لزم تكليف المحال وبطلان اللازم باستحالة صحة المشروط بدون صحة الشرط وبعضهم الملازمة بأن التكليف بالشئ مشروط بإمكان صدوره عنه فيقتضى صحة المكلف به إذا أتى به وبطلان اللازم بالإجماع والأقرب ما ذكره المحقق إلا أن فى بيان الملازمة قصورًا لأن الإتيان بالمكلف به لا يوجب أن يكون على وفق أمر الشارع لجواز فوت شىرط وتقرير الجواب فى المنتهى أنه محل النزاع وفسر بأن كون التكليف مستلزمًا لصحتها عين النزاع فإنا نجوّز التكليف بدون الصحة الشرعية وتقرير المتن أن ما ذكرتم إنما يدل على أنه ليس بمكلف بأن يفعله فى حال الكفر ولا نزاع فيه وإنما النزاع فى أنه هل هو فى حال الكفر مكلف بالإتيان بالفعل على وجهه بأن يحصل شرطًا ثم يأتى به وفى بعض الشروح أن المراد أن النزاع فى أنه هل يعاقب بعد الموت على ترك الفروع. قوله: (إنه فى الكفر ممكن) يعنى أن امتثال الكافر حال كفره ممكن فى نفسه بأن يسلم ويصلى مثلًا وتحقيقه أن الكفر الذى لأجله امتناع الامتثال ليس بضرورى فكيف امتناع الامتثال التابع له، وحاصله أن الضرورة الوصفية لا تنافى الإمكان الذاتى، وفى تسميتها الضرورة بشرط المحمول نوع تسامح وكأنه شبه ثبوت الوصف العنوانى للذات بثبوت المحمول للموضوع وتقرير الشارحين أن المراد أن الامتثال ممكن بعد الكفر وإن امتنع بسبب إخبار الشارع بالسقوط ولا يخفى أن ما ذكره المحقق أوفق بعبارة المتن. قوله: (ومن يفعل ذلك) إشارة إلى ما سبق من الشرك وقتل النفس والزنا، لأن جعله إشارة فى البعض كالشرك مثلًا عدول عن الظاهر وفيه دلالة على حرمة

стр. 921

الكل لأنه لا معنى لضم غير اخرام إلى الحرام فى استحقاق العذاب، وبالجملة لا بد أن يكون لكل من المذكورات مدخل فى استحقاق العذاب ولا نعنى بالحرام سوى هذا. قوله: (صرح بتعذيبهم بترك الصلاة) لأن فى تقرير الحكاية وترك الإنكار تصديقًا منه لهم وإنما ترك الإنكار حيث يستقل العقل بمعرفته ولا يجوز أن يراد بالمصلين المسلمين لفوات المناسبة فى قوله: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤]، عبارة عن الزكاة لأنه الإطعام الواجب، ولأنه إذا كان التعذيب على ترك الإسلام ولم تجب عليهم الزكاة عندكم فلم يصح التعذيب على تركها. قوله: (فلا يسنلزمه) أى وجوب القضاء أحدهما أى لا وقوع التكليف ولا صحته. المصنف: (ليس شرطًا فى التكليف) أى فى صحة التكيلف بالمشروط عقلًا وقوله: والظاهر الوقوع أى وقوع التكليف بالمشروط حال عدم الشرط. المصنف: (لنا لو كان شرطًا تجب صلاة على المحدث) استدلال على جواز التكليف بالمشروط جوازًا عقليًا حال عدم الشرط، وحاصله لو كان حصول الشرط الشرعى شرطًا لصحة التكليف بالمشروط لا وقع التكليف بالمشروط حال عدمه وقد وقع فإن الصلاة تجب على المحدث، والوقوع فرع الجواز فليس حصول الشرط الشرعى شرطًا فى ضحة التكليف بالشروط. المصنف: (قالوا لو كلف بها لصحت منه) دليل على عدم الجواز العقلى والمراد لو جاز التكليف بالمشروط حال عدم الشرط لكان لو وقع التكليف بالمشروط وأتى به المكلف يكون صحيحًا منه مع أنه لا يكون صحيحًا منه لو أتى به، فلا يجوز عقلًا التكليف بالمشروط حال عدم الشرط. المصنف: (قالوا لو صح لأمكن الامتثال. . . إلخ) ظاهر فى أنه دليل على الجواز العقلى. المصنف: (الوقوع. . . إلخ) بعد أن تكلم على الجواز عقلًا إثباتًا ونفيًا بما تقدم من الأدلة شرع يتكلم على الوقوع كذلك.

стр. 922

الشارح: (والمسألة مفروضة فى بعض جزئيات محل النزاع) رد ذلك صاحب التحرير بأن ذلك لا يحسن بعاقل، بل مسألة تكليف الكفار بفروع الشريعة هى تمام محل النزاع والخلاف فيها غير مبنى على أن حصول الشرط الشرعى ليس شرطًا للتكليف، خلافًا للحنيفة المستلزم عدم جواز التكليف بالصلاة حال الحدث بل الخلاف ابتدأ فى جواز التكليف بما شرط فى صحته الإيمان حال عدم الإيمان فمشايخ سمرقند: أن الكفار غير مخاطبين بما الإيمان شرط لصحته لخصوصية فيه وهى أنه أعظم العبادات فلا يجعل شرطًا تابعًا فى التكليف لما هو دونه بأن يكون واجبًا بإيجابه لا لجهة عمومه، وهى كونه شرطًا حتى يكون الخلاف جاريًا فى التكليف بالصلاة حال الحدث وما شاكله ومن سوى أهل سمرقند متفقون على تكليفهم بها وإنما اختلفوا فى أن التكليف فى حق الأداء والاعتقاد، أو فى الاعتقاد فقط فالعراقيون قالوا بالأول والبخاريون بالثانى، فيعاقبون على ترك الأداء والاعتقاد على الأول ويعاقبون على ترك الاعتقاد فقط على الثانى، وهذه المسألة لم يحفظ فيها نص عن أبى حنيفة وإنما أخذت من قول محمد فيمن نذر صوم شهر فارتد ثم أسلم لا يلزمه من المنذور شئ فعلم أن الكفر يبطل وجوب أداء العبادات. اهـ. المقصود منه. قوله: (فإن كان ذلك بحكم العقل فعقلى) وحصوله شرط اتفاقًا كفهم الخطاب. قوله: (أو اللغة فلغوى) كـ: إن دخلت المسجد فصل ركعتين وحصوله شرط اتفاقًا أيضًا، وأما الشرط العادى كغسل جزء من الرأس لغسل الوجه فحصوله ليس بشرط فى التكليف بالمشروط اتفاقًا. قوله: (لا شرط الوجوب ووجوب الأداء) كحولان الحول فإنه شرط فى التكليف بها ووجود المستحقين بالبلد فإنه شرط فى وجوب الأداء. قوله: (وهذا فى الأوامر ظاهر. . . إلخ) لا يرد هذا على الشارح لأن مراده بالفعل ما قابل الكف على أنه يصح أن يراد بالفعل ما يشمل الكف لأن الكف عن الحرام واجب وكل واجب شرطه الإيمان. قوله: (والحق أن المراد. . . إلخ) أى وعلى كل حال لا موقع لقوله: والأكثر على جوازه.

стр. 923

قوله: (هذا التقرير ليس على ما ينبغى) قد علمت توجهه فيما كتب على المصنف. قوله: (فسكت عن أدلة الجواز) أى فى الصورة الجزئية. قوله: (وفى كونه شرطًا. . . إلخ) وجه المناقشة أن الترتيب بين الحروف فى الكلمات الموضوعة ليس شرطًا شرعيًا بل ليس شرطًا أصلًا، لأن الترتيب جزء اللفظ المخصوص فليس خارجًا عنه حتى يكون شرطًا إلا أن يقال: المراد بالشرط الشرعى هنا ما تتوقف الصحة عليه وإن لم يكن خارجًا عن المشروط وفيه بعد. قوله: (بأن الفروع لو امتنعت لزم تكليف المحال) يفيد حمل الصحة فى قوله: لو كلف بها لصحت على الصحة العقلية والمعنى لأمكنت. قوله: (وبعضهم الملازمة. . . إلخ) وإنما كان هذا غير مرضى مع أنه حمل الصحة على الصحة الشرعية، لأن إمكان المكلف به لا يترتب عليه الصحة إذا أتى به وقوله: لجواز فوات شرطه فيه أن منع الملازمة المذكور مبنى على أن الكفر ظرف للتكليف وهو يناقض الجواب الآتى من أن الإشكال مبنى على جعل الكفر ظرفًا للإتيان بالمكلف به وأنه غير محل النزاع. قوله: (وبطلان اللازم) أى وبين بطلان اللازم وقوله: باستحالة صحة المشروط بدون الشرط المراد بالاستحالة عدم الإمكان عقلًا عند ملاحظة شرطية الشرط. قوله: (وتقرير الجواب فى المنتهى أنه محل النزاع) أى تقرير الجواب عن الشبهة التى هى لو كلف بها لصحت أن كون التكليف مستلزمًا لصحتها عين محل النزاع فإنا نجوز التكليف بدون الصحة الشرعية كتكليف المحدث بالصلاة وتقرير المتن للجواب عنها أن ذلك غير محل النزاع فقد اختلف فى تقرير الجواب كما اختلف فى تقرير الشبهة. قوله: (وحاصله أن الضرورة الوصفية) هى قولنا: الكافر يمتنع منه الامتثال بالضرورة. قوله: (لأن فى تقرير الحكاية وترك الأفكار تصديقًا لهم) تعليل لأن اللَّه صرح بتعذيبهم مع كون ذلك مقولًا لهم ومحكيًا عنهم، وقوله: وإنما ترك الإنكار حيث يستقل العقل بمعرفته جواب عما يقال قد ترك الإنكار فى كثير من مقولهم المحكى عنهم فى الآيات، ولم يكن ذلك تصديقًا لهم لكونهم كاذبين فيه وحاصل الجواب

стр. 924

أن ترك الإنكار فى ذلك إنما هو لاستقلال العقل بمعرفته فمتى ترك الإنكار ولم يكن العقل مستقلًا فى معرفته كان ذلك تصديقًا لهم كما وقع فيما حكاه عنهم بقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣]. قوله: (ولا يجوز أن يراد بالمصلين المسلمين) قيل من طرف الحنفية: أن سبب سلوكهم فى سقر هو كونهم كافرين وبينوا كفرهم بالكناية أى ذكر لوازمه وأماراته، والمعنى واللَّه أعلم: لِمَ تسألون عن سبب سلوكنا مع أنه لم يكن فينا علامة من علامات المسلمين من الصلاة والإطعام بل علامات الكفار من الخوض معهم وتكذيب يوم الدين وكذا أبلطلوا الاستدلال بآية ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧]، بأن المراد لا يؤتون التطهير للقلوب وكذا الاستدلال بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، بأن الناس على ثلاثة أنواع: الكافر المجاهر والكافر المنافق والمؤمن، وكذا العبادة ثلاثة أيضًا: الإقرار والإخلاص والعمل فالأول مأمور بالإقرار، والثانى بالإخلاص، والثالث بالعمل الفرعى.

