Полный текст (509 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
٤٥ - مسألة: التنجيز يبطل التعليق .
وصورة المسألة: إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثًا- فطلقها قبل دخول الدار ثم تزوجت بزوج آخر وعادت إليه ودلت الدار لا يقع الطلاق.
والوجه فيه- أنه لا يلتزم بتصرفه طلاقًا يبطل حلًا سيحدث، / فلا يقع.
وإنما قلنا ذلك- لأنه إنما التزم بتصرفه طلاقًا يمنعه عن تحصيل الشرط أو يحمله على تحصيله، والمنع لا يحصل بطلاق يبطل حلًا سيحدث.
وإنما قلنا: إنه التزم بتصرفه طلاقًا يمنع عن الشرط، لأن غرضه في قوله: إن شربت فامرأتي طالق- منع النفس عن الشرب، لأنه لولا هذا الغرض لما أقدم على اليمين بالطلاق لحرمته، والطلاق الذي يبطل حلا سيحدث لا يمنعه، لأن المنع إنما يحصل بالخوف، والخوف إنما يكون ببطلان نعمة يغلب وجودها أو يحتمل وجودها، لا يبطلان نعمة نادر وجودها، والحل الذي سيحدث نادر الوجود، لأن ذلك يبتني على الطلقات والعدد وعلى التزويج بزوج آخر وعلى طلاق ذلك الزوج والعود إليه، وكل هذه المقدمات نادر [ة] الوجود.
فإن قيل: قولكم بأنه التزم طلاقًا يمنعه عن تحصيل الشرط أو لا يمنعه- قلنا: لا نسلم بل هو مطلق، لإطلاق اللفظ، فلا يجوز تقييده.
قوله: دل الدليل على التقييد- قلنا: لا نسلم.
قوله: لولا ذلك لما أقدم على اليمين- قلنا: لا نسلم بأن هذا يمين، بل هو تطليق عند الشرط. ولئن سلمنا أنه يمين، ولكن لم قلتم إن المنع لا يحصل بطلاق يبطل حلًا سيحدث؟
стр. 107
قوله: بأن المنع يحصل بالخوف عن زوال نعمة بغلب وجودها- قلنا: لا نسلم أن غلبة الوجود شرط، وهذا لأن المنع كما يحصل بنزول المكروه غالبًا وظاهرًا، يحصل بنزول المكروه على سبيل الاحتمال، لأن الإنسان كما يمتنع عن الضرر الغالب، يمتنع عن الضرر المحتمل- دلت عليه أنه لو أبانها ثم تزوجها ودخلت الدار يقع.
ولئن سلمنا أن غرضه الامتناع عن مطلق الضرر، ولكن في الحال فقط أم في الحال وثاني الحال؟ ع م. وهذا لأن الامتناع في الحال كما يصلح غرضًا، فكذلك الامتناع في الحال وثاني الحال يصلح غرضًا/.
ولئن سلمنا أن الغرض هو المنع مطلقًا، ولكن لم قلتم بأن الطلاق الذي يبطل حلًا سيحدث، لا يصلح مانعًا؟ .
والدليل على أنه يصلح مانعًا أنه لو قال لامرأته: "إن دخلت الدار فأنت على [كـ] ظهر أمي" فطلقها ثلاثًا ثم تزوجت بزوج آخر وعادت إلى الأول ودخلت الدار، يلزمه الظهار.
ولئن سلمنا أنه لم يلتزم طلاقًا يبطل حلًا سيحدث، ولكن لم قلتم بأن هذا الحل غير ذلك الحل، بل هو عينة- لأنا أجمعنا على أنها لو ارتدت ثم عادت إليه بعد الإسلام تبقى اليمين وينزل الجزاء وإن بطل حل المحلية بالردة؟ .
الجواب:
قوله: بأنه مطلق لإطلاق اللفظ- قلنا: بلى، ولكن مطلق الكلام يجوز تقييده بدلالة الغرض. كما إذا اشترى عبدًا مطلقًا، ينصرف إلى المسلم.
قوله: لم قلتم بأنه يمين؟ - قلنا: لأن تعليق الطلاق يسمى يمينًا عرفًا وشرعًا.
стр. 108
قوله: لم قلتم بأن المنع لا يحصل بطلاق يبطل حلا سيحدث؟ قلنا: لما ذكرنا أن الإنسان لا يخاف زوال نعمة لا يغلب وجودها.
قوله: لم قلتم بأن الغلبة شرط؟ قلنا: لأن المانع إنما يمنعه إذا كان غالب الوجود.
وأما إذا أبانها- قلنا: لأن نزول الجزاء ليس بنادر الوجود ثمة. أما ههنا بخلافه.
قوله: غرضه الامتناع عن الضرر في الحال فقط أم في الحال وثاني الحال؟ - قلنا: غرضه المنع مطلقًا من غير تعرض للزمان، وهذا الغرض يحصل بطلاق يبطل حلا قائمًا للحال، لأن الحال القائم للحال، الظاهر دوامه إلى وقت وجود الشرط.
وأما مسألة الظهار فممنوع على رواية أبي طاهر الدباس عن أصحابنا: أنه لا [يلزمه] الظهار.
قوله: لم قلتم بأن الحل الذي يوجد بعد الزوج الثاني غير ذلك الحل- قلنا: لأن الزوج الثاني مثبت للحل ابتداء على ما مر في مسألة الهدم.
стр. 109
وأما إذا ارتدت المرأة/ قلنا: بالردة لا يزول حل المحلية، حتى لو اشترى أمة مرتدة ودخل بها لا يسقط إحصانه في القذف، ولو زال لسقط إحصانه، كما في الأمة المنكوحة إذا طلقها اثنتين ثم اشتراها ووطئها.
٤٦ - مسألة: إرسال الطلقات الثلاث جملة حرام .
والوجه- أن إرسال الطلقات الثلاث جملة إيقاع الطلاق من غير حاجة، فوجب أن يكون حرامًا، قياسًا على الطلاق في حالة الحيض.
وإنما قلنا ذلك- لأنا نعني بهذه الحاجة الخلاص عن عدة النكاح، وهذه الحاجة تندفع بالطلقة الواحدة، فإبقاع الثانية والثالثة يكون إبقاعًا من غير حاجة، فيكون حرامًا، لأن الدليل يقتضي حرمة الطلقات الثلاث جملة لما فيه من سد باب التدارك والوصول إليها بطريق الحلال، وربما يميل طبعه إليها على وجه لا يمكنه الصبر عنها، فيقع في الحرام، وما هذا حاله فهو حرام.
فإن قيل: قولكم الدليل يقتضي حرمة الطلقات الثلاث لما فيه من سد باب التدارك- قلنا: لا نسلم، وهذا لأن إمكان الوصول إليها بالحلال قائم، بأن تتزوج بزوج آخر ثم تعود إليه بالنكاح.
ولئن سلمنا أنه لا يمكن الوصول إليها بطريق الحلال، ولكن لم قلتم بأنه يقع في الحرام، وظاهر أنه لا يقع، لأن العقل والدين يمنعانه عن ذلك. وكذلك الإقدام على إرسال الطلقات الثلاث جملة دليل نفر الطبع عنها بأبلغ الوجوه، فلا يقدم على الحرام.
стр. 110
ولئن سلمنا أن احتمال هذا الضرر قائم- ولكن لم قلتم بأنه يوجب تحريم إرسال اثلاث؟ وهذا لأنه ليس يجب على الشرع أن يدفع الضرر عن العبد بدون اختياره بل يجعله بسبيل من اختيار الضرر والاحتراز عنه.
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يقتضي تحريم الإرسال/ ولكن ههنا دليل يأبى ذلك، وذلك لأنها أجمعنا على أن إيقاع الثلاث مباح، وإن كان فيه جميع ما ذكرتم. وكذلك أجمعنا على أن الطلقات الثلاث مملوكة للزوج، بدليل أنه لو أوقع يقعن، والملك لا يشرع إلا لإطلاق الاستبقاء شرعًا، ولأن الإقدام دليل الحاجة إلى سد باب الوصول إليها، لاحتمال أن يكون في نكاحها مفسدة ومضرة، وربما لا يمكنه الامتناع عنها ويحتاج إلى سد باب التدارك في الحال، دفعًا لهذه الحاجة.
الجواب:
قوله: إمكان الوصول إليها بالحلال ممكن- قلنا: لا نسلم. وهذا لأن الوصول موقوف على مقدمات كثيرة نادرة، والنادر ملحق بالعدم.
