← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 133415

طريقة الخلاف في الفقه بين الأئمة الأسلاف

العلاء الأسمندي

Полный текст (509 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثم هذا معارض بالكتاب والسنة والمعقول: أما الكتاب -[فـ] قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا - الآية﴾ وهذا خطاب لكل الأمة، إلا أن الأجانب خصوا، فتناول الإمام والمولى. وأما السنة -[فـ] ما روى أبو هريرة وزيد بن خالد قالا: سئل النبي ﷺ عن الأَمَة إذا زنت ولم تحصن. قال: "إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير" متفق عليه. وأما المعقول - وهو أنه من قبيل الحسبة والنهي عن المنكر، فيجب على الناس كافة، خصوصا على المولى لأنه ماله. الجواب: قوله: إنما لا يسقط بإسقاطه، لأن فيه حق الشرع أيضا - قلنا: لما لم يسقط بإسقاطه علم أنه حق لله، لأنه لو لم يكن لسقط، لأن حق العبد ومصلحته مقدم على حق الشرع -على ما عرف ومع هذا لم يسقط- علم أنه لم يكن حقا له. قوله هـ: التنصيف ليس من لوازم حق الشرع- قلنا: لا بل هو من لوازمه، لأن تنصيف العقوبة بناء على حقه [عند] الجناية، وإنما يعقل ذلك بسبب الرق، لأن الرق هو المؤثر في نقصان النعمة، فالإقدام على الجناية يكون أخف. وهذا إنما يتحقق

стр. 212

في حق الشرع، وحق العبد لا يختلف باختلاف الجاني. وأما القطع في باب السرقة إنما لا يتنصف لأنه لا يمكن، لأنه لا يعرف نصفه. وأما القسم والطلاق إنما يتنصفان لأنهما بنيا على حل المحلية وذلك نعمة في حق الحل من الشرع. قوله: كونه أجنبيا ينفي الإقامة نيابة أم أصالة؟ قلنا: هذه معارضة. قوله: هو نائب عن الشرع - قلنا: لا نسلم، وبطلانه ظاهر، لأنه لو كان نائبا عن الشرع لوجب عليه الإقامة، كالإمام، ولم يجب بالإجماع - دل أنه غير نائب. وأما الآية - قلنا: لا تتناول صورة النزاع، لأنه حق كامل. على أن الخطاب للأئمة، نقلا عن أئمة التفسير. وأما الحديث -[فـ] يحتمل أنه أراد به التعزير، وللمولى ذلك لقوله ﵇: "لا ترفع عصاك عن أهلك". قوله: إنه من باب النهي عن المنكر - قلنا: النهي عن المنكر ليس يلزم بطريق إقامة الحد، بل بالزجر والمنع. والله أعلم. ٨٦ - مسألة: الزنا الموجب للحد لا يظهر إلا بالإقرار أربع مرات في أربعة مجالس. وعنده بالإقرار مرة واحدة . والوجه فيه - ما روى أبو هريرة قال: "أتى رجل من السلمين رسول اللَه ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله: إني زنيت فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال له: يا رسول الله - إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنَى ذلك عليه أربع مرات -فلما شهد على نفسه أربع شهادات - دعاه رسول الله ﷺ فقال: أبك جنون؟ قال لا - قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم - فقال رسول الله ﷺ : اذهبوا به فارجموه - قال ابن شهاب فاْخبرنا من سمع جابر بن عبد الله يقول: كنت ممن رجمه

стр. 213

فرجمناه بالمصلى فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة فرجمناه". الرجل هو ماعز بن مالك وروى قصته جابر بن سمرة وعبد الله بن عباس وأبو سعيد الخدري ويزيد بن الخصيب الأسلمي - متفق على صحته. والاستدلال بالحديث أن النبي ﷺ أخر به إقامة الحد إلى تمام الأقارير الأربعة. ولو ظهر الزنا الموجب للحد بالإقرار مرة واحدة، لوجب على النبي ﷺ إقامة الحد، لأن الأمر بإقامة الحد عند ظهور الزنا واجب، ولو وجب لما أخر، لأن تأخير الواجب لا يظن بالنبي ﷺ ، وحيث أخر علم أن الزنا لا يظهر إلا بالأقارير الأربعة. فإن قيل: قولكم بأن النبي ﷺ أخر الإقامة - قلنا: هذا إنما يستقيم أن لو كان شرعية الرجم ثابتة في تلك الحالة، وشرعية الرجم عرفت بهذا الحديث، فإن أول من رجم في الإسلام ماعز، فلم تكن شرعيته ثابتة في تلك الحالة، فلا يكون تأخيرا. ولئن سلمنا أنه كان ثابتا في تلك الحالة، ولكن يحتمل أن تأخير النبي ﷺ إنما كان لتعرف: هل هو عاقل؟ ولهذا قال: أبك جنون؟ أو يحتمل أنه ﵇ ما وجد في تلك الساعة من يقيم عليه الحد ولم يكن يقيم بنفسه. ولئن سلمنا أنه كان مأمورا بالإقامة، ولكن مقتضى الأمر الوجوب على الفور أم على

стр. 214

التراخي؟ ع م- وهذا لأن مطلق الأمر يجوز تأخيره عن أول أوقات الإمكان، ولأنه غير متقرر، بدليل أنه يرتفع بالرجوع، فيحتمل أنه ﵇ كان يتوقع الرجوع. ثم هذا معارض بما روى أبو هريرة وزيد بن خالد أنهما قالا: إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله - فقال الآخر وهو أفقه منه: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي - فقال رسول الله ﷺ قل: قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم - فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليد والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، اغد يا أنيس -لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها- قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت - متفق على صحته، والاعتراف حصل بالإقرار مرة واحدة. الجواب: قوله: شرعيته لم تكن ثابتة في تلك الحالة - قلنا: بلى، ولكن شرعية الجلد كانت ثابتة. فلو ظهر الزنا بالإقرار مرة لما أخر إقامته. قوله: يحتمل أن التأخير إنما كان لأنه شك في عقله - قلنا: لا نسلم، بل عرفه قبل ذاك. والدليل على أنه كان عاقلا أنه جاء تائبا نادما طالبا لحد الله، وهو أمارة العقل، وسؤال النبي ﷺ عن جنونه إنما كان تلقينا له الشبهة، كما هو السنة.

стр. 215

قوله: لم يجد من يقيم عليه - قلنا: لا نسلم، بل كان قادرا على الإقامة قبل الإقرار أربعا بالطريق الذي بعد الإقرار [أربعا]. قوله: مطلق الأمر يقتضي الوجوب على التراخي - قلنا: الجواب عنه من وجوه: أحدها - أنه يقتضي الوجوب على الفور، لأن الأصل أن لا يتراخى الحكم عن السبب. والثاني - أن الأمر بالحد يقتضي الوجوب على الفور، لأنه متوجه على الإمام، وفي التراخي احتمال الفوات. والثالث - أن حد ماعز وجب على الفور، لأنه كان طالبا للطهرة وطلبه يقتضي الفور. وأما النذور والكفارات فممنوع -عن الجصاص- بل يجب كل الفور. قوله: كان غير متقرر لاحتمال الرجوع - قلنا: هذا الاحتمال ثابت بعد الإقرار أربعا. ومع هذا متقرر، فعلم أنه كان متقررا. وأما الحديث-[فـ] لا يخلو: إما إن كان متقدما على ما روينا، أو متأخرا عنه. فإن كان متقدما كان منسوخا بهذا. وإن كان متأخرا ينصرف إلى الاعتراف المعهود في هذا الباب، وهو الإقرار أربع مرات. ٨٧ - مسألة: الإحصان يثبت بشهادة رجل وامرأتين . وصورته - إذا أنكر الزاني بعض شرائط الإحصان. والوجه فيه - أن هذا زان ظهرت ثيابته عند القاضي بحجة شرعية، فيجب عليه الرجم.

