Полный текст (509 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
إذا وكله بالشراء، فاشترى بأكثر من القيمة لا يصح- فلا يجوز هنا، والجامع هو تهمة الخيانة.
الجواب:
قوله: بأنه مقيد بدلالة الغرض- قلنا: لا نسلم بأن غرضه البيع بمثل القيمة لا محالة، بل محتمل أن غرضه مثل القيمة، ويحتمل أن غرضه البيع بالأقل، لأنه ربما يحتاج إلى ملك الدراهم، ولا يمكنه البيع إلا بالأقل تحصيلا لغرض لا يقبل التأخير.
قوله: لا يمكن العمل بإطلاقه، لأنه يؤدى إلى التوكل بالمجهول-/ قلنا: لا نسلم، فإن المطلق ليس بمجهول ولا مجمل، بل هو معلوم كما في قوله تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ - دل عليا أن التوكيل ههنا صحيح بالإجماع.
قوله: هذا بيع من وجه تبرع من وجه- قلنا: لا نسلم، لأن كل العين مقابل بهذا القدر.
وأما الأب والوصي إذا باعا بغبن فاحش إنما لا ينفذ، مع كونه بيعا، لأنه يعرى عن نفع الصبي وهما لا يملكان التصرف في مال الصبي إلا على وجه يعرى [عن] الضرر.
وأما فصل الشراء-[ف] إنما لم يجز لوجود التهمة، وهى شفقته على نفسه- أما ههنا بخلافه.
стр. 352
[١٧]
كتاب الصرف
١٤٩ - [مسألة]: الدراهم والدنانير لا يتعينان في عقود المعاوضات وفسوخها وإن عينت، حتى لا يطالب المشترى بأداء تلك الدراهم، وله أن يمسكها ويسلم غير [ها]، ولا ينفسخ البيع بهلاكها قبل القبض .
والوجه فيه- أن البيع بالدراهم بيع بثمن، فكان تعيين هذه الدراهم باطلا، قياسا على سائر القضايا المخالفة لقضية البيع.
إنما قلنا ذلك- لأن البيع الذي ذكرت فيه العشرة يقال فيه: إنه بيع بثمن عشرة- وثمن هذا العين في هذا البيع عشرة- وأد ثمنه- وكل ذلك دلالة على أنه بيع بثمن. فكان تعيين هذه الدراهم باطلا، لأن حكم البيع بالثمن ثبوت الملك للاستحقاق في الثمن مقابلا بالمبيع، لأنه مقابلة المبيع بالثمن ملكا واستحقاقا، فيقتضى ثبوت [ها] في الثمن، والثمن هو معنى للعين، وهو الدين الثابت في الذمة، ولهذا توصف العين به، فيقال بأنه مثمن. والدين الثابت في الذمة غير هذه الدراهم، فلا يقتضي ثبوت الملك فيها.
فإن قيل: قولكم بأن هذا البيع بثمن- قلنا: لا نسلم- بيانه: أن هذا إنما يكون بيعا بثمن: أن لو بقيت الدراهم المذكورة في البيع عند التعيين ثمنا. أما إذا صارت مبيعا
стр. 353
فلا، وإنها صارت مبيعا بالتعيين في باب/ الصرف، حتى لا يجوز الاستبدال بها قبل القبض وصار كالمكيل والموزون، فإنها تصلح ثمنا ومثمنا. فإذا عينت صارت مثمنا، كذا هذا.
ولئن سلمنا أن هذا بيع بثمن، ولكن لم قلتم بأن الثمن في هذا البيع غير الدراهم المذكورة فيه؟ .
قوله: بأن الثمن دين في الذمة- قلنا: ثبوت شيء في الذمة قابل للملك غير معقول، فلا يمكن، وإن دل عليه أنه يطالب بتسليم الدراهم لا بتسليم ذلك الوصف الثابت في الذمة.
ولئن سلمنا أن الثمن معنى العين، وهو المملوك بالبيع، لكن أجمعنا على إطلاق اسم الثمن على الدراهم الموجودة حقيقة.
стр. 354
ثم الدليل على أن الدراهم المذكورة المشار إليها في البيع تتعين للملك والتسليم- الأحكام:
- منها ما نص في الجامع: لو قال: إن بعت هذا العبد بهذا الكر وبهذه الدراهم، فهما صدقة، فباع بهما، يلزمه التصدق بالكر. فلولا أنه تعين، وإلا لما لزمه.
- وكذا إذا باع عينا بدرهم ورطل من خمر، كان للمشترى أن يسترد عين ذلك الدرهم، فلولا أنه تعين لما كان له ذلك.
الجواب:
قوله: إنما يكون بيعا بثمن أن لو بقيت الدراهم المذكورة في البيع ثمنا- قلنا: الدراهم والدنانير ثمن في كل حال، ولا يبطل هذا الوصف عنها، لأن الله تعالى خلقها ثمنا للأشياء، فإبطال هذا الوصف إخلال بالمصالح، فكان ثمنا على كل حال من غير التعرض للتعيين. على أن نقول: البيع إذا ذكرت فيه الدراهم سواء عينت أو لم تعين، فهو بيع بثمن، ولا يجوز نفى الثمن عنه.
قوله: إذا عينت لم تبق ثمنا- قلنا: لا نسلم.
وأما الاستبدال ببدل الصرف إنما لا يجوز، لأن القبض في باب الصرف شرط للتعيين، [وهو] بالقبض، لا بالعقد.
قوله: لم قلتم بأن الثمن في هذا البيع غير الدراهم المذكورة المعينة- قلنا: الدراهم المعينة قط لا يتصور أن تكون ثمنا، لأن الثمن/ معنى العين، وتوصف به العين.
стр. 355
قوله: إنه غير معقول- قلنا: ليس كذلك، بل هو معقول، لأنا نعنى بالدين الثابت في الذمة وجوب تمليك المال المطلق أو وجوب إبقائه على وجه يجرى عليه أحكام الأموال.
قوله: يطالبه بتسليم الدراهم- قلنا: كما تتوجه المطالبة بتسليم عين المملوك، تتوجه بتسليم مثل المملوك الذي لم يتعين- ألا ترى أنه لو باع بدراهم غير عين، فالمملوك هو الثمن، وهو الذي في الذمة لا الدراهم.
وأما مسألة الجامع- قلنا: شرط التصدق بالكر هو البيع بهذه الدراهم إضافة، وتسميته في البيع، فتنصرف اليمين إليه، وقد وجد، فيلزمه التصدق.
والمسألة الأخرى- ممنوعة، على أصح الروايتين.
والله أعلم.
стр. 356
[١٨]
كتاب الشفعة
١٥٠ - مسألة: حق الشفعة يثبت للجار الملازق والشريك في الطريق. وعنده لا يثبت .
وأجمعوا أنه يثبت للخليط في نفس الدار.
وأجمعوا على أنه لا يثبت للجار المقابل.
والوجه فيه- أن الجار الملازق شارك الجار الخليط في السبب المستدعى لاستحقاق الشفعة، فيشاركه في استحقاق الشفعة، لأن المشاركة في السبب توجب المشاركة في الحكم.
وإنما قلنا- إن الجار الملازق شارك الخليط في السبب المستدعى لاستحقاق الشفعة، لأن السبب المستدعى لاستحقاق الشفعة في الخليط اتصال الملكين على وجه مخصوص، وهو الاتصال الذي يوجب تعدى ضرر كل واحد منهما إلى صاحبه، ضررا خاصا وهو ضرر سوء الصحبة وأذى المجاورة- هذا المعنى موجود في حق الجار الملازق، فيثبت حق الشفعة، دفعا للضرر.
فإن قيل: قولكم بأن الجار الملازق شارك الخليط في السبب- قلنا: لا نسلم بأن حق الشفعة للخليط ثبت موافقا للقياس معقول المعنى حتى يقبل التعدية.
