Полный текст (509 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
على محاسن الإسلام، فيكون كفرها أقبح من كفر الحربية، ولكن كفرها سبب لكفر أولادها، فصار أقبح.
ثم هذا معارض بقوله ﵇: "من بدل دينه اقتلوه".
الجواب:
قوله: الموجب لقبح الكفر ذاته، لا كونه مفضيا إل الحراب - قلنا: بلى، ولكن كونه بحال إذا وجد يوجد هذا الحراب، ظاهرا وغالبا، يؤثر في زيادة القبح.
قوله: المؤثر [كونه] مفضيا في الحال أم في الجملة؟ - قلنا: كفر المرأة لا يفضي إلى الحراب ظاهرا، لا من جهتها ولا من جهة غيها: أما من جهتها فلضعفها. وأما من جهة غيرها فلأن الظاهر أن الرجال لا يتبعون النساء في الحروب ولا يطيعونهن، حتى لو كانت ذات جاه وتبع تقتل.
قوله: الشرط كونه مفضيا غالبا أم محتملا؟ - قلنا: غالبا/ نظرا إلى دليله، وهو الكفر وقصد اللحوق والبنية الصالحة. وقد وجد [ت]، هذه الأوصاف في الأسير دون المرأة.
قوله: لا يحل قتلها، وإن لم يكن مفضيا - قلنا: لأن الدليل يقتضي حرمة القتل، إلا لما ذكرنا.
وأما قوله: اطلعت على محاسن الإسلام - قلنا: إنما تطلع إذا خالطت الرجال، والظاهر أنها لا تخالط الرجال.
стр. 247
وأما كفر أولادها - قلنا: هذا مجرد وهم، وليس كل قبح مؤثرا في استحقاق القتل، بل ما اعتبره الشرع موجبا.
وأما الحديث - قلنا: لا يمكن العمل بعمومه، لأن اليهودي إذا تنصر والنصراني إذا تهود، لا يقتل مع تبديل الدين، فنحمله على الرجال، عملا بقدر الإمكان.
والله أعلم.
١٠١ - مسألة: الجزية تسقط بالموت والإسلام .
والوجه فيه - أن الجزية مال اختص وجوبه بوصف كونه دافعا للشر عن الذمي، وبعد الموت والإسلام لا يمكن استيفاؤه بهذا الوصف، فوجب أن يسقط.
وإنما قلنا ذلك - لأن الجزية تصلح دافعة للشر عن الذمي، والذمي يحتاج إلى دفع الشر عن نفسه، والشرع قد ورد به. هذا المعنى منتف بعد الموت والإسلام، فتسقط، لأن الدليل ينفي ذلك، لكونه إضرارا، إلا أنا خالفناه فيما كان دافعا للشر عنه.
فإن قيل: قولكم بأنه وجب دافعاً للشر - قلنا: لا نسلم بأنه توجه الشر نحوهم.
ولئن سلمنا أنه توجه الشر نحوهم، ولكن المسلمين يدفعونه، فيندفع عنهم.
ولئن سلمنا أن المسلمين لا يدفعونه، ولكنهم يقدرون على دفعه بأنفسهم بواسطة القتال، دون بذل المال أو بالاستعانة.
والدليل على أن الجزية لم تجب لما ذكرتم - أن الجزية تختلف باليسار والإعسار مع [أن] حاجة الكل إلى دفع الشر واحدة، ولأن الإمام إذا استعان بأهل الذمة سنة في القتال لا يسقط/ عنهم الجزية، ولو وجبت لما ذكرتم لسقطت، فعلم أنها لم تجب لما ذكرتم، بل بعقد الذمة أو بدلا عن سكنى دار الإسلام، فتصير دينا في الذمة، فلا تسقط، كسائر الديون.
ولئن وجبت لما ذكرتم، ولكن حصل غرضهم فيما مضى، فتحب في ذمتهم.
стр. 248
ولئن سلمنا أنها سقطت، ولكن لم قلتم بأنه لا يجب الضمان، وظاهر أنه يجب، لأنه منع الحق في أول السنة، فصار كما إذا أتلف الجزية.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأنه توجه الشر نحوهم؟ - قلنا: لأن الأمارة قامت عليه، وهي وجود الداعي والقدرة، بسبب معاداة الدين.
قوله: المسلمون يدفعونه - قلنا: الظاهر أن أهل الإسلام لا يذبون عنهم بدون الإعانة.
قوله: بأنه يدفعون عن أنفسهم- قلنا: لا يمكنهم لقلة عددهم، وعجزهم إنما يختلف باليسار والإعسار، لاختلاف المكنة.
وأما قوله بأن الإمام لو استعان بهم لا تسقط الجزية - قلنا: ليس للإمام ذلك، ولو فعل لا يبتني عليه حكم، لأنه بخلاف الشرع، ولم يجب بالسكنى، لأنـ[ـه] يسكن ملك نفسه بالشراء، فلا يجب عليه بدله.
قوله: حصل غرضهم فيما مضى - قلنا: الوجه في أخذ الجزية ليس أنه وجب عوضا عن الدفع الحاصل من المسلمين، بل وجب لينفقها المسلمون على أنفسهم ويشترون بها الدواب والأسلحة ويقاتلون بها الكفار الحربيين، فيدفعون الشر عن أهل الذمة، وهذا لا يتصور في الماضي.
قوله: لم لا يجب الضمان- قلنا: لأن الضمان إنما يجب بعد وجوب الأصل، وقد بيننا أنه لم يجب، فلا يجب الضمان
стр. 249
١٠٢ - مسألة: أمان العبد المحجور عن القتال لا يصح، خلافاً له .
والوجه فيه - أن أمان العبد تصرف في ملك المولى، على وجه لا يعرى عن الضرر به، فوجب ألا يصح إلا برضاه، قياساً/ على ما إذا تصرف في ماله بغير إذنه.
وإنما قلنا ذلك - لأن المولى قبل القتال كان متمكناً من الانتفاع بعبده، باستعماله في القتال، ليحصل له ملك الغنائم ودفع شر الكفار، وبصحة الأمان يحرم عليه القتال والاستغنام.
فإن قيل: قولكم بأن أمان العبد تصرف في ملك المولى على وجه لا يعرى عن الضرر به - قلنا: لا نسلم.
قوله: بأن فيه منع المولى عن الانتفاع بملكه - قلنا: لا نسلم. وبطلانه ظاهر، لأنه إنما يكون ممنوعاً عن الانتفاع به، أن لو كان بحال يتمكن من الانتفاع لولا الأمان، ولا يتمكن، لأن الكلام في حال ظهوره قوة الكفر وعجز المسلمين وضعفهم.
ولئن سلمنا أن المنع من الانتفاع إضرار بالمولى، ولكن متى لا يجوز: إذا قابله نفع يوازيه أم إذا لم يقابله؟ ع م، وقد قابله نفع، وهو دفع شر الكفار عن المولى.
ولئن سلمنا أنه ضرر، ولكن حصل ضمنا لا قصداً، فلا يجب دفعه.
ولئن سلمنا أنه تصرف في ملك المولى، ولكن إذا ظهر أنه مصلحة وجب أن يصح، كالعبد المحجور إذا قاتل يصح قتاله، حتى يستحق الغنيمة بالإجماع.
ثم هذا معارض بقوله ﵇: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم".
стр. 250
الجواب:
قوله: إنما يكون منعاً من الانتفاع إذا كان المولى قادراً على الانتفاع - قلنا: الجواب عنه من وجهين.
أحدهما - أن القدرة كانت ثابتة، فلا تزول بالشك والاحتمال.
والثاني - أن القدرة في ثاني الحال قائمـ[ـة]، فكان الأمان سد باب الانتفاع بملكه، على تقدير القدرة، وإنه ضرر.
قوله: قابله نفع وهو دفع شر الكفار عن المولى - قلنا: عنه جوابان: أحدهما - أنه محتمل واجتهاد العبد مغلوب باجتهاد غيره. والثاني - إن كان فيه مصلحة، ولكن يمكن تحصيله بدون هذا الضرر، بأن يقدم المولى عليه.
قوله: حصل قصداً أم ضمناً؟ - قلنا: حصل قصداً لأنه أثر/ أثر ملازم للأمان.
قوله: إذا ظهر أنه مصلحة وجب أن يصح - قلنا: لما حكمنا ببطلانه، لا يترتب عليه الحكم، بخلاف القتال، لأن فيه نفعاً، فيحكم بصحته، تحصيلاً للنفع.
وأما الحديث - قلنا: المراد من قوله: "أدناهم" أي أقربهم، من الدنو، لا من الدناءة، لأنه قال في مقابلته أقصاهم أي أبعدهم.
