Полный текст (509 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الحامل من الدم لا يكون حيضًا، لانسداد فم الرحم بالحمل.
قوله: بأن الطهر الذي يحيط بطرفيه دم أمارة الفراغ- قلنا: هذه مغالطة، لن دليل الفراغ هو الدم لا نفس الطهر، فالحيض بانفراده أمارة الفراغ، والطهر بانفراده ليس أمارة الفراغ، فكان حمله على الحيض أولى.
وأما المعارضات- قلنا: القرء في اللغة مشترك بين الطهر والحيض، وجمعه قروء، والأقراء جمع الجمع، كقولنا شعر وشعور وأشعار، فجاز استعمال واحد من الجمعين في الحيض والطهر جميعًا.
وأما نقل ابن عمر- فمقارض بنقل غيره.
وأما تطويل العدة والبعد عن زمان الشروع- كل ذلك ثبت بالشرع، فيجب الانقياد له.
والله أعلم.
стр. 142
[٦]
كتاب العتاق
٦٠ - [مسألة]: من ملك ذا رحم محرم منه، يعتق عليه .
والوجه فيه- أن هذه قرابة واجبة الوصل، فيفيد العتق عند الملك، قياسًا على قرابة الولاد.
وإنما قلنا: إن هذه قرابة واجبة الوصل- لأن صلة الرحم مأمور بها. قال الله تعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ﴾ يعني اتقوا الأرحام أن تقطعوها. وفي الحديث: "صلوا الأرحام"- أمر، والأمر للوجوب- فثبت أن هذه قرابة واجبة الوصل، فتفيد العتق عند الملك، تحقيقًا لمعنى الصلة، كما قلنا في قرابة الولاد.
فإن قيل: قوله بأن صلة الرحم مأمور بها- قلنا: لا نسلم.
وأما النصوص- قلنا: النصوص تقتضي غيجاب الصلة بجميع وجوه البر والإحسان أم ببعضها؟ الأول- ممنوع، ولا يمكن القول به، لأنه لا نهاية له، فيحمل على الأدنى،
стр. 143
وهو نفقة القريب. والثاني- مسلم، ولكن لم قلتم بأن هذا من جملة ذلك؟ .
ولئن سلمنا أن النصوص تقتضي إيجاب الصلة بجميع الوجوه، ولكن النصوص تتناول كل الأرحام أم بعضها؟ الأول- ممنوع، ولا يمكن دعواه، لن القرابة البعيدة خارجة عن قضية النصوص. والثاني- مسلم.
ولكن لم قلتم بأن هذه من ذلك البعض، وهو القرابة القريبة كالولاد.
والدليل على أن هذه القرابة ملحقة بالقرابة البعيدة أن الشرع ألحقها بها في حق حرمان القصاص والحبس بالدين وجواز الاستخدام بطريق الإجارة وجريان النفقة عند اختلاف الدين والشهادة له وعليه وأداء الزكاة والكتابة.
ولئن سلمنا أن هذه النصوص تتناول جميع الأحكام- لكن تأثير هذا في إيجاب الإعتاق عليه أو في وجود العتق من غير اختياره؟ م ع. بيانه- أن النصوص تقتضي إيجاب الصلة، وإيجاب الصلة تقتضي إيجاب الاعتاق- ونحن نقول به.
أما أن يثبت العتق من غير اختياره، فلا يكون/ هذا صلة منه.
ثم نقول: التعليل يخالف مذهبكم، لأن هذا إشارة إلى أن العتق يثبت بالقرابة، وعندكم يثبت بفعل فاعل، ولهذا لو اشترى أخاه ناويًا عن كفارة يمينه جاز.
الجواب:
قوله: النصوص تقتضي إيجاب صلة الرحم بجميع وجوه البر والإحسان أم ببعضها؟ قلنا: الصلة بطريق العتق مراد بقضية هذه النصوص، بدليل أنه مراد في قرابة الولاد، فطلاق النصوص.
قوله: النص تناول كل الأرحام أم بعضها؟ قلنا: كلها، لأنه ذكر بالألف
стр. 144
واللام، فينصرف إلى الجنس. وأما القرابة البعيدة كبني الأعمال- قلنا: خص ذلك عن قضية النص، لكونها أبعد من هذه- فالتخصيص ثمة لا يدل على التخصيص ههنا.
قوله: الشرع ألحقها بالقرابة البعيدة في حق تلك الأحاكم- قلنا: الإلحاق ثمة لا يدل على الإلحاق ههنا.
قوله: تأثير هذا في إيجاب الاعتاق عليه أم في وجود العتق من غير اختياره- قلنا: في وجود العتق من غير اختياره، لأن الصلة لما وجبت صار الاعتقا مستحقًا للملوك على المالك، فيثبت العتق إيصالًا للحق إلى المستحق، كما في الولاد.
وأما قوله: التعليل يخالف مذهبكم- قلنا: لا نسلم. وهذا لأن نفس الشراء عندنا إعتقا، فلا يكون مخالفًا للمذهب.
والنص لنا في هذه المسألة ما روى سَمُرة بن جُندب أن رسول الله ﷺ قال: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر" أورده أبو داود وأبو عيسى وابن ماجة.
٦١ - مسألة: إذا قال الرجل لعبده وهو أكبر سنًا منه: "هذا ابني" عتق عليه .
والوجه فيه- أنه قصد إثبات الحرية في محل قابل للحرية بلفظة صالحة للإثبات، فوجب القول بثبوت الحرية، قياسًا على ما إذا قال له وهو أصغر سنًا منه: "هذا ابني".
وإنما قلنا ذلك- لأن قوله "هذا ابني" لا يمكن حمله على القصد إلى ما وضع له اللفظ حقيقة، / لأن حقيقة البنوة ههنا لا تتصور، فيجب حمله على وجه صحيح. ويمكن ذلك بأن يجعل مجازًا عن الاعتقا، لأن طريق المجاز موجود، وهو السببية هـ والمسببية والملازمة، لأن البنوة تلازمها الحرية.
стр. 145
فإن قيل: قولكم بأنه مجاز عن الاعتقا- قلنا، متى يجعل مجازًا: إذا أمكن حمله على الحقيقة أم إذا لم يمكن؟ ع م- وقد أمكن بأن يجعل قوله "هذا ابني" بمنزلة قوله: "هذا كابني" في الشفقة والكرامة، فلا حاجة إلى جعله مجازًا عن الاعتقا.
ولئن سلمنا أنه يمكن جعله مجازًا، ولكن لا نسلم بأن السببية ههنا موجودة. ولا نسلم بأن السببية طريق المجاز.
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أنه جعله مجازًا عن الحرية، ولكن ههنا دليل آخر يأتي ذلك، وذلك لأنا أجمعنا على أنه لو قال "قطعت يد فلان" ويداه صحيحتان لا يجعل إقرارًا بالمال مجازًا، وإن كان قطع اليد سببًا لوجوب المال، لأنه لا يمكن إثباته مع قيام اليد- كذا هذا. وصار كما لو قال له: "هذا أخي" أو قال: هذا أبي أو جدي"، وهو لا يصلح لذلك، لا يعتق عليه- كذا هذا.
الجواب:
أما قوله: ههنا وجه آخر يحمل عليه وهو الشفقة- قلنا: حمله على ما ذكرناه أولى، لأن فيما ذكرناه حملًا لعى الفائدتين جميعًا، لأنه إذا ثبتت الحرية ثبت معنى الشفقة والكرامة، فكان ما ذكرناه أولى، بدليل معروف النسب إذا كان أصغر سنًا منه.
قوله: لم قلتم بأن السببية موجودو؟ - قلنا: لأن البنوة سبب للحرية بدليل فصل الشراء.
قوله: لم قلتم بأن السببية طريق المجاز؟ - قلنا: لأن العرب يسمون المطر سماء، لأنه سببه- إلى غير ذلك من النظائر.
وأما مسألة قطع اليد- قلنا: لا يمكن جعله مجازًا عن وجوب مطلق المال، لأن قطع اليد لا يوجب مطلق المال، وإنما يوجب مالًا مقدرًا بنصف اليد/ مؤجلًا في ثلاث سنين على العاقلة ولا يمكن إثباته- أما ههنا بخلافه.
стр. 146
وأما إذا قال: "أخي": روى الحسن عن أبي حنيفة أنه يعتق.
ولئن سلمنا ذلك، ولكن الأخوة تحتمل لجهة النسب وتحتمل لجهة الدين.
وأما إذا قال: "هذا أبي أو جدي"- فهو على هذا الخلاف.
وأما إذا قال: "يا باني" إنما لا يعتق، لأن المقصود من النداء هو الإعلام، لا لمعنى في المنادي.