стр. 216

وإنما قلنا إنه زان، لأن الزنا ثبت بحجة شرعية. وإنما قلنا: ظهرت ثيابته - لأنه وجدت الحجة المثبتة لها، المظهرة لها عند القاضي. وهو شهادة رجل وامرأتين، لأنهـ[ـا] مثل شهادة رجلين في إظهار الحق لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ - فيجب عليه الرجم بالحديث. فإن قيل: قولكم شهادة رجل وامرأتين مثل شهادة رجلين - قلنا: لا نسلم. أما النص - قلنا: ذاك في باب المداينة، بدليل سياق الآية، ونحن نقول به. ولئن سلمنا أن شهادة رجل وامرأتين مثل شهادة رجلين، لكن لا مدخل لها في باب الحدود، بالإجماع. ولأن الإحصان شرط في معنى العلة، بدليل أنه يصح الرجوع عن الإقرار بالإحصان، كما في الزنا. ولا يشترط الدعوى في الشهادة عليه، كما في الزنا. فلا تقبل فيه شهادة رجل وامرأتين إلحاقا له بحقيقة العلة في باب الرجم. ولأن الذكورية عندكم شرط في باب التزكية مع أنه أبعد من الحد - فهذا أولى. ثم هذا الذي ذكرتم ظن وقياس، والحدود لا تثبت بالظن والقياس.

стр. 217

الجواب: قوله: النص ورد في المداينات لا في الحدود - قلنا: الأمر بالاستشهاد ورد في المداينات، ولكن تفسير الشاهدين ورد مطلقا، بدليل أنه ألحق به النكاح وغيره. قوله: شهادة النساء لا مدخل لها في باب الحدود - قلنا: بلى، ولكن لم قلتم بأنه شهادة الحد، بل هو شهادة على النكاح، وهو غير الزنا. قوله: بأن الإحصان شرط في معنى العلة - قلنا: لا نسلم، وبطلانه ظاهر، بدليل أن النكاح لو ثبت بشهادة رجل وامرأتين قبل ظهور الزنا ثم زنى وظهر عند القاضي زناه، يقضي بالرجم عليه. وأما الرجوع - فلأن الإحصان شرط حق الله تعالى، وهو الرجم. ولا يشترط الدعوى، لأن فيه تحريم الفرج. وأما التزكية - فإنها شرط في معنى العلة، لأنها مؤثرة في ظهور عدالة الشاهد، وعدالة الشاهد في ظهور الزنا. قوله: هذا إثبات الحد بالرأي والقياس - قلنا: ليس كذلك، بل إثبات بالاستدلال، لأنا بينا أن هذا عين المنصوص عليه لا غيره. ٨٨ - مسألة: حد القذف لا يورث، ولا يسقط بإسقاطه، ولا يجري فيه التداخل. وعنده: يورث، ويسقط، ويتداخل . والوجه فيه - أن المغلب في حد القذف حق الله تعالى، فلا يجري فيه الإرث، قياسا على الزنا.

стр. 218

وإنما قلنا ذلك، لأنه قابل للتنصيف. ولأن أثره إشاعة الفاحشة، وذلك حق الشرع. ولهذا لا يباح برضا العبد، فكان قضيته أن لا يكون العبد بسبيل من استيفائه، إلا أن الشرع جعله نائبا عن نفسه في ذلك، ففيما عداه نتمسك بالدليل. فإن قيل: قولكم بأن أثره إشاعة الفاحشة - قلنا: لا نسلم، وبطلانه ظاهر، لأن قول القاذف "زنيتَ" إن كان يقتضي ظهور الفاحشة، فإنكار المقذوف يقتضي عدمه، فتعارضا، فلا يظهر الفاحشة. ولئن سلمنا أنه إشاعة الفاحشة وإنه حق الشرع من هذا الوجه، ولكنه هتك حرمة عرض العبد، فيكون حق العبد من هذا الوجه، وحقه في العرض أقوى، لأنه تبع النفس، وحقه في النفس أقوى، لأن قتله يشرع لخيره القصاص والدية، وحق الشرع في القتل بالكفارة. والدليل على أن الغالب في القذف حق العبد الأحكام: منها - أنه يشترط فيه دعوى العبد. فلو كان الغالب حق الشرع لما شرط، كحد الزنا. ومنها - أنه لا يسقط بتقادم العهد. ومنها - أنه لا يصح في الرجوع بعد الإقرار. ومنها - أنه يعمل فيه تصديق العبد. ومنها - لو قذف ميتا يثبت حق إقامة الحد للورثة. ولئن سلمنا أن حق العبد مغلوب، ولكن لم قلتم بأن ذلك القدر الذي ثبت للمورث، وإن قل، لا يثبت للوارث؟ .

стр. 219

ثم هذا معارض بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ - الآية﴾ مطلقا هـ. الجواب: قوله: بأن قول القاذف "زنيت" ينعدم بإنكاره - قلنا: ليس كذلك، لأنه وقع في ألسن الناس، والناس بين مصدق ومكذب، تشيع الفاحشة، ولا نعني بإشاعة الفاحشة إلا هذا القدر. قوله: فيه هتك عرض العبد - قلنا: بلى، ولكنه غير مقصود، بل هو تبع لحق الشرع. وأما الأحكام - قلنا: إنما يشترط الدعوى - لأن الأصل ألا تسمع البينة إلا بالدعوى، إلا في الزنا والشرب: [فـ] لا تشترط الدعوى، لأنه لا يتعين لذا. والقذف والسرقة يتعين فيشترط. وأما قبول الشهادة بعد تقادم العهد - إنما كان لأنه لا تهمة في التأخير ههنا لكونه موقوفا على الدعوى، بخلاف سائر الحدود، فإن التأخر دل على التهمة، لعدم الدعوى. وإنما لا يصح الرجوع بعد الإقرار - لأن له مكذبا وهو المقذوف، بخلاف الزنا وبخلاف السرقة فإنه حق الشرع.

стр. 220

وأما التصديق - إنما لا يجب مع التصديق لحق الشرع، وهو احتمال الكذب. وأما إذا قذف ميتا - لا يثبت لهم بطريق الوراثة، بل ابتداء للحوق العار بهم. قوله: إن كان حق العبد مغلوبا، لم لا يجب الحد؟ قلنا: لأن المغلوب له حكم العدم. قوله: لم قلتم بأن ذلك القدر الذي ثبت للمورث لا يثبت للوارث؟ قلنا: لأن في استيفائه حينئذ إبطالا لحق الشرع بخلاف المورث، لأنه نائب عن الشرع، [و] من ادعى النيابة ههنا فعليه البيان. وأما إطلاق الآية - قلنا: لم يبق الإمكان، لأن الدليل ينفيه. والله أعلم.

стр. 221

كتاب السرقة ٨٩ - مسألة: القطع مع الضمان لا يجتمعان . والوجه فيه - أن السرقة تناولت مالا غير منتفع به في حق المالك شرعا، فلا يوجب الضمان، حقا للمالك، قياسا على سرقة الخمر والخنزير. وإنما قلنا ذلك - لأن هذه السرقة انعقدت موجبة للقطع، وانعقادها موجبة للقطع دليل على أن المال غير منتفع به حالة السرقة، أو هو محرم الانتفاع به بعينه شرعا، لأنه لو كان منتفعا به في حالة السرقة كان الانتفاع مباحا في ذاته في حق السارق، فكانت السرقة مباحة، تمكينا له من الانتفاع وإقامة للمصالح، وكل فعل هذا حاله، لا يعري عن الشبهة. ولو تمكنت الشبهة فيه لاندفع القطع، لأن الحدود تندرئ بالشبهات - فدل وجوب القطع على عرائها عن الشبهة، ودل عراؤها عن الشبهة على كونه محرم الانتفاع، فلا يجب الضمان، لأن أخذ الضمان [سببه] إتلاف مال منتفع فيه، فلا يتلف إلا بمثله. فإن قيل: اعتبار مثل هذه الشبهة يؤدي إلى سد باب الحد، لأن السرقة لا يتصور بدونها، فكان باطلا. ثم نقول - وجوب القطع يدل على كون المال غير منتفع به شرعا في حق السارق أم في حق المالك؟ م ع. وهذا لأن الحل والحرمة: جاز أن يثبت في حق شخص دون شخص - ألا ترى أن منكوحة الغير حلال الوطء في حقه حرام الوطء في حق الأجنبي، وغيرها من الأمثلة - كذا هذا: المال حلال الانتفاع في حق المالك وإنه يكفي لوجوب الضمان، محرم الانتفاع في حق السارق، ولهذا يقطع - دل عليه أنه يبقى ملك المال فيه، بدليل وجوب الرد.