والله أعلم.
стр. 251
١٠٣ - مسألة: إسلام الصبي العاقل يصح .
والمراد بالصحة ترتيب أحكام الإسلام عليه، نحو الإرث من أقاربه المسلمين والحرمان من أقاربه المشركين وحرمة النكاح وحله وعصمة الأموال وغيرها.
والوجه فيه - أن الإسلام وجد منه حقيقة، فيجب القضاء بترتيب أحكامه عليه، قياساً على إسلام البالغ.
وإنما قلنا ذلك - لأن الإسلام هو الإقرار بوحدانية الله تعالى وصفاته ورسالاته والاعتقاد بالقلب. إلا أن الاعتقاد أمر باطن لا يمكن الوقوف عليه إلا بدليل، وقد وجد الدليل، وهو الإقرار باللسان عن عاقل طائع، لأن الكلام فيه.
فإن قيل: قولكم بأن الإسلام هو الإقرار - قلنا: نعم، ولكن بصفة كونه استسلاماً وانقياداً للشرع، لأن الإسلام في اللغة بمعنى الاستسلام، ولأنه ليس بأهل للوجوب، فلا يكون الإقرار واجباً عليه، فلا يكون إسلاماً.
ولئن سلمنا أن الإسلام هو الإقرار، ولكن لم قلتم بأنه وجد منه؟ وهذا لأن الصبي ليس بأهل لسائر الأقارير وللالتزام، فلا يكون أهلاً لهذا.
ولئن سلمنا أنه وجد منه الإقرار، ولكن لم قلتم بأنه وجد الاعتقاد؟ .
قوله: وجد دليله، وهو الإقرار الصادر عن عقل - قلنا: لا نسلم وجود العقل من الصبي. والدليل على عدم العقل عدم التكليف، إلا أنه يسمى عاقلاً مجازاً.
ولئن سلمنا أنه عاقل، ولكن عقله كامل أم ناقص؟ ع م - وهذا لأن عقل الصبي أنقص من عقل البالغ، فلا يكفى لصحة الإسلام، لأن/ الإسلام من أدق العلوم.
الجواب:
قوله الإسلام هو الاستسلام والانقياد - قلنا: نعم، وقد وجد منه الإسلام بهذا المعنى.
стр. 252
قوله: بأنه ليس بواجب - قلنا: عنه جوابان: أحدهما - أنه واجب عليه، إلا أنه لا يأثم بالترك لضعفه، نظراً له. والثاني - أن الوجوب إن لم يكن ثابتاً، ولكنه مأمور بالإتيان بطريق الندب والاستحباب، وهذا القدر يكفي لصحة الإسلام.
قوله: لم قلتم بأنه وجد منه الإقرار؟ قلنا: لأن الكلام فيما إذا أتى بصيغة الإقرار، إلا أنه لا يلزمه الأحكام الضارة نظراً له في سائر الأقارير، أما ههنا بخلافه.
قوله: لم قلتم بأنه وجد العقل من الصبي - قلنا: لأنه وجد الدليل، وهو الأفعال المضبوطة والأقوال الموافقة، لأن الكلام فيه.
قوله: بأن عقله ناقص - قلنا: وإن كان ناقصاً بالنسبة، ولكنه يكفى لصحة الإسلام، بدليل إسلام النساء مع قصور عقلهن، فإن يصح بالإجماع هـ.
стр. 253
[١١]
كتاب الغصب
١٠٤ - [مسألة]: زوائد الغصب أمانة: متصلة كانت كالسمن والجمال، أو منفصلة كاللبن والولد .
والوجه فيه - أن وجوب الضمان موقوف على الالتزام أو الاستهلاك، ولم يوجدا، فلا يجب الضمان، قياساً على الوديعة.
وإنما قلنا ذلك - لأن الدليل ينفي إيجاب الضمان لكونه إضراراً، إلا أنا توافقنا على شرعه فيما إذا وجد الالتزام أو الاستهلاك، وفيما عداه ينتفي بالنافي.
وإنما قلنا: إنه لم يوجد الالتزام، لأنه نص على أنه لم يلتزم. وأما الاستهلاك، فلأن الاستهلاك إعجاز المالك عن الانتفاع به، ولم يوجد، لأن الإعجاز يقتضي سابقة القدرة على الانتفاع، والولد لم يكن مقدور الانتفاع في حقه، فلا يتصور الإعجاز، فصح ما قلنا.
فإن قيل: قولكم بأن وجوب الضمان موقوف على الالتزام والاستهلاك - قلنا: لا نسلم. بل وجوب الضمان موقوف على الغصب، وقد وجد، لأن الغصب إثبات اليد العادية/ على مال الغير، وإنه موجود، فيجب الضمان.
ولئن سلمنا أن وجوب الضمان موقوف على الالتزام، ولكن لم قلتم بأنه لم يوجد؟ وهذا لأن الضمان كما يجب بصريح الالتزام، يجب بدليله، وقد وجد، لأنه باشر سبب الالتزام، وهو غصب الأصل.
ولئن سلمنا أنه لم [يوجد] الالتزام، ولكن لم قلتم إنه لم يوجد الاستهلاك؟
قوله: الاستهلاك إعجاز المالك - قلنا: لا نسلم، بل هو المنع من حدوث القدرة في المستقبل من الزمان، وإنه موجود ههنا.
стр. 254
والدليل على صحته ما قلنا: إن سبب وجوب الضمان في سائر صور الغصب، على اختلاف أسبابها، هو منع حدوث إمكان المالك من الانتفاع بالمحل في المستقبل، بدليل أن غاصب الغاصب ومودع الغاصب ضامن، وإن لم يوجد الإعجاز.
ولئن سلمنا أنه لم يوجد الالتزام ولا الاستهلاك، ولكن لا يجب ضمان الولد بطريق الأصالة أم بطريق التبعية؟ م ع - وهذا لأن الولد مضمون تبعاً للأم، وإن لم يوجد فيه سبب الضمان، لأن المضمونية صفة الأم، والولد يتبع الأم في الأوصاف الشرعية، وصار كما إذا أخرج ظبية من الحرم، فولدت في يده أولاداً، يجب عليه ضمان الأولاد.
الجواب:
قوله: بأن الغضب إثبات اليد العادية على مال الغير - قلنا: الغضب ليس مجرد إثبات اليد، بل هو إثبات اليد على وجه يزيل يد المالك، ولم يوجد ههنا، لأن يد المالك لم تكن قائمة على الولد.
قوله: لم قلتم بأنه لم يوجد الالتزام؟ - قلنا: لما ذكرنا.
قوله: باشر سبب الضمان - قلنا: لا نسلم - بيانه: أن مطلق الغصب ليس بسبب لوجوب الضمان، بل وجوب الضمان موقوف على إزالة اليد، على ما مر.
قوله: لم قلتم بأنه لم يوجد الاستهلاك - قلنا: لأنه لم يوجد الإعجاز.
قوله: السبب هو المنع من حدوث القدرة - قلنا: المقتضى لوجوب الضمان هو المنع من حدوث القدرة في المستقبل من الزمان، إذا كانت القدرة في المستقبل غالبة الوجود، لولا فعله، وإنما يكون كذلك إذا/ كان ثابتاً في الحال، لأن الأصل في الثابت دوامه وفي المعدوم عدمه - دل عليه أن من قطع شجرة إنسان لا يجب عليه ضمان الثمرات، لما ذكرنا - كذا هذا.
стр. 255
أما غاصب الغاصب ومودع الغاصب - قلنا: وجد ثمة تفويت إمكان المالك، لأن المالك كان بسبيل من الأخذ من الغاصب الأول، فالغاصب الثاني فوت عليه هذا الإمكان، فألحقناه بتفويت اليد في حق وجوب الضمان - أما ههنا بخلافه.
قوله: لا يجب الضمان بطريق الأصالة أم بطريق التبعية؟ قلنا: هذه معارضة.
قوله: المضمونية صفة شرعية في الأم، فيسري إلى الولد - قلنا: لا نسلم. بيانه - أن المضمونية صفة في الذمة لا في المحل، وإنما نقول للعين: هي مضمونة، لأنه وجد بإهلاكها سبب الضمان، والإهلاك صفة حقيقية، والولد لا يتبع الأم في الأوصاف الحقيقية، بخلاف ظبية الحرم، لأن أمنها في الحرم صفة شرعية، فجاز أن تسري إلى الولد.
١٠٥ - مسألة: الزوائد المتصلة لا تضمن بالبيع والتسليم .