٦٢ - مسألة: صريح الطلاق وكنايات لا يقع به العتق، وإن نوى، حتى لو قال لأمته "أنت طالق"، لم تعتق .
والوجه فيه- أنه لو ثبتت الحرية: إما أن تثبت موجبًا للفظة ابتداء، أو بناء على ما هو موجب اللفظ:
لا وجه للأول- لأن اللفظ موضوع لإزالة قيد النكاح، فلا يكون موضوعًا لإزالة الرق، دفعًا للاشتراك.
ولا وجه للثاني- لأن موجب اللفظ لا يثبت ههنا، ولا يتصور ثبوته، فكيف يثبت غيره بناء عليه؟ .
فإن قيل: قولكم بأن الحرية لا تثبت موجبًا للفظ ابتداء- قلنا: لا نسلم.
قوله: بأن هذا اللفظ موضوع لإزالة قيد النكاح- قلنا: لغة أم شرعًا؟ ع م. وهذا لأن الطلاق وإنكان في الشرع موضوعًا لإزالة قيد النكاح، ولكنه في اللغة يجوز أن يستعمل في إزالة قيد الرق وإثبات الانطلاق.
ولئن سلمنا أنه موضوع له لغة وشرعًا، ولكن لم قلتم بأنه لا يكون موضوعًا لإزالة الرق؟ .
قوله: يلزم منه الاشتراك- قلنا: لا نسلم، بل يكون بطريق المجاز، لما بينهما من
стр. 147
مشابهة زوال قيد النكاح وزوال قيد الرق- دل عليه أنه لو قال لامرأته "أنت حرة" ونوى به الطلاق –يقع الطلاق لما ذكرنا من وجه المجاز بطريق المشابهة.
ولئن سلمنا أنه لا تثبت الحرية ابتداء، ولكن لم قلتم بأنه لا تثبت بناء؟ . وهذا لأن/ موجب اللفظ إثبات الانطلاق وإزالة القيد والعجز، فتثبت الحرية بناء عليه، وصار هذا كما إذا قال لها: لا ملك لي عليك ولا سبيل لي عليك ولا رق لي عليك، ونوى به العتق، يعتق- كذا هذا.
الجواب:
قوله: يجوز أن يستعمل هذا اللفظ في اللغة فزالة قيد الرق وإثبات الانطلاق- قلنا: نعم، ولكن لا يثبت الحرية بهذا القدر شرعًا، ولا كلام في زوال القيد لغة، وإنما الكلام فيه شرعًا.
قوله: يجوز أن يكون اللفظ موضوعًا لإزالة الرق بطريق المجاز- قلنا: المجاز خلاف الأصل.
قوله: بينهما مشابهة- قلنا: لا نسلم.
وأما إذا قال لامرأته "أنت حرة" ونوى به الطلاق، يقع- قلنا: إنما يقع لأن قوله: "أنت حرة" موضوع في الشرع فزالة ملك اليمين، وذلك أقوى الملكين، فيزول ملك النكاح الذي هو أضعف الملكين وهو ملك النكاح إذا نوى، ولا كذلك على العكس، فإن قوله "أنت طالق" موضوع في الشرع لإزالة أضعف الملكين، وهو ملك النكاح، فلا يزول به أقوى الملكين وهو ملك اليمين، إذ ليس يلزم من كون اللفظ مزيلًا للأضعفكونه مزيلًا للأقوى، ولكن يجوز أن يكون مزيل الأقوى مزيلًا للأضعف.
قوله: لم لا يثبت بناء؟ قلنا: لأن موجبه لا يتصور.
قوله: إن موجبه إثبات الانطلاق- قلنا: نعم، ولكن لغة لا شرعًا، وإنما الحاجة
стр. 148
ههنا إلى إثبات الانطلاق شرعًا، وهو الحرية، ولم يوجد اللفظ الموجب له شرعًا.
أما قوله: لا ملك لي عليك ولا رق لي عليك-[فهو] صريح في نفي الملك، فينتفي الملك والرق ضرورة.
وقوله لا سبيل لي عليك- حقيقة في نفي السبيل، ولذلك أسباب كالبيع والهبة والإعتاق، / فينتفي الكل تحقيقًا لغرضه- أما ههنا بخلافه.
٦٣ - مسألة: إذا قال لأمته: "أول ولد تلديه فهو حر" أو قال: "فأنت حرة". فولدت ميتًا، ثم حيا يعتق الحي .
والوجه فيه- أنه قصد بهذا التصرف إثبات الحرية في أول ولد حي، والولد الثاني أول ولد حي، فوجب أن يعتق، قياسًا على ما إذا قال: "أولولد تلدينه حيًا فهو حر".
وإنما قلنا ذلك لأن اللفظ وإن كان مطلقًا، ولكن مطلق الكلام يجوز تقييده إذا دل الدليل عليه، وقد دلت دلالة التقييد بوصف الحياة، وهو دلالة الغرض الذي قصد تحقيقه بهذا الكلام، لأن غرضه إثبات الحرية، والحرية لغة وشرعًا لا تتصور بأصلها ووصفها إلا في محل موصوف بصفة الحياة.
فإن قيل: قولكم بأنه دلت دلالة التقييد بوصف الحياة- قلنا: متى: إذا كانت الحياة غالب الوجود أم لا؟ ع م. بيانه- وهو أن الجزاء إذا كان غالب الوجود فلا حاجة إلى التقييد، فإنا أجمعنا على أنه لو أوصى للجنين وبالجنين، يصح. ولو ضرب على بطن امرأة فألقت جنينًا ميتًا، تجب الغرة- وهذه أحكام الحياة.
стр. 149
ولئن سلمنا أنه دل دليل التقييد، ولكن لم قلتم بأن الحرية لا تتصور إلا في محل حي، وظاهر أنه تتصور، بدليل أن المكاتب إذا مات عن وفاء، تبقى الكتابة ويحكم بحريته بأداء بدل الكتابة بعد موته.
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على التقييد، ولكن هنا دليل آخر يأبى ذلك، وذلك لأنه لا تقييد بالملك، مع أن الحرية لا تثبت إلا بالملك كما لا تثبت إلا بالحياة، حتى لو قال لأمته: "أول ولد تلدينه فهو حر- فباعها، فولدت ولدًا في يد المشتري، ثم اشتراها، فولدت في يده ولدًا، لا يعتق الولد الثاني.
ولو قال/ لأجنبية "إن دخلت الدار فأنت طالق" لا يتقيد بملك النكاح. وكذلك لو قال لأمته "أول ولد تلدينه فهو حر وامرأته طالق"، فولدت ولدًا ميتًا، ينحل اليمين في حق الطلاق حتى يقع الطلاق، فوجب أن ينحل في حق الحرية إيصالًا إلى الجزاء، لأن اليمين والشرط واحد.
ثم نقول: شرط عتق أول ولد، وهذا آخر ولد، بدليل أنه لو قال لأمته: "آخر ولد تلدينه فهو حر" فولدت ولدًا ميتًا، ثم ولدت ولدًا حيًا، يعتق الثاني، وإذا كان آخرًا لا يتصور أن يكون أولًا.
الجواب:
أما قوله بأن الحياة غ الب [الوجود] –قلنا: لا نسلم بأن حياة كل ولد معين غالب، بل حياة الأولاد.
وأما إذا أعتق الجنين أو أوصى له أو به، فهذه التصرفات موقوفة في الحال: إن حصل الولد حيًا يحكم بصحتها وإلا فلا.
стр. 150
وأما إذا ضرب بطن امرأة-[فـ] معارض بما إذا ضرب بطن شاة فألقت جنينًا ميتًا: لا يجب شيء، فالغرة في الآدمي تجب نصًا.
وأما المكاتب- قلنا عنه جوابان: أحدهما –ثبت الحرية في آخر جزء من أجزاء حياته. والثاني- نثبتها بعد الموت في حق آثار يتصور ثبوتها.
قوله: لا يقيد بالملك- قلنا: لأن الحرية لا تتصور إلا في محل حي، ولكن إثبات الحرية في ملك الغير صحيح، وإعتاق ملك الغير صحيح، حتى لو أجاز المالك ينفذ العتق، فلا حاجة إلى التقييد بالملك.
وأما إذا قال لأجنبية: "إن دخلت الدار فأنت طالق": إن كانت منكوحة للغير، فهذا التصرف صحيح، حتى لو أجاز الزوج، يقع الطلاق عند دخول النار. وإن لم تكن منكوحة، فلا يصح، لأن التقييد إنما يكون في الإطلاق، وليس ثم إطلاق، فلا يجوز إلا بطريق الازدواج، وذلك غير لازم.