стр. 925

قال: (مسألة: لا تكليف إلا بفعل فالمكلف به فى النهى كف النفس عن الفعل وعن أبى هاشم وكثير نفى الفعل. لنا لو كان لكان مستدعى حصوله منه ولا يتصور لأنه غير مقدور له، وأجيب بمنع أنه غير مقدور له كأحد قولى القاضى، ورد بأنه كان معدومًا واستمر والقدرة تقتضى أثرًا عقلًا وفيه نظر). أقول: أكثر المتكلمين على أن كل مكلف به فعل فالمكلف به فى النهى وهو الترك فعل أيضًا وهو كف النفس عن الفعل خلافًا لأبى هاشم وكثير فإنهم قالوا: قد يكون نفى الفعل وهو المكلف به فى النهى. لنا لو كان نفى الفعل مكلفًا به لكان مستدعى حصوله متصورًا وقوعه منه، لما مر ولا يمكن ذلك لأنه غير مقدور له، وقد أجيبا عنه: بأنا لا نسلم أنه غير مقدور لأن القدرة نسبتها إلى الطرفين سواء، فلو لم يكن نفى الفعل مقدورًا لم يكن الفعل مقدورًا وهذا أحد قولى القاضى، واعترض عليه بوجهين: أحدهما: أنه كان معدومًا قبل واستمر، وما ثبت قبل القدرة فلا يكون أثرًا للقدرة المتأخرة. وثانيهما: أن القدرة لا بد لها من أثر عقلًا والعدم لا يصلح أثرًا لأنه نفى محض وعدم صرف ويمكن أن يجعل هذا من تتمة الأول، ويكون معناه إذا كان العدم مستمرًا لم يصلح أثرًا للقدرة لأن القدرة لا بد لها من أثر يستند إليها ويتجدد بها، وفيه نظر، وهو: أنا لا نسلم أن استمراره لا يصلح أثرًا للقدرة إذ يمكنه أن لا يفعل فيستمر وأن يفعل فلا يستمر وأيضًا يكفى فى طرف النفى أثرًا أنه لم يشأ فلم يفعل وأما وجوب أن يفعل شيئًا فصادرة على المطلوب. قوله: (وأيضًا يكفى فى طرت النفى) حاصله أنا لا نفسر القادر بالذى إن شاء فعل وإن شاء ترك، بل وإن لم يشأ لم يفعل فيدخل فى المقدور وعدم الفعل إذا ترتب على عدم المشيئة وكان الفعل مما يصح ترتبه على المشيئة وتخرج المعدومات التى ليست كذلك. المصنف: (مسألة لا تكليف إلا بفعل) أى لا تكليف أمر أو نهى واقع إلا بفعل والمراد أنه لا يقع بعدم الفعل فالحصر إضافى للرد على من زعم وقوعه بعدم

стр. 926

الفعل، وأما وقوعه بالذوات من حيث هى ذوات فلا قائل به والمراد المعنى المصدرى لأنه المكلف به على التحقيق وليس بلازم فى المكلف به أن يكون موجودًا بذاته بل يكفى وجوده تبعًا لوجود متعلقه وليس المراد خصوص المعنى المصدرى بل كل ما يتمكن المكلف من تحصيله ويدخل تحت قدرته فيدخل فيه ما كان من الأوضاع والهيئات كالقيام والقعود، ومن الكيفيات كالعلم والإيمان، أو من الانفعالات كالتسخن والتبرد، ثم إن قوله لا تكليف إلا بفعل فى قوة قضيتين إحداهما التكليف يقع بالفعل، ثانيتهما لا تكليف واقع بعدم الفعل. المصنف: (كف النفس عن الفعل) هذا يستلزم سبق داعية للفعل فقبل طلب النفس لزنا مثلا لا يتوجه النهى وطلب الكف، ثم إن المراد الكف المقصود لغيره وذلك معنى حرفى بخلاف الكف المطلوب فى نحو دع وذر وكف عن كذا فإن الكفط فيها مقصود لذاته وأما كونه عن كذا فمستفاد من المتعلق. المصنف: (ولا يتصور) أى لا يمكن أن يكون مستدعى الحصول. المصنف: (لأنه غير مقدور له) أى لأن العدم من الأزل بانتفاء علة الوجود فهو ثابت قبل القدرة فلا يكون أثرًا للقدرة وبقاء العدم ببقاء عدم علة الوجود فليس العدم ولا استمراره مقدورًا. الشارح: (لما مر) أى من أن التكليف هو الطلب وهو استدعاء الحصول وهو يقتضى تصوره واقعًا. الشارح: (إذ يمكنه أن لا يفعل فيستمر) أى فاستمرار العدم مقدر له بهذا الاعتبار. قوله: (لا نفسر القادر بالذى إن شاء فعل وإن شاء ترك) أى حتى لا يكون العدم مقدورًا. قوله: (وكان الفعل مما يصح) احترز بذلك عن ما لم يفعله الموجب بالذات فإنه يصدق عليه أنه لم يشأ فلم يفعل وليس أثرًا للقدرة باتفاق.

стр. 927

قال: (مسألة: قال الأشعرى: لا ينقطع التكليف بفعل حال حدوثه ومنعه الإمام والمعتزلة فإن أراد الشيخ أن تعلقه لنفسه فلا ينقطع بعده أيضًا وإن أراد أن تنجيز التكليف باق فيكلف بإيجاد الموجود وهو محال ولعدم صحة الابتلاء فتنتفى فائدة التكليف، قالوا مقدور حينئذ باتفاق فيصح التكليف به، قلنا بل يمتنع بما ذكرناه). أقول: التكليف بالفعل ثابت قبل حدوثه وينقطع بعد الفعل اتفاقًا، وهل هو باق حال حدوثه لا ينقطع؟ قال الأشعرى به ومنعه إمام الحرمين والمعتزلة، ولا يتحقق مع الشيخ ما يصلح محلًا للنزاع فنقول: إن أراد أن تعلقه لنفسه فلا ينقطع فحق لكنه لا ينقطع بعد حدوثه كما لا ينقطع معه لأن حقيقة التكليف أنه تكليف بالفعل وطلب له، سواء اعتبر حال حدوث الفعل أو قبله أو بعده وقد قال بأنه ينقطع بعد الفعل، وإن أراد أن تنجيز التكليف باق بعد فهو باطل لأنه تكليف بغير الممكن لأنه تكليف بإيجاد الموجود وهو محال ولأنه تنتفى فائدة التكليف وهو الابتلاء لأنه إنما يتصوّر عند التردد فى الفعل والترك وأما عند تحقق الفعل فلا، قالوا: الفعل مقدور حينئذٍ، أى: حين الفعل باتفاق لأنه أثر القدرة فيوجد معها، وإذا كان مقدورًا حينئذٍ فيصح التكليف به لأنه لا مانع إلا عدم القدرة وقد انتفى. الجواب: لا نسلم أن المقدور يصح التكليف به فإنه لا مانع غيره بل ما ذكرناه من لزوم التكليف بإيجاد الموجود وانتفاء الابتلاء مانع. قوله: (التكليف بالفعل) فإن قبل الاتفاق على ثبوت التكليف قبل حدوث الفعل كيف يصح مع القول بأن القدرة مع الفعل لا قبله وأن تكليف ما لا يطاق غير واقع وإن كان جائزًا والاتفاق على الانقطاع كيف يصح مع القول بكون التكليف أزليًا، قلنا قد سبق أن معنى ما لا يطاق: هو الذى يمتنع تعلق القدرة الحادثة به فكون القدرة مع الفعل لا ينافى كون الفعل قبل الحدوث مما يصح تعلق القدرة به ومعنى التكليف به قبل الحدوث هو تنجيز التكليف بأن يكون الإتيان به مطلوبًا من المكلف حتى يعصى بالترك، ولا خفاء فى وجوده قبل الفعل وإلا لم يعص أحد قط وما نقل عن الأشعرى أن التكليف إنما يتوجه عند المباشرة مشكل، ولا فى انقطاعه بعده وإلا لكان تكليفًا بتحصيل ما يحصل قبل وهو محال، وأما التكليف الأزلى الذى لا ينقطع أصلًا فهو التكليف العقلى المبنى على أن الطلب