وصورة المسألة - إذا غصب جارية قيمتها ألف درهم، فازدادت في يده سمناً أو جمالاً حتى صارت قيمتها ألفي درهم، فباعها، وسلمها إلى المشتري، فإن أراد المالك تضمين المشتري، له أن يضمنه ألفي درهم بالإجماع. وإن أراد تضمين الغاصب، له أن يضمنه ألف درهم عنده، وعندهما ألفي درهم. والتعليل والأسئلة والأجوبة ما مر في المسألة المتقدمة.
١٠٦ - مسألة: الدور والعقار لا تضمن بالغصب .
والوجه فيه - أنه لم يوجد منه الاستهلاك لأن الاستهلاك إنما يكون بإخراج العين من أن يكون منتفعاً به، وذلك بتفويت وصف عن المحل لأجله كان منتفعاً به في ق المالك، ولم يوجد، لأن المحل إنما كان منتفعاً به لكونه بقرب من المالك، مهيئاً بهيئة مخصوصة، ولم يوجد التبعيد ولا التغيير، فلا يتحقق الاستهلاك، / فلا يجب الضمان، لأنه ضرر.
стр. 256
فإن قيل: قولكم بأنه لم يوجد منه الاستهلاك - قلنا: لا نسلم.
قوله: الاستهلاك إنما يكون بتفويت وصف في المحل - قلنا: الاستهلاك الحقيقي أم الاستهلاك المعنوي؟ م ع - بيانه: أن المعول عليه في وجوب الضمان الاستهلاك المعنوي، وهو إعجاز المالك عن الانتفاع بالمحل، لأنه ضرر، بدليل أن من أودع عند إنسان عقاراً فجحد الوديعة - يضمن، وإن لم يوجد، تفوت وصف في المحل، ولا فعل فيه. ولكن لما وجد تبعيد المالك وجب الضمان - كذلك ههنا.
ولئن سلمنا أن الإعجاز بتفوت وصف عن المحل، ولكن لم قلتم بأنه لم يوجد ههنا؟ .
قوله: لأن المحل إنما كان منتفعاً به لكونه بقرب المالك مهيئاً - قلنا: لا نسلم، بل إن ما كان منتفعاً به، لأن المالك كان متمكناً من الانتفاع به لكونه في يد الغاضب: منع يده وفوت عليه إمكان الانتفاع وشغله بأن منعه نفسه، فلا يمكن الانتفاع، ولأنه بعد المالك عن الدار، فيكون سبباً للضمان.
الجواب:
قوله: لم يوجد الاستهلاك الحقيق أم المعنوي - قلنا: كلاهما: أما الحقيقي فظاهر. وأما المعنوي - فذلك لأنه إنما يكون بالعجز عن الانتفاع، وإمكان الانتفاع للمالك ثابت في الجملة بأن يرفع الأمر إلى السلطان فيستعديه فيعديه.
стр. 257
وأما المسألة - فممنوعة.
قوله: المحل إنما كان منتفعاً به لكونه في يد المالك، وقد أثبت الغاصب يده وأشغله بمتاعه - قلنا: هذا مما يمكن إزالته إما بنفسه أو بإنابة من هو أقوى منه، أو بالمرافعة إلى السلطان. فلم يكن تفويتاً للإمكان من كل وجه، فلا يجب الضمان، لأن أخذ الضمان تفويت للإمكان من كل وجه، فلا يجب إلا بتفويت مثله، تحقيقاً للمعادلة.
١٠٧ - مسألة: المنافع لا تضمن بالغضب .
وصورته - غصب عبداً خبازاً مثلاً، وأمسكه شهراً، ثم رده إلى المالك - لا يجب عليه ضمان منافع الشهر.
والوجه فيه - أن المنافع الحادثة في يد العاصب، ملكه، فلا يضمن، قياساً على إتلاف منافع ملك غيره.
وإنما قلنا ذلك - لأنه اكتسب المنافع، لأنه باشر السبب، وهو إمساك العين، و [بـ] مباشرة السبب كسب المنافع، كنصب الشبكة للصيد.
فإن قيل: التعليل ينتقض بما إذا غصب جارية فولدت في يده أو شجرة فأثمرت في يده، فإنه يضمن الولد والثمر، مع ما ذكرتم.
ثم نقول: لا نسلم بأن المنافع مله.
قوله: باشر سببه - قلنا: مباشرة السبب على هذا التفسير يكون [مـ] ملكاً في المباحات، لا في المملوكات، بدليل أنه لو نصب شبكة، فتعقل بها صيد مملوك لأحد، لا يملكه، والمنافع مملوكة للمالك، لأنها تبع ملكه، فكانت مملوكة له، كالثمر والولد.
стр. 258
ولئن سلمنا أن الكسب سبب للملك، ولكن كسب مباح أم محظور. م ع - وهذا لأن الغصب محظور بالإجماع، والمحظور لا يجوز أن يكون سبباً للملك، لأنه يؤدي إلى فتح باب الظلم والعدوان.
ولئن سلمنا أنها حدثت على ملك الغاصب، ولكن كانت بحالة لولا الغصب لحدثت عن ملك المالك، فكان هذا كحدوثها على ملكه، فكان ضرراً، فيجب الضمان
الجواب:
أما إذا غصب جارية فولدت أو شجرة فأثمرت - إنما لا يملكه لوجهين: أحدهما - أن ذلك ليس بسبب لحصول الولد والثمرة، لأنه لا يلزم حصولها. والثاني - أنهما من أجزاء الجارية والشجرة، فكانت مملوكة للمالك قبل الغصب - أما ههنا بخلافه. قوله: السبب على هذا التفسير يكون في المباحات لا في المملوكات - قلنا: لا نسلم.
ولئن سلمنا ذلك، ولكن لم قلتم بأن المنافع ملك المالك؟
قوله: لأنها تبعه - قلنا: لا نسلم، بل العين تبع للمنافع من حيث الغرض والمقصود.
قوله: لم قلتم بأنه لا يجب الضمان بسبب منع حدوث المنافع على ملكه؟ قلنا: لأن الضمان منع المنفعة الحاصلة، فلا يجب في قابلة منع منفعة لم تحصل بعد، تحقيقاً للمعادلة في ضمان العدوانات.
١٠٨ - مسألة: المضمونات تملك بالغصب عند أداء الضمان مستنداً إلى وقت الغصب .
стр. 259
صورته: إذا غصب عبدا: فاكتسب في يده أكساباً، وأبق من يده - يقضي القاضي عليه بالضمان و [إذا] أدى الضمان، يصير العبد ملكاً له، حتى لو عاد العبد من الإباق، يعود على ملكـ[ـه] وكانت الأكساب ملكاً له.
والوجه فيه - أن المالك ثبت الملك ل في الضمان، فيزول ملك الغصب عن الضمان، لاستحالة جمعهما، وإذا زال ملك الغاصب، فقد تضرر به، فيجب إعدام هذا الضرر، وذلك بإثبات الملك [له] في المضمون، ليقوم مقامه، فوجب القول بإثبات الملك في الجانبين، دفعا للضرر عنهما بقدر الإمكان.
فإن قيل: قولكم بأن ثبت للمالك في الضمان - قلنا: لا نسلم. وبطلانه ظاهر، لأنه لو ثبت الملك له: إما أن يثبت من كل وجه، أو من وجه دون وجه. لا وجه للأول - لأنه لم يفت ملك المالك عن المضمون من كل وجه، لقيام ملك الرقبة - لا وجه للثاني - لأنه لا قائل به.
ولئن سلمنا أنه ثبت الملك للمالك في الضمان، ولكن لم قلتم بأنه ثبت الملك للغاصب في المضمون؟ .
قوله: دفعاً للضرر - قلنا: الاعتراض عليه من وجهين: أحدهما - أن ضرره ليس بواجب الدفع، لأنه جان. والثاني - أنه لا يمكن إثبات الملك للغاصب في المضمون، لأنه هالك حكماً، لأن القاضي لا يقضي بالضمان للمالك، إلا بعد قضائه بهلاك المضمون.
والدليل على أن الغاصب لم يملك المضمون من وقت الغصب، أنه لا يملك الأولاد الحادثة بعد الغصب.
ولئن سلمنا أنه ثبت الملك في الجانبين، ولكن على وجه يتمكن المالك من فسخه، لأنه ثبت بطريق الضرورة، فيتوقف إلى وقت ظهور المضمون، فثبت له حق النقض، كالبائع المكره، وصار كما أخذ الضمان بقول الغاصب، فإنه يعود - كذا هذا.