وأما إذا قال: "أول ولد تلدينه فهو حر وامرأته طالق"- قلنا: هذا إن كان يمينًا واحدًا صور/ ولكنه يمينان معنى، لأن اليمين تعرف بالشرط والجزاء، وقد تعدد الشرط والجزاء: فأحد الجزاءين هو الحرية وشرطه ولادة ولد حي لما ذكرنا. والثاني هو الطلاق وشرطه ولادة ولد مطلق. لأنا إنما قيدنا بالحياة في الجزاء الأول لافتقاره إلى الحياة، والطلاق لا يفتقر إلى الحياة في الولد. فإذا تعدد اليمين معنى، فانحلال أحدهما لا يدل على انحلال الأخرى.
стр. 151
قوله: بأن هذا آخر ولد- قلنا: هذا آخر ولد مطلق أما هو أول ولد حي، والشرط أول ولد حي. وما ذكر من المسألة ممنوعة.
والله أعلم.
٦٤ - مسألة: إذا قال لعبده: "إن أديت إلى ألفًا فأنت حر" فجاء العبد بالألف، وخلى بينها وبين المولى، يجبر على القبول، حتى يعتق العبد بالتخلية .
والوجه فيه- أنه قصد إثبات الحرية عند التخلية بينه وبين الألف- فوجب القول بالعتق عند التخلية، قياسًا على ما إذا علق بالتخلية.
أما بيان أنه قصد إثبات الحرية -[فـ] / لأن هذا اللفظ صالح له.
وأما بيان أنه قصد العتق عند التخلينة-[فـ] لأن غرضه حصول الألف [له]، حيث جعل العتق في مقابلته. وهذا الغرض لا يحصل إلا بتعليق العتق بالتخلية بدون القبول، لأنه لو تعلق بالقبول، لا محالة لا ينبعث العبد على الكسب، لأنه لو اكتسبه ربما لا يقبله المولى أو يقبله على وجه لا يعتق بأن يأخذ الألف إلا درهمًا، فيتعطل نفع العبد.
فإن قيل: قولكم بأنه قصد إثبات الحرية عند التخلية- قلنا: لا نسلم. وبطلانه ظاهر، لأنه قال "إن أديت" والأداء عبارة عن التسليم والقبول جميعًا. ولهذا لو قال لعبده: أديت إلى ألفًا فلم أقبل -لا يصدق في ذلك، ويكون رجوعًا عن الإقرار.
ولئن سلمنا أنه علق العتق بالتخلية، ولكن لم قلتم بأن غرضه يحصل بالتخلية؟ وبطلانه ظاهر، لأنه يقتضي تعليق العتق بالكسب، ولم يتعلق.
ولئن سلمنا أن غرضه يحصل بالتخلية ولكن لم قلتم بأن/ المولى يمكنه الأخذ على وجه لا يعتق، بل يعتق على أي وجه يقبله، لأن العبد مأذون، فإنما يأخذه على وجه يؤديه إليه. على أن الظاهر من حال المولى أنه لا يخلف في الوعد، وصار هذا كما إذا قال:
стр. 152
إن أديت إلى خمرًا فأنت حر، أو ثوبًا فأنت حر، أو كذا من حنطة فأنت حر، أو ألفًا أحج بها فأنت حر أو المتنازع فيه: إذا باع العبد ثم، اشتراه فجاء بالألف، فإنه لا يجبر على القبول في هذه المواضع- فوجب أن لا يجبر ههنا.
الجواب:
أما قوله بأنه نص على التعليق بالأداء إليه- قلنا: بلى، ولكن الأداء إليه جاز أن يذكر ويراد به التخلية بدون القبول مجازًا، فيحمل عليه، لما ذكرنا من الدليل.
قوله: هذا يقتضي تعليق العتق بالكسب- قلنا: نعم، ولكن لا يمكن أن يجعل الأداء إليه مجازًا عن الكسب، بخلاف التخلية، لأن اللفظ يحتملها.
قوله: لم قلتم بأن المولى يمكنه أخذ الألف منه على وجه لا يعتق عليه- قلنا: لأنه يمكنه أن يأخذ منه غصبًا أو يبيعه فيزول العبد عن ملكه ويبقى الألف ملكًا للمولى ولا يعتق عليه.
وأما قوله بأن المولى لا يخلف الوعد- قلنا: إذًا لم يكن القبول واجبًا عليه شرعًا ويمكنه تحصيل النفع بلا ضرر، فالظاهر أنه لا يبالي بخلف الوعد خصوصًا مع مملوكه.
وأما الأحكام: أما الخمر- قلنا: ثمة لم يصح غرضه، فلم يصح اعتباره شرعًا. وأما الثوب والحنطة- قلنا: تلك أجناس وأنواع مختلفة، فما من جنس يأتي به العبد إلا وللمولى أن يقول: غرض غير هذا، فلا يمكن اعتبار غرضه- أما ههنا بخلافه. وأما إذا قال: ألفًا أحج بها، يجبر على القبول. وأما إذا باعه- قلنا: ثم بطل الطلب والغرض، لأن الإنسان لا يطلب الألف من عبد الغير.
والله أعلم.
стр. 153
٦٥ - مسألة: الوطء في العتق المبهم لا يكون بيانًا/ للعتق في غير الموطوءة. وهي أن يقول لأمتيه: إحداكما حرة، ثم وطئ إحداهما .
والوجه فيه- أن الوطء صادف المملوكة في حق حل الوطء من غير أن يجعل الوطء بيانًا، فلا يجعل بيانًا، قياسًا على ما إذا علق عتق إحداهما بدخول الدار، ثم وطئ إحداهما، ثم دخل الدار- لا تتعين الموطوءة للملك.
وإنما قلنا ذلك- لأن الملك كان ثابتًا في حق جميع الأحكام، فلو زال إنما يزول بالإعتاق المبهم، وإنه لا يوجب زوالًا في حق حل الوطء، لأنه إعتاق المنكر، فكان إيقاع العتق في حق حكم يختص بالمنكر دون المعين، وحل الوطء مما يختص بالمعين دون المنكر، لأن وطء المنكرة لا يتصور، فلو ثبت العتق في المعينة وزال الملك عنها، لزال من غير إزالته، وإنه لا يجوز، فعلم أن الوطء صادف المملوكة في حق حل الوطء، فلا حاجة إلى جعل الوطء بيانًا.
فإن قيل: ما ذكرتم إن دل على أن الوطء ليس ببيان، ولكن ههنا دليل آخر بأبي ذلك، لأن الظاهر من حال العاقل أنه يريد بتصرفه الحلال دون الحرام، فإن عقله ودينه يدعوانه إلى الحلال ويمنعانه عن الحرام، والحل يتعلق بكون الوطء بيانًا، لأن الحل يتعلق بالملك، ولا ثبوت للملك ههنا إلا بأن يجعل الوطء بيانًا لأن العتق نازل في إحداهما، فلو لم يجعل الوطء بيانًا وتعلق حل الوطء بثبوت الملك، كان الحل متعلقًا
стр. 154
بالبيان بواسطة الدليل عليه، [وكذا] الوطء في الطلاق المبهم: فإنه إذا طلق إحدى امرأتيه ثم وطئ إحداهما يجعل بيانًا، لما ذكرنا من توقف الحل على الملك، وتوقف الملك على البيان- كذا ههنا.
قوله: بان الوطء صادفالملك من غير أن يجعل الوطء بيانًا- قلنا: لا نسلم.
قوله بأن العتق غير/ نازل في حق المعين- قلنا: أيش يعني به؟ يعني أنه لم يوجب عتق واحدة بعينها أو يعني به شيئًا آخر؟ إن عني به شيئًا آخر احتاج إلى بيانه. وإن عني به أن العتق لم ينزل في واحدة معينة فهذا مسلم- ولكن لم قلتم بأن هذا يمنع كون الوطء محتاجًا إليه في البيان؟ .
قوله: بأن أوقع العتق في المنكرة- قلنا: ما يعني به؟ يعني به أنه أوقع العتق في غير هاتين أو يعني به أنه أوقعه في إحداهما إلا أنا لا نعرفها بعينها؟ إن يعني به الأول فهو باطل، لأنه قال: إحداكما حرة. وإن عني به الثاني فمسلم، ولكن لا يمنع كون الوطء بيانًا بل يوجبه، لأن تلك الواحدة تحتمل هذه وهذه، فلا يكون الملك ثابتًا في حق الحل في الموطوءة بدون البيان.
الجواب:
قوله: إن الدليل قد دل على كون الوطء بيانًا- قلنا: بلى، ولكن إنما يحتاج إلى جعل الوطء بيانًا إذا لم يكن المحلل للوطء قائمًا في حقه.
