ولا يخفى أن الآية أيضًا كذلك إذ لا معنى للمترجم له إلا المبين وبيان أول الآية وآخرها بالتوقيف لا غيره فالأولى أن يقال: هى الطائفة الترجمة توقيفًا، أى: المسماة باسم خاص.
قوله: (إن أجرى على ظاهره) يعنى لا خفاء فى أن من للتبعيض وضمير منه للكلام فإن لم يعتبر فيه حذف كان القرآن اسمًا للمجموع الشخصى المؤلف من السور، وإن حمل على حذف المضاف أى بسورة من جنس ذلك الكلام فى الفصاحة وعلو الطبقة كان اسمًا للمفهوم الكلى الصادق على المجموع وعلى أى بعض يفرض، كما هو المناسب لغرض الأصولى إذ الاستدلال إنما هو بالأبعاض ولا خفاء فى صدقه على مثل قل وافعل ولا يسمى قرآنًا فى عرف فإن قيل فى صدقه على المجموع خفاء إذ السورة ليست من جنس المجموع، قلنا: المراد الجنس المماثل فى الفصاحة وعلو الطبقة والسورة تماثل المجموع فى ذلك فيصدق أنها من جنسه، فإن قيل: التفسير الأول لا يخص المجموع الشخصى بل يعم كلًا من الأبعاض المشتملة على السورة المتعددة كالنصف مثلًا، قلنا: قد أشار إلى دفع ذلك بقوله: فإن التحدى وقع بسورة من كل القرآن، أى سورة كانت غير مختصة ببعض فلا يصدق على النصف الأول مثلًا أنه الكلام النزل للإعجاز بسورة منه فتأمل.
قوله: (واعلم) يعنى أن المذكور فى معرض التعريف قد يكون تصويرًا أى تعيينًا وتفسيرًا لمدلول اللفظ ومفهومه ويكفى فيه إيراد لفظ أشهر وذكر أمور تزيل الاشتباه العارض وفد يكون تمييزًا للشئ وإحداثًا لتصور له ويكون بالذاتيات أو باللوازم البينة المفيدة لذلك ولا يخفى أن كون القرآن للإعجاز مما لا يعرف مفهومه ولزومه إلا الأفراد من العلماء ولا يكود لازمًا بينًا فضلًا عن أن يكون ذاتيًا فلا يصلح لتعريف الحقيقة وتمييزها بل لمجرد تصوير مفهوم لفظ الكتاب بالنسبة إلى من يعرف الإعجاز والسورة ونحو ذلك.
قوله: (ولأن معرفة السورة) فيه بحث فإن السورة اسم للطائفة الترجمة فى الكلام المنزل قرآنًا كان أو غيره بدليل سورة الإنجيل ولهذا احتاج المصنِّفُ إلى وصف السورة بقوله: منه فتأمل.
قوله: (لأن وجود المصحف ونقله فرع تصور القرآن) سؤال ظاهر وهو أنه لما
стр. 947
أخذ المصحف فى تعريف القرآن توقف تصوره على تصور المصحف الموقوف على تصور القرآن إذ لا معنى له سوى ما كتب فيه القرآن فيكون دورًا ولا معنى لبيان توقف وجود المصحف ونقله على تصور القرآن مع أنه ممنوع إذ قد يتصور المصحف من لا يتصور القرآن فذهب الشارح العلامة إلى أن المراد الوجود الذهنى للمصحف والنقل وهو معنى التصور وبعضهم إلى أن الحكم بوجود المصحف ونقله مسبوق بتصور المراد ضرورة توقف التصديق على التصور فتعريف القرآن بهما دور وبعضهم إلى أن معرفة المنقول فى المصحف تتوقف على وجود المصحف والنقل وهما على تصور القرآن لأنه لا بد فى إثبات السور والآيات فى الأوراق من تصورها ولو أول مرة فتعريف القرآن بالمنقول فى المصحف يكون دورًا ثم دفع الدور بأن المقصود التعريف لغير من يثبت القرآن فى المصحف ولما لاح على هذه الوجوه أثر الضعف، زاد المحقق قَيْد العلم، وقال: إن العلم بوجود المصحف ونقل شئ بين دفتيه يتوقف على معرفة المصحف وهى على معرفة القرآن إذ لا معنى له سوى ما كتب فيه الؤآن وأنت خبير بأنه عائد إلى الثانى وأنه لا حاجة إلى توسط وجود المصحف ونقله إذ يكفى أن يقال معرفة المصحف موقوفة على معرفة القرآن فأخذه فى تعريفه دور وأيضًا ينبغى أن تكون معرفة المصحف فرع العلم بوجوده دون العكس لما تقرر عندهم من أن هلية الشئ النسبية مقدم على مائيته بحسب الحقيقة.
قوله: (وقد يقال) يعنى أن الدور إنما يلزم لو كان المقصود توقيف معرفة ماهية القرآن على معرفة ماهية المصحف وأما إذا قصد تعيين المراد بالقرآن الذى هو مناط الأحكام بالنسبة إلى من يعلم أن ههنا ما لم ينقل أصلًا كالكلام النفسى ومنسوخ التلاوة ما نقل آحادًا كالقراءات الشاذة وما نقل تواترًا كالمثبت فى متون المصاحف تواترًا فلا دور إذ المصحف متعارف معلوم حتى للصبيان.
قوله: (بل قد نبهنا) إضراب عن قوله: أردنا بمعنى أن ليس المقصود مجرد تخصيص الاسم بالقسم الأول، أعنى ما نقل بين الدفتين، أى: تواترًا ليعلم أنه المناط للأحكام، بل هناك أمر آخر هو التنبيه على أن ضابط معرفة المعنى الشخصى للقرآن هو النقل والتواتر دون التحديد والتعريف حيث ذكرنا فى معرض التعريف النقل والتواتر المفيد لمعرفته.
стр. 948
الشارح: (كسائر الكتب السماوية والسنة) لف ونشر غير مرتب على قوله: فخرج الكلام الذى لم ينزل والذى أنزل لا للإعجاز.
قوله: (كان اسمًا للمجموع الشخصى) ليس المراد به المجموع الذى أوجده اللَّه على أول لسان حتى يكون القارئ للقرآن قارئًا لمثله لا له، بل المراد به المجموع المعين بالألفاظ المخصوصة بقطع النظر عن التعدد بتعدد المحل وإنما كان القرآن اسمًا للمجموع على هذا لأن المراد بسورة منه كل سورة منه، والذى كل سورة بعضه هو كل القرآن وقوله: وإن حمل على حذف المضاف على هذا يكون "ال" فى الكلام للجنس الصادق بالبعض والكل ووصفه بالإعجاز بسورة من جنسه شامل للكل والبعض لأن البعض يصدق عليه أنه كلام أنزل للإعجاز بسورة هى بعض جنسه الذى يتحقق بالمجموع، وقوله: ولا خفاء فى صدقه على مثل قل وافعل. . . إلخ. فيه أنه اعتبر أن يكون من الجنس فى الفصاحة والبلاغة ولا تتحقق فى مثل قل وافعل.
قوله: (أى بسورة من جنس ذلك الكلام فى الفصاحة وعلو الطبقة كان اسما للمفهوم الكلى. . . إلخ) وذلك أنه حيث اعتبرت السورة من جنس الكلام المذكور فالبعض من القرآن يصدق عليه أنه كلام منزل للإعجاز بسورة من جنسه لحصول الإعجاز بسورة من المجموع.
قوله: (قلنا قد أشار إلى دفع ذلك بقوله: فإن التحدى وقع بسورة من كل القرآن) فيه أنه قد نظر فى التعريف حينئذ للواقع والخارج والاعتراض بشمول الأبعاض منظور فيه للتعريف فى ذاته ولذا أمر بالتأمل.
قوله: (أى تعيينًا وتفسيرًا) أى والتعريف حينئذ لفظى.
قوله: (وتمييزها) أى إذا كان التعريف رسميًا.
قوله: (فإن السورة اسم للطائفة. . . إلخ) قيل إن هذا إنما هو فى عرف المتشرعة لا معنى أصلى شرعى.
المصنف: (المنزل) أى لذاته وكونه عرضًا سيالًا لا يبقى زمانين لا يعتبر مانعًا من وصفه بالنزول لغة لأنها لا تعتبو مثل هذه التدقيقات.
قوله: (سؤال ظاهر) هذه القولة مكتوبة على قول المصنف؛ لأن وجود
стр. 949
المصحف. . . إلخ. فكان حقها التقديم على ما كتب على الشارح ثم محط السؤال الظاهر هو قوله: ولا معنى لبيان توقف وجود الصحف ونقله على تصور القرآن يعنى أن وجود المصحف ونقله لا دخل له فى الدور والدور حاصل باعتبار أخذ المصحف فى التعريف.
قوله: (مع أنه ممنوع) أى مع أن حصول الدور باعتبار أخذ المصحف فى التعريف ممنوع فضلًا عن الاحتياج فيه إلى اعتبار الوجود والنقل.
قوله: (لما تقرر عندهم من أن هلية الشئ البسيطة مقدمة على مائيته بحسب الحقيقة) قال فى التلخيص قيل فيطلب بما شرح الاسم كقولنا ما العنقاء أو ماهية المسمى كقولنا ما الحركة وتقع هل البسيطة فى الترتيب بينهما. اهـ. قال السعد فى شرحه أى بين ما التى لشرح الاسم والتى لطلب الماهية يعنى أن مقتضى الترتيب الطبيعى أن يطلب أولًا شرح الاسم ثم وجود المفهوم فى نفسه ثم ماهيته وحقيقته؛ لأن من لا يعرف مفهوم اللفظ استحال منه أن يطلب وجود ذلك المفهوم ومن لا يعرف أنه موجود استحال منه أن يطلب حقيقته وماهيته إذ لا حقيقة للمعدوم ولا ماهية له والفرق بين المفهوم من الاسم بالجملة وبين الماهية التى تفهم من الحد بالتفصيل غير قليل. اهـ. المقصود منه واعلم أن إثبات الدور لا يتوقف على دعوى توقف العلم بوجود الصحف والتصديق به على معرفة المصحف وتصوره تصورًا حقيقيًا أى تصورًا لحقيقة الشئ الموجود الذى علم وجوده بل يكفى فى ذلك أن التصديق بوجود المصحف يتوفت على تصور مفهوم اسم المصحف فقول المحشى: وأيضًا ينبغى. . . إلخ. ليس على ما ينبغى.
стр. 950
قال: (مسألة: ما نقل آحادًا فليس بقرآن للقطع بأن العادة تقضى بالتواتر فى تفاصيل مثله وقوة الشبهة من الجانبين فى مثل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ منعت من التكفير من الجانبين والقطع بأنها لم تتواتر فى أوائل السور قرآنًا فليست بقرآن فيها قطعًا كغيرها، وتواترت بعض آية فى النمل فلا مخالف. قولهم: مكتوبة بخط المصحف، وقول ابن عباس رضى اللَّه عنهما: "سرق الشيطان من الناس آية" لا يفيد لأن القاطع يقابله. قولهم: لا يشترط التواتر فى المحل بعد ثبوت مثله ضعيف يستلزم جواز سقوط كثير من القرآن المكرر وجواز إثبات ما ليس بقرآن منه مثل ﴿وَيْلٌ﴾ [المرسلات: ١٥]، و ﴿فَبِأَيِّ﴾ [الرحمن: ١٣]، لا يقال يجوز ولكن اتفق تواتر ذلك؛ لأنا نقول لو قطع النظر عن ذلك الأصل لم يقطع بانتفاء ذلك السقوط ونحن نقطع بأنه لا يجوز والدليل ناهض ولأنه يلزم جواز ذلك فى المستقبل وهو باطل).