стр. 928

قديم لا يعقل إلا متعلقًا بمطلوب، وهو غير تنجيز التكليف، وأما ما ذكره فى امتناع بقاء تنجيز التكليف حال حدوث الفعل من أنه تكليف بإيجاد الموجود وهو محال فغلطة فإن المحال إيجاد الموجود بوجود سابق لا بوجود حاصل بهذا الإيجاد على ما سيجئ من أن النهى لا يقتضى صحة المنهى عنه وكذا ما ذكره من انتفاء فائدة التكليف لأنا لا نسلم أن الابتلاء فائدة بقاء التكليف بل ابتدائه وأما ما يقال من أن التكليف يتعلق بالذات لمجموع الفعل من حيث هو المجموع وهو لم يوجد حال حدوث الفعل وإنما يتعلق بالأجزاء بالعرض فما لم يتحقق المجموع لم ينقطع التكليف فيرفع النزاع لما فيه من تسليم أن التكليف بكل جزء ينقطع عند مباشرته وإن كان باقيًا باعتبار جزء آخر متوقع الحدوث على أن هذا بل القول بالبقاء عند الحدوث لا يستقيم على مذهب الأشعرى على ما نقل عنه فى الكتب المشهورة من أن التكليف إنما يتعلق عند المباشرة لا قبلها. قوله: (وما نقل عن الأشعرى إنما يتوجه عند المباشرة مشكل) قال فى المواقف وحاشيته: قال الشيخ وأصحابه: القدرة الحادثة مع الفعل ولا توجد قبله وإلا لأمكن الفعل قبل الفعل فليفرض وجوده فيه فهى حال الفعل هذا خلف يعنى لو وجدت القدرة الحادثة قبل الفعل فى وقت معين لكان الفعل مقدورًا فيه إذ لا قدرة بدون المقدور، والتالى باطل لأنه يلزم اجتماع النقيضين ثم قال: وقال أكثر المعتزلة: إن القدرة الحادثة وتعلقها قبل الفعل ولهم على ذلك أدلة أولها: أنها لو كانت حال الفعل للزم إيجاد الموجود لأن تعلقها معناه الإيجاد وإيجاد الموجود محال، ورد بأن إيجاده بذلك الوجود الذى هو أثر الإيجاد لا استحالة فيه والتأثير مع حصول الأثر وإن تأخر عنه فى الرتبة ثانيها: أن وجود القدرة مع الفعل لا قبله يوجب حدوث قدرة اللَّه تعالى أو قدم المقدور، ورد بأن قدرته تعالى مخالفة فى الماهية للقدرة الحادثة التى لا يجوز أن تكون عندنا قبل الفعل فلا يلزم من تقدم القدرة القديمة حدوثها أو قدم المقدور الذى هو الفعل ولما تعلق معنوى فى الأزل لا يترتب عليه وجود الفعل فى الأزل ولها تعلق حادث حال حدوث الفعل، ثالثها: أنه يلزم أن لا يكون الكافر مكلفًا بالإيمان لأنه غير مقدور له بل لا يتصور عصيان من أحد إذ مع الفعل لا عصيان وبدونه لا قدرة فلا تكليف فلا عصيان،

стр. 929

وأجيب بأن معنى كون المكلف به مقدورًا عندنا أن يكون هو أو ضده متعلقًا للقدرة والإيمان وإن لم يكن متعلقًا للقدرة من الكافر لكن تركه بالتلبس بضده الذى هو الكفر مقدور له، والحق أن الشرط فى التكليف أن يكون قبل الفعل متمكنًا منه والقدرة بهذا المعنى هى شرط التكليف موجودة قبل الفعل نعم القدرة المتعلقة بالفعل المستجمعة لجميع الشرائط التى يوجد بها أو يخلقه اللَّه عندها هى مع الفعل البتة ولعل مراد الأشعرى هذا، وأما إنكار القدرة قبل الفعل رأسًا فالأشعرى أجل من أن يتفوه به فضلًا عن أن يتخذه مذهبًا. اهـ. قوله: (على ما سيجئ من أن النهى لا يقتضى صحة المنهى عنه) أى فلا يقال إن المنهى عنه إذا لم يكن صحيحًا كان النهى منعًا للمنع وطلبًا لتحصيل الحاصل لأنه ممتنع لهذا المنع. قوله: (وأما ما يقال. . . إلخ) جواب عن لزوم تكليف إيجاد الموجود لمذهب الشيخ من بقاء التكليف حال الحدوث. قوله: (فيرفع النزاع) أى بين الشيخ وغيره من إمام الحرمين والمعتزلة لما فيه من تسليم أن التكليف بكل جزء ينقطع. . . إلخ. أى لأنه لا أجاب بأن المجموع لم يحصل حال الحدوث وهو المكلف به بالذات فلم يلزم طلب تحصيل الحاصل فقد سلم أن التكليف بكل جزء لا يصح بقاؤه لئلا يلزم ذلك المحذور فينقطع التكليف بكل جزء حال حدوثه والتكليف إنما هو بكل جزء قبل التلبس به فحينئذ لا نزاع فى انقطاع التكليف حال الحدوث فلا يصح أن يكون هذا جوابًا لتصحيح مذهب الشيخ على أنه لا يتجه فى الآنيات لأن حدوثها ليس شيئًا فشيئًا. قوله: (على أن هذا) أى كون المكلف به المجموع الذى لا يتحقق إلا بآخر جزء من الفعل يقتضى أن التكليف يكون قبل التلبس بالمكلف به، بل القول ببقاء التكليف حال الحدوث يقتضى أن التكليف سابق حال الحدوث وأنه يستمر بعده وذلك كله لا يستقيم على ما نقل عن الشيخ من أن التكليف إنما يتعلق عند المباشرة.

стр. 930

(المحكوم عليه) قال: (المحكوم عليه: المكلَّف، مسألة: الفهم شرط التكليف، وقال به بعض من جوّز المستحيل لعدم الابتلاء. لنا لو صح لكان مستدعى حصوله منه طاعة كما تقدَّم ولصح تكليف البهيمة لأنهما سواء فى عدم الفهم. قالوا: لو لم يصح لم يقع، وقد اعتبر طلاق السكران وقتله وإتلافه وأجيب بأن ذلك غير تكليف بل من قبيل الأسباب كقتل الطفل وإتلافه، قالوا: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]. قلنا: يجب تأويله إما بمثل لا تمت وأنت ظالم، وإما على أن المراد الثمل لمنعه التثبت كالغضب). أقول: شرع فى المحكوم عليه وهو المكلَّف وذكر مباحثه فى مسائل هذه أولاها وهى: أن فهم المكلف للتكليف شرط لصحة التكليف عند المحققين وقد قال به كل من منع تكليف المحال لأن الامتثال بدون الفهم محال، وقد قال به بعض من جوّز تكليف المحال أيضًا لأن تكليف المحال قد يكون للابتلاء وهو معدوم ههنا لنا لو صح تكليف من لا يفهم لكان مستدعى حصول الفعل منه على قصد الطاعة والامتثال كما تقدَّم وأنه محال إذ لا يتصوّر ممن لا شعور له بالأمر قصد الفعل امتثالًا للأمر, قوله: امتثالا لأن الغافل عن الأمر بالفعل قد يصدر عنه الفعل اتفاقًا فنبه أن ذلك غير كافٍ فى سقوط التكليف بل لا بد من قصد الامتثال لئلا يتوهم أن ذلك إذا جاز فربما علم اللَّه منه ذلك فكلف به ولا يكون تكليف محال ولنا أيضًا لو صح لصح تكليف البهائم إذ لا مانع يُقَدَّر فى البهيمة إلا عدم الفهم وأنه ليس بمانع لتحققه فى صورة النزاع مع التكليف. قالوا: أولًا: لو لم يصح تكليف الغافل لم يقع وقد وقع لأنه اعتبر طلاق السكران وقتله وإتلافه فكلف بموجبها. الجواب: أنه ليس من قبيل التكليف بل من قبيل ربط الأحكام بأسبابها كاعتبار قتل الطفل وإتلافه، فإنه سبب لوجوب الضمان والدية من ماله على وليه وهو غير مكلف به قطعًا بل كربط وجوب الصوم بشهود الشهر. قالوا: ثانيًا: قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا

стр. 931

تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فهذا أمر لن يعلم ما يقول ومثله لا يفهم ما يقال له قطعًا فقد كلف من لا يفهم التكليف. الجواب: أنه ظاهر فى مقابلة قاطع، فيجب تأويله وله تأويلان، أحدهما: أنه نهى عن السكر عند إرادة الصلاة، نحو: لا تمت وأنت ظالم، إذ معناه لا تظلم فتموت وأنت ظالم، ثانيهما: أنه نهى الثمل الثابت العقل سمى سكرًا لأنه يؤدى إلى السكر غالبًا وحكمة نهيه أنه يمنعه التثبت كالغضب وقد يقال للغضبان اسكت حتى تعلم ما تقول أى حتى تعلم علمًا كاملًا وليس الغرض نفى العلم عنه بالكلية. قوله: (الفهم شرط التكليف) بأن يفهم الخطاب قدر ما يتوقف عليه الامتثال لا بأن يصدق بأنه مكلف وإلا لزم الدور وعدم تكليف الكفار، فعلى هذا لا حاجة إلى استثناء التكليف بالمعرفة أو النظر، أو قصد النظر، وأمثال ذلك. قوله: (امتثالًا) نقل بالمعنى وإلا فالمذكور فى المتن: طاعة. قوله: (إذ لا مانع يقدر فى البهيمة) يعنى أن هذا معلوم بالضرورة فلا يرد المنع بأنه لم لا يجوز أن يكون بانتفاء شرط آخر واعلم أن فى قيام الدليلين على من جوّز تكليف المحال نظر. قوله: (فهذا أمر): يعنى أن النهى عن مقاربة الصلاة أمر باجتنابها لمن لا يفهم الخطاب. المصنف: (لكان مستدعى حصوله) أى حصول الفعل وقوله: كما تقدم أى من أن التكليف هو الطلب وهو استدعاء الحصول. الشارح: (فهذا أمر لمن لا يعلم ما يقول) أى لأنه خطاب أضيف إلى حال السكر فيكون متحققًا حاله. قوله: (وإلا لزم الدور) أى لأن التكليف يتوقف على التصديق بأنه مكلف وهو يتوقف على التكليف. قوله: (وعدم تكليف الكافر) لأن تكليفه بالإيمان على هذا يتوقف على التصديق بأنه مكلف به لكونه شرطًا فيه وهو غير متحقق منه لأنه غير مصدق بأنه

стр. 932

مكلف فلا يكون مكلفًا. قوله: (فلا حاجة إلى استثناء التكليف بالمعرفة) أى كما قيل به لما ورد أن التكليف بمعرفة اللَّه شرطه العلم به والعلم به هو التصديق بأنه مكلف وهو يتوقف على معرفة المكلف بكسر اللام فيتوقف الشئ على نفسه وهو باطل مع أن الاستثناء فى العقليات لا يصح. قوله: (واعلم أن فى قيام الدليلين على من جوز تكليف المحال نظرًا) النظر إنما يتوجه إذا كان المجوز للتكليف بالمحال لا يشترط وجود الابتلاء فى التكليف والمجوز للتكليف بالمحال هم فرقتان؛ فرقة تشترط فى التكليف الابتلاء وهؤلاء يوافقون على اشتراط الفهم فى التكليف وأخرى لا تشترط وهم المخالفون ولا ينهض عليهم.

