Полный текст (509 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
قوله: يجب عليه التأمل والتوقف - قلنا: لما بينا أنه/ قضى بأمر الشرع يثبت الحل ويجب دفع الظلم بلا توقف، بمجرد غلبة الظن.
قوله: الأمر بالقضاء توجه قطعاً أم ظاهراً - قلنا: ظاهراً لأنه فصل مجتهد فيه، فيثبت الحل ظاهراً.
قوله: بأنه مأمور بالقضاء ظاهراً أم باطناً؟ - قلنا: إذا كان مأموراً بالقضاء صار كأن الشرع قال ذلك، فيثبت الحل به، على ما ذكرنا.
قوله: إنما يثبت الحل إذا أمكن - قلنا: الأصل هو الإمكان.
قوله: الحل لو ثبت إما أن يبت بواسطة النكاح أو لا - قلنا: إذا دللنا على ثبوت الحل م الشرع فقد دللنا على وجود النكاح ضرورة.
قوله: بأن النكاح لم يوجد حقيقة بل بطريق الاقتضاء، ولا وجود للإقتضاء - قلنا: لو أثبتنا بطريق الاقتضاء فله وجه، إلا أنا لا نثبته بطريق الاقتضاء، بل نثبته حكماً للقضاء، لأن القضاء سبب للحل، ولا حل إلا بالنكاح، فكان سبباً لثبوت النكاح.
ولا يقال بأن النكاح ليس إلا قوله: "زوجت" و "تزوجت"، وهذا لم يوجد حقيقة، فلا يمكن إثباته حكماً للقضاء، لأنه أمر حقيقي لا يوجد بقضاء القاضي، لأنا نقول: النكاح وصف شرعي في المحل قد يثبت بدون هذه الصيغة، كما في الأخرس.
قوله: النكاح يختص بشرائط - قلنا والشرائط موجودة ههنا، وهي: ولاية القاضي وحضور الشهود.
قوله: هذا قضاء بنكاح قد كان، وثبوت النكاح ابتداء إبطال القضاء على هذا الوجه - قلنا: عنه جوابان:
أحدهما أن هذا قضاء بالنكاح مطلقاً، من غير التعرض للحال والماضي.
والثاني - أن هذا قضاء بنكاح قد كان، والقاضي ههنا ينشئ نكاحاً يظهر في حق أحكام قد كانت، فيستند إليه.
стр. 387
وأما إذا وجد الشهود كفاراً أو عبيداً أو محدودين إنما لا ينفذ، لأنه غير مأمور بالقضاء في هذه الحالة، لأن هذه الأسباب يمكن الوقوف عليها في الجملة، أما ههنا بخلافه.
وأما إذا كانت المرأة منكوحة الغير - قلنا: لا يمكن إثبات الحل، لأن الحل إنما يثبت بالنكاح، والنكاح يقتضي محلاً فارغاً.
وأما الأملاك المرسلة - فلأن أسبابها كثيرة وليس البعض أولى من البعض - أما ههنا بخلافه.
قوله: النكاح هنا يثبت بطريق الضرورة، فلا يثبت في حق الحل - قلنا: ليس كذلك، لأن النكاح هنا يثبت حكماً للقضاء، لا بطريق الاقتضاء.
стр. 388
[٢١]
كتاب الدعوى
١٦١ - [مسألة]: النكول حجة يقضي بها في باب الأموال. وعنده لا يقضي بمجرد النكول، بل ينقل اليمين إلى المدعي. فإذا حلف يقضي له .
والوجه فيه - أن نكول المدعي عليه عن اليمين دل على كونه كاذباً في الإنكار أو باذلاً للمال، فيجب على القاضي القضاء [للمدعي] بأخذ المال، قياساً على ما إذا بذل صريحاً.
стр. 389
"إنما قلنا ذلك - لأن اليمين واجبة عليه، لقوله ﵇: "اليمين على من أنكر". وكلمة "على" للإيجاب، إلا أ، هـ خص منه حالة الكذب والبذل، ففيما عداه يبقى واجباً عليه. فلو لم يكن كاذباً أو باذلاً، كان النكول امتناعاً عن الواجب، والظاهر من حال المسلم أن لا يقدم على ترك الواجب وظلم صاحبه - فدل امتناعه على أن اليمين ليست بواجبة عليه. ولن تخرج من كونها واجبة عليه إلا بكونه كاذباً أو باذلاً. فإن كان كاذباً، يكون ظالماً، فيجب على القاضي دفع ظلمه. وإن كان باذلاً كان المدعي آخذاً مال نفسه في زعمه، فيجب على القاضي تمكينه من ذلك.
стр. 390
فإن قيل: قولكم بأن النكول دليل على كونه باذلاً أو كاذباً - قلنا: لم قلتم بأن القضاء يجوز بمثل هذه الحجة؟ بيانه - أن النكول متردد بين الكذب والبذل، فلا يجوز للقاضي القضاء بحجة مترددة.
ثم نقول: لم قلتم بأن النكول دلالة على كونه كاذباً أو باذلاً، ويحتمل أنه امتنع ترفعاً حيث يستحلف على صدق كلامه، ويحتمل أنه امتنع تورعاً أو امتنع لاشتباه المر عليه، والمحتمل لا يكون دليلاً.
قوله بأن اليمين واجبة عليه - قلنا: لا نسلم، ولا نسلم بأن كلمة "على" للإيجاب، بل حقيقة في التعلي، مجاز في الوجوب.
ولئن سلمنا بأنه للإيجاب، / ولكن لا نسلم بأنه أريد به الإيجاب ههنا.
بيانه - أن النبي ﷺ كما ذكر "اليمين" في جانب المنكر بكلمة "على"، ذكر "البينة" في جانب المدعي بكلمة "على" ولم تجب عليه.
ولئن سلمنا أن اليمين واجبة عليه، ولكن في حال الصدق [قطعاً أم] في حال اشتباه الأمر عليه، وإنه قد اشتبه عليه، فلا يجب.
ولئن سلمنا أن اليمين واجبة عليه، ولكن الامتناع إنما يدل على الكذب إذا كان عالماً بالوجوب عليه، وهو لا يعلم.
ولئن سلمنا أن النكول دليل على كونه صادقاً مانعاً.
стр. 391
ولئن سلمنا أنه غلب على ظن القاضي كذبه أو بذله، [ف] لم يجب عليه القضاء بهذا القدر من الظن، وإنما يجب إذا لم يمكنه ظن فوقه وقد أمكن، وهو نقل اليمين إلى المدعي، وصار كما إذا نكل عن جواب الخصومة، ولا يقضي بالنكول مرة واحدة وإن كان ما ذكرتم موجوداً.
الجواب:
قوله: هذه حجة مترددة بين الكذب والإنكار - قلنا: على التقديرين جميعاً يجب على القاضي القضاء بملكه، لأن حكم القضاء بالبذل لا يخالف حكم القضاء بكونه كاذباً، فيكون النكول حجة على التقديرين.
قوله: يحتمل أنه نكل ترفعاً أو تورعاً - قلنا: بل أصل الاحتمال ثابت، ولكن ترجح ما ذكرنا لما مر من الدليل. على أن ما ذكرتم من الاحتمالات، خلاف الظاهر، نظراً إلى أحوال أوساط الناس. وأما الاشتباه فإنه قد صرح بنفي الاشتباه لمكان الإنكار.
قوله: لم قلتم بأن كلمة "على" للإيجاب - قلنا: بالنقل والاستعمال. قال الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ولا تنافي بين العلي والوجوب.
قوله: لم قلتم بأنه أريد به إيجاب هنا - قلنا: لما ثبت أنه موضوع للإيجاب.
قوله: لم قلتم بأنه أريد به الإيجاب هنا - قلنا: لما ثبت أنه موضوع للإيجاب.
قوله: لم يرد به (اليمين) الإيجاب في جانب المدعي - قلنا: عنه جوابان:
أحدهما - لا نسلم أنه لم يرد به الإيجاب، بل البينة واجبة على المدعي.
стр. 392
والثاني - أن يرد به الإيجاب في حقه، بدليل منفصل، لا يدل على أنه/ لم يرد به الإيجاب في موضع آخر.
قوله: اليمين واجبة عليه حالة كونه صادقاً قطعاً أم حالة الاشتباه؟ قلنا: في الحالين جميعاً، لأنه مطلق، على أن الاشتباه منتف - قلنا: لما ذكرنا.
قوله: هذا إنما يدل على كونه كاذباً أو باذلاً إذا علم - قلنا: لو فرضنا الكلام في [الحقيقة] سقط السؤال. وإن لم نفرض، فنقول: أحكام الشرع لا تبني على حقيقة العلم، بل على دليله، وهو دار الإسلام.