ولئن سلمنا إمكان الوصول ولكن بعد زمان طويل، يعرى عن احتمال ما ذكرنا من الضرر.
وأما قوله بأن العقل والدين يمنعانه- قلنا: بلى، ولكن ذاك لا يمنع احتمال الوقوع على ضرر الزنا، لمكان الهوى بالطبع.
стр. 111
وأما قوله بأن الإقدام على إرسال الثلاث دليل نفر الطبع عنها- مع: محتمل: يحتمل أنه أقدم لعارض يدوم، ويحتمل أنه أقدم لعارض يزول، فلا يبطل ما ذكرنا بالشك.
قوله بأن هذا الضرر يلحقه باختياره- قلنا: لا نسلم بأنه باختياره، وإنما يكون باختياره أن كان عالمًا بلحوق هذا الضرر به، أما إذا لم يكن عالمًا فلا.
وأما الطلاق الثلاث- قلنا: ذاك إنما يكون بعد نفر الطبع عنها، لأن إيقاع الأول والثاني دل على نفر الطبع، أما إيقاع الثلاث جملة [فـ] قد يكون لغضب ولعارض يزول، فلا يدل على تنافر الأخلاق.
قوله بأن الطلاق الثلاث مملوك له- قلنا: إن عنيت به الإباحة فممنوع، وإنه عين النزاع. وإن عنيت به أنه لو أوقع يقع ويترتب عليه حكم شرعي فعلم، ولكن الشرع قد يرتب/ الحكم على التصرف المباح وقد يرتبه على الحرام كالزنا وشرب الخمر وسائر المحظورات.
قوله بأن دليل الحاجة موجود، وهو الإقدام على الإرسال- قلنا: كما لا يجوز تعليق الحكم بحقيقة الحاجة، لا يجوز تعليقه بالإقدام على الطلاق.
وأما الحاجة إلى سد باب التدارك- قلنا: ما ذكرنا محكم في تحريم الإرسال، وما ذكرتم محتمل، والمحتمل لا يعارض المحكم.
والله أعلم.
٤٧ - مسألة: عدد الطلاق معتبر برق النساء وحريتهن، لا برق الرجال وحريتهم . وهو مذهب علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود.
وعند عثمان وزيد معتبر برق الرجال وحريتهم.
стр. 112
والوجه فيه- أن الرق مؤثر في تنصيف الحل في جانب الرجل، فيكون مؤثرًا في التنصيف في جانب المرأة.
قلنا: متى يكون مؤثرًا في التنسيف في جانب المرأة- إذا كان محلية النكاح حقها أم إذا لم يكن؟ م ع.
بيانه أن رقها مؤثر في نقصان نعمة من حقها، لا في نقصان نعمة هي حق الرجل- فلم قلتم بأن حل المحلية حق المرأة، بل حق الزوج، لأنه يشعر بكونه قابلًا لملك الغير، وهو حق المالك لا حق المملوك.
ولئن سلمنا أن حل المحلية حقها، ولكن على الخصوص أو حقها وحق الزوج؟ ع م.
بيانه أن حل المحلية كما هو حق المرأة، لكونه وسيلة إلى نفعها، فهو حق الزوج لكونه وسيلة إلى نفعه، فكان مشتركًا بينهما، فلا يتنصف برق المرأة.
ولئن سلمنا أن حل المحلية نعمة في حقها، ورقها يؤثر في تنصيفها- ولكن في
стр. 113
التنصيف في الجملة أم تنصيف نوع معين؟ ع م. وهذا لأن الحرة محل النكاح في جميع الأحوال، والأمة محل حال عدم الحرة لا حال قيامها. وإذا ثبت التنصيف/ من هذا الوجه لا يثبت التنصيف في نقصان العدد، لأنه يؤدي إلى التنصيف مرتين، فيكون تربيعًا لا تنصيفًا.
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يوجب التنصيف- ولكن ههنا دليل آخر يأبى ذلك. وذلك لأن المرأة كما هي محل نكاح الرجل، فالرجل محل نكاح المرأة. فإن نظرنا إلى جانب الأمة ينتقص العدد، وإن نظرنا إلى جانب الرجل لا ينتقص، فلا ينتقص بالشك.
ثم هذا معارض بقوله ﵇: "الطلاق بالرجال والعدد بالنساء".
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن المحلية حقها- قلنا: لأنها تنتفع بها مقصودًا ونفع الزوج يقع ضمنًا لا مقصودًا، فكان حقها.
وبه خرج الجواب عن قوله إنه مشترك.
قوله: ثبت التنصيف في حق الأمة في حق حل زمان دون زمان، فلا يثبت التنصيف في نقصان العدد- قلنا: ليس ذلك تنصيف بل التنصيف تنصيف الحل في زمان واحد- دل عليه أن الحر إذا تزوج بالأمة، فإنه لا يجوز له بالإجماع أن يتزوج بالحرة، ولا يسمى ذلك تنصيفًا ولا تربيعًا، مع أن المالكية حقها.
وأما سؤال المعارضة- قلنا: ذاك يشعر بكون الزوج محلًا للنكاح، بل [هو] مالك وعاقد، ولا يسمى منكوحًا.
وأما الحديث- فنحمله على أن إيقاع الطلاق بالرجال، عملًا بالدليل على أنه
стр. 114
معارض بما روت عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان"- أورده أبو داود وأبو عيسى وابن ماجة.
والله أعلم.
٤٨ - مسألة: تعليق الطلاق والعتاق بالملك جائز، خلافًا له .
والوجه فيه -أنه قصد إيقاع التصرف تطليقًا عند الشرط، والشرع جعله بسبيل من ذلك، فيقع تطليقًا عند الشرط- فيقع الطلاق، قياسًا على ما إذا قال لمنكوحته: إن دخلت الدار فأنت طالق.
وإنما قلنا: إنه/ قصد، لأنه أتى بصيغة القصد.
وإنما قلنا: إن الشرع جعله بسبيل من ذلك- لأنه جعله بسبيل من إيقاع التصرف تطليقًا عند الشرط في المنكوحة، لمعنى: ذلك المعنى موجود ههنا، لأن الإنسان يحتاج إلى منع نفسه عن فعل من الأفعال لما يتعلق به من الضرر، وربما لا يتمكن من الامتناع لو خلى وطبعه، فيحتاج إلى مانع يمنعه من ذلك، ووقوع الطلاق والعتاق يصلح مانعًا لما [قد يلحقه] من المكروه.
стр. 115
فإن قيل: قولكم بأن الإنسان قد يحتاج إلى منع نفسه عن فعل، فيحتاج إلى مانع- قلنا: لم قلتم بأنه أمكن دفعها بهذا الطريق. وبيانه- وهو أنه إنما يمكن دفعها بهذا الطريق أن لو تصور وجود النكاح على تقدير تعليق الطلاق به- فلم قلتم بأنه يتصور؟ . وبيان عدم التصور من وجوه:
أحدها- أن الطلاق إذا تعلق بالنكاح، صار الطلاق مقارنًا للنكاح، لأن المعلق بالشرط ينزل عند وجود الشرط مقارنًا له، والطلاق إذا قارن النكاح يمنع وجوده.
والثاني- أن النكاح إنما ينعقد إذا كان مفيدًا للمقاصد المطلوبة، وهذا النكاح لا يفيدها.
والثالث- أن النكاح إذا كان بحال يتصل به الطلاق، صار في معنى نكاح المتعة، وإنه مفسوخ.
ولئن سلمنا بأنه أمكن دفعها بهذا الطريق، ولكن تعين طريقًا أم لم يتعين؟ ع م.
وبيانه- وهو أن له طريقين: أحدهما- اليمين بالله، وإنه مشروع. والثاني- وهو اليمين بالطلاق، وإنه محظور لقوله ﵇: ملعون من حلف بالطلاق- وحلف به بلا اتصال لدفع الحاجة إليه دون الطريق المشروع.
ثم هذا معارض بما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: "لا/ طلاق إلا فيما تملك. ولا عتق إلا فيما تملك. ولا وفاء نذر إلا فيما تملك"- أورده أبو داود وأبو عيسى.
стр. 116
الجواب:
قوله: لم قلتم بأنه أمكن دفع هذه الحاجة بهذا الطريق؟ - قلنا: لأنه متى تعلق الطلاق بنكاحها يمتنع عن النكاح غالبًا وظاهرًا.
قوله: لم قلتم بأنه يتصور وجود النكاح؟ - قلنا: لأن وجود النكاح بصدور الركن من أهله، وهذه الأوصاف لا تختل بتعلق الطلاق.