стр. 260
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن الملك ثبت للمالك في الضمان؟ قلنا: لأن الفائت بالغصب/ منافع لا يمكن جبرها ودفع الضرر الحاصل بفواتها إلا بثبوت الملك للمالك في الضمان من كل وجه.
قوله بأن في إثبات الملك للمالك في الضمان من وكل وجه إزالة ملك الغاصب من كل وجه، مع أنه لم يزل من كل وجه - قلنا: نعم ولكنا دفعنا هذا الضرر عن الغاصب بإثبات الملك له في المضمون من كل وجه، تحقيقاً للمعادلة ودفعاً للضرر.
قوله بأن ضرر الغاصب ليس بواجب الدفع - قلنا: لا نسلم.
قوله: لأنه جان - قلنا: بلى، ولكن حق الجاني فيما وراء جنايته معصوم، ولا يجوز الإضرار به إلا بقدر الجناية، عملاً بالدليل النافي للضرر.
قوله: بأنه هالك حكماً، فلا يمكن إثبات الملك فيه - قلنا: لا نسلم، بل هو قائم، لأن الآبق قابل للملك، وكذلك الهالك من كل وجه: قابل للملك في آخر جزء من أجزاء بقائه.
وأما الأولاد والأكساب - قلنا: الملك ثبت مستنداً، وإنه يظهر في حق بعض الآثار دون البعض، فأظهرناه في الأكساب دون الأولاد، لأن التبعية في الأكساب أكثر.
قوله: يتمكن المالك من فسخه - قلنا: لا نسلم - وبيانه: أن الملك للمالك في الضمان ثبت على وجه لا يتمكن الغاصب من نقضه، فكذا في جانبه - بخلاف البائع المكره، لأن الغاصب طائع في الغصب والضمان، وكذا المالك، بخلاف ما إذا أخذ الضمان بقول الغاصب، لأن المالك ثمة كالمكره.
стр. 261
١٠٩ - مسألة: نقصان الولادة ينجبر بالولد إذا كان له وفاء بقيمة النقصان .
والوجه فيه - أن هذا النقصان تعين طريقاً للوصول إلى نفع مطلوب عادة، فلا يجب الضمان.
وإنما قلنا ذلك - لأنه تعين طريقاً للوصول إلى الولد عادة، والولد نفع مطلوب عادة، وإذا كان النقصان طريق النفع كان ناقصاً صورة لا معنى، فلا يكون ضرراً معنى، فلا يجب الضمان، لأن أخذ الضمان إضرار صورة ومعنى. والدليل يأبى ذلك إلا لجبر/ ضرر مثله.
فإن قيل: قولكم بأن الولد نفع مطلوب عادة - قلنا: لا نسلم، بل تطلب الأم للاستخدام أو الركوب.
ولئن سلمنا أن الولد نفع مطلوب. ولكن يجبر النقصان إذا كان مطلوباً للمالك قطعاً أم [على] سبيل الاحتمال؟ م ع - وهذا لأن ضرر النقصان قطعي ونفع الولد محتمل، فلا ينجبر به.
ولئن سلمنا أن النقصان يجبر، ولكن لم قلتم بأنه لا يجب الضمان؟ وهذا لأن الضمان عندنا لم يجب بسبب الولادة، لأنه صنع الله تعالى وإنما وجب بالغصب السابق، والغصب سبب للضمان، لأنه سبب للنقصان.
ثم الدليل على أن الولد لا يصلح جابراً، لأنه ملك المالك، والنقصان حصل على ملكه، ونقصان ملكه لا ينجبر بملكه - دل عليه أن الأم ثم الدليل على أن الولد لا يصلح جابراً، لأنه ملك المالك، والنقصان حصل على ملكه، ونقصان ملكه لا ينجبر بملكه - دل عليه أن الأم إذا ماتت وفي قيمة الولد وفاء بالأم، يجب عليه ضمان الأم. وكذلك إذا قطع أصول شجرة إنسان ونبت مكانها أخرى أو جز صوف شاته ونبت آخر، أو نزع أنثيي عبد إنسان وازدادت قيمته، يجب الضمان في هذه الصور.
стр. 262
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن الولد نفع مطلوب عادة - قلنا: لأن العقلاء يمسكون الأمهات والدواب والجواري للولد، وكون غيره مطلوباً لا يمنع كونه مطلوباً.
قوله بأن نفع الولد محتمل - قلنا: نفرض الكلام فيما إذا كان نفعه قطعياً، وصرح المالك بكونه طالباً للولد، فسقط السؤال.
قوله: سبب وجوب الضمان هو الغصب السابق - قلنا: إنما يجب الضمان بسبب الغصب إذا لم يرد الجارية، وقد ردها من غير نقصان معنى - على ما مر.
قوله بأن نقصان ملكه لا ينجبر بملكه - قلنا: نحن لا ندعي بأن هذا النقصان حصل صورة ومعنى ووجب الضمان ثم انجبر، ولكن ندعي أن هذا لم يقع نقصاناً موجباً للضمان ابتداء، لما قلنا. وأما إذا ماتت الأم فهذا نقصان صورة ومعنى/ وكذلك إذا قطع الشجرة وجز الصوف، فإنه نقصان صورة ومعنى، لأنه لم يتعين طريقاً للنفع - وأما الزيادة بقطع الأنثيين [فـ] ليس بمطلوب شرعاً، لأنه حرام، وهو عادة الجهال والظلمة، فكان ذلك النفع ملحقاً بالعدم - أما ههنا بخلافه.
والله أعلم.
١١٠ - مسألة: إذا غصب حنطة وطحنها أو زرعها ينقطع حق المالك ويصير ملكاً للغاصب بالضمان، خلافاً له .
والوجه فيه - أن الغاصب استهلك مالية الحنطة واكتسب مالية الدقيق، فوجب أن ينقطع حق المالك إلى الضمان.
стр. 263
وإنما قلنا ذلك - لأن مالية الحنطة إنما تثبت بكونها صالحة لإقامة المصالح المختصة بها من الزراعة وإتخاذها أطعمة، وبالطحن فاتت هذه الصفة، فتفوت المالية.
وإنما قلنا إنه اكتسب مالية الدقيق، لأنه باشر السبب المتعين لحصول الدقيق، وهو الطحن، فيصير ملكاً للغاصب، لقوله ﵇: "المرء أحق بكسبه".
فإن قيل: قولكم بأنه استهلك مالية الحنطة - قلنا: لا نسلم.
قوله: بالطحن فاتت المصالح المختصة بها - قلنا: لا نسلم بأن الطحن مضاف إلى فعله، بل مضاف إلى دوران الرحا، وذاك إلى جريان الماء، إلا أن إلقاء الحنطة في الرحا شرط، والحكم لا يضاف إلى الشرط.
ولئن صرحنا بأن الطحن مضاف إلى فعله، ولكن لم قلتم بأن الطحن زالت مالية الحنطة؟ .
قوله: لأنه فاتت منافع الحنطة المختصة بها - قلنا: كلها أم بعضها؟ ع م وهذا لأن معظم منافع الحنطة اتخاذاه خبزاً، وإنه قائم، فلا يزول الملك، ولهذا لو غصب شاة فذبحها لا ينقطع حق المالك عن الشاة، وإن فاتت منافع الدر والنسل.
ولئن سلمنا أن مالية الحنطة قد بطلت، ولكن أجزاء الحنطة قائمة، فلم ينقطع ملك المالك، لأن المالية صفة والأجزاء ذات، والملك يقع بالذات لا بالصفات.
ولئن سلمنا أنه يزول ملك المالك، ولكن لم يثبت ملك الغاصب.
قوله: اكتسبه - قلنا: لا نسلم بأن الفعل الحرام يكون سبباً للملك.
ولا نسلم بأن الحديث يتناوله، لأنه أجمعنا على أن الغاصب ليس أحق به، فإنه لا يحل له الانتفاع به، بل يجب عليه التصدق.
стр. 264
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن الطحن مضاف إلى فعله؟ قلنا: لو فرضنا الكلام فيما إذا طحن بيده سقط السؤال. ولو لم نفرض فنقول: تقريب الحنطة من الرحا سبب للطحن، ولهذا لو استأجر طحاناً ليطحن له بكذا، ففعل ما قلنا - يستحق الأجرة.
قوله: لم قلتم بأن الطحن زالت مالية الحنطة - قلنا: لأن منافعها قد فاتت.
قوله: كلها أو بعضها - قلنا: كلها، لأن منافع الحنطة ما تحصل حال تركب الأجزاء، لأنها هي الحنطة، وملك المالك قائم بالمركب، فكان لهذه الأجزاء ماليتان في حالتين: إحداهما حالة التركب، والثانية حالة التفرق. فمالية التركب تزول بزوال التركب.
