← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 133415

طريقة الخلاف في الفقه بين الأئمة الأسلاف

العلاء الأسمندي

Полный текст (509 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

حصولًا- قلنا: عقد الكتابة ما عقد للوصول إلى مطلق الحال، بل إلى بدل الكتابة والثناء والثواب، ولا حصول لهذه الأغراض إلا ببقاء عقد الكتابة. قوله: حاجة المكاتب تنتهي بالموت- قلنا: لا نسلم، بل حاجته قائمة، لأن حاجته تحصيل آثار الحرية ومالكيته لاكتسابه على وجه يظهر في حق تجهيزه وقضاء ديونه وحرية أولاده ودعائهم له بعد موته. قوله: بأن هلاك المعقود عليه يخل ببقاء العقد- قلنا: يخل ببقاء العقد لذاته أو لتعذر الوصول إلى مقاصد العقد؟ ع م. وهذا لأن الحكم المختص بالكتابة استحقاق الاكتساب والحرية، ويمكن إثبات الحرية في آخر جزء من أجزاء حياته. بخلاف هلال المبيع/ فإنه يمنع الوصول إلى المقصود المطلوب من العقد. قوله: الحرية لو ثبتت إما أن تثبت قبل الموت أو بعده- قلنا: قبل الموت. قوله: شرط الحرية الأداء ولم يوجد- قلنا: شرط الحرية الأداء على تقدير بقاء المكاتب. أما على تقدير موته [فـ] نقدره حيًا مؤديًا حكمًا، دفعًا للحاجة من الجانبين، كما في موت المولى فإنا نقدره معتقًا مع ما ذكرتم من الترديد. ٧١ - مسألة: بيع المدبر المطلق لا يجوز. وهو أن يقول لعبده: "دبرتك" أو يقول: "أنت حر بعد موتي ". وأجمعوا على أن بيع المدبر المقيد يجوز، وهو أن يقول: "إذا مت من هذا المرض فأنت حر". والوجه فيه- أن التدبير انعقد سببًا للحرية في الحال، فوجب الحجر عن البيع، قياسًا على الاستيلاد.

стр. 177

وإنما قلنا ذلك- لأن الحرية بعد الموت إنما تحصل به، ولا يمكن أن يكون سببًا بعد الموت، لعدم الأهلية، فتعين أن يكون سببًا في الحال، فوجب الحجر عن البيع، لن في البيع إبطال حق العبد، وإنه ضرر. فإن قيل: قولكم بأن التدبير انعقد سببًا للحرية في الحال- قلنا: أيش تعني به؟ تعني به أنه يلزم من كلامه الحرية عند وجود الشرط، فهذا مسلم، ولكنه لا يمنع البيع –دل عليه أنه لو قال له: "إن دخلت الدار فأنت حر"، لا يمنع البيع قبل دخول الدار. وإن عنيت به أن هذا الكلام علة للحرية فممنوع- دل عليه أنه لو قال: "إن مت من مرضي هذا" لا يمنع البيع- كذا هذا. ولئن سلمنا أنه انعقد سببًا، ولكن لم قلتم بأنه لا يمكن أن يكون سببًا بعد الموت؟ . قوله: انعدمت الأهلية- قلنا: حقيقة أم حكمًا؟ م ع. وهذا لأن الشرع يقدره أهلًا عند وجود/ الشرط، كما إذا قال: "إن دخلت الدار فأنت حر" ثم جن ثم دخل الدار، يعتق- كذا هذا. ولئن سلمنا أنه انعقد سببًا، ولكن مشروطًا بخيار الإبطال، لأنه في معنى الوصية، فيشترط فيه خيار الإبطال. ولئن سلمنا أن الإبطال ممنوع- ولكن لم قلتم بأن البيع يبطل التدبير؟ وظاهر أنه لا يبطله حتى لو باعه ثم اشتراه يكون مدبرًا، وإذا مات يعتق من غير تدبير جديد. الجواب: عنينا بسبب الحرية كونه [محققًا لحالة] شرعية تقتضي ثبوت الحرية، كسائر الأسباب الشرعية- بخلاف قوله: "إن دخلت الدار فأنت حر"، لأن هناك

стр. 178

أخرنا الحكم عن السبب ضرورة. أما لا ضرورة ههنا. أو نقول ثمة: لم يثبت وصف السببية في الحال، بل منع من انعقاده سببًا. وبخلاف المدبر المقيد، لأنه تعذر جعله سببًا بعد الموت- لما مر، وتعذر جعله سببًا للحال، لنه تردد في جعله سببًا، لأنه ربما يموت من هذا المرض وربما لا يموت، أما ههنا بخلافه. قوله: انعدمت الأهلية بعد الموت حقيقة أم حكمًا؟ - قلنا: حقيقة وحكمًا. أما حقيقة فظاهر. وأما حكمًا، ف لأنه لا يجري عليه أحكام الأحياء- بخلاف قوله: "إن دخلت الدار فأنت حر" ثم جن، لأن ثمة يمكن تقديره أهلًا ومعتقًا. ووجه الفرق أن هذا تصرف محتاج إليه عادة، فتكلفنا لتصحيحه. قوله: هذا سبب مشروط بخيار الإبطال- قلنا: لا نسلم. قوله: التدبير وصية- قلنا: لا نسلم، بل هو تمليك بعد الموت ولهذا لا ينعقد بلفظ الوصية، ولا يعتبر من الثلث، ولا يرد بالرد. قوله: لم قلتم بأن التدبير يبطل بالبيع- قلنا: لأن السبب إنما ينعقد ليفضي إلى الحكم، إما قطعًا أو غالبًا. فإن باع فالظاهر أنه يبقى على ملك المشتري/ فيصير الحكم موهومًا غير غالب. والله أعلم.

стр. 179

[٧] كتاب الأيمان ٧٢ - [مسألة: ] إذا قال الرجل: "لله على أن أذبح ولدي أو أنحره"- يصح نذره ويخرج عن العهدة بذبح شاة . وأجمعوا على أنه لو قال: "لله علي أن أقتل ولدي"- إنه لا يصح. والوجه فيه- أن الناذر بذبح الولد مأمور بذبح الولد، فيلزمه ذبح الشاة بطريق الفداء، استدلالًا بقصة الخليل ﵇. وإنما قلنا: إن الناذر بذبح الولد مأمور بذبح الولد لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ - أمر الله تعالى بالوفاء بالنذر مطلقًا، والوفاء ههنا بالنذر ذبح الولد. وإنما قلنا يلزمه ذبح الشاة، لأن الإتيان بعين المنذور به تعذر ههنا بالإجماع، فيجب الإتيان بالفداء وفاء بالنذر، بقدر الإمكان- كما ذكرنا في قصة الخليل ﵇. فإن قيل: قولكم بأن الناذر بذبح الولد مأمور به -قلنا: أولًا- لا نسلم أنه ناذر، وإنما سميناه "ناذرًا" بطريق المجاز، لأن النذر تصرف إيجاب مضافًا إلى محل قابل، وإنه غير موجود ههنا.