أقول: ما نقل آحادًا فليس بقرآن لأن القرآن مما تتوفر الدواعى على نقله لما تضمنه من التحدى والإعجاز ولأنه أصل سائر الأحكام والعادة تقضى بالتواتر فى تفاصيل ما هو كذلك، فما لم ينقل متواترًا علم أنه ليس قرآنًا قطعًا، وبهذا الطريق يعلم أن القرآن لم يعارض فإن قيل لو وجب تواتره وقطع بنفى ما لم يتواتر لكفرت إحدى الطائفتين الأخرى فى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ واللازم منتفٍ أما الأولى فلأنه إن تواتر فإنكاره نفى للضرورى كونه من القرآن وإلا فإثبات للضرورى عدم كونه من القرآن وكلاهما مظنة التكفير وكان يقع تكفير من جانب عادة كمنكر أحد الأركان أو مثبت ركن آخر، وأما انتفاء اللازم فلأنه لو وقع لنقل وللإجماع على عدم التكفير من الجانبين.
الجواب: لا نسلم الملازمة وإنما تصح لو كان كل من الطرفين لا تقوم فيه شبهة قرية تخرجه من حد الوضوح إلى حد الإشكال، وأما إذا قوى عند كل فرقة الشبهة من الطرف الآخر فلا يلزم التكفير فإن قيل فما الحق فى بسم اللَّه أمن القرآن هى أم لا؟ قلنا: إنها ليست من القرآن فى أول سورة أصلًا بدليل أنه لم يتواتر أنه من القرآن فى أوائل السور فلا يكون قرآنًا فى أوائل السور لقضاء العادة بتواتر تفاصيل مثله، وبهذا الطريق قطعنا بأن غيرها مما لم يذكر فى القرآن ليس منه وأنها تواترت بعض آية فى سورة النمل، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، ولذلك لم يخالف فيه مخالف.
стр. 951
قالوا: إنها مكتوبة بخط المصحف مع المبالغة فى توصيتهم بتجريد القرآن عما سواه حتى لم يثبتوا آمين، ومنع قوم العجم، وأيضًا قال ابن عباس فى شأن البسملة: سرق الشيطان من الناس آية.
والجواب عنهما: أنه لا يفيد قطعًا وهو ظاهر، ولا ظنًا لأنه فى مقابلة القاطع والظنى يضمحل إذا قابله القطع، وربما يقال: الأول منهما قطعى لأن العادة تقضى فى مثله بعدم الاتفاق فكان لا يكتبها بعض أو ينكر على كاتبها ولو نادرًا، وقد قيل على قولنا العادة تقضى بتواتر تفاصيل مثله لا نسلم ذلك نعم يشترط تواتر مثله فى محل ما وأما تواتره بعينه فى الحل المخصوص فلا وهذا ضعيف لأنه يستلزم جواز سقوط كثير من القرآن مما ثبت فى محل ولم يتواتر اكتفاءً بذلك عن تواتره فى المحل وأيضًا يستلزم جواز كون بعض القرآن المكرر قد أثبت مع أنه ليس بقرآن فى المحل مثل: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣]، لأنه تواتر فى محل فجوز نقله فى غيره مكررًا لا يقال جواز العدم لا يمنع الوقوع والوقوع لا يوجب الوجوب فيقال إنه اتفق تواتر ذلك المكرر مع أنه لو لم يتواتر كان جائزًا لأنا نقول لو قطع النظر عن ذلك الأصل وهو وجوب تواتر تفاصيل مثله لا حصل الجزم بانتفاء السقوط لأن عدم السقوط مما لا يتصور اتفاق تواتره كما فى الإثبات لكنا نقطع بذلك بحيث لا نقبل التشكيك وأيضًا فالدليل ناهض وجوب تواتر تفاصيل مثله مما تتوفر الدواعى على نقله وسيأتى، وأيضًا فيلزم جواز ذلك فى المستقبل ونحن نعلم بطلانه بالضرورة فإن من أخذ يلحق بالمصحف آيات مكررة مما يثبت مثله ويسقط بعض المكرر عد مجنونًا أو زنديقًا، وربما يقال: لو شرط تواتره فى المحل دون تواتر كونه قرآنًا فيه لم يلزم ما ذكر، وأيضًا فهذا لا ينفى قول من قال: إنها آية نزلت، وأمر بالفصل بها بين السور لا أنها آية من كل سورة فهى آية لا مائة وثلاث عشرة آية وهو قريب وما يروى من قول الشافعى أنها آية فى الفاتحة والخلاف فى غيرها فيه تحكم.
قوله: (وقوة الشبهة) يعنى على زعم الخصم وإلا فعند المصنِّف أن دليل كونها ليست فى أوائل السور من القرآن قطعى ومخالفة القطعى إنما تكون كفرًا إذا لم تستند إلى شبهة قوية، فإن قيل أدنى درجات الشبهة القوية أن تورث شكًا أو وهمًا
стр. 952
فلا يبقى الطرف الآخر قعطعيًا، قلنا: هى قوية عند من يتمسك بها وأما عند الخصم فمن الضعف بحيث لا تفيد شيئًا، هذا ولكن كلام الشارح صريح فى أنه قد قوى عند كل فرقة الشبهة من الطرف الآخر.
قوله: (بدليل أنه لم يتواتر أنه من القرآن) إشارة إلى أن المعتبر تواتر هذا الحكم وهو أنه من القرآن لا مجرد تواتر ذلك الكلام.
قوله: (فى شأن البسملة) يعنى فى ترك بعضهم افتتاح كل سورة بالبسملة كذا فى أحكام الآمدى وجميع الكتب المشهورة، ومن سقط الكلام ما يقال: إنه قال ذلك فى تركهم افتتاح سورة براءة بالتسمية.
قوله: (وقد قيل) أصل الدليل أن التسمية لو كانت فى أوائل السور من القرآن لتواتر كونها فيها من القرآن لقضاء العادة بتواتر تفاصيل مثله، واللازم باطل، فاعترض بمنع قضاء العادة بذلك بل يكفى التواتر فى محل مّا وقد تواترت بعض آية فى سورة النمل فأجاب أنه لو لم يشترط تواتر تفاصيله وجاز الاكتفاء بالتواتر فى محل ملزم جواز أمرين أحدهما أن يكون قد سقط من القرآن كثير من الآيات التى كانت مكررة بأن يكون قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، آية من أول كل سورة فأسقطت لعدم تواترها هناك اكتفاء بسورة الفاتحة، وثانيهما: أن يكون قد أثبت فى القرآن على سبيل التكرار كثير من الآيات التى كانت غير متكررة بأن يكون قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] آية واحدة من سورة المرسلات، و ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] آية واحدة من سورة الرحمن لا عدة آيات، وإنما وقع التعدد والتكرار بناء على عدم تواترها فى محلها المخصوص وكلا الأمرين منتف قطعًا، ثم اعترض على هذا الجواب بأنه إن أريد بالجواز مجرد الإمكان فلا يضرنا لأن اللازم هو الإمكان والمنتفى هو الوقوع وإن أريد احتمال أن يكون الواقع ذلك فاللزوم ممنوع وإنما يلزم لو لم يقم الدليل القاطع على انتفائه وهو اتفاق تواتر السور خالية مما زعمتم جواز كونه ساقطًا وتواتر المكرر الذى زعمتم جواز كونه قد أثبت مع أنه ليس بقرآن فى المحل وذلك لأن جواز عدم التواتر لا يمنع وقوع التواتر فظهر أن فى عبارة الشارح قصورًا واستدراكًا أما القصور فلأنه لم يتعرض لعدم السقوط وجعل قوله: اتفق تواتر ذلك إشارة إلى المكرر فقط وما ذكرنا هو الموافق للمنتهى وسائر الشروح وأما
стр. 953
الاستدراك فلأنه لا مدخل فى المقصود لقوله والوقوع لا يوجب الوجوب وكأنه دفع لما عسى يتوهم من أن وقوع تواتر المكرر البتة مبنى على أن تواتر التفاصيل واجب، فأجاب عن هذا الاعتراض بأنا نقول: من الابتداء أن منع وجوب تواتر التفاصيل ساقط أما أولًا: فلأنه لو لم يجب لم يحصل الجزم بعدم سقوط كثير من القرآن المكرر إذ لا يعقل تواتر العدم كما يعقل تواتر الإثبات يعنى هب أن ما ذكرنا من لزوم جواز الإثبات لا يتم بناء على اتفاق تواتر المكررات لكن جواز الإسقاط مما لا مدفع له، وأما ثانيًا: فلأن الدليل قائم على وجوب تواتر التفاصيل وهو قضاء العادة بذلك فيما تتوفر عليه الدواعى كما سيجئ فى بحث الخبر، وقيل هو الإجماع، وأما ثالثًا: فلأنه لو لم يجب لزم جواز ذلك أى ما ذكرنا من الإثبات والإسقاط بالنظر إلى الاستقبال لأن التواتر وإن اتفق فيما مضى من الزمان إلى الآن لكنه لما لم يجب جاز أن لا يتفق فيما يتأتى من الزمان وحاصله أن ما ذكرنا من الإلزام يتم فى الإسقاط مطلقًا وفى الإثبات بالنظر إلى الاستقبال فظهر أن ما ذكر ليس كلامًا على السند بل دفعًا للمنع، وأن ذلك الأصل إشارة إلى وجوب تواتر التفاصيل لا إلى اتفاق التواتر على ما فى الشروح وأن ليس معنى قوله: والدليل ناهض أن لنا دليلًا على انتفاء جواز السقوط وهو ما سبق من وجوب اشتراط التواتر على ما فى بعض الشروح.
قوله: (وربما يقال) الاعتراض من الشارح على ما ذهب إليه المصنف من أنه يشترط تواتر التفاصيل وإلا لزم جواز الأمرين الباطلين وإذا اشترط ثبت أن التسمية فى أوائل السور ليست من القرآن إذ لم يتواتر كونها هناك من القرآن والاعتراض من وجهين: أحدهما: أنا نشترط فيما هو قرآن تواتره فى محله وإن لم يتواتر كونه من القرآن وحينئذٍ لا يلزم ما ذكر من احتمال الأمرين الباطلين قطعًا لأن المكررات قد تواترت فى محالها بحيث لا يمكن إسقاطها وغير المكرر إنما تواتر فى محل واحد بحيث لا يمكن إثباته فى محل آخر لا فى الحال ولا فى الاستقبال وحينئذٍ لا يتم الاستدلال على أن التسيية فى أوائل السور ليست من القرآن بناء على أنه لم يتواتر كونها هناك من القرآن لأنها قد تواتر نقلها هناك كتابة فى المصاحف وتلاوة على الألسن، وإن لم يتواتر كونها من القرآن وثانيهما: أن ما ذكر من الاستدلال على أنها ليست من القرآن وإلا لزم بأنه لو لم يشترط التواتر
стр. 954
لزم الاحتمالان إنما ينفى قول من قال إنها آية أو بعض آية من كل سورة على ما هو مذهب الشافعى حتى إنها وحدها أو مع أول السورة مائة وثلاث عشرة آية من القرآن ولا ينفى ما اختاره المتأخرون من العلماء الحنفية وهو أنها آية واحدة من القرآن أنزلت للفصل بين السور والتبرك بها فى ابتداء كل أمر لا محل لها بخصوصها حتى إن القرآن مائة وأربع سورة سورة وآية واحدة، وذلك لأنا وإن سلمنا أنه لم يتواتر كونها من القرآن فى أول كل سورة لكن لا نسلم أنه لم يتواتر كونها من القرآن بهذا الوجه وإنما بسطنا الكلام فى هذا القام لكونه من غوامض هذا الشرح.
قوله: (وما يروى) نقل عن الشافعى ﵀ فى كونها من القرآن فى أول السور قولان وللأصحاب طريقان: أحدهما أن له قولين فى كل سورة وأصحهما أن له قولًا واحدًا فى الفاتحة، وهو أنها آية مستقلة منها، وفى باقى السور قولين وذلك لأن الأحاديث الواردة فى كونها آية من الفاتحة على التعيين متكثرة جدًا، وعلى الطريقين فإن من الأصحاب من حمل القولين على أنها من القرآن فى الأوائل أولًا، ومنهم من حملهما على أنها هى آية مستقلة فى الأوائل أم هى مع ما بعدها إلى أول الآية الثانية من كل سورة آية وهذا هو الأصح ليكون نظره واجتهاده فى بيان آخر الآية ومقدارها لا فى كونها قرآنًا.
المصنف: (لأن القاطع يقابله) هو أن العادة تقضى بالتواتر فى تفاصيل مثله.