стр. 222

ولئن سلمنا أنه غير منتفع، ولكن بالسرقة خرج عن الانتفاع، فيوجب الضمان، ولأنه كان منتفعا به قبل الإخراج من الحرز، فتناول الأخذ مالا معصوما، فكان غصبا موجبا للضمان، ولهذا لو أتلف قبل الإخراج يجب عليه الضمان. الجواب: قوله: هذه [الشبهة] تؤدي إلى سد باب الحد، لأن السرقة لا تتصور بدونها - قلنا: لا نسلم، بل تتصور بدونها، بأن يسرق الخمر أو الخنزير. قوله: جاز أن يثبت الحل والحرمة في حق شخص، دون [شخص]- قلنا: نعم، ولكن الإباحة إذا ثبتت في حق شخص بدليل، وذلك الدليل يقتضي الإباحة في حق غيره، تثبت شبهة الإباحة إن لم تثبت حقيقة الإباحة - بخلاف المنكوحة، لأن المنافع التي يستوفيها الزوج غير التي يستوفيها الأجنبي. وأما بقاء الملك ووجوب الرد -[فـ] لا يدل على كونه مباح الانتفاع به، بدليل الخمر إذا سرق من مسلم. قوله: تناول الأخذ مالا معصوما، فيكون غصبا - قلنا: نعم، ولكن السرقة تتم عند الإخراج من الحرز، والفعل قبل الإخراج من الحرز ليس بسبب للضمان، لأن الغصب إنما يكون سببا للضمان بإزالة يد المالك، وما دام في داره فهو في يد المالك، فلو أتلفه في الدار، ففيه اختلاف المشايخ. ٩٠ - مسألة: لا قطع على النباش . والوجه فيه - أن النبش لا يساوي السرقة من الأحياء، في وصف الجناية والقبح، فلا يساويه في العقوبة.

стр. 223

وإنما قلنا ذلك - لأن السرقة من الأحياء جناية على مال يستعمل في مصلحة البقاء ظاهرا غالبا، والجناية على مال - لا يستعمل في مصلحة البقاء ظاهرا وغالبا - هو النبش، لأنه لا ينتفع بالكفن شرعا، لكونه محرم النزع، ولا طبعا لنَفْر الطباع السليمة عنه، وإذا لم يستويا في الجناية، لم يستويا في العقوبة، لما ذكرنا. فإن قيل: قولكم بأن النبش لا يساوي السرقة - قلنا: لا نسلم، لأن النبش سرقة بالنقل والحقيقة: أما النقل -[فـ] ما روي عن عائشة أنها قالت: "سارق أمواتنا كسارق أحيائنا" والمراد النباش وأما الحقيقة - فلأن السرقة في عرف الشرع أخذ مال مملوك متقوم من حرز كامل على سبيل الخفية، وقد وجد، فيوجب القطع بالنص. ولئن سلمنا أنه غير السرقة، ولكن لم قلتم بأنه لا يساوي السرقة؟ . قوله: لأنه أخذ مال لا يستعمل في مصلحة البقاء - قلنا: الشرط حقيقة الاستعمال أم كونه صالحا للاستعمال؟ ع م. وهذا لأنه ثوب صالح لإقامة المصالح، إلا أنه منع عن الانتفاع به لما فيه من كشف عورة الميت، لا لعينه، فصار كالثوب النجس، فإنه يقطع به - كذا هذا. ولئن سلمنا أنه لا ينتفع به، ولكن قبل النزع أم بعده؟ م ع- هذا لأن الكفن إذا نزع يجوز الانتفاع به، لأن إعادته إلى الميت غير مشروع. وأما ما ذكر من النفرة فذاك يختلف باختلاف الطباع، وإنه لا يخل بالانتفاع، كثوب الأبرص والأجرب والمجذوم. ولئن سلمنا أنه فات هذا النوع من القبح، ولكن عارضه قبح آخر، وهو كشف الميت.

стр. 224

الجواب: قوله النبش سرقة - قلنا لا نسلم. وأما قول عائشة: سارق أمواتنا - قلنا: سمته سارقا بطريق المجاز. وأما ما ذكر من حد السرقة - قلنا: ذاك القدر لا يكفي لحد السرقة، بل هو مع كونه أخذا من حافظ مترصد لحفظه، وذلك لا يتحقق ههنا. ولهذا لو سرق من بيت في طرف من أطراف البلد ليس حوله [عمارة] ولا ثم حافظ وأغلق بابه، فإنه لا يقطع. وكذلك إن سرق مالا آخر من القبر غير الكفن لا يقطع، لما ذكرنا - كذا هذا. قوله: الشرط حقيقة الاستعمال أم كونه صالحا للاستعمال؟ - قلنا: الشرط كونه بحال يستعمل في مصلحة البقاء عادة، والنبش جناية على مال لا يستعمل في مصلحة البقاة عادة، لقيام المانع على ما ذكرنا، فلا يكون أخذه في الجناية مثل أخذ مال آخر، بخلاف الثوب النجس لأنه لا مانع عن الانتفاع به طبعا وشرعا بواسطة الإزالة. وبه خرج الجواب عن السؤال الذي يليه. قوله: بأن الطباع مختلفة - قلنا: الحكم لا يبنى على طباع اللئام ولا على طباع الكرام، ولكن على الأوساط الأعم، وطباع الأعم ما ذكرنا، بخلاف ثوب الأبرص، لأن تلك النفرة تزول بالغسل - أما ههنا بخلافه. وأما كشف الميت - فلا، لأ [نه] لا يوجب القطع، والكلام فيه.

стр. 225

٩١ - مسألة: السارق لا يؤتى على أطرافه الأربعة - خلافا له . والوجه فيه - أن القطع في المرة الثالثة تفويت جنس منفعة البطش، فلا يشرع حدا، قياسا على قطع اليدين في المرة الأولى. وإنما قلنا ذلك - لأنه تفويت القدرة على البطش أصلا، فلا يشرع لوجهين: أحدهما - أنه إهلاك النفس من وجه، لأن قيام النفس بقيام منافعها، وفي الإهلاك من وجه شبهة الإهلاك، والحدود تندرئ بالشبهات. والثاني - وهو أن القطع شرع زاجرا، وفي تفويت جنس منفعة البطش لا يكون زجرا، لأن الزجر إنما يحصل أن لو بقي الشخص قادرا على الفعل المزجور عنه. فإن قيل: قولكم بأن القطع في المرة الثالثة تفويت منفعة البطش - قلنا: تفويت المنفعة يضاف إلى القطع في الثالثة فحسب أم إليه وإلى الأولى والثانية؟ ع م - ولكن حينئذ يكون القطع في المرة الثالثة تفويت بعض هذه المنفعة، وإنه مشروع بالإجماع كما في الأولى. ولئن سلمنا أنه تفويت المنفعة لم لا يشرع؟ . قوله: هو إهلاك النفس من وجه - قنا: لا نسلم، بل هو تفويت منافع اليد، أما منافع النفس فهي قائمة بحالها. وأما قوله بأنه شرع للزجر ولا يحصل به الزجر، لعذر القدرة - قلنا: لا نسلم، بل يتصور بالأخذ بالأسنان والإبط والرسغين والاستعانة بغيره، ولهذا يقطع الأعمى إذا سرق على ما ذكرتموه. ثم هذا معارض بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ مطلقا من

стр. 226

غير فصل، ولأن السرقة في المرة الثالثة أقبح من السرقة في المرة الأولى والثانية، لأنه أدل على الجرأة والوقاحة وللإصرار عليها، فكانت الحاجة إلى شرع القطع أمس، وصار هذا كما إذا قطع يسار إنسان والقاطع لا يمين له، يقطع يسار القاطع، مع ما ذكرتم - كذا هذا. الجواب: قوله: بأن تفويت المنفعة مضاف إلى القطعين - قلنا: لا نسلم، وبطلانه ظاهر، لأن الحكم إذا ثبت عقيب علة ذات وصفين، يضاف إلى آخرهما، كما في مسألة السفينة. قوله: بأنه تفويت منفعة اليد لا النفس - قلنا: بلى، هو تفويت منفعة النفس، لأن النفس هي الآخذة واليد آلة، على أن النفس عبارة عن مجموع هذه الأعضاء. قوله: لم قلتم بأن الزجر لم يحصل بهذا القطع؟ قلنا: لأن الزجر إعدام الجناية مع بقاء الجاني، وفي هذا إعدام الجاني - على ما مر، فلا يكون زجرا. وما ذكر من الصور فنادر جدا، فيلحق بالعدم.