стр. 180

ولئن سلمنا أنه نادر، ولكن لم قلتم بأنه مأمور بذبح الولد؟ . وأما النص- قلنا: لا يتناوله، لأنه ورد في شأن الحج، فكان المراد منه ذبح الشاة والهدى لا ذبح الولد. ولئن سلمنا أنه مأمور بذبح الولد- لكن لم قلتم بأنه يلزمه ذبح الشاة؟ . قوله: تعذر الإتيان بعين المنذور- فيجب الإتيان بالفداء- قلنا: لا نسلم بأن الإتيان بالفداء يصلح أن يكون وفاء بالنذر بوجه من الوجوه. وأما قصة الخليل- قلنا: لا نسلم بأنه أمر بذبح الولد. أو نقول: أمر بمقدمات الذبح، وقد أتى بها. أو نقول، لم قلتم بأن ذبح الشاة كان واجبًا بذلك الأمر؟ . ولا نسلم أن الشاة تصلح فداء، ولأن ذبح الشاة ههنا: إما أن يجب بطريق الفداء أو لا بطريق الفداء. إن قال بالثاني- فلا يصح الاستدلال بقضية الخليل. وإن/ قال بالأول، فلا يمكن، لن الفداء ما يتحمل مكروهًا متوجهًا على الغير بحيث لولاه لنزل به. وهذا يتصور في حق الخليل ﵇، أما لا يتصور في المتنازع فيه، وصار هذا كما إذا قال: لله علي أن أقتل ولدي أو أذبح عبدي- فغن لا يصح نذره- كذا هذا. ثم هذا معارض بما روى البخاري وأبو داود في صحاحهما عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" وبما روى مسلم وأبو داود الصحيح عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما [لا] يملك العبد" مختصر من

стр. 181

حديث طويل. الجواب: الدليل على أن هذا نذر حقيقة أن هذه الصيغة إذا أضيفت إلى الشاة كانت نذرًا، والمعصية لا تخرجه من أن يكون نذرًا، لأنه سمي "نذرًا" في الحديث، والأصل هو الحقيقة. قوله: الآية نزلت في حق الحاج- قلنا: إذا ثبت هذا الحكم في حق الحاج، يثبت في حق غيره، بنتيجة الإجماع. قوله: إن كان مأمورًا بذبح الولد لم يلزمه ذبح الشاة- قلنا: توفيرًا لأحد موجبي الأمر. قوله: لم قلتم بأنه يصلح موجبًا- قلنا: استدلالًا بقصة الخليل. قوله: لم قلتم بأن الخليل أمر بذلك- قلنا: لقوله: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، أي ما أنت مأمور به في الحال. قوله: أمر بمقدمات الذبح- قلنا: لا نسلم، بل الذبح بدليل سياق الآية. قوله: لم قلتم: إن ذبح الشاة كان واجبًا بذلك الأمر- قلنا: لأن الله سماه

стр. 182

فداء. قوله: لم قلتم بأنه يصلح فداء- قلنا: لأن تسميته، [و] قد أعقبت الأمر بذبح الولد، يدل على التصور والصلاحية. قوله: أوجبتم ذبح الشاة بطريق الفداء أم بطريق الابتداء؟ قلنا: بطريق الفداء، لأنا نوجب بواسطة إيجاب الله/ تعالى، لأنه أمر بالوفاء بالنذر، فكان المر متناولًا لذبح الولد، فكان بحال لولا وجوب ذبح الشاة، لوجب ذبح الولد. وأما قوله: "لله علي أن أقتل ولدي"- قلنا: هذه اللفظة لا تستعمل في القربات التي يصح التزامها بالنذر، حتى لو قال: "لله علي أن أقتل شاتي" لا يصح النذر، والنذر بذبح العبد خص عن قضية النص، فلا يدل على التخصيص ههنا. وأما الحديث الأول- قلنا: نقول بموجبه: إنه لا يعصي الله بذبح الولد. وأما الحديث الثاني أيضًا- قلنا: بموجبه، لأنه لا وفاء حينئذ بذبح الشاة، إنما الوفاء بذبح الولد، وذلك المنفي بالحديث. والله أعلم. ٧٣ - مسألة: اليمين الغموس لا توجب الكفارة . والوجه فيه- أن هذه جناية مكفرة بالتوبة، فلا تجب كفارة أخرى، قياسًا على سائر الجنايات.

стр. 183

وإنما قلنا إنها مكفرة بالتوبة بالنصوص، نحو قوله تعالى: ﴿وتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ – الآية وقوله ﵇: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" وقوله: "التوبة تمحو الحوبة"، فلا تجب الكفارة، لأن الدليل ينفي إيجاب الكفارة لكونه ضررًا، إلا أنا خالفناه في بعض الصور ولا نخالفه ههنا. فإن قيل: قولكم بأن هذه جناية مكفرة بالتوبة- قلنا: لا نسلم. وأما النصوص- قلنا: خص منها اليمين المنعقدة، وهي مثل هذه الجناية في كونه هتكًا لحرمة اسم الله، فالتخصيص ثم تخصيص ههنا. ولئن سلمنا أنها مكفرة بالتوبة- ولكن لم قلتم بأنه لا يجب الإعتاق؟ . قوله: لأنه ضرر- قلنا: متى يكون ضررًا: إذا قابله نفع أم إذا لم يقابله؟ ع م- وهذا لأن العقلاء لا يطلقون اسم الضرر على الزراعة والحجامة وغيرها لما قابلها من النفع، فكذا الإعتاق: قابله نفع، وهو الثواب، فلا يكون ضررًا. ولئن سلمنا أنه ضرر ولكن لم قلتم بأنه لا يجب؟ أما الحديث- قلنا: قوله ﵇: "لا ضرر" لا يخلو: / إما أن ينفي وجوب الإعتاق أو لا ينفي: فإن كان لا ينفي لا يصح التمسك به. وإن قلتم ينفي، فلا يصح أيضًا، لأنكم ما منعتم وجوب الإعتاق ههنا ابتداء بل بناء على كونه ضررًا وحرامًا، ولم تثبت الحرمة لأن الإعتاق لا يتصور إلا مباحًا أو مندوبًا إليه، ولو أعتق في المتنازع لا يأثم.

стр. 184

ثم هذا معارض بقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ثم فسر الكسب بقوله: ﴿ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ﴾ – الآية. الجواب: قوله بأن النصوص خص منها اليمين المنعقد- قلنا: لا نسلم بأن التخصص ثمة تخصيص ههنا ولا نسلم بأن هذه الجناية مثل تلك الجناية. بيانه- أن تلك الجناية هتك حرمة اسم الله تعالى وترك التعظيم بترك البر، وهذه الجناية ترويج الكذب بذكر الله على وجه التعظيم، لأنه غير مستخف، لأنه لو كان مستخفًا لما كفر، حيث حلف باللات والعزى كاذبًا، وإنه يكفر بالإجماع. قوله: هذه الجناية إن كانت مكفرة لم لا يجب الإعتاق؟ قلنا: لما ذكرنا أنه ضرر، والدليل ينفيه. والدليل على أنه إضرار أنه إزالة الملك وتفويت المنافع.

стр. 185

قوله: متى يكون ضررًا- إذا قابله نفع أم لا؟ قلنا: هذا من باب المعارضة. قوله: قابله نفع الثواب- قلنا: بلى، إذا فعله باختياره ورضاه، ولا كلام فيه، وإنما الكلام في الإيجاب عليه جبرًا من غير رضاه. وأما قوله بأن الإعتاق ليس بحرام- قلنا: الإعتاق جبرًا أم برضاه؟ ع م. وهذا لأنه إذا أعتق باختياره ورضاه لا يكون ولا ضررًا ولا كلام فيه، ولكن الإعتاق بغير رضاه جبرًا لا يكون إلا حرامًا، ولهذا لو أكرهه على عتق عبده يجب عليه الضمان. وأما الآية- قلنا: لا نسلم بأن المؤاخذة في هذه الآية مفسرة بالكفارة، بل تلك آية أخرى، وهذه أخرى في حالة أخرى، فلا يصح التمسك بها. ٧٤ - مسألة: التكفير قبل الحنث لا يجوز . والوجه/ فيه- أن التصرف الواقع قبل الحنث، لم يقع تكفيرًا، فلا يعتد به، في إسقاط الأمر الوارد بالتكفير، قياسًا على التكفير قبل اليمين. وإنما قلنا ذلك- لأن وقوع التصرف تكفيرًا يقف على وجود الذنب، لأن الكفارة شرعت لرفع الذنب، لأن الكفر في اللغة هو الستر، وستر الذنب يقتضي قيام الذنب ضرورة، ولا ذنب ههنا، لأن الموجود ليس إلا اليمين، واليمين ليست بذنب، لأنه مباح بالإجماع. قوله: لأن وقوعه تكفيرًا يقف على وجود الذنب- قلنا: لا نسلم. فإن قيل: قولكم بأن التصرف الواقع الحنث لم يقع تكفيرًا- قلنا: لا نسلم.