قوله: بأن الطلاق يصير مقارنًا له- قلنا: لا نسلم، بل الطلاق يقع بعده بزمانين- بيانه: أن الطلاق حز. النكاح، وحز الفعل يوجد بعده، لا مقارنًا له.
قوله: بأنه لا يفيد المقصد- قلنا: لا يفيد قطعًا ام محتملًا؟ - ع م. وهذا لأن نكاح الصغير والمجنون والخصي والمشرقي بالمغربية- يجوز لاحتمال حصول المقصود نادرًا. ولهذا قلنا: لو جاءت في هذه الصورة التي تنازعنا فيها بولد لستة أشهر يثبت النسب.
على أنا لو فرضنا الكلام فيما إذا قال: إن تزوجتك فانت طالق بعده لسنة، سقط السؤال.
قوله: بأنه في معنى نكاح المتعة- قلنا: لا نسلم- بأن نكاح المتعة هو النكاح الموقت، ولا تأقيت في هذا النكاح، وصورته غير هذه الصورة.
قوله: اليمين بالله تعالى طريق المنع- قلنا: اليمين بالله تعالى ربما لا تمنع، لقيام الكفارة.
стр. 117
قوله: الطلاق محظور- قلنا: بلى، ولكن لغيره لا لعينه. ولهذا لا يمنع تعليق طلاق المنكوحة بدخول الدار.
وأما الحديث- قلنا: المراد منه التنجيز دون التعليق، لأنه نفي الطلاق مطلقًا، والطلاق المطلق هو التنجيز دون التعليق، وإنهم كانوا يعقدون ذلك في الجاهلية.
والله أعلم.
٤٩ - مسألة: الكنايات كلها بوائن إلا قوله: اعتدي -واستبري رحمك- وأنت واحدة .
والوجه فيه- أن هذا التصرف أعني به قوله: "أنت بائن" تصرف إبانة، فوجب أن/ يقع به البينونة وينقطع به النكاح، قياسًا على ما إذا قال لها ذلك، قبل الدخول بها أو بعد الدخول على مال.
وإنما قلنا إنه تصرف إبانة- ذلك لأنه إخبار صادر عن عاقل مكلف بصريح الإبانة، فوجب الحكم بالإبانة، تصديقًا له في إخباره، وتصحيحًا لتصرفه، وتحصيلًا لمقصوده.
فإن قيل: قولكم بأنه تصرف إبانة- قلنا: لا نسلم.
قوله: أتى بصريح الإبانة- قلنا: يحتمل أنه أراد الإخبار كقوله: أنت قائم وقاعد، ويحتمل أنه أراد الإنشاء، فلا يكون حجة.
ولئن سلمنا أنه تصرف إبانة، ولكن لم قلتم بأنه يقع به البينونة؟ .
стр. 118
وأما القياس على ما قبل الدخول- قلنا: الفرق ظاهر، لأن هذا التصرف قبل الدخول فسخ ملك النكاح، كالمبيع قبل القبض. ولهذا لو قال لها قبل الدخول بها: أنت طالق ثبتـ[ـت] البينونة.
وأما بعد الدخول على مال، فهو معاوضة، وقضية المعاوضة ثبوت الملك في العوضين في الحال تحقيقًا للتساوي، ومن ضرورة ذلك ثبوت البينونة، لا أن يكون التصرف إبانة ابتداء. وصار كقوله: اعتدى- واستبرى- وأنت واحدة هـ.
الجواب:
قوله: يحتمل الإخبار ويحتمل الإنشاء- قلنا: هذه الصيغة موضوعة للإنشاء لا للإخبار، كما في قوله: بعت واعتقت وغيرها- فكل ذلك إنشاء لا إخبار- كذا هذا.
قوله: بأن افبانة قبل الدخول فسخ، وبعده على مال معاوضة- قلنا: النكاح لا يقبل الفسخ والمعاوضة، ولهذا لم يترتب عليه أحكام الفسخ والمعاوضة.
ولئن سلمنا أنه فسخ، ولكنه إبانة أيضًا، واللفظ ينبئ على الإبانة، لا على الفسخ والمعاوضة.
وأما قوله: اعتدى واستبرى رمك –وأنت واحدة- قلنا: هذا لا ينبئ عن إزالة الملك: ملك النكاح وإبانة وصلة/ النكاح، بل هو دليل الطلاق، لأن الأمر بالعدة واستبراء الرحم لا يكون إلا بعد الطلاق، فيقع الطلاق اقتضاء.
وقوله: "أنت واحدة"- معناه: أنت طالق طلقة واحدة، فكان الواقع هو الطلاق، أما ههنا بخلافه.
стр. 119
٥٠ - مسألة: الطلاق الرجعي لا يحرم الوطء. وهو صريح الطلاق .
والوجه فيه- أن النكاح قائم من كل وجه، فيحل وطؤها، كما قبل الطلاق.
وإنما قلنا ذلك- لأن الزوج يملك مراجعتها بغير رضاها، لقوله تعالى: ﴿بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ جعل الزوج المطلق أحق بالرد. فالرجعة هي الرد لغة، فكان الزوج أحق بالرجعة بقضية النص مطلقًا، من غير اشتراط رضاها. وحق المراجعة بدون رضاها يدل على بقاء النكاح من كل وجه، لأن النكاح لو كان زائلًا من كل وجه أو من وجه لكانت الرجعة بدون رضاها إنشاء النكاح عليها بدون رضاها، والدليل يأبى ذلك. وإذا كان النكاح قائمًا من كل وجه يحل الوطء لقوله تعالى: ...
فإن قيل: قولكم بأن النكاح قائم من كل وجه- قلنا لا نسلم.
قوله: يملك مراجعتها بغير رضاها- قلنا: لا نسلم.
وأما النص- قلنا: لفظة الرد تقتضي زوال النكاح لأن الرد إعادة إلى الحالة الأولى، وذلك إنما يكون بعد تبدل الحالة، وذلك بزوال النكاح، لأن النكاح لو كان قائمًا كان الحال بعد الطلاق كالحال قبله، فلا يتصور ردها.
стр. 120
ولئن سلمنا أنه يملك مراجعتها، ولكن لم قلتم إن النص يقتضي أنه يملك مراجعتها بغير رضاها؟ .
ولئن سلمنا أنه يملك مراجعتها بغير رضاها، ولكن لم قلتم بأن ذلك يقتضي بقاء النكاح؟ .
قوله: لو كان النكاح زائلًا، لكان هذا إنشاء النكاح من غير رضاها- قلنا: لا تسلم، بل يكون هذا فسخًا للطلاق، ومن ضرورة فسخ الطلاق عود النكاح، كالأمة إذا وهبها مولاها من زوجها/ يزول النكاح، فإذا رجع في هبته يعود النكاح من غير إنشاء- كذا هنا.
ولئن سلمنا أن حق الرجعة يدل على قيام النكاح، ولكن تسميتها "مطلقة" يدل على زواله، لأن الطلاق ضد النكاح.
ولئن سلمنا أن النكاح قائم من كل وجه، ولكن لم قلتم بأنه يحل وطؤها- ألا ترى أن الوطء حالة الحيض والنفاس والظهار حرام مع قيام النكاح؟ .
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على حل الوطء، ولكن ههنا دليل يدل على حرمة الوطء، لأنا أجمعنا على أنه لا يحل للزوج الخلوة معها والمسافرة معها ولو جاءت بولد إلى سنتين يثبت النسب ولا يصير مراجعًا ولو لم يحرم الوطء لصار مراجعًا.
الجواب:
قوله: لفظ الرد يدل على زوال النكاح- قلنا: لا نسلم- بيانه: وهو أن الرد إعادة لها إلى الحالة الأولى فيقتضي تبدل الحالة، لا زوال النكاح.
قوله: لم قلتم بأن النص يقتضي مراجعتها بغير رضاها- قلنا: لأن النص يقتضي مراجعتها، فعندنا: يحل وطؤها، وعندكم يجوز عقد النكاح عليها من غير رضاها، فانعقد الإجماع على أن رضاها ليس بشرط.
قوله: بأن الرجعة فسخ الطلاق- قلنا: عنه جوابان:
стр. 121
أحدهما: أن الطلاق لا يحتمل الفسخ، لأنه إسقاط، وإسقاط الإسقاط لا يتصور، بخلاف مسألة الهبة: فإن الملك قائم فيتصور فسخه.