قوله: بأن التصريح بالإنكار يعارض هذه الدلالة - قلنا: الإنكار معارض بدعوى المدعي، فبقى النكول من غير معارض، والمنع لا يمنع ذلك، إذ لا تنافي بين المنع الحسي وكونه كاذباً.
قوله: إن غلب على ظن القاضي، لم يجب عليه القضاء ـقلنا: لما ذكرنا.
قوله: يمكنه الوصول إلى ظن فوقه بنقل اليمين - قلنا: نقل اليمين لا يفيده زيادة الظن لا محالة، والحكم على أصل الظن. وأما إذا نكل عن جواب الخصم - قلنا: لأنه يمكن أن يكون مقراً أو منكراً، أما ههنا بخلافه، وإنما لا يقضي بالنكول مرة، لأنه لا يدل على كونه كاذباً أو باذلاً إلا بالتقرير والتكرير.
والله أعلم.
стр. 393
١٦٢ - مسألة: الاستحلاف لا يجري في الأشياء الثلاثة، وهي: النكاح ويندرج تحته الرجعة والفئ في الإيلاء، والرق ويندرج تحته الولاء، والنسب ويندرج تحته أمومية الولد لأنها من آثار النسب .
والوجه فيه - أن يمين المدعي عليه في دعوى الرق والنكاح ليست بحق للمدعي فلا يجبر المدعي عليه، عليه قياساً على ما قبل الدعوى.
وإنما قلنا ذلك - لأن المقصود في الدعوى هو حصول المدعي لا غير، واليمين ليست بوسيلة إليه، لا على تقدير وجوده ولا على تقدير عدمه. أما على تقدير وجوده فظاهر. وأما على تقدير عدمه، فلأن النكول إنما يكون وسيلة إلى حقه بواسطة القضاء به، والقضاء في هذا الباب لا يجوز، لأن النكول بذل، والبذل لا يجري في هذه الأشياء/ ولهذا لو صرح بالبذل لا يجوز القضاء به.
فإن قيل: قولكم بأن يمين المدعى عليه ليست بحق للمدعي، فلا يجبر عليه - قلنا: إشارة إلى أن الجبر على اليمين لحق المدعى. وعندنا: لا يجبر على اليمين إلا لحق الشرع.
ولئن سلمنا أنه لحق المدعى، ولكن لم قلتم بأن يمين المدعى عليه ليست بحق له؟ .
قوله: لأن المقصود حصول المدعى، واليمين لا تصلح وسيلة إليه - قلنا: لا نسلم.
стр. 394
قوله: لأن النكول بذل، والبذل لا يجري في هذا الباب - قلنا: لا نسلم بأن النكول بذل في موضع ما، بل هو [إقرار] فيه شبهة - دل عليه أن القضاء بالنكول يجري في حق المكاتب والعبد المأذون والصبي المأذون، والبذل لا يجري في حق هؤلاء.
ولئن سلمنا أن النكول بذل ههنا، ولكن لم قلتم بأن البذل لا يجري في هذه الأشياء؟ - وهذا لأن المعنى بالبذل ليس هو التمليك ابتداء، بل هو ترك الخصومة والمنازعة المستحقة للمدعى، والنفس قابلة للبذل على هذا التفسير، بخلاف ما إذا صرح بالبذل، لأنه إباحة ابتداء.
ثم الدليل على أن الاستحلاف يجري في هذه الأشياء مسألة ذكرها في كتاب الطلاق: إن الرجل إذا طلق امرأته طلاقاً رجعياً ثم قال لها: راجعتك فإنك أخبرتيني أمس أنك طعنت في الحيضة الثالثة، وقالت المرأة انقضت عدتي وما أخبرتك بشيء، فإنها تستحلف، فإذا نكلت يقضى عليها بالنكول.
الجواب:
قوله: الجبر على اليمين لحق الشرع - قلنا: لا نسلم، بل هي لحق المدعي، لأنه يثبت بطلبه ويترك بتركه، وهو الذي ينتفع به على الخصوص، فيكون حقه.
قوله: لم قلتم بأن النكول بذل في موضع ما؟ قلنا: لأنه يحتمل أن يكون بذلاً ويحتمل أن يكون دلالة على الكذب، إلا أن حمله على البذل أولى، لأن فيه حمل أمره على الإصلاح.
стр. 395
قوله: بأن النكول إقرار فيه شبهة - قلنا: لا نسلم، وما ذكر من الأحكام/ قلنا: لا نعني بالبذل الهبة والتمليك ابتداء، بل نعني به ترك المنازعة لتحصيل المدعى، والبذل على هذا التفسير يجري في هذه الأشياء في [حق] هؤلاء.
قوله: النكول: إن كان بذلاً في الأموال - لم قلتم بأنه بذل هنا؟ - قلنا: لأن وجه الدلالة على البذل، وهو حمل أمره على الصلاح، تشمل الفصلين.
قوله: غير قابلة - قلنا: نعني به أنه لو ندم عليه وترك الخصومة لا يأثم، سواء كان المحل قابلاً لثبوت الحل بالبذل أو لم يكن.
قوله: لم قلتم بأن البذل على هذا التفسير لا يجري في هذا الباب - قلنا: بدليل الإجماع والمعقول.
أما الإجماع - فهو أنا أجمعنا على أن من ادعى على امرأة نكاحاً عند القاضي فأنكرت وقالت: لا نكاح بيننا، ولكني لا أنازعه، فالقاضي لا يقضي بالنكاح بينهما.
وأما المعقول - فلأن الدعوى لا تصلح سبباً لاستحقاق هذه الحقوق.
وأما ما ذكر من المسألة - قلنا: ذاك ليس بقضاء النكول، لأن الرجعة كانت ثابتة، و، وإنها باقية ببقاء العدة ظاهراً، فالمرأة تدعي بطلان حق الرجعة الواقعة حقيقة بانقضاء العدة، فكانت منكرة صحة المراجعة معنى، فتستحلف، فإذا نكلت صحت الرجعة بناء على العدة.
١٦٣ - مسألة: القضاء على الغائب، وللغائب - لا يجوز .
والوجه فيه - أن شرط جواز القضاء لم يوجد، فلا يجوز القضاء، قياساً القضاء قبل الدعوى.
стр. 396
وإنما قلنا ذلك - لأن شرط جواز القضاء وجود الحجة الموجبة للقضاء، وكونه البينة حجة موجبة للقضاء تقف على وجود الدعوى والإنكار، وقد انعدم الإنكار، فلا يكون حجة.
وإنما قلنا: إن شرط كون البينة حجة وجود الإنكار، لأن الدليل ينفي كون البينة حجة، لما فيها من احتمال الصدق والكذب، إلا أن الشرع جعلها حجة ضرورة قطع المنازعة وإيصال الحق إلى المستحق، وذلك إنما يكون عند الخصومة والإنكار، فإذا انعدمت الخصومة/ والإنكار، انعدمت الضرورة، فلا تكون حجة - ألا ترى أن الشهود إذا شهدوا قبل الدعوى، ثم ادعى المدعي، لا يجوز القضاء بتلك الشهادة.
وإنما قلنا إنه لم يوجد الإنكار - لأن المدعي عليه إذا كان غائباً يحتمل أن يكون مقراً ويحتمل أن يكون منكراً، بل الظاهر منه الإقرار، بناء على ظاهر حال المدعي.
فإن قيل: قولكم بأن الدليل ينفي كون البينة حجة - قلنا: لا نسلم.
قوله: لما فيها من احتمال الصدق والكذب - قلنا: احتمالاً على السواء، وجانب الصدق فيه راجح ع م - فلم قلتم بأنه يبقى العمل بالمحتمل الذي رجح جانب الصدق فيه لظاهر حاله؟ .
ولئن سلمنا أن البينة حج ضرورية، لكن لم قلتم بأن تلك الضرورة لم توجد هنا؟ .
قوله: الإنكار شرط لوجود الضرورة - قلنا: لا نسلم - بيانه أن الضرورة الجاعلة للبينة حجة، ضرورة الوصول إلى الحق، وقد وجدت ههنا، لأن الغائب إن كان مقراً يمكنه الوصول إلى الحق بدون البينة. وإن كان منكراً، لا يمكنه الوصول إلا بالبينة، فلابد من البينة.
ولئن سلمنا أن الضرورة هي للإنكار، ولا إنكار ههنا - ولكن لم قلتم بأنه لا ضرورة إلى إثبات الحق؟ .
стр. 397
ولئن سلمنا أن الإنكار شرط، ولكن قطعاً أم ظاهراً؟ ع م - فلم قلتم بأنه لم يوجد الإنكار ظاهراً؟ وبيان وجوده أن المدعي كما يدعي أصل الحق، يدعي إنكار المدعي عليه، لأنه لو لم يدع إنكاره لا تسمع منه البينة. والظاهر من كلامه الصدق، فكن الظاهر وجود الإنكار، والإنكار ظاهراً يكفي للبينة، بدليل أن الوكيل إذا أنكر على موكله، يقضي على الموكل، وإن كان احتمال الإقرار من الموكل ثابتاً.