стр. 357
وبيان أنه ليس من باب/ القياس ما روى عن جابر قال: "جعل- وفي لفظ: قضى- النبي صلي الله عليه وسلم بالشفعة في كل مال لم يقسم. فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" متفق على صحته. أخرجه البخاري ومسلم.
ولئن سلمنا أنه ثبت معقول معنى، ولكن لم قلتم بأن المعنى ما ذكرتم؟ .
قوله: بأن دفع الضرر واجب، وهذا نوع ضرر- قلنا: هذا وهم ضرر لا ضرر غالب، لأن عقل المرء ودينه يمنعانه عن الإضرار بالجار، فلا يجب دفعه.
ولئن سلمنا أنه ضرر غالبا، ولكن يلزم من دفعه إلحاق ضرر بالمشترى، لما فيه من إبطال ملكه بغير رضاه.
ولئن سلمنا أن ضرره أقل بالدفع، ولكن يمكنه دفعه بطريق المرافعة، فلا تتعين الشفعة مدفعا، بخلاف الخليط، لأن حق الشفعة للخليط ما ثبت لدفع هذا الضرر، بلى لدفع ضرر آخر، وهو ضرر مؤنة القسمية.
ولئن سلمنا أنه ثبت لدفع ما ذكرتم، ولكن لم قلتم بأن الضرر الحاصل باتصال الجوار مثل الضرر الحاصل بالخلطة؟ وبيان التفاوت أن الضرر ينشأ عن الاتصال، والاتصال في الخلطة أكثر، فكان الضرر أكثر، فلا يصح الاستدلال. وصار هذا كالجار المقابل وكالمملوك بالهبة والصدقة والإرث والوصية، وإن كان ما ذكرتم موجودا.
الجواب:
قوله: الشفعة غير معقول- قلنا: لا نسلم.
وأما الحديث- فمعارض بما روى عن أبى رافع قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول:
стр. 358
"الجار أحق بصقبه"- أخرجه البخاري في صحيحه. وعن جابر قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "الجار أحق بشفعته ينتظر به وإن [كان] غائبا إذا كان طريقهما واحدا" صحيح أخرجه أبو عيسى.
قوله: هذا وهم ضرر لا ضرر غالب- قلنا: هذا الضرر وإن كان لا يغلب وجوده في كل زمان/ ولكن يغلب وجوده في مدة العمر- دل عليه تحرز الناس عن ذلك.
قوله: يلزم من دفعه إلحاق الضرر بالمشترى- قلنا: ضرر التملك بالشفعة دونه، لأنه مقابل بثمن الدار، وضرر سوء الصحبة لا يقابله شيء من المدافع وإنه أدوم.
قوله: أمكن دفع هذا الضرر بالمدافعة والمعارضة بنفسه- قلنا: ذاك يؤدى إلى الإيحاش والمعاداة والمخاصمة وتضييع العمر والمال فلا يصلح مدفعا.
قوله: بأن حق الشفعة ثبت لدفع الضرر: ضرر مؤنة القسمة- قلنا: هذا لا يصلح علة لاستحقاق الشفعة، بدليل أن الدار إذا كانت بين ثلاثة نفر لأحدهم نصيب كبير، فباع نصيبه، كان لكل واحد منهم أن يأخذه بالشفعة وفيه يزداد مؤنة القسمة.
стр. 359
على أنا نقول: بأن ما ذكرتم يصلح علة، فيمكن تعديته:
قوله: ضرر الخلطة فوق ضرر الجوار - قلنا: حق الشفعة إنما تبت لدفع الضرر الحاصل بأصل الاتصال بين الملكين ضرراً خاصاً، وهو ضرر سوء الصحبة - غاية ما في الباب أن ضرره أكثر، فلا جرم قدمناه على الجار.
وأما الجار المقابل ـ[فـ] لا يستحق الشفعة، لانعدام الضرر الحاصل باتصال الملكين.
وأما المملوك بالإرث والهبة والوصية - إنما لا تثبت الشفعة، لأنه لا يمكن الأخذ بالشفعة، لأن الشفعة للأخذ تملكاً بعين الثمن الذي اشتراه، ولا ثمن، فلا يمكن.
١٥١ - مسألة: الشفعة تستحق على عدد الرءوس. وعنده: على قدر الأنصباء .
صورته - دار بين ثلاثة نفر، لأحدهم نصفها وللآخر ثلثها وللثالث سدسها - فباع صاحب النصف نصيبه، فصاحب الثلث والسدس يستحقان الشفعة نصفين - وعنده: أثلاثاً.
والوجه فيه - أن الشركاء استووا في سبب الاستحقاق، فيستوون في الاستحقاق، قياساً على ما إذا استوت الأنصباء.
وإنما قلنا ذلك - لأن سبب استحقاق الشفعة/ في كل المشفوع أصل الاتصال بين الملكين، وإن قل، بدليل الحكم والمعقول
стр. 360
أما الحكم ـ[فقد] أجمعنا على أن الدار إذا كانت بين رجلين لأحدهما عشرها وللآخر تسعة أعشارها، فباع صاحب الكثير فلصاحب القليل الشفعة.
وأما المعقول - وهو الشفعة في موضوع الإجماع إنما كان لدفع ضرر الدخيل، وهو موجود ههنا، فثبت حق الشفعة.
فإن قيل: قولكم - لا نسلم بأنهم استووا في سبب الاستحقاق.
أما ذكر من الحكم - قلنا: ليس من ضرورة كون الشيء سبباً لاستحقاق الكل حالة الانفراد، كونه سبباً لاستحقاق الكل حالة الاجتماع، كما قلنا في ميراث الابن والأبناء.
قوله: الشفعة تثبت لدفع ضرر الدخيل - قلنا: لدفع مطلق الضرر أو لدفع ضرر يتعلق بملك الشفيع، باختلال منافع ملكه بأذى الدخيل؟ ع. م - ولكن هذا يكثر بكثرة الملك ويقل بقتله، والفقه فيه أم الحكم يثبت على قدر السبب ووفقه - على ما عرف. ولئن سلمنا أنهم استووا في السبب، سبب الاستحقاق، ولكن صاحب الكثير يتضرر بالدخيل أكثر، فكان حقه في الدفع أكثر.
الجواب:
قوله: ليس من ضرورة كون الشيء سبباً لاستحقاق الكل حالة الانفراد، كونه سبباً حالة الاجتماع - قلنا: لا نسلم. وهذا لأن كونه سبباً حالة الانفراد إنما كان لأمر يرجع إلى ذاته، وليس مما يتعلق بعدم غيره.
وهكذا نقول في الميراث: إن السبب هو استحقاق الكل، إلا أنه لا يمكن ينتصف - كذا هذا.
قوله: الشفعة تثبت لدفع مطلق الضرر أم لدفع ضرر يتعلق بملك الشفيع؟ - قلنا: لدفع ضرر سوء الصحبة وأذى المجاورة، ويستوي فيه صاحب القليل والكثير.
قوله: صاحب الكثير أكثر - قلنا: لا نسلم، بل يستويان في ذلك.
والله أعلم
стр. 361
[١٩]
كتاب الإجارات
١٥٢ - مسألة: الأجرة لا تملك بنفس العقد إلا بالتعجيل .
والوجه فيه - أن الإجارة معاوضة الأجرة بالمنافع، فوجب أن يثبت الملك في العوضين، في زمان واحد، قياساً على سائر المعاوضات المطلقة.
وإنما قلنا [ذلك]ـ لأن الحاجة مست إلى إثبات الملك في المنافع دون العين، فشرع ذلك لعقد الإجارة، دفعاً للحاجة، فوجب أن يثبت الملك في العوضين في زمان واحد، فإذا تراخى ملك المستأجر في المنافع إلى مضي الشهر، يتراخى ملك الآجر ضرورة.