وأما إذا غصب شاه فذبحها - قلنا: لم يستهلك مالية اللحم، وإن استهلك مالية الشاة. إنما الفائت صفة الحياة، وذلك ليس بشرط اللحم.
ولئن استهلك مالية الشاة ولكنه لم يكتسب مالية أخرى، حتى لو اكتسب بالطبخ، يزول ملك المالك، كما زال ههنا.
قوله: الملك يقوم بالذات لا بالصفات - قلنا: لا نسلم، بل قائم بالصفة، بدليل الشاة الميتة.
قوله: الغاصب ليس أحق به - قلنا: لا نسلم، بل هو أحق به، لأنه أخص به، ولهذا خصه الشرع بالتصدق به وتمليكه.
والله أعلم.
стр. 265
١١١ - مسألة: إذا غصب ساجة وأدخلها في بنائه، ينقطع حق المالك إلى الضمان .
والوجه فيه - أن القول بانقطاع حق المالك إلى الضمان وثبوت الملك للغاصب في الساجة دفع أعلى الضررين، بتحمل الأدنى، فوجب المصير إليه، قياساً على ما إذا غصب لوحاً/ وأدخله في السفينة المركوبة. وإنما قلنا ذلك - لأن القول بانقطاع حق المالك إضرار به، ولكن بعوض يقابله وهو الضمان. وفي القول ببقاء حق المالك إضرار بالغاصب بغير ضمان، لأنه متى بقى ملك المالك في الساجة كان بسبيل من نقض البناء لإخراج الساجة، وفي ذلك إبطال ملك الغاصب عن البناء بغير ضمان، لأن البناء حصل بكسبه، والكسب سبب لثبوت الملك، ومعلوم أن هذا الضرر فوق ذلك الضرر، فوجب القول بانقطاع حق المالك إلى الضمان، دفعاً لأعلى الضررين بتحمل الأدنى.
فإن قيل: قولكم بأن في نقض البناء إبطال ملك الغاصب عن البناء بلا عوض - قلنا: لا نسلم بأن نقض البنا إبطال ملكه.
قوله: لأنه حصل بكسبه - قلنا: المحظور لا يكون سبباً للملك.
ولئن سلمنا أنه ملكه، ولكن هذا الضرر حصل قصداً أو ضمناً؟ ع م. وهذا لأنه حصل ضمناً لإيصال الحق إلى مستحقه. فلا يجب دفعه، كما في مؤنة الرد - دل عليه أنه لو غصب ساجة وبنى عليها لا ينقطع حق المالك حتى ينقض البناء - كذا هذا.
ولئن سلمنا أنه إضرار بالغاصب، ولكن لا نسلم بأنه فوق ضرر المالك.
قوله: لا يقابل بالضمان قلنا: لا، بل يقابل بالضمان على أحد قولي الشافعي.
стр. 266
ولئن سلمنا أن ضرره فوق ضرر المالك، ولكن لم قلتم بأنه واجب الدفع؟ وبطلانه ظاهر لوجهين.
أحدهما - أنه جان ولا يبالي بضرر الجاني.
والثاني - أنه هو الذي أضر بنفسه حيث باشر سببه، وهو إدخاله الساجة في بنائه مع علمه بذلك، فلا يستحق النظر.
ثم هذا معارض بقول ﵇: "من وجد عين ماله فهو أحق به".
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن نقض البناء إبطال ملكه؟ قلنا: لما ذكرنا.
قوله: المحظور لا يكون سبباً - فالجواب عنه ما مر في المسائل المتقدمة.
قوله: هذا الضرر حصل/ قصداً وابتداء أو ضمناً - قلنا: إذا ثبت أنه ضرر، يجب دفعه بالدليل.
قوله: حصل ضمناً لاتصال الحق - قلنا: لا نسلم، بل حصل قصداً وابتداء، لأنه لا يجب نقض البناء لرد الساجة، لما فيه من إبطال ملكه، وبهذا فارق مؤنة الرد، لأن الرد واجب ثمة أو لأن الرد ممكن في الجملة بدون المؤنة.
وأما فصل الساجة - قلنا: ثمة ضرر المالك مثل ضرر الغاصب، لأن ضرر المالك بغير عوض كضرر الغاصب، لأن الساجة لا تضمن بالغصب - أما ههنا بخلافه.
قوله: إن ضرره يقابل بالضمان على أحد قوليه - قلنا: لا نسلم، ولا يمكن القول به، لأن البناء هو التركيب وإنه ليس بعين مال حتى يقابل بالضمان، على أنا إذا سعينا في إبطال أحد قوليه فقد حصل المرام.
стр. 267
قوله - بأن ضرره لا يدفع، لأنه جان - فالجواب عنه ما مر في المسألة المتقدمة.
وإدخال الساجة ليس بسبب للنقص، بل هو سبب لانقطاع حق الملك على ما مر.
وأما الحديث - قلنا: لم يجد المالك عين ماله، لأنه انقطع ماله - على ما مر.
١١٢ - مسألة: المسلم إذا أتلف خمر الذمي أو خنزيره - يجب عليه الضمان .
وعلى هذا خلاف جواز بيع الذمي من الذمي في الخمر والخنزير.
والوجه فيه - أنه أتلف مالاً متقوماً معصوماً حقاً للمالك - فيجب الضمان، قياساً على ما إذا أتلف خل الذمي.
وإنما قلنا: إنه أتلف مالاً، لأن المال هو المحل المعد لإقامة مصلحة الآدمي حقيقة وشرعاً، وإنه كذلك في حق الذمي.
وإنما قلنا: إنه متقوم، لأن المعنى به كون المحل بحال يبذل العوض في مقابلته، وإنه كذلك في حقه.
وإنما قلنا إنه معصوم، لأن العصمة إنما تثبت لحاجة المالك إلى صيانة ملكه، والذي يحتاج إليه.
وإذا ثبت هذا - فإتلاف مال هذا حاله إضرار بالمالك، فوجب دفعه بالضمان.
فإن قيل: ما ذكرتم إن دل على وجوب الضمان، ولكن ههنا دليل آخر/ ينفي ذلك. وذلك لأن الخمر وإن كان مالاً في حق الذمي، ولكنه ليس بمال في حق المسلم، وهو محرم الانتفاع، وأخذ الضمان من المسلم إتلاف مال متقوم في حقه وفي حق الذمي مطلقاً، فلا يجب إلا بإتلاف مال متقوم في حق الكل تحقيقاً للمعادلة.
ولئن سلمنا أن إتلاف خمر الذمي يصلح سبباً للضمان، ولكن إنما يجب إذا أمكن، وإنه لا يمكن لوجهين:
стр. 268
أحدهما - أنه لو وجب عليه الضمان لثبت الملك في المضمون، كما هو مذهبكم في المضمونات، ولا وجه إليه، لأن المسلم ليس بأهل لتملك الخمر.
والثاني - وهو أن الضمان لو وجب إما أن ما يجب بالمثل وهو الخمر أو بالقيمة - لا وجه للأول، لأن المسلم ليس بأهل لتملك الخمر. ولا وجه للثاني لوجهين: أحدهما - أن إيجاب القيمة في المثليات عند وجود المثل لا نظير له في الشرع، فكان نصب الشرع بالرأي، وذلك باطل. والثاني - أن المسلم لا يعرف قيمة الخمر بنفسه، لأنه ليس بأهل التمليك، فلابد من الرجوع إلى تقويم الذمي، وفيه تنفيذ حكم الذمي على المسلم، وذاك باطل.
الجواب:
قوله: بأن الخمر إن كان مالاً في حق الذمي ـ[فـ] ليس بمال في حق المسلم - قلنا: بلى، ولكن سببية الضمان تبتني على كونه مالاً متقوماً في حق المتلف عليه، دون المتلف، لأن الضمان شرع لإعدام الضرر، وذلك يثبت بكونه مالاً متقوماً في حقه، والمعادلة ثابتة ههنا في وصف الإضرار.
قوله: لو أدى الضمان يملك المضمون، وهو ممنوع عن تملك الخمر - قلنا: المسلم ممنوع عن تملك الخمر قصداً لا ضرورة، ولهذا يملك بالإرث، وبأن يوكل ذمياً بشرائها عند أبي حنيفة.
قوله: إما أن يجب المثل أو القيمة - قلنا: تجب القيمة.
قوله: مثلي - قلنا: بلى، لكن إذا عجز المتلف عن أداء المثل يصار إلى القيمة، كما إذا أتلف عصيراً فانقطع أوانه، تجب القيمة/.