стр. 933

قال: (مسألة: قولهم: الأمر يتعلق بالمعدوم ولم يرد تنجيز التكليف وإنما أريد التعلق العقلى. لنا لو لم يتعلق به لم يكن أزليًا لأن من حقيقته التعلق، وهو أزلى، قالوا أمر ونهى وخبر من غير متعلق محال، قلنا محل النزاع وهو استبعاد، ومن ثمة قال ابن سعيد: إنما يتصف بذلك فيما لا يزال، وقال القديم الأمر المشترك وأورد أنها أنواعه فيستحيل وجوده. قالوا يلزم التعدد. قلنا: التعدد باعتبار المتعلقات لا يجوب تعددًا وجوديًا). أقول: اختص أصحابنا من بين الناس بأن الأمر يتعلق بالمعدوم حتى صرح بأن المعدوم مكلف وقد شدد سائر الطوائف النكير عليه قالوا: إذا امتنع فى النائم والغافل ففى المعدوم أجدر وإنما يرد ذلك لو أريد به تنجيز التكليف فى حال العدم بأن يطلب منه الفعل فى حال العدم بأن يكون الفهم أو الفعل فى حال العدم ولم يرد به ذلك بل أريد به التعلق العقلى وهو أن المعدوم الذى علم اللَّه أنه يوجد بشرائط التكليف يوجد عليه حكم فى الأزل بما يفهمه ويفعله فيما لا يزال. لنا لو لم يتعلق التكليف بالمعدوم لم يكن التكليف أزليًا واللازم باطل، أما الملازمة فلأن من حقيقة التكليف التعلق إذ لا يتحقق حقيقة التكليف إلا به فإذا كان التعلق حادثًا كان التكليف حادثًا وأما بطلان اللازم فلأن كلامه أزلى لامتناع قيام الحوادث بذاته ومنه أمر ونهى وخبر وغيرها، والأمر والنهى تكليف، قالوا: يلزم أمر ونهى وخبر من غير متعلق وأنه محال. الجواب: لا نسلم أنه محال فإنه نفس محل النزاع وما ذكرتموه مجرد استبعاد فى محل النزاع، وأنه لا يجدى نفعًا ولأجل أنه مستبعد أو لأجل لزومها من غير متعلق. قال عبد اللَّه بن سعيد: ليس كلامه فى الأزل أمرًا ونهيًا وخبرًا واستخبارًا، وإنما يتصف بذلك فيما لا يزال، وقال القديم هو المشترك بين هذه الأقسام وهذه الأقسام حادثة ولو رد عليه أن هذه الأقسام أنواع لجنس الكلام، والجنس لا يوجد إلا فى ضمن نوع ما فيستحيل وجود الكلام بدون هذه الأقسام، واعلم أن ابن سعيد يمنع كونها أنواعه بل عوارضه بحسب التعلق، ويجوز خلوه عن التعلق ولا يجعل التعلق من حقيقته، وله تحقيق وتدقيق فى الكلام. قالوا: ثانيًا: الأمر بالمعدوم فرع قدم الكلام بأقسامه، وأنه محال لأنه يلزم تعدد

стр. 934

القديم باعتبار أنواعه وأفراده، فإن المتعلق بزيد غير المتعلق بعمرو. الجواب: أن التعدد ههنا بحسب تعدد المتعلقات وأنه تعدد اعتبارى لا يوجب تعددًا وجوديًا وذلك هو المحال ومثاله الإبصار فإنه وصف واحد لا يتعدد فى الوجود بكثرة المبصرات إنما يتعدد تعلقه والوصف واحد. قوله: (وأما بطلان اللازم) توجيهه: كل كلامه أزلى وبعض كلامه أمر ونهى وبعض الأزلى أمر ونهى وكل أمره ونهيه تكليف فبعض الأزلى تكليف وقد كان اللازم لا شئ من التكليف بأزلى. قوله: (وهذه الأقسام حادثة) لتوقفها على التعلقات الحادثة وهذا ما يقال: إن حدوث الحكم والخطاب لا ينافى قدم الكلام لكون الحدوث باعتبار قيده الحادث. قوله: (وله تحقيق) هو أن الكلام صفة واحدة أزلية لا تدخل فى حقيقة التعلق ثم يتكثر تكثرًا اعتباريًا بحسب اعتبار التعلقات فمن حيث تعلقه بما لو فعل يستحق فاعله المدح وتاركه الذم، يسمى أمرًا، وبالعكس نهيًا، وعلى هذا القياس، ولا يكون هذا تنوعًا له، كالعلم يتعلق بالمعلومات المختلفة، ولا يصير باعتباره أنواعًا متعددة، وكذا القدرة. قوله: (يلزم تعدد القديم) وجه استحالته ما ذكر فى القدرة من أنها صفة واحدة وإلا لاستندت إلى الذات إما بطريق القدرة والاختيار وهو ينافى القدم وإما بطريق الإيجاب ونسبة الموجب إلى جميع الأعداد سواء لا أولوية لصدور البعض على البعض، فلو تعددت لزم ثبوت قدرة غير متناهية وهذا مع ابتنائه على أن الواحد الموجب لا يصدر عنه إلا الواحد منقوض يإثبات الصفات القديمة السبعية وأما على ما ذهب إليه الشارحون من أنه يلزم تعدد الكلام الأزلى واللازم باطل بالإجماع على أن كلامه فى الأزل واحد فلا إشكال. المصنف: (لم يرد تنجيز التكليف) أى لم يرد به ذلك حتى ينافى ما تقدم من أن الفهم شرط التكليف والمراد بتنجيز التكليف المنفى كون المعدوم مأمورًا بالإتيان بالفعل حال عدمه. المصنف: (وإنما أريد التعلق العقلى) أى أريد بتعلق الأمر التعلق المعنوى وهو

стр. 935

تكليف عقلى ومعناه على ما قال الشارح: أن المعدوم الذى علم اللَّه أنه يوجد بشرائط التكليف مأمور فى الأزل بأن يفعل فيما لا يزال بعد فهمه ذلك فيما لا يزال وعلى ذلك عبارة السعد فى التلويح حيث قال: جوزوا خطاب المعدوم بناء على أن المطلوب صدور الفعل حالة الوجود قال ابن السبكى فى شرحه على هذا المتن: واعلم أن شيخنا إنما أراد التنجيز والتعلق عنده قديم ولا يلزم من تنجيز تكليف المعدوم أن يكون المعدوم مكلفًا بأن يوجد الفعل حالة عدمه بل يكون التكليف به على صفة وهى أنه لا يوقع الفعل إلا بعد وجوده واستجماع الشرائط وذلك لا يوجد عدم التنجيز، بل التنجيز واقع وهذا معناه ومن ظن أنه يلزم من كونه مأمورًا فى العدم أن يوجد الفعل فى حالة عدمه فقد زل، مثال ذلك الوكالة فإن تعليقها باطل ولو نجز الوكالة وعلق التصرف على شرط صح وهو الآن وكيل وكالة منجزة، ولكنه لا يتصرف إلا إذا وجد الشرط هذا ما قاله الوالد ونادى به جهارًا وقد فاه به الإمام فى مكان من المحصول وبه يتضح أن التعلق قديم، ثم قال: وعندى أن التعلق نسبة بين شيئين لا يوصف بقدم ولا حدوث. اهـ. باختصار وعليه فليس هناك إلا تعلق واحد تنجيزى قديم وللتعلق المعنوى معنى آخر درج عليه المحلى فى شرحه على جمع الجوامع: وهو أنه بمعنى أن المعدوم إذا وجد متصفًا بشرائط التكليف كان مأمورًا بذلك الأمر الأزلى وعليه لا يكون مأمورًا فى الأزل ولا مكلفًا به وهو خلاف المدعى. المصنف: (وهو أزلى) أى التكليف أزلى بيان لبطلان اللازم. المصنف: (من غير متعلق) أى من غير متعلق موجود. المصنف: (محال) أى لأنه نظير من جلس وحده ينادى يا زيد افعل كذا ويا عمرو اترك كذا وهذا عين السفه فيستحيل على البارى. المصنف: (قلنا محل النزاع) أى الاستحالة محل النزاع. المصنف: (وهو استبعاد) أى فلا يلزم منه الامتناع وإنما بعد لقياسكم الغائب على الشاهد والنفسى على اللفظى وأنَّى يستويان. المصنف: (قال ابن سعيد) هو من أئمة أهل السنة وقال هذا تخلصًا من إلزام المعتزلة له القول بحدوث الكلام لأن الأمر والنهى والخبر من أقسام الكلام وهى حادثة لئلا يلزم الأمر بلا مأمور والنهى بلا منهى والخبر بلا مخبر وهو محال