فإن قيل: قولكم بأن الحاجة مست إلى إثبات الملك في المنافع - قلنا: هذا إنما يستقيم أن لو تصور ثبوت الملك في المنافع، ولم يتصور، لأن الملك إطلاق التصرف أو معنى يقتضي إطلاق التصرف، والمنافع أعراض لا بقاء لها، فلا يتصور ثبوت فيها.
ولئن سلمنا أنه يتصور ثبوته، ولكن لم قلتم بأنه ثبت؟ .
قوله: بأن الحاجة مست إلى إثبات الملك فيها - قلنا: الحاجة أيضاً مست إلى إثبات الملك في الرقبة.
ولئن سلمنا أن الإجارة تمليك الأجر بالمنافع، ولكن لم قلتم بأنه تراخى ثبوت الملك في المنافع؟ غاية ما في الباب أنها معدومة حقيقة ولكنها موجودة حكماً، وإنها بعرضية
стр. 362
الوجود، فكانت موجودة، بدليل أنا أجمعنا على جواز هذا العقد، فلو لم تكن موجودة حكماً، لما جاز العقد.
ولئن سلمنا أنها معدومة، وقد تراخى الملك، [فـ] لم يتراخى الملك في الأجرة. وهذا لأن التسوية بينهما إنما تجب إذا لم يرضيا بالتفاوت، وقد رضيا به، فلا يستوي.
ولئن سلمنا أن التساوي واجب، ولكن فيما قلتم ترك التساوي، لأنكم أثبتم للمستأجر ولاية الانتفاع بالدار في الحال، وأخرتم ملك الآجر في الآخرة إلى انتهاء المدة، ولأنه وجد سبب ملك الأجرة، وهو الإجارة، فثبت الملك في الحال.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأنه يتصور ثبوت الملك في المنافع - قلنا: لدلالة الدليل.
قوله: الملك إطلاق التصرف - قلنا: عنه جوابان.
أحدهما - لا نسلم بأن ملك المنفعة هذا، بل هذا حد ملك الأعيان.
والثاني - أن الملك إطلاق التصرف ولكن التصرف في المحل إنما يعرف أثره فيه، وأثره يظهر في المنفعة بالانتفاع حالة وجود الانتفاع.
قوله: كما مست الحاجة إلى إثبات الملك في المنافع، مست الحاجة إلى إثبات لملك في رقبة الدار - قلنا: ملك المنافع يغني عن ملك الرقبة، فلا حاجة إليه.
قوله: بأن المنافع معدومة حقيقة موجودة حكماً - قلنا: لا نسلم.
قوله: بأنها بعرضية الوجود - قلنا: بلى، ولكن لا نسلم مساس الحاجة، حتى يجعل موجوداً حكماً، إلا أن الشرع جعلها موجودة حكماً في حق جواز العقد، بطريق الضرورة، والثابت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة.
стр. 363
قوله: إن تراخي الملك في المنافع لم يتراخى في بدلها؟ - قلنا: تسوية بين العاقدين في حكم العقد.
قوله: إنما تجب التسوية إذا لم يوجد الرضا بالتفاوت - قلنا: بلى، ولكن الظاهر أنه لا يرضى بالتفاوت، لأن زوال ملكه عن الأجرة في الحال فوات ملكه، فلا يرضى إلا لثبوت ملك له، إلا إذا وجد الدليل بخلافه، وهو اشتراط التعجيل أو [التأجيل].
قوله: فيما قلتم ترك التساوي - قلنا: لا نسلم، بل فيما قلنا تسوية بينهما في حكم العقد، لأن في كل زمان يثبت الملك في جزء من المنفعة، يثبت جزء من الأجرة بحصته، إلا أنه لا يمكن تسليمه.
قوله: بأن الأجارة سبب لملك الأجرة - قلنا: في الحال أم حال ثبوت الملك في المنافع؟ ع م - إلا أن حكم الإجارة المطلقة ثبوت الملك في الأجرة، حين ثبت في المنافع.
والله أعلم.
١٥٣ - مسألة: إجارة المشاع غير صحيحة، سواء كان محتملاً القسمة كالدار ونحوها، أو غير محتمل كالدابة ونحوها - خلافاً له .
وثمرة الخلاف في وجوب المسمى عند التسليم.
стр. 364
والوجه فيه - أن هذا عقد لا يمكن توفير مقصوده على الوجه الذي اقتضاه العقد، فوجب القضاء بفساده، قياساً على ما إذا أجر الآبق.
وإنما قلنا ذلك - لأن المقصود من إجارة المشاع هو التمكن من الانتفاع بالمشاع، فلا يخلو: إما أن ينتفع المستأجر والآجر بكل الدار معاً، أو أحدهما، أو ينتفعان بطريق التهايؤ:
لا وجه للأول - لأنه يحتاج إلى جبر الآجر على الانتفاع بملكه، ولا يجوز.
ولا وجه للثاني - لأنه لا يستحق الانتفاع بالكل.
ولا وجه للثالث - لأنه لا يخلو: إما أن يكون أصيلاً في النصف نائباً في النصف، أو ينتفع بالنصف أصالة وبالنصف عوضاً - لا وجه للأول - لأن مالك الرقبة لا يصلح نائباً. ولا وجه للثاني - لأنه يؤدي إلى جعل الشخص الواحد مملوكاً وممتلكاً من شخص واحد، في حالة واحدة، لأن المنفعة تحدث على ملك المالك أولاً ثم تصير مملوكة للمستأجر بتمليكه، فلو صار المالك ممتلكاً المنفعة عليه بطريق المعاوضة، يؤدي إلى خلاف الحقيقة.
فإن قيل: قولكم بأن هذا عقد لا يمكن توفير مقصوده على ما ذكر - قلنا: لم قلتم بأنه لا يمكن الانتفاع بالمشاع بطريق التهايؤ؟
قوله: بأن طريقه أن يصير كل واحد منهما نائباً عن الآخر في استيفاء منفعة النصف أو يصير ممتلكاً بطريق المعاوضة، وكل ذلك متعذر - قلنا: لم قلتم بأنه لا يمكن استيفاء منفعة التصرف بالتهايؤ بدون هذين الطريقين؟ بيانه - أن المملوك له بإجارة المشاع منفعة النصف الشائع، فكان المقصود منفعة النصف الشائع، ومنفعة النصف الشائع في مدة الشهر منفعة مقدرة بمقدار خاص، فإذا انتفع بكل الدار في نصف المدة بطريق التهايؤ أو على سبيل الدوام فقد استوفى عين المملوك له بالمنفعة.
ولئن سلمنا أنه لا يتحقق التهايؤ إلا بالإنابة أو المبادلة - لم قلتم بأنه لا يمكن القول بهما؟
стр. 365
قوله: بأن المالك لا يصلح نائباً - قلنا: لا نسلم بأن ملك الرقبة ثابت للآجر في حق الانتفاع في هذه الحالة. وهذا لأن/ الملك إطلاق التصرف، وهو غير ثابت.
ولئن سلمنا أن ملك الرقبة يقتضي إطلاق الانتفاع للآجر، لكنا أجمعنا على أنه لم يثبت له الإطلاق، بل هو يثبت للمستأجر. وأما المعاوضة فإنا لا نحقق المعاوضة بينهما في الملك، بل في إطلاق استيفاء المملوك بطريق المعاوضة، وصار هذا كما إذا أجر من شريكه، فإنه يجوز. وكذلك الشيوع الطارئ، لا يفسد الإجارة.
الجواب:
قوله: بأنه يستوفي منفعة كل الدار في نصف المدة - قلنا: هذا لا يخرج عما ذكرناه من القسمين، لأن طريق القسمة [و] فيها معنى المبادلة.
قوله: لم قلتم بأن ملك الرقبة في حق الانتفاع قائم للمالك؟ - قلنا: لأنه ثبت مطلقاً بسبب مطلق، فيبقى، والإجارة سبب لملك المنفعة لا لملك الرقبة وإطلاق التصرفات ثابت لولا المانع.