الشارح: (لأن القرآن مما تتوفر الدواعى على نقله) إشارة إلى صغرى القياس والكبرى ما أشار إليه المصنف بقوله للقطع. . . إلخ. وبينها الشارح بقوله: والعادة. . . إلخ. ونتيجة القياس: القرآن متواتر ونقيضه: ما ليس متواترًا ليس بقرآن وهو المدعى.
الشارح: (أن تواتر) أى ولو عند طائفة مخصوصة وقوله: نفى للضرورى كونه من القرآن المراد بالضرورى القطعى لا البديهى.
الشارح: (وبهذا الطريق) أى بطريق أن العادة تقضى بالتواتر فى تفاصيل مثله يعلم أن القرآن لم يعارض؛ لأن من جملة القرآن الذى لا بد من تواتر تفاصيله ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ
стр. 955
لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، ويحتمل أن المعنى بطريق جرى العادة بالتواتر فى مثل ذلك يعلم أن القرآن لم يعارض لأنه لو عورض لتواتر نقله إلينا.
الشارح: (وربما يقال الأول قطعى) قال القاضى أبو بكر الباقلانى: أعترف بأن البسملة منزلة على رسول اللَّه ﷺ مع أول كل سورة وأنها كتبت مع القرآن بخط القرآن بأمر رسول اللَّه ﷺ فقد قال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: كان رسول اللَّه ﷺ لا يعرف ختم سورة أو ابتداء سورة أخرى حتى ينزل عليه جبريل ﵇ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لكنه لا يستحيل أن ينزل عليه ما ليس بقرآن. اهـ. فمراد المصنف بعدم القطع ما ذكر.
الشارح: (لأنه يستلزم) أى عدم الاشتراط يستلزم. . . إلخ. ولذا قال المحشى فأجاب بأنه لو لم يشترط. . . إلخ. فليس قوله وهذا ضعيف، لأنه يستلزم. . . إلخ. كلامًا على السند حتى لا يكون موجهًا.
الشارح: (يستلزم جواز سقوط كثير من القرآن. . . إلخ) أى لعدم اشتراط التواتر إذ قد لا يصل إلينا وفيه بحث؛ لأنه لا يلزم من عدم اشتراط التواتر عدم دليل آخر يدل على عدم السقوط كالإجماع.
الشارح: (وأيضًا يستلزم جواز كون بعض القرآن. . . إلخ) أى لأنه على تقدير الاكتفاء بالتواتر فى محل ما يجوز نقله فى غير ذلك المحل حتى يتحقق ما هو فى محله قطعًا والظاهر أن الاستلزام لأنه على تقدير الاكتفاء بالتواتر فى محل لا يؤمن من أن يزاد مثل الموجود لعدم اشتراط التواتر فى كل محل، وقول الشارح: والوقوع لا يوجب الوجوب أى وقوع التواتر لا يوجب لزومه حتى لا تكون البسملة من القرآن بناء على عدم تواترها فى أوائل السور وقوله فيقال: إنه اتفق وقوع ذلك المكرر أى مثلًا كما يقال اتفق تواتر السور خالية من الإسقاط فلا استدراك ولا قصور فى كلام الشارح على أنه يرد أن الخلو وإن لم يتواتر لكن تواتر ما هو ملزوم له وهو أن مجموع آيات كل سورة معلوم وهو يستلزم العلم بالخلو.
قوله: (يعنى على زعم الخصم) أى أن الدليل وإن كان قطعيًا عند المتمسك به لكنه عند خصمه شبهة قوية بمعنى أن الخصم يزعم أن غاية دليل خصمه أنه شبهة قوية عنده ولو تأمل لرجع عنه وسيأتيك وجه آخر.
стр. 956
قوله: (ولكن كلام الشارح. . . إلخ) الأحسن أن تكون قوة الشبهة عند الطرف الآخر باعتبار أنها تحتاج إلى مزيد تأمل فى جلها فيعد من خالفه معذورًا فالشبهة وقوتها عند الطرف الآخر كما قال الشارح فلا توجب شكًا أو وهمًا عند الطرف الآخر بهذا المعنى.
قوله: (مجرد تواتر ذلك الكلام) أى البسملة وإن لم تكن مأخوذة بعنوان كونها من القرآن.
قوله: (إن أريد بالجواز مجرد الإمكان فلا يضرنا) هذا ليس مذكورًا فى الاعتراض وإنما هو توسيع دائرة فيه فكأنه لما اقتصر فى الاعتراض على الشق الثانى كان فى قوة أن يقول: إن الشق الأول مردود من أول وهلة.
стр. 957
قال: (مسألة: القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة ونحوها، لنا لو لم تكن لكان بعض القرآن غير متواتر كملك ومالك ونحوهما وتخصيص أحدهما تحكم باطل لاستوائهما).
أقول: القراءات السبع منها ما هو من قبيل الهيئة كالمد واللين والإمالة وتخفيف الهمزة، ونحوها، وذلك لا يجب تواتره ومنها ما هو من جوهر اللفظ نحو: ملك ومالك وهذا متواتر وإلا لكان غير متواتر، وهو من القرآن فبعض القرآن غير متواتر وقد بطل بما مر، ولا يمكن أن يضاف إلى أحدهما بعينه، فيقال: إنه هو المتواتر دون الآخر وذلك الواحد هو القرآن لأنه تحكم باطل لاستوائهما بالضرورة.
قوله: (كالمد واللين) معنى المد ههنا ما وقع من اختلاف القراءات فى أن الألف والواو والياء الساكنتين إذا كانت بعدهما همزة إلى أى مقدار تمدّ فلا معنى لذكر اللين معه وهو زيادة من الشارح.
المصنف: (كالمد) أى القدر الزائد على ما يتحقق به أصله وهو المد المتصل والمنفصل واللازم، وقد اختلف فى قدره فقيل قدر أربع حركات وقيل خمس وقيل ثمان وقوله: وتخفيف الهمزة أى الذى هو خلاف الأصل من التحقيق، سواء كان ذلك التخفيف نقلًا نحو: قد أفلح أو إبدالًا نحو يومنون أو تسهيلًا نحو أينكم أو إسقاطًا نحو: جا أجلهم.
قوله: (فلا معنى لذكر اللين معه) رد بأنه إنما زاد اللين تنبيهًا على أن كل واحد من الثلاثة مع مقابلاتها من قبيل الهيئة وعلى أنه ليس المراد بالمد هنا ما يقابل القصر بل المراد بالمد تطويل صوت حروف العلة إلى مقدار معين وباللين مقابله.
стр. 958
قال: (مسألة: العمل بالشاذ غير جائز مثل: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) واحتج به أبو حنيفة لنا ليس بقرآن ولا خبر يصح العمل به. قالوا: يتعين أحدهما فيجب. قلنا: يجوز أن يكون مذهبًا وإن سلم فالخبر المقطوع بخطئه لا يعمل به، ونقله قرآنًا خطأ).
أقول: لا يجوز العمل بالقراءات الشاذة مثل ما نقل فى مصحف ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات. وقد احتج به أبو حنيفة فأوجب التتابع لنا أنه ليس بقرآن لعدم تواتره ولا خبر يصح العمل به إذ لم ينقل خبرًا وهو شرط صحة العمل ولا عبرة بكلام هو غيرهما فلا حجة فيه أصلًا.
قالوا: لا يخلو أن يكون قرآنًا أو خبرًا ورد بيانًا فظُن قرآنًا فألحق به، فإن غير الخبر الوارد لذلك لا يحتمله وعلى التقديرين يجب العمل به.
الجواب: المنع لجواز أن يكون مذهبًا سلمنا العمل لكن متى ثبت العمل بالخبر أمطلقًا أو إذا لم يكن خطأً قطعًا؟ الأول: ممنوع، والثانى: مسلم ولا يفيد لأن هذا خطأ قطعًا إذ نقل قرآنًا وليس بقرآن فارتفع الثقة.
قوله: (لجواز أن يكون مذهبًا) وقع سندًا للمنع وإلا فضعفه ظاهر إذ لا يظن بالعدل ذلك.
قوله: (لأن هذا خطأ قطعًا) فيه بحث لأن غايته أن يكون كونه قرآنًا خطأ وهو لا يوجب أن يكون كونه خبرًا خطأ قطعًا لجواز أن يكون خبرًا لم ينقل خبرًا ولا نسلم أن هذا يوجب القطع بخطئه.
الشارح: (سلمنا العمل) تحريف وصوابه سلمنا أنه خبر.
قوله: (وإلا فضعفه ظاهر) رد بأنه ليس المراد أن نقله قرآنًا ترويجًا لمذهبه بل نقله قرآنًا خطأ.
стр. 959
قال: (المحكم المتضح المعنى والمتشابه مقابله، إما لاشتراك أو إجمال أو ظهور تشبيه، والظاهر الوقف على ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] لأن الخطاب بما لا يفهم بعيد).
أقول: فى القرآن محكم ومتشابه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، فالمحكم هو المتضح المعنى سواء كان نصًا أو ظاهرًا، والمتشابه غير المتضح المعنى، وعدم اتضاحه قد يكون للاشتراك نحو: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أو للإجمال ونعنى به غير الناشئ من الاشتراك بقرينة سبق الاشتراك نحو: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] أو لأن ظاهره التشبيه مثل: ﴿بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ﴿بِيَمِينِه﴾ [الزمر: ٦٧]، و ﴿يسْتَهْزِئُ﴾ [البقرة: ١٥]، ومنهم من قال المحكم ما استقام نظمه للإفادة وهو حق لكن مقابله من المتشابه يكون هو ما اختل نظمه لعدم الإفادة فمنهم من صار إليه للوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] بجعل ﴿والرَّاسخُونَ فِى الْعِلْم﴾ [اَل عمران: ٧]، مستأنفًا والظاهر خلافه وأن الوقف على ﴿والرَّاسخُونَ فِى الْعِلْم﴾، فيعلمون تأويله وذلك لأن الخطاب بما لا يفهم بعيد وإن كان لا يمتنع على اللَّه لا يقال يلزم تخصيص الحال: وهو يقولون بالمعطوف والأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى المتعلقات، لأنا نقول مخالفة الظاهر أهون من الخطاب بما لا يفيد أصلًا.
قوله: (فمنهم) يريد بيان التقريب فى إيراد قوله، والظاهر الوقف ههنا ردًا لما توهموا من أن المراد أن هذه الآية من قبيل المتشابه أى من القائلين بأن الحكم ما استقام نظمه للإفادة من صار إلى أن المتشابه ما اختل نظمه لعدم الإفادة وذلك لاشتمال القرآن على ما لا يفيد شيئًا ولا يفهم منه معنى بدليل الوقف على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، قد اقتفى فى هذا التقرير أثر الآمدى والظاهر أن القول باختلال نظم القرآن مما لا يصدر عن المسلم بل المقابل لما استقام نظمه للإفادة هو ما استقام نظمه لا للإفادة إما من غير تأويل أو مع تأويل والمتشابه ما انتظم وترتب لا للإفادة بل للابتداء.
المصنف: (أو إجمال) قد عرف المجمل فى بابه بأنه: ما لم يتضح دلالته فكأنه قال هنا السبب فى كونه غير متضح المعنى أنه غير متضح المعنى وهو ظاهر الفساد.
стр. 960
قوله: (ردًا لما توهموا. . . إلخ) أى أن بعض الشارحين توهم أن معنى قول المصنف: والظاهر الوقف. . . إلخ. أن تلك الآية فيها اشتباه فى الواو من قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، أهى للعطف أم للاستئناف من المتشابه فرده الشارح بأنه ليس كذلك وإنما مراد المصنف أن من القائلين بأن المحكم: ما استقام نظمه للإفادة من صار إلى أن المتشابه ما اختل نظمه. . . إلخ.
стр. 961
(مباحث السنة)
قال: (مسألة: الأكثر على أنه لا يمتنع عقلًا على الأنبياء معصية وخالف الروافض وخالف المعتزلة إلا فى الصغائر ومعتمدهم التقبيح العقلى والإجماع على عصمتهم بعد الرسالة من تعمد الكذب فى الأحكام لدلالة المعجزة على الصدق وجوزه القاضى غلطًا، وقال: دلت على الصدق اعتقادًا وأما غيره من المعاصى فالإجماع على عصمتهم من الكبائر والصغائر الخسيسة والأكثر على جواز غيرهما).