قوله: إن المنكرة تحتمل أن تكون هذه وتحتمل أن تكون صاحبتها- قلنا: لا نسلم، ومحال أن تكون المنكرة هذه أو صاحبتها، لأن هذه أو صاحبتها إشارة إلى المعينة، وبين المعينة والمنكرة مضادة، فكيف يحتمل قوله المنكرة لا تعدوها- قلنا: بلى ولكن من غير تعيين.
стр. 155
فإذا قلنا: هذه أو تلك فقد عيناها، فلا تبقى منكرة، وهو أوقع في المنكرة لا في المعينة.
وأما الوطء في الطلاق المبهم- قلنا: هكذا نقول ثمة: إن الملك في حق المعينة قائم إلا أنه إذا وطئ إحداهما تعينت الأخرى للطلاق، وهذه للإمساك لوجه آخر، لا باعتبار كون الحل متعلقًا بالبيان.
بيانه- إن المقصود من وطء المنكوحة الولد، وحصول الولد متعلق ببقاء النكاح، فكان بيانًا من حيث إنه لا يتم الغرض إلا به. أما ههنا بخلافه، لأن الغرض من وطء الجواري/ قضاء الشهوة دون الوطء للولد، وقضاء الشهوة لا يتعلق حصوله بالبيان، فلا يجعل الوطء بيانًا.
قوله: أيش تعني بقولك إن العتق غير نازل في المعين؟ قلنا: نعني به أنه لا يظهر في حق حكم يختص المعين ولا يمكن إثباته في حق المعين، وظهر في حق حكم يختص المعين ويمكن إثباته في حق المعين بدون التعيين، لأن الحكم إذا كان يختص المنكرة أمكن العمل بدليل الحرية فيه، لأن المالك أثبت الحرية في المنكرة، فكان العمل به على وجه التنكير، عملًا بقضية الإعتاق.
فأما إثبات العتق في حق حكم يختص المعين وبعضه يختص المنكر، فهذا معلوم في إثبات العتق في العدم: أنه لو قتلهما رجل واحد معًا تجب قيمة أمة ودية حرة، لأن هذا حكم يصح إثباته بدون التعيين. ولو قتلهما رجلان يجب على كل واحد منهما قيمة أمة، لأنه لا يمكن إيجاب القيمة على أحدهما والدية على الآخر إلا بتعيين محل العتق، فلا يظهر العتق في حقه أصلًا.
стр. 156
وإذا ثبت اختلاف الأحكام في المنكر والمعين- فنقول:
قوله: "إحداكما حرة": أثبت العتق في حق حكم يختص المنكر دون المعين- على ما مر.
فالحاصل- أن الشرع ورد بتصحيح إعتاق المبهم، فلا بد من تصحيحه على الوجه الذي قصده المتصرف. وهو إنما قصد إيقاعه في حق المنكر دون المعين، لأن اللفظ يدل عليه، فيجب أن يكون مشروعًا على وجه يظهر في حق حكم يختص المنكر دون المعين.
وبه خرج الجواب عن السؤال الذي يليه.
٦٦ - مسألة: الإعتاق يتجزأ .
والمعنى من ذلك أن المحل في حق قبول حكم الإعتاق يتجزأ، فيتصور ثبوته في النصف دون النصف [الآخر].
стр. 157
وثمرة الخلاف في موضعين:
أحدهما- إذا أعتق نصف عبده، عتق نصفه، وهو بين خيارين: إن شاء أعتق الباقي، وإن شاء استسعى العبد. وقالا: عتق كله وليس له/ حق السعاية.
والثاني- إذا أعتق نصيبه من عبد مشترك بينه وبين غيره، لا يعتق كله، غير أن المعتق: إن كان موسرًا فالشريك بين خيارات ثلاثة: إن شاء أعتق نصيبه، وإن شاء ضمن [المعتق]، وإن شاء استسعى العبد. وإن كان معسرًا، فهي بين خيارين: إن شاء أعتق نصيبه، وإن شاء استسعى العبد.
وقالا: يعتق كله، وليس له إلا الضمان مع اليسار والسعاية مع الإعتاق.
وحاصل الخلاف راجع إلى أن الإعتاق في النصف هل يوجب هـ زوال الرق عن المحل كله أم لا؟ عنده: لا يوجب، بل يبقى كل المحل رقيقًا، ولكن زال الملك عن النصف. وعندهما: يوجب زوال الرق عن الكل.
والوجه فيه- أن الرق لو زال عن المحل لا يخلو: إما أن يزول موجبًا للتصرف ابتداء، أو بناء على ما هو الموجب:
لا وجه للأول- لأن زوال الرق ليس موجبًا أصليًا للإعتاق، لأن موجب التصرف
стр. 158
ابتداء ما يدخل تحت ولاية المتصرف، وزوال الرق لا يدخل تحت ولايته، لأن الرق في المحل: إما أن يثبت حقًا لله تعالى، أو حقًا لعامة الناس. لأنه إما أن يكون ثابتًا عقوبة على كفره وجزاء على استنكافه من أن يكون عبد الله، ومن هذا الوجه يكون حقًا للشرع. وإما أن يكون دفعًا لشره عن كافة الناس والمسلمين، بدلًا عن القتل أو تمكينًا لهم من تملكه وإقامة مصالحهم به بواسطة التملك، كالإباحة في الصيد. ومن هذين الوجهين يكون حقًا لكافة الناس من المسلمين. وكيفما كان، فإبطال حق الشرع وحق كافة المسلمين لا يدخل تحت ولاية المالك قصدًا وابتداء.
ولا وجه للثاني- لأن موجب التصرف ابتداء زوال ملك المولى، لأنه الداخل تحت ولايته، وهو إزالة الملك عن نصف المحل، وليس من ضرورة/ زوال الملك عن نصف المحل زواله عن الباقي، فيبقى الملك في الباقي، فلا يزول الرق عن المحل، لأن زوال الرق عن كل المحل موقوف على زوال الملك عن كل المحل، فيحتاج إلى بيان أشياء:
[١ - ] إلى بيان معنى الملك والرق، وأنهما غيران.
[٢ - ] وإلى بيان [أن] المحل في حق الملك متجزئ، فيتصور زوال الملك عن البعض دون البعض.
[٣ - ] وإلى بيان أن زوال الرق عن المحل موقوف على زوال الملك عن كل المحل.
أما الأول:
[بيان معنى الملك، والرق، وأنهما غيران]- فنقول:
ملك المحل- عبارة عن حالة شرعية أو صفة شرعية للمحل تقتضي إطلاق
стр. 159
التصرف في المحل. وليس من ضرورة ثبوت هذه الحالة أن يترتب عليه إطلاق التصرف لا محالة، بل يترتب عليه افطلاق لولا المانع، وقد لا يترتب لمانع، كملك الخمر وغيره بيانه- أن الحالة التي سميناها ملكًا حالة معقولة، لأن التفرقة ثابتة بين المحل الذي يطلق للإنسان التصرف فيه وبين المحل الذي لا يطلق التصرف فيه- أعني هذه التصرفات المخصوصة المختصة بالملك، فلا بد لهذه التفرقة من متعلق ما، وهو أمر شرعي لا حسي، فسمى تلك الحالة ملكًا، فثبت أن هذه حالة معقولة. والدليل على أن الملك هو هذه الحالة الشرعية أنا إذا وصفنا المحل بكونه ملوكًا يلازمه إطلاق التصرفات ويفهم منه ذلك، فحينئذ لا يخلو: إما أن يكون الملك نفس إطلاق التصرف، أو هو أمر يقتضي إطلاق التصرف:
لا وجه للأول، لأن الملك [قد] يوجد في محل لا يوجد [فيه] إطلاق التصرف، كملك الخمر وملك الخسيس والمهر والملك للطفل والميت في قدر ما يحتاج والملك في المرهون والمستأجر وغير ذلك من المواضع. وكذا ملك الوطء ثابت حال الحيض في المنكوحة والأمة وإطلاق الوطء غير ثابت- دل عليه: أن من اشترى أباه أو المحلوف عليه بعتقه/ يثبت الملك حتى يعتق ولم يثبت إطلاق التصرف بوجه ما- فثبت أن الملك عبارة عن هذه الحالة.
وأما الرق- فهو عبارة عن وصف حكمي والمراد به حالة في المحل يظهر أثرها في حجره عن دفع تملك الغير عن نفسه، ولأجلها يصح الاستيلاء عليه والتملك، كالحياة مع العلم والقدرة، [ففي] الحياة معنى مصحح للعلم والقدرة لا يتصور ثبوتها بدونها، وهذا أمر معقول، لأن التفرقة ثابتة بين كون المحل بحالة لا يصح عليه الاستيلاء
стр. 160
والتملك، وبين كونه بحالة يصح عليه الاستيلاء والتملك، والأول للحر والثاني هو الرقيق، فلا بد لهذه التفرقة من متعلق شرعي، فتسمى تلك الحالة رقًا.