стр. 186

قوله: لأن الكفر هو الستر والكفارة ستر الذنب- قلنا: لا نسلم بأن يتصور ستر الذنب. ولئن سلمنا أنها شرعت لستر الذنب، لكن لم قلتم بأنه لا ذنب ههنا؟ قوله: لأن الموجود منه يمين، وإنه مباح- قلنا: لا نسلم. وهذا لأن الهتك حرام، واليمين سبب للهتك، والتعرض، للهتك حرام. أو نقول: وجد منه قصد الحنث، بدليل إقدامه على الإعتاق، لصد هتك حرمة اسم الله حرام وذنب. ولئن سلمنا أنه لم يوجد ذنب الحنثفي الحال، ولكن لا شك أنه يوجد عند الحنث، فيكون مستندًا إلى وقت وجود اليمين، فيستند التكفير أيضًا. ولأن الأصل في قاعدة الشرع أن أداء الحكم بعد وجود سببه يجوز، كأداة الزكاة بعد النصاب قبل الحول، وأداء العشر قبل انعقاد الحبة، وقد وجد السبب ههنا، وهو اليمين، بدليل اشتراط الأهلية حال اليمين، لا حال الحنب. ثم هذا معارض بما روى عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها. وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير" متفق على صحته- رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن عيسى والنسائي وابن ماجه/.

стр. 187

ولا يقال بأنه معارض بما روى أبو موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هي خير وتحللتها" من حديث طويل أورده البخاري ومسلم- لأنا نقول: [أولًا] هذا الحديث حجة عليكم، لا علينا، لن توارد هذين الحديثين يدل على جواز التكفير قبل الحنث وبعده، ونحن نقول به، وأنت لا تقولون إلا بالجواز بعده. والجواب الثاني- أن الحديث الثاني ذكر بحرف الواو، والواو للجمع المطلق وإنه لا يقتضي الترتيب، كما يقال "جاءني زيد وعمرو". وأما الحديث الأول ذكرهبحرف الفاء، وإنه للتعقبي، فلا يحتمل التأخير، فكان الثاني محمولًا على الأول. والله أعلم الجواب: قوله: لم قلتم بأنستر الذنب متصور- قلنا: لقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي يسترها، ولأنستر الذنب محو أثره ورفع حكمه. قوله: لم قلتم بأن اليمين ليس بذنب- قلنا: لقوله ﵇: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت". قوله بأن اليمين تعريض لاسم الله تعالى للهتك- قلنا: لا نسلم، بل الظاهر من حال المسلم أن لا يقصد هتك اسم الله تعالى.

стр. 188

قوله: لم قلتم بأن ذنب الحال لم يوجد مستندًا- قلنا: لأن هذا الذنب غير موجود في الحال، وطريق الاستناد خلاف الأصل. وأما تعجيل الزكاة: [فـ] إنما جاز لوجود محل الواجب، وسبب الوجوب ملك النصاب، ولا نسلم بأن اليمين سبب بل هو ذكر الله تعالى، أو سبب عند الحنث لا قبله. وأما الحديث فمعارض بما روى من الحديث الثاني. على أن ما ذكرناه مؤيد بالقياس على سائر الجنايات من الحدود والقصاص والظهار والإطار. ٧٥ - مسألة: إذا أعتق رقبة كافرة عن كفارة اليمين أو الظهار يجزئه . والوجه- أن المأمور به/ تحرير رقبة مطلقًا، وقد أتى به فيخرج عن العهدة. وإنما قلنا ذلك- لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وإنه مطلق، لأن الرقبة المطلقة اسم لذات مملوك مرقوق من كل وجه، والرقبة الكافرة ذات مرقوق مملوك من كل وجه، لأن كمال الذات بكمال الأجزاء، والكفر لا ينافيه، فثبت أن المأمور به تحرير رقبة مطلقًا، وقد أتى به، لنه أتى بصيغة التحرير، قاصدًا به إثبات الحرية بجهة التكفير، فخرج عن العهدة.

стр. 189

فإن قيل: قولكم بأن المأمور به تحرير رقبة مطلقًا- قلنا: لا نسلم بأنه مطلق. بيانه- وهو أنه تقيد بوصف السلامة عن العمى والشلل، مع أن العمياء والشلاء رقبة مطلقًا. ولئن سلمنا أنه مطلق ههنا، ولكن تقيد بقيد الإيمان، لقوله تعالى في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ والمطلق يحمل على المقيد. ولئن سلمنا أنه مطلق ولكن أتى بالتحرير من كل وجه أم من وجه دون وجه؟ ع م- وهذا لن التحرير بإزالة الرق، والرق بعد الإعتاق ههنا قائم من وجه، لن سببه قائم، وهو الكفر. ولئن سلمنا أنه أتى بالتحرير من كل وجه، ولكن هذه رقبة قائمة من كل وجه أم من وجه دون وجه؟ ع م- وهذا لأن الكافر قائم من وجه هالك من وجه، لقوله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ أي كافرًا، ولأنه لا ينتفع به من كل وجه، وهو استعماله في التصرفات الشرعية والحسية، لنفر الطبع عن صحبته. ولئن سلمنا أن يجوز من كل وجه، ولكن تحرير هو حسنة من كل وجه أم حسنة من وجه سيئة من وجه؟ ع م. وهذا لأنه أعانه على الكفر بقوة العتق، فكان سيئة

стр. 190

من وجه لا يقع كفارة، لأن تكفير السيئات بالحسنات- قال الله تعالى: ﴿إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. الجواب: قوله: لم قلتم بأن المأمور به تحرير رقبة مطلق- قلنا: لأن المعنى من المطلق ما/ يكون متعرضًا للذات دون الصفات، وإنه كذلك ههنا. قوله: تقيد بوصف السلامة عن العمى والشلل- قلنا: لا نسلم بأنه مطلق وبيان أنه ليس مطلقًا ما ذكرنا أن المطلق بكمال الذات ولم يوجد. قوله: المطلق يحمل على المقيد- قلنا: لا نسلم، بل يعمل بكل واحد منهما على حدة، لاستقلاله بنفسه. قوله: بأن الرق من وجه قائم لقيام الكفر- قلنا: ليس مطلق الكفر سببًا للرق، بل الكفر الموجه للشر نجونا ولم يوجد. قوله: هذه رقبة قائمة من كل وجه أم من وجه؟ قلنا: من كل وجه لكمال الذات والصورة على ما مر. قوله: الكافر هالك من وجه- قلنا: لا نسلم. وأما النص- قلنا: المراد ثمة الهلاك في حق أحكام الآخرة، فلا يخل بكمال الذات في حق أحكام الدنيا. قوله: إنه غير منتفع به- قلنا: لا نسلم بل ينتفع به، لأن المنفعة المطلوبة من الآدمي كونه ممكنًا من التوحيد والجري على موجب التكاليف والاستعداد لأمور الدنيا، وإنه موجود فيه.