стр. 936

فأثبت الكلام الأزلى ونفى تنوعه أزلًا إلى الأمر والنهى ونحو ذلك. الشارح: (واعلم أن ابن سعيد. . . إلخ) رد للإيراد على ابن سعيد. الشارح: (وله تحقيق وتدقيق فى الكلام) أما التحقيق: فهو ما ذكره المحشى بقوله: هو أن الكلام إلى قوله: وعلى هذا القياس، وأما التدقيق: فهو ما أشار إليه بقوله: ولا يكون هذا تنوعًا له كالعلم. . . إلخ. قوله: (كل كلامه أزلى وبعض كلامه أمر ونهى) قياس مركب من الشكل الثالث نتيجته هى قوله: وبعض الأزلى أمر ونهى المجعولة صغرى لكبرى قياس من الشكل الأول وكان الأولى أن يقول فبعض الأزلى أمر ونهى بالفاء. قوله: (وهذا مع ابتنائه على أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد. . . إلخ) نظر فيه بأن ابتناء الوجه المذكور على أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد غير مسلم، لأن ثبوت أمور غير متناهية باطل عند المتكلمين سواء ترتبت واجتمعت أم لا، فلو قرر هكذا لو تعددت ولا يمكن استنادها إلى غير الذات ولا إليها بطريق الاختيار فتسند الأمور المتعددة إلى الذات وهو باطل لأن الواحد. . . إلخ. كان مبنيًا على تلك المقدمة ثم يرد بأنه يجوز تعددها واستنادها إلى الذات بواسطة بعض صفاتها الأخرى لا إلى الذات وحدها وأما إذا بنى على أن نسبة الموجب إلى جميع الأعداد على السواء فكل عدد يفرض يجوز أن يصدر أكثر منه فيلزم لا تناهى القدر وهو باطل بدليل إبطال التسلسل عندهم فلا يحتاج إلى تلك المقدمة ويرد على هذا الثانى أنه لو تم لدل على عدم صدورها عن الذات فتأمل.

стр. 937

قال: (مسألة: يصح التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه عند وقته فلذلك يعلم قبل الوقت، وخالف الإمام والمعتزلة ويصح مع جهل الآمر اتفاقًا. لنا لو لم يصح لم يعص أحد أبدًا، لأنه لم يحصل شرط وقوعه من إرادة قديمة أو حادثة، وأيضًا لو لم يصح لم يعلم تكليف لأنه بعده ومعه منقطع وقبله لا يعلم فإن فرضه متسعًا فرضناه زمنًا زمنًا، فلا يعلم أبدًا وذلك باطل، وأيضًا لو لم يصح لم يعلم إبراهيم وجوب الذبح والمنكر معاند، وقال القاضى: الإجماع على تحقق الوجوب، والتحريم قبل التمكن، المعتزلة لو صح لم يكن الإمكان شرطًا فيه، وأجيب بأن الإمكان الشروط أن يكون مما يتأتى فعله عادة عند وقته واستجماع شرائطه والإمكان الذى هو شرط الوقوع محل النزاع وبأنه يلزم أن لا يصح مع جهل الآمر قالوا لو صح لصح مع علم المأمور وأجيب بانتفاء فائدة التكليف، ولهذا يطيع ويعصى بالعزم والبشر والكراهة). أقول: الفعل الذى ينتفى شرط وقوعه عند دخول وقته إن جهل الآمر انتفاءه صح التكليف به اتفاقًا وإن علم انتفاءه فهل يصح التكليف به؟ قال الجمهور: يصح فلذلك يعلم التكليف قبل دخول الوقت وإن لم يعلم وجود شرطه وتمكنه فى الوقت ولولا أن تحقق الشرط فى الوقت ليس شرطًا فى التكليف لما علم قبل وقته إذ الجهل بالشرط يوجب الجهل بالشروط وقال الإمام والمعتزلة: لا يصح لنا لو لم يصح التكليف بما علم عدم شرطه لم يعص أحد واللازم باطل بالضرورة من الدين بيان الملازمة أن كل ما لم يقع فقد انتفى شرط من شروطه من إرادة قديمة أو حادثة، فلا تكليف به فلا معصية، ولنا أيضًا لو لم يصح لم يعلم أحد أنه مكلف واللازم باطل، أما الأولى فلأن مع الفعل أو بعده سواء فعل أو عصى ينقطع التكليف وقبله لا يعلم لجواز أن لا يوجد شرط من شروطه فلا يكون مكلفًا، فإن قيل يعلمه قبل الفعل إذا كان الوقت متسعًا وقد وجد شرطه عند دخول الوقت، فإنه كاف فى تحقق التكليف، قلنا فنفرضه زمنًا زمنًا، ونردد فى كل جزء فإنه مع الفعل فيه أو بعده ينقطع وقبل الفعل يجوز أن لا يبقى بصفة التكليف فى الجزء الآخر فلا يأثم بالترك فلا تكليف، وأما بطلان اللازم فبالضرورة، ولنا أيضًا لو لم يصح لم يعلم إبراهيم وجوب ذبح ولده لانتفاء شرطه عند وقته وهو عدم النسخ وقد علمه قطعًا وإلا لم يقدم على قتل ولده ولم يحتج

стр. 938

إلى فداء، وقد أنكر قوم العلم بالتكليف، قبل دخول الوقت، وهو معاندة، وقال القاضى: وهو مخالف للإجماع؛ للإجماع على تحقق الوجوب والتحريم قبل التمكن من الفعل ويحققه وجوب الشروع فيه بنية الفرض إجماعًا، للمعتزلة وجهان: قالوا: أولًا: لو صح التكليف بما علم عدم شرطه وما عدم شرطه غير ممكن لزم أن لا يكون الإمكان شرطًا فى التكليف، واللازم منتف لما مر فى مسألة تكليف المحال. والجواب بوجهين: أحدهما: أن الإمكان الذى هو شرط التكليف أن يكون مما يتأتى فعله عادة عند حضور وقته واستجماع شرائطه وهو غير الإمكان الذى هو شرط وقوعه وهو استجماع شرائطه بالفعل، فإن عنيت بقولك: لم يكن الإمكان شرطًا، الأول منعناه فإن عدم الشرط لا ينافيه، أو الثانى التزمناه لأنه عين محل النزاع. ثانيهما: أنه يلزم مما ذكرتم أن لا يصح التكليف مع جهل الآمر بعدم الشرط كما فى الشاهد إذ عدم الإمكان بالنسبة إلى المأمور مشترك ولا أثر فيه لعلم الآمر وجهله. قالوا: ثانيًا: لو صح مع علم الآمر بعدم الشرط لصح مع علم المأمور به واللازم باطل، أما الأولى فإذ لا مانع من الصحة يقدر غير كونه غير متصوّر حصوله وأنه لا يصح مانعًا كما فى صورة النزاع، وأما الثانية فبالاتفاق. الجواب: لا نسلم أنه لا مانع إلا ما ذكرتم بل ههنا مانع آخر، وهو: انتفاء فائدة التكليف مع علم المأمور بانتفاء الشرط وهو الابتلاء بخلاف ما إذا جهل هو وعلم الآمر، فإنه يمكنه الفعل لو وجد الشرط فيصير مطيعًا عاصيًا بالعزم على الفعل والترك، وبالبشر به وبالكراهة له. قوله: (والمنكر معاند) الظاهر ما ذهب إليه الشارحون من أن المراد أن منكر علم إبراهيم ﵇ بوجوب الذبح معاند إلا أن المحقق حمله على ما يعم علم إبراهيم ﵇ بوجوب الذبح وعلم سائر المكلفين بالتكاليف قبل دخول الأوقات، إلا أنه ينبغى أن يراد دخول وقت الامتثال على ما لا يخفى والذى يشعر

стр. 939

بهذا التعميم هو أن قول القاضى مع عمومه متعلق بقوله: والمنكر معاند، على ما بينه المحقق، إذ لو كان ابتداء احتجاج آخر على ما ذهب إليه الشارحون لم يصرح بلفظ قال على ما هو دأبه، وفى قوله: على تحقق الوجوب إشارة إلى دفع الاعتراض بأنه يجوز أن يكون بالإجماع على ظاهر ذلك بناء على أن الغالب من المكلف بقاؤه وتمكنه، وفى قوله: بنية الفرض إجماعًا، إشارة إلى رد ما ذكر من أنه مختلف فيه، يعنى لا اعتداد بالمخالف فى ذلك مع اتفاق المجتهدين. قوله: (إن جهل الآمر): يعنى كما فى الشاهد مثل أن يقول السيد لعبده: صم غدًا فإنه مشروط ببقاء العبد وأما فى أوامر اللَّه تعالى فلا يتصور ذلك. قوله: (فلذلك يعلم) جعل الآمدى وغيره أصل المسألة هو أن المكلف هل يعلم قبل التمكن من الامتثال أنه مكلف؟ فأشار المصنِّفُ إلى أن الأصل هل يصح التكليف بما علم الآمر انتفاء شرطه؟ وما ذكر فرع عليه. قوله: (ولولا أن تحقق الشرط) مبناه على أن القول بكون العلم بانتفاء الشرط مانعًا من صحة التكليف قول بأن تحقق الشرط شرط فى صحة التكليف إذ لو لم يكن شرطًا لم يتصور لامتناع التكليف عند العلم بانتفاء شرطه جهة. قوله: (من إرادة قديمة) كإرادة اللَّه، أو حادثة كإرادة العبد، يعنى لا خلاف فى أن الفعل المكلف به مشروط بالإرادة، وإن وقع الخلاف فى أنه إرادة اللَّه تعالى، أو إرادة العبد، وما ذهب إليه العلامة من أن المراد إرادة اللَّه قديمة كانت أو حادثة، على اختلاف القولين فبعيد. قوله: (لم يعلم أحد أنه مكلف) إشارة إلى أن معنى قوله: لم يعلم تكليف لم يعلم فى شئ من الأزمنة أنه مكلف فى ذلك الزمان، وحينئذٍ ينقطع ما ذكره العلامة من منع اللازمة لجواز أن يعلم بعد الإتيان أنه كان مكلفًا قبله ولا يخفى أن الكلام إلزامى وإلا فلا انقطاع مع الفعل عند الأشعرى، وأما قوله: سواء فعل أو عصى فزيادة أخذها من كلام المنتهى ولا معنى لها ههنا إذ لا يصح تعلقه بقوله: مع الفعل وهو ظاهر ولا بقوله: بعده لأن الضمير للفعل وبعد الفعل لا يتصور الإتيان ولا العصيان وإنما صح فى المنتهى لأن الضمير لوقت الامتثال حيث قال: مسألة: المكلف يعلم التكليف قبل وقت الامتثال، وإن لم يعلم يمكنه عنده، ثم قال: لو لم يعلم قبله لم يعلم تكليف أبدًا لأنه بعده إن فعل أو عصى انقطع، ثم