وإذا ثبت هذا ثبت المغايرة بين الملك والرق، لأن الأمر المصحح للملك يكون غيره، ويكون ثابتًا قبله، كالحياة المصححة للعلم والقدرة.
وأما الثاني:
وهو أن المحل في حق الملك يتجزأ، ويتصور زوال الملك عن البعض دون البعض: [فدليله] الحكم والمعقول:
أما الحكم-[فقد] أجمعنا على أنه يجوز بيع النصف شائعًا وهبة النصف والتصرف في النصف والوصية به، وأثر هذه الأحكام في إزالة ملك الأول وإثبات ملك الثاني. فلو لم يكن المحل متجزئًا، لما جاز.
وأما المعقول- وهو أن الملك متى كان عبارة عن معنى أو صفة شرعية في المحل، جاز أني ثبت شائعًا في البعض دون البعض، فيترتب عليه إطلاق التصرف والانتفاع بالنصف دون النصف بطريقة، أو تقتضي تلك الصفة أن يكون تصرفه في النصف حقًا غير مؤاخذ عليه، وفي النصف الآخر يكون بغير حق مؤاخذ عليه. وإذا ثبت أن المحل في حق الملك يتجزأ، وقد أزال ملكه عن النصف دون النصف، لا يزول ملكه عن الكل.
وأما الثالث:
وهو أن زوال الرق عن كل المحل موقوف على زوال الملك عن/ كل المحل:
[فذلك] أنه متى بقي الملك في بعض المحل يبقى الرق فيه، ضرورة أنه لا يصح الملك بدون الرق، وإذا بقي الرق في النصف بقي في الباقي، ضرورة أن المحل في
стр. 161
حق الرق لا يتجزأ، لأنه عبارة عن الضعف الحكمي، ولا يتصور أن يكون بعض المحل ضعيفًا والبعض قويًا شائعًا، بخلاف الملك- على ما ذكرنا.
فإن قيل: قولكم بأن الرق حق الشرع أو حق المسلمين؟ قلنا: في حالة الابتداء يعني أم في حالة البقاء؟ م ع. وهذا لأنه في حالة البقاء [صار] حقًا للمولى، لأنه يتعلق به حقه [أثرًا] للملك، وإذا كان الملك حقًا للمولى كان الرق أيضًا حقًا له.
ولئن سلمنا أنه حق الشرع، ولكن [لِمَ] لا يتمكن من إزالته: ابتداء أم نيابة عن الشرع؟ م ع- فلم قلتم بأن الشرع لم يُثبت له ولاية إزالة الرق؟ وبيان [ـه] أنه. أثبت أنه ندبه إلى الإعتاق وحثه عليه بأبلغ الوجوه، وكذا كلفه في باب الكفارة بالتحرير- وهو ينبئ عن الخلوص عن الرق، والإعتاق [عبارة] عن القوة وإزالة الضعف الحكمي، فدل الندب والأمر على إثبات الولاية نيابة، وقد أزال [الضعف] عن البعض، فيزول عن الكل، لاستحالة أن يكون البعض قويًا شائعًا والبعض ضعيفًا شائعًا، وصار كالطلاق والصلح عن دم العمد إذا أضيفا إلى النصف.
ولئن سلمنا أن زوال الرق ليس بموجب تصرفه ابتداء، [فـ] قلتم أنه ليس بموجب تصرفه بناء؟ .
стр. 162
قوله بأن الموجب الأصلي زوال الملك- قلنا: لا نسلم، بل هو ثبوت العتق، والعتق هو القوة الحكمية، وإنه داخل تحت ولايته ثم يزول الملك والرق بناء عليه.
ولئن سلمنا أن الموجب الأصلي زوال الملك، لكن لم قلتم بأن المحل في حق الملك متجزؤ؟ .
وأما ما ذكر من الأحكام- قلنا: لا نسلم أنه زوال الملك بل هو إضافة الملك إلى المشتري بعد إضافته إلى البائع./
وأما المعقول- قلنا: لم قلتم بأنه يتصور ثبوته في البعض دون البعض؟ وهذا لأن التصرف في نصف المحل شائعًا دون البعض لا يتصور، بخلاف العبد المشترك، لأن ذلك إشارة إلى تعدد التصرف لا إلى تجزئ محل التصرف.
والدليل على [أن] الملك لايتجزأ، أنا أجمعنا على أنه لا يتصور الملك في الابتداء في النصف دون النصف.
ثم نقول: إن المملوكية إذا زالت عن النصف، تثبت المالكية بقدرة في الباقي، لأنه لا يتجزأ، وإذا ثبتت المالكية في الكل زال الرق عن الكل ضرورة.
ثم الدليل على أن الإعتاق لا يتجزأ أن إعتاق النصف يتعدى إلى الباقي، حتى لا يباع الباقي ولا هـ يوهب، وإنه لا يتجزأ في الاستيلاد.
والدليل على أن حق الاستيلاد لا يتجزأ- أن أحد الشريكين لو استولد، تملك نصيب الآخر، وتصير أم ولد له. فحق العتق إذا كان لا يتجزأ، فحقيقته أولى.
стр. 163
والدليل على [ذلك] أن إعتاق أم الولد لا يتجزأ، حتى إن أم الولد إذا أتت بولد فادعياه، يعتق كله.
وكذا معارض بالنص: "من أعتق شقصًا له من عبد عتق له ليس لله فيه شريك".
الجواب:
الرق حق الشرع حالة الابتداء أم حالة البقاء؟ قلنا المعنى الذي أوجب كونه- للشرع في الابتداء [وهو] كونه عقوبة وجزاء على الكل، وحقًا للمسلمين وهو كونه وسيلة إلى دفع الشر عنهم- قائم في حالة البقاء، فيقتضي كونه حقًا ع ولهم في هذه الحالة.
قوله: تعلق به حقه وهو الملك- قلنا: بلى، ولكن أثر هذا في منع الغير من إبطاله، حتى لا يثبت حقه، لا في إثبات ولاية الإبطال له، لأن في إبطاله إبطال حق الغير.
قوله: لم قلتم بأنه لا يتمكن من ذلك نيابة عن الشرع- قلنا: لأن النيابة خلاف الأصل.
قوله: ندبه إلى الإعتاق- قلنا: الكلام/ في الإعتاق المندوب إليه أنه إزالة الملك
стр. 164
قصدًا وابتداء وزوال الرق بناء عليه.
قوله: إن الموجب الأصلي لهذا التصرف إنما هو إثبات العتق والقوة- قلنا: ذلك لا يصلح موجبًا، لأنه لا يدخل تحت قدرته.
قوله: لم قلتم بأن الملك يتجزأ- قلنا: لما ذكرنا من الأحكام.
قوله: بأن أثر هذه التصرفات في نقل الملك لا في إزالة الملك- قلنا: ليس كذلك، بل أثرها في إزالة الملك، بدليل أن البيع والهبة يسمى تمليكًا، لا نقلًا للملك.
قوله: بأن التصرف في النصف لا يتصور- قلنا: في الجملة يتصور. وهو أن ينتفع بطريق التهايؤ. والمسألة ممنوعة على قول محمد بن سلمة- فإنه قال: لو فتح الإمام بلدًا وضرب الرق على أنصاف أهله يصح.
قوله: من ضرورة زوال المملوكية ثبوت المالكية- قلنا: لا نسلم، بل يتصور أن يكون المحل لا مملوكًا ولا مالكًا.
قوله: يتعدى إلى الباقي- قلنا: هذا التصرف يوجب استحقاق إزالة الباقي موقوفًا على التضمين أو الإعتاق أو الاستسعاء رعاية للجوانب أجمع هـ.
وأما إعتاق أم الولد-[فـ] يتجزأ أيضًا، إلا أنه يعتق الباقي في الحال، لا لعلة عدم التجزئ، بل لأنه لا فائدة في التأخير لعدم التضمين والاستسعاء لعدم القيمة. وأما الاستيلاء [فـ] لا يمكن تأخيره، لأن حق الحرية ثبت، وهو مانع [من] الوطء والاستيلاد ولا [يتأخر] إلى وقت سعاية الأم، لأنه لا يجب عليها، فيجب على المستولد، لأنه أهل، فيعتق بالضمان- أما هذا بخلاف.
وأما الحديث [فـ] معارض بقوله: من أعتق شقصًا من عبد قوم عليه نصيب
стр. 165
شريكه إن كان موسرًا وإلا عتق ما عتق ورق ما رق".
على أنا نقول: قوله: "عتق كله" أي يعتق كله محمولًا على ما ذكرنا عملًا.
والله أعلم.
стр. 166
٦٧ - مسألة: العتق لا يتجزأ .