قوله: بأنا لا نحقق المعاوضة في الملك، بل في استيفاء المملوك على طريق الإباحة - قلنا: هذا باطل، لأن انتفاع المالك في حصة المستأجر لو كان بطريق الإباحة لكان المستأجر بسبيل من الاسترداد والمنع من الانتفاع. وأما الإجارة من الشريك فلأن كل واحد منهما يملك الانتفاع بالنصف فصلح نائباً عن صاحبه في النصف الآخر. وأما الشيوع الطارئ - قلنا: ليس من ضرورة كون الشيء مانعاً صحة العقد إذا قارن، أن يكون مفسداً إذا طرأ، كالجهالة الطارئة وغيرها.
١٥٤ - مسألة: الأجير المشترك يضمن ما جنت يداه، والمالك بالخيار: إن شاء ضمنه الثوب غير مقصور، ولم يعطه الأجر. والقياس أن لا يضمن .
стр. 366
والوجه أن الأجير يضمن - أنه أتلف مالاً مملوكاً متقوماً معصوماً حقاً لمالكه من غير رضاه، فيجب عليه الضمان، قياساً على ما إذا خرقه قبل العقد والأوصاف ظاهرة وبيان عدم الرضا من المالك، لأن الظاهر من حاله أن لا يرضى بإتلاف ماله، فيكون سبباً للضمان.
فإن قيل: قولكم بأن أتلف مال الغير - قلنا: لا نسلم بأنه أتلف. وهذا لأن الإتلاف ما/ يقصد به التلف، ولم يؤخذ منه إلا القصارة، فلا يكون إتلافاً.
ولئن سلمنا أنه أتلف المال بهذه الأوصاف، ولكن لم قلتم بأنه بغير رضا المالك؟
قوله: الظاهر من حالة عدم الرضا - قلنا: بلى، ولكن جاز أن يوجد منه تصرف يدل على الرضا بالتلف لغرض من الأغراض، أو نقول: لا يرضى به قصداً أم ضمناً؟ م ع - وهذا لأن المستحق بالعقد يجب تسليمه وهو مأذون فيه من جهة العاقد، والعمل المصلح قطعاً كما يصلح طريقاً، فكذلك المصلح من وجه المفسد من وجه طريق.
ولئن سلمنا أنه حصل ابتداء ولكن إنما يجب الضمان إذا أمكن - فلم قلتم بأنه أمكن؟ وبيان عدم الإمكان أنه لو وجب الضمان لا يخلو: إما أن يجب ضمان ثوب مقصور أو ضمان ثوب غير مقصور. لا وجه للأول - لأن وصف القصارة هلك على ملك الأجير. ولا وجه للثاني - لأن الإتلاف ما صادف ثوباً غير مقصور.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن هذا الفعل إتلاف - قلنا: لأنا أجمعنا على أنه لو وجد قبل العقد يكون إتلافاً، والفعل الحقيقي لا يتفاوت من أن يكون قبل العقد أو بعده، والقصد ليس بشرط في الضمان.
стр. 367
قوله: لم قلتم من أنه غير إذن المالك - قلنا: لما ذكرنا.
قوله: جاز أن يرضى به لغرض من الأغراض - قلنا: لا نسلم.
قوله: لا يرضى به قصداً أم ضمناً - قلنا: لا قصداً ولا ضمناً: أما قصداً فظاهر، وأما ضمناً فلأن الحاجة تندفع باستحقاق المعقود عليه من غير إلحاق الضرر.
قوله: إما أن يجب ضمان ثوب غير مقصور أو مقصور - قلنا: يجب ضمان ثوب غير مقصور.
قوله: الإتلاف صادف ثوباً مقصوراً - قلنا: بلى، ولكن ذات الثوب ملكه، وصفة القصارة ليست ملكه، فيجب ضمان ملكه لا ضمان غير ملكه.
والله أعلم.
стр. 368
[٢٠]
كتاب الشهادات
١٥٥ - [مسألة]: النكاح ينعقد بحضرة الفساق .
والوجه فيه - أن لخبر الفاسق أثراً في تغليب الظن، فوجب أن ينعقد النكاح بحضرته، / قياساً على العدل.
وإنما قلنا ذلك - لأن خبره صادر عن عقل ودين، والعقل والدين يدعوانه إلى الصدق ويمنعانه عن الكذب، فوجب أن ينعقد النكاح بحضرته، لأن الشهادة في باب النكاح إنما شرطت متممة للمصالح المطلوبة من النكاح، إذ هو تمام بدونه، فيحصل بخبر الفاسق، لكونه مغلباً للظن.
فإن قيل: قولكم بأن لخبر الفاسق أثراً في تغليب الظن - قلنا: لا نسلم.
قوله: بأن صادر عن عقل ودين، وهما يدعوانه إلى الصدق - قلنا: لا نسلم بأن العقل والدين يصرفان الفاسق عن الكذب. وهذا لأن العقل والدين يصرفان عن الكذب لكونه قبيحاً، وعقل الفاسق ودينه إذا كانا لا يصرفانه عن قبيح فوقه، علم أنهما لا يصرفانه عن هذا القبح. وبهذا فارق العدل.
ولئن سلمنا أن خبره مغلب للظن، ولكن عند المنازعة يعارضه خبر المنكر، فتزدحم الظنون، ولكن سلمنا أنه مغلب الظن، ولكن لأصل الظن، لا لظن شبيه بيقين، وأصل الظن ليس بحجة، بدليل أن النكاح لا ينعقد بحضرة العبيد والنسوان وحدهن وبحضرة رجل واحد مع أصل غلبة الظن.
стр. 369
ولئن سلمنا أنه يؤثر في تغليب الظن مطلقاً، ولكن لم قلتم بأنه ينعقد النكاح به؟
قوله: الشهادة شرطت متممة لمصالح النكاح - قلنا: لا نسلم، بل شرطت لإظهار خطر النكاح، وأما مصالح النكاح فإنما تتمم بتوافق الأخلاق لا بالشهادة.
ثم التعليل معارض بالكتاب والسنة والمعقول والحكم:
أما الكتاب ـ[فـ] قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ - الآية﴾.
وأما السنة ـ[فـ] قوله ﵇: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل".
وأما المعقول - وهو أن الشهادة من باب الكرامة، والفاسق لا يستحق الكرامة.
وأما الحكم - فإنا أجمعنا على أنه يحرم على القاضي القضاء بشهادة الفاسق.
الجواب:
قوله بأن عمل الفاسق ودينه لم يمنعانه عن قبيح فوق هذا - قلنا: بلى، ولكن لمعارضه/ داع إليه، وهو تعلق الغرض أو حصول الشهوة، ولم يوجد ههنا.
قوله: يعارضه خبر المنكر - قلنا: لا نسلم. وهذا لأن خبر المنكر صادر عن تهمة وهو خبر النفع، وخبر الشهادة صادر عن غير صادر عن غير تهمة، فلا يعارضه.
стр. 370
قوله: هو مؤثر في أصل الظن أم في الشبيه باليقين - قلنا: في أصل الظن، والمعول عليه في بناء الأحكام أصل الظن - دل عليه أن الشرع لم يرجح شهادة الأربع على شهادة الاثنين.
وأما شهادة العبيد - قلنا: خبر العبد له أثر في تغليب الظن، ولكن الشرع ألحق خبره بالعدم، لأنه لو اعتبر شهادته يصير معولاً يتحمل الشهادات، فتتعطل مصالح المولى.
وأما شهادة الفرد وشهادة النساء، فينعقد النكاح بحضرتهم، ولكن بانضمام رجل آخر إليهم، وهذا لا يختص بالفاسق بل هو ثابت في العدل.
قوله: الشهادة شرطت لإظهار خطر النكاح - قلنا: وفيما ذكرناه إظهار خطر النكاح، لأنها إذا شرطت لتتميم مصالح النكاح، فخطر النكاح في إتمام مصالحه، وذلك لا يحصل إلا بانعقاد النكاح، وانعقاد النكاح لا يكون إلا بالشهود.