стр. 940

لا يخفى أن الانقطاع على تقدير العصيان مبنى على كون القضاء بأمر جديد. قوله: (ومما عدم شرطه) أى ما يصح عليه الحكم بذلك وهو فى معنى ما علم عدم شرطه. قوله: (إذ عدم الإمكان) يعنى أن عدم إمكان الفعل الذى عدم شرطه بالنسبة إلى المأمور مشترك بين أن يكون الآمر عالمًا بعدم شرطه كما فى أمر اللَّه تعالى أو جاهلًا كما فى الشاهد مثل أمر السيد غلامه من غير تأثير علم الآمر أو جهله فى ذلك فيلزم أن لا يصح التكليف بالفعل الذى جهل الآمر انتفاء شرط وقوعه وقد صح اتفاقًا. قوله: (لصح مع علم المأمور به) أى مع علم المكلف بانتفاء شرطه، وأما قوله: فى الجواب مع علم المأمور بانتفاء الشرط على ما فى النسخ فلفظ به زائد لا معنى له اللهم إلا أن يجعل عائدًا إلى المشروط. قوله: (فإنه يمكنه الفعل) أى بالنظر إلى اعتقاده إمكان وجود الشرط. المصنف: (انتفاء شرط وقوعه) أى وقوع ما ليس مقدورًا له، وقوله: عند وقته أى وقت مباشرة الفعل لا الوقت المقدر له شرعًا كما يؤخذ من قول المحشى قبل التمكن من الامتثال. المصنف: (وخالف الإمام والعتزلة) هذا يناقض ما تقدم من الإجماع على صحة التكليف بما علم اللَّه عدم وقوعه لأن كل ما لم يقع فبانتفاء شرط من إرادة اللَّه تعالى أو إرادة العبد اتحد ما علم اللَّه أنه لا يقع فى الوقت وما علم اللَّه أنه ينتفى شرط وقوعه عند وقته فحكاية الإجماع هناك مناقضة لحكاية الخلاف هنا قال ابن السبكى فى شرحه لهذا المتن جوابًا عن هذا الإشكال: ما لوقوعه شرط إن علم الآمر الشرط واقعًا فلا إشكال فى صحة التكليف به، وإن جهله ويفرض فى السيد يأمر عبده فكذلك، ونقل المصنف الاتفاق عليه وفيه نظر، وإن علم انتفاءه فهو على قسمين: أحدهما: ما يتبادر الذهن إلى فهمه حين إطلاق التكليف كالحياة والتمييز فإن السامع متى سمع التكليف تبادر ذهنه إلى أنه يستدعى مميزًا فهذا هو الذى خالف فيه الإمام، وثانيهما: خلافه وهو ما لا يتبادر إليه الذهن وهو تعلق علم اللَّه مثلًا بأن زيدًا لا يؤمن فإن انتفاء هذا التعلق شرط فى وجود إيمانه ولكن

стр. 941

السامع يقضى بإمكان إيمان زيد غير ناظر إلى هذا الشرط وهذا لا يخالف فيه الإمام ولا غيره وهو ما سبق نقل الإجماع عليه، وسمعت من يقول: موضع الإجماع أولًا هو هذه المسألة ولكن نسب المخالفين فيها إلى خرق إجماع سابق عليهم وهذا ليس بشئ فإنه مع لزومه تكرر مسألة واحدة فى غير غرض فيه نسبة إمام الحرمين إلى خرق الإجماع ولن يجترئ المصنف ولا أجلَّ منه على ذلك وإنما الصواب ما ذكرناه على أن المسألة لا يترجمها أئمتنا بما ترجمها المصنف وإنما هى مترجمة عندهم بما جعله المصنف فائدة لهذه وهو أنه هل يعلم المأمور كونه مأمورًا فى أول وقت يوجه الخطاب إليه، أو لا يعلم ذلك حتى يمضى عليه زمن الإمكان، لأن الإمكان شرط التكليف والجاهل بوقوع الشرط جاهل بوقوع المشروط، قال أصحابنا بالأول وقال المعتزلة بالثانى واختاره إمام الحرمين، فهو فى الحقيقة اختلاف فى زمن تحقق الوجوب على المكلف لا فى صحة التكليف وعدمها ولكن عبارة المصنف قاصرة فالفعل الممكن بذاته إذا أمر اللَّه تعالى عبده به فسمع الأمر فى زمن ثم فهمه فى زمن يليه هل يعلم العبد إذ ذاك أنه مأمور مع أن من المحتمل أن يقطعه عن الفعل قاطع عجز أو موت أو نحوهما ويكون شاكًا فى ذلك أو لا؟ أصحابنا على الأول فيرون تحققًا مستفادًا من صيغة الأمر وإنما الشك فى رافع برفع المستقر، والقوم على العكس وربما أثر هذا الخلاف فى النية فيلزم القوم أن لا يوجد نية جازمة لحصول الشك فلا يصح لهم عمل. اهـ. وما أجاب به عن المصنف لا ينهض مع قول المصنف فى الاستدلال: لو لم يصح لم يعص أحد أبدًا لأنه لم يحصل شرط وقوعه من إرادة قديمة أو حادثة إذ مقتضاه أنه لا يفرق بين ما يتبادر الذهن إلى فهمه وما لا يتبادر. الشارح: (فلأنه مع الفعل) أى مع مباشرته وقوله: أو بعده أى بعد وقته المقدر للفعل يدل على ذلك قوله الآتى: فإنا نفرضه زمنًا زمنًا وبهذا اندفع اعتراض المحشى بأن قول الشارح: سواء فعل أو عصى زيادة أخذها من كلام المنتهى لا معنى لها. قوله: (والمنكر معاند) هذه القولة مكررة مع القوله اللاحقة فى نسخ الطبع والصواب إسقاطها من هنا. قوله: (فأشار المصنف إلى أن الأصل. . . إلخ) لأنه على كلام الآمدى يكون

стр. 942

محل الخلاف شاملًا لما إذا جهل الآمر انتفاء شرط الوقوع عند الوقت مع أن التكليف صحيح اتفاقًا وحينئذ فيعلم المكلف قبل التمكن أنه مكلف اتفاقًا بخلافه على كلام المصنف فإنه يكون محل ما إذا علم الآمر انتفاء شرط الوقوع فإن صح التكليف حينئذ وجد معلومًا للمأمور وإلا فلا. قوله: (إشارة إلى أن معنى قوله لم يعلم تكليف. . . إلخ) وجه الإشارة أنه إذا كان المراد لم يعلم أحد أنه مكلف لم يستقم إلا إذا كان المعنى لم يعلم أنه مكلف فى زمن التكليف.

стр. 943

(مباحث الأدلة الشرعية) قال: (الأدلة الشرعى: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال وهى راجعة إلى الكلام النفسى وهى نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم والعلم بالنسبة ضرورى ولو لم تقم به لكانت النسبة الخارجية إذ لا غيرهما، والخارجية لا يتوقف حصولها على تعقل المفردين وهذه متوقفة). أقول: قد فرغ من المبادئ وشرع فى الأدلة الشرعية، وهى خمسة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال، قيل: لأن الدليل وحى وغيره، والوحى إما متلو وهو القرآن أو لا وهو السنة، وغيره إن كان قول كل الأمة فالإجماع، وإن كان مشاركة فرع لأصل فى علة الحكم، فالقياس، وإلا فالاستدلال، واعلم أن الخمسة راجعة إلى الكلام النفسى إذ لولا دلالتها عليه لما كان فيها حجة والكلام النفسى نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم، أما تصور النسبة وكون الكلام النفسى نسبة فضرورى وأما أنها النسبة القائمة بالنفس فلأنها لو لم تقم به لكانت هى الخارجية واللازم منتف، أما الملازمة فإذ لا مخرج عنهما فإن الثابت ثابت، إما فى النفس وإما خارج النفس، فإذا انتفى أحدهما تعين الآخر، وأما انتفاء اللازم فلأن الخارجية لا يتوقف حصولها على تعقل المفردين لأن نسبة القيام إلى زيد إذا ثبتت فى الخارج ثبتت سواء عقل زيد القيام أم لا وهذه متوقف حصولها على تعقل المفردين فتغايرتا. قوله: (والاستدلال) سيجئ أنه ثلاثة: التلازم، وشرائع من قبلنا، والاستصحاب وقيل: والاستحسان، وقيل: المصالح المرسلة. قوله: (راجعة إلى الكلام النفسى) ذهب الآمدى وجميع الشارحين إلى أن مرجع الكل إلى كلام اللَّه تعالى القديم، وهو صفة قائمة بالذات ووجهه ظاهر أن الحكم ليس إلا للَّه، وظاهر كلام الشارح المحقق أن مرجع الكل إلى الكلام النفسى القائم بذات من صدر عنه فالقياس إلى الكلام النفسى القائم بذات المجتهد والإجماع بذات المجتهدين والسنة بذات النبى والكتاب بذاته ، إذ لو لم يدل على المعنى وعلى حكم من أهل الأدلة بأن الأمر كذا لم يكن فيه حجة