قوله: فيه تحكيم الذمي على المسلم - قلنا: ليس كذلك، لأنه يمكن معرفته من ذمي أسلم أو مسلم تاب من شرب الخمر.
والله أعلم.
стр. 269
[١٢]
كتاب الوديعة
١١٣ - مسألة: المودع إذا خالف في الوديعة ثم عاد إلى الوفاق يبرأ عن الضمان .
والوجه فيه - أن ضرر الإعجاز قد ارتفع بالعود إلى الوفاق، فوجب أن لا يؤاخذ بالضمان عند الهلاك.
وإنما قلنا ذلك - لأن ضرر الإعجاز حصل بإثبات اليد المانعة على المحل، وبترك الخلاف والاشتغال بالحفظ للمالك إزالة اليد المانعة عن المحل، فارتفع الإعجاز، فلا يجب الضمان، لأن الدليل يأبى إيجاب الضمان إلا لإعدام الضرر الواقع بالإعجاز، لكونه ضرراً.
فإن قيل: قولكم بترك الخلاف إزالة اليد المانعة - قلنا: لا نسلم.
وبيانه: أن تفسير العود إلى الوفاق [هو] ترك الخلاف، والخلاف هو لبس الثوب، فكان العود نزعه، وإنه محتمل: يحتمل أنه نزعه لنفسه، ويحتمل أنه نزعه للمالك.
ولو قال: أحفظه للمالك - لا يسمع قوله، لأنه متهم فيه، لدفع الضمان عن نفسه.
стр. 270
ولئن سلمنا أن ضرر الإعجاز قد ارتفع بالعود إلى الوفاق، ولكن قطعاً أم على سبيل الاحتمال؟ ع م. وهذا لأن الخلاف وجب الضمان قطعاً، وارتفاع الإعجاز محتمل، فلا يسقط اليقين بالشك، وصار كالغاصب إذا قال: أنا أحفظه للمالك ولا أمنعه، لا يسقط عنه الضمان.
ولئن سلمنا أن ضرر الإعجاز قد انعدم، لكن لم لا يجب الضمان بسبب آخر وهو الالتزام للضمان عند الهلاك، بترك الحفظ حالة عقد الوديعة؟ .
الجواب:
قوله بأن تفسير العود إلى الوفاق نزع الثوب - قلنا: ليس تفسير العود إلى الوفاق نزع فقط، بل هو الاشتعال بالحفظ للمالك على وجه يعرف بقرائن أحواله ودلالات العادة: أنه يحفظه للمالك ولا يمنعه/ عنه.
قوله: الإعجاز قد ارتفع قطعاً أم على سبيل الاحتمال؟ - قلنا: ظاهراً وغالباً، وهذا القدر يكفي للمنع من المؤاخذة بالضمان، بدليل أنه لو رد إلى رسول المالك يبرأ من الضمان، وبهذا لا يرتفع العجز قطعاً، بخلاف الغاصب إذا قال: أحفظه للمالك، لأنه أخبر عن شيء يشهد الظاهر بخلافه، والظاهر من الغاصب الإعجاز، ومن المودع ترك الإعجاز.
قوله: لم لا يجب الضمان بسبب الالتزام؟ قلنا: لأن الالتزام لم يوجد صريحاً، والظاهر أنه لا يلتزم الضمان لما فيه من الضرر.
١١٤ - مسألة: إذا أودع عند صبي محجور عليه مالاً، أو عند عبد محجور عليه مالاً، فاستهلكه - لا ضمان عليه أصلاً، وعلى العبد ضمانه بعد العتق .
والوجه فيه - أن الصبي استهلك مالاً، تالفاً في حق المالك من وجه - فلا يضمن.
стр. 271
وإنما قلنا ذلك - لأن المال لما وقع في يد الصبي صار تالفاً، في حق المالك من وجه، لأن المعنى من التلف هو العجز عن الانتفاع، والمالك عاجز عن الانتفاع من وجه، لأن الظاهر من حال الصبي المنع لقيام الداعي والقدرة، ولا مانع له شرعاً، فيكون تالفاً من وجه، فلا يجب الضمان، لأن الدليل يأباه لكونه ضرراً، إلا في مقابلة مال قائم من كل وجه، ففيما عداه [لا].
فإن قيل: قولكم بأن الظاهر من حال الصبي المنع لقيام الداعي - قلنا: لا نسلم وبطلانه ظاهر، لأنه وإن لم يكن له مانع شرعي، ولكن له مانع، وهو خوف ارتفاع الثقة وخوف التعزيز والتأديب، فلا يمنعه عن المالك.
ولئن سلمنا أن هـ ١ االمال تالف على ما ذكر، ولكن هذا التلف حصل بفعل المالك أم بفعل الصبي؟ ع م - ولكن هذا لا يمنع وجوب الضمان، لأنه متلف بفعله، فصار: كالمودع الفاسق البالغ، وكالصبي المأذون المودع، / وكما إذا أودع عند بالغ فأتلفه صبي في عياله، أو كانت الوديعة عبداً أو أمة فأتلفه، يجب الضمان في هذه الصور وكذلك يجب الضمان على غاصب الغاصب وإن كان تالفاً.
الجواب:
قوله: له مانع، وهو خوف ارتفاع الثقة - قلنا: الصبي المحجور لا يبالي بالثقة من الناس هـ وبرفعها، لأنه لا يحتاج إلى المعاملة مع الناس. وأما التعزيز والتأديب - قلنا: هذا أمر محتمل: قد يعزز وقد لا يعزز. ولئن كان يعزز، ولكن المعروف من عادات أغلب الصبيان أنهم لا يبالون بالتعزيز.
стр. 272
قوله: هذا التلف حصل هـ بفعل المالك أم بفعل الصبي؟ - قلنا: حصل بتسبيب المالك وتسليطه على ماله من ليس من أهل الحفظ، فيكون تالفاً من وجه، فلا يجب به مال قائم من كل وجه.
أما الأحكام:
أما الفاسق - فالمانع قائم في حقه، وهو خلاف المأثم وعقله أكثر من عقل الصبي.
وكذلك المأذون، لأن الإذن دليل اختصاصه بزيادة الاهتداء.
وأما إذا أودع عند بالغ فأتلفه صبي في عياله - قلنا: هذا الصبي مأذون بقبول هذا النوع من الوديعة، فكان كالإيداع من المأذون.
وأما إذا كانت الوديعة عبداً أو أمة، فلآن الداعي إلى المنع ثمة معارض بالمانع، لأن العبد والأمة يمنعانه.
وأما غاصب الغاصب - فإنه أيضاً إتلاف من وجه، إلا أنا ألحقناه بالإتلاف من كل وجه، زجراً عن ذلك، وسداً لباب النصب - أما ههنا بخلافه.
والله أعلم.
١١٥ - مسألة: المودع إذا سافر بمال الوديعة في طريق آمن، فهلكت الوديعة في يده - لا يضمن. وعنده يضمن . وهذا إذا لم يكن للوديعة حمل ومؤنة. أما إذا كان لها حمل ومؤنة - فعند أبي حنيفة لا يضمن كان السفر قريباً أو بعيداً. وعند أبي يوسف: في البعيد يضمن. وعند محمد: يضمن فيهما. وفي الطريق/ المخوف والبحر يضمن بالإجماع.
والوجه فيه - أن وجوب الضمان موقوف على الالتزام أو الاستهلاك، ولم يوجد، فلا يضمن، قياساً على ما إذا حفظ في المصر.
وإنما قلنا: إنه لم يوجد منه الالتزام - لأنه إنما التزم الضمان بترك الحفظ الملتزم، وهو الحفظ للمالك بأمره وقد أتى به، لأن حفظ الشيء عبارة عن جعله بحالة يكون
стр. 273
مضموناً عن أسباب الهلاك. وإذا كان الطريق آمناً، كانت الوديعة بحالة لا يقصدها قاصد ولو قصدها يمكنه دفعه، إما بنفسه أو بالاستعانة بالرفقة، والمالك لم يعين عليه المكان، فيكون حافظاً بأمره.
وإنما قلنا: إنه لم يوجد منه الاستهلاك، لأن الكلام فيما إذا هلك بآفة سماوية، لا بصنعه.
فإن قيل: قولكم بأنه أتى بالحفظ الملتزم - قلنا: لا نسلم.
قوله: الطريق آمن - قلنا: في الحال أم في المستقبل؟ م ع - ولا يمكن القول ببقاء الأمن في المستقبل، لأن الظاهر هو الخوف في الأسفار، والمسافر وإن كان قادراً على دفع الآحاد، لا يقدر على دفع الجماعات.