وأما الآية - قلنا: الله تعالى ما أمر برد شهادة الفاسق، بل أمر بالتثبت والتوقف في خبره، فلا يكون حجة.
وأما الحديث - قلنا: لا يقتضي أن تكون العدالة صفة الشاهد إذ لو كان كذا لقال: شاهدين عدلين، بل هذا إضافة الشاهد إلى العدل، فيكون معناه - والله أعلم - قائل كلمة عدل، وهي الإسلام.
قوله: الشهادة من باب الكرامة - قلنا: والفاسق مستحق الكرامة لمكان الإسلام، ولهذا تثبت ولايته على نفسه.
وأما الحكم - قلنا: لا نسلم بأنه لا يقضي القاضي بشهادته، بل يقضي بعد التأمل
стр. 371
والتثبت، فرقاً بينه وبين العدل.
والله أعلم.
١٥٦ - مسألة: شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة .
والوجه فيه - أن لخبر الكافر أثراً في تغليب الظن، فوجب أن يكون له مدخل في فصل الأحكام وقطع الخصومات، قياساً على خبر المسلم.
وإنما قلنا ذلك - لأن خبره صار عن عقل ودين، يعتقد فيه قبح الكذب - هذا المعنى/ موجود في شهادة المسلم.
فإن قيل: قولكم بأن لخبر الكافر أثراً - قلنا: قبل أن نجئ إلى الاعتراض عليه نقول: خبر الكافر شهادة أم ليس بشهادة؟ إن قلتم شهادة فممنوع، وهو تقصير في التعليل. وإن قلتم ليس بشهادة، فلا يجوز قطع الحكم به بالإجماع.
والدليل على أن خبر الكافر ليس بشهادة: الكتاب، والسنة، والمعقول - على ما مر في مسألة شهادة الفاسق.
ولئن سلمنا أنه يتغلب الظن، لكن غلبة الظن حجة مطلقة في الشرع أم حجة بطريق الضرورة؟ ع م - وهذا لأن الدليل ينفي كون الشهادة حجة، لما فيها من احتمال الخطأ: إلا أن الشرع جعله حجة للضرورة، والضرورة اندفعت بشهادة المسلم - دل عليه أن شهادة المستأمن غير مقبولة، ولا على الذمي ولا على المستأمن.
стр. 372
ثم التعليل معارض بقوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ وفي قبول شهادته إثبات السبيل على القاضي، فكان منتفياً.
الجواب:
قوله: بأن خبر الكافر شهادة أم ليس بشهادة؟ قلنا: شهادة، لأن الشهادة إخبار عما شاهد وعاين، كما شاهد وعاين بلفظ مخصوص، على وجه يغلب على الظن صدقه، وإنه موجود ههنا.
والجواب عن الاستدلال بالآية والحديث والمعقول - ما مر في المسألة المتقدمة.
والكافر مستحق الكرامة من حيث إنه أدمى، وإن كان مستحقاً الإهانة من حيث إنه كافر فهو وجه آخر.
قوله: الشرع جعل الشهادة حجة بطريق الضرورة - قلنا: بلى. والضرورة هنا موجودة كما في سائر الشهادات.
وأما المستأمن - قلنا: الشرع أبطل أهليته وأهدر عبارته، لانعدام الحاجة - أما ههنا بخلافه.
وأما النص - قلنا: عام خص منه البعض، وهو الكافر إذا ادعى على مسلم حقاً، فيخص هنا.
١٥٧ - مسألة: المحدود في القذف إذا تاب ثم شهد، لا تقبل شهادته - خلافاً له .
стр. 373
وأجمعوا على/ أنه لو تاب قبل إقامة الحد وشهد، تقبل شهادته. ولو شهد قبل إقامة الحد وقبل التوبة - عند أبي حنيفة: تقبل. وعند الشافعي: لا تقبل.
والوجه فيه - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ - الله تعالى نهى عن قبول شهادة المحدود في القذف على سبيل التأييد، فلا تقبل شهادته.
فإن قيل: المراد من النص رام يعتاد الرمي ويصير عليه، أم رام لا يعتاده؟ م ع - وإذا تاب لم يكن ممن يعتاد ويصر عليه، وسياق هذه الصيغة يستعمل فيمن يعتاد.
ولئن سلمنا أن المراد منه الرامي المطلق، ولكن لم قلتم بأنه بعد التوبة بقي رامياً، وصار هذا كقوله ﵇: "المتلاعبان لا يجتمعان أبداً" ثم الملاعن إذا أكذب نفسه يجتمعان. وكقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ ثم المنافق إذا مات يصلي عليه.
стр. 374
ولئن سلمنا أن بقاءه رامياً ليس بشرط، لكن المراد منه الشهادة القائمة في تلك الحالة أم شهادة حادثة بعدها؟ م ع - وهذا لأن بالتوبة حدث له شهادة أخرى كالذمي إذا حد في القذف رد [ت] شهادته، ثم لو أسلم تقبل شهادته.
ولئن سلمن أن صدر الآية اقتضى النهي عن قبول الشهادة، ولكن التائب قد استثنى عنه بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ولا يقال بأن الاستثناء ينصرف إلى ما يليه، وهو قوله: ﴿وأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لأنا نقول: الاستثناء المرتدف لأشياء ينصرف إلى الكل كما لو قال: "عبده حر وامرأته طالق إن شاء الله".
الجواب:
قوله: المراد منه رام يعتاد الرمي - قلنا: ليس كذلك، لأنه ليس في النص ذلك، بل هو نهي مطلقاً. وهذه الصيغة لا تقتضي الإصرار، كما إذا قال: "الذين يدخلون الدار من عبيدي أحرار": يعتق بالدخول مرة.
قوله: لم قلتم بأنه بقى رامياً بعد التوبة؟ قلنا: بقاؤه رامياً ليس بشرط، لأنه نهي عن قبول الشهادة لمن وجد منه الرمي.
قوله: المراد منه الشهادة القائمة حالة/ الرمي أم الشهادة الحادثة بعده؟ قلنا: كل شهادة توجد منه، لأنه مطلق، إلا أن الذمي خص بالإجماع - دل عليه أن العبد إذا
стр. 375
قذف فحد ثم أعتق لا تقبل شهادته وإن حدث له شهادة بالعتق.
قوله: بأن الله تعالى: استثنى التائب - قلنا: عنه جوابان:
أحدهما - أن هذا ليس باستثناء بل هو استدراك كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً﴾ يعني: "لكن سلاماً".
والثاني - إن كان استثناء ولكنه استثناء من خلف الجملة فينصرف إلى ما يليه لا إلى الكل - دل عليه أنه لا ينصرف إلى الجلد، فإنه لا يصير، كأنه قال: "فاجلدوهم إلا الذين تابوا" - فإن الجلد لا يسقط بالتوبة.
١٥٨ - مسألة: شهادة أحد الزوجين لصاحبه غير مقبولة .
والوجه فيه - أن هذه الشهادة لا تعرى عن التهمة، فلا تقبل، قياساً على شهادة الوالدين.
стр. 376
وإنما قلنا ذلك - لأن هذه الشهادة تجر النفع إلى الشاهد، وإنه يورث التهمة.
وإنما قلنا: إنهـ[ـا] تجر النفع إلى الشاهد، لأن ولاية الانتفاع ثابتة لكل واحد من الزوجين بمال صاحبه، إلا أنها خفيت لخفاء ملك المالك. فإذا ظهر الملك له بالشهادة، ظهرت ولاية الانتفاع للشاهد ضرورة.
والدليل على أن ولاية الانتفاع ثابتة لكل واحد من الزوجين بمال صاحبه جريان، العرف والعادة المستمرة فيما بين الأزواج بالانتفاع والاستمتاع بمال صاحبه من غير منكر شرعاً، فعلم أنها تجر النفع إلى الشاهد، فيتهم، فلا تقبل شهادته، لقوله ﵇: "لا شهادة للمتهم".