стр. 191

قوله: ينفر طبعه عنه- قلنا: لا ينفر الطبع عنه بجهة الاستخدام، لأن فيه إذلاله وإهانته. قوله: هذا تحرير هو حسنة من وجه سيئة من وجه- قلنا: النص لا يتعرض لذلك، على أن هذا حسنة من كل وجه، لأنه تخليص العبد عن الرق وتمكينه من إقامة الفرائض والطاعات. قوله: بأنه إعانة على الكفر- قلنا: الكفر والمعصية لا يحصل بالتمكين، بل هو فعل اختياري لا يتعلق بالرق هـ والعتق. والله أعلم. ٧٦ - مسألة: إذا أعتق المكاتب عن كفارة يمينه يجزئه . والوجه فيه- أنه أعتق رقبة مطلقًا بنية التكفير، فيخرج عن العهدة، قياسًا على ما إذا أعتق القِنَّ. وإنما قلنا ذلك- لأنه أتى بصيغة الإعتاق، قاصدًا به الإعتاق، بجهة التكفير. وإنما قلنا إنه رقبة مطلقًا- وذلك لأن الكتابة لا تخلو: إما أن تكون مانعة وقوع/ التصرف تحريرًا أو لم تكن مانعة. فغن لم تكن مانعة، أمكن القول بوقوعه تحريزًا مطلقًا. وإن كانت مانعة، أمكن القول بوقوعه تحريرًا أيضًا بواسطة فسخ الكتابة، لأنها قابلة للفسخ، بدليل أنها لو تفاسخا أو عجز المكاتب نفسه، تفسخ الكتابة.

стр. 192

والإقدام على التحرير، دلالة قصد الفسخ، فيثبت الفسخ هـ مقتضى لتصحيح تصرفه، فيصادف التحرير الرقبة القن، فيقع تكفيرًا. فإن قيل: قولكم بأنه أعتق رقبة- قلنا: لا نسلم. قوله: أتى بصيغة الإعتاق- قلنا: لا نسلم بأنها صيغة الإعتاق فحسب، بل هي صيغة الإخبار عن العتق أو الإبراء عن بدل الكتابة. ولئن سلمنا أنه قصد التحرير، ولكن لم قلتم بأنه أمكن جعله تحريرًا؟ قوله: الكتابة قابلة للفسخ- قلنا: مطلقًا أم بطريق الضرورة؟ ع م- وهذا لأنها تقبل الفسخ ضرورة العجز عن أداء بدل الكتابة. أما من غير ضرورة فلا، ولا ضرورة ههنا. ولئن سلمنا أنها قابلة للفسخ، ولكن لحاجة المكاتب أم لحاجة المولى؟ م ع وهذا لأن المعتبر في الكتابة حاجة المكاتب، وحاجة التكفير حاجة المولى. ولئن سلمنا أنها قابلة للفسخ وأنه قصد الفسخ ولكن لم قلتم بأنه أمكن فسخ الكتابة بطريق الاقتضاء، وبطلانه ظاهر، لأن أصل تصرفه صحيح، فلا يعتبر الاقتضاء لوصف التصرف. والدليل على أن الكتابة لم تنفسخ- أن العتق يثبت بجهة الكتابة، لأنه يسلم الأولاد والأكساب للمكاتب، ولأنه غير منتفع به فلا يجوز إعتاقه بجهة التكفير، وصار كما إذا أدى بعض بدل الكتابة أو ولد المكاتب. الجواب: قوله: هذه صيغة الإخبار- قلنا: لا نسلم، بل هي صيغة الإنشاء، على ما عرف.

стр. 193

قوله: الكتابة قابلة للفسخ مطلقًا أم بطريق الضرورة- قلنا: مطلقًا لما ذكرنا. قوله: المعتبر حاجة المكاتب لا حاجة المولى- قلنا: المعتبر حاجتهما، وقد وجدت، لأن غرض العبد إذا حصل من غير بدل لا شك أن يكون راضيًا به. أما قوله: أصل التصرف صحيح، فلا يعتبر الاقتضاء لوصف التصرف- قلنا: لا نسلم، بل يعتبر لهما جميعًا، لأن الضرورة الداعية توجد فيهما. وأما سلامة الأولاد والأكساب- قلنا: انفساخ الكتابة في المكاتب ثبت ضرورة صحة التكفير، فلا يظهر في حق الأولاد والأكساب. قوله: إنه غير منتفع به- قلنا: عنه جوابان- أحدهما: أن النص مطلق لم يعتبر الانتفاع. والثاني: لا نسلم أنه غير منتفع به، بل هو منتفع به بذاته، فبالتوسل إلى بدله. وأما إذا أدى بعض بدل الكتابة-[فـ] يجوز على إحدى الروايتين، فيمنع. ٧٧ - مسألة: إذا اشترى أباه عن كفارة إفطاره بجزئه . والوجه فيه- أنه وجد منه الإعتاق بجهة التكفير، لأن مشتري الأب معتقه، لقوله ﵇: "لن يجزي ولد والده إلا أن/ يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه"- فهذا يقتضي تصور كونه معتقًا، وبالشراء يصير معتقًا، لأنه لا يتصور الإعتاق بعد الشراء. فإن قيل: قولكم بأن مشتري الأب معتقه- قلنا: من كل وجه أم من وجه دون وجه؟ ع م- وهذا لأن الأب ليس بمملوك للابن على الإطلاق، فلا يكون هذا إعتاقًا من كل وجه، فلا يجزئه- نظيره مسح الأذنين لا ينوب عن مسح الرأس، وإن كان

стр. 194

مسحًا من وجه بالحديث، والتوجه إلى الحطيم في الصلاة لا يجوز، وإن كان توجهًا إلى الكعبة من وجه بالحديث. ولئن سلمنا أنه إعتاق من كل وجه، ولكنه إعتاق بعوض، فلا يجوز عن الكفارة، كالإعتاق على مال. ولئن سلمنا أنه إعتاق بغير عوض، ولكنه إعتاق مستحق بجهة الصلة، فلا يجزئه، كما إذا قال لعبد للغير: "إن اشتريتك فأنت حر" فاشتراه، ناويًا عن الكفارة. الجواب: قوله: إعتاق من كل وجه أم من وجه؟ . قلنا: من كل وجه، لأن النبي ﷺ سماه "معتقًا" مطلقًا، بخلاف مسح الأذنين والتوجه إلى الحطيم لأ [ن] محل الفعل المأمور به ثم لم يوجد قطعًا، حتى لو كان المحل موجودًا قطعًا وشك في الإصابة، يخرج عن العهدة- كذا هذا. قوله: هذا إعتاق بعوض- قلنا: نعم، ولكن العوض هوا لثواب والصلة، وذلك لا يخل بالقربة، بخلاف العوض على مال فإنه يخل بالثواب والقربة.

стр. 195

قوله: إعتاق مستحق- قلنا: لا نسلم، وبطلانه ظاهر، لأنه لم يجب عليه شراؤه وإعتاقه بالإجماع، والنص مطلق فيتناوله. ٧٨ - مسألة: إذا قال الرجل لغيره: "أعتق عبدك عني على ألف درهم" فقال: "أعتقت" يقع العتق عن الأمر، حتى يكون الولاء له وتسقط عنه الكفارة إذا نوى به التكفير، وتلزمه الألف ./ وعنده تقع عن المأمور، حتى يكون الولاء ولا تسقط الكفارة عن الآمر ولا تلزمه الألف. والوجه فيه- أن المأمور قصد إثبات الملك له بالألف، وأمكن ذلك فيثبت د للحاجة لهما. وإنما قلنا ذلك- لأن قوله: "أعتقته عنك" يدل على القصد إلى الإعتاق عنه بوصفه، ولا يمكن ذلك إلا بثبوت الملك له. فكان دليلًا على القصد إلى إثبات الملك بهذه الواسطة ضرورة، إذ القصد لشيء قصد لما لا يتصور حصوله بدونه، وقد أمكن إثبات الملك للآمر في هذا المحل في الجملة، فيثبت ههنا قبل العتق، صيانة لتصرفهما عن اللغو. فإن قيل: قولكم بأن المأمور قصد إثبات الملك له بالألف- قلنا: لا نسلم. وهذا لأن قوله: "أعتقته عنك بالألف" في جواب قوله "أعتقه عني بالألف" يكون الإعتاق مقابلًا بألف، لا الملك. وإثبات الملك غير مقابل بالألف يكون إعراضًا عن تصرفه. ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أن الملك يثبت له، ولكن ههنا دليل آخر يأتي ذلك. بيانه- وهو أن الملك لو ثبت ههنا، ثبت بطريق الاقتضاء، ولا يثبت الملك بطريق الاقتضاء، لأن الملك شرط أصلي، والشرط الأصلي لا تثبت بطريق الاقتضاء، كالأهلية.