والوجه فيه- أن تجزؤ العتق إما أن يكون بثبوت العتق في جزء معين، أو بثبوت العتق في جزء غير معين.
لا وجه للأول-/ لأنه خلاف الإجماع.
ولا وجه للثاني- لأن العتق عبارة عن قوة [حكمية للذات يدفع بها يد الاستيلاء والتملك عن نفسه. ولا يتصور ثبوت هذه في بعضه شائعًا- فقطع بعد تجزئه].
فإذا ثبتت القوة في جزء، يتعين ذلك الجزء من بين سائر الأجزاء. وإذا انحصر تجزي العتق في هذين القسمين.
وكل واحد منهما منتف [فـ] انتفى التجزؤ.
فإن قيل: التعليل يخالف مذهبكم بدليل ما ذكر محمد في الزيادات: رجل له ثلاثة أعبد فدخل عليه اثنان فقال: أحدكما حر، فخرج أحدهما ثم دخل الآخر فقال:
стр. 167
أحدكما حر ثم مات قبل البيان- فإنه يعتق من الخارج نصفه ومن الثابت ثلاثة أرباعه ومن الداخل ربعه عن محمد. وعند أبي حنيفة وأبو يوسف نصفه- فاتفقوا على تجزء العتق.
ثم نقول: لم قلتم بأنه لا يثبت العتق في جزء غير معين؟ .
قولكم: لو ثبت في جزء تخصص ذلك الجزء بزيادة قوة، فيلزم منه تمييزه من بين سائر الأجزاء. قلنا: متى؟ إذا عرف ذلك الجزء من بين سائر الأجزاء أم إذا لم يعرف؟ م ع- ولا يمكن دعواه، بدليل أن بيع الجزء المشاع جائز وإن يم يتعين من بين سائر الأجزاء، ولكن لما [لم] يعرف من بين سائر الأجزاء لا يثبت التعيين.
ثم نقول: ثبوت العتق في الكل يكون عتقًا من غير، وذلك ضرر.
ثم هذا معارض بما أورده البخاري ومسلم في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق شركًا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعَتَق عليه. العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق".
الجواب:
قوله: التعليل يخالف مذهبكم- قلنا: لانسلم.
وأما المسألة- قلنا: الإعتاق ثمة عبارة عن إزالة الملك/، لأن الملك يتجزأ وليس من ضرورة تجزؤ الملك تجزؤ العتق، على ما قررنا في مسألة تجزؤ الإعتاق.
قوله: لم قلتم بأنه لا يثبت في جزء غير معين- قلنا: لما ذكرنا.
стр. 168
قوله: متى؟ إذا عرف من بين سائر الأجزاء أم إذا لم يعرف- قلنا: إذا ثبت أنه اختص بزيادة القوة يلزم منه تعينه من بين سائر الأجزاء.
وأما ما ذكر من جواز بيع الجزء المشاع- قلنا: البيع تصرف في الملك والملك يتجزأ، أما العتق [فـ] تصرف في الرق، والرق لا يتجزأ.
وأما قوله: ثبوت العتق في الكل يكون عتقًا من غير إعتاقه، وذلك ضرر- قلنا: نعم، ولكنه ضرر حصل ضمنًا وضرورة، لما ذكرنا من الدليل، وإنه ينجبر هذا الضرر بالضمان أو الاستسعاء رعاية للجوانب.
وأما الحديث -[فـ] معارض بما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من أعتق شقيصًا من مملوك فعليه خلاصه في ماله. فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل ثم استسعى غير مشقوق عليه" متفق على صحته ولو لم يعتق. الكل لما أوجب الضمان أو السعاية، لمكان النافي.
٦٧ - مكررًا- مسألة: إذا اشترى أباه ناويًا عن كفارة يمينه أجزأه عن الكفارة، خلافًا له .
والوجه فيه- أنه أتى بتحرير الرقبة، فوجب أن يخرج عن العهدة.
وإنما قلنا ذلك- لأنه أتى بإعتاق الرقبة، لأن الإجماع منعقد على ثبوت العتق في المحل، ولا يثبت العتق في المحل إلا بإعتاقه لمكان النافي.
وإذا ثبت أنه أتى بتحرير الرقبة، وجب أن يخرج عن العهدة، لن المعنى من بقائه في العهدة استحقاقه للعقاب المتعلق بترك الإتيان بالتحرير، ويستحيل ذلك ولا ترك.
стр. 169
فإن قيل: لا نسلم بأن الإعتاق وجد منه.
قولكم: بأن العتق ثابت في المحل، ولا يثبت العتق في المحل بدون إعتاقه/ لما فيه من ضرر زوال الملك- قلنا: لا نسلم بأن ملك الابن ثابت على الأب، وهذا لأن الملك عبارة عن القدرة على التصرفات، والابن لا يملك على رقبة الأب من التصرفات شيئًا، فلا يكون الملك ثابتًا.
ولئن سلمنا أنه وجد منه الإعتاق، ولكن لم قلتم بأن الأب رقبة- وهذا لأن الرقبة عبارة عن المملوك- هكذا ذكره الخليل، والأب ليس بمملوك لما ذكرنا.
ولئن سلمنا أنه مملوك، ولكن متى يخرج عن العهدة: إذا كان منتفعًا به أم إذا لم يكن؟ م ع. وهذا لأنا أجمعنا على أنه لو أعتق العمياء والشلاء، لا يخرج عن العهدة، لفوات بعض الانتفاعات، فههنا أولى، لفوات الكل.
ولئن سلمنا أنه منتفع به، ولكن متى يخرج عن العهدة: إذا كان الإعتاق يعوض أم إذا لم يكن؟ ع م. ولا يمكن دعوى الأول، لأنه لو أعتق على مال ناويًا عن الكفارة لا يصح، والإعتاق ههنا بعوض، وهو الثواب الحاصل بمجازاة نعم الأب، لقوله ﵇: "لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه، فيعتقه".
الجواب:
أما قوله: بأن ملك الابن ثابت على الأب- قلنا: لأن العتق ثابت ولا عتق
стр. 170
بدون المسلم، لقوله ﵇: "لا عتق إلا فيما يملك" وكذا قوله ﵇: "من ملك ذا رحم محرم منه فهو حر".
وأما قوله بأن الابن لا يملك التصرفات عليه- قلنا: لأن شرطه دوام الملك، ولم يوجد.
أما قوله: لم قلتم بأن الأب رقبة -قلنا: لأن الرقبة ذات أو مملوك، والأب ذات ومملوك لما ذكرنا.
قوله: متى يخرج عن العهدة: إذا كان منتفعًا به أم إذا لم يكن؟ قلنا: إذا كان منتفعًا به وهو منتفع به.
قوله: الابن لا ينتفع به- قلنا: إمكان الانتفاع ثابت، وهو منتفع لولا المانع.
قوله: متى يخرج عن العهدة: إذا كان الإعتاق بعوض أم إذا/ لم يكن؟ - قلنا: إذا كان بغير عوض، وإنه بغير عوض دنياوي، والمانع من الخروج عن العهدة هو العوض الدنياوي كما ذكر، أما ههنا بخلافه.
٦٨ - مسألة: الشهادة القائمة على عتق العبد لا تقبل من غير دعوى العبد، خلافًا لهما .
стр. 171
والوجه فيه- أن هذه شهادة قامت على حق العبد، فلا تقبل من غير دعواه، قياسًا على الشهادة القائمة على ملك الأموال.
وإنما قلنا ذلك- لأنها قامت على عتقه، وعتقه حقه، لأن حق العبد ما تعلق به نفع عاجل للعبد، وعتقه قد تعلق به نفع عاجل له، وهو تمكنه من استيفاء مصالح نفسه وأهليته للقضاء والشهادة وغيرها، ودفع ضرر تملك الغير عن نفسه، فامتناعه من الدعوى يدل على أن الحق غير ثابت، لأنه لو كان ثابت لأقدم عليه استيفاء لحقه، وإذا لم يكن ثابتًا، يختل الصدق في الشهادة، فلا تقبل.
فإن قيل: قولكم بأن العتق قد تعلق به نفع عاجل للعبد- قلنا: نفع يقصد بالإعتاق أم نفع يحصل بطريق الاتفاق؟ ع م- وهذا لأن النفع الذي يقصد بالإعتاق حصول الثواب والثناء، لا نفع العبد، فلا يشترط الدعوى لمثل هذا النفع الاتفاقي.
ولئن سلمنا أنه تعلق به نفع العبد مقصودًا، ولكن كل المقصود أم بعض المقصود؟ ع م- وهذا لأن نفع العبد كما هو مقصود من شرع الإعتاق، فثبوت أهلية حقوق الله تعالى من وجوب الزكاة والحج والكفارات والجمع وغيرها أيضًا مقصود للشرع. وإذا كان حق الشرع من وجه حق العبد من وجه، تقبل الشهادة من غير دعواه، كالشهادة على عتق المة وطلاق المرأة.