ولئن سلمنا أنه أتى بالحفظ، ولكن بالحفظ الكامل أم بالحفظ الناقص؟ ع م، وهذا لأن الحفظ في المصر أكمل، ولهذا يصح التقييد به، ولو قيد يضمن، فلو لم يكن متفاوتاً لما ضمن، كما قيد بيتاً دون بيت.
ولئن سلمنا أنه أتى بالحفظ، ولكن بأمر المالك، لا بأمره.
قوله: المالك لم يعين المكان - قلنا: صريحاً أم بدلالة الغرض؟ م ع. وهذا لأن الغرض هو الحفظ الكامل عادة، وذلك بالحفظ في المصر عادة، فيكون مقيداً به دلالة كما في النقود.
ولئن سلمنا أنه لو يوجد الالتزام، ولكن لم قلتم بأنه لم يوجد الاستهلاك؟ . وهذا لأن الاستهلاك وإن لم يوجد مباشرة وجد تسبيباً، لأن السفر مظنة المخاطرات والغارات - قال ﵇: "المسافر وماله على قلت إلا ما وقاه الله" والاستهلاك بطريق التسبب/ موجب للضمان، كمن حفر بئراً على الطريق.
стр. 274
الجواب:
قوله: أمن الطريق في المستقبل لم يوجد غالباً - قلنا: الظاهر وجوده لقوة السلطان ومنعة المسلمين ودفع الرفقة.
وأما توجه الجماعات من القاصدين، فذاك يندر ووجوده، فلا يعتبر.
قوله: أتى بالحفظ الكامل أم بالحفظ الناقص؟ - قلنا: بالحفظ الكامل.
قوله: الحفظ في المصر أكمل - قلنا: بلى، ولكن من حيث الوصف، لا من حيث الذات.
وهذا يكفي لصحة التقييد: أما بدون التقييد فأصل الحفظ يدخل في الأمر كما في الدارين.
قوله: بأن غرض الحفظ البالغ - قلنا: لو كان غرضه ذلك لنص عليه بالحفظ في المصر، لأنه ممكن. فإذا أطلق كان غرضه مطلق الحفظ.
قوله: جرت العادة بالحفظ في المصر - قلنا: بلى، ولكن الاعتبار للفظ لا للعمل، واللفظ مطلق.
قوله: وجد الاستهلاك بطريق التسبيب - قلنا: لا نسلم. وهذا لأن التسبيب إلى الاستهلاك هو الفعل المفضي إلى الهلاك غالباً، ولم يوجد لأن الطريق آمن.
قوله: بأن السفر مظنة المخاطرات - قلنا: في حالة الأمن لا نسلم بأنه مظنة المخاطرات.
وأما الحديث - فإنه استثنى "إلا ما وقاه الله" وهو حالة الأمن، والكلام فيما إذا كان الطريق آمناً غير مخوف.
стр. 275
[١٣]
كتاب العارية
١١٦ - [مسألة]: إذا هلك المستعار لا يضمن في أي حال هلك . والوجه فيه - أن وجوب الضمان موقوف على الالتزام أو الاستهلاك، ولم يوجد - فلا يضمن، قياساً على الوديعة.
وإنما قلنا: إنه لم يوجد الالتزام - لأن الإعارة عقد تبرع، لا عقد ضمان ومعاوضة، فلا يدل على الالتزام وضعه.
وإنما قلنا إنه لم يوجد الاستهلاك - لأن الاستهلاك إنما يكون بالإعجاز، وذلك بإثبات اليد المانعة، ولم توجد.
فإن قيل: التعليل ينتقض بالمقبوض يسوم الشراء، فإنه مضمون وإن لم يوجد الالتزام/ أو الاستهلاك.
ثم نقول: لا نسلم بأن الإعارة عقد تبرع، بل هو عقد ضمان، لأن بالناس حاجة إلى الإعارة والاستعارة، فلو لم يشرع عقد ضمان يمتنع الناس عن الإعارة، خوفاً من الهلاك بلا ضمان، فتتعطل المصالح، فعلم أنه وجد الالتزام.
ولئن سلمنا أنه لم يوجد الالتزام - ولكن لم قلتم بأنه لم يوجد الاستهلاك؟ .
قوله: الاستهلاك بالإعجاز، وذلك بإثبات اليد المانعة - قلنا: لا نسلم. وهذا
стр. 276
لأن الإعجاز قد يحصل بإثبات اليد المانعة، [وقد] يحصل بالاستيلاء على المحل وشغله بالانتفاع، غاية ما في الباب أنه مأذون في الانتفاع، ولكن انتفاع ينتهي إلى الرد، لأن الظاهر أنه لا يرضى بالهلاك.
ثم هذا معارض بما روي صفوان بن أمة أن النبي ﷺ استعار منه أدراعاً يوم حنين فقال: أغصب يا محمد؟ قال: "بل عارية مضمونة" رواه أبو داود. وعن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤدى" رواه أبو داود وأبو عيسى وابن ماجة. وعن أنس عن النبي ﷺ قال: "العاري مؤداة والمنحة مردودة" ولا يقال بأن المراد من قوله "مضمونة" ضمان الرد لا ضمان القيمة، لأنا نقول: ضمان الرد مستفاد بقوله "مؤداه" فوجب حمل قوله "مضمونة" على ضمان القيمة. وقوله: "حتى تؤدى: فأداء القيمة قائم مقام أداء العين عند العجز.
وكذا روي أن النبي ﷺ كتب إلى بني نجران: "ما يعار رسلي فهلكت على أيديهم فضمانها عليهم".
стр. 277
الجواب:
أما المقبوض على سوم الشراء، فلأن الاستيام وسيلة إلى العقد، فالتحق بحقيقة العقد، والبيع عقد معاوضة وضمان.
قوله: بأن الناس حاجة إلى الإعارة والاستعارة - قلنا: نعم، ولكن لم قلتم بأن هذه الحاجة لا تندفع إلا بالضمان؟
قوله: يمتنع الغير خوفاً من الهلاك - قلنا: لا يمتنع، لأن الهلاك نادر والداعي إلى/ الإعارة قائم، وهو الثواب والثناء.
قوله: لم قلتم بأنه لم يوجد الاستهلاك؟ - قلنا: لأن يده ليست بمانعة، فكان المالك قادراً عللا الانتفاع به.
قوله: بأنه انتفع بالمحل وشغله باستعمال نفسه - قلنا: بلى، ولكن على تقدير أن لا يريد المالك الانتفاع به، فإذا أراد فإنه يتهيأ له ذلك.
وأما الأحاديث:
أما حديث صفوان - قالوا: المراد منه ضمان الرد، لا ضمان القيمة.
وهو المراد بحديث سمرة ـوالله أعلم بذلك.
وكذلك حديث أنس.
ويجوز أن يكون البعض تفسيراً للبعض.
وحديث بني نجران قالوا: المراد منه الإهلاك، ولا كلام فيه.
стр. 278
[١٤]
كتاب الصيد
١١٧ - مسألة: متروك التسمية عامداً عند الذبح لا يحل أكله، خلافاً له .
والوجه فيه - قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾: نهى الله تعالى عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، والنهي للتحريم.
فإن قيل: الآية نزلت في الميتة، فإن سبب نزولها أن الكفار كانوا يجادلون ويقولون: أتأكلون ما أمتموه ولا تأكلون ما أماته الله - فأنزل الله هذه الآية رداً عليهم.
دل عليه قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ و ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ وذلك بأكل الميتة، لا بهذه.
ولئن سلمنا أن المراد منها الذبيحة ولكنه قال: لم يذكر اسم الله عليه بلفظ المجهول، وذلك يقتضي ذكر شخص ما في حالة ما - فلم قلتم بأنه لم يوجد ذلك؟
ولئن سلمنا أن المراد ذكر الذابح، ولكن النص ذكر ﴿مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ﴾ بكلمة "من" وإنها للبعيض فكان المراد البعض وذلك غير معلوم.
ولئن سلمنا أن المراد كل الذبائح - ولكن لم قلتم بأنه لم يذكر اسم الله؟ وهذا لأن الذكر كما يكون باللسان يكون بالقلب، لأن ضده وهو النسيان بالقلب وقد وجد ههنا، لأن ترك التسمية باللسان عامداً لا يتصور إ بالذكر بالقلب.
стр. 279
ولئن سلمنا أن المراد هو الذكر باللسان، ولكن حقيقة أم حكماً؟ ع م - وهذا لأنه وجد الذكر باللسان حكماً، لأنه مسلم. وقد سئل النبي ﷺ / عن متروك التسمية ناسياً - فقال: كلوه، فإن تسمية الله تعالى في قلب كل مؤمن، فصار كذبيحة الأخرس والناسي.