والثاني- إن كان الطلاق قابلًا للفسخ، ولكن الدليل ينفي ذلك، لما فيه من إعادة الملك عليها بدون رضاها.
قوله: تسميتها "مطلقة" يدل على زوال النكاح -قلنا: تسميتها "مطلقة" ترك العمل بحقيقتها بالإجماع، لأن المطلقة مرتفعة القيد من كل وجه، والقيد ههنا باق من وجه بالإجماع.
وأما حرمة الوطء بسبب الظهار والحيض -قلنا: الخلاف في الحرمة بسبب زوال الملك، فإن الوطء في حالة الحيض والنفاس والظهار/ ليس بحرام إنما المحرم شيء آخر.
وأما الخلوة- قلنا: إن كانت المراجعة قصده يحل، وإلا فيكره، لأنه ربما يقع نظره عليها بالشهوة، فيصير مراجعًا بغير اختياره ثم يطلقها، فيؤدي إلى تطويل العدة عليها، فتتضرر بذلك.
وأما المسافرة- يملك ذلك: إن كان من قصده المراجعة يحل وإلا فيكره، لأنه ربما تنقضي عدتها، فتبقى مع غير محرم.
وأما إذا جاءت بولد لسنتين: إنما لا يصير مراجعًا، لأنه يحتمل أنه حصل بوطء قبل الطلاق، فلا يصير مراجعًا. ويحتمل أنه حصل بوطء بعد الطلاق فيصير مراجعًا، فلا تثبت الرجعة بالشك والاحتمال، حتى لو زال هذا الاحتمال: إن جاءت بولد لأكثر من سنتين يثبت النسب ويصير مراجعًا.
٥١ - مسألة: إذا طلق امرأته في مرض موته طلاقًا بائنًا، فمات وهي في العدة- ترث .
стр. 122
والوجه فيه- أنه قصد إبطال حقها، فلا يبطل حقها في الإرث.
وإنما قلنا ذلك- لأنه قصد إبطال النكاح، والنكاح سبب حقها أو شرط حقها، والسبب هو الموت، وإبطال سبب حق الغير أو شرط حقه إضرار به، فوجب الحكم بتأخير عمل الطلاق في هذا الحكم إلى ما بعد انقضاء العدة دفعًا للضرر.
فإن قيل: قولكم بأنه قصد إبطال النكاح، والنكاح سبب حقها- قلنا: لا نسلم، بل سبب حقها هو الموت، ولا يمكن إبطاله.
ولئن سلمنا أنه إبطال سبب حقها، ولكن قصدًا وابتداء أم ضمنًا وبقاء؟ ع م –قصار كإعتاق العبد المشترك، والطلاق في الصحة.
ولئن سلمنا أنه إبطال السبب، ولكن إبطال سبب اتصل به حكم أم لا؟ ع م- ولكن سبب لم يتصل به حكم منع من الوصول إلى النفع، فلا يمنع- كما إذا قال لعبده: "إذا جاء غد فانت حر"، ثم باعه قبل الغد، يجوز- كذا هنا.
ولئن سلمنا أنه/ إبطال حقها وهو حرام- ولكن لم قلتم بأنه لم يترتب عليه حكمه كإرسال الثلاث على مذهبكم.
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أنها ترث، ولكن هنا دليل يأبى ذلك، لأن النكاح قد ارتفع، فلا ترث، بدليل أنه لو وظئها يجب عليه الحد، ولو ماتت المرأة لا يرث الزوج، ولو كان الطلاق بسؤالها لا ترث، ولا ترث بعد انقضاء العدة.
стр. 123
الجواب:
قوله: سبب حقها هو الموت ولم يوجد- قلنا: الموت وإن لم يوجد، ولكن وجد سببه وهو المرض، والمرض سبب سبب الإرث، فيضاف الإرث إليه بواسطة، وإبطاله ممنوع عنه، لن مرض الموت إذا كان سببًا، كان النكاح شرطًا للإرث، فإبطاله يكون حرامًا- لما مر.
قوله: قصدا أم ضمنًا- قلنا: وإن كان ضمنًا ولكن أمكن إثبات حقها بأن نقول: ببطلان النكاح فيما يرجع إلى حق الزوج، وبقاء النكاح فيما يرجع إلى حق المرأة- بخلاف إعتاق العبد المرهون والمشترك، فإنه لا يمكن.
قوله: هذا غبطال سبب اتصل به حكمه أم لم يتصل؟ قلنا: سواء اتصل به حكمه أم لم يتصل، فإبطال سبب حق الإنسان ممنوع، لكونه إضرارًا.
وأما إذا قال لعبده: إذا جاء غد فأنت حر –فهذا ليس بسبب في الحال، بل عند وجود الشرط- على ما عرف.
قوله: لم قلتم بأنه لم يترتب عليه حكمه؟ - قلنا: لأنه إضرار.
أما فصل الحد –فتخريجه ما مر في مسألة نكاح الأخت.
وإنما لا يرث الزوج، لن النكاح ارتفع في حقه، لنه رضي به.
أما إذا طلقها بسؤالها، فقد رضيت ببطلان حقها، فيبطل.
وأما إذا انقضت العدة- قلنا: ثمة لم يكن القول ببقاء النكاح أصلًا، لارتفاع أحكامه- أما ههنا بخلافه.
стр. 124
وأما الطلاق في حال الصحة إنما يقع، لأنه ليس بقاطع لحقها في الإرث.
والله أعلم.
٥٢ - مسألة: إذا قال، لامرأته قبل أن يدخل بها: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق - فدخلت الدار قبل الدخول بها، لا يقع إلا تطليقة واحدة.
والوجه فيه- أنه علق الثلاث بالشرط بحرف الواو للجمع المطلق فعلًا. والجمع المطلق قد يكون بصفة الترتيب، وقد يكون بصفة القران عرفًا. كما إذا قال: جاءني زيد وعمر وبكر، فإنه يستعمل للقران والترتيب جميعًا.
فعلى تقدير أن يكون للقران يقع الثلاث، وعلى تقدير أن يكون للترتيب لا يقع إلا واحدة، فلا يقع الثلاث بالشك. كما إذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق.
فإن قيل: لا نسلم بأن المذكور ههنا يحتمل الترتيب، وهو لأن التعليق للنزول عند الشرط، ونزول الثلث بصفة الترتيب غير متصور، فلا يحتمل الترتيب في التعليق- بخلاف قوله ثمة، فإنه ليس بتعليق الثلاث بل هو تعليق الواحدة.
ولئن سلمنا أن المذكور يحتمل الترتيب، ولكن إنما يبقى احتمال الترتيب إذا لم يكن القران مرادًا، وههنا صار القران مرادًا، بدلالة اللفظ، لأنه يتوقف أول الكلام على آخره- دل عليه أنه لو قدم الجزاء بأن قال: أنت طالق وطالق وطالق إن دخلت الدار- صار القران مرادًا، لما ذكرنا- كذا هذا.
ولئن سلمنا أن احتمال الترتيب قائم- ولكن لم قلتم بأنه معتبر، وإنما يكون معتبرًا إذا لم يكن مخلًا بغرضه، وإنه مخل بغرضه، لأن غرضه من تعليق الثلاث نزول الثلاث عند الشرط مطلقًا، والترتيب يمنع غرضه، فلا يعتبر.
ولئن سلمنا أنه معتبر، ولكن لم قلتم بأنه لا يقع الثلاث. وهذا لأنه عطف الثاني والثالث على الأول، والعطف يقتضي الاشتراك، فصار كما إذا قال لها: إن دخلت الدار
стр. 125
فأنت طالق واحدة ونصف واحدة، فدخلت- يقع ثنتان.
وكذا لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة، لا بل اثنتين، فدخلت يقع الثلاث.
أو فرق في ثلاثة أيام، يقع الثلاث- كذا هذا.
الجواب:
قوله: / بأن نزول الثلاث بصفة الترتيب غير متصور، فلا يحتمل الترتيب في التعيق- قلنا: تعليق الثلاث يفتقر إلى احتمال النزول في الجملة لا إلى النزول لا محالة. بدليل أنه لو قال: إن كلمت فلانًا فأنت طالق يصح، وإن مات فلان. واحتمال النزول ههنا ثابت في الجملة، حتى لو دخل بها ثم دخلت الدار يقع الثلاث وذلك يكفي لصحة التعليق.
قوله: توقف أول الكلام على آخره- قلنا: لا نسلم. وظاهر أنه لم يتوقف بدليل أنه لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق- لا يتوقف أول الكلام على آخره، بخلاف ما إذا قدم الجزاء لأنه تعين أول كلامه أصلًا وإنه تنجيز ويصير تأخيره تعليقًا.