أقول: قد فرغ من أبحاث الكتاب، وهذه أبحاث السنة، والسنة لغة: الطريقة، والعادة، واصطلاحًا فى العبادات: النافلة، وفى الأدلة -وهو المراد-: ما صدر عن الرسول غير القرآن من فعل أو قول أو تقرير، ثم الأكثر من المحققين على أنه لا يمتنع عقلًا على الأنبياء قبل الرسالة ذنب من كبيرة أو صغيرة وخالف الروافض فى ذلك فمنعوا جواز الذنب مطلقًا وخالف المعتزلة فمنعوا جواز الذنب إلا فى الصغائر فإنهم لم يخالفونا فيها فجوزوها كما جوزنا، ومعتمد الفريقين فى ذلك أن فيه هضمًا واحتقارًا فتنفر الطبائع عن اتباعهم فيخل بالحكمة من بعثتهم، وذلك قبيح عقلًا، وقد عرفت بطلان قاعدة التقبيح العقلى، وأما بعد الرسالة فالإجماع على عصمتهم من تعمد الكذب فى الأحكام لدلالة المعجزة على صدقهم، وأما الكذب غلطًا فجوزه القاضى ومنعه الباقون لما مر من دلالة المعجزة على الصدق فمنع القاضى دلالته على الصدق مطلقًا بل على الصدق اعتقادًا، فجاز الكذب غلطًا، وأما غير الكذب من الذنوب فإن كانت من الكبائر أو من الصغائر الخسيسة كسرقة حبة مما ينفر فالإجماع على عصمتهم منها وإن كان من غيرها فالأكثر على جوازه ومنعه الأقل وتقريره فى الكلام.
المصنف: (لدلالة المعجزة على الصدق) فلو جاز الخلف لكان نقضًا لدلالة المعجزة وهو ممتنع.
المصنف: (فالإجماع على عصمتهم من الكبائر والصغائر الخسيسة) أى يمنع ذلك منهم بالسمع لا بالعقل؛ لأن العصمة فيما وراء التبليغ غير واجبة عقلا إذ لا دلالة للمعجزة عليه فامتناع الكبائر عنهم مستفاد من السمع وإجماع الأئمة قبل ظهور المخالفين فى ذلك.
стр. 962
قال: (مسألة: فعله ﷺ ما وضح فيه أمر الجبلة كالقيام والقعود والأكل والشرب أو تخصيصه كالضحى والوتر والتهجد والمشاورة والتخيير والوصال والزيادة على أربع فواضح، وما سواهما إن وضح أنه بيان بقول أو قرينة مثل: "صلوا"، و"خذوا" وكالقطع من الكوع، والغسل إلى المرافق اعتبر اتفاقًا وما سواه إن علمت صفته فأمته مثله، وقيل فى العبادات وقيل كما لم تعلم، وإن لم تعلم، فالوجوب والندب والإباحة، والوقف والمختار إن ظهر قصد القربة فندب وإلا فمباح. لنا القطع بأن الصحابة رضى اللَّه عنهم أجمعين كانوا يرجعون إلى فعله ﵊ المعلوم صفته، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى﴾ [الأحزاب: ٣٧] الآية، وإذا لم تعلم وظهر قصد القربة ثبت الرجحان فيلزم الوقوف عنده والزيادة لم تثبت وإذا لم يظهر فالجواز والوجوب والندب زيادة لم تثبت وأيضًا لما نفى الحرج بعد قوله: ﴿زَوَجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فهمت الإباحة مع احتمال الوجوب والندب).
أقول: فعله ﵊ إن وضح فيه أمر الجبلة كالقيام والقعود والأكل والشرب فواضح أنه مباح له ولأمته فلا خلاف فيه وإن ثبت تخصيصه به كوجوب الضحى والأضحى والوتر والمشاورة وتخيير نسائه فيه، وإباحة الوصال فى الصوم، والزيادة على أربع نسوة، فواضح أيضًا أنه لا يشاركه فيه الأمة فلا خلاف فيه، وأما سواهما فإن عرف أنه بيان لنص علم جهته من الوجوب والندب والإباحة اعتبر على جهة المبين من كونه خاصًا وعامًا اتفاقًا، ومعرفة كونه بيانًا إما بقول وإما بقرينة فالقول نحو: "خذوا عنى مناسككم"، "وصلوا كما رأيتمونى أصلى" والقرينة مثل أن يقع الفعل بعد إجمال كقطع يد السارق من الكوع دون المرفق والعضد بعدما نزل قوله: ﴿وَالسُّارِقُ وَالسَّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيْديَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، والغسل إلى المرافق بإدخال المرافق أو إخراجها بعدما نزلت: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وأما ما سواه أى ما لا يعرف أنه بيان فإن علمت صفته من الوجوب والندب والإباحة فأمته مثله فى ذلك، وقال أبو على بن خلاد: أمته مثله فى العبادات خاصة دون غيرها، وقيل: هو كما لم تعلم جهته، وها هو نذكر حكمه، فنقول: وإن لم تعلم جهته بالنسبة إليه فبالنسبة إلى الأمة فيه أربعة مذاهب: الوجوب، والندب، والإباحة، والوقف، ومذهب خامس، وهو المختار عند المصنِّف وهو التفصيل بأنه إن ظهر قصد القربة فالندب وإلا فالإباحة،
стр. 963
فهنا مقامان: أن ما علم جهته فأمته فيه مثله، وأن ما لم تعلم جهته فإن ظهر قصد القربة فالندب وإلا فهو الإباحة.
لنا فى المقام الأول: القطع بأن الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله المعلوم صفته، وذلك يقتضى علمهم بالتشريك عادة، وأيضًا فقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللُّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] تحقيقًا لمعنى التأسى، وهو فعل مثل كما فعل على الوجه الذى فعل وأيضًا فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ منْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَىْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ولولا التشريك لما أدى تزويج النبى إلى ذلك فى حق المؤمنين.
وفى المقام الثانى: أنه إذا ظهر قصد القربة ظهر الرجحان فحكم به والمنع من الترك زيادة لم تثبت إلا بدليل، والأصل عدمه، فثبت الرجحان بدون المنع من الترك، وهو الندب، وإذا لم يظهر قصد القربة ظهر الجواز لبعد المعصية، ولا وجوب ولا ندب بالأصل، وأيضًا لا نفى الحرج فى قوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، مع احتمال الوجوب والندب ولم يثبتهما فهم منه أن مقتضى فعله الإباحة دونهما.
قوله: (بإدخال المرافق) يعنى أن الآية تحتمل دخول المرافق فى وجوب الغسل وعدم دخولها فلو غسل مع المرافق أو بدونها كان بيانًا، وهذا تكلف لدفع الاعتراض بأن الغسل إلى المرافق مستفاد من الآية لا من فعله، وفى المنتهى والغسل للمرافق وهو ظاهر، وفى الأحكام وكالمرافق فى التيمم بيانًا لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وهو أظهر.
الشارح: (اعتبر على جهة المبنى من كونه عامًا أو خاصًا) الأولى أن يقول: من الوجوب والندب وغيرهما.
الشارح: (وأيضًا فقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسوليِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]) أى ذلك القول دليل على أن الأمة مشاركة له ليتحقق معنى التأسى إذ لولا المشاركة ما تحقق التأسى.
الشارح: (وأيضًا لما نفى الحرج. . . إلخ) دليل آخر على الإباحة وقد ذكر فى
стр. 964
المقام الأول آية ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، دليلًا على أن ما علم صفته فأمته مثله باعتبار أنه لولا التشريك لما أدى تزويج النبى ﷺ إلى نفى الحرج فى تزوج زوجات أدعيائهم فيؤخذ من ذلك أن أمته مثله فى فعل علمت صفته وفى المقام الثانى اعتبر نفى الحرج فى تزوج زوجة الدعى من حيث خصوصه مع احتمال الوجوب والندب ولم يثبتهما.
قوله: (بيانًا لقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وهو أظهر) كان الأولى ذكر وأيديكم لأنه المبين.
стр. 965
(قال: الموجب: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ [الحشر: ٧]، أجيب بأن المعنى ما أمركم لمقابلة: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ﴾ [الحشر: ٧]. قالوا: ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ [سبأ: ٢٠]. أجيب فى الفعل على الوجه الذى فعله أو فى القول أو فيهما. قالوا: ﴿لَقَدْ كَانَ. . .﴾ [الأحزاب: ٢١] إلى آخرها، أى: من كان يؤمن فله فيه أسوة حسنة. قلنا: معنى التأسى إيقاع الفعل على الوجه الذى فعله. قالوا: خلع نعله فخلعوا، وأقرهم على استدلالهم وبين العلة. قلنا: لقوله ﵊: "صلوا" أو لفهم القربة. قالوا: لما أمرهم بالتمتع تمسكوا بفعله. قلنا: لقوله ﵊: "خذوا" أو لفهم القربة. قالوا: لما اختلفوا فى الغسل بغير إنزال سأل عمر عائشة رضى اللَّه عنهما، فقالت: (فعلت أنا ورسول اللَّه فاغتسلنا، قلنا: إنما استفيد من: "إذا التقى الختانان، فقد وجب الغسل"، أو لأنه بيان: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ [المائدة: ٦]، أو لأنه شرط الصلاة، أو لفهم الوجوب. قالوا: أحوط كصلاة ومطلقة لم تتعينا، والحق أن الاحتياط فيما ثبت وجوبه أو إن كان الأصل كالثلاثين، وأما ما احتمل لغير ذلك فلا).
أقول: القائلون بوجوب مثل ما فعل على الأمة:
قالوا: أولًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وما فعله فقد آتاه والأمر للوجوب.
الجواب: أن المراد بما آتاكم ما أمركم، وهو السابق إلى الفهم، حيث قابله بقوله: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، ليتجاوب طرفا النظم، وهو اللائق بالفصاحة الواجبة رعايتها فى القرآن.
قالوا: ثانيًا: قال تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ [سبأ: ٢٠]، وقال: ﴿فَاتَبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، والأمر للوجوب.
الجواب: أن المتابعة فعل مثل فعله على الوجه الذى فعله، أو متابعته فى القول إذا أمر بشئ أو نهى فقط، أو فى الفعل على الوجه الذى فعله وفى القول معًا، وعلى التقديرات فلا يلزم وجوب مثل فعل كل ما فعله، أما إذا خصصناه بالفعل أو عممناه فيهما فلأنه لا يتعين وجوبه ما لم يعلم أنه فعله على وجه الوجوب والمفروض خلافه ثم يلزم من وجوب مثل فعل كل ما فعل الضدان بالنسبة إلينا إذا فعله على وجه الإباحة أو الندب، وأما إذا خصصناه بالقول فظاهر.
قالوا: ثالثًا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ
стр. 966
الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]، معناه من كان يؤمن باللَّه فله فيه أسوة حسنة، ويستلزم أن من ليس له فيه أسوة حسنة فهو لا يؤمن باللَّه، وملزوم الحرام حرام، ولازم الواجب واجب، وأيضًا فهو مبالغة فى التهديد على عدم الأسوة فتكون الاسوة واجبة.
الجواب: أن معنى التأسى إيقاع الفعل على الوجه الذى فعله، فيتوقف إثبات الوجوب علينا على العلم بالوجوب عليه وهو خلاف المفروض.
قالوا: رابعًا: جاء فى الحديث الصحيح أنه ﵊ خلع نعله فى الصلاة فخلعوا، فسألهم عن ذلك؟ فقالوا: "خلعت فخلعنا"، فأقرهم على ذلك وأخبرهم أن جبريل ﵊ أخبره أن فى نعله أذًى أى نجاسة (*)، ولولا وجوب الاتباع لأنكر عليهم ذلك.
الجواب: الوجوب لم يستفد من فعله بل لأنه من هيئات الصلاة، وقد قال: "صلوا كما رأيتمونى أصلى" أو لأنهم فهموا منه القربة وإلا لحرم فى الصلاة أو كره فرأوه ندبًا لا واجبًا.