ولئن سلمنا أنه هذا نفع يختص بالعبد، ولكن كما أن العبد ينتفع، فالناس/ أيضًا ينتفعون بذلك، فتقبل الشهادة من غير دعواه، كما في الحدود.
ولئن سلمنا أنه حق العبد، ولكن لم قلتم بأن ساعه يدل على أن الحق غير ثابت؟ .
قوله: لو كان ثابت لأقدم على الدعوى استيفاء لحقه- قلنا: متى؟ إذا كان عالمًا بنلفع المتعلق بالإعتاق أم إذا لم يكن؟ م ع- وهذا لأن المولى ربما أعتقه بغير علمه.
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على إقدامه، ولكن تعلق الضرر بالعتق بسبب وجوب المؤن والنفقات مما يمنعه عن ذلك.
стр. 172
الجواب:
قوله: نفع العبد قصد بالإعتاق أم لم يقصد؟ قلنا: قصد، لأن العبد محتاج إليه، وهو يستحق النظر والكرامة، والشرع ورد به.
قوله: كل المقصود أم بعض المقصود؟ قلنا: كل المقصود الأصلي من يشرع الإعتاق، لنه يتصور العتق بدون اندفاع تملك الغير عنه.
أما أهلية حقوق الله مما ينفك العتق عنها، بدليل الطفل والمجنون- بخلاف المة والطلاق، فإنهي ضمن تحريم الفرج وضررها فوق ضرر العبد.
قوله: كما أن العبد ينتفع به، فالناس ينتفعون به- قلنا: بلى، ولكنه ينتفع بحصته، بخلاف الحدود، لنهم ينتفعون بها بطريق الانزجار.
قوله: بأن المولى ربما أعتقه بغير علمه- قلنا: لو كان العتق حاصلًا، لكان العبد عالمًا به ظاهرًا وغالبًا، لأن من أنعم على غيره، فالظاهر أنه يعلمه تطييبًا لقلبه وطلبًا للمدح والثناء.
قوله: تعلق العتق بالضرر يمنعه- قلنا: نفع الإعتاق يزيد على ضرره، بدليل أن كل عبد إذا خير بين الحرية والرق، يختار الحرية، فعلم أنه لا يقابله الضرر، فلا يمنعه من الدعوى.
والله أعلم.
стр. 173
٦٩ - مسألة: رجلان اشتريا عبدًا أو اتهبا عبدًا هو قريب أحدهما حتى عتق نصيبه، لا يضمن لشريكه نصيبه/، علم بذلك أو لم يعلم. وقالا: يضمن .
والوجه- أنه رضي بإفساد ملكه أو بإبطاله، فلا يجب الضمان، قياسًا على ما إذا قال لشريكه "أعتق".
وإنما قلنا ذلك -لأن الخلاف فيما إذا قال للشريك القريب، "اشتر هذا العبد معي" وهذا طلب شراء القريب، وشراء القريب يلازمه العتق، والعتق يلازم إفساد نصيبه، والرضا بالشيء رضا به وبلوازمه، والرضا بالضرر يخرجه من أن يكون ضررًا، فلو وجب الضمان، لا لدفع الضرر، يكون ضررًا، والشرع ينفي الضرر.
فإن قيل: قولكم بأنه رضي فإفساد ملكه- قلنا: لا نسلم، وبطلانه ظاهر من وجهين: أحدهما- أنه ضرر، والعاقل لا يرضى بالضرر. والثاني- أن بذل العوض في مقابلة العبد دليل تعلق المصلحة به، فلا يرضى إبطاله.
قوله: طلب الشراء- قلنا: طلب الشراء من حيث إنه تملك أو من حيث هو إعتاق؟ م ع. دل عليه أنه لو رضي به من حيث هو إعتاق وإفساد، لكان هذا شراء بشرط الإعتاق، وإنه فاسد، وحيث لم يفسد علم أن الرضى به لم يتعلق.
ولئن سلمنا أنه رضي به، ولكن مطلقًا أم بشرط الضمان؟ ع م. وهذا لأن الظاهر لا يرضى بالضرر المحضن، فكان رضاه مشروطًا بالضمان، فيجب الضمان.
ولئن سلمنا أنه رضي به مطلقًا، ولكن الرضا ينفي ضمان التملك أو ضمان
стр. 174
الاتلاف؟ ع م: بيانه- أن هذا ضمان تملك، بدليل أنه لا يتمكن من إفساد نصيب الغير وإبطاله إلا بالتملك، وإنه لا ينفي الضمان، كما إذا استولد أحدهما الجارية المشتركة برضا صاحبه: يجب الضمان- كذا هذا.
الجواب:
قوله: الظاهر من حال العاقل أنه لا يرضى بتلف ماله- قلنا: متى؟ إذا تعلق به نفع أم إذا لم يتعلق؟ ع م- وقد تعلق به نفع، وهوثبوت العتق على/ وجه يستفيد الثناء والثواب أو المال بسبب السعاية على بعض الروايات.
وبه خرج الجواب عن قوله: بذل العوض في مقابلته.
قوله: طلب الشراء من حيث هو تملك أو من حيث هو إعتاق- قلنا: من الوجهين جميعًا، لأنه طلب الشراء، وهذا الشراء له وصفان: التمليك والإعتاق، والرضا به يكون رضا بالوصفين جميعًا.
قوله: لو رضي به من حيث هو إعتاق، لكان شراء بشرط الإعتاق، فيفيد –قلنا: لا نسلم، فإن الشراء إنما يفيد باشتراط الإعتاق فيه، ولم يوجد منهما ذلك، بل وجد الرضا بموجب الشراء.
قوله: بأن الإعتاق بدون الضمان إضرار، والظاهر أنه لا يرضى به- قلنا: إنما لا يكون راضيًا به إذا لم يقابله نفع يعادله، وقد قابله على ما مر. على أن كونه عاقلًا، إن كان يمنع الرضا بدون الضمان، فكون القريب عاقلًا يمنع التزام الضمان.
قوله: بأن هذا ضمان تملك أو ضمان إفساد- قلنا: ضمان إفساد: أما على أصل أبي حنيفة، فلأن الإعتاق يتجزأ. وأما على أصلهما، وإن كان لا يتجزأ، ولكنه ليس يتملك أصلًا ومقصودًا بل ضمنا وضرورة، فلا يراعى فيه حكمه.
стр. 175
٧٠ - مسألة: المكاتب إذا مات عن وفاء، لا ينفسخ عقد الكتابة، بل يؤدي بدل الكتابة عنه، ويحكم بحريته وحرية أولاده وسلامة أكسابه . وعنده ينفسخ وتسلم الأولاد والأكساب للمولى.
والوجه فيه- أن عقد الكتابة صدر مطلقًا، غير مختص بزمان دون زمان، فوجب القول ببقائه، قياسًا على موت المولى.
وإنما قلنا ذلك- لأن الكلام فيما إذا لم يقيده بزمان، فوجب القول ببقائه، لن المصالح المتعلقة بالكتابة للمولى وللمكاتب، من حصول بدل الكتابة والولاء والثواب وحصول شرف الحرية وعتق الأولاد يمكن تحصيلها بعد الموت عن وفاء، فيبقى هـ/، تحصيلًا لها.
فإن قيل: قولكم بأن مصالح الكتابة يمكن تحصيلها بعد الموت- قلنا: لا نسلم، وبطلانه ظاهر، لن حاجة المولى الوصول إلى المال، وبفسخ الكتابة يكون المال أبلغ حصولًا، لأنه يسلم له أكسابه وأولاده، وذاك أوفر من بدل الكتابة، وحاجة المكاتب من الحرية التمكن من التصرفات وأهليته للولايات والهشادات، وهذه الحوائج تنتهي بالموت. أما عتق الأولاد فذلك من توابع الكتابة، فلا معول عليها.
وأما القياس على موت المولى- فالفرقظاهر، لأن المولى عاقد والمكاتب عاقد ومعقود عليه، وهلاك العاقد لا يخل ببقاء العقد، ولكن هلاك المعقود عليه يخل به، كموت البائع وهلاك المبيع. ولأن الحرية لو ثبتت: إما أن تثبت قبل الموت أو بعده: لا وجه للأول، لانعدام شرط الحرية وهو الأداء. ولا وجه للثاني، لانعدام الأهلية والمحلية أو لانعدام الفائدة، فلا تثبت.