ولئن سلمنا أنه لم يوجد الإنكار أصلاً - لم لا يجوز القضاء؟ بيانه: أن شرط جواز القضاء وجود حجة ما، لا وجود حجة معينة، وهي البينة.
والدليل على أن القضاء على الغائب جائز - الأحكام:
ومنها - أن من ادعى عبداً في بد إنسان، وقال: اشتريته من فلان الغائب - وأقام على ذلك بينة، يقضي بالملك له، وبالشراء من الغائب، حتى لو حضر وأنكر لا يلتفت عليه.
ومنها - أن المرأة إذا ادعت النفقة على زوجها الغائب وأقامت البينة، يقضى لها، بالنفقة عليه.
ومنها - إذا ادعى رجل أن فلاناً الغائب أودعني هذه الدابة ولم يترك لها نفقة وطلب من القاضي القضاء بالنفقة من مال المودع وأقام البينة، يقضى له.
وهذا كله قضاء على الغائب.
стр. 398
الجواب:
قوله: البينة محتملة احتمالاً على السواء، أو ترجح فيهـ[ـا] جهة الصدق - قلنا: ترجح فيها جهة الصدق، لكن مع هذا يبقى احتمال الكذب. والدليل ينفي بناء القضاء عليه، لما فيه من احتمال ضرر العقاب.
قوله: لم قلتم بأن تلك الضرورة لم توجد هنا؟ قلنا: لما ذكرنا.
قوله: الضرورة الجاعلة للبينة حجة ـ[هل] ضرورة الوصول إلى الحق؟ قلنا: بلى، ولكن ضرورة الوصول إلى الحق بواسطة الإثبات بحيث لةلا الإثبات بالبينة لا يتمكن من الوصول إليه، وهذه الضرورة منعدمة هنا، لأن الظاهر هو الإقرار.
قوله: الشرط وجود الإنكار قطعاً أم ظاهراً؟ - قلنا: ظاهراً ولم يوجد، لما ذكرنا أن الظاهر هو الإقرار بخلاف الوكيل إذا أنكر، لأن الوكيل قائم مقام الموكل، وإنكار الوكيل قد وجد قطعاً، أما ههنا بخلافه.
وأما الأحكام:
أما مسألة الحد و [مسألة] دعوى الشراء - قلنا: الحاضر ينتصب خصماً عن الغائب في إنكار العين وإنكار الشراء، ضرورة كونه خصماً فيما تعلق بهما.
وأما مسألة نفقة المرأة و [مسألة] الوديعة - قلنا: القاضي انتصب، لأنه هو المحتسب لإحياء الحقوق عند الحاجة وللعجز.
١٦٤ - مسألة: الخارجان إذا ادعيا ملكاً مطلقاً أو ادعيا النتاج، والعين في
стр. 399
يد ثالث، وأقاما جميعاً البينة، يقضى بالعين بينهما نصفين. وله فيه قولان: في قول يتهاتر البينتان ولا يقضي أصلاً. وفي قول: يقرع بينهما/ والمناظرة على الأول.
والوجه فيه - أن بينة كل واحد منهما حصلت أمارة على ثبوت الملك له، فيقضى بالنصف لكل واحد منهما، عملاً بالأمارتين بقدر الممكن، وبيان الوصف والتأثير ما ذكرنا في مسألة زوج المعتدة.
فإن قيل: قولكم بأن بينة كل واحد منهما حصلت أمارة على ثبوت الملك له - قلنا: الاعتراضات على الوصف والتأثير ما ذكرنا في مسألة زوج المعتدة. والذي يختص بهذه المسألة أن الأمارة في الباب التي يجب العمل بها هي مطلق الشهادة أو شهادة العدل؟ ع - ولا يمكن القول به، لأن إحدى البينتين إذا كانت عادلة والأخرى فاسقة لا يقضى بالعين بينهما بالإجماع. والثاني م - لكن لم قلتم بأن كل واحدة من البينتين عادلة؟ - بيانه أن أحد الفريقين كاذب بيقين، لأن العين الواحدة: في حالة واحدة لا يتصور أن تكون مملوكاً لشخصين على سبيل الكمال، فكان أحد الفريقين كاذباً بيقين، والكاذب فاسق، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فوجب القول بالتهاتر، وصار كما إذا شهد أحد الفريقين أن فلاناً أعتق عبده يوم النحر بكوفة والآخر [أنه] طلق امرأته يوم النحر بمكة، تهاترت البينتان لما قلنا - كذا هذا.
الجواب:
أما الاعتراضات - فجوابها ما عرف في مسألة زوج المعتدة.
стр. 400
وأما قوله: الأمارة التي يجب العمل بها شهادة العدول - قلنا: بلى، ولكن الكلام فيما إذا كانوا عدولاً زكاهم المزكى والقاضي.
قوله: أحد الفريقين فاسق - قلنا: إنما يكون فاسقاً إذا كان معتمداً الكذب. أما إذا بنى شهادته على دليل، وهو اليد أو الشراء أو ما يجري مجراهما، لا يكون فاسقاً، فبقى:
قوله: أمارة فيجب العمل به، لأن وجوب العمل بناء على وجود الأمارة، لا على حقيقة الصدق، على ما ذكرنا في مسألة زوج المعتدة.
وأما مسألة/ الكوفي والمكي - قلنا: ثمة أحد الفريقين فاسق معتمد الكذب، لأن ذلك بناء على الغائب، ولا يتصور معاينة خص واحد في يوم واحد بمكة وبكوفة، فكان أحدهما فاسقاً - أما ههنا بخلافه.
١٦٥ - مسألة: الخارج مع ذي اليد إذا تنازعا في الملك المطلق، وأقاما جميعاً البينة - يقضى ببينة الخارج. وعنده: يقضى ببينة ذي اليد .
والوجه فيه - أن بينة الخارج أكثر إظهاراً، فكان القضاء بها أولى، قياساً على البائع والمشتري إذا اختلفا في مقدار الثمن وأقاما البينة، كانت بينة البائع أولى.
стр. 401
وإنما قلنا إن بينة الخارج أكثر إظهاراً، لأن بينة الخارج مظهرة للملك من كل وجه، وبينة ذي اليد مظهرة للملك من وجه، لأن الملك من وجه ثابت له، بدون البينة، بظاهر اليد، لأن اليد المتصرفة دليل الملك. وإذا كانت بينة الخارج أكثر إظهاراً، فقد خلت عن المعارض في حق تلك الزيادة، فيجب العمل بها في حق تلك الزيادة، ولا يمكن العمل بها في حق الزيادة إلا بالقبول في حق الكل.
فإن قيل: قولكم بأن بينة الخارج أكثر إظهاراً - قلنا: لا نسلم.
قوله بأ، بينة ذي اليد مظهرة للملك من وجه - قلنا: لا نسلم.
قوله: بأن اليد دليل الملك - قلنا: لا نسلم.
والدليل على أن اليد لا تدل على الملك - المعقول والحكم:
أما المعقول - فهو أن اليد محتملة: تحتمل أنها يد غصب، وتحتمل أنها يد وديعة أو عارية أو غجارة أو ملك - فلا تدل على الملك.
وأما الحكم ـ[فقد] أجمعنا على أن الشهود إذا قالوا: "نشهد أن هذه العين ملك فلان لأنا رأيناه في يده" - لا تقبل هذه الشهادة. فلو كانت اليد دليل الملك لقبلت، كما إذا قالوا: "نشهد أن هذه العين ملكه، لأنا رأيناه اشتراه من فلان".
ولئن سلمنا أن اليد دليل الملك، لكن في حالة المنازعة أو في غير حالة المنازعة؟ ع م - وهذا لأن اليد إن كان دليل الملك، فدعوى المدعى تنفي ثبوته.
وإن سلمنا أن بينة الخارج أكثر إظهاراً، / لكن لم قلتم بأن القضاء بها أولى؟ .
قوله: بأنها خلت عن المعارض في تلك الزيادة - قلنا: خلت عن معارض هي بينة أم خلت عن معارض أصلاً - الأول مسلم، ولكن هذا لم يوجب العمل به. والثاني ممنوع، لكن هذا في حيز التعارض لأنه لا يمكن العمل بها في حق الزيادة إلا بالعمل بها في حق الأصل، والعمل بها في حق الأصل متعذر باعتبار المعارض.
ثم نقول: بينة الخارج إن كانت أكثر إظهاراً، فبينة ذي اليد أكثر صدقاً، لأنه
стр. 402
مؤيد باليد، والترجيح بزيادة الصدق أولى، لأن الركن هو الصدق، فصار كدعوى النتاج ودعوى النكاح ودعوى الشراء من مالك: فإن بينة ذي اليد أولى منها.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن اليد دليل الملك - قلنا: لأن الأصل أن تكون اليد محقة ويد أصالة لا يد نيابة، لأن الأصل أن يكون الإنسان عاملاً لنفسه لا لغيره.