فإن قيل: هذا التعليل مخالف لإجماع الصحابة، فإنه روى أن فاطمة ادعت فدك، بين يدي أبي بكر، فشهد لها علي وامرأة فقال أبو بكر: ضمي إلى الرجل رجلاً، أو إلى المرأة امرأة.
ثم نقول: لا نسلم بأن ولاية الانتفاع ثابتة بين الزوجين.
وأما ذكر من العادة - قلنا: العادة مشتركة في الأموال والأزواج، فإن من الأموال ما ينتفع كل واحد منهما به كالنقود والثياب والجواري. ومن الأزواج من ينتفع بمال صاحبه ومنهم من لا ينتفع به، فلا تثبت ولاية الانتفاع بعادة مشتركة.
стр. 377
ولئن سلمنا أن ولاية الانتفاع ثابتة بينهما، ولكن بالإذن أم لا بالإذن؟ م ع - ولا يمكن دعواه لأن ولاية الانتفاع بمال الغير - بغير إذنه لا تجوز شرعاً، والإذن غير موجود ههنا حالة الشهادة، لأن [المال] في يد الغير.
ولئن سلمنا أن هذه الشهادة تظهر ولاية الانتفاع للشاهد، لكن قصداً أم ضمناً؟ ع م - وهذا لأن الداخل تحت الشهادة ملك المدعي، ونفع الشاهد يحصل ضمناً، وذلك لا يمنع، بدليل أنه تقبل شهادة أحد الصديقين لصاحبه وشهادة صاحب الدين لمديونه وشهادة أحد الأخوين لصاحبه.
ولئن سلمنا أنها تظهر ولاية الانتفاع - لم قلتم بأنهـ[ـا] لا تقبل؟
قوله بأنه متهم - قلنا: هذا مجرد وهم، لا أمارة عليه، وهو ثابت في كل الشهادات.
ولئن سلمنا أنه متهم، لم لا تقبل؟
وأما الحديث - فإنه خرج مخرج العادة، لأن الظاهر أن المتهم لا يشهد خوفاً.
الجواب:
أما حديث فاطمة - فالصحيح أن أبا بكر رد دعواها وقال: "سمعت رسول اله ﷺ يقول: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث - ما تركناه صدقة".
أما قوله: لم قلتم أن ولاية الانتفاع ثابتة - قلنا: لما ذكرنا من العادة.
قوله: العادة المشتركة - قلنا: معلوم، بالرجوع إلى عادات الأعم والأغلب، ا، ولاية الانتفاع ثابتة بين الزوجين - قال ﵇: "تنكح المرأة لمالها وجمالها".
стр. 378
قوله: ولاية الانتفاع ثابتة بالإذن أم لا بالإذن؟ - قلنا: بالإذن، ولكنه ثابت بدلالة الزوجية وبدلالة العادة.
قوله: الإذن غير موجود - قلنا: بلى، هو موجود على تقدير القدرة وحصول المال.
قوله: بأن هذه الشهادة تظهر ولاية الانتفاع قصداً أم ضمناً؟ - سواء كان قصداً أو/ ضمناً يكفي لإيراث التهمة، والتهمة مانعة قبول الشهادة.
قوله: بأن [هذه] / شهادة ما تعرى عن التهمة - قلنا: هذا القدر من التهمة لا يمنع القبول وإن كان يورث [التهمة]، ولكنه خص عن قضية النص، لأن اعتباره يؤدي إلى سد باب الشهادة.
وأما شهادة الغريم والأخ لأخيه - قلنا: لا تهمة ثمة، لانتفاء ولاية الانتفاع.
قوله: هذا مجرد وهم، وهو موجود في سائر الشهادات - قلنا: لا نسلم. وهذا لأن المعنى من التهمة أمر يسمى الشخص به متهماً عرفاً، وهو أن يتوهم فيه الكذب، بناء على أمر ظاهر يدعوه إلى الكذب، وهو موجود ههنا.
وأما قوله: هذا خرج مخرج العادة - قلنا: نفي الشيء الحقيقي على لسان صاحب الشرع نفي لحكمه، كقوله "لا صلاة إلا بطهارة" و "لا نكاح إلا بالشهود".
١٥٩ - مسألة: النكاح ينعقد ويظهر بشهادة رجل وامرأتين. وقال الخصم: لا ينعقد ولا يظهر .
وعلى هذا الخلاف: كل حق ليس بمال محض، وليس بعقوبة، كالطلاق والعتاق والوصية والرجعة والولاء والنسب.
стр. 379
والكلام في موضعين: أحدهما - في انعقاد النكاح. والثاني - في ظهوره والقضاء به.
أما الكلام في الانعقاد ـ[فـ] بطريقة الابتداء وبطريقة البناء:
أما طريقة الابتداء - أن يقول: شهادة وامرأتين شهادة شاهدتين - فينعقد النكاح بها كشهادة رجلين. وبيان الوصف ما مر في مسألة الإحصان: هل يثبت بشهادة رجل وامرأتين، من مسائل الحدود؟ وبيان التاثير قوله ﵇: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" وقوله ﵇: "لا نكاح إلا بشهود": نفي واستثنى - فيقتضي انعقاد النكاح عند شهادة شاهدين أو شهادة [ة] شهود.
وأما طريقة البناء - فهو أن يبني الانعقاد على الظهور وجواز القضاء به، فنقول: شهادة رجل وامرأتين حجة مظهرة للنكاح بها، قياساً على شهادة رجلين.
ووجه ذلك ما بينا في مسألة شهادة الفاسق: أن الشهادة في/ باب النكاح إنما شرطت متممة للمقاصد المطلوبة من النكاح، بواسطة الصيانة عن خلل التجاحد. فإذا كانت هذه الشهادة مظهرة للنكاح موجبة للقضاء به، تحصل الصيانة عن خلل التجاحد، فينعقد النكاح به - لما مر. تقريره بسؤاله وجوابه في مسألة شهادة الفاسق.
وأما الكلام في الظهور - فالوجه فيه أن شهادة رجل وامرأتين حجة مغلبة على الظن وجود النكاح، فيجب القضاء بها في باب النكاح، قياساً على شهادة رجلين.
وبيان الوصف ما ذكرنا في مسألة شهادة الفاسق. وتمامه في مسألة الإحصان: هل يثبت بشهادة رجل وامرأتين؟
стр. 380
وبيان التأثير بالنص والمعقول، على ما مر، في مسألة شهادة أهل الذمة والأسئلة عليها والأجوبة عنها ما مر في مسألة الإحصان.
١٦٠ - مسألة: قضاء القاضي في العقود والفسوخ بشهادة الزور، ينفذ ظاهراً وباطناً .
وعندهم ينفذ ظاهراً لا باطناً.
والمعنى من النفاذ باطناً ثبوت الملك والحل فيما بينه وبين الله - حتى إن من ادعى على امرأة نكاحاً وأقام على ذلك شاهدي زور، فقضاء القاضي به يثبت ملك النكاح والحل فيما بينه وبين الله تعالى ويحل للمرأة تمكينه، وإن علمت أن الشهادة زور.
والوجه فيه - أن القاضي قضى بأمر الشرع، فينفذ قضاؤه، ظاهراً وباطناً - قياساً على الشهود الصادقين.
وإنما قلنا ذلك - لأن القاضي ألزمهما النكاح وأحكامه بقوله: حكمت بالنكاح بينكما وألزمتكما أحكامه - والخلاف ثابت في هذه الصورة.
وإنما قلنا بأنه بأمر الشرع - لأنه نائب عن الشرع، فيصير كلامه منقولاً إلى الشرع، لأنه أمر بالقضاء عن الشرع، لا عن نفسه، فصار كأن الشارع قال: ألزمتكما أحكام النكاح واثبت الحل بينكما. ولو كان كذلك ثبت الحل/ فيما بينه وبين الله تعالى.