стр. 196

والدليل على صحة ما ذكرناه أنه لو قال له "بع هذا العبد مني بألف درهم وأعتقه عني" فقال المأمور "بعت وأعتقت" لا يقع العتق عن الآمر. ولو قال "أعتقه على ألف" فقال "أعتقت" يقع عن المأمور، وإن أمكن إدراج قوله "عني". ولو قال: "كاتب عبدك عني على ألف" فقال: "كاتبت" لا يقع عن الآمر. الجواب: قوله: الإعتاق مقابل بالألف لا الملك- قلنا: الألف المذكور مقابل بالملك، لا بالعتق، لأن طالبٌ للملك بطريق الضرورة، فيثبت الملك ضرورة ثبوت العتق. قوله: الملك شرط أصلي/ للإعتاق، فلا يثبت بطريق الاقتضاء- قلنا: كون المحل ملكًا شرط أصلي، وقد وجد. أما كونه ملكًا له، [فـ] ليس بشرط أصلي، على ما عرف. وأما إذا قال: "بع هذا العبد مني وأعتقه عني" إنما لا يقع العتق عن الآمر لأنه لم يوجد منه قبول الملك، حتى لو قال: "اشتريت" يقع عنه. وفي المتنازع فيه- يحمل طلبه وتصحيحه على هذا الوجه. وأما الثانية- قلنا: ذاك من باب الإدراج، وتصحيح التصرف بطريق الإدراج ليس بواجب. وأما الثالثة- قلنا: هناك وجب صرف المال إلى الكتابة، لأن الكتابة بلا مال لا تتصور، فيبقى ملك الرقبة بلا ع وض، فلا يصح- أما ههنا بخلافه.

стр. 197

[٨] كتاب الحدود ٧٩ - [مسألة]: الإسلام من شرائط الإحصان . وصورته- ذمي ثبت زنا [هـ] يجلد ولا يرجم. وعنده يرجم. والوجه فيه- أن جناية الكافر في الزنا لا تساوي جناية المسلم في كونه قبيحًا، فلا يساويها في العقوبة. وإنما قلنا ذلك- لأن زنا الكافر وإن ساوى زنا المسلم في سائر المقابح، ولكن لا يساويه من حيث كفران النعمة، فإن زنا المسلم فيه كفران النعمة: نعمة الإسلام، فلا يساويه في العقوبة، لأن العقوبة بقدر الجناية عرفًا وشرعًا. فإن قيل: قولكم بأن زنا المسلم كفران نعمة الإسلام- قلنا: لا نسلم بل الكفران ترك الشكر، والزنا جناية أخرى، مع الإتيان بالشكر. ولئن سلمنا أن الزنا كفران، ولكن أثره في تعدد الجناية، فيكون نفس الزنا جناية وله موجب، والكفران جناية أخرى، فانعدام إحدى الجنايتين لا يمنع عقوبة الأخرى. ولئن سلمنا أنه لا يساويه، ولكن لم لا يجب الرجم؟ قوله: تفاوت الجناية يوجب تفاوت العقوبة- قلنا: نعم، ولكن هذا التفاوت لا يعتبر في إيجاب الرجم. بيانه- هو [أن] الموجب للرجم كون الزنا قبيحًا من حيث إنه/ إفساد للفراش وإضاعة للنسل، والكفران لا يؤثر في هذا الباب- دل عليه أن زنا البكر الكافر يساوي زنا البكر المسلم في إيجاب الجلد.

стр. 198

ولئن سلمنا أنه لم يوجد منه قبح الكفران، ولكن وجد قبح الكفر، فتعارضا. ثم هذا معارض بما روى عبد الله بن عمر أنه قال: إن اليهود جاؤوا على رسول الله ﷺ فذكروا له أن امرأة منهم ورجلًا زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: "نفضحهم ويجلدون" فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها- فقال له عبد السلام بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم- فقال: صدق يا محمد- فأمر بهما النبي ﷺ فرجما- قال: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة" متفق على صحته. وروى عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : خذوا عني، خذوا عني، خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر: جلد مائة ونفي سنة. والثيب بالثيب جلد مائة والرجم مطلقًا- رواه مسلم وأبو داود. الجواب: قوله: لم قلتم بأن الزنا كفران النعمة- قلنا: لأن المعني من الكفران الجناية في حق المنعم. وهكذا هو في العرف. قوله: الزنا جناية والكفران جناية أخرى- قلنا: نعم، ولكن هذا الزنا موصوف بغلظ الجناية- على ما بينا.

стр. 199

وأما زنا البكر - قلنا: الشرع هناك حط عن المسلم بعض العقوبة تفضلا، وذلك يجوز. أما زيادة العقوبة من غير استحقاقها، [فـ] لا يجوز عقلا وشرعا. وأما قبح الكفر - قلنا: ليس كل قبح يؤثر في إيجاب الرجم، بخلاف ما ذكرناه. وأما الحديث الأول/-[فـ] معارض بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. . . .﴾ الآية. وأما الحديث الثاني-[فـ] منسوخ بما روى الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله أن رجلا من أسلم جاء إِلى النبي ﷺ فاعترف بالزنى فأعرض عنه النبي ﷺ حتى شهد على نفسه أربع مرات فقال النبي ﷺ : أبك جنون؟ قال: لا. قال: أحصنت؟ قال: نعم. - فأمر به النبي ﷺ فرجم بالمصلى فلما أذلقته الحجارة فر فأدرك فرجم حتى مات". ٨٠ - مسألة: اللواطة لا توجب الحد . والوجه فيه - أن اللواطة لا تساوي الزنا في كونه جناية وقبيحا، فلا تساويه في العقوبة. وإنما قلنا ذلك -لأن الزنا إضاعة للولد وإفساد للفراش، فيشتبه النسب، فيؤدي إلى التنازع والتقاتل بين القبائل، بناء على دعوى النسب، ولا كذلك اللواطة، فلا تساويه في العقوبة، لأن العقوبة بقدر الجنايهّ- على ما مر. فإن قيل: قولكم بأن اللواطة لا تساوي الزنا - قلنا: لا نسلم، بل هي زنا،

стр. 200

لاشتراكه مع الزنا في الآثار، إلا أنه اختص باسم النوع، واختصاصه باسم النوع لا يمنع دخوله تحت مطلق الاسم للجنس، كالطَّر مع السرقة. ولئن سلمنا بأن اللواطهّ ليست بزنا، ولكن لم قلتم بأنه لا تساوي الزنا في كونه قبيحا؟ . وأما ما ذكر عن الإفساد في الفراش وإضاعهّ النسل - قلنا: لا نسلم بأن الزنا إنما كان قبيحا باعتبار هذا المعنى. بيانه - أن هذا أمر موهوم قد يفضي إليه وقد لا يفضي، فلا يجوز إيجاب الحد بناء على أمر موهوم. ولئن سلمنا أنه لم يوجد هذا القبح في اللواطة، [فـ] لم قلتم بأنه لم يوجد نوع آخر من القبح؟ بيانه، وهو أنه في اللواطة إضاعة الماء الذي هو مادة التوالد، ولأن حرمته أغلظ من حرمة الزنا، فإنها غير قابلة للحل. الجواب: قوله: لم قلتم بأن اللواطة / ليست بزنا - قلنا: لأن الصحابة اختلفوا في موجبها: قال بعضهم: يحرق بالنار. وقال بعضهم: يهدم عليه الجدار. وقال بعضهم: يقتل. وقال بعضهم: يلقى من أعلى الأماكن. وقال بعضهم: يحبس في موضع النتن إلى أن يموت - كل ذلك يفعل بالفاعل والمفعول به إن كان بالغا، وما اختلفوا في موجب الزنا، فعلم أنه ليس بزنا. قوله: بأن إفساد الفراش وإضاعة الولد أمر موهوم - قلنا: لا نسلم، بل هو غالب.