قوله: بأن اليد تحتمل - قلنا: أصل الاحتمال ثابت، لكن يد الملك راجح - على ما مر.
وأما إذا قال الشهود: نشهد أن عين كذا ملك فلان، لأنا رأيناه في يده - إنما لا تقبل هذه الشهادة، لأن اليد إن كانت دليل الملك، لكنه دليل الملك من وجه في حق الدفع لا في حق الإلزام.
قوله: اليد دليل الملك في حالة المنازعة أم في غير حالة المنازعة؟ - قلنا: في الحالين جميعاً، لأن وجه الدلالة لا يختلف.
قوله: بأن دعوى المدعى تنفي ثبوت الملك له - قلنا: دعوى المدعى يصير معارضاً بإنكار ذي اليد ودعواه لنفسه، فبقيت اليد خالية عن المعارض.
قوله: بأن بينة الخارج في حق الزيادة خلت عن معارض هو بينه أو عن معارض أصلاً - قلنا: خلت عن المعارض أصلاً فيما يرجع إلى كونها حجة، لأن اليد إن كانـ[ـت] تدل على الملك من وجه، لكن على وجه لا يجوز القضاء بها.
وأما ما ذكر من المعارضة - قلنا: لا معارضة/ لأن امتناع العمل ببينة الخارج في حق الأصل لا يكون بدليل ناف بل بقضية التعارض.
قوله: بأن بينة الخارج إن كان أكثر إظهاراً، فبينة ذي اليد أكثر صدقاً - قلنا: بلى، ولكن الترجيح بزيادة الإظهار أولى، لأن الإظهار مقصود من البينة، والصدق وسيلة إليه، والترجيح بالمقصود أولى.
стр. 403
وأما الأحكام:
قلنا: في دعوى النتاج بينة ذي اليد أولى، لأنها دعوى أولية الملك، واليد لا يدل عليه، فمست الحاجة إلى الإثبات بالبينة. وأما دعوى النكاح، فهي في معنى دعوى النتاج. وكذلك دعوى الشراء، في معنى دعوى النتاج - لما ذكرنا.
١٦٦ - مسألة: الأب إذا استولد جارية ابنة، يتملكها بالقيمة، ولا يلمه العقر. وعنده: يتملكها ويلزمه العقر .
والوجه فيه - أن الأب وطئ مملوكة نفسه، فلا يلزمه العقر، قياساً على ما إذا اشتراها ثم استولدها.
وإنما قلنا: أنه وطئ جارية نفسه - وذلك لأن الأب بسبيل من تملك الجارية قبيل الوطء، وقد تملكها قبل الوطء، فثبت الملك ضرورة.
وإنما قلنا إن الأب بسبيل من تملك الجارية، لأنه بسبيل من تملك طعام الابن عند الحاجة إلى الأكل، لمعنى: ذلك المعنى موجود ههنا، وهو الاستبقاء، وبقاء الإنسان بعد وفاته يكون ببقاء ولده الذي يحيي به ذكره ويدعو له، وإذا كان كذلك فقد تملكها، لأنه استولى عليها، وأثبت يده عليها، وذلك سبب الملك، كالصيد، فيكون الوطء مصادفاً لملكه، فلا يلزمه العقر.
فإن قيل: قولكم بأن الأب وطيء مملوكه نفسه - قلنا: لا نسلم.
قوله: بأنه بسبيل من التملك شرعاً، وقد تملك - قلنا: لا نسلم، ولا نسلم بأن الأب بسبيل من تملك مال الابن عند الحاجة، بل هو بسبيل من تناوله على ملك الابن.
стр. 404
ولئن سلمنا أنه بسبيل من التملك ثمة - لم قلتم بأنه بسبيل من التملك هنا؟ / قوله: يحتاج إلى الاستيفاء ههنا، كما يحتاج إلى الاستيفاء ثمة - قلنا: لم قلتم بأن هذه الحاجة مثل تلك الحاجة؟ وبيان التفاوت من وجهين:
أحدهما - أن هذه استبقاء النفس معنى، وذلك استيفاء النفس صورة ومعنى.
والثاني - أن الملك ثمة يوصله إلى الاستبقاء في الحال قطعاً أو ظاهراً، وهنا يحتمل أن يوصله ويحتمل أن لا يوصله.
ولئن سلمنا أن قضية الدليل ما ذكرتم، لكن كونه إضراراً بالمالك يمنع ولاية التملك ولئن سلمنا أن الأب بسبيل من التملك - لكن لم قلتم بأنه تملك؟ .
قوله: استولى عليها واثبت يده عليها - قلنا: هذا باطل، بما إذا وطئها ولم يعلقها، فإنه لا يملكها، مع ما ذكرتم.
ولئن سلمنا أن الملك ثبت قبل الوطء، لكن مطلقاً أم ضرورة صحة الاستيلاد ودفع حاجة الاستبقاء؟ الأول - ممنوع، ولا يمكن القول به، لأنه ما ثبت بسبب موضوع له شرعاً. والثاني - م - لكن الثابت بالضرورة، لا يظهر فيما عدا الضرورة ووجوب العقر أمر ورد للضرورة، فلا يظهر في حقه.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن الأب بسبيل من تملك طعام الابن عند الحاجة إلى الأكل، بل بل هو مباح التناول - قلنا الدلالة على ذلك أن النبي ﷺ جعل الأب بسبيل من تناول طعام الابن على الإطلاق لقوله ﵇: "كلوا من أكساب أولادكم": ولا يثبت كونه بسبيل من ذلك إلا بالتملك.
стр. 405
قوله: إن كان بسبيل من التملك ثمة، لم يكن بسبيل من التملك ههنا - قلنا: لأن المعنى يجمعهما، وهي الحاجة.
قوله: لم قلتم بأن تلك الحاجة مثل هذه الحاجة؟ - قلنا: هذه الحاجة من جنس تلك الحاجة، وهي مثلها في التأثير، وإنه مناسب، وقد وجد هنا أصل الحاجة وإن لم يوجد وصفها.
قوله: إنه إضرار بالمالك - قلنا: ليس في التملك ضرر بالابن، لأنه مقابل بالقيمة وينفع المجازاة.
قوله: لم قلتم/ بأنه تملكها - قلنا: لما ذكرنا.
قوله: هذا باطل بما إذا وطئها ولم يعلقها - قلنا: ليس كذلك، فإن الإقدام على الوطء ثمة دلالة التملك أيضاً، لكنه لم يثبت الملك، لأن الشرع لم يجعله بسبيل من التملك في هذه الحالة، لعدم الحاجة.
قوله: الملك يثبت مطلقاً أم ضرورة؟ - قلنا: لا حاجة إلى ذلك، بل نقول: ثبت الملك بالدليل، على ما ذكرنا. على أنا نقول: الملك إن ثبت ضرورة، لكن الثابت بالضرورة يظهر فيما هو من ضرورات تلك الضرورة ونفى العقر من ضرورات الملك.
والله أعلم.
стр. 406
[٢٢]
كتاب الإقرار
١٦٧ - [مسألة]: دين الصحة مقدم على دين المرض. وعنده: لا يقدم، بل غريم المرض أسوة لغريم الصحة .
وصورة المسألة - إذا كان عليه دين في الصحة، فمرض الموت، ثم أقر لغريم آخر بدين.
والوجه فيه - أن حق غرماء الصحة تعلق بمال المريض مرض الموت، فلا يصح إقراره لغريم آخر، فيما يرجع إلى غرماء الصحة، قياساً على المرتهن مع سائر الغرماء.
وإنما قلنا ذلك - لأن المعنى من ذلك أنه ثبت في المحل أمر شرعي يقتضي كونه أخص باستيفاء الدين، لأنا أجمعنا على أنه لو تبرع في مرض موته لا يقع لازماً، حتى يثبت لغرماء الصحة ولاية نقض تبرعه. فلو لم يتعلق حقهم بهذا المال، كان المريض بسبيل من صرفه إلى غيره.
وإذا كان كذلك، يكون في تصحيح إقراره إضرار بالغرماء.
فإن قيل: قولكم بأن حق غرماء الصحة [تعلق] بمال المريض مرض الموت - قلنا: لا نسلم.
وأما ما ذكر من الحكم - قلنا: لا نسلم بأن نقض التبرع لحق الغرماء. ولا نسلم بأن لهم ولاية نقض تبرعه، بل لهم أن يرفعوا الأمر إلى القاضي حتى ينقض القاضي، وولاية النقض إلى القاضي إنما كان دفعاً للضرر عن المريض لا عن الغرماء، كحجر الصبي والسفيه، كي لا يأثم المريض بالمطل.