قوله: احتمال الترتيب مخل بغرضه- قلنا: لا نسلم. وهذا لأن الغرض من تعليق الثلاث نزول الثلاث. وذلك على نوعين: أحدهما- أن نزول الثلاث عند الشرط قبل الدخول بها، والثاني- بعد الدخول بها فلا يخل بالغرض، لأنه قد يقصد نزول الثلاث على تقدير الدخول بها.
قوله: بأن العطف يقتضي الاشتراك- قلنا: يقتضي الاشتراك المطلق، وهو أن يشارك الثاني الأول بأن يتعلق بعين ما تعلق به الأول.
وأما قوله: واحدة ونصف واحدة بمنزلة قوله "ثنتان" لا أن يكون عطف النصف على الواحدة.
стр. 126
وأما إذا قال واحدة لا بل اثنتين- قلنا: هذا ليس بعطف وجمع، بل هو رجوع عن الأول- أما ههنا بخلافه.
٥٣ - مسألة: إذا قال لامرأته: "أن منك طالق" لا يقع الطلاق، وإن نوى، خلافًا له .
وأجمعوا على أنه لو قال: "أنا منك بائن" أو "أنا عليك حرام": إذا نوى، يقع.
والوجه فيه- أن حكم الطلاق لو ثبت في المرأة لا يخلو: إما أن يثبت ابتداء أو بناء على ثبوته في الرجل:
لا وجه للأول- لأنه ما أضاف الطلاق إلى المرأة.
ولا وجه للثاني- لأنه لم يثبت حكم الطلاق في الرجل، لأنه حكم الطلاق زوال القيد/ ولا قيد على الرجل، فلا يثبت بناء.
فإن قيل: لا نسلم بأنه لا يثبت حكم الطلاق في المرأة ابتداء.
قوله: ما أضاف الطلاق إلى المرأة- قلنا: حقيقة أم مجازًا؟ م ع. وبيان المجاز من وجهين:
أحدهما- أن يجعل قوله "أنا منك طالق" مجازًا على قوله "أنا منك بائن".
والثاني- أن يجعل مجازًا عن قوله "أنت مني طالق" لما بينهما من الاتصال.
ولئن سلمنا أنه لا يثبت حكم الطلاق في المرأة ابتداء، لم قلتم بأنه لا يثبت بناء؟ .
قوله: حكم الطلاق لا يثبت في الرجل، لأنه إزالة القيد- قلنا: هذا كل حكم الطلاق أم بعضه؟ ع م. وهذا لأن حل الاستمتاع أيضًا من أحكام الطلاق، وإنه ثابت في الرجل للمرأة بالنكاح.
стр. 127
ولئن سلمنا أن هذا كل حكم الطلاق، ولكن لم قلتم بأنه لا قيد على الرجل؟ : - وبيانه: وهو أنه مقيد بسبب الإنفاق عليها، محجور عن التزوج بأختها وأربع سواها وعن التزوج بمحارمها وعن نكاح الأمة عليها.
الجواب:
قوله: طريق المجاز موجود بين اللفظين- قلنا: لا نسلم بأن ما ذكره من الوجهين طريق المجاز.
ولئن سلمنا أنه وجد طريق المجاز- ولكن إنما يحمل اللفظ على المجاز إذا تعذر حمله على الحقيقة. وههنا امكن حمله على الحقيقة، لأن قوله "أنا منك طالق" إخبار عن كونه منطلقًا عن قيدها، وهو صادق فيه، لأنه لا قيد عليه منها، فلا حاجة إلى المجاز.
قوله: هذا كل حكم الطلاق أم بعضه؟ قلنا: الجواب عنه ما مر في مسألة إضافة الطلاق.
قوله: لم قلتم بأن قيد النكاح والحجر غير ثابت في الرجل؟ قلنا: لأن الدليل ينفي القيد على الحر، إلا أنا توافقنا على ثبوت القيد في جانب المرأة، ففيما عداها نتمسك بقضية الدليل.
قوله بأنه مقيد بما ذكر من الأحكام- قلنا: المعنى من القيد أن يكون عاجزًا عن الانطلاق، والرجل غير عجز عن الانطلاق، لأنه قادر على إزالة هذه القيود، لأن الطلاق في يده، ولا كذلك المرأة/، لعجزها عن تطليق نفسها شرعًا.
والله أعلم.
стр. 128
٥٤ - مسألة: ظهار الدمى لا يصح حتى لا يحرم الوطء أصلًا .
والوجه فيه- أن حرمة الوطء لو ثبتت موجبًا للظهار في حق الذمى- إما أن تثبت مطلقًا، أو موقتًا إلى غاية التكفير بالصوم.
لا وجه للأول- لأن الظهار، حيث شرع، ما شرع على وجه يفيد حرمة الوطء أصلًا، بل موقتًا.
ولا وجه للثاني- لأن الذمى ليس بأهل للتكفير بالتحرير، لأن خَلَفه الصوم، والصوم عبادة، والذمى ليس من أهل العبادة، لأن حكم العبادة الثواب، وهو ليس من أهله.
فإن قيل: قولكم بأنه لا يثبت حرمة الوطء في حق الدمى مطلقًا- قلنا: لا نسلم.
قوله: بأن الظهار ما شرع على وجه يفيد الحرمة مطلقًا لا موقتًا- قلنا: في حق الذمى أم في حق المسلم؟ ع م.
ولئن سلمنا أنه لا يثبت مطلقًا- لم قلتم إنه لا يثبت مؤقتًا إلى غاية التكفير؟
قوله: الذمى ليس بأهل لذلك- قلنا: ليس بأهل لتحرير هو عبادة أم لتحرير ليس بعبادة؟ م ع وهذا لأن الكافر أهل للتحرير حتى يثبت له الولاية، وإن لم يكن أهلًا لخلفه وهو الصوم، كما هو أهل للوضوء دون التيمم.
ولئن سلمنا أنه ليس بأهل للتحرير- لم قلتم بأنه ليس بأهل للصوم؟ .
стр. 129
قوله: الصوم عبادة- قلنا: لم قلتم بأن هذا الصوم عبادة؟ .
ولئن سلمنا أنه عبادة، ولكن لم قلتم بأنه ليس بأهل لها؟ .
قوله: حكم العبادة الثواب- قلنا: حكم هذه العبادة لا نسلم، بل حكمها انتهاء حرمة الظهار.
ولئن سلمنا أن حكمها الثواب ولكن ثواب هو الجنة أم تكفير ذنب الظهار؟ ع م. ولكن الذمى أهل لتكفير ذنب الظهار لأن الظهار كان طلاقًا في الابتداء، والذمى أهل للطلاق، ولأنا أجمعنا على أن المسلم إذا ظاهر من امرأته ثم ارتد يبقى الظهار، حتى لو كفر ثم أسلم يجوز. ولأنه أهل للإيلاء.
/ الجواب:
قوله: حرمة الظهار لا تثبت مطلقًا في حق المسلم أم في حق الذمى- قلنا: هذا التقسيم ضائع، لأن حكم الظهار في ذاته لا يختلف بالإضافة إلى شخص دون شخص - دل عليه أنه لا يزيل ملك النكاح بالإجماع، فلا يفيد الحرمة المطلقة.
قوله: الذمى ليس بأهل لتحرير هو عبادة أم لتحريم ليس بعبادة- قلنا: الذمى ليس بأهل للتحرير الذي ينتهي به الحرمة. وإذا لم يوجه ينتهي بالصوم. ويقوم الصوم مقامه، لأنه حكم الظهار حرمة تنتهي بوجود الصوم عند انعدام الرقبة والذمى ليس أهل لذلك.
قوله: لم قلتم بأن هذا الصوم عبادة- قلنا: لأن الصوم لم يشرع إلا عبادة مقرونة بنية التقرب إلى الله تعالى، وإنه ليس بأهل له.
قوله: لم قلتم بأن حكم هذه العبادة لاثواب- قلنا: لأن كل صوم سبب لاستحقاق
стр. 130
الثواب بقضية النصوص.
قوله: ثواب هذه العبادة تكفير ذنب الظهار- قلنا: تكفير الذنب لا يكون ابتداء، بل بواسطة كونه سببًا للثواب، حتى يصير ما استحقه من الثواب مقابلًا بما استحقه من العقاب.
قوله: حكم الظهار كان طلاقًا في الابتداء- قلنا: بلى، ولكن قد انتسخ ذلك في حق المسلم والذمى جميعًا بالإجماع.