стр. 201

ولئن سلمنا أنه موهوم، ولكنه تعرض لمثل هذا الموهوم، فيكون أقبح من اللواطة من هذا الوجه. قوله: اللواطة إضاعهّ الماء - قلنا: ذاك موجود في الزنا، لما ذكرنا، مع قبح آخر لم يوجد في اللواطة. قوله: حرمة اللواطة أغلظ - قلنا: بلى، ولكن ليس كل قبيح يوجب الحد بالرأي والقياس. ٨١ - مسألة: الجلد مع النفي لا يجتمعان في زنا الأبكار . والوجه فيه - قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ - ذكر الجلد بحرف الفاء، وحرف الفاء للجزاء، والجزاء لغة ما يقع به الاكتفاء، فكان كل الموجب الجلد، فلا يجب النفي، عملا بمقتضى النص. فإن قيل: قولكم بأن حرف الفاء للجزاء - قلنا؟ لا نسلم، بل حرف الفاء للتعقيب مع الوصل. ولئن سلمنا أنه للجزاء، ولكن لم يقتضي كونه كل الموجب؟ بيانه - أن التنصيص على حرف الجزاء لا يكون فوق التنصيص على لفظ الجزاء وإنه لا يقتضي الكلية كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ فإنه لا ينفي جزاء آخر وهو القصاص أو الدية. ولئن سلمنا أن كونه جزاء ينفي وجود شيء آخر، ولكن بطريق الجزاء، لا بطريق آخر. وعندنا يجب التغريب لا بطريق الجزاء.

стр. 202

ثم هذا معارض بقوله ﵇: "الوليدة والغنم ردٌّ وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" وبقوله ﵇: "البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة" وفي رواية "وتغريب عام". الجواب: قوله بأن حرف الفاء ليس للجزاء بل هو للتعقيب مع الوصل -قلنا: نحن لا نقول بأن حرف الفاء بمجرده موضوع للجزاء في أي موضع وجد - ولكنا نقول: إذا ذكر في موضع يصلح جزاء يفيد كونه جزاء- دل عليه أنه لو قال لامرأته "إن دخلت الدار أنت طالق" لا يكون جزاء فلا يكون يمينا. ولو قال: "فأنت طالق" يكون جزاء حتى يكون يمينا. قوله: التنصيص على لفظ الجزاء لا ينفي وجوب شيء آخر - قلنا: لا نسلم. وأما الآية - قلنا: علم وجوب القصاص ثم بنص آخر.

стр. 203

وأما قوله: عندنا يجب التغريب لا بطريق الجزاء - قلنا: إذا بينا اْن الجلد جزاء، أوجب ذلك انتفاء وجوب غيره بأي طريق كان، لأن الجزاء هو الكافي. وأما الحديث - قلنا: الحديث لم يكن معارضا لكتاب الله تعالى، وإنما يكون ناسخا إذا كان متأخرا، وإنه غير ثابت، فإن المنقول عن أئمة التفسير أن أول آية نزلت في هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ - الآية﴾ ثم نسخت بهذا الحديث، ثم نسخ الحديث بآية الجلد أو بحديث الأسلمي. ٨٢ - مسألة: إذا تزوج بمحارمه ودخل بها، قال: علمت أنها علي حرام - لا يجب عليه الحد . والوجه فيه - أن هذا وطء تمكنت فيه شبهة الحل، فلا يجب الحد. وإنما قلنا ذلك - لأنه وطء حصل عقيب عقد النكاح المضاف إلى محل قابل للمقاصد المطلوبة من النكاح: من قضاء الشهوة والتوالد وغيرها، لأن المعنى من عقد النكاح قوله: "زوجت"، و"تزوجت" -فهي تقتضي الحل- إلا أنا عرفنا الحرمة بدليل آخر، فتبقى الشبهة، فلا يجب الحد، لقوله ﵇: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم".

стр. 204

فإن قيل: قوله الوطء حصل عقيب النكاح المضاف إلى محل / قابل - قلنا: المحل قابل لمقاصد النكاح حقيقة فحسب أم قابل لها وللحل والملك؟ بيانه - أن العقد إنما ينعقد لإفادة الحكم الأصلي، والحكم الأصلي ههنا هو الحل والملك، وإنه غير قابل لهما لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ والمراد منه التحريم في حق النكاح، وإذا انتفى محلية النكاح شرعا، لا يكون قابلا. ولئن سلمنا المحلية، ينعقد إذا كان له إفضاء إلى هذه المقاصد، أم إذا لم يكن؟ م ع - وهذا العقد لا يفضي إلى هذه المقاصد، لأنهما لا يقران عليه، بل يمنعان بأبلغ الوجوه. ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على وجود الشبهة، ولكن ههنا دليل آخر يأبى ذلك - بيانه: من حيث النص والحكم والمعقول. أما النص-[فـ] قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ والتحريم المطلق لا يحمل الشبهة. وأما الحكم-[فـ] أجمعنا على أن هذا الوطء لا يوجب العدة، ولا يثبت به النسب. وأما المعقول - وهو أن وطء الأم إذلال لها، وذاك حرام من غير شبهة وشك. ولئن سلمنا وجود الشبهة، ولكن لم لا يجب الحد؟ . أما الحديث - قلنا: ذكر أبو عيسى الترمذي أن هذا الحديث يرويه يزيد بن زياد الدمشقي، وهو ضعيف، فلا يصح الاحتجاج به.

стр. 205

الجواب: قوله: كون الصيغة نكاحا يقف على كون المحل قابلا لمقاصد النكاح حقيقة وقابلا للملك والحل - قلنا: نحن لا ندعي انعقاد النكاح حقيقة أصلا بل ندعي الشبهة على التفسير الذي ذكرنا. وكون المحل قابلا حقيقة يكفي لإثبات الشبهة. وبه خرج الجواب عن السؤال الذي يليه، لأنا لا ندعي انعقاد العقد والحل، حتى يشترط الإفضاء إلى المقاصد. وأما ما ذكر من النصوص والمعقول - فإنها تقتضي الحرمة مطلقا، ونحن نقول به، ولكن لا ينفي ذلك الشبهة. وكذلك ما ذكر من الأحكام - لا ينفي الشبهة، على التفسير الذي ذكرنا. والله أعلم. ٨٣ - مسألة: إذا استأجر امرأة ليزني بها فزنى بها، وقال: علمت أنها حرام، لا يجب الحد . والوجه فيه- أنه وطء تمكنت فيه شبهة الحل، فلا يجب الحد. وإنما قلنا ذلك - لأنه وطء حصل عقيب عقد مقتض للملك وللحل، مضافا إلى محل قابل، لأن عقد الإجارة موضوع لإثبات ملك المنفعة، ومنافع البضع حقيقة قابلة للملك، فهذا يقتضي ثبوت الملك، إلا أنا عرفنا انتفاءه بدليل آخر، فتبقى الشبهة، فلا يجب الحد.