стр. 407
ولئن سلمنا أن حق غرماء الصحة [تعلق] بكل مال المريض، لكن/ بشرط عدم تعلق [حق] الغير به أم بدون هذا الشرط؟ م ع. ولا يمكن دعواه لأن تعلق حق الغير يمنع تعلق حقهم، وهنا قد تعلق حق غريم المريض، بدليل إخباره في مثل هذه الحالة.
ولئن سلمنا أن حق غرماء الصحة تعلق بملكه، والإقرار يؤدي إلى إبطال حقهم، لكم قصداً أم ضمناَ؟ ع م - فلا يمنع عنه، لما عرف.
ولئن سلمنا أنه إبطال قصداً، ولكن اثره في التحريم أو في منع ترتيب الحكم عليه؟ م ع - وبيانه ما مر في مسألة طلاق الفار.
والدليل على صحة ما ذكرنا - الأحكام:
منها - أنه لو أقر لغريم في أول المرض ثم لغريم آخر بعد ذلك، يصح، وإن تعلق حق الأول به.
ومنها - دين الاستهلاك في المرض يتعلق بملكه.
ومنها - إذا تزوج أربع نسوة في مرضه، يصح، ويجب مهرهن.
ومنها - لو أقر في مرضه ولم يكن عليه دين الصحة، يصح، وإن [كان] فيه إبطال حق الورثة.
ومنها - إذا أقر بوارث آخر، يصح، وإن كان في هذا كله إبطال حق الوارث والغريم.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن للغرماء ولاية نقض تبرعه؟ قلنا: لا نعني بولاية النقض سوى أن
стр. 408
لهم أن يرفعوا الأمر [إلى] القاضي ويطالبوه بالنقض. وإذا فعلوا ذلك، يجب على القاضي نقض تبرعه. وإذا امتنعوا عنه، لا يجب. فثبت بهذا أن نقض التبرع لحقهم، لأنه يثبت بطلبهم ويسقط بتركهم.
قوله: ولاية نقض القاضي إنما كان دفعاً للضرر عن المريض - قلنا: ليس كذلك، لأن المريض التزم الضرر ورضي، وهو من أهل الالتزام، فلا يجوز نقض تصرقه، بخلاف الصبي والسفيه، فإنه لم يوجد فيهما أهلية الالتزام.
قوله: حق غرماء الصحة تعلق بملكه ـ[هل] بشرط عدم تعلق حق الغرماء [أم] لا بهذا الشرط - قلنا: هذا من باب المعارضة.
قوله: نعلق به حق غريم المرض - قلنا: لا نسلم.
وأما إخباره - قلنا: هو وإن كان صادقاً في إخباره لكن هذا الكلام إقرارً/ فيما بينه وبين المقر له، وإنه دعوى في حق غرماء الصحة، والمدعي لا يقبل إلا ببينة، ولم توجد هنا، حتى لو [و] جد يظهر حقه.
قوله: إبطال حقهم حصل قصداً أم ضمناً؟ - قلنا: سواء حصل قصداً أو ضمناً، لا يجوز إبطال حق الإنسان، خصوصاً إذا أمكن تنفيذ تصرفه بدون إبطال حقهم، بأن يثبت في ذمته، فلا ضرورة إلى إبطال حقهم ضمناً.
قوله: أثر هذا في التحريم أم في منع ترتب الحكم عليه؟ - قلنا: في الحجر ومنع ترتب الحكم - على ما مر في طلاق الفار.
وأما الأحكام:
أما الإقراران في المرض إنما نفذا، لأن زمان المرض جعل كحالة واحدة، في كونها جامعة للأقارير، كمجلس التلاوة.
стр. 409
وأما دين الاستهلاك إنما يساوى دين الصحة، لأنه ثبت بسبب مطلق، وهو الاستهلاك، وإنه لا يقبل التخصيص- أما ههنا بخلافه.
وأما إذا تزوج بأربع نسوة- إنما صح لأن هذا من الحوائج الأصلية وتحقيق مقاصد النكاح.
وأما إذا أقر وليس عليه دين- إنما ينفذ فيما زاد على الثلث، بشرط أن يكون المال فاضلا عن حاجة الميت.
وأما إذا أقر بوارث- فلأنه إقرار بالنسب، وهو من الحوائج الأصلية، وهو مانع ثبوت حق الوارث.
١٦٨ - مسألة: المريض مرض الموت إذا أقر لبعض ورثته لا يصح، إلا بتصديق الباقين .
والوجه فيه- أن مال المريض مرض الموت صار ملكا للورثة من وجه فيما بينهم، فلا يظهر إقرار للبعض في حق الباقين إلا بتصديقهم ورضاهم، قياساً على ما إذا تبرع لبعض الورثة في حال المرض.
وإنما قلنا ذلك: إن ماله صار ملكاً للورثة من وجه- بالحكم والمعقول:
أما الحكم-[فقد] أجمعنا على أن تبرعه لبعض الورثة لا يقع لازما.
وأما المعقول- وهو أن حال مرض الموت، حال استغناء المورث عن ماله في حق بعض التصرفات والمصالح، وذلك يقتضى ثبوت الملك من ذلك الوجه لورثته الذين هم أقرب الناس إليه.
فإن قيل: قولكم بأن مال المريض/ صار ملكا للورثة- قلنا: لا نسلم، وبطلانه ظاهر، بدليل حل الوطء ونفاذ البيع، وكونه مملوكا له ينافى كونه مملوكا لغيره.
стр. 410
وأما نقض التبرع- قلنا: الإقرار للوارث أمر وراء التبرع، فلا يشكل.
وأما قوله- بأن المرض حال استغناء المورث- قلنا: لا نسلم: بل حال زيادة الحاجة، لأنه يحتاج إلى تنفيذ الوصايا وقضاء الديون وتدارك الفوات والأدوية للعلاج وغيرها.
ولئن سلمنا أن مرض الموت يوجب ثبوت ملك الورثة في حاله، لكن بشرط عدم الدين. وهنا الدين ثابت بإقراره، والدين مقدم على الميراث.
ولئن سلمنا أن ماله صار للورثة، ولكن إقراره إضرار حصل ضمنا في حقهم، فلا يبالى به.
ولئن سلمنا أنه إبطال حقهم، لكن أثره في التحريم لا في منع ترتيب الحكم عليه.
والدليل على صحة ما ذكرنا الأحكام التي ذكرناها في المسألة المتقدمة.
الجواب:
قوله بأن ملك المورث قائم من كل وجه- قلنا: [هذا] في حق حكم يرجع إلى المريض والأجانب- أما في حق حكم يرجع إلى الورثة فلا.
وما ذكر من الأحكام راجع إلى المريض والأجانب، لا إلى الورثة.
قوله: الإقرار للوارث أمر وراء التبرع- قلنا: ولاية نقض التبرع دليل ثبوت الملك للورثة فيما بينهم، على ما مر.
وأما ما ذكر من حاجات المريض- قلنا: المانع من ثبوت ملك الورثة فيما بينهم حاجة مخصوصة، وهى حاجة بقاء المورث لا غيرها من الحاجات.
قوله: الدين ثبت بإقراره، والدين مقدم على الميراث- قلنا: الجواب عنه ما مر في المسألة المتقدمة.
وأما السؤال الثالث والرابع والأحكام- فأجوبتها مرت في المسألة المتقدمة.
стр. 411
[٢٣]
كتاب الوكالة
١٦٩ - مسألة: الوكيل بالخصومة إذا أقر على موكله في مجلس القضاء، ينفذ إقراره. ولو أقر في غير مجلس القضاء، لا ينفذ .
والوجه فيه- أن الوكيل أتى بما وكل به، فوجب أن ينفذ على الموكل، قياسا على ما إذا أنكر.
وإنما قلنا ذلك- لأن الموكل وكله بجواب الخصومة/ مطلقا، والإقرار جواب الخصومة، فيجوز عليه.
وإنما قلنا إنه وكله بجواب، لأن المصرح به في التوكيل إن كان هو الخصومة، ولكنه أراد به جواب الخصومة، لأن الخصومة جاز أن تجعل مجازا عن الجواب المطلق، لأن الخصومة سبب للجواب، وذلك طريق مصحح للمجاز، وقد دل الدليل على إرادة المجاز، وهو قصد تصحيح التصرف، لأن على تقرير أن يكون كاذبا في الإنكار، لا يصح توكيله، فيكون مطلق الجواب مملوكا له.
فإن قيل: قولكم بأنه أتى بما وكل به- قلنا: لا نسلم، وبطلانه ظاهر، لأنه وكله بالخصومة وقد أتى بالإقرار، والخصومة منازعة ومشاجرة، والإقرار مساعدة ومسألة، وبينهما تضاد- دل عليه أنه لو صالح لا يصح.
قوله: الخصومة جاز أن تجعل مجازا عن الجواب، وسبب المجاز موجود، فالاعتراضات عليه ما مر في مسألة النكاح بلفظة الهبة.