стр. 227

بخلاف الأعمى: فإن آلة السرقة قائمة، وهي اليدان، أما ههنا بخلافه. وأما الآية - قلنا: عام خص منه البعض، فيخص المتنازع فيه، لما ذكرنا. على أن المراد من الأيدي في الآية الأيمان لا غير، بدليل قول ابن مسعود: "فلا يكون اليسار مرادا" فكان مقتضاه أن لا يقطع رجله في المرة الثانية لأن قطع الرجل وجب بنص آخر، لا بهذا النص. وأما قوله بأن القطع ههنا الحاجة إليه أمس - قلنا: هذا غير معتبر بدليل أن سرقة ألف دينار يساوي سرقة دينار في حكم القطع. وأما وجوب القصاص في العمد من الجانبين - فلأن القصاص في الأطراف يعتمد التساوي صورة وقد وجد - أما ههنا بخلافه. ٩٢ - مسألة: السارق إذا ملك المسروق بعد القضاء، قبل الاستيفاء، بالهبة وغيرها من أسباب الملك، لا يجب القطع استيفاء، خلافا له . وأجمعوا على أنه لو لملك قبل الخصومة، لا يجوز استيفاء القطع. ولو ملكه بعد الخصومة قبل القضاء، لا يجوز القطع. وله فيه قولان. والوجه فيه - أن هذه البينة لم تتم موجبة للقضاء بالقطع، فلا يقطع، قياسا على ما إذا ملكه قبل القضاء. وإنما قلنا ذلك - لأن شرط كون البينة موجبة للقطع، قيام الخصومة عند استيفاء القطع، لأن البينة حجة ضرورية، خصوصا في القطع، لأن الدليل ينفي كونها حجة، لاحتمال الكذب والصدق، إلا أنا توافقنا على كونها حجة للضرورة، والضرورة تندفع بجعلها حجة عند قيام الخصومة، فلا ضرورة إلى جعلها حجة في غير الخصومة.

стр. 228

فإن قيل: قولكم: لا ضرورة إلى جعل البينة حجة ههنا، بطلانه ظاهر، لأن الضرورة الجاعلة للبينة حجة هي الحاجة إلى صيانة أموال الناس عن السرقة بطريق الزجر، وهذه الضرورة موجودة ههنا. ولئن سلمنا أن الضرورة عند قيام الخصومة، لكن في الجملة أم في الحال؟ م ع - بيانه - أن شرط كون البينة حجة غير وجود الحجة، وقد وجدت الخصومة عند البينة، فصارت حجة مطلقة، فدوام الشرط بعده ليس بشرط، كما إذا زنى بامرأة ثم ملكها بالنكاح أو بأمة ثم ملكها بالشراء، لا يمنع استيفاء الحد - كذا هذا. والدليل على أن الضرورة إلى جعل البينة حجة - هي قبل الاستيفاء، لا حالة الاستيفاء أنه لو قطع إنسان يده قبل القضاء يضمن، ولو قطعها بعد القضاء لا يضمن. وكذلك السارق لو رد المسروق إلى المالك بعد القضاء قبل الاستيفاء لا يمنع الاستيفاء، ومعلوم أن حق الخصومة كما يمتنع بالملك يمتنع بالرد، ولأنه ظهر عند القاضي كونه سارقا، فيتناوله النص الموجب للقطع. ثم هذا معارض بما روى صفوان بن أمية قال: "كنت نائما في المسجد على خميصة لي بثمن ثلاثين [درهما] فجاء رجل فاختلسها مني، فأخذ الرجل، فأتى به إلى النبي ﷺ ، فأمر به ليقطع فأتيته فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهما! أنا

стр. 229

أبيعه وأنسئه ثمنها. وفي لفظ: قد تجاوزت عنه - قال فهلا كان ها قبل أن تأتيني به" - رواه النسائي. الجواب: قوله - بأن الضرورة هي صيانة أموال الناس بطريق الزجر - قلنا: بلى، ولكن هذه الضرورة إنما تندفع باستيفاء القطع الذي يحتاج إليه الزجر، والقاضي يتمكن من استيفاء القطع الذي يحتاج إليه الزجر، بجعلها حجة عند الاستيفاء، فلو امتنع حصول الزجر، إنما يمتنع بفقد الخصومة عند الاستيفاء، بسبب ملك السارق، وذلك أمر نادر. قوله: البينة صارت حجة عند القاضي - قلنا: نعم، ولكن في حق المال. أما لا ضرورة جعلها حجة في حق القطع، بخلاف ما إذا ملك المزنية، لأن الخصومة ليست بشرك في باب الزنا. وأما إذا قطع إنسان يد السارق بعد القضاء، قبل الاستيفاء - قلنا: لأن البينة بقيت حجة عنده في حق نفي الضمان، لأن الظاهر هو استيفاء القطع، ومثل هذه اليد لا يكون منتفعا بها من كل وجه، فلا يكون قطعها موجبا للضمان. وأما فصل رد المسروق، فممنوع. قوله: بأن السرقة ظهرت عند القاضي وثبت كونه سارقا - قلنا: هذا باطل بالسرقة الظاهرة بشهادة الرجال والنساء أو بالشهادة على الشهادة.

стр. 230

وأما حديث صفوان بن أمية فمعارض بإطلاق قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا- الآية﴾. ٩٣ - مسألة: السارق من المودع والمستعير والمضارب والمرتهن والمستأجر والغاصب- يقطع بخصومة هؤلاء وبخصومة المالك وحده . والوجه فيه- أن السرقة انعقدت موجبة للقطع في نفسها، وقد ظهرت عند القاضي، بحجة شرعية، فيجب على القاضي استيفاء القطع قياسا على ما إذا ظهرت بخصومة المالك. وإنما قلنا: إن السرقة انعقدت موجبة للقطع، لأن الكلام في مثل هذه السرقة. وإنما قلنا - إنها ظهرت عند القاضي بحجة شرعية، لأن الحجة الشرعية شهادة عدلين، عند خصومة معتبرة، وقد وجد، لأن خصومة المودع خصومة معتبرة، لأن خصومة المالك إنما اعتبرت لحاجته إلى إظهار السرقة، لإعادة يده على المحل، تحصيلا للأغراض المتعلقة باليد. فإن قيل: بأن السرقة ظهرت عند القاضي بحجة شرعية عند خصومة معتبرة - قلنا: لا نسلم. قوله: لأن خصومة المالك إنما اعتبرت لحاجته - قلنا: لا نسلم. وهذا لأن حاجة المالك إثبات الملك وإعادة اليد لا إظهار السرقة. وهذه الحاجة تندفع بمجرد دعوى الأخذ، إلا أن الشرع أنابه مناب نفسه في دعوى السرقة، فلا يجعل غيره نائبا. ولئن سلمنا أن المالك إنما جعل خصما في دعوى السرقة، بطريق الأصالة، لحاجته - ولكن حاجته إلى إعادة اليد فقط، أو إليها وإلى استيفاء المنافع المختصة بملك الرقبة؟ ع م - ولكن هذا المعنى لا يتحقق في المودع ومن يمثل حاله.

стр. 231

ولئن سلمنا أن المودع جعل خصما في السرقة، ولكن أصالة أم نيابة؟ ع م. فلم قلتم بأن النائب يصلح خصما. وهذا لأن الإبدال لا مدخل لها في باب السرقة، كما في الشهادة على الشهادة، وشهادة الرجال مع النساء، والنيابة من باب الإبدال، فلا تصلح حجة. الجواب: قوله: لم قلتم بأن المالك جعل خصما بطريق الأصالة لحاجته؟ - قلنا: لأنه محتاج إليه، ودعوى السرقة تصلح طريقا له، فكان مناسبا/. قوله: يتمكن من دفع هذه الحاجة بدعوى مطلق الأخذ - قلنا: هذا إشارة إلى انتفاء الضرورة إلى دعوى السرقة. وحين لا ندعى الضرورة بل ندعى الحاجة. ودعوى السرقة طريق ودعوى غيرها طريق، فله أن يختار أيهما شاء. قوله: بأن المالك جعل خصما لحاجته إلى استيفاء المنافع المختصة بملك الرقبة- قلنا: المنافع حاصلة له من نفاذ العتق والهبة والبيع ممن في يده وغيرها، إنما الحاجة إلى المنافع المختصة باليد، والمودع ومن يمثله مع المالك سواء في هذه الحاجة. قوله: المودع لو كان خصما، يكون خصما بطريق النيابة- قلنا: لا نسلم، بل هو خصم بطريق الأصالة، لأنه يحتاج إلى إعادة اليد - على مار. بخلاف مسألة الشهادة، فإن ثمة في الحجة قصورا - أما ههنا بخلافه.