فإن قيل هذا التعليل مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة
أما الكتاب ـ[فـ] قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء
стр. 381
سَبِيلاً﴾ وهذا زنا، لأنه وطء خال عن ملك النكاح وملك اليمين حقيقة، وأنه متيقن بذلك، والمرء مؤاخذ بزعمه.
وأما السنة ـ[فـ] ما روي عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ سمه جلبة خصم بباب حجرته فخرج إليهم فقال: ألا إنما أنا بشر وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلج من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو يذرها" - متفق على صحته. أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. ولو نفذ القضاء بطناً كان المال أو الملك حلالاً، ولو كان حلالاً لما كان قطعة من النار. وإذا كان النبي ﷺ ، مع كونه مؤيداً بالوحي معصوماً عن القضاء بالباطل، هكذا مقالته في باب قضائه، فكيف حال قضاتنا؟
وأما إجماع الأمة - فلأن الأمة أجمعت على أن كل وطء خلا عن ملك النكاح وملك اليمين، فهو زنا، لأنهم وإن اختلفوا في بعض المواضع في سقوط الحد، ولكن اتفقوا على الحرمة: فمن قال بالحل، فقد خالف الكتاب والسنة والإجماع ونصب الشرع من عند نفسه.
ثم نقول: لا نسلم بأنه قضي بأمر الشرع.
قوله: بأنه أمر بالقضاء عن الشرع - قلنا: بلى إذا كانت الشهادة صدقاً قطعاً، أما إذا كانت الشهادة صدقاً عند القاضي وهي كذب في نفسها، فهو غير مأمور بالقضاء، بل منهي عنه لما فيه من تحليل الحرام وتحريم الحلال وإلحاق الضرر بالمسلمين. ولا يقال بأن صدق الشهود أمر باطن لا يمكن القاضي الوقوف عليه، فلو علقنا الأمر بالقضاء به، لا يمكنه، فيؤدي إلى تعطيل المصالح، لأنا نقول: الاعتراض عليه من وجهين/:
стр. 382
أحدهما - أنه إنما يؤدي إلى تعطيل القضاء: أن لو لم يكن القاضي بني قضاءه على العلم، وأنه يمكنه بأن يقول: إن كانت الشهود صدقاً قضيت بالنكاح بينكما.
والثاني - إن لم يمكنه العلم بصدق الشهود، يمكنه تحصيل الظن به: فيمكنه تحصيل الظن بكونه مأموراً بالقضاء ظاهراً، فيقدم على صورة القضاء ويتوقف في ذلك ويبحث عن أحوال الشهود بالمبالغة في التفحص والتأمل فيه والتريض.
ولئن سلمنا أنه مأمور بالقضاء، ولكن قطعاً أم ظاهراً؟ الأول - ممنوع، ولا يمكن القول به، لأن قيام الحجة ظاهراً يوجب توجه الأمر بالقضاء ظاهراً لا قطعاً. والثاني - مسلم، ولكن الكلام في النفاذ قطعاً لا ظاهراً.
ولئن سلمنا أن قيام الحجة ظاهراً يوجب توجه الأمر قطعاً، لكن بالقضاء ظاهراً أم بالقضاء باطناً؟ :
الأول - مسلم، ونحن نقول بثبوت أحكام النكاح ظاهراً، وهو أمر القاضي إياها بالتمكين والزوج بالنفقة وغيرها.
والثاني - ممنوع، فلم قلتم بأن قيام الحجة ظاهراً يوجب الأمر بالقضاء باطناً؟ .
ولئن سلمنا أنه مأمور بالقضاء مطلقاً، لكن إنما يثبت الحل إذا أمكن - فلم قلتم بأنه أمكن؟
стр. 383
وبيانه - وهو أن الحل لو ثبت لا يخلو: إما أن يثبت بواسطة النكاح، أولاً بواسطة النكاح:
لا وجه للأول - لأنه لم يوجد ههنا نكاح، والكلام فيه.
ولا وجه للثاني - لأن الله تعالى نفى حل الوطء، إلا بملك النكاح أو بملك اليمين، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ - إلى قوله - فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ولا يقال بأن النكاح ههنا يثبت قبيل القضاء مقتضى للقضاء تصحيحاً له فيثبت الحل، لأنا نقول: إنما يثبت النكاح بطريق الاقتضاء إذا أمكن - فلم قلتم بأنه أمكن؟ بيانه من وجوه:
أحدها - أن من شرط ثبوت الشيء مقتضى للشيء أن يكون المقتضى دون المقتضى، وههنا المقتضى فوق المقتضى. /لأن المقتضى، وهو القضاء، إظهار النكاح أو إلزام النكاح، وأنه دون إنشاء النكاح، لأن إنشاء النكاح إثبات الأصل، والإظهار والإلزام إثبات الوصف، والأصل فوق الوصف، فلا يمكن إثبات الأصل مقتضى إثبات الوصف.
والثاني - أن الشيء إنما يثبت مقتضى للشيء إذا لم يكن شرطاً أصلياً له، والنكاح ههنا شرط أصلي للقضاء، لا يتصور وجود القضاء به بدونه، لأنه إظهاره لا إنشاؤه، وإظهار الشيء ولا شيء محال.
والثالث - أن النكاح عقد مخصوص، وهو قوله: "زوجت" و "تزوجت"، يقف على شرائط مخصوصة، وهو الشهود والولاية ورضا الزوجين وهذه الأشياء لا تثبت بطريق الاقتضاء.
стр. 384
ولئن سلمنا أنه أمكن إثبات النكاح بطريق الاقتضاء، هنا، ولكن المقتضى إنما يثبت إذا كان فيه تصحيح هذا القضاء، بل فيه إبطاله.
بيانه - أن هذا قضاء بنكاح قد كان، فإنشاء النكاح في الحال لا يكون تصحيحاً لنكاح قد كان.
والدليل على صحة ما ذكرنا أن القاضي إذا قضى بالنكاح بشهادة الشهود، ثم وجد الشهود كفاراً أو عبيداً أو محدودين في قذف لا ينفذ قضاؤه باطناً، وإن وجدوا فيه ما ذكرتم من العلة - دل عليه أن المرأة إذا كانت منكوحة الغير أو معتدة الغير، والشهود شهدوا على النكاح فقط لا ينفذ باطناً. وكذا قضاء القاضي بشهاد الزور في الأملاك المرسلة - لا ينفذ باطناً.
ولئن سلمنا أن النكاح ههنا يثبت بطريق الاقتضاء، ولكن لم يثبت الحل به؟ بيانه - أن الحل إنما يثبت بنكاح مطلق، وهو النكاح من كل وجه، الزاهر في حق جميع الأحكام، والنكاح ههنا يثبت بنكاح مطلق، وهو النكاح من كل وجه، الظاهر في حق جميع الأحكام، والنكاح ههنا يثبت بطريق الضرورة والاقتضاء على زعمكم، فلا يظهر في حق الحل.
الجواب:
أما الآية - قلنا لا تتناوله، لأنه ليس بزنا. بدليل أنه لا يجب الحد عليه بالإجماع. وأما الحديث - قلنا: المراد منه الأملاك المرسلة - والله أعلم - على أن في الحديث/ إشارة إلى ذلك فإنه قال: "فمن قضيت له بحق مسلم" - ولا يقال: الاعتراض على هذا من وجوه.
أحدها - أن الحديث مطلق فلا يجوز تقييده، وليس فيه إشارة إلى الأملاك، لأن القضاء في هذه الصورة أيضاً قضاء بحق مسلم.
стр. 385
والثاني - أن مفهوم هذا الكلام أنه ﷺ أراد: إني بشر مثلكم يجري على الخطأ والسهو في القضايا كما يجري عليكم، فمن قضيت له مخطئاً فلا يأخذ به. وهذا لا يتفاوت بين الأنكحة والأملاك المرسلة.