ولئن سلمنا أنه متروك التسمية، ولكن لم يحرم أكله؟
قوله: النهي للتحريم - قلنا: كما هو للتحريم، فهو للكراهة أيضاً، وحمله على الكراهة أولى: كي لا يلزم التخصيص في الناسي.
ثم هذا معارض بقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ - الآية﴾ - وقوله تعالى: ﴿إِلَاّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وهو الذبح. وقوله تعالى: ﴿قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ. . . . . - الآية﴾.
الجواب:
وأما سبب نزول [الآية]ـ قلنا: مسلم أن سبب نزولها ما ذكرتم، ولكن لا يمنع صرف ظاهر النص إلى متروك التسمية، والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب
стр. 280
وآكل متروك التسمية عامداً فاسق، إلا أنه لا ترد شهادته. وأما الشرك، فإنه يثبت بطاعة المجادل في حل الميتة.
قوله: "لم يذكر اسم الله" يقتضي ذكراً ما، في حالة ما - قلنا: المراد: ما لم يذكر اسم الله عليه من جهة الذابح في حالة الذبح، لأن ذكر غير الذابح أو في غير حالة الذبح مما لا يقف عليه الآكل، فلا يقدر على الانتهاء عنه.
قوله: المراد منه: بعض ما لم يذكر اسم الله عليه - قلنا: المراد منه: كل ما لم يذكر اسم الله عليه، لأن كلمة "من" ههنا للتمييز وبيان الجنس وإنه لتأكيد النهي، على أن تحريم بعض منكر تحريم الكل.
قوله: الذكر كما يكون باللسان، يكون بالقلب - قلنا: بلى، ولكن المراد منه الكر باللسان، لأنه يكون بالقصد، فلا يتصور بالقلب.
قوله: وجد الذكر باللسان حكماً، لأنه مسلم - قلنا: الأصل اعتبار الحقيقة إلا عند الضرورة والعذر، وذلك في الأخرس والناسي - أما ههنا بخلافه.
قوله: لم قلتم بأن النهي للتحريم - قلنا: لأن النهي طلب الامتناع عن المنهي عنه، وذلك لا يكون إلا بالتحريم.
قوله: حمله على الكراهة أولى، كي لا يلزم تخصيص الناسي - قلنا: لو حملناه على الكراهة يلزم تخصيص الناسي/ أيضاً، لأن متروك التسمية ناسياً لا يكره أكله، لما روي في الحديث.
стр. 281
وأما قوله: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ﴾ عام، وما تلوناه خاص، والخاص يقضي على العام، لما عرف.
وأما قوله: ﴿إِلَاّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ فالتذكية هو الذبح على التسمية.
على إن ما تلوناه إن كان مقدماً كان بهذا منصرفاً إليه وبياناً له. وإن كان متأخراً كان مثبتاً للزيادة.
وأما قوله: ﴿قُل لَاّ أَجِدُ﴾ ليس المراد منه حصر المحرمات بدليل أن الكلب حرام وهو غير مذكور فيه، بل المراد نفي الحرمة عما سوى [المذكورات] رداً على الكفار فيما اعتقدوه.
١١٨ - مسألة: الجنين لا يتذكى بذكاة الأم .
والوجه فيه - أن ذبح الأم ليس بسبب لخروج الدم عن الجنين، فلا يحل به الجنين، قياساً على ما إذا خرج حياً ثم مات.
وإنما قلنا ذلك - لأنه يتصور بقاء الجنين حياً بعد ذبح الأم.
стр. 282
ولو كان ذبح الأم سبباً لخروج الدم عن الجنين لما تصور بقاؤه حياً. وإذا بقي الدم في الجنين اختلط باللحم بحيث لا يمكن التمييز بينهما، والدم حرام، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ﴾، وما لا يمكن تناوله إلا بتناول الحرام، كان حراماً ضرورة.
فإن قيل: لا نسلم بأن الجنين إذا بقى فيه الدم يكون حراماً.
وأما النص - قلنا: المراد منه - والله أعلم - الدم المسفوح، لأنه وإن كان مطلقاً ولكن وجد نص مقيد وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً﴾ والمطلق يحمل على المقيد، كما قلنا في الرقيق.
ولئن سلمنا أن النص يقتضي تحريم مطلق الدم، ولكن الله تعالى استثنى المذكي بقوله: ﴿إِلَاّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ والجنين مذكي بالذكاة الاضطرارية، وهي ذكاة الأم، كما أن الجرح ذكاة الصيد. ولأن كون المحل حلالاً أو مذكي أمر حكمي، لأنه عبارة عن الطهارة الشرعية، فيسري إلى الولد بالتبعية، كالرق والحرية فيكون الجنين مذكي بذكاة الأم حكماً.
стр. 283
ثم هذا معارض بما روي أبو سعيد الخدري / عن النبي ﷺ أنه قال: ذكاة الجنين ذكاة أمه" - روى أبو عيسى الترمذي "حين سئل ﵇: إنا ننحر الجزور ويخرج من بطنها جنين ميت، فنلقيه أم نأكله؟ فقال: كلوه، فإن ذكاة الجنين ذكاة أمه".
الجواب:
قوله: بأن النص مطلق قابله مقيد - قلنا: لا نتمسك بإطلاقه بل بعمومه.
قوله: بأن الجنين مذكي - قلنا: لا نسلم.
وأما الذكاة الاضطرارية والاختيارية فهي [تفيد] الحل [إذ] وجد خروج الدم المنجس: فيحل - أما ههنا بخلافه.
قوله: كونه مذكي أمر حكمي فيسري إلى الولد - قلنا: كونه تبعاً له: إن كان يقتضي الحل فقيام الدم به يوجب الحرمة مقصوداً، فلا يثبت حكم التبعية، كولد الرقيق: إذا أعتق: لا يثبت الرق فيه تبعاً - كذا هذا.
وأما الحديث - قالوا: المراد منه التشبيه.
والله أعلم.
١١٩ - مسألة: لحم الخيل مكروه كراهة تحريم .
والوجه فيها - قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ - فنقول:
стр. 284
الآية خرجت مخرج الامتنان بذكر النعم، والله تعالى ذكر الامتنان بنعمة الركوب والزينة. وترك الامتنان بنعمة الأكل. ولو كان حل الأكل ثابتاً لما ترك الامتنان به، لأن نعمة الأكل فوق نعمة الركوب والزينة، لأن نعمة الأكل يتعلق بها البقاء دون غيرها، ولا يحسن من الحكيم ترك الامتنان بذكر أعلى النعمتين والامتنان بذكر أدناهما، فيحرم أكله.
فإن قيل: قولكم بأن الحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النعمتين ويذكر أدناهما - قلنا: المراد من النص والله أعلم، ذكر الامتنان بنعمة مختصة بالخيل والبغال والحمير، وذلك هو الحمل والركوب والزينة. أما نعمة الأكل [فـ] لا تختص هذه الأشياء [بها]، بل هي ثابتة في غيرها، فترك الامتنان لا يدل على الحرمة.
ولئن سلمنا أن المقصد من النص الامتنان بمطلق النعمة، ولكن لا نسلم بأن نعمة الأكل فوق نعمة الركوب والحمل.
قوله: بأنه يتعلق بها البقاء - قلنا: نعم، ولكن غيره يسد مسده وهو البقر والغنم. أما منفعة الركوب والزينة في الخيل/ [فـ] منفعة لا يسد غيرها مسدها.
ثم التعليل معارض بالعمومات التي تثبت في متروك التسمية، وبالحديث. وهو ما روي عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ نهي عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل" أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين.
стр. 285
الجواب:
أما قوله بأن المقصد منه الامتنان بالمنافع المختصة بهذه الأشياء - قلنا: وجه الامتنان لا يتعلق باختصاص هذه المنافع بهذه الأشياء ولا يتعلق برجوع هذه المنافع إلى العباد، على أن منفعة الركوب والزينة لا تختص بهذه الحيوانات بل توجد في غيرها وهو الجمل.
قوله: لم قلتم بأن منفعة الأكل فوق غيرها - قلنا: لأنه يتعلق بها البقاء.
قوله: بأن غير الخيل يسد مسدها - قلنا: وغير الخيل أيضاً يسد مسد الركوب والزينة على ما ذكرنا. فإذا ترك ذكر نعمة الأكل دل على حرمة الأكل.
وأما الحديث - قالوا بأنه معارض بقوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً﴾ - أقسم بالخيل لكونه آلة الجهاد، فلا يجوز أكله تعظيماً له.
следующие страницы →