стр. 944

ودلالة على ثبوت الحكم وهو ظاهر وهذا أوفق بعبارة المتن. قوله: (أما تصور النسبة) يعنى أن كل واحد يعقل معنى نسبة معلوم إلى معلوم بحيث لو عبر عنها بلفظ يصح المسكوت عليه ويعلم أن ما يعقله أولًا، ثم يتكلم لأفادته هى تلك النسبة، فالكلام النفسى هى تلك النسبة التامة الإخبارية أو الإنشائية من حيث يفاد بالكلام اللفظى لا من حيث يستفاد منه ولهذا كان قائمًا بنفس المتكلم دون السامع وأما تحقيق مغايرته العلم والإرادة ففى الكلام. قوله: (وأما أنها النسبة القائمة بالنفس) أى بنفس المتكلم بمعنى أنها صفة لها موجودة فيها وجودًا متأصلًا كالعلم والإرادة ونحو ذلك لا بمعنى أنها معقولة لها حاصلة صورتها عندها للقطع بأن الموجود فى نفس المتكلم إذا قال: "صلوا" هو طلب الصلاة وإيجابها لا صورة ذلك كصورة السماء عند تعقلها ولهذا يصح اتصاف النفس بأنها طالبة، والمراد بالخارجية ما تقابل ذلك وحقيقتها أنها مع قطع النظر عما فى الذهن يقطع بأن زيدًا قائم مثلًا وإلا فنفس النسبة لا وجود لها فى الخارج والطرفان أيضًا قد يكونان معدومين كقولنا: المستحيل معدوم، فإن قيل: فعلى ما ذكرتم من أن المراد بالنسبة النفسية لا نسلم توقفها على الطرفين قلنا: افتقار النسبة إلى الطرفين ضرورى ولا يجوز أن يكون القائم بالنفس هما العينى بل بصورتهما العقلية وهو معنى التعقل. قوله: (التلازم) سيأتى أنه التلازم بين ثبوتين أو نفيين أو ثبوت ونفى أو نفى وثبوت مثال الثبوتين: من صح طلاقه صح ظهاره. قوله: (والاستصحاب) أى كقول الشافعى رضى اللَّه عنه فى الخارج الإجماع على أنه كان قبله متطهرًا والأصل البقاء حتى يأتى معارض. قوله: (والاستحسان) سيأتى أنه قيل بأنه دليل ينقدح فى نفس المجتهد تقصر عبارته عنه وقال به الحنفية. قوله: (والمصالح المرسلة) قال مالك رضى اللَّه عنه وهى مصالح لا يشهد لها أصل بالاعتبار فى الشرع وإن كانت على سنن الصالح وتلقتها العقول بالقبول. قوله: (هو الكلام النفسى وأما تحقيق مغايرته للعلم والإرادة ففى الكلام) حاصله أنه قد يخبر الشخص بخلاف ما يعلمه ولا شك أن الإخبار عما فى نفسه مرجعه المعنى النفسى فهو غير العلم وقد يأمر بخلاف ما يريد فهو غير الإرادة.

стр. 945

(مباحث الكتاب) قال: (الكتاب القرآن، وهو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه. وقولهم ما نقل بين دفتى المصحف تواترًا حدّ للشئ بما يتوقف عليه لأن وجود المصحف ونقله فرع تصور القرآن). أقول: الكتاب اسم للقرآن غلب عليه من بين الكتب فى عرف الشرع، كما غلب على كتاب سيبويه فى عرف أهل العربية، والقرآن هو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه فخرج الكلام الذى لم ينزل والذى أنزل لا للإعجاز كسائر الكتب السماوية، والسنة والمراد بالسورة البعض المترجم أوله وآخره توقيفًا، وقوله: بسورة منه إن أجرى على ظاهره فلإخراج بعض القرآن فإن التحدى وقع بسورة من كل القرآن، أى سورة كانت غير مختصة ببعض وإن أريد بسورة من جنسه فى البلاغة والعلو فيتناول كل القرآن، وكل بعض منه وهذا أقرب إلى غرض الأصولى وهو تعريف القرآن الذى هو دليل فى الفقه، واعلم أنه إن أراد تصوير مفهوم لفظ القرآن فهو صحيح وإن أراد التمييز فمشكل لأن كونه للإعجاز ليس لازمًا بينًا ولأن معرفة السورة تتوقف على معرفته، فيدور، وقال قوم منهم الغزالى: هو ما نقل بين دفتى المصحف تواترًا، وقولهم هذا حدّ للشئ بما يتوقف معرفته على معرفته، لأن المصحف ليس إلا ما كتب فيه القرآن ولا يتميز عن سائر الصحف إلا بما يكتب فيه، فالعلم بأن مصحفًا وبأن هذا نقل بين دفتيه تواترًا فرع تصوّر القرآن فتعريفه به دورى، وقد يقال: نحن بعد ما علمنا أن ههنا ما نقل بين الدفتين وما لم ينقل كالمنسوخ تلاوته، وما نقل ولم يتواتر نحو: ثلاثة أيام متتابعات، أردنا تخصيص الاسم بالقسم الأول دون الأخيرين لبعد أن ذلك هو الدليل وعليه الأحكام من منع التلاوة والمس محدثًا، وإلا فهو اسم علم شخصى والتعريف لا يكون إلا للحقائق الكلية بل قد نبهنا على أن ضابط معرفته التواتر فى متون الصحف وصدور الحفاظ دون التحديد والتعريف وهو الحق. قوله: (توقيفًا) أى إعلامًا من الشارع فإنه الذى بين أن من ههنا إلى ثمة سورة

стр. 946

ولا يخفى أن الآية أيضًا كذلك إذ لا معنى للمترجم له إلا المبين وبيان أول الآية وآخرها بالتوقيف لا غيره فالأولى أن يقال: هى الطائفة الترجمة توقيفًا، أى: المسماة باسم خاص. قوله: (إن أجرى على ظاهره) يعنى لا خفاء فى أن من للتبعيض وضمير منه للكلام فإن لم يعتبر فيه حذف كان القرآن اسمًا للمجموع الشخصى المؤلف من السور، وإن حمل على حذف المضاف أى بسورة من جنس ذلك الكلام فى الفصاحة وعلو الطبقة كان اسمًا للمفهوم الكلى الصادق على المجموع وعلى أى بعض يفرض، كما هو المناسب لغرض الأصولى إذ الاستدلال إنما هو بالأبعاض ولا خفاء فى صدقه على مثل قل وافعل ولا يسمى قرآنًا فى عرف فإن قيل فى صدقه على المجموع خفاء إذ السورة ليست من جنس المجموع، قلنا: المراد الجنس المماثل فى الفصاحة وعلو الطبقة والسورة تماثل المجموع فى ذلك فيصدق أنها من جنسه، فإن قيل: التفسير الأول لا يخص المجموع الشخصى بل يعم كلًا من الأبعاض المشتملة على السورة المتعددة كالنصف مثلًا، قلنا: قد أشار إلى دفع ذلك بقوله: فإن التحدى وقع بسورة من كل القرآن، أى سورة كانت غير مختصة ببعض فلا يصدق على النصف الأول مثلًا أنه الكلام النزل للإعجاز بسورة منه فتأمل. قوله: (واعلم) يعنى أن المذكور فى معرض التعريف قد يكون تصويرًا أى تعيينًا وتفسيرًا لمدلول اللفظ ومفهومه ويكفى فيه إيراد لفظ أشهر وذكر أمور تزيل الاشتباه العارض وفد يكون تمييزًا للشئ وإحداثًا لتصور له ويكون بالذاتيات أو باللوازم البينة المفيدة لذلك ولا يخفى أن كون القرآن للإعجاز مما لا يعرف مفهومه ولزومه إلا الأفراد من العلماء ولا يكود لازمًا بينًا فضلًا عن أن يكون ذاتيًا فلا يصلح لتعريف الحقيقة وتمييزها بل لمجرد تصوير مفهوم لفظ الكتاب بالنسبة إلى من يعرف الإعجاز والسورة ونحو ذلك. قوله: (ولأن معرفة السورة) فيه بحث فإن السورة اسم للطائفة الترجمة فى الكلام المنزل قرآنًا كان أو غيره بدليل سورة الإنجيل ولهذا احتاج المصنِّفُ إلى وصف السورة بقوله: منه فتأمل. قوله: (لأن وجود المصحف ونقله فرع تصور القرآن) سؤال ظاهر وهو أنه لما