قالوا: خامسًا: لما أمرهم بالتمتع بالعمرة إلى الحج ولم يتمتع هو لم يتمتعوا فقد تمسكوا فى ذلك بفعله، وإلا لعصوا ثم لم ينكر عليهم ذلك وبين لهم العلة فى عدم الفعل مما يختص به، فقال: "لو استقبلت ما استدبرت من أمرى لما سقت الهدى" أى لولا أن معى الهدى لأحللت، ولكن لا يحل حرام حتى يبلغ الهدى محله، فدل ذلك على وجوب اتباعه.
الجواب: أن وجوب المتابعة لم يستفد من فعله فقط، بل من قوله: "خذوا عنى مناسككم" أو لأنهم فهموا القربة فرأوه ندبًا لا واجبًا.
قالوا: سادسًا: لما اختلف الصحابة رضى اللَّه عنهم فى وجوب الغسل عند إدخال قدر الحشفة من غير إنزال بعث عمر إلى عائشة يسألها عن ذلك فقالت: "فعلت أنا ورسول اللَّه فاغتسلنا" (**)، فأوجبوا الغسل بمجرد فعله.
стр. 967
الجواب: لم يوجب بمجرد فعله بل إما بقوله: "إذا التقى الختانان وجب الغسل"، وذلك ظاهر فى العموم فانتفى بعدم مخالفته وهم التخصيص، وإما لأنه بيان لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والأمر للوجوب، ومثله ليس من محل النزاع فى شئ، وإما لأنه شرط الصلاة فقد تناوله قوله: "صلوا كما رأيتمونى أصلى"، وإما لفهم الوجوب من قولها بقرينة وهى أنهم سألوها عنه بعد الخلاف فيه أيجب أم لا؟ فلولا إشعار الجواب به لما تطابقا.
قالوا: سابعًا: حمله على الوجوب أحوط لنا من الإثم قطعًا فيجب الحمل عليه كما فى صلاة نسيها ولم تتعين عنده فإنه يجب عليه الخمس احتياطًا وكما لو طلق واحدة من نسائه لا بعينها فإنه يجب عليه ترك الجميع احتياطًا إلى أن يعين. وقد أجيب عنه بأن الاحتياط فيما لا يحتمل التحريم ورد بوجوب صوم الثلاثين إذا غم الهلال.
والجواب: منع كون كل احتياط واجبًا بل الحق أن الاحتياط إنما شرع فيما ثبت وجوبه كما فى الصلاة المنسية أو كان ثبوته هو الأصل كصوم ثلاثين إذ الأصل بقاء رمضان وأما ما احتمل لغير ذلك ولا وجوب ولا أصل فيه فلا يجب فيه احتياط كالصوم عند الشك فى هلال رمضان.
قوله: (ثم يلزم من وجوب مثل كل ما فعل الضدان) إن أراد بالضدين الوجوب مع الإباحة أو الندب فتقريره أنه إذا فعل فعلًا على وجه الإباحة أو الندب فمن حيث إنه فعله يكون علينا واجبًا ومن حيث إنه علينا أن يكون على الوجه الذى فعله يكون مباحًا أو مندوبًا وكل منهما ضد للوجوب لكن يرد حينئذ منع كونه مباحًا على تقدير أن لا يعلم جهته، ومنع كونه واجبًا على تقدير أن تعلم وإن أراد أنه يجب علينا الضدان كالقيام والقعود مثلًا إذا فعلهما جميعًا إباحة صح فى الإباحة دون الندب لأن تركه كراهة لا ينبغى أن يفعله قصدًا.
قوله: (وملزوم الحرام) يعنى أن أصله حاصل مفهوم الآية شرطية دالة على لزوم التأسى للإيمان ويلزمه بحكم عكس النقيض لزوم عدم الإيمان لعدم التأسى وعدم الإيمان حرام فكذا ملزومه الذى هو عدم التأسى والإيمان واجب وكذا لازمه الذى هو التأسى وإلا ارتفع اللزوم.
стр. 968
قوله: (أن معنى التأسى) لا خفاء فى أن قَيد الحيثية مراد وقد صرح به فى المنتهى إيقاع الفعل على الوجه الذى فعله من أجله ليخرج ما إذا اتفقوا على أداء الظهر امتثالًا لأمر اللَّه تعالى.
قوله: (وقد أجيب) لما أجاب فى المتن بقوله: والحق أن الاحتياط فيما ثبت وجوبه أو كان أى ثبوت الوجوب هو الأصل، دل ذلك على أن هنا جوابًا مردودًا فأورده مع رده بلفظ "قد" تنبيهًا على ما ذكرنا إلا أن رده فى التحقيق كلام على السند لأن تقرير الجواب هو أنا لا نسلم أن الوجوب أحوط، وإنما يكون الاحتياط فيما لا يحتمل التحريم كما فى الصورتين، وأما فى فعل النبى ﵊، فيحتمل حرمة مثله على الأمة ووجه الرد أن صوم الثلاثين من رمضان إذا غم الهلال يحتمل الحرمة بأن يكون يوم عيد ومع هذا فقد وجب وهم يفعلون قبل ذلك إذا لم يظهر للمنع سند آخر ويقولون إذا كان السند مساويًا للمنع صح الكلام عليه.
المصنف: (﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]) أى ومن جملة ما آتانا الفعل الذى لم نعلم صفته فتكون الأمة مأمورة بأخذه أى امتثاله.
المصنف: (بأن المعنى ما أمركم) أى والفعل ليس أمرًا.
المصنف: (معنى التأسى إيقاع الفعل. . . إلخ) قيل ممنوع بل هو فى اللغة مطلق الاقتداء.
المصنف: (قلنا: لقوله ﵊ رد بان قوله: صلوا أمر بافعل الصلاة كما فعل ولِمَ قلتم: إن خلع النعل من الصلاة بل هو ليس من أفعال الصلاة فى شئ وأيضًا فلم قلتم: إن هذا كان بعد قوله: صلوا.
المصنف: (تمسكوا بفعله) هو الكف عن التمتع.
المصنف: (أو لأنه بيان لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]) أى والبيان يجب فيه المتابعة.
المصنف: (أو لأنه شرط الصلاة) أى ففهم اتباعه من قوله: صلوا.
المصنف: (فأما ما احتمل لغير ذلك) أى احتمل الوجوب وغيره بغير أن يكون واجبًا أو يكون الأصل وجوبه.
стр. 969
الشارح: (فانتفى بعدم مخالفته) أى حيث فعله النبى ﷺ مع عائشة رضى اللَّه عنها ففعلهما لدفع وهم التخصيص وأصل الوجوب حاصل من غيره.
الشارح: (بغير ذلك ولا وجوب ولا أصل فيه) عطف قوله: ولا وجوب ولا أصل فيه على قوله: بغير ذلك عطف تفسير.
قوله: (صرح به فى المنتهى إيقاع الفعل. . . إلخ) فيه حذف والأصل حيث قال: إيقاع الفعل. . . إلخ. وقوله: من أجله أى من أجل أنه فعله وقوله: ليخرج ما إذا اتفقوا. . . إلخ. أى لأنه لم يفعل الواحد منهم لأجل أن الآخر فعله.
قوله: (وهم يفعلون ذلك إذا لم يكن. . . إلخ) أى وهنا ليس كذلك؛ لأن هنا سندًا آخر للمنع وهو الذى اختاره المصنف فاعتراض الشارح على السند غير مسلم فقوله: وهم يفعلون اعتراض على رد السند.
стр. 970
قال: (الندب، الوجوب يستلزم التبليغ والإباحة منتفية بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ. . .﴾ [الأحزاب: ٢١]، وهو ضعيف).
أقول: القائلون بدلالة فعله على الندب قالوا: هو إما للوجوب أو للندب أو للإباحة لانتفاء المعصية، والوجوب باطل لأنه يستلزم التبليغ دفعًا للتكليف بما لا يطاق والفرض أن لا تبليغ إذ الكلام فيما وجد فيه مجرد الفعل وكذا الإباحة؛ لقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فى معرض المدح، ولا مدح على المباح فتعين الندب، وهو المطلوب، وهذا ضعيف؛ لأن الندب والإباحة أيضًا يستلزم التبليغ، فإن وجوب التبليغ يعم الأحكام فلو انتفى الوجوب لذلك لانتفى الندب والإباحة فدليله مقلوب عليه، وأيضًا فلا مذكور فى الآية إلا حسن الأسوة، وقد علمت أن المباح حسن.
قال: (الإباحة هو المتحقق فوجب الوقوف عنده، أجيب إذا لم يظهر قصد القربة).
أقول: القائلون بدلالة فعله على الإباحة قالوا: الإباحة متحققة لانتفاء المعصية والوجوب والندب لم يثبتا لعدم الدليل والوقوف عند ما هو المتحقق أى إثباته ونفى ما لم يتحقق هو الواجب.
الجواب: أن ذلك حق فيما لم يقصد فيه القربة، ونعم الوفاق، وأما فيما ظهر فيه قصد القربة، وهو محل النزاع بيننا وبينكم فلا نسلم أنه لم يثبت الندب بل ثبت كما مر.
قوله: (أى إثباته ونفى ما لم يتحقق) تفسير للوقوف عند ما هو المتحقق.
стр. 971
قال: (مسألة: إذا علم بفعل ولم ينكره قادرًا فإن كان كمضى كافر إلى كنيسة فلا أثر للسكوت اتفاقًا وإلا دل على الجواز، وإن سبق تحريمه فنسخ وإلا لزم ارتكاب محرّم، وهو باطل، فإن استبشر به فأوضح وتمسك الشافعى رضى اللَّه عنه فى القيافة بالاستبشار وترك الإنكار لقول المدلجى وقد بدت له أقدام زيد وأسامة رضى اللَّه عنهم: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، وأورد أن ترك الإنكار لموافقة الحق والاستبشار بما يلزم الخصم على أصله، لأن المنافقين تعرضوا لذلك، وأجيب بأن موافقة الحق لا تمنع إذا كان الطريق منكرًا وإلزام الخصم حصل بالقيافة فلا يصلح مانعًا).
أقول: إذا فعل فعل بحضرة النبى ﷺ أو فى عصره وعلم به وكان قادرًا على الإنكار ولم ينكر فإن كان كمضى كافر إلى كنيسة يعنى مما علم أنه منكر له وترك إنكاره فى الحال لعلمه بأنه ﵊ علم منه ذلك وبأنه لا ينفع فى الحال فلا أثر للسكوت ولا دلالته له على الجواز اتفاقًا وإن لم يكن كذلك دل على الجواز من فاعله ومن غيره إذا ثبت أن حكمه على الواحد حكمه على الجماعة فإن كان مما سبق تحريمه فهذا نسخ لتحريمه وإنما دل على الجواز لأنه لو لم يكن جائزًا لزم ارتكابه ﵊ لمحرّم وهو تقريره على المحرم وهو محرم عليه واللازم باطل لأنه خلاف الغالب من حاله، هذا إذا لم ينكر ولم يستبشر، وأما إذا استبشر فدلالته على الجواز أوضح وتمسك الشافعى رضى اللَّه عنه فى القيافة واعتبارها فى إثبات النسب بكلا الأمرين الاستبشار وعدم الإنكار فى قصة المدلجى وهو أنه قال وقد بدت له أقدام زيد وأسامة: هذه الأقدام بعضها من بعض واعترض على الشافعى بأن لا دلالة فى ذلك، أما الإنكار فلأن قول المدلجى وافق الحق اتفاقًا فالقول حق وإن كان الاحتجاج باطلًا وهو إنما أقر فى القول، وأما الاستبشار فلأنه حصل بما يلزم الخصم بناء على أصله لأنهم أى المنافقين كانوا تعرضوا لذلك أى لقضية زيد وأسامة وطعنوا فى نسب زيد لسواد أحدهما وبياض الآخر، ويكفى فى الإلزام أن القيافة عندهم حق فإن الإلزام لا يجب أن يكون بمقدمة حقة فى نفسها بل بما يسلمها الخصم.
والجواب عن الأول: أن القول بالشئ بسند منكر منكر، وإذا كان أصل الشئ حقًا فيحرم تقرير السند، وعن الثانى: أن الإلزام حصل بالقيافة حقة كانت أو
стр. 972
باطلة حصل الإنكار أو لم يحصل فإذًا الإلزام لا يصلح مانعًا من الإنكار.