стр. 232

[١٠] كتاب السير ٩٤ - مسألة: قسمة الغنائم في دار الحرب لا يجوز . ولو مات واجد من الغزاة في دار الحرب لا يورث نصيبه. ولو لحقهم مدد في هذه الحالة يشاركونهم في الغنيمة. وعنده: الكل على العكس. والوجه فيه- أن هذه قسمة وقعت قبل ثبوت الملك للغانمين - فلا يجوز، قياسا على القسمة في حال فور الهزيمة. وإنما قلنا ذلك - لأن الاستيلاء أمر لابد منه في ثبوت الملك، ولم يوجد ههنا. وإنما قلنا إن الاستيلاء لابد منه - لأن الملك إنما شرع لمصلحة البقاء، ومصلحة البقاء إنما تحصل بالقدرة على الانتفاع والادخار، والقدرة على الانتفاع والادخار إنما تكون بالقدرة على دفع القاصدين، وهذه الحالة غير ثابتة في دار الحرب لتوجه المحاربة نحوهم وغلبه الأعداء على أموالهم ظاهرا وغالبا. وإذا انتفت القدرة انتفى الاستيلاء، فينتفي الملك، فينتفي جواز القسمة. فإن قيل: قولكم بأن الملك شرع لمصلحة البقاء- قلنا: شرع لمصلحة البقاء في الجملة أم لا محالة؟ م ع - ولا يمكن دعواه لأن الإنسان يملك كثيرا من الأموال، ولا تقوم به مصلحة البقاء/ لا محالة، بل في الجملة على تقدير الحاجة، وإنه موجود ههنا. ولئن سلمنا أن الملك رع لمصلحة البقاء، ولكن لم قلتم بأنه لا يحصل ههنا؟ . قوله: لأن ذلك يكون بالقدرة - قلنا: نعم، ولكن لم قلتم بأنه لا قدرة ههنا؟ .

стр. 233

قوله: لأن ذلك يكون بالقدرة على دفع القاصدين - قلنا: الشرط قدرة دفع قاصد ظاهر القصد أم قاصد موهوم؟ م ع - ولا مكن دعواه لأنه يؤدي إلى سد باب الملك ولكن دفع قاصد ظاهر القصد قد حصل ههنا، لأن الكلام فيما إذا قتلوهم وهزموهم وغلبوا على أموالهم. ولئن سلمنا أن ملك الغانمين لم يثبت، ولكن لم قلتم بأنه لا يجوز القسمة، وبطلانه ظاهر، لأن هذا المال لا يخلو: إما أن يكون مباحا أو تعلق به حق الغزاة: فإن كان مباحا، تجوز القسمة، لأن القسمة حينئذ تكون إثباتا للملك لهم بالإجماع. وإن تعلق به حق الغزاة، فتجوز القسمة أيضاً، لأن القسمة في الحق تجوز كالشرب والطريق. ثم هذا معارض بما روى عن النبي ﷺ أنه قسم غنائم خيبر بخيبر وغنائم أوطاس بأوطاس وغنائم بني المصطلق في ديارهم. الجواب: قوله: الملك شرع لمصلحة البقاء في الجملة أم لمصلحة البقاء لا محالة؟ - قلنا: لمصلحة البقاء ظاهرا وغالبا، لأن الدليل ينفى ثبوت الملك، لأن الأصل في الأشياء أن تكون مباحا، لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ إلا أنا توافقنا على ثبوت الملك إذا كان وسيلة إلى البقاء ظاهرا وغالبا، بالنظر إلى ذلك، وهو صلاحية المال كذلك.

стр. 234

قوله: الشرط دفع قاصد ظاهر القصد أم دفع قاصد موهوم القصد؟ قلنا: الشرط قدرة دفع القاصدين، وجميع الكفرة قاصدون. قوله: الكلام فيما إذا قتلوهم وهزموهم - قلنا: لا يمكنهم قتل جميع الكفرة وقهرهم، وإنما يمكنهم قتل البعض، فكان القصد/ من الباقين محتملا. قوله: بأن المحل إنما يكون مباحا أو تعلق به حق الغزاة- قلنا: الثابت للغزاة حق الملك، وهذا ليس بأمر قائم بالمحل، وحق التملك ليس من قبيل ما يقسم، بخلاف الشرب والطريق، لأنه حق ثابت في المحل. وأما الأحاديث - قلنا هذه المواضع كانت دار الحرب، ولكن صارت دار الإسلام، لأنه ظهر فيها أحكام الإسلام، فلا تكون حجة. ٩٥ - مسألة: قال أبو حنيفة وأصحابه: خمس الغنيمة يقسم على ثلاثة أسهم، سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل . وعند الشافعي يقسم على خمسة أسهم: ثلاثة ما ذكر، وسهم للرسول يصرف إلى نائبه وهو الخليفة، وسهم لقرابة الرسول ﷺ . ولقب المسألة- أن سهم ذوى القربى ساقط عندهم، وعنده ثابت. والخلاف في العلة للاستحقاق - عنده بعلة القرابة، وعندهم بعلة الفقر كسائر الفقراء. فصار حاصل الخلاف أن الغنى الهامشي هل يستحق هذا السهم؟ عندهم لا يستحق، وعنده يستحق. والوجه فيه- أن الخمس حق الله تعالى، فلا يصرف إلى الغنى.

стр. 235

وإنما قلنا: إن الخمس حق الله تعالى - لقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وإذا كان لله فلا يصرف إلى الغنى، لأن المقصود من هذا الاستحقاق دفع حاجة العبد، لأن الله مستغن عن الأموال والحاجات، وإنما أضافه إلى نفسه لحاجة العباد، والمحتاج هو الفقير دون الغني، فلو صرفناه إلى الغنى لكان فيه صرف الحق إلى غير المستحق، وذلك لا يجوز. فإن قيل: قولكم بأن الخمس حق الله لقوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ - قلنا: هذه إضافة الملك والاستحقاق أم إضافة التبرك والاحترام؟ / ع م- وبيانه أنه لو كان إضافة الملك والاستحقاق لكان ينبغي أن تقسم الغنائم على ستة أسهم، ولم تقسم - فكان المراد ما ذكرنا. ولئن سلمنا أنه إضافة الاستحقاق، ولكنه يقتضي أن يكون كل الخمس لله أو بعضه؟ ع م- وهذا لأنه أضافه إلى نفسه وإلى الأصناف الخمسة، فهذا يقتضي أن يكون سدس الخمس لله، فلا يمنع ما وراءه أن يصرف إلى الغنى. ثم ما ذكرتموه معارض بالكتاب والسنة والمعقول: أما الكتاب -[فـ] قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ - أثبت لذوي القربى مطلقا من غير فصل. وأما السنة-[فـ] قوله ﵇: "يا معشر بني هاشم- الحديث" ذكرهم مطلقا.

стр. 236

وأما المعقول - وهو أن استحقاق الفقير الهاشمي كان لجهة قرابة النبي ﷺ ، لأنها سبب الكرامة، وإنه موجود ههنا هـ. الجواب: قوله: لم قلتم بأن هذه الإضافة للاستحقاق- قلنا: لأن اللفظ موضوع له، والحل قابل. قوله: الخمس يقسم على خمسة لا على ستة - قلنا: غنما يقسم على خمسة، لأن السهم الذي هو حق الله في الابتداء يصير حثا لهؤلاء، بعلة الفقر والحاجة. قوله: هذا يقتضي أن يكون كل الخمس لله أو بعضه. قلنا: عنه جوابان: أحدهما - يقتضي كل الخمس لله، إلا أنه يثبت لهؤلاء من الله. والثاني- إن كان يقتضي كون بعضه لله، ولكن هذا يقتضي أن لا يجوز صرف بعض الخمس إلى الغني الهامشي. وعندكم يجوز صرف كله إليه. وأما الآية- قلنا: خص منه البعض، فإن النبي ﷺ ما أعطى أبا بكر وعثمان وجبير بن مطعم وهم كانوا قرشيين. فنحن نخص الأغنياء، لما مر- وهو الجواب عن الحديث. على أن الحديث يقتضي أن الاستحقاق بعلة الفقر، لأنه يقتضي أنه حق الله.