والثالث - أنه ﷺ قال: "فأحسب أنه صادق فأقضي له" - جعل ظن الصدق علة للخطأ في القضاء، وهذه العلة قائمة ههنا، فيثبت معلوله، فيثبت حكمه.
والرابع - أنكم لما سلمتم أن هذا الحديث يقتضي حرمة الأملاك المرسلة في مثل هذه القضية، فلأ [ن] يقتضي حرمة الفروج، كان أولى، لأنه حرمة الفرج أشد وآكد من حرمة الأموال.
لأنا نقول: المراد من الحديث الأملاك المرسلة بما ذكرنا من القرينة، لأن القضاء ههنا ليس قضاء بحق مسلم، لأن المرأة ليست بحق مسلم.
وأما إجماع الأمة - فالجواب عنه ما ذكرنا: أنه ليس بزنا بدليل عدم وجوب الحد - قوله: لم قلتم بأنه قضى بأمر الشرع؟ قلنا: لأن المعنى بكونه مأموراً كونه مكلفاً، والتكليف في موضع ما، لا يقف على العلم، بل الأمر يبتني على الظن وقد حصل الظن.
قوله: أمكن بناء الحكم على الصدق القطعي بدون العلم بالصدق، بأن يقول: قضيت بالنكاح إن كان الشهود صدقاً - قلنا: هذا باطل، لأنا أجمعنا أن القاضي لا يحل له أن يقول ذلك في موضع ما، بل يجب عليه القضاء حتماً، والفقه فيه أنه متى غلب على ظنه صدق المدعى وصدق الشهود غلب على ظنه ظلم المدعي عليه، فيجب على القاضي دفع الظلم قطعاً.
стр. 386
قوله: يجب عليه التأمل والتوقف - قلنا: لما بينا أنه/ قضى بأمر الشرع يثبت الحل ويجب دفع الظلم بلا توقف، بمجرد غلبة الظن.
قوله: الأمر بالقضاء توجه قطعاً أم ظاهراً - قلنا: ظاهراً لأنه فصل مجتهد فيه، فيثبت الحل ظاهراً.
قوله: بأنه مأمور بالقضاء ظاهراً أم باطناً؟ - قلنا: إذا كان مأموراً بالقضاء صار كأن الشرع قال ذلك، فيثبت الحل به، على ما ذكرنا.
قوله: إنما يثبت الحل إذا أمكن - قلنا: الأصل هو الإمكان.
قوله: الحل لو ثبت إما أن يبت بواسطة النكاح أو لا - قلنا: إذا دللنا على ثبوت الحل م الشرع فقد دللنا على وجود النكاح ضرورة.
قوله: بأن النكاح لم يوجد حقيقة بل بطريق الاقتضاء، ولا وجود للإقتضاء - قلنا: لو أثبتنا بطريق الاقتضاء فله وجه، إلا أنا لا نثبته بطريق الاقتضاء، بل نثبته حكماً للقضاء، لأن القضاء سبب للحل، ولا حل إلا بالنكاح، فكان سبباً لثبوت النكاح.
ولا يقال بأن النكاح ليس إلا قوله: "زوجت" و "تزوجت"، وهذا لم يوجد حقيقة، فلا يمكن إثباته حكماً للقضاء، لأنه أمر حقيقي لا يوجد بقضاء القاضي، لأنا نقول: النكاح وصف شرعي في المحل قد يثبت بدون هذه الصيغة، كما في الأخرس.
قوله: النكاح يختص بشرائط - قلنا والشرائط موجودة ههنا، وهي: ولاية القاضي وحضور الشهود.
قوله: هذا قضاء بنكاح قد كان، وثبوت النكاح ابتداء إبطال القضاء على هذا الوجه - قلنا: عنه جوابان:
أحدهما أن هذا قضاء بالنكاح مطلقاً، من غير التعرض للحال والماضي.
والثاني - أن هذا قضاء بنكاح قد كان، والقاضي ههنا ينشئ نكاحاً يظهر في حق أحكام قد كانت، فيستند إليه.
стр. 387
وأما إذا وجد الشهود كفاراً أو عبيداً أو محدودين إنما لا ينفذ، لأنه غير مأمور بالقضاء في هذه الحالة، لأن هذه الأسباب يمكن الوقوف عليها في الجملة، أما ههنا بخلافه.
وأما إذا كانت المرأة منكوحة الغير - قلنا: لا يمكن إثبات الحل، لأن الحل إنما يثبت بالنكاح، والنكاح يقتضي محلاً فارغاً.
وأما الأملاك المرسلة - فلأن أسبابها كثيرة وليس البعض أولى من البعض - أما ههنا بخلافه.
قوله: النكاح هنا يثبت بطريق الضرورة، فلا يثبت في حق الحل - قلنا: ليس كذلك، لأن النكاح هنا يثبت حكماً للقضاء، لا بطريق الاقتضاء.
стр. 388
[٢١]
كتاب الدعوى
١٦١ - [مسألة]: النكول حجة يقضي بها في باب الأموال. وعنده لا يقضي بمجرد النكول، بل ينقل اليمين إلى المدعي. فإذا حلف يقضي له .
والوجه فيه - أن نكول المدعي عليه عن اليمين دل على كونه كاذباً في الإنكار أو باذلاً للمال، فيجب على القاضي القضاء [للمدعي] بأخذ المال، قياساً على ما إذا بذل صريحاً.
стр. 389
"إنما قلنا ذلك - لأن اليمين واجبة عليه، لقوله ﵇: "اليمين على من أنكر". وكلمة "على" للإيجاب، إلا أ، هـ خص منه حالة الكذب والبذل، ففيما عداه يبقى واجباً عليه. فلو لم يكن كاذباً أو باذلاً، كان النكول امتناعاً عن الواجب، والظاهر من حال المسلم أن لا يقدم على ترك الواجب وظلم صاحبه - فدل امتناعه على أن اليمين ليست بواجبة عليه. ولن تخرج من كونها واجبة عليه إلا بكونه كاذباً أو باذلاً. فإن كان كاذباً، يكون ظالماً، فيجب على القاضي دفع ظلمه. وإن كان باذلاً كان المدعي آخذاً مال نفسه في زعمه، فيجب على القاضي تمكينه من ذلك.
стр. 390
فإن قيل: قولكم بأن النكول دليل على كونه باذلاً أو كاذباً - قلنا: لم قلتم بأن القضاء يجوز بمثل هذه الحجة؟ بيانه - أن النكول متردد بين الكذب والبذل، فلا يجوز للقاضي القضاء بحجة مترددة.
ثم نقول: لم قلتم بأن النكول دلالة على كونه كاذباً أو باذلاً، ويحتمل أنه امتنع ترفعاً حيث يستحلف على صدق كلامه، ويحتمل أنه امتنع تورعاً أو امتنع لاشتباه المر عليه، والمحتمل لا يكون دليلاً.
قوله بأن اليمين واجبة عليه - قلنا: لا نسلم، ولا نسلم بأن كلمة "على" للإيجاب، بل حقيقة في التعلي، مجاز في الوجوب.
ولئن سلمنا بأنه للإيجاب، / ولكن لا نسلم بأنه أريد به الإيجاب ههنا.
بيانه - أن النبي ﷺ كما ذكر "اليمين" في جانب المنكر بكلمة "على"، ذكر "البينة" في جانب المدعي بكلمة "على" ولم تجب عليه.
ولئن سلمنا أن اليمين واجبة عليه، ولكن في حال الصدق [قطعاً أم] في حال اشتباه الأمر عليه، وإنه قد اشتبه عليه، فلا يجب.
ولئن سلمنا أن اليمين واجبة عليه، ولكن الامتناع إنما يدل على الكذب إذا كان عالماً بالوجوب عليه، وهو لا يعلم.
ولئن سلمنا أن النكول دليل على كونه صادقاً مانعاً.
следующие страницы →