الجواب:
أما قوله بأن حاجة المولى الوصول إلى المال وبفسخ الكتابة يكون المال أبلغ
стр. 176
حصولًا- قلنا: عقد الكتابة ما عقد للوصول إلى مطلق الحال، بل إلى بدل الكتابة والثناء والثواب، ولا حصول لهذه الأغراض إلا ببقاء عقد الكتابة.
قوله: حاجة المكاتب تنتهي بالموت- قلنا: لا نسلم، بل حاجته قائمة، لأن حاجته تحصيل آثار الحرية ومالكيته لاكتسابه على وجه يظهر في حق تجهيزه وقضاء ديونه وحرية أولاده ودعائهم له بعد موته.
قوله: بأن هلاك المعقود عليه يخل ببقاء العقد- قلنا: يخل ببقاء العقد لذاته أو لتعذر الوصول إلى مقاصد العقد؟ ع م. وهذا لأن الحكم المختص بالكتابة استحقاق الاكتساب والحرية، ويمكن إثبات الحرية في آخر جزء من أجزاء حياته. بخلاف هلال المبيع/ فإنه يمنع الوصول إلى المقصود المطلوب من العقد.
قوله: الحرية لو ثبتت إما أن تثبت قبل الموت أو بعده- قلنا: قبل الموت.
قوله: شرط الحرية الأداء ولم يوجد- قلنا: شرط الحرية الأداء على تقدير بقاء المكاتب. أما على تقدير موته [فـ] نقدره حيًا مؤديًا حكمًا، دفعًا للحاجة من الجانبين، كما في موت المولى فإنا نقدره معتقًا مع ما ذكرتم من الترديد.
٧١ - مسألة: بيع المدبر المطلق لا يجوز. وهو أن يقول لعبده: "دبرتك" أو يقول: "أنت حر بعد موتي ".
وأجمعوا على أن بيع المدبر المقيد يجوز، وهو أن يقول: "إذا مت من هذا المرض فأنت حر".
والوجه فيه- أن التدبير انعقد سببًا للحرية في الحال، فوجب الحجر عن البيع، قياسًا على الاستيلاد.
стр. 177
وإنما قلنا ذلك- لأن الحرية بعد الموت إنما تحصل به، ولا يمكن أن يكون سببًا بعد الموت، لعدم الأهلية، فتعين أن يكون سببًا في الحال، فوجب الحجر عن البيع، لن في البيع إبطال حق العبد، وإنه ضرر.
فإن قيل: قولكم بأن التدبير انعقد سببًا للحرية في الحال- قلنا: أيش تعني به؟ تعني به أنه يلزم من كلامه الحرية عند وجود الشرط، فهذا مسلم، ولكنه لا يمنع البيع –دل عليه أنه لو قال له: "إن دخلت الدار فأنت حر"، لا يمنع البيع قبل دخول الدار. وإن عنيت به أن هذا الكلام علة للحرية فممنوع- دل عليه أنه لو قال: "إن مت من مرضي هذا" لا يمنع البيع- كذا هذا.
ولئن سلمنا أنه انعقد سببًا، ولكن لم قلتم بأنه لا يمكن أن يكون سببًا بعد الموت؟ .
قوله: انعدمت الأهلية- قلنا: حقيقة أم حكمًا؟ م ع. وهذا لأن الشرع يقدره أهلًا عند وجود/ الشرط، كما إذا قال: "إن دخلت الدار فأنت حر" ثم جن ثم دخل الدار، يعتق- كذا هذا.
ولئن سلمنا أنه انعقد سببًا، ولكن مشروطًا بخيار الإبطال، لأنه في معنى الوصية، فيشترط فيه خيار الإبطال.
ولئن سلمنا أن الإبطال ممنوع- ولكن لم قلتم بأن البيع يبطل التدبير؟ وظاهر أنه لا يبطله حتى لو باعه ثم اشتراه يكون مدبرًا، وإذا مات يعتق من غير تدبير جديد.
الجواب:
عنينا بسبب الحرية كونه [محققًا لحالة] شرعية تقتضي ثبوت الحرية، كسائر الأسباب الشرعية- بخلاف قوله: "إن دخلت الدار فأنت حر"، لأن هناك
стр. 178
أخرنا الحكم عن السبب ضرورة. أما لا ضرورة ههنا. أو نقول ثمة: لم يثبت وصف السببية في الحال، بل منع من انعقاده سببًا. وبخلاف المدبر المقيد، لأنه تعذر جعله سببًا بعد الموت- لما مر، وتعذر جعله سببًا للحال، لنه تردد في جعله سببًا، لأنه ربما يموت من هذا المرض وربما لا يموت، أما ههنا بخلافه.
قوله: انعدمت الأهلية بعد الموت حقيقة أم حكمًا؟ - قلنا: حقيقة وحكمًا. أما حقيقة فظاهر. وأما حكمًا، ف لأنه لا يجري عليه أحكام الأحياء- بخلاف قوله: "إن دخلت الدار فأنت حر" ثم جن، لأن ثمة يمكن تقديره أهلًا ومعتقًا. ووجه الفرق أن هذا تصرف محتاج إليه عادة، فتكلفنا لتصحيحه.
قوله: هذا سبب مشروط بخيار الإبطال- قلنا: لا نسلم.
قوله: التدبير وصية- قلنا: لا نسلم، بل هو تمليك بعد الموت ولهذا لا ينعقد بلفظ الوصية، ولا يعتبر من الثلث، ولا يرد بالرد.
قوله: لم قلتم بأن التدبير يبطل بالبيع- قلنا: لأن السبب إنما ينعقد ليفضي إلى الحكم، إما قطعًا أو غالبًا. فإن باع فالظاهر أنه يبقى على ملك المشتري/ فيصير الحكم موهومًا غير غالب.
والله أعلم.
стр. 179
[٧]
كتاب الأيمان
٧٢ - [مسألة: ] إذا قال الرجل: "لله على أن أذبح ولدي أو أنحره"- يصح نذره ويخرج عن العهدة بذبح شاة .
وأجمعوا على أنه لو قال: "لله علي أن أقتل ولدي"- إنه لا يصح.
والوجه فيه- أن الناذر بذبح الولد مأمور بذبح الولد، فيلزمه ذبح الشاة بطريق الفداء، استدلالًا بقصة الخليل ﵇.
وإنما قلنا: إن الناذر بذبح الولد مأمور بذبح الولد لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ - أمر الله تعالى بالوفاء بالنذر مطلقًا، والوفاء ههنا بالنذر ذبح الولد. وإنما قلنا يلزمه ذبح الشاة، لأن الإتيان بعين المنذور به تعذر ههنا بالإجماع، فيجب الإتيان بالفداء وفاء بالنذر، بقدر الإمكان- كما ذكرنا في قصة الخليل ﵇.
فإن قيل: قولكم بأن الناذر بذبح الولد مأمور به -قلنا: أولًا- لا نسلم أنه ناذر، وإنما سميناه "ناذرًا" بطريق المجاز، لأن النذر تصرف إيجاب مضافًا إلى محل قابل، وإنه غير موجود ههنا.
стр. 180
ولئن سلمنا أنه نادر، ولكن لم قلتم بأنه مأمور بذبح الولد؟ .
وأما النص- قلنا: لا يتناوله، لأنه ورد في شأن الحج، فكان المراد منه ذبح الشاة والهدى لا ذبح الولد.
ولئن سلمنا أنه مأمور بذبح الولد- لكن لم قلتم بأنه يلزمه ذبح الشاة؟ .
قوله: تعذر الإتيان بعين المنذور- فيجب الإتيان بالفداء- قلنا: لا نسلم بأن الإتيان بالفداء يصلح أن يكون وفاء بالنذر بوجه من الوجوه.
وأما قصة الخليل- قلنا: لا نسلم بأنه أمر بذبح الولد. أو نقول: أمر بمقدمات الذبح، وقد أتى بها. أو نقول، لم قلتم بأن ذبح الشاة كان واجبًا بذلك الأمر؟ .
ولا نسلم أن الشاة تصلح فداء، ولأن ذبح الشاة ههنا: إما أن يجب بطريق الفداء أو لا بطريق الفداء.
إن قال بالثاني- فلا يصح الاستدلال بقضية الخليل. وإن/ قال بالأول، فلا يمكن، لن الفداء ما يتحمل مكروهًا متوجهًا على الغير بحيث لولاه لنزل به. وهذا يتصور في حق الخليل ﵇، أما لا يتصور في المتنازع فيه، وصار هذا كما إذا قال: لله علي أن أقتل ولدي أو أذبح عبدي- فغن لا يصح نذره- كذا هذا.
ثم هذا معارض بما روى البخاري وأبو داود في صحاحهما عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" وبما روى مسلم وأبو داود الصحيح عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما [لا] يملك العبد" مختصر من
следующие страницы →