ثم نقول: إنكم قصرتم في التعليل، لأنكم عدلتم عن الحقيقة إلى المجاز، تصحيحا للتصرف قطعا، ثم اكتفيتم بتصحيح التصرف ظاهرا- بيانه أنكم جعلتم هذا توكيلا بالجواب: الجواب المطلق، والجواب المطلق أما الإقرار أو الإنكار، وبأيهما أتى
стр. 412
الوكيل فقد أتى بما هو المملوك له ظاهرا لا قطعا، فكان فيه تصحيح التصرف ظاهرا لا قطعا.
ثم نقول كما أن تصحيح تصرفه أصل، فالحقيقة في الكلام أيضاً أصل، فتعارض الأصلان.
والدليل على صحة ما ذكرنا- الأحكام:
منها- إذا أقر في غير مجلس القضاء، لا يصح. وإذا وكله بالإنكار فأقر، لا يصح. ولو وكله بالخصومة في حد القذف والقصاص فأقر، لا يصح.
الجواب:
قوله: وكله بالخصومة، والخصومة مخالفة، والإقرار موافقة- قلنا: هذا إنما يلزمنا أن لو جعلنا التوكيل بالخصومة توكيلا بالإقرار بطريق الحقيقة/، ونحن نجعل اسم الخصومة مجازا عن الجواب، لوجود طريقه، بخلاف ما إذا صالح الوكيل، لأنه لا يمكن جعل الخصومة مجازا عن الصلح لعدم السبب.
قوله: بأنكم ناقضتم في الكلام- قلنا: ليس كذلك، لأنا إنما صرنا إلى المجاز لتصحيح تصرف الموكل على التفسير الذي ذكرنا، وتصرف الموكل صحيح قطعا، وتصرف الوكيل يجب تصحيحه قطعا أيضا إن أمكن، وإلا ظاهرا، وهنا لا يمكن قطعا، فيصح ظاهرا:
قوله: بأن الحقيقة في الكلام أصل- قلنا: بلى، ولكن على وجه لو عدل عنه إلى المجاز لا يأثم، وفى الإتيان بغير المملوك يأثم.
وأما إذا أقر في غير مجلس القضاء فممنوعة [مسألته].
وكذلك المسألة الثانية، ممنوعة.
وأما التوكيل بالحدود والقصاص، فلأن الحدود تندرئ بالشبهات- أما ههنا بخلافه.
стр. 413
١٧٠ - مسألة: التوكيل بغير رضا الخصم لا يقع لازما .
والوجه فيه- أن التوكيل تصرف في حق الغير على وجه لا يعرى عن احتمال الضرر بذلك الغير، فوجب أن لا يلزمه إلا برضاه، قياسا على بيع عين من أعيان ماله.
وإنما قلنا ذلك- لأن التوكيل نقل الجواب المستحق على الموكل حقا للمدعى، بلسانه، إلى لسان الوكيل، وفيه احتمال الضرر بالخصم.
وإنما قلنا إن التوكيل نقل الجواب- لأن القاضي يجبره على الجواب، ولو لم يكن واجبا لما أجبره، فكان مستحقا عليه، وإنه حق المدعى، بدليل أنه يطلب بطلبه ويترك بتركه، وهو الذي ينتفع به.
وإنما قلنا إن فيه احتمال الضرر- لأن الناس يتفاوتون في الخصومات وأجوبتنا، فيحتمل أن يكون الوكيل مختصا بزيادة اشتداد في الخصومة فيتضرر.
فإن قيل: قولكم بأن التوكيل نقل الجواب إلى لسان الوكيل، وهو حق المدعى- قلنا: لا نسلم بأنه حقه. والدليل على أنه ليس حقه، أن، الجواب إما أن يكون إقرارا أو/ إنكارا- لا جائز أن يكون الإقرار حقه [لأنه] لا يجبر على الإقرار بالإجماع. ولا جائز أن يكون الإنكار حقه لأنه إقرار به.
ولئن سلمنا أن الجواب حق المدعى، ولكن بلسان المدعى عليه على التعيين ممنوع، بل بمطلق اللسان، كالخياط إذا استعان بغيره، يجوز.
ولئن سلمنا أن الجواب حقه، ولكن لا نسلم بأن التوكيل نقل الجواب، إذ لو كان نقلا لما بقى في لسان الموكل، وإنه يبقى، حتى لو أجاب بنفسه يصح.
ولئن سلمنا أن التوكيل تصرف في حق المدعى، لم لا يلزم بغير رضاه؟ .
стр. 414
قوله: لا يعرى عن احتمال الضرر، بسبب شدة الخصومة- قلنا: لم قلتم بأن هذا الضرر واجب الدفع، بل لا يجب دفعه، لأن الخصم يمكنه أن يعارضه بشدة الخصومة، وصار هذا كما إذا كان الموكل مريضا أو مسافرا أو امرأة مخدرة، فإنه يصح التوكيل بغير رضا الخصم.
ثم التعليل معارض بما روى أن عليا كرم الله وجهه وكل أخاه عقيلا بخصومات من غير رضا الخصوم.
الجواب:
قوله: الجواب إما أن يكون إقرارا أو إنكارا، وكل ذلك ليس بحقه- قلنا: نحن لا ندعي بأن حقه الإقرار أو الإنكار، بل ندعى أن المستحق له الجواب، لأن به يتوصل إلى حقه، سواء كان صدقا أو كذبا.
قوله: بأن الجواب حقه، ولكن بمطلق اللسان- قلنا: لا نسلم، بل بلسانه على التعيين، بدليل أن قبل التوكيل. لو أجاب غيره عنه، لم يعتبر، فيكون التوكيل نقل الجواب من لسانه إلى لسان غيره، وإنه ضرر به، فلا يجوز، لأن الناس يتفاوتون فيه، بخلاف الخياطة فإنهم لا يتفاوتون، حتى لو وجد التفاوت كان له أن يمنع.
قوله: لم قلتم بأن التوكيل نقل الجواب- قلنا: لا نعنى بالنقل إلا أنه لا ينفى الاستحقاق والمطالبة بجواب المدعى عليه بلسانه عينا.
قوله: لم لا يلزمه- قلنا: لأنه ضرر.
قوله: لم قلتم بأنه واجب الدفع- قلنا: لأن كل ضرر واجب الدفع، إلا إذا كان ضرورة ولا/ ضرورة في تحمله عن الوكيل.
وأما المريض والمسافر والمخدرة- فإنما يلزم توكيلهم، لأن في إحضارهم ضررا- أما هنا بخلافه.
وأما حديث على فمحتمل: يحتمل أنه كان برضا الخصوم، ويحتمل أنه كان بغير رضاهم، فلا يثبت بالشك.
стр. 415
[٢٤]
كتاب الكفالة
١٧١ - مسألة: "الكفالة" بنفس من عليه الدين وبالأعيان المضمونة، نحو الغصب والمستعار يصح. وعنده لا يصح بالنفس قولا واحدا، وله في العين قولان .
والوجه فيه- أن ركن الكفالة قد وجد، وقد أمكن تحقيق معنى الكفالة فيه، وقد وجد المعنى الداعي إلى تصحيحه، فوجب أن يصح، قياسا على الكفالة بالدين.
أما الركن- فلأن المعنى من الركن قوله: "كفلت" أو "ضمنت" وقد وجد.
وإنما قلنا: إنه أمكن تحقيق معنى الكفالة- لأن معنى الكفالة الانضمام بين ذمة الكفيل وبين ذمة الأصيل حكما في الإيجاب. وتسليم النفس واجب على الأصيل، لأنه يأثم تركه ويجبر عليه.
وإنما قلنا: إنه وجد المعنى الداعي إلى تصحيحه- لأن المعنى الداعي إلى تصحيحه حاجة المكفول له، لأنه ربما يعجز عن استيفاء حقه من الأصيل، فيحتاج إلى الاستيثاق بالكفيل، فوجب القول بصحة الكفالة.
فإن قيل: لا نسلم بأنه أمكن تحقيق معنى الكفالة.
قوله: معنى الكفالة الانضمام بين الذمتين حكما- قلنا: نعم، ولكن لم قلتم بأنه أمكن هنا، وهذا لأن انضمام الذمتين حكما إنما يكون بإثبات شيء واحد منهما، ليصير الشيء واحدا. وهذا يتحقق في الدين، لأنه وصف شرعي في الذمة، أما العين فلا.
ولئن سلنا أنه يمكن تحقيقه، لكن لم قلتم بأنه يجب على الكفيل هنا عين ما كان واجبا على الأصيل؟ .
стр. 416
قوله: الواجب على الأصيل تسليم النفس- قلنا: لا نسلم، فإنه يستحيل أن يكون شخص واحد مسلما ومسلما.