وأما إذا ظاهر ثم ارتد: فعند أبي يوسف ومحمد بطل الظهار. وعند أبي حنيفة لا يبطل الظهار، لأنه صح لشرطه، وهو الإسلام، والردة لا تمنع بقاءه. وأما صحة التكفير عند أبي حنيفة لا يصح.
وأما الإيلاء [فـ] يصح في حق الطلاق لا في حق الكفارة.
٥٥ - مسألة: المختلعة يلحقها صريح الطلاق ما دامت في العدة .
والوجه فيه- أنه قصد إيقاع التصرف تطليقًا، في محل قابل للتطليق، فوجب أن يقع، قياسًا على ما بعد الطلاق الرجعي.
وبيان أنه قصد- أن صحة القصد ثابتة. ودليل القصد ثابت، وهو الإقدام.
وبيان أن المحل قابل- لأن المحل القابل للطليق محل فيه قيد النكاح، وقيد النكاح
стр. 131
قائم، لأن أثره قائم، وهو المنع من الخروج والتزوج بزوج آخر/.
فإن قيل: لا نسلم بأن المحل قابل.
قوله: لأن أثره قائم، وهو المنع من الخروج- قلنا: لا نسلم بأن هذا أثر قيد النكاح بل هون حكم الوطء.
ولئن سلمنا أن الأثر قائم- ولكن لم قلتم بأن المؤثر قائم؟ .
ولئن سلمنا أن قيام هذا الأثر يدل على بقاء قيد النكاح، ولكن الخلع يدل على زواله بأبلغ الوجوه.
والدليل على زواله الأحكام:
منها- وجوب الحد إذا وطئها.
ومنها- إذا قال: كل امرأة لي طالق، لا يدخل المختلعة.
ولو قال لامراته: كل امرأة أتزوجها عليك طالق- فخالعها، ثم تزوج، لا يحنث.
ولئن سلمنا أن قيد النكاح قائم، ولكن حقًا للشرع أم حقًا للعبد؟ م ع. والدليل على أنه حق للشرع أنه لا يسقط بإسقاطه، والقيد الثابت لحق الشرع لا يكون محلًا للطلاق، كما في النكاح الفاسد. وصار هذا كما إذا قال لها: "أنت بائن" فإنه لا يلحقها.
الجواب:
أما الجواب عن الأول والثاني- ما مر في مسألة نكاح الأخت.
وكذلك الجواب عن مسألة الحد.
وأما مسألة الطلاق- قلنا: أضاف الطلاق إلى امرأة مضافة إليه مطلقًا، فيقتضي قيام النكاح، في حق جميع الأثار.
стр. 132
وكذلك المسألة الثالثة، لأن شرط الطلاق النزوج عليها مطلقًا.
وأما قوله: بقي حقًا للشرع أم حقًا للعبد- قلنا: حقًا للعبد لا وسيلة إلى حقه وهو الولد. إلا أنه تأكد لحق الشرع، حتى لا يزول بإزالة الزوج.
وأما إذا قال لها: "أنت بائن"- قلنا: هذا يقتضي قيام وُصْلَة النكاح والحل الثابت بالنكاح، وقد زالت الوصلة وفات الحل بالخلع، فلا يصح للإبانة والتحريم.
أما الطلاق-[فـ] يقتضي قيام القيد، وإنه قائم- على ما مر.
٥٦ - مسألة: إذا قال الرجل لامرأته: "طلقي نفسك واحدة" فطلقت ثلاثًا- لا يقع شيء .
والوجه فيه- أن المأتى/ به غير ما فوض إليه فيلغو. كما إأذا قال لها: "طلقي نفسك"- فقالت "اخترت نفسي"، وإنما قلنا ذلك، لأن المفوض إليه واحدة مفردة مقصودة وإنها أتت بواحددة، هي بعض الثلاث، وتبع لها، والواحدة التي هي بعض الثلاث، غير الواحدة المفردة المقصودة، فكان المأتى به غير ما فوض إليها، فلا يقع.
فإن قيل: قولكم بأن المفوض إليها واحدة مفردة وأنها أتت بواحدة هي بعض الثلاث- قلنا: لا نسلم بل المفوض إليها واحدة مطلقة، لأنه أطلق اللفظ إطلاقًا، والمطلق يتناول الواحدة المفردة والواحدة التي هي بعض الثلاث، كاسم الرقبة يتناول الهندية والتركية.
стр. 133
ولئن سلمنا أنهما متغايران هـ، ولكن وصفا أم داتا؟ م ع. فلم قلتم بأن المغايرة وصفًا تمنع وقوع الطلاق؟ .
والدليل على أنه لا تمنع أنه لو قال لها: طلقي نفسك ثلاثًا، فطلقت واحدة، يقع.
ولئن سلمنا أن المغايرة في الوصف مانعة، ولكن هذا تغاير يخل بغرض الآمر أم لا؟ ع م. وهذا لأن غرضه إيقاع الطلقة الواحدة، وأنه حاصل بتلك الواحدة وبهذه، لاتحاد أحكامهما، كما إذا وكله ببيع عبده بألف، فباعه بثلاثة آلاف.
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أنه لا يقع، ولكن ههنا دليل آخر يأبى ذلك، وذلك أنا أجمعنا على أنه لو طلق زوجته ألفًا، يقع ثلاثًا، وإن كان الزوج ملكه الشرع ثلاثًا.
وكذلك لو قالت في هذه المسألة: "طلقت نفسي واحدة وواحدة" يقع واحدة- كذا هذا" إذ الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع.
وكذا إذا أمر إنسانًا أن يضرب عبده سوطًا، فضربه ثلاثًا فمات، سقط عنه ثلثا القيمة.
الجواب:
قوله: المفوض إليها واحدة مطلقة- قلنا: المفوض إليها واحدة مقصودة مفردة، وهي غير الواحدة التي هي بعض الثلاث، فلا يقع.
قوله: تغايرًا، وصفا أم ذاتا؟ - قلنا: وإن تغايرا وصفا، ولكن التغاير من حيث/ الوصف يمنع النفاذ، لأنه غير ما أمر به وصفًا، فلا يتناوله الأمر، بخلاف ما إذا قال: "طلقي نفسك ثلاثًا" فطلقت واحدة، لأن الثلاث صارت مملوكة لها، فإذا أتت بالواحدة، فقد أوقعتها عن ملك.
стр. 134
قوله: هذا تغاير يخل بغرض الآمر أم لا؟ - قلنا: يخل بغرضه، لأنه لا يخلو: إما أن تقع الواحدة مقصودة، أو تبعًا للثلاث- لا وجه للأول، لأنها ما أتت بها. ولا وجه للثاني، لأن الواحدة التي هي تبع للثلاث لا يتصور وقوعها بدون الثلاث، إذ لو وقعـ[ـت] بدون الثلاث تقع مقصودًا، بخلاف التوكيل، لأنه مخالفة إلى خير. أما إذا طلقها ألفًا، فقد أتى بالثلاث مقصودًا لا تبعًا للألف، لأنه إنما يكون تبعًا أن لو كان الألف مشروعًا، كما إذا طلقها ثلاثً وتكلم بكلمة لغو بعده.
وأما إذا قالت: "طلقت نفسي واحدة وواحدة" لأنها إذا أتت بالواحدة، انتهى الأمر، فيلغو كلامها بعده.
والله أعلم.
٥٧ - مسألة: قال أبو حنيفة وأبو يوسف: المعتدة عن طلاق رجعي إذا كانت أيام حيضها دون العشرة ، فانقطع الدم في أثناء الحيضة الثالثة، لا تنقطع الرجعة بمجرد التيمم، خلافًا للباقين.
والوجه فيه- أن انقطاع الرجعة معلق بشرط حصول الطهارة، ولم تحصل الطهارة بمجرد التيمم، فلا تنقطع، قياسًا على ما قبل التيمم.
وإنما قلنا ذلك- لأن انقطاع الرجعة معلق بانقضاء العدة، وانقضاء العدة معلق بالخروج عن الحيضة الثالثة، والخروج عن الحيضة الثالثة معلق بحصول الطهارة، ولم تحصل الطهارة، لأن كون التيمم طهارة معل قبشرط عدم الماء إلى آخر الصلاة، ولم يوجد هذا الشرط، فانعدمت الطهارة.
стр. 135
فإن قيل: قولكم [أن كون التيمم طهارة معلق بشرط عدم الماء إلى آخر الصلاة- قلنا: لا نسلم.