стр. 237

وأما الاستدلال - قلنا: القرابة سبب لاستحقاق الكرامة. أما لم/ قلتم بأنه سبب لاستحقاق هذه الكرامة - فلأنه يحتمل أن السبب مجموع الفقر والقرابة، فلا يكون أحدهما بانفراده سببا. ٩٦ - مسألة: الكفار إذا استولوا على أموال المسلمين وأحرزوها بدار الحرب، ملكوها . والوجه فيه - أن الاستيلاء من الكفار على مال المسلم بعد الإحراز بدار الحرب، استيلاء على مال مباح بإباحة ثابتة بأصل الخلق، فوجب أن يفيد الملك، قياسا على استيلاء المسلم على مال الكافر. وإنما قلنا ذلك لأن الأصل في الأموال هو الإباحة، إلا أن الشرع أثبت العصمة في الأموال المملوكة، متمما للمصلحة المطلوبة من الملك، وهو الانتفاع ودفع الحاجة، والعصمة بعد الإحراز بدار الحرب لم تكن متممة لهذه المصلحة، لتعذر الوصول إلى الغرض غالبا، فتعود الإباحة الأصلية، فيفيد الملك للحاجة. فإن قيل: قولكم بأن استيلاء الكافر استيلاء على مال مباح- قلنا: استيلاء مباح أو محظور؟ م ع- فلم قلتم بأن الاستيلاء المحظور بسبب الملك؟ . ولئن سلمنا أن استيلاء مباح، ولكن لم قلتم بأنه على مال مباح، بل هو مال معصوم في دار الإسلام بالإجماع، والاستيلاء ورد عليه؟ . قوله: تعذر الوصول إليه- قلنا: قولا أم فعلا؟ ع م - فلم قلتم بان هذا القدر لا يكفي للعصمة؟ .

стр. 238

ولئن سلمنا أن عادت الإباحة، ولكن لم قلتم بأنه يملكه الكافر؟ . قوله: بأنه محتاج إليه لمصالح البقاء - قلنا: الملك شرع لمصلحة البقاء في حق من هو جائز الإبقاء أم في حق من هو واجب الإفناء؟ م ع - ولكن الكافر واجب الإقناء فلا يثبت في حقه، لأن الظاهر من حال الكافر انه لا يجرى على موجب التكليف، فلا يقتضي الملك في حقه، بخلاف المسلم، إلا أنا عدلنا عن هذه القضية فيما سواه من أموالهم بالإجماع. الجواب: قوله: بأن هذا الاستيلاء مباح أم محظور؟ قلنا: مباح في نفسه لكونه سببا لإقامة المصالح إلا أنه/ محظور لغيره لما ذكرنا. وكونه محظورا لغيره لما ذكرنا. وكونه محظورا لغيره لا يمنع كونه سببا لمللك كالبيع وقت النداء. قوله: لم قلتم بان هذا استيلاء على مال مباح؟ قلنا: لما أن الأصل في الأموال هو الإباحة. قوله: تعذر الوصول إليها قولا أم فعلا [أم] قولا وفعلا - أما فعلا فظاهر. وأما قولا فلأن التصرفات القولية تحتاج إلى التسليم، وهو لا يقدر عليه. وأما الإعتاق -[فـ] لأن غرضه هو الثواب، وذلك بالمشقة والحاجة والقدرة على الانتفاع ولم يوجد. قوله: الملك يثبت في حق من هو واجب الإقناء أو واجب البقاء- قلنا: مطلقاً لما ذكرنا.

стр. 239

قوله: الكافر واجب الإقناء- قلنا: لا نسلم، بل الإمام مخير بين القتل والإرقاق، وإن كان واجب الإقناء، ولكن لغيره، وهو دفع الشر لا لعينه، فلا يبقى كونه أهلا للملك. قوله: الظاهر من حال الكافر أنه لا يجرى على موجب التكليف- قلنا: لا يثبت الملك لتحقق الجري على موجب التكليف، بل التمكين من ذلك، وإنه ثابت ههنا كما في حق العاصي الفاسق. ٩٧ - مسألة: الحربي إذا أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا، فقتله مسلم أو ذمي، لا يجب عليه الدية . والوجه فيه - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ - الله تعالى ميز بين المؤمن المطلق وبين المؤمن الذي من قوم عدو لنا في حق الحكم المختص بالقتل، لأنه أوجب في المؤمن المطلق الدية والكفارة جميعا، وفي المؤمن الذي هو من قوم عدو لنا الكفارة دون الدية، فعلم أنه ميز بينهما في حكم القتل. وإنما يقع التمييز بينهما أن لو كان الواجب بقتل المؤمن الذي هو من قوم عدو لنا الكفارة دون الدية. فإن قيل: لا نسلم بأن المراد بالمؤمن الذي هو من قوم عدو لنا المذكور في الآية ما تنازعنا فيه. ولئن سلمنا أن الآية تناولته، ولكن لم قلتم بأن المقصود التمييز بينهما في حق هذا القتل، / بالمقصور التمييز بينهما في حكم القتل العمد، فإنه يوجب الكفارة دون الدية.

стр. 240

ولئن سلمنا أن المقصور التمييز، ولكن في جميع الأحوال أم في بعضها؟ ع م. وعندنا تجب الكفارة دون الدية في حالة واحدة، وهو ما إذا رمى إلى الكافر في حالة القتل فأصاب هذا المؤمن لا كلام فيه. ولئن سلمنا أن النص ينفى الدية ولكن يجوز إثباتها بالحديث، وهو قوله ﵇: "في النفس الدية مائة من الإبل". الجواب: قوله: لم قلتم بأن المراد من النص هذا المؤمن؟ - قلنا: نقل عن أئمة التفسير أنهم قالوا: المراد منه هذا المؤمن. قوله: لم قلتم بأن المقصود من الآية التمييز بينهما في حق هذا القتل - قلنا: المقصود التمييز في القتل الواقع بصفة الخطأ، لأن المذكور في صدر الآية هو القتل الخطأ، فيكون هذا منصرفا إليه. قوله: المراد التمييز في جميع الأحوال أم في بعضها؟ قلنا: في مطلق الأحوال، لأن النص مطلق. وأما الحديث - قلنا: سبق لبيان حكم الدية حيث تجب، لا للإيجاب، وإن كان للإيجاب لكنه عام يتناول كل مؤمن، وما ذكرنا خاص، والخاص يقضي على العام. ٩٨ - مسألة: العبد الآبق إلى دار الحرب إذا أخذه الكفار لا يملكونه والوجه فيه- انه لم يوجد الاستيلاء على العبد، فلا يملك.

стр. 241

وإنما قلنا ذلك- لأن العبد بالإباق صار بحالة يقدر على التصرف في نفسه وصرف منافعها إلى مصلحته، لانقطاع قدرة المولى عنه، لأن الأصل أن يكون المكلف بسبيل من صرف المنافع في مصلحه نفسه، إلا أنه امتنع لقيام يد المولى. فإذا زال المانع عاد إلى الأصل. وإذا صار العبد قادرا على نفسه لا تثبت القدرة للغير عليه، كما في الحر. فإن قيل: قولكم بأنه لم يوجد الاستيلاء- قلنا: لا نسلم، وبطلانه ظاهر، لأنه متى دخل دار/ الحبر. وأخذه الكفار صاروا غالبين عليه، بحيث يمكنهم تنفيذ أمرهم ونهيهم فيه. وبهذا القدر يثبت ملك المسلم فيه، فيثبت ملك الكافر. ولئن سلمنا أنه لم يوجد الاستيلاء - لكن لم قلتم بأنه لا يملك؟ قوله: بأن العبد بالإباق صار قادرا على نفسه - قلنا: لا نسلم. قوله: لأنه زال المانع، وهو قيام يد المولى - قلنا: لا نسلم بأن لمانع قيام يد المولى، بل المانع قيام حق المولى في الملك لا يده، بدليل أن العبد الآبق المتردد في دار الإسلام يملك بالاستيلاء، ولئن زالت يد المولى، فكذلك يتحقق الغصب فيه، فعلم أن المانع قيام ملك المولى. ولئن سلمنا أنه زالت يد المولى، ولكن إلى خلف، وهو يد أهل الحرب، فلا يظهر يد للعبد الآبق على نفسه، فلا يمنع الاستيلاء والتملك. ولئن سلمنا أنه ظهرت يد العبد على نفسه، ولكن نيابة عن المولى لا أصالة، فلم تكن مانعة يد المولى كالمودع.