ولئن سلمنا أن الواجب على الأصيل هو التسليم ولكن لغيره، وهو الإتيان/ بالجواب الواجب، وما وجب لغيره لا يتصور وجوبه على من لم يجب عليه ذلك العين.
ولئن سلمنا أن الواجب على الأصيل تسليم النفس- لكن بطريق الضرورة، والضرورة في حق الأصيل، لا في حق الكفيل.
ولئن سلمنا أن تسليم النفس واجب، ولكن حقا للشرع للإتيان بالجواب، والكفالة لا تصح لحق الشرع، كالكفالة في الحدود والقصاص.
ولئن سلمنا أنه أمكن تصحيح معنى الكفالة، لكن لم قلتم بأنه يصح؟ .
وأما ما ذكر من الحاجة- قلنا: إنما تندفع هذه الحاجة إذا كان الكفيل قادرا على تسليم ما وجب عليه بحكم الكفالة ولم يقدر، لأن المكفول به يدافعه ويمانعه.
والدليل على صحة ما ذكرنا- الأحكام:
منها- أن الكفالة في الحدود والقصاص لا تصح، والكفالة بنفس الشاهد لا تصح. والكفالة بالحمولة بأعيانها، والكفالة بالدية، وبدل الكتابة- لا تصح، وإن كان ما ذكرتم موجوداً في هذه الصور.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأنه أمكن تحقيق معنى الكفالة- قلنا: لما ذكرنا.
قوله: الدين مال حكمي في الذمة، أما الواجب ههنا [ف] فعل- قلنا عنه جوابان:
стр. 417
أحدهما- أن الدين عبارة عن فعل واجب في الذمة، إلا أنه أجرى عليه بعض أحكام الأموال.
والثاني- إنما تحقق معنى الضم ثمة، لا لكونه مالا، لكن لأنه ثبت في ذمة الكفيل عين الثابت في ذمة الأصيل.
قوله: الشخص الواحد لا يكون مسلما ومسلما- قلنا: لا نسلم. وهذا باطل، بالضرب والقتل والتحريك، فإن من ضرب نفسه أو قتل نفسه يكون الفاعل والمفعول واحدا- أو يقول: الواجب على الأصيل فعل يصير به حاضرا في المجلس، فيجب على الكفيل ذلك.
قوله: تسليم النفس على الأصيل لغيره، وهو الجواب. والواجب لغيره لا يجب على من لم يجب عليه ذلك الغير- قلنا: بطريق الأصالة أم بطريق الكفالة؟ ع م/- وهذا لأن شرط الكفالة أن يكون الوجوب على الكفيل لغرض مطلوب من الأصيل، كما هنا.
قوله: الواجب عليه تسليم النفس بطريق الضرورة- قلنا: لا نسلم، بل هو ثبت بسبب شرعي، فلا ضرورة.
قوله: وجب حقا للشرع، فلا يجرى فيه الكفالة- قلنا عنه جوابان: أحدهما- أنه حق للعبد، لأنه يسقط بإسقاطه. والثاني- إن كان حقا للشرع، ولكن تصح الكفالة به إذا أمكن تحقيق معنى الكفالة وقد أمكن، لما ذكرنا، والكفالة بالحدود تصح. ولئن كان لا يصح، فلأنه يحتال لدرئه، أما هنا بخلافه.
قوله: الحاجة إنما تندفع إذا كان الكفيل قادرا- قلنا: بلى، والكفيل قادر، لأن التسليم ليس إلا التخلية ورفع الموانع، وهو قادر على ذلك، والظاهر عدم المدافعة.
وأما الكفالة في الحدود والقصاص- فالجواب عنه قد مر.
стр. 418
وأما الكفالة بنفس الشاهد- إنما لا يصح، لأن تسليم النفس لا يجب على الشاهد، فلا يجب على الكفيل.
والكفالة بالحمولة- إنما لا تصح، لأن تسليم المنافع لم يجب الحال.
١٧٢ - مسألة: الكفالة بالدين عن ميت مفلس لا تصح، خلافا لهم .
والوجه فيه- أن شرط الكفالة بالدين قيام الدين على الأصيل، والذين ههنا غير قائم على الأصيل، فلا تصح الكفالة، قياسا على الكفالة بالدين بعد الإبراء.
وإنما قلنا إن شرط الكفالة بالدين قيام الدين على الأصيل، وذلك لأن الكفالة هي ضم الذمة إلى الذمة، وذلك إنما يكون ببقاء الدين.
وإنما قلنا: إن الدين هنا غير قائم على الأصيل، لأن الدين عبارة عن فعل واجب في الذمة، أعنى فعل تمليك المال أو تسليم المال، وشرط وجوبه القدرة عليه، والميت المفلس غير قادر عليه، فلا يبقى عليه الدين.
وإنما قلنا: إن الدين عبارة عن فعل واجب- لأنه يوصف بالوجوب، فيقال دين واجب، والوجوب صفة الأفعال دون/ الأعيان، لأن الواجب عبارة عما لو تركه يأثم. وذلك إنما يتصور في الأفعال، فعلم أن الدين عبارة عن فعل واجب، ولا فعل هنا يوصف بالوجوب سوى إيفاء المال، بدليل أنه إذا أوفي المال لا يبقى الدين أصلا ..
وإنما قلنا: إن شرط وجوبه القدرة- لان شرط وجوبه على العاجز ممتنع عقلا وشرعا.
стр. 419
وإنما قلنا إن الميت المفلس غير قادر، لأن القدرة على الفعل إما أن تكون بنفسه أو بخلفه، والميت لا يقدر بنفسه ولا بخلفه، لأن خلفه هو الوارث، وإنه يخلفه ويقوم مقامه في إيفاء الدين إذا ترك مالاً، لأن الوارث لا يؤمر بقضاء دين الميت من مال نفسه. فإذا مات مفلسا لا يكون خلفا عنه في ذلك، فيكون عاجزا، فيسقط الدين، فلا تصح الكفالة.
فإن قيل: قولكم بأن الدين عبارة عن فعل واجب- قلنا: لا نسلم بأن الدين عبارة عن الفعل، بل هو عبارة عن المال المقدر في الذمة حكما.
قوله: إنه يوصف بالوجوب- قلنا: كما يوصف الفعل بالوجوب، فالمال أيضا يوصف بالوجوب يقال: وجب على فلان ألف درهم.
ثم الدليل على أن الدين عبارة عن المال- الأحكام:
منها- جريان الإرث فيه، وانعقاده نصابا للزكاة، وجواز الشراء به، وجواز الهبة ممن عليه.
ولئن سلمنا أنه فعل، ولكنه ملحق بالمال، فيكون له حكم المال، فلا يسقط.
ولئن [سلمنا] أنه فعل مطلقا- لكن لم قلتم بأنه يسقط بالموت عن إفلاس؟ .
قوله: بأن القدرة قد فاتت- قلنا قطعا أم [مؤقتا] للاحتمال؟ ع م- وهذا لأنه يحتمل أن يظهر له مال أو يتبرع عنه إنسان بقضاء دينه، والوجوب كان ثابتا بيقين، فلا يسقط بالاحتمال
стр. 420
ولئن سلمنا أن العجز ثبت مطلقا: لكن هذا يوجب سقوط الدين في حق المطالبة بالإيفاء أم في حق أحكام أخر .. الأول- مسلم. وعندنا لا يطالب بالإيفاء. والثاني- ممنوع، لأنه سقط ضرورة العجز، فيسقط في حق/ الإيفاء لا في حق أحكام أخر. والكفالة من أحكام أخر.
ولئن سلمنا أن الدين يسقط، ولكن في حق أحكام الدنيا أم في أحكام الآخرة- الأول- م ع، وهذا لأن قيام الدين في حق أحكام الآخرة لا يفتقر إلى القدرة.
ولئن سلمنا أنه سقط، ولكن مؤقتا إلى ظهور الكفيل، فإذا ظهر الكفيل لم يقع العجز.
ولئن سلمنا أن الدين يسقط مطلقا لكن لم قلتم بأنه لا يعود إلى الذمة بعد الكفالة؟ .
ولئن سلمنا أنه سقط، ولكن سببه قائم، وهو المبايعة أو غيرها، وهذا يكفى لصحة الكفالة.
ثم الدليل على أن الدين قائم بعد الموت عن إفلاس- أنا أجمعنا على أنه لو تبرع إنسان بقضاء دينه يصح. ولو كان له كفيل حالة الحياة، لا يسقط الدين، وإن مات مفلساً.
ثم التعليل معارض بما روى عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه أتى بجنازة فقال ﵇: هل على صاحبكم دين؟ فقالوا: نعم يا رسول الله. درهمان أو ديناران، فامتنع النبي صلي الله عليه وسلم عن الصلاة عليه فقام على بن أبي طالب أو أبو قتادة وقال: هما على يا رسول الله، فصلى النبي صلي الله عليه وسلم عليه، وصحح الكفالة ولم يبال أنه مات مفلسا.