قوله: (من فاعله) دل ذلك على جواز ذلك الفعل من فاعله مطلقًا، ومن غير فاعله أيضًا إذا ثبت أن حكمه على الواحد حكمه على الجماعة يعنى أن تقريره فى حكم الخطاب للمقرر له وحكمه للواحد فى حكم الخطاب للأمة وقيل لا يدل على شئ من الجواز والنسخ وقيل يختص بالفاعل وحده.
قوله: (وهو تقريره) أى ذلك المحرم تقرير الفاعل على محرم والتقرير على المحرم محرم على النبى ﷺ ، وارتكاب المحرم إن كان من الصغائر الجائزة عليه عند قوم لكنه خلاف الغالب من حاله بل فى غاية البعد سيما فيما يتعلق بالأحكام.
قوله: (وتمسك الشافعى ﵀ قال الإِمام فى البرهان: موضع استدلال الشافعى تقرير الرسول ﵇ ذلك الرجل على قوله واعترض القاضى بأن قول المدلجى كان موافقًا لظاهر الحق إذ الشرع كان حاكمًا بالتحاق أسامة بزيد فصار كما لو قال فاسق: هذه الدار لفلان يعزوها إلى مالكها وصاحب اليد فيها فتقرير الشرع إياه على قوله لم يكن حكمًا بقول الفاسق فى محل النزاع والاحتياج إلى إقامة البينات ولم يجب الإمام عن ذلك ثم قال: فإن قيل: إنما استدل الشافعى باهتزاز الرسول ﵇، ومعلوم أنه لا يسره إلا الحق، أجيب بأنه كان يعلم رجوع العرب إلى القيافة وكان الطعن منهم فلما أتى ما يكذبهم سره ما أساءهم وحاصله منع دلالة الاهتزاز والاستبشار على حقية ثبوت المستبشر به بناء على جواز كونه لما فى المستبشر به من إلزام الخصم على أصله لا يكون ذلك الأصل حقًا ثم قال: ويمكن أن يقال إنه ﵇ لما ترك القائف ولم يرده عن الكلام على الأنساب بطريق القيافة دل على كونه طريقًا مقبولًا وإلا لعده من الزجر والفأل والحدس والتخمين، ولما أبعد أن يخطى فى مواضع إن أصاب فى موضع، قال الشارح العلامة: وكأن المصنِّف فهم من المنع أن إلزام اخصم لما كان مطلوب الشارع ولم يمكن حصوله مع الإنكار لكونه رافعًا له لم ينكره وإن كان منكرًا بل استبشر به استظهارًا إذ بهذا يشعر جوابه حيث قال فى المنتهى: وإلزام الخصم حصل بالقيافة والإنكار غير رافع له فلو كان منكرًا ما أخل به إلزام إذ معناه أن أحد المتخاصمين بأصله لا يرتفع بإنكار الآخر أصله فلو كان منكرًا ما أخل
стр. 973
بالإنكار لوجود السبب مع عدم ما توهمتم مانعًا وهذا معنى قوله: فلا يصلح -أى الإلزام- مانعًا عن الإنكار فلو كان منكرًا لأنكره، ولو أنكر لما استبشر به، فإذا استبشر دل على أنه ليس بمنكر، وأما على الوجه الذى يفهم من كلام الإمام فالجواب أن الاستبشار كما يدل على حقية المستبشر به يدل على طريق ثبوته لما فيه من أن ترك الإنكار كما يدل على حقية المقرر له يدل على طريق ثبوته إذ ترك الإنكار على ما طريقه منكر يوهم جواز طريقه لاستحالة جواز الشئ دون طريقه.
قوله: (وإذا كان أصل الشئ) يعنى الحكم الثابت كثبوت النسب فى صورة القيافة المذكورة (حقًا) كان تقرير سنده المنكر حرامًا فلا ينبغى أن يقرره النبى ﷺ بل يجب أن ينكر السند بل القول به بناء على السند المنكر ولا يخفى ما فى هذه الشرطية من التعسف فالأولى وإن كان ليكون تأكيدًا وقوله فيحرم تفريعًا.
الشارح: (لعلمه بأنه ﵊ علم منه ذلك) تحريف وأصله: لعلمه ﵊ بأنه علم منه ذلك أى علم النبى ﵊ أن الكافر علم من النبى ﷺ إنكاره.
قوله: (ولما بعد أن يخطئ. . . إلخ) عطف علة على معلول يعنى أنه لو لم يكن طريقًا مقبولًا لعده من الأمور التى لا يبعد الخطأ معها فى مواضع إن أصاب فى موضع.
قوله: (من المنع) أى منع تمسك الشافعى بإثبات النسب بالقيافة وقوله: فلو كان منكرًا ما أخل به إلزام لفظ إلزام زائد وضمير أخل للنبى ﷺ وقوله: إذ معناه أن أحد المتخاصمين بأصله لعل فيه سقطًا وأصله: إذ معناه أن إلزام أحد المتخاصمين بأصل وقوله: لوجود السبب هو كون النبى منكرًا وقوله: على عدم ما توهمتم مانعًا هو أن الإنكار يرفع الإلزام وقوله: لما فيه من أن ترك. . . إلخ. أى لما فى كلام الإمام.
قوله: (بل القول به) أى بل يجب إنكار أصل الشئ بناء على السند.
стр. 974
قال: (مسألة: الفعلان لا يتعارضان كصوم وأكل لجواز تحريم الأكل فى وقت والإباحة فى آخر إلا أن يدل دليل على وجوب تكرير الأول له أو لأمته فيكون الثانى ناسخًا، فإن كان معه قول ولا دليل على تكرر ولا تأس به والقول خاص به وتأخر فلا تعارض، فإن تقدَّم فالفعل ناسخ قبل التمكن عندنا، فإن كان خاصًا بنا فلا تعارض تقدَّم أو تأخر، وإن كان عامًا لنا وله فتقدم الفعل أو القول له وللأمة كما تقدَّم إلا أن يكون العام ظاهرًا فيه، فالفعل تخصيص كما سيأتى فإن دل الدليل على تكرر وتأس والقول خاص به فلا معارضة فى الأمة وفى حقه المتأخر ناسخ فإن جهل فثالثها المختار الوقف للتحكم، فإن كان خاصًا بنا فلا معارضة وفى الأمة المتأخر ناسخ فإن جهل فثالثها المختار، يعمل بالقول لأنه أقوى لوضعه لذلك ولخصوص الفعل بالمحسوس وللخلاف فيه ولإبطال القول به جملة، والجمع ولو بوجه أولى، قالوا الفعل أقوى لأنه يتبين به القول مثل: "صلوا"، "وخذوا عنى" وكخطوط الهندسة وغيرها. قلنا: القول أكثر، وإن سلم التساوى فيرجح بما ذكرناه، والوقف ضعيف للتعبد بخلاف الأول، فإن كان عامًا فالمتأخر ناسخ، فإن جهل فالثلاثة فإن دل دليل على تكرر فى حقه لا تأس والقول خاص به أو عام فلا معارضة فى الأمة، والمتأخر ناسخ فى حقه، فإن جهل فالثلاثة وإن كان خاصًا بالأمة فلا معارضة فإن دل الدليل على تأسى الأمة به دون تكرره فى حقه والقول خاص به وتأخر فلا معارضة فإن تقدَّم فالفعل ناسخ فى حقه، فإن جهل فالثلاثة، فإن كان القول عامًا فكما تقدم).
أقول: الفعلان لا يتعارضان وإن تناقض أحكامهما كصوم فى يوم معين وإفطار فى يوم آخر لاحتمال الوجوب فى وقت والجواز فى آخر، اللهم إلا أن يدل دليل على وجوب تكرير الأول له أو مطلقًا أو لأمته، ويدل الدليل على وجوب التأسى، فيكون الثانى نسخًا لحكم الدليل الدال على التكرار لا لحكم الفعل لعدم اقتضائه التكرار ورفع حكم قد وجد محال وقد يطلق النسخ والتخصيص على الفعل تجوزًا، وأما إذا كان مع فعله قول يعارضه فباعتبار دليل على تكرير الفعل وعلى وجوب تأسى الأمة به ينقسم إلى أربعة أقسام، وفى كل قسم فالقول إما أن يختص به أو بالأمة أو يشملهما، وعلى التقديرات فإما أن يتقدم الفعل أو يتأخر أو يُجهل الحال.
стр. 975
القسم الأول: أن لا يدل دليل على تكرار ولا على تأس، وقد علمت أن أصنافه الأول ثلاثة:
احدها: أن يكون القول مختصًا به فإن تأخر القول مثل أن يفعل فعلًا ثم يقول بعده: لا يجوز لى مثل هذا الفعل فلا تعارض لأن القول فى هذا الوقت لا تعلق له بالفعل فى الماضى إذ الحكم يختص بما بعده، ولا فى المستقبل إذ لا حكم للفعل فى المستقبل، لأن الفرض عدم التكرار، وإن تقدَّم القول مثل: أن يقول لا يجوز لى الفعل فى وقت كذا ثم يفعله فيه كان ناسخًا لحكم القول، وهو مبنى على القول بالنسخ قبل التمكن من الفعل وأنه جائز عندنا فتجوّزه ممتنع عند المعتزلة فلا يجوّزونه وإن جُهل الحال فالمصنف لم يتعرض له لأنه يذكر فى نظيره من القسم الرابع ما يعلم به حكمه وسنتكلم عليه.
ثانيها: أن يكون القول مختصًا بالأمة فلا يعارض الفعل تقدم القول أو تأخر إذ المفروض عدم وجوب التأسى فلا تعلق للفعل بالأمة، والقول مختص بهم، فلم يتواردا على محل.
ثالثها: أن يكون القول عامًا له وللأمة فحكمه على تقدير تقدَّم الفعل وتأخره فى حقه وفى حق الأمة كما تقدم ففى حقه إن تأخر فلا تعارض وإن تقدم فالفعل ناسخ له، وفى حقنا لا تعارض على التقديرين، هذا فيما كان القول لنا وله بوجه يتناوله على سبيل النصوصية بأن يقول: لا يجب على ولا عليكم، وأما إذا تناوله بالعموم، وكان ظاهرًا فيه لا نصًا بأن يقول: لا يجب على أحد، فالفعل لا يكون ناسخًا فى حقه بل مخصصًا له لما سيأتى أن الأخص يخصص الأعم إذا تخالفا تقدَّم العام أو تأخر لأن التخصيص أهون من النسخ.
القسم الثانى: أن يدل دليل على تكرار وعلى وجوب تأسى الأمة به وفيه الاحتمالات الثلاث:
أحدها: أن يكون القول خاصًا به فلا معارضة فى حق الأمة بحال، وأما فى حقه فالمتأخر من القول أو الفعل ناسخ للآخر كما تقدَّم فإن جهل التاريخ فمذاهب أحدها: يؤخذ بالقول، وثانيها: يؤخذ بالفعل، وثالثها وهو المختار: التوقف لاحتمال الأمرين، والمصير إلى أحدهما بلا دليل تحكم باطل.
وثانيها: أن يكون خاصًا بالأمة فلا تعارض فى حقه بحال، وأما فى حق الأمة
стр. 976
فالمتأخر من القول والفعل ناسخ للآخر، وإن جهل التاريخ فمذاهب: أحدها: يعمل بالفعل، وثانيها: يتوقف. وثالثها: يعمل بالقول وهو المختار لأن دلالة القول على مدلوله أقوى من دلالة الفعل لأن القول وضع لذلك فلا يختلف بخلاف الفعل، فإن له محامل وإنما يفهم منه فى بعض الأحوال ذلك بقرينة خارجية فيقع الخطأ فيه كثيرًا، وأيضًا فالقول أعم دلالة لأنه يعم المعدوم والموجود المعقول والمحسوس بخلاف الفعل فإنه يختص بالموجود المحسوس لأن المعدوم والمعقول لا يمكن مشاهدتهما، وأيضًا القول دلالته متفق عليها والفعل دلالته مختلف فيها والمتفق عليه أولى بالاعتبار، وأيضًا فالعمل بالقول يبطل مقتضى الفعل فى حقهم فقط ويبقى فى حقه والعمل بالفعل يبطل مقتضى القول جملة لأنه مختص بالأمة وقد بطل حكمه فى حقهم والجمع بينهما ولو بوجه أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
القائلون بتقدم الفعل قالوا: الفعل أقوى بدليل أنه يتبين به القول مثل: "صلوا كما رأيتمونى أصلى"، و"خذوا عنى مناسككم" بيانًا لآية الحج، والصلاة، وكخطوط الهندسة وغيرها مما جرت به العادة من الأفعال للتعليم إذا لم يف القول به فيستعان بالتخطيط والتشكيل والإشارة والحركات ولذلك قيل: "ليس الخبر كالمعاينة".