стр. 242

الجواب: قوله: لم قلتم بأنه لم يوجد الاستيلاء؟ قلنا: لما ذكرنا أن العبد صار قادرا على نفسه كالحر، فلا يستولى عليه، واستيلاؤهم لم يكن عن إذن الشارع، فلا يعتبر، بخلاف المسلم إذا استولى على عبيدهم. قوله: بان المانع ليس على يد المولى بل المانع ملك المولى - قلنا: هذا باطل، لأن ملك المولى لا يثبت إلا بالاستيلاء عليه - على ما مر. واستيلاء المولى عليه لا يتحقق إلا بعد سقوط اعتبار يد العبد، بخلاف المتردد في دار الإسلام، فإنه في يد مولاه، لأن اليد عبارة عن الاقتدار على المحل، تصرف، وإنه قائم بواسطة الطلب والاستعانة بأهل الدار، وإنما يتحقق الغصب في دار الإسلام لأن الشرع أقام تفويت حقيقة اليد والانتفاع في الحال مقام تفويت اليد مطلقا في حق الضمان صيانة للأموال وزجرا للسفهاء عنه. قوله: زالت يد المولى إلى خلف، وهو قيام يد الكفار - قلنا عنه جوابان: / أحدهما - أن بين دار الإسلام ودار الحرب فاصل، لأن بينهما موضعا لا يجرى فيه حكم دار الإسلام ولا دار الحرب، فظهر فيه يد العبد على نفسه. والثاني- أن العبد إذا انفصل عن دار الإسلام ظهرت يده على نفسه او يد غيره، ويده أولي من يد غيره، لأنه بقاء وذاك ابتداء. قوله: يد العبد على نفسه ظهرت نيابة عن يد المولى - قلنا: لا، بل أصالة، لأنه غالب والظاهر أنه لا يعود، بخلاف المأذون والمودع- على ما مر. ٩٩ - مسالة: الغازي إذا جاوز الدرب فارساً، فنفقت فرسه وقاتل راجلا، يستحق سهم الفرسان. ولو كان على العكس فعلى العكس .

стр. 243

والوجه فيه - أن سبب استحقاق الغنائم وجد، وهو فارس، فيستحق سهم الفرسان، قياسا على ما إذا قاتل فارسا. وإنما قلنا ذلك - لأن سبب الاستحقاق مجاوزة الدرب، لأن السبب في الحقيقة هو القتال والاستيلاء، إلا أن الإمام لا يمكنه الوقوف على حقيقة القتال في تلك الحالة، فلا يمكن تعليق الحكم بالحقيقة، فتعلق بالسبب، ومجاوزة الدرب سبب ظاهر دال على القتال، لأن الكلام فيما إذا جاوز متهيئا للقتال. فإن قيل بأن الإمام لا يمكنه الوقوف على حقيقة القتال - قلنا: لا نسلم، بل يقف عليه بإخبار الغير. دل عليه - أنه لو جاوز الدرب راجلا، ثم اشترى فرسا، وقاتل فارسا يستحق سهم الفرسان بالإجماع، فلو تعلق الحكم بالسبب وهو مجاوزة الدرب، لا ستحق سهم الرجالة. ولئن سلمنا أنه تعذر تعليق الحكم بالحقيقة، فلم قلتم بأن مجاوزة الدرب سبب ظاهر، بل محتمل، لأنه يجاوز الدرب للحرب ويجاوز [هـ] للتجارة، وإن كان مستصحبا للأسلحة لخوف اللصوص. ولئن سلمنا أن سبب ظاهر، ولكن إنما يقام مقامه إذا كان متصورا، ولا يتصور، لأن وجود القتال بدون/ شهود الوقعة والتقاء الصفين محال، فلا تقام المجاورة مقامه. ولئن سلمنا أن أمكن تعليق الحكم به، ولكن إنما تعلق به إذا لم يكن ههنا سبب آخر، وقد وجد سبب آخر أقرب، وهو شهود الوقعة فكان أولى، وصار كما إذا جاوز

стр. 244

الدرب فارسا ثم باع فرسه وشهد الوقعة راجلا: يستحق سهم الرجالة - كذا هذا. الجواب: قولكم: قلتم بأن الإمام لا يمكنه الوقوف- قلنا: لأنه لو وقف عليه إما أن يقف بنفسه أو بنائبه. ولا وجه للأول - لأنه مشغول بأمر المبارزة والمحاربة. ولا وجه للثاني - لأن المخبر قد يتهم في إخباره. وأما المسألة- قلنا: في ظاهر الرواية، يستحق سهم الرجالة. ولئن سلمنا ذلك فلأنه إنما يستحق سهم الفرسان إذا علم حقيقة أنه قاتل فارسا. قوله: لم قلتم بأن مجاوزة الدرب سبب ظاهر - قلنا: لأن الكلام فيما إذا وجد [ت] القرائن الدالة على القصد، فيوجد القتال ظاهرا وغالبا. قوله: إنما يقام مقامه إذا كان متصورا ولا يوجد القتال بدون شهود الوقعة - قلنا: نعم: وشرط إقامة السبب مقام الحكم عدم ثبوته حقيقة - على ما عرف. قوله: بأن ههنا سبب آخر أقرب من المجاوزة، وهو شهود الوقعة - قلنا: عنه جوابان. أحدهما - انه لا يمكن أيضا تعليق الحكم به، لان حال التقاء الصفين والاشتغال بالحرب. والثاني - أنه لا تنافى بينهما، فتعلق الحكم بهما جميعا، لأن كل واحد منهما دليل. وأما المسألة - فممنوعة. ولئن سلمنا، فلأنه لما باع الفس، علم أنه جاوز الدرب تاجرا هـ.

стр. 245

١٠٠ - مسألة: المرتدة لا يباح قتلها . والوجه فيه - أن كفر المرتدة لا يساوى كفر المرتد، في كونه جناية وقبيحا، فلا يساويه في استحقاق القتل، قياسا على الكافرة الأصلية. وإنما قلن ذلك - لأن كفر المرتد جناية من حيث إنكار الصانع وإحباط العمل، ومن حيث إنه يؤدي الشر إلى المسلمين، ويوجه/ الحرب نحوهم لقيام الداعي والقدرة، ولا كذلك المرتدة لانتفاء القدرة غالبا، فلا يفضي كفرها إلى الحراب، فلا يباح قتلها. فإن قيل: قولكم بأن كفر المرتد يفضي على الحراب وكفرها لا يفضي - قلنا: الموجب لقبح الكفر ذاته، لمعنى فيه - وكونه مفضيا إلى الحراب يتعلق اختيار الفاعل، فلا يوجب القبح في ذاته، وفيما ذكرناه يستوي الرجل والمرأة. ولئن سلمنا أن الحراب يؤثر في قبحه، ولكن [هل] الشوط كونه مفضيا إلى الحراب من جهته لا محالة أم في الجملة بأن توجه الشر بواسطة إقامة مصالح الرجال؟ ع م - ولكنها تهيئ أسباب قتالهم، فتقتل، كالحربية إذا كانت ذات رأي أو جاه. ولئن سلمنا أن الشرط كونه مفضيا إلى الحراب منه، ولكن غالبا أم محتملا؟ ع م - وهذا لأن احتمال الحرب منها قائم للآلات السليمة وإن كان قليل الوقوع، ولكنه يكفى لوجوب القتل، كما قلنا في الأسير. ولئن سلمنا أن كفرها لا يساوي كفره، ولكن لم يحل قتلها؟ وبطلانه ظاهر، لأن القبح هو نفس الكفر، وفيه يستوي الرجل والمرأة، ولأنها ارتدت بعد ما اطلعت

стр. 246

على محاسن الإسلام، فيكون كفرها أقبح من كفر الحربية، ولكن كفرها سبب لكفر أولادها، فصار أقبح. ثم هذا معارض بقوله ﵇: "من بدل دينه اقتلوه". الجواب: قوله: الموجب لقبح الكفر ذاته، لا كونه مفضيا إل الحراب - قلنا: بلى، ولكن كونه بحال إذا وجد يوجد هذا الحراب، ظاهرا وغالبا، يؤثر في زيادة القبح. قوله: المؤثر [كونه] مفضيا في الحال أم في الجملة؟ - قلنا: كفر المرأة لا يفضي إلى الحراب ظاهرا، لا من جهتها ولا من جهة غيها: أما من جهتها فلضعفها. وأما من جهة غيرها فلأن الظاهر أن الرجال لا يتبعون النساء في الحروب ولا يطيعونهن، حتى لو كانت ذات جاه وتبع تقتل. قوله: الشرط كونه مفضيا غالبا أم محتملا؟ - قلنا: غالبا/ نظرا إلى دليله، وهو الكفر وقصد اللحوق والبنية الصالحة. وقد وجد [ت]، هذه الأوصاف في الأسير دون المرأة. قوله: لا يحل قتلها، وإن لم يكن مفضيا - قلنا: لأن الدليل يقتضي حرمة القتل، إلا لما ذكرنا. وأما قوله: اطلعت على محاسن الإسلام - قلنا: إنما تطلع إذا خالطت الرجال، والظاهر أنها لا تخالط الرجال.