وهذا لأنه لو كان كذلك، يؤدي إلى انسداد باب الصلاة بالتيمم، لأنه لا صلاة إلا بالطهارة.
والدليل على أن التيمم طهارة مطلقًا، / الكتاب، والسنة، والمعقول، والحكم.
أما الكتاب- قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية.
وأما السنة- قوله ﵇: "التراب طهور المسلم".
وأما المعقول- أن التيمم خَلَف الماء، وللخَلَف حكم الأصل.
وأما الأحكام- أجمعنا على أنه يباح له قراءة القرآن، ومس المص-حف، ودخول المسجد.
وصار كما إذا اغتسلت بسؤر الحمار، أو اغتسلت وبقي لُمْعَة لم يصبها الماء، فإنه تنقطع الرجعة. وكالكتابية إذا انقطع دمها ولم تجد الماء.
стр. 136
ولئن سلمنا أن كونه طهارة معلق بما ذكرتم، ولكن الكلام فيما إذا وجد ذلك الشرط، بأن تيممت وصلت، ولم تجد الماء، وكان الزوج راجعها قبل الصلاة.
الجواب:
أما قوله: كون التيمم طهارة معلقًا بشرط عدم الماء، إلى آخر الصلاة، يؤدي إلى انسداد باب الصلاة بالتيمم- قلنا: حكمنا بحصول الطهارة قبيل الشروع في الصلاة، على خلاف الدليل، لأن الدليل ينفي كون التيمم طهارة، لأن الحدث قائم به مع التيمم، بدليل أنه إذا رأى الملء في خلال الصلاة يظهر حكم الحدث.
أما الآية- قلنا: يجري التيمم مقيدًا بحالة الصلاة.
وكذا الحديث- على أنه مقيد بعدم الماء، ولا يتحقق العدم إلا بعد الفراغ من الصلاة، لما ذكرنا.
قوله: بأن التيمم خَلَف عن الماء- قلنا: بلى- ولكن بشرط عدم الماء إلى آخر الصلاة، لما ذكرنا.
وأما الحكام فممنوعة: ولئن سلمت، فلحصول الطهارة في حق الصلاة ضرورة وهذه الأحكام من لوازم الصلاة.
وأما سور الحمار- فمشكوك في طهارته لتعارض الأدلة، فرجحنا جانب انقطاع الرجعة احتياطًا.
стр. 137
وأما إذا بقي لمعة- قلنا: يحتمل أنه أصابها الماء ثم جف.
وأما الكتابية- فالتيمم ما جعل طهورًا في حقها أصلًا، لأنه لا يصح بدون النية، وهي ليست بأهل للنية.
قوله: الكلام فيما إذا وجد هذا الشرط، وهو عدم الماء إلى آخر الصلاة- قلنا: بلى، ولكن المعلق بالشرط عدم قبل وجود الشرط، كالطلاق/ المعلق بدخول الدار.
والله أعلم.
٥٨ - مسألة: قال أبو حنيفة وأصحابه: العدتان تتداخلان، وهو مذهب معاذ بن جبل وجابر بن عبد الله .
وقال الشافعي: لا يتداخلان- وهو مذهب عمر وعلي.
وهي ما إذا وطئت المنكوحة بشبهة حتى وجبت عليها العدة، ثم طلقها الزوج حتى وجبت عليها عدة أخرى- انقضت بعدة.
والوجه فيه- أن العدة الواحدة تسد مسد العدد في حق استيفاء المصلحة المطلوبة من العدة، فوجب أن يكتفي بالواحدة، قياسًا على لحدود وآجال الديون.
وإنما قلنا ذلك- لأن المصلحة المطلوبة من العدة تَعَرُّف براءة الرحم وصيانة الماء المحترم عن الاختلاط، تحصيل للولد الموثوق به: أنه منه، والعدة الواحدة تصلح طريقًا لذلك، بدليل شرعيتها له في سائر الصور.
فإن قيل: قولكم بأن المصلحة المطلوبة من العدة تَعَّرف براءة الرحم- قلنا: لا نسلم أن العدة وجبت لهذا المعنى- تدل عليه أنها تجب على الصبية والآيسة وإن لم يكن شغل رحم. وكذلك لو قال لامرأته: "إذا وضعت جميع ما في بطنك فأنت
стр. 138
طالق"، فوضعت يقع عليها الطلاق وتجب العدة، وإن حصل فراغ الرحم بالكلية.
ولئن سلمنا أن العدة وجبت لهذا المعنى، ولكن له فقط أم له ولغيره؟ م ع. ولكن لم قلتم بان ذلك الغرض الآخر يحصل بالواحدة؟ .
والدليل على أن العدة ما وجبت لما ذكرتم فقط، أنه لا يكتفي بالحيضة الواحدة- ولو كان ما ذكرتم كل الغرض، لاكتفتي به كما في الاستبراء.
ثم نقول: ما ذكرتموه قياس، والعدد من جملة المقدرات المنصوصات، فلا تعرف بالقياس.
الجواب:
قوله: لم قلتم إن العدة وجبت لهذا المعنى- قلنا: لأنه مناسب.
وأما الصبية والايسة- قلنا: الصبية التي تحمل الوطء/ تحتمل العُلُوق. وكذلك الآية: احتمال العُلوق فيها ثابت، لوجود دليل هـ الشغل والعلوق، وهو الوطء: إقامة للسبب مقام المسبب.
وأما إذا قال لها: إن وضعت جميع ما في بطنك فأنت طالق- قلنا: إنما يقع الطلاق إذا علمت أنها وضعت جميع ما في بطنها قطعًا، وذلك بمضي ستة أشهر من مدة الولادة.
стр. 139
قوله: وجبت العدة لما ذكرتم فقط أم له ولغيره؟ قلنا: له فقط، لما ذكرنا.
قوله: لا يكتفي بالحيضة الواحدة- قلنا: لأن تعرف براءة الرحمب الحيضة الواحدة لا يكون مثل التعرف الحاصل بثلاث حيض في غلبة الظن، والشرع اكتفى بالحيضة الواحدة في الأمة وشرط الثلاث في الحرة تعظيمًا لخطر الحرة.
قوله: العدة من باب المقدرات- قلنا: نعم، ولكن لا ينفي ذلك كونه بالقياس. على أن الدليل ينفي وجوب العدة إلا أنا توافقنا على وجوبها لتحصيل هذا الغرض، ففيما عداه نتمسك بالدليل.
٥٩ - مسألة: الأقراء الحيض دون الأظهار .
والوجه فيه- أن المقصود من العدة الواجبة بالنص تعرف براءة الرحم وصيانة الماء المحترم عن الاختلاط، فوجب حمله على ما يحصل هذا الغرض وهو الحيض، قياسًا على الاستبراء.
وإنما قلنا إن المقصود هذا- لأنا أجمعنا على ان الطلاق قبل الدخول لا يوجب العدة، لعدم الشخص، وبعد الدخول يوجب: علم أنها واجبة لهذا الغرض.
وإنما قلنا إن الحيض يحصل هذا الغرض- لأن الحيض هو الذي يدل على براءة الرحم وفراغه، لأن الحيض والشغل لا يجتمعان، والطهر والشغل يجتمعان.
فإن قيل: قولكم بأن المقصود من العدة تعرف براءة الرحم- قلنا: لا نسلم. وبيانه ما مر في المسألة المتقدمة.
ولئن سلمنا أنها شرعت لهذا ولكن لم قلتم إن الحيض يحصل لهذا الغرض؟ .
стр. 140
قوله: بأن الدال على البراءة هو الحيض- قلنا: لا نسلم، ولا نسلم بأن الحيض والحمل/ لا يجتمعان، بل يجتمعان على أصل الشافعي.
ولئن سلمنا أن الحيض يحصل هذا الغرض- ولكن لم قلتم بأن هذا الغرض لا يحصل بالطهر؟ .
بيان ذلك- أن المشروط ليس مطلق الطهر، بل طهر يكون بعد الحيض، ومثله يدل على براءة الرحم.
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أن القرء حيض، ولكن ههنا دليل آخر يأبى ذلك، وذلك أن الله تعالى ذكر القروء، والقروء هي الأطهار جمع قرء، أما الحيض فهي الأقراء جمع قرء- قال القائل:
مورثة مالًا وفي الحمد رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا
يعني أطهار نسائك. وأما في الحيض: قال ﵇: "دعى الصلاة أيام أقرائك" أي حيضك. ونقل عن ابن عمر: لعدتهن أي لأطهار عدتهن.