стр. 206

فإن قيل: قولكم بأن عقد الإجارة موضوع لإثبات ملك المنفعة - قلنا: الإجارة وضعت لتمليك مطلق المنفعة، أم لتمليك منفعة يعتاد استيفاؤها؟ ع م - ألا ترى أنه لو استأجر الأشجار لتجفيف الثياب لا يجوز، لعدم جريان العادة - كذا هذا. ولئن سلمنا أن الإجارة وضعت لتمليك المنفعة ولكن لم قلتم بأن المستوفي بالوطء منفعة، بل هو عين، ولهذا لا يجري فيه البذل والإباحهّ، ويشرط التأييد لتمليكه، بخلاف سائر المنافع. ولئن سلمنا أن الإجارة وضعت لتمليك المنافع، ولكن إنما تنعقد سببا للملك، إذا قصد المتصرف إيقاعه للملك سببا للملك ولم يقصد، لأنه قال: "استأجرتك لأزني بك"، وإنه ينافي الملك. ولئن سلمنا أن الشبهة تمكنت فيه، لم لا يجب الحد؟ وبطلانه ظاهر، لأنه يؤدي إلى فتح باب الزنا وسد باب الحدود، وصار هذا كما إذا قال: "استأجرتك" ولم يقل "لأزني بك" يجب الحد. وكذا إذا زنا بها ثم دفع إليها درهما وقال: "هذه أجرتك". ولو كان مانعا من الابتداء، لمنع في الانتهاء، كملك السارق للمسروق بعد السرقة. ولذلك إذا قال لآخر "زنيتَ بدرهم" يجب حد القذف، فلولا أنه زنا، وإلا لما وجب الحد. الجواب: قوله: الإجارة وضعت لتمليك منفعهّ يعتاد استيفاؤها - قلنا: لا نسلم، بل لتمليك منفعة يحتاج إلى استيفائها لمكان المناسبة، بخلاف ما ذكر من الصورة، فإنه لا حاجة.

стр. 207

ثم قوله: لم قلتم بأن المستوفي بالوطء منفعة - قلنا لأنها منفعة حقيقة. قوله: الشرع ألحقها بالأعيان، لما ذكر من الأحكام - قلنا: أجري عليها بعض أحكام الأعيان، فلا يمنع كونه منفعة. قوله: إنما ينعقد مفضيا للحكم إذا قصد المتصرف إيقاعه سببا، وإنه سماه زنا - قلنا: نعم، ولكن غرضه ليس عين الزنا، بل غرضه قضاء الشهوهّ، إلا أنه سمي زنا عرفا. قوله: بأن هذا يؤدي إلى فتح باب الزنا وسد باب الحد - قلنا: هذا باطل بلفظ الإمهار والتمتع، فإن كل أحد لا يعجز عن قوله: "أمهرتك بعشرة" وإنه لا يوجب الحد. وأما إذا قال: "استأجرتك": ولم يقل "لأزني بك" فهذه الإجارة تنصرف إلى منافع سائر الأعضاء، لا إلى البضع. وأما إذا زنى بها ثم دفع إليا درهما -اختلفت المشايخ فيه. ولئن سلمه- فلأن الوطء عري عن الشبهة حال وجوده - بخلاف السرقة، لأن المسروق قائم، والوطء تلاشى وانعدم.

стр. 208

وأما مسألة القذف - قلنا: إنما يجب الحد لأنه عنى بكلامه: زنيتَ وأعطيتَ درهما. أما إذا عنى به: إنك استأجرت بدرهم - لا يجب الحد. ٨٤ - مسألة: العاقلة البالغة إذا مكنت نفسها من صبي أو مجنون يفعل بها، لا يجب الحد عليها . والوجه فيه - أن التمكين من زنا الصبي والمجنون لا يساوي التمكين من زنا البالغ والعاقل، فلا يساويه في العقوبة. وإنما قلنا ذلك - لأن تمكين البالغ سبب للحرام، لأن فعل البالغ حرام وقبيح، وتمكين الصبي ليس بسبب للحرام، لاْن فعل الصبي والمجنون لا يوصف بالحرمة والتسبيب إلى القبيح قبيح. فإن قيل: قولكم بأن التمكين من الصبي لا يساوي التمكين من البالغ - قلنا: هذا الكلام إنما يستقيم لو وجب الحد بالتمكين، والحد لا يجب بالتمكين، بدليل أنها لو مكنت ولم يوجد منه الزنا لا يجب الحد، وإنما يجب بالزنا، وقد وجد منها الزنا، لأن الزنا منها استدخال الفرج في الفرج من غير الملك وشبهته، وقد وجد منها، فيجب عليها الحد. فلو امتنع الوجوب إنما يمتنع لامتناع/ الوجوب على الرجل وذلك لا يمنع، إذ ليس يلازم وجوب الحد على أحدهما وجوب الحد على الآخر، بدليل أن العاقل البالغ إذا زنى بصبية أو مجنونة يجب الحد عليه وإن كان لا يجب عليها، والمكره إذا زنى بمطاوعة يجب الحد عليها وإن كان لا يجب عليه، والمستأمن إذا زنى بمسلمة يجب الحد عليها ولا يجب عليه، وغير المحصن إذا زنى بالمحصنهّ يجب الرجم عليها وإن كان لا يجب عليه. ولئن سلمنا أن الموجب هو التمكين - ولكن لم قلتم إن هذا التمكين ليس مثل ذاك التمكين؟ .

стр. 209

قوله: بأن فعل الصبي والمجنون ليس بحرام - قلنا: لا نسلم، بل هو زنا وحرام، إلا أنه لا يجب عليهما الحد. ولئن سلمنا أنه دونه، ولكن لما كان زناها هذا قضاء الشهوة بطريق الحرام وإفسادا للفراش، وجب عليها الحد، كما في محل الإجماع. الجواب: قوله بأن الحد يجب عليها بالزنا، لا بالتمكين - قلنا: الزنا لا يتصور منها حقيقة، لأنه فعل، ولا يوجد منها فعل سوى التمكين، والتمكين عدم الفعل، إلا أن الله تعالى سماها زانية مجازا. أما العاقل البالغ إذا زنى بصبية أو مجنونة، فقد وجد منه الفعل، فيجب الحد بالنص. وأما الكره مع المطاوعة - فالمسألة ممنوعة. وأما المستأمن إذا زنى بمسلمة، يجب الحد عليها، لأنه تمكين من فعل حرام - أما ههنا بخلافه. وأما إذا مكنت من النائم فالمسألة ممنوعة. وأما غير المحصن إذا زنى بالمحصنة - قنا: وجه التمكين من فعل الزنا الذي هو حرام، وإنه موجب للرجم إذا وجد شرائط الإحصان - أما ههنا بخلافه. أما قوله بأن فعل الصبي زنا - قلنا: ليس كذلك، لأن الزنا حرام وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بالحرمة، لعدم التكليف. قوله: وجد منها إفساد الفراش - قلنا. لا نسلم، وبطلانه ظاهر، لما ذكرنا أنه لم يوجد منها فعل. والله أعلم.

стр. 210

٨٥ - مسألة: المولى لا يملك إقامة الحدود على مملوكه . والوجه فيه- أن الحد حق لله، فلا يملك المولى استيفاءه، قياسا على سائر الأجانب. وإنما قلنا: إن الحد حق لله - لأنه لا يسقط بإسقاط العبد، ولو كان الحق للعبد لسقط بإسقاطه، كسائر الحقوق التي هي له. ولأنه يتنصف بالرق، وحق العباد لا يتنصف بالرق. وإذا كان حق الله، كان المولى أجنبيا، فلا يملك إقامته، وإنما يملكه نائب الله، وهو القاضي، قياسا على ما ذكرنا. فإن قيل: قولكم بأن الحد حق الله - قلنا: لا نسلم. قوله: لأنه لا يسقط بإسقاط العبد [قلنا: ] لا لأنه ليس بحق للعبد، بل لأنه وإن كان حقا للعبد، فهو حق الله، وهتك حرمة الشرع أيضًا، كذا السرقة: فإنه لا يسقط بإسقاط العبد، وإن كان حق العبد، لما فيه من حق الشرع - كذا هذا. قوله: ينتصف بالرق -قلنا: التنصيف ليس يلازم حق الشرع لا محالة- ألا ترى أن حد السرقة لا يتنصف بالرق، وإن كان حقا للشرع، والقَسْم والطلاق يتنصف بالرق وإن كان حقا للعبد. ولئن سلمنا أن الحد حق الله على الخلوص، ولكن لم قلتم بأن المولى لا يملك إقامته؟ . قوله بأن المولى أجنبي - قلنا: كونه أجنبيا يمنع الإقامة بطريق الأصالة أم بطريق النيابة؟ م ع - وعندنا يملك إقامته نيابة عن الشرع كالإمام.