стр. 247

وأما كفر أولادها - قلنا: هذا مجرد وهم، وليس كل قبح مؤثرا في استحقاق القتل، بل ما اعتبره الشرع موجبا. وأما الحديث - قلنا: لا يمكن العمل بعمومه، لأن اليهودي إذا تنصر والنصراني إذا تهود، لا يقتل مع تبديل الدين، فنحمله على الرجال، عملا بقدر الإمكان. والله أعلم. ١٠١ - مسألة: الجزية تسقط بالموت والإسلام . والوجه فيه - أن الجزية مال اختص وجوبه بوصف كونه دافعا للشر عن الذمي، وبعد الموت والإسلام لا يمكن استيفاؤه بهذا الوصف، فوجب أن يسقط. وإنما قلنا ذلك - لأن الجزية تصلح دافعة للشر عن الذمي، والذمي يحتاج إلى دفع الشر عن نفسه، والشرع قد ورد به. هذا المعنى منتف بعد الموت والإسلام، فتسقط، لأن الدليل ينفي ذلك، لكونه إضرارا، إلا أنا خالفناه فيما كان دافعا للشر عنه. فإن قيل: قولكم بأنه وجب دافعاً للشر - قلنا: لا نسلم بأنه توجه الشر نحوهم. ولئن سلمنا أنه توجه الشر نحوهم، ولكن المسلمين يدفعونه، فيندفع عنهم. ولئن سلمنا أن المسلمين لا يدفعونه، ولكنهم يقدرون على دفعه بأنفسهم بواسطة القتال، دون بذل المال أو بالاستعانة. والدليل على أن الجزية لم تجب لما ذكرتم - أن الجزية تختلف باليسار والإعسار مع [أن] حاجة الكل إلى دفع الشر واحدة، ولأن الإمام إذا استعان بأهل الذمة سنة في القتال لا يسقط/ عنهم الجزية، ولو وجبت لما ذكرتم لسقطت، فعلم أنها لم تجب لما ذكرتم، بل بعقد الذمة أو بدلا عن سكنى دار الإسلام، فتصير دينا في الذمة، فلا تسقط، كسائر الديون. ولئن وجبت لما ذكرتم، ولكن حصل غرضهم فيما مضى، فتحب في ذمتهم.

стр. 248

ولئن سلمنا أنها سقطت، ولكن لم قلتم بأنه لا يجب الضمان، وظاهر أنه يجب، لأنه منع الحق في أول السنة، فصار كما إذا أتلف الجزية. الجواب: قوله: لم قلتم بأنه توجه الشر نحوهم؟ - قلنا: لأن الأمارة قامت عليه، وهي وجود الداعي والقدرة، بسبب معاداة الدين. قوله: المسلمون يدفعونه - قلنا: الظاهر أن أهل الإسلام لا يذبون عنهم بدون الإعانة. قوله: بأنه يدفعون عن أنفسهم- قلنا: لا يمكنهم لقلة عددهم، وعجزهم إنما يختلف باليسار والإعسار، لاختلاف المكنة. وأما قوله بأن الإمام لو استعان بهم لا تسقط الجزية - قلنا: ليس للإمام ذلك، ولو فعل لا يبتني عليه حكم، لأنه بخلاف الشرع، ولم يجب بالسكنى، لأنـ[ـه] يسكن ملك نفسه بالشراء، فلا يجب عليه بدله. قوله: حصل غرضهم فيما مضى - قلنا: الوجه في أخذ الجزية ليس أنه وجب عوضا عن الدفع الحاصل من المسلمين، بل وجب لينفقها المسلمون على أنفسهم ويشترون بها الدواب والأسلحة ويقاتلون بها الكفار الحربيين، فيدفعون الشر عن أهل الذمة، وهذا لا يتصور في الماضي. قوله: لم لا يجب الضمان- قلنا: لأن الضمان إنما يجب بعد وجوب الأصل، وقد بيننا أنه لم يجب، فلا يجب الضمان

стр. 249

١٠٢ - مسألة: أمان العبد المحجور عن القتال لا يصح، خلافاً له . والوجه فيه - أن أمان العبد تصرف في ملك المولى، على وجه لا يعرى عن الضرر به، فوجب ألا يصح إلا برضاه، قياساً/ على ما إذا تصرف في ماله بغير إذنه. وإنما قلنا ذلك - لأن المولى قبل القتال كان متمكناً من الانتفاع بعبده، باستعماله في القتال، ليحصل له ملك الغنائم ودفع شر الكفار، وبصحة الأمان يحرم عليه القتال والاستغنام. فإن قيل: قولكم بأن أمان العبد تصرف في ملك المولى على وجه لا يعرى عن الضرر به - قلنا: لا نسلم. قوله: بأن فيه منع المولى عن الانتفاع بملكه - قلنا: لا نسلم. وبطلانه ظاهر، لأنه إنما يكون ممنوعاً عن الانتفاع به، أن لو كان بحال يتمكن من الانتفاع لولا الأمان، ولا يتمكن، لأن الكلام في حال ظهوره قوة الكفر وعجز المسلمين وضعفهم. ولئن سلمنا أن المنع من الانتفاع إضرار بالمولى، ولكن متى لا يجوز: إذا قابله نفع يوازيه أم إذا لم يقابله؟ ع م، وقد قابله نفع، وهو دفع شر الكفار عن المولى. ولئن سلمنا أنه ضرر، ولكن حصل ضمنا لا قصداً، فلا يجب دفعه. ولئن سلمنا أنه تصرف في ملك المولى، ولكن إذا ظهر أنه مصلحة وجب أن يصح، كالعبد المحجور إذا قاتل يصح قتاله، حتى يستحق الغنيمة بالإجماع. ثم هذا معارض بقوله ﵇: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم".

стр. 250

الجواب: قوله: إنما يكون منعاً من الانتفاع إذا كان المولى قادراً على الانتفاع - قلنا: الجواب عنه من وجهين. أحدهما - أن القدرة كانت ثابتة، فلا تزول بالشك والاحتمال. والثاني - أن القدرة في ثاني الحال قائمـ[ـة]، فكان الأمان سد باب الانتفاع بملكه، على تقدير القدرة، وإنه ضرر. قوله: قابله نفع وهو دفع شر الكفار عن المولى - قلنا: عنه جوابان: أحدهما - أنه محتمل واجتهاد العبد مغلوب باجتهاد غيره. والثاني - إن كان فيه مصلحة، ولكن يمكن تحصيله بدون هذا الضرر، بأن يقدم المولى عليه. قوله: حصل قصداً أم ضمناً؟ - قلنا: حصل قصداً لأنه أثر/ أثر ملازم للأمان. قوله: إذا ظهر أنه مصلحة وجب أن يصح - قلنا: لما حكمنا ببطلانه، لا يترتب عليه الحكم، بخلاف القتال، لأن فيه نفعاً، فيحكم بصحته، تحصيلاً للنفع. وأما الحديث - قلنا: المراد من قوله: "أدناهم" أي أقربهم، من الدنو، لا من الدناءة، لأنه قال في مقابلته أقصاهم أي أبعدهم. والله أعلم.
следующие страницы →