ولأن ما ذكرتم أطول عليها وأبعد.
الجواب:
أما السؤال الأول- فالجواب عنه ما مر في المسألة.
قوله: الحيض والحمل يجتمعان- قلنا: هذا إنكار العادة والشريعة، لن ما ترى
стр. 141
الحامل من الدم لا يكون حيضًا، لانسداد فم الرحم بالحمل.
قوله: بأن الطهر الذي يحيط بطرفيه دم أمارة الفراغ- قلنا: هذه مغالطة، لن دليل الفراغ هو الدم لا نفس الطهر، فالحيض بانفراده أمارة الفراغ، والطهر بانفراده ليس أمارة الفراغ، فكان حمله على الحيض أولى.
وأما المعارضات- قلنا: القرء في اللغة مشترك بين الطهر والحيض، وجمعه قروء، والأقراء جمع الجمع، كقولنا شعر وشعور وأشعار، فجاز استعمال واحد من الجمعين في الحيض والطهر جميعًا.
وأما نقل ابن عمر- فمقارض بنقل غيره.
وأما تطويل العدة والبعد عن زمان الشروع- كل ذلك ثبت بالشرع، فيجب الانقياد له.
والله أعلم.
стр. 142
[٦]
كتاب العتاق
٦٠ - [مسألة]: من ملك ذا رحم محرم منه، يعتق عليه .
والوجه فيه- أن هذه قرابة واجبة الوصل، فيفيد العتق عند الملك، قياسًا على قرابة الولاد.
وإنما قلنا: إن هذه قرابة واجبة الوصل- لأن صلة الرحم مأمور بها. قال الله تعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ﴾ يعني اتقوا الأرحام أن تقطعوها. وفي الحديث: "صلوا الأرحام"- أمر، والأمر للوجوب- فثبت أن هذه قرابة واجبة الوصل، فتفيد العتق عند الملك، تحقيقًا لمعنى الصلة، كما قلنا في قرابة الولاد.
فإن قيل: قوله بأن صلة الرحم مأمور بها- قلنا: لا نسلم.
وأما النصوص- قلنا: النصوص تقتضي غيجاب الصلة بجميع وجوه البر والإحسان أم ببعضها؟ الأول- ممنوع، ولا يمكن القول به، لأنه لا نهاية له، فيحمل على الأدنى،
стр. 143
وهو نفقة القريب. والثاني- مسلم، ولكن لم قلتم بأن هذا من جملة ذلك؟ .
ولئن سلمنا أن النصوص تقتضي إيجاب الصلة بجميع الوجوه، ولكن النصوص تتناول كل الأرحام أم بعضها؟ الأول- ممنوع، ولا يمكن دعواه، لن القرابة البعيدة خارجة عن قضية النصوص. والثاني- مسلم.
ولكن لم قلتم بأن هذه من ذلك البعض، وهو القرابة القريبة كالولاد.
والدليل على أن هذه القرابة ملحقة بالقرابة البعيدة أن الشرع ألحقها بها في حق حرمان القصاص والحبس بالدين وجواز الاستخدام بطريق الإجارة وجريان النفقة عند اختلاف الدين والشهادة له وعليه وأداء الزكاة والكتابة.
ولئن سلمنا أن هذه النصوص تتناول جميع الأحكام- لكن تأثير هذا في إيجاب الإعتاق عليه أو في وجود العتق من غير اختياره؟ م ع. بيانه- أن النصوص تقتضي إيجاب الصلة، وإيجاب الصلة تقتضي إيجاب الاعتاق- ونحن نقول به.
أما أن يثبت العتق من غير اختياره، فلا يكون/ هذا صلة منه.
ثم نقول: التعليل يخالف مذهبكم، لأن هذا إشارة إلى أن العتق يثبت بالقرابة، وعندكم يثبت بفعل فاعل، ولهذا لو اشترى أخاه ناويًا عن كفارة يمينه جاز.
الجواب:
قوله: النصوص تقتضي إيجاب صلة الرحم بجميع وجوه البر والإحسان أم ببعضها؟ قلنا: الصلة بطريق العتق مراد بقضية هذه النصوص، بدليل أنه مراد في قرابة الولاد، فطلاق النصوص.
قوله: النص تناول كل الأرحام أم بعضها؟ قلنا: كلها، لأنه ذكر بالألف
стр. 144
واللام، فينصرف إلى الجنس. وأما القرابة البعيدة كبني الأعمال- قلنا: خص ذلك عن قضية النص، لكونها أبعد من هذه- فالتخصيص ثمة لا يدل على التخصيص ههنا.
قوله: الشرع ألحقها بالقرابة البعيدة في حق تلك الأحاكم- قلنا: الإلحاق ثمة لا يدل على الإلحاق ههنا.
قوله: تأثير هذا في إيجاب الاعتاق عليه أم في وجود العتق من غير اختياره- قلنا: في وجود العتق من غير اختياره، لأن الصلة لما وجبت صار الاعتقا مستحقًا للملوك على المالك، فيثبت العتق إيصالًا للحق إلى المستحق، كما في الولاد.
وأما قوله: التعليل يخالف مذهبكم- قلنا: لا نسلم. وهذا لأن نفس الشراء عندنا إعتقا، فلا يكون مخالفًا للمذهب.
والنص لنا في هذه المسألة ما روى سَمُرة بن جُندب أن رسول الله ﷺ قال: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر" أورده أبو داود وأبو عيسى وابن ماجة.
٦١ - مسألة: إذا قال الرجل لعبده وهو أكبر سنًا منه: "هذا ابني" عتق عليه .
والوجه فيه- أنه قصد إثبات الحرية في محل قابل للحرية بلفظة صالحة للإثبات، فوجب القول بثبوت الحرية، قياسًا على ما إذا قال له وهو أصغر سنًا منه: "هذا ابني".
وإنما قلنا ذلك- لأن قوله "هذا ابني" لا يمكن حمله على القصد إلى ما وضع له اللفظ حقيقة، / لأن حقيقة البنوة ههنا لا تتصور، فيجب حمله على وجه صحيح. ويمكن ذلك بأن يجعل مجازًا عن الاعتقا، لأن طريق المجاز موجود، وهو السببية هـ والمسببية والملازمة، لأن البنوة تلازمها الحرية.
стр. 145
فإن قيل: قولكم بأنه مجاز عن الاعتقا- قلنا، متى يجعل مجازًا: إذا أمكن حمله على الحقيقة أم إذا لم يمكن؟ ع م- وقد أمكن بأن يجعل قوله "هذا ابني" بمنزلة قوله: "هذا كابني" في الشفقة والكرامة، فلا حاجة إلى جعله مجازًا عن الاعتقا.
ولئن سلمنا أنه يمكن جعله مجازًا، ولكن لا نسلم بأن السببية ههنا موجودة. ولا نسلم بأن السببية طريق المجاز.
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أنه جعله مجازًا عن الحرية، ولكن ههنا دليل آخر يأتي ذلك، وذلك لأنا أجمعنا على أنه لو قال "قطعت يد فلان" ويداه صحيحتان لا يجعل إقرارًا بالمال مجازًا، وإن كان قطع اليد سببًا لوجوب المال، لأنه لا يمكن إثباته مع قيام اليد- كذا هذا. وصار كما لو قال له: "هذا أخي" أو قال: هذا أبي أو جدي"، وهو لا يصلح لذلك، لا يعتق عليه- كذا هذا.
الجواب:
أما قوله: ههنا وجه آخر يحمل عليه وهو الشفقة- قلنا: حمله على ما ذكرناه أولى، لأن فيما ذكرناه حملًا لعى الفائدتين جميعًا، لأنه إذا ثبتت الحرية ثبت معنى الشفقة والكرامة، فكان ما ذكرناه أولى، بدليل معروف النسب إذا كان أصغر سنًا منه.
قوله: لم قلتم بأن السببية موجودو؟ - قلنا: لأن البنوة سبب للحرية بدليل فصل الشراء.
قوله: لم قلتم بأن السببية طريق المجاز؟ - قلنا: لأن العرب يسمون المطر سماء، لأنه سببه- إلى غير ذلك من النظائر.
وأما مسألة قطع اليد- قلنا: لا يمكن جعله مجازًا عن وجوب مطلق المال، لأن قطع اليد لا يوجب مطلق المال، وإنما يوجب مالًا مقدرًا بنصف اليد/ مؤجلًا في ثلاث سنين على العاقلة ولا يمكن إثباته- أما ههنا بخلافه.
следующие страницы →