стр. 947

أخذ المصحف فى تعريف القرآن توقف تصوره على تصور المصحف الموقوف على تصور القرآن إذ لا معنى له سوى ما كتب فيه القرآن فيكون دورًا ولا معنى لبيان توقف وجود المصحف ونقله على تصور القرآن مع أنه ممنوع إذ قد يتصور المصحف من لا يتصور القرآن فذهب الشارح العلامة إلى أن المراد الوجود الذهنى للمصحف والنقل وهو معنى التصور وبعضهم إلى أن الحكم بوجود المصحف ونقله مسبوق بتصور المراد ضرورة توقف التصديق على التصور فتعريف القرآن بهما دور وبعضهم إلى أن معرفة المنقول فى المصحف تتوقف على وجود المصحف والنقل وهما على تصور القرآن لأنه لا بد فى إثبات السور والآيات فى الأوراق من تصورها ولو أول مرة فتعريف القرآن بالمنقول فى المصحف يكون دورًا ثم دفع الدور بأن المقصود التعريف لغير من يثبت القرآن فى المصحف ولما لاح على هذه الوجوه أثر الضعف، زاد المحقق قَيْد العلم، وقال: إن العلم بوجود المصحف ونقل شئ بين دفتيه يتوقف على معرفة المصحف وهى على معرفة القرآن إذ لا معنى له سوى ما كتب فيه الؤآن وأنت خبير بأنه عائد إلى الثانى وأنه لا حاجة إلى توسط وجود المصحف ونقله إذ يكفى أن يقال معرفة المصحف موقوفة على معرفة القرآن فأخذه فى تعريفه دور وأيضًا ينبغى أن تكون معرفة المصحف فرع العلم بوجوده دون العكس لما تقرر عندهم من أن هلية الشئ النسبية مقدم على مائيته بحسب الحقيقة. قوله: (وقد يقال) يعنى أن الدور إنما يلزم لو كان المقصود توقيف معرفة ماهية القرآن على معرفة ماهية المصحف وأما إذا قصد تعيين المراد بالقرآن الذى هو مناط الأحكام بالنسبة إلى من يعلم أن ههنا ما لم ينقل أصلًا كالكلام النفسى ومنسوخ التلاوة ما نقل آحادًا كالقراءات الشاذة وما نقل تواترًا كالمثبت فى متون المصاحف تواترًا فلا دور إذ المصحف متعارف معلوم حتى للصبيان. قوله: (بل قد نبهنا) إضراب عن قوله: أردنا بمعنى أن ليس المقصود مجرد تخصيص الاسم بالقسم الأول، أعنى ما نقل بين الدفتين، أى: تواترًا ليعلم أنه المناط للأحكام، بل هناك أمر آخر هو التنبيه على أن ضابط معرفة المعنى الشخصى للقرآن هو النقل والتواتر دون التحديد والتعريف حيث ذكرنا فى معرض التعريف النقل والتواتر المفيد لمعرفته.

стр. 948

الشارح: (كسائر الكتب السماوية والسنة) لف ونشر غير مرتب على قوله: فخرج الكلام الذى لم ينزل والذى أنزل لا للإعجاز. قوله: (كان اسمًا للمجموع الشخصى) ليس المراد به المجموع الذى أوجده اللَّه على أول لسان حتى يكون القارئ للقرآن قارئًا لمثله لا له، بل المراد به المجموع المعين بالألفاظ المخصوصة بقطع النظر عن التعدد بتعدد المحل وإنما كان القرآن اسمًا للمجموع على هذا لأن المراد بسورة منه كل سورة منه، والذى كل سورة بعضه هو كل القرآن وقوله: وإن حمل على حذف المضاف على هذا يكون "ال" فى الكلام للجنس الصادق بالبعض والكل ووصفه بالإعجاز بسورة من جنسه شامل للكل والبعض لأن البعض يصدق عليه أنه كلام أنزل للإعجاز بسورة هى بعض جنسه الذى يتحقق بالمجموع، وقوله: ولا خفاء فى صدقه على مثل قل وافعل. . . إلخ. فيه أنه اعتبر أن يكون من الجنس فى الفصاحة والبلاغة ولا تتحقق فى مثل قل وافعل. قوله: (أى بسورة من جنس ذلك الكلام فى الفصاحة وعلو الطبقة كان اسما للمفهوم الكلى. . . إلخ) وذلك أنه حيث اعتبرت السورة من جنس الكلام المذكور فالبعض من القرآن يصدق عليه أنه كلام منزل للإعجاز بسورة من جنسه لحصول الإعجاز بسورة من المجموع. قوله: (قلنا قد أشار إلى دفع ذلك بقوله: فإن التحدى وقع بسورة من كل القرآن) فيه أنه قد نظر فى التعريف حينئذ للواقع والخارج والاعتراض بشمول الأبعاض منظور فيه للتعريف فى ذاته ولذا أمر بالتأمل. قوله: (أى تعيينًا وتفسيرًا) أى والتعريف حينئذ لفظى. قوله: (وتمييزها) أى إذا كان التعريف رسميًا. قوله: (فإن السورة اسم للطائفة. . . إلخ) قيل إن هذا إنما هو فى عرف المتشرعة لا معنى أصلى شرعى. المصنف: (المنزل) أى لذاته وكونه عرضًا سيالًا لا يبقى زمانين لا يعتبر مانعًا من وصفه بالنزول لغة لأنها لا تعتبو مثل هذه التدقيقات. قوله: (سؤال ظاهر) هذه القولة مكتوبة على قول المصنف؛ لأن وجود

стр. 949

المصحف. . . إلخ. فكان حقها التقديم على ما كتب على الشارح ثم محط السؤال الظاهر هو قوله: ولا معنى لبيان توقف وجود الصحف ونقله على تصور القرآن يعنى أن وجود المصحف ونقله لا دخل له فى الدور والدور حاصل باعتبار أخذ المصحف فى التعريف. قوله: (مع أنه ممنوع) أى مع أن حصول الدور باعتبار أخذ المصحف فى التعريف ممنوع فضلًا عن الاحتياج فيه إلى اعتبار الوجود والنقل. قوله: (لما تقرر عندهم من أن هلية الشئ البسيطة مقدمة على مائيته بحسب الحقيقة) قال فى التلخيص قيل فيطلب بما شرح الاسم كقولنا ما العنقاء أو ماهية المسمى كقولنا ما الحركة وتقع هل البسيطة فى الترتيب بينهما. اهـ. قال السعد فى شرحه أى بين ما التى لشرح الاسم والتى لطلب الماهية يعنى أن مقتضى الترتيب الطبيعى أن يطلب أولًا شرح الاسم ثم وجود المفهوم فى نفسه ثم ماهيته وحقيقته؛ لأن من لا يعرف مفهوم اللفظ استحال منه أن يطلب وجود ذلك المفهوم ومن لا يعرف أنه موجود استحال منه أن يطلب حقيقته وماهيته إذ لا حقيقة للمعدوم ولا ماهية له والفرق بين المفهوم من الاسم بالجملة وبين الماهية التى تفهم من الحد بالتفصيل غير قليل. اهـ. المقصود منه واعلم أن إثبات الدور لا يتوقف على دعوى توقف العلم بوجود الصحف والتصديق به على معرفة المصحف وتصوره تصورًا حقيقيًا أى تصورًا لحقيقة الشئ الموجود الذى علم وجوده بل يكفى فى ذلك أن التصديق بوجود المصحف يتوفت على تصور مفهوم اسم المصحف فقول المحشى: وأيضًا ينبغى. . . إلخ. ليس على ما ينبغى.

стр. 950

قال: (مسألة: ما نقل آحادًا فليس بقرآن للقطع بأن العادة تقضى بالتواتر فى تفاصيل مثله وقوة الشبهة من الجانبين فى مثل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ منعت من التكفير من الجانبين والقطع بأنها لم تتواتر فى أوائل السور قرآنًا فليست بقرآن فيها قطعًا كغيرها، وتواترت بعض آية فى النمل فلا مخالف. قولهم: مكتوبة بخط المصحف، وقول ابن عباس رضى اللَّه عنهما: "سرق الشيطان من الناس آية" لا يفيد لأن القاطع يقابله. قولهم: لا يشترط التواتر فى المحل بعد ثبوت مثله ضعيف يستلزم جواز سقوط كثير من القرآن المكرر وجواز إثبات ما ليس بقرآن منه مثل ﴿وَيْلٌ﴾ [المرسلات: ١٥]، و ﴿فَبِأَيِّ﴾ [الرحمن: ١٣]، لا يقال يجوز ولكن اتفق تواتر ذلك؛ لأنا نقول لو قطع النظر عن ذلك الأصل لم يقطع بانتفاء ذلك السقوط ونحن نقطع بأنه لا يجوز والدليل ناهض ولأنه يلزم جواز ذلك فى المستقبل وهو باطل). أقول: ما نقل آحادًا فليس بقرآن لأن القرآن مما تتوفر الدواعى على نقله لما تضمنه من التحدى والإعجاز ولأنه أصل سائر الأحكام والعادة تقضى بالتواتر فى تفاصيل ما هو كذلك، فما لم ينقل متواترًا علم أنه ليس قرآنًا قطعًا، وبهذا الطريق يعلم أن القرآن لم يعارض فإن قيل لو وجب تواتره وقطع بنفى ما لم يتواتر لكفرت إحدى الطائفتين الأخرى فى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ واللازم منتفٍ أما الأولى فلأنه إن تواتر فإنكاره نفى للضرورى كونه من القرآن وإلا فإثبات للضرورى عدم كونه من القرآن وكلاهما مظنة التكفير وكان يقع تكفير من جانب عادة كمنكر أحد الأركان أو مثبت ركن آخر، وأما انتفاء اللازم فلأنه لو وقع لنقل وللإجماع على عدم التكفير من الجانبين. الجواب: لا نسلم الملازمة وإنما تصح لو كان كل من الطرفين لا تقوم فيه شبهة قرية تخرجه من حد الوضوح إلى حد الإشكال، وأما إذا قوى عند كل فرقة الشبهة من الطرف الآخر فلا يلزم التكفير فإن قيل فما الحق فى بسم اللَّه أمن القرآن هى أم لا؟ قلنا: إنها ليست من القرآن فى أول سورة أصلًا بدليل أنه لم يتواتر أنه من القرآن فى أوائل السور فلا يكون قرآنًا فى أوائل السور لقضاء العادة بتواتر تفاصيل مثله، وبهذا الطريق قطعنا بأن غيرها مما لم يذكر فى القرآن ليس منه وأنها تواترت بعض آية فى سورة النمل، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، ولذلك لم يخالف فيه مخالف.
следующие страницы →