стр. 211

ثم هذا معارض بالكتاب والسنة والمعقول: أما الكتاب -[فـ] قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا - الآية﴾ وهذا خطاب لكل الأمة، إلا أن الأجانب خصوا، فتناول الإمام والمولى. وأما السنة -[فـ] ما روى أبو هريرة وزيد بن خالد قالا: سئل النبي ﷺ عن الأَمَة إذا زنت ولم تحصن. قال: "إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير" متفق عليه. وأما المعقول - وهو أنه من قبيل الحسبة والنهي عن المنكر، فيجب على الناس كافة، خصوصا على المولى لأنه ماله. الجواب: قوله: إنما لا يسقط بإسقاطه، لأن فيه حق الشرع أيضا - قلنا: لما لم يسقط بإسقاطه علم أنه حق لله، لأنه لو لم يكن لسقط، لأن حق العبد ومصلحته مقدم على حق الشرع -على ما عرف ومع هذا لم يسقط- علم أنه لم يكن حقا له. قوله هـ: التنصيف ليس من لوازم حق الشرع- قلنا: لا بل هو من لوازمه، لأن تنصيف العقوبة بناء على حقه [عند] الجناية، وإنما يعقل ذلك بسبب الرق، لأن الرق هو المؤثر في نقصان النعمة، فالإقدام على الجناية يكون أخف. وهذا إنما يتحقق

стр. 212

في حق الشرع، وحق العبد لا يختلف باختلاف الجاني. وأما القطع في باب السرقة إنما لا يتنصف لأنه لا يمكن، لأنه لا يعرف نصفه. وأما القسم والطلاق إنما يتنصفان لأنهما بنيا على حل المحلية وذلك نعمة في حق الحل من الشرع. قوله: كونه أجنبيا ينفي الإقامة نيابة أم أصالة؟ قلنا: هذه معارضة. قوله: هو نائب عن الشرع - قلنا: لا نسلم، وبطلانه ظاهر، لأنه لو كان نائبا عن الشرع لوجب عليه الإقامة، كالإمام، ولم يجب بالإجماع - دل أنه غير نائب. وأما الآية - قلنا: لا تتناول صورة النزاع، لأنه حق كامل. على أن الخطاب للأئمة، نقلا عن أئمة التفسير. وأما الحديث -[فـ] يحتمل أنه أراد به التعزير، وللمولى ذلك لقوله ﵇: "لا ترفع عصاك عن أهلك". قوله: إنه من باب النهي عن المنكر - قلنا: النهي عن المنكر ليس يلزم بطريق إقامة الحد، بل بالزجر والمنع. والله أعلم. ٨٦ - مسألة: الزنا الموجب للحد لا يظهر إلا بالإقرار أربع مرات في أربعة مجالس. وعنده بالإقرار مرة واحدة . والوجه فيه - ما روى أبو هريرة قال: "أتى رجل من السلمين رسول اللَه ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله: إني زنيت فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال له: يا رسول الله - إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنَى ذلك عليه أربع مرات -فلما شهد على نفسه أربع شهادات - دعاه رسول الله ﷺ فقال: أبك جنون؟ قال لا - قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم - فقال رسول الله ﷺ : اذهبوا به فارجموه - قال ابن شهاب فاْخبرنا من سمع جابر بن عبد الله يقول: كنت ممن رجمه

стр. 213

فرجمناه بالمصلى فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة فرجمناه". الرجل هو ماعز بن مالك وروى قصته جابر بن سمرة وعبد الله بن عباس وأبو سعيد الخدري ويزيد بن الخصيب الأسلمي - متفق على صحته. والاستدلال بالحديث أن النبي ﷺ أخر به إقامة الحد إلى تمام الأقارير الأربعة. ولو ظهر الزنا الموجب للحد بالإقرار مرة واحدة، لوجب على النبي ﷺ إقامة الحد، لأن الأمر بإقامة الحد عند ظهور الزنا واجب، ولو وجب لما أخر، لأن تأخير الواجب لا يظن بالنبي ﷺ ، وحيث أخر علم أن الزنا لا يظهر إلا بالأقارير الأربعة. فإن قيل: قولكم بأن النبي ﷺ أخر الإقامة - قلنا: هذا إنما يستقيم أن لو كان شرعية الرجم ثابتة في تلك الحالة، وشرعية الرجم عرفت بهذا الحديث، فإن أول من رجم في الإسلام ماعز، فلم تكن شرعيته ثابتة في تلك الحالة، فلا يكون تأخيرا. ولئن سلمنا أنه كان ثابتا في تلك الحالة، ولكن يحتمل أن تأخير النبي ﷺ إنما كان لتعرف: هل هو عاقل؟ ولهذا قال: أبك جنون؟ أو يحتمل أنه ﵇ ما وجد في تلك الساعة من يقيم عليه الحد ولم يكن يقيم بنفسه. ولئن سلمنا أنه كان مأمورا بالإقامة، ولكن مقتضى الأمر الوجوب على الفور أم على

стр. 214

التراخي؟ ع م- وهذا لأن مطلق الأمر يجوز تأخيره عن أول أوقات الإمكان، ولأنه غير متقرر، بدليل أنه يرتفع بالرجوع، فيحتمل أنه ﵇ كان يتوقع الرجوع. ثم هذا معارض بما روى أبو هريرة وزيد بن خالد أنهما قالا: إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله - فقال الآخر وهو أفقه منه: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي - فقال رسول الله ﷺ قل: قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم - فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليد والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، اغد يا أنيس -لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها- قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت - متفق على صحته، والاعتراف حصل بالإقرار مرة واحدة. الجواب: قوله: شرعيته لم تكن ثابتة في تلك الحالة - قلنا: بلى، ولكن شرعية الجلد كانت ثابتة. فلو ظهر الزنا بالإقرار مرة لما أخر إقامته. قوله: يحتمل أن التأخير إنما كان لأنه شك في عقله - قلنا: لا نسلم، بل عرفه قبل ذاك. والدليل على أنه كان عاقلا أنه جاء تائبا نادما طالبا لحد الله، وهو أمارة العقل، وسؤال النبي ﷺ عن جنونه إنما كان تلقينا له الشبهة، كما هو السنة.

стр. 215

قوله: لم يجد من يقيم عليه - قلنا: لا نسلم، بل كان قادرا على الإقامة قبل الإقرار أربعا بالطريق الذي بعد الإقرار [أربعا]. قوله: مطلق الأمر يقتضي الوجوب على التراخي - قلنا: الجواب عنه من وجوه: أحدها - أنه يقتضي الوجوب على الفور، لأن الأصل أن لا يتراخى الحكم عن السبب. والثاني - أن الأمر بالحد يقتضي الوجوب على الفور، لأنه متوجه على الإمام، وفي التراخي احتمال الفوات. والثالث - أن حد ماعز وجب على الفور، لأنه كان طالبا للطهرة وطلبه يقتضي الفور. وأما النذور والكفارات فممنوع -عن الجصاص- بل يجب كل الفور. قوله: كان غير متقرر لاحتمال الرجوع - قلنا: هذا الاحتمال ثابت بعد الإقرار أربعا. ومع هذا متقرر، فعلم أنه كان متقررا. وأما الحديث-[فـ] لا يخلو: إما إن كان متقدما على ما روينا، أو متأخرا عنه. فإن كان متقدما كان منسوخا بهذا. وإن كان متأخرا ينصرف إلى الاعتراف المعهود في هذا الباب، وهو الإقرار أربع مرات. ٨٧ - مسألة: الإحصان يثبت بشهادة رجل وامرأتين . وصورته - إذا أنكر الزاني بعض شرائط الإحصان. والوجه فيه - أن هذا زان ظهرت ثيابته عند القاضي بحجة شرعية، فيجب عليه الرجم.
следующие страницы →