الجواب: غايته أنه وجد البيان بالفعل لكن البيان بالقول أكثر فيكون راجحًا سلمنا التساوى لكن البيان بالقول أرجح بما ذكرناه من الوجوه فإن الدليلين من جنس واحد إذا تعارضا فقيام دليل آخر على وفق أحدهما مرجح له، فإن قيل: فلِمَ لا يصار إلى الوقف ههنا كما فى حقه ﵊ للاحتمالين. قلنا: لأن القول بالتوقف ضعيف ههنا لأنا متعبدون بالعمل والتوقف فيه إبطال للعمل ونفى للتعبد به، بخلاف الأول، وهو التوقف فى حق الرسول ﵊ لعدم تعبدنا به.
ثالثها: أن يكون القول عامًا له وللأمة، فالمتأخر من القول والفعل ناسخ للآخر فى حقه، وفى حقنا، فإن جُهل التاريخ، فالثلاثة، أى: تقديم القول، وتقديم الفعل، والتوقف، والمختار تقديم القول، لكن تقرير الدليل الرابع من وجوه ترجيح القول ههنا أدق، وذلك لأنه يبطل حكمه فى حقهم وفى حقه لكن إنما
стр. 977
يبطل فى حقه الدوام دون أصل الفعل فأنه فعل مرة.
القسم الثالث: أن يدل الدليل على التكرار فى حقه دون وجوب التأسى به، والقول فيه الاحتمالات الثلاث: فإن كان خاصًا بالأمة فلا تعارض أصلًا وإن كان خاصًا به أو عامًا له وللأمة فلا تعارض فى الأمة لعدم ثبوت حكم الفعل فى حقهم، وأما فى حقه فالمتأخر من القول والفعل ناسخ كما مر فى القسم الثانى، وعند الجهل فالثلاثة والمختار الوقف.
القسم الرابع: أن يدل الدليل على التأسى دون التكرار فى حقه وفى القول الاحتمالات: فإن كان خاصًا به فلا تعارض فى حق الأمة، وأما فى حقه فإن تأخر القول فلا تعارض وإن تقدَّم فالفعل ناسخ فى حقه فإن جُهل فالمذاهب الثلاثة، والمختار الوقف، وفيه نظر فإنه لا تعارض مع تقدُّم الفعل فنأخذ بمقتضى القول حكمًا بتقديم الفعل لئلا يقع التعارض المستلزم لنسخ أحدهما، وإن كان خاصًا بالأمة فلا تعارض فى حقه وفى حق الأمة المتأخر ناسخ فإن جُهل التاريخ فالمذاهب الثلاثة والمختار العمل بالقول، وإن عامًا له وللأمة فكما تقدم، فأما فى حقه فإن تقدَّم الفعل فلا تعارض، وإن تقدَّم القول فالفعل ناسخ له، وأما فى حق الأمة فالمتأخر ناسخ وإن جهل فالثلاثة والمختار القول ولا يخفى أن هذا إذ لا تكرر فى حق الأمة إنما يكون إذا تقدَّم المتأخر التأسى وإلا فلا تعارض فى حقهم.
قوله: (أو مطلقًا) زيادة من الشارح لا حاجة إلى ذكرها لأن وجوب التكرير له ﵇ أعم من أن يكون له خاصة أو مع أمته، وكذا وجوب التكرير للأمة وأما زيادة اشتراط دلالة الدليل على وجوب التأسى فيما إذا كان وجوب التكرير للأمة فمما لا بدّ منه وإلا لم يتحقق التعارض فى حق الأمة وإنما خص وجوب تكرير الأول لظهور أن لا تعارض بمجرد وجوب تكرير الثانى.
قوله: (لا لحكم الفعل) أى لا يكون الفعل الثانى نسخًا لحكم الفعل الأول أما بالنظر إلى الاستقبال فلأن الفعل لا يقتضى التكرار فلا حكم حتى يرفع وأما بالنظر إلى ما مضى فلأن رفع ما وجد محال فتعين أن يكون نسخًا لحكم الدليل الدال على وجوب التكرار ولا يخفى أنه قد لا يكون نسخًا بل تخصيصًا كما إذا دل الدليل على عموم تكرير الصوم مثلًا ثم أفطر فإنه يكون تخصيصًا له لا نسخًا.
стр. 978
قوله: (وقد يطلق النسخ والتخصيص) فإن قيل إن أراد كونه ناسخًا ومخصصًا فلا مجاز لأنه دليل شرعى يرفع حكمًا شرعيًا وقد يفيد قصر العام على البعض كما سيجئ وإن أراد كونه منسوخًا ومخصوصًا فلا إطلاق على نفس الفعل بل على حكم الدليل الدال على تكرره، قلنا: سيجئ فى مواضع أن المتأخر من القول والفعل ناسخ للآخر وإن كان المراد ما ذكرتم فلا يبعد إطلاق التخصيص أيضًا بهذا الاعتبار.
قوله: (ينقسم إلى أربعة أقسام) لأنه إما أن لا يوجد دليل على التكرار فى حقه ولا على وجوب التأسى فى حق الأمة أو يوجد عليهما أو يوجد على التكرر فقط أو على التأسى فقط، وعلى كل تقدير فالقول إما خاص به أو بالأمة أو شامل لهما يصير اثنى عشر وعلى كل تقدير فإما أن يعلم تقدم الفعل أو تأخره أو لا يعلم شئ منهما تصير ستة وثلاثين فالأقسام الأول أربعة والأصناف الأول من كل قسم ثلاثة كل صنف ثلاثة فتكون الأصناف الثوانى من كل قسم تسعة.
قوله: (لا يجوز لى الفعل فى وقت كذا) بمنزلة يجب على الكف عن ذلك الفعل فى ذلك الوقت، فإذا فعله فى ذلك الوقت كان نسخًا لوجوب الفعل الذى هو الكف قبل التمكن منه.
قوله: (لأنه يذكر فى نظيره) وهو ما يكون القول خاصًا به وجهل التاريخ من القسم الرابع وهو ما يدل الدليل على التأسى فقط وما يعلم حكمه وهو أن فيه ثلاثة مذاهب: تقديم القول وتقديم الفعل والتوقف وهو المختار، وللشارح فيه نظر سيذكر وإنما خص القسم الرابع مع أن هذا حكم نظيره من الثانى والثالث أيضًا لأن كلًا من صورتى تقدُّم القول وتأخره أيضًا يوافق الرابع دون الثانى والثالث.
قوله: (ففى حقه إن تأخر) أى القول بقرينة قوله وإن تقدَّم فالفعل ناسخ له وإنما لم يتعرنهما للجهل بالتاريخ اتباعًا للمتن واكتفاء بما سبق من التنبيه.
قوله: (وكان ظاهرًا) أى كان القول ظاهرًا فى النبى ﵇ بأن يقول: لا يجب على أحد لا نصًا بأن يقول لا يجب على ولا على أمتى، وفى المنتهى: إلا أن يكون القول ظاهرًا فى العموم.
قوله: (لما سيأتى فى بحث تخصيص الكتاب بالكتاب) فيندفع ما ذكره العلامة من هذا عدة من غير الوفاء بها.
стр. 979
قوله: (كما تقدَّم) أى فى الصنف الأول من القسم الأول من أنه إذا تقدَّم القول كان الفعل ناسخًا له بناء على جواز النسخ قبل التمكن وأما إذا تقدَّم الفعل فلا تعارض فيما تقدَّم وههنا يكون الفعل ناسخًا لحكم تكرر الفعل.
قوله: (ولإبطال القول) مصدر المبنى للمفعول أو الفاعل وهو من عمل بالفعل والمعنى أن يسبب العمل بالفعل يبطل القول أى مفتضاه جملة أى بالكلية لأنه مختص بالأمة فإذا بطل حقه فى حكمهم لم يبق به عمل أصلًا بخلاف ما إذا عمل بالقول فإن مقتضى الفعل يبقى فى حقه ﵇ وإنما يبطل فى حق الأمة فقط.
قوله: (من جنس واحد) احترازًا عما إذا اختلفا بالجنس فإنه لا ترجيح بالكثرة كنص وقياسين بخلاف ما إذا تعارض القياسان، ووجد على وفق أحدهما دليل وههنا الدليلان من جنس وهو وقوع كل من القول والفعل بيانًا وقد قامت الوجوه الأربعة السابقة على تقديم القول.
قوله: (فإن قيل) يعنى أن ههنا أيضًا احتمال الأمرين: تقدم القول ليكون منسوخًا وتأخره ليكون ناسخًا لينبغى أن يتوقف دفعًا للتحكم كما فى صورة اختصاص القول به ﵇، وحاصل الجواب: أنه إذا تعلق القول والفعل بنا فنحن متعبدون بالعمل بمتقتضى أحدهما وقد ترجح القول فيعمل به بخلاف ما إذا تعلق به ﵇ فإنه لا تعبد لنا بأعماله ولا نحكم فيها أن الواجب عليه هذا أو ذاك فتوقفنا نظرًا إلى الاحتمالين وذكر العلامة أن المعنى أنا متعبدون فى هذا القسم بأحد الحكمين حكم الفعل أو القول فالعمل بالأرجح أولى بخلاف الأول إذ لا تعبد فيه إلا بالقول وههنا بحث وهو أنه بعدما بين ترجيح القول بالوجوه المذكورة فسؤال التوقف ليس بسديد وإنما يتوجه السؤال بأنه لم لا يصار فى الأول أيضًا إلى ترجيح القول كما هو رأى الآمدى من غير توقف.
قوله: (والمختار تقديم القول) للأدلة الأربعة المذكورة وزعم العلامة أن الرابع لا يتمشى ههنا فأشار المحقق إلى أنه يتمشى لكن بوجه أدق وتقريره أن العمل بالفعل يبطل حكم القول بالكلية والعمل بالقول إنما كان يبطل الفعل فى حقه وفى حقنا لكن لا بالكلية إذ لا يبطل فى حقه إلا دوام الفعل واستمرار حكمه دون أصل الفعل فإنه قد فعل مرة ولا يتصور إبطاله ثم مقتضى كلام المتن والشرح تقديم
стр. 980
القول فى حقه وفى حقنا جميعًا لكن مقتضى ما سبق أن يكون ذلك فى حقنا وأما فى حقه فالتوقف وبهذا صرح العلامة وغيره.
قوله: (فالمتأخر من القول والفعل ناسخ) قد عرفت أن نسخ الفعل للقول العام له ولأمته إنما هو على تقدير أن يكون العموم له بطريق النصوصية وأما إذا كان بطريق الظهور فالفعل مخصوص وأنه مبنى على جواز النسخ قبل التمكن ولا يخفى أن هذا التعميم وهو أنه سواء كان القول خاصًا به أو عامًا له وللأمة ففى حقه المتأخر ناسخ فعلًا كان أو قولًا وعند الجهل المختار التوقف، إنما هو فى القسم الثانى دون الأول إذ لا تعارض فى حقه عند تأخر القول لعدم دليل تكرير الفعل فلهذا قال كما مر فى القسم الثانى، ولم يقل: كما مر فى القسم الأول، وكان الأولى أن يؤخره عن قوله: وعند الجهل فالثلاثة والمختار الوقف.
قوله: (وفيه نظر) اختيار الوقف وإن لم يكن صريحًا فى المتن لكنه يعلم من قوله: فالثلاثة إشارة إلى ما سبق واعتراض الشارح عليه وعلى نظيره من القسم الأول ظاهر الورود لاشتراكهما فى عدم تكرير الفعل وعدم التعارض عند تقدمه بخلاف الثانى والثالث.