стр. 421
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن الدين عبارة عن الفعل- قلنا- لما ذكرنا.
قوله: كما يوصف الفعل بالوجوب، يوصف المال بالوجوب- قلنا: بلى، ولكن الفعل يوصف به بطريق الحقيقة، والمال يوصف بالوجوب مجازا، بدليل أن الفعل المجرد عن المال يوصف بالوجوب كالصوم والصلاة، والمال المجرد عن الفعل لا يوصف بالوجوب- لا يقال: جدار واجب وحمار واجب، فثبت أن الدين عبارة عن الفعل الواجب، إلا أن الشرع أجرى عليه أحكام الأموال لكونه وسيلة إلى المال.
قوله: بأن الدين فعل ملحق بالأموال/ قلنا: بلى، ولكن الملحق بالمال إنما يبقى إذا تصور بقاؤه ولم يتصور على [ما] مر.
قوله: القدرة فاتت قطعا أم مع الاحتمال؟ قلنا: قطعا في الحال، لتحقق العجز في المال قطعا.
وما ذكره من الاحتمالات مجرد وهم- لا أمارة عليه، فلا يعتبر.
قوله: العجز يوجب السقوط في حق المطالبة أم في حق حكم آخر؟ - قلنا: في حق جميع الأحكام، لأنه إنما يبقي في حكم ما إن لو تصور بقاؤه في ذاته، ولم يتصور.
قوله: سقط في حق أحكام الدنيا أم في حق أحكام الآخرة: قلنا: فيهما جميعا، لعدم القدرة.
ولئن سلمنا أنه باق في حق أحكام الآخرة، ولكن الكفالة في حق أحكام الآخرة لا يصح.
قوله: سقط مؤقتا إلى غاية الظهور- قلنا: بل سقط مطلقا، لأنه لا يقبل التأقيت. ولهذا لو أبرأه إلى سنة لا يصح، ولأن السقوط هو العجز، وإنه قائم، وبظهور الكفيل لا يرتفع العجز، لأنه ليس خلفا عنه، لعدم صحة الكفالة.
وبه خرج الجواب عن سؤال العود.
стр. 422
قوله: سبب الدين باق- قلنا: هذه كفالة بالدين، لا بسبب الدين، لأن السبب لم يجب.
وأما إذا تبرع عنه غيره- قلنا: لا نسلم بأن هذا تبرع بقضاء الدين، إلا أنه يحرم عليه الرجوع لحصول مقصوده.
وأما إذا مات وبه كفيل، فلم يتحقق العجز، لأنه كفيله خلفه كالوارث- أما هنا لخلافه.
وأما الحديث- قلنا: إن ذلك لم يكن كفالة، لأن المكفول به كان مجهولا، والمكفول له لم يكن حاضرا فكان عدة. والثاني: إن كان كفالة، لكنه يحتمل أنه مات مليئاً- على أنا نقول بأنه منسوخ بما روى الزهري أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان لا يصلى على من مات وعليه دين. ثم قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، - من ترك دينا فعلينا قضاؤه" ثم صلى/ عليهم بعد، والاحتجاج بالمنسوخ لا يصح.
стр. 423
[٢٥]
كتاب الحوالة
١٧٣ - [مسألة]: المحتال عليه إذا مات مفلسا، يثبت للمحتال له ولاية مطالبة المحيل بقضاء دينه. وعنده: لا يثبت .
وعلى هذا الخلاف: إذا جحد المحتال عليه الحوالة، وحلف، ولم يكن للمحتال له بينة.
واختلفت عبارات المشايخ في دعوى الدين والإعادة:
وقال بعضهم: تنفسخ الحوالة ويعود الدين، كالمبيع إذا هلك قبل القبض.
قال بعضهم: تفسخ الحوالة ويعاد، كالمشترى إذا وجد بالمبيع عيبا.
وقال بعضهم: في الموت تنفسخ، وفى الجحود تفسخ.
فاخترنا الكلام في ولاية مطالبة المحيل بقضاء الدين، لأنه الحاصل من الخلاف.
والوجه فيه- أن الحوالة عقد قابل للنقض والفسخ، وقد فات غرض العاقد ومقصود من عقد الحوالة، فيثبت له ولاية مطالبة [المحيل] قضاء دينه، إما بالعود أو بالإعادة، قياسا على المشترى إذا وجد بالمبيع عيبا.
وإنما: إن الحوالة عقد قابل للفسخ- لأنا أجمعنا على أنهما لو تفاسخا ينفسخ. فلو لم يمكن قابلا، لما انفسخ.
стр. 424
وإنما قلنا: إنه قد فات غرض العاقد ومقصوده من الحوالة- فلأن غرضه حصول الدين من ذمة المحتال عليه ووصوله إليه، لأنه يصرح به، والظاهر من حاله الصدق، وبموت المحتال عليه مفلسا، فات رجاء الوصول إليه، ففات غرضه، فلو لم يثبت له حق المطالبة، لفات حقه، وذلك ضرر.
فإن قيل: قولكم بأن الحوالة عقد قابل للفسخ- قلنا: لا نسلم. وأما التفاسخ فذاك لا يدل على قبوله الفسخ بدون التراضي.
ثم نقول: الحوالة قبض، فلا تقبل الفسخ.
ولئن سلمنا أن الحوالة قابلة/ للفسخ- لم قلتم إنه فات غرضه؟
قوله: بأن الغرض حصول الدين- قلنا: لا نسلم. ولئن سلمنا أن الغرض الوصول إلى الدين، ولكن هذا الغرض ليس بحكم أصلى للعقد، لأنه يتعلق باختياره، بل هو من ثمرات العقد، فلا ينفسخ العقد بفواته. كل إذا اشترى عبدا، فقبضه، فهلك في الحال.
ولئن سلمنا أنه غرض أصلى وحكم أصلى، ولكن لم قلتم بأن هذا الغرض فات قطعا؟ بل احتمال الحصول قائم، لاحتمال ظهور مال له، فلم يقع اليأس.
ولئن سلمنا أنه فات غرضه، لكن لم قلتم بأنه يثبت له حق مطالبة المحيل؟ وبيان أنه لم يثبت، لأنه حصل براءة ذمة المحيل بالإجماع بالحوالة، حتى لو كان المحيل مكاتبا يعتق في الحال.
ولئن سلمنا أنه فات غرضه- ولكن لم قلتم بأنه يثبت له حق مطالبة المحيل؟
قوله: لأن فوات حقه ضرر- قلنا: كما أن فوات حقه ضرر- فعود الدين أو إعادته إلى ذمة المحيل من غير التزامه بعد البراءة أيضا ضرر في حقه، فوقع التعارض، فلا بد من الترجيح.
стр. 425
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن الحوالة قابلة للفسخ؟ قلنا: لما ذكرنا.
قوله: ذاك لا يدل على قبوله الفسخ بدون التراضي- قلنا: هذا إشارة إلى طريق الفسخ، ونحن لا ندعى تعين طريق الفسخ، بل ندعى قبوله للفسخ بأي طريق كان.
قوله: بأن الحوالة قبض- قلنا: لا نسلم، بل هي نقل الدين من الذمة إلى الذمة. وإذا تصور نقله من ذمة المحيل إلى ذمة المحتال عليه، تصور نقله من ذمة المحتال عليه إلى ذمة المحيل.
قوله: لم فات غرضه؟ قلنا: لما ذكرنا.
قوله: وصول الدين ليس بحكم أصلى- قلنا: بلى، ولكن ليس من قبيل الأتباع أيضا، بل هو المقصود الأصلي من حكم العقد، ففواته يوجب حق الرجوع. بخلاف العبد إذا هلك، لأن المقصود من ملك العبد التمكن/ من الانتفاع، ولما قبض حصل هذا الغرض، إلا أنه لم يبق.
قوله: لم قلتم بأن هذا الغرض فات قطعا؟ قلنا: لأنه إذا مات مفلسا فقد عجز عن قضاء الدين بنفسه وخلفه. وأما ما ذكر من الاحتمال، فذاك خلاف الظاهر، بل هو نادر، فلا يعتبر.
قوله: إن فات الغرض لم يثبت له حق المطالبة؟ قلنا: لما ذكرناه.
وأما البراءة- قلنا: البراءة الحاصلة بالحوالة ما وقعت لازمة، بل مشروطة بخيار الإبطال. عند فوات الغرض، كما في البيع.
وأما ما ذكر من معارضة الضرر بالضرر- قلنا: لا معارضة بين الضررين، لأن ضرر المحيل هو عود الدين إلى ذمته بعد البراءة، والدين كان في ذمته، وضرر المحتال له ضرر فوات حقه أصلا، وإنه لم يكن قبل الحوالة، فكان ضررا حادثا، فكان أقوى، فكان أولى بالدفع.
следующие страницы →