قوله: (والمختار العمل بالقول) لما مر من وجوه الترجيح مع أنا متعبدون بالعمل فلا وجه للتوقف بخلاف ما إذا اعتبر فى حق النبى ﷺ .
قوله: (وإن جهل فالثلاثة) يحتمل أن يكون على إطلاقه أى فى حقه وفى حقنا بناء على نظر الشارح أنه ينبغى فى مثل هذه الصور أن يكون المختار فى حقه أيضًا الأخذ بمقتضى القول لا التوقف ولذا قال: والمختار القول ولم يقل العمل بقوله.
قوله: (ولا يخفى أن هذا) أى كون المتأخر ناسخًا للمتقدم عند العلم بالتاريخ والمذاهب الثلاثة عند الجهل فى حق الأمة إنما يكون إذا كان المتأخر متقدمًا على التأسى والإتيان بمثل فعل النبى ﷺ وإن لم يتقدم بل كان ورود القول بعد التأسى، ولا يتصور هذا فى الفعل فلا يعارض فى حقهم الدليل لأنه لا دليل على التكرر ولا يثبت الفعل إلا مرة واحدة فقوله: إذ لا تكرر تعليل قدم على الحكم وقوله: فى حق الأمة متعلق بقوله: هذا أو بقوله لا تكرر.
الشارح: (ولا فى المستقبل) أى ولا تعلق للقول بالفعل بالنظر إلى المستقبل من
стр. 981
حيث المعارضة له.
الشارح: (إذ لا حكم للفعل فى المستقبل) أى لعدم شموله فلا معارضة بينه وبين قوله: لا يجوز لى مثل هذا الفعل فى هذا الوقت.
الشارح: (وإن جهل الحال. . . إلخ) إلى هنا تمت الأقسام الثلاثة إذا كان القول مختصًا به.
الشارح: (تقدم الفعل أو تأخر) أى فلا فرق هنا بين علم تقدم الفعل وعلم تأخره وعدم العلم بشئ أصلًا فقد تمت الأقسام الثلاثة لما إذا كان الفعل مختصًا بالأمة.
الشارح: (فحكمه على تقدير تقدم الفعل وتأخره. . . إلخ) ترك حالة الجهل اكتفاء بالتنبيه عليها فيما سبق وقد تمت الأقسام الثلاثة لما إذا كان القول عامًا له ولنا وتمت الأقسام التسعة لما إذا لم يدل دليل على تكرار ولا تأس.
الشارح: (أحدها أن يكون القول خاصًا به) أقسامه الثلاثة ظاهرة وقوله: وثانيها: أن يكون خاصًا بالأمة كذلك وسيأتى الأقسام الثلاثة لما إذا كان القول عامًا لنا وله فى قوله: ثالثها أن يكون القول عامًا لنا وله فالمجموع تسعة أقسام للقسم الثانى أيضًا.
الشارح: (فلا تعارض أصلًا) أى سواء علم تقدم القول أو تأخره أو جهل الحال فهذه صور ثلاثة.
الشارح: (وإن كان خاصًا به أو عامًا. . . إلخ) وصوره ستة فالمجموع تسعة فى القسم الثالث أيضًا.
الشارح: (وأما فى حقه. . . إلخ) صوره ثلاثة كما هو ظاهر.
الشارح: (فلا تعارض فى حق الأمة) أى بصوره الثلاثة.
الشارح: (وإن كان خاصًا بالأمة) صوره ثلاثة أيضًا فمجموع صور القسم الرابع تسعة أيضًا وبها تمت الصور الستة والثلاثون.
قوله: (زيادة من الشارح) رد بأن المفاد من التكرار بالنسبة له أو بالنسبة إلى الأمة اختصاصه به.
قوله: (وأما زيادة اشتراط دلالة الدليل على وجوب التأسى) أى بالنسبة للفعل الثانى.
стр. 982
قوله: (قلنا سيجئ فى مواضع. . . إلخ) أى فقد جعل الفعل منسوخًا والمراد حكمه فيكون إطلاق النسخ على الفعل بهذا الاعتبار مجازًا.
قوله: (فلا يبعد إطلاق التخصيص أيضًا بهذا الاعتبار) الأولى ولا يبعد لأنه ليس جوابًا لقوله: وإن كان المراد ما ذكرتم.
قوله: (بمنزلة يجب على الكف. . . إلخ) تأويل يصحح به أن يقال وهو مبنى على النسخ قبل التمكن من الفعل إذ هو صريح فى أن هناك فعلًا نسخ قبل التمكن منه والكف فعل.
قوله: (وللشارح فيه نظر سيذكر) وهو أن لا تعارض مع تقدم الفعل فنأخذ بمقتضى القول حكمًا بتقديم الفعل لئلا يقع التعارض المستلزم لنسخ أحدهما ثم أعلم أنه لا ينحصر هذا الصنف فيما ذكر بل يجوز أن يكون القول المتقدم دالًا على الدوام كأن يقول صوم الخميس واجب دائمًا.
قوله: (يوافق الرابع) أى فى أنه إن تقدم القول يكون الفعل ناسخًا بناء على جواز النسخ قبل التمكن وإن تقدم الفعل فلا تعارض.
قوله: (دون الثانى والثالث) أى لأن المتأخر من القول والفعل ناسخ للمتقدم فيما فيه التعارض منهما.
قوله: (مصدر المبنى للمفعول) هذه القولة مؤخرة من تقديم؛ لأنها على قول المصنف: ولإبطال القول به جيلة وقوله: أو الفاعل وهو من عمل تحريف وصوابه: والفاعل هو العمل بالفعل وقوله: والمعنى أن بسبب العمل تحريف وصوابه: حذف بسبب ويحتمل أن قوله أو الفاعل عطف على المفعول أى أن إبطال مصدر المبنى للفاعل وعلى كل فقوله: وهو من عمل بالفعل تحريف.
قوله: (ولذا قال: والمختار القول، ولم يقل: العمل بقوله) أى لأن العمل بقوله معناه عمل الأمة بقول رسول اللَّه ﷺ فيكون ظاهرًا فيما إذا كان القول للأمة دون ما إذا كان للرسول أيضًا بخلاف ما إذا قيل المختار القول، فإنه يعم القول بالنسبة له وبالنسبة للأمة.
стр. 983
(مباحث الإجماع)
قال: (الإجماع: العزم والاتفاق، وفى الاصطلاح: اتفاق المجتهدين من هذه الأمة فى عصر على أمر، ومن يرى انقراض العصر يزيد: إلى انقراض العصر، ومن يرى أن الإجماع لا ينعقد مع سبق خلاف مستقر من ميت أو حى جوز وقوعه يزيد: لم يسبقه خلاف مجتهد مستقر).
أقول: هذا ثالث الأدلة الشرعية وهو الإجماع، والإجماع لغة: يطلق لمعنيين: أحدهما: العزم ﴿فَأَجْمِعوا أَمرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، أى اعزموا ومنه: "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل".
وثانيهما: الاتفاق وحقيقة أجمع صار ذا جمع كألبن وأتمر.
وفى الاصطلاح: اتفاق خاص، وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﵊ فى عصر على أمر مّا فلا يعتبر المقلد مخالفةً وموافقة، والمراد بقولنا: فى عصر: فى زمان ما قل أو كثر، وبقولنا: فى أمر ما: يتضاول الدينى والدنيوى ثم إنه قد اختلف فى أنه هل يشترط فى الإجياع وانعقاده حجة انقراض عصر المجمعين؟ فمن اشترط ذلك لا يكفى عنده الاتفاق فى عصر بل يجب استمراره ما بقى من المجمعين أحد فيزيد فى الحدّ: إلى انقراض العصر ليخرج اتفاقهم إذا رجع بعضهم فإنه ليس بالإجياع المقصود وهو ما يكون حجة شرعًا، وأيضًا فقد اختلف فى أنه هل يجوز حصول الإجماع بعد خلاف مستقر من حى أو ميت أم لا؟ فإن جاز فهل ينعقد أم لا؟ فمن قال لا يجوز أو يجوز وينعقد فلا يحتاج إلى إخراجه عن الحدّ ومن يرى أنه يجوز ولا ينعقد فلا بد أن يخرجه عن الحدّ بأن يزيد فيه: لم يسبقه خلاف مجتهد مستقر وسيتضح لك هذا زيادة وضوح عند وقوفك على هذه المسائل.
قوله: (ليس بالإجماع المقصود) يريد أن التعريف لما هو من الأدلة الشرعية وهو المعرف بالشرائط.
قوله: (فمن قال لا يجوز) يعنى أنه على الأول لا يدخل فى الجنس فلا يحتاج
стр. 984
إلى الأخرى، وعلى الثانى من أفراد الحدود فلا وجه لإخراجه، وأما من يرى أنه يتحقق مثل هذا الاتفاق ولا يكون إجماعًا وهو حجة شرعية فلا بد عنده من قيد يخرجه ومبنى هذا الكلام على أن الشروط المذكورة شروط لماهية الإجماع المتعارف كما فى شروط القياس فى المنطق.
المصنف: (اتفاق المجتهدين) أى جميعهم وقوله: على أمر أى أى أمر كان دينيًا كالصلاة والزكاة أو دنيويًا كترتيب الجيوش والحروب وأمور الرعية أو عقليًا لا تتوقف حجته عليه كحدوث العالم ووحدة الصانع أما ما تتوقف حجته عليه كثبوت البارى والنبوة فلا يحتج فيه بالإجماع وإلا لزم الدور.
المصنف: (ومن يرى انقراض العصر) قيل كلهم وقيل غالبهم.
الشارح: (هل يجوز الإجماع بعد خلاف مستقر) أى بأن طال الزمن ومضى زمن البحث عن المأخذ فإذا استقر فى المسالة قولان فلا يجوز لأصحاب القولين فيها الاتفاق على أحد القولين، لأن استقرار الخلاف بينهم يتضمن الاتفاق منهم على جواز الأخذ بكل من القولين باجتهاد أو تقليد وعليه الآمدى وقيل يجوز؛ لأن تضمن الاتفاق المذكور مشروط بعدم الاتفاق منهم على أحد القولين فإن وجد فلا اتفاق والخلاف مبنى على أنه لا يشترط انقراض العصر أما على اشتراط انقراض العصر فلا يأتى هذا الخلاف بل يجوز الإجماع بعد الخلاف المستقر قولًا واحدًا؛ لأنهم لما وقع منهم الاختلاف فى العصر الذى استقر فيه الخلاف لم يكن اختلافهم إجماعًا على تجويز الأخذ بكل من القولين لعدم انقراض العصر ولم يكن اتفاقهم بعد الاختلاف المستقر رفعًا للمجمع عليه، وأما الاتفاق من غيرهم بعد استقرار الخلاف فالأصح أنه ممتنع إن طال الزمان زائدًا على ما يستقر به الخلاف إذ لو انقدح وجه فى سقوطه لظهر للمختلفين بخلاف ما إذا قصر فقد لا يظهر لهم ويظهر لغيرهم، وقيل يجوز مطلقًا لجواز سقوط الخلاف لغير المختلفين دونهم وأما الاتفاق قبل استقرار الخلاف على أحد القولين فجائز سواء كان الاتفاق منهم أو ممن بعدهم لأنه يجوز أن يظهر مستند جلى يجمعون عليه وقد أجمعت الصحابة رضى اللَّه عنهم على دفنه فى بيت عائشة بعد اختلافهم الذى لم يستقر.
قوله: (على الأول) هو أنه لا يجوز الإجماع بعد استقرار الخلاف فلا يحتاج
стр. 985
إلى الإخراج لأن الممتنع لا يحترز عنه لعدم دخوله فى الجنس كما قال.
قوله: (وعلى الثانى) وهو أنه يجوز وينعقد.
قوله: (وهو حجة شرعية) أى مع كونه ليس إجماعًا هذا ويحتمل أن لفظ هو زائد والأصل: وحجة شرعية عطف على إجماعًا المنفى ويظهر أن الاحتمال الثانى هو المتعين.