Полный текст (271 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
بزوجه إلى حج أو غزو أو سفر من الأسفار، فيكتب وصيته ويشهد عليها ويقر فيها لامرأته أو لبعض ولده أن عليه من الدين لهم كذا، ويكتب ذلك في وصيته أو لا يكتبه ثم يموت في سفره؟ فقال: ما أقر به من ذلك فهو جائز إذا أشهد عليه، وهو صحيح ولا يشبه هذا المريض. وفي المدونة: قال ابن القاسم: وإن أقر رجل في مرضه بدين ثم أقر بوديعة أو مال قراض بعينه، فلا أبالي كان إقراره قبل الدين أو بعد الدين، فأصحابه أولى به وكل شيء أقر به بغير عينه، فهو والدين سواء؛ لأن مالكا قال: إذا أقر بوديعة بعينها أو بمال قراض بعينه في مرضه لمن لا يتهم عليه وعليه دين في صحته أن إقراره جايز بما أقر به، ويأخذ أهل الوديعة وديعتهم، وأهل القراض قراضهم.
باب فيمن قال لشيء بيده هو لفلان أو قد بعته على فلان
وفي سماع عيسى: سئل ابن القاسم عن الذي يقال له: أتبيع جاريتك؟ فيقول: هي لامرأتي ثم يهلك، فتدعيها امرأته؟ / وكيف إن طالبت ذلك في حياته، فقال: لم أقل ذلك إلا اعتذارا، وكيف إن قال ذلك في غير امرأته؟ فقال: لا أرى ذلك القول يثبت به للمرأة
стр. 107
شيء، ولا لغيرها قريب ولا بعيد إذا عرف أن الجارية كانت له، وسواء في هذا قيم عليه بهذا القول في حياته أو بعد موته؛ لأنها كذبة أو عذر اعتذر به لمن سأله ذلك.
قال أصبغ: ويحلف، فإن نكل وادعوا هم حقا لهم قديما بغير هذا الإقرار حلفوا واستحلفوا، وإن كان إنما يدعونه بهذا الإقرار لم يوجب لهم نكوله شيئا.
قيل لأصبغ: فلو سيم بعبده، فقال: قد بعته من فلان بمائة دينار أو قد وهبته لفلان، وقال: كنت معتذرا بهذا القول؟ قال: فقوله ذلك يلزمه؛ لأنها حقوق وقد أوجبها على نفسه لغيره وليس هذا كقوله هو لفلان.
وفي سماع ابن القاسم: وسئل مالك عن رجل طلب من رجل منزلا يكريه إياه، فقال: ليس هو لي، هو لابنتي، حتى أستشيرها في ذلك، فمات الأب وطلبت الابنة الميراث بما شهد لها من قول أبيها؟ قال مالك: لا أرى ذلك ينفعها، إلا أن تكون حازت ذلك،
стр. 108
ويكون لها على صدقتها أو هبتها شهود وحيازة، قيل له: فلو كانت الابنة صغيرة في حجره؟ قال: لا أرى هذا بشيء، قد يعتذر الرجل بمثل هذا لمن يريد أن يمنعه، ولا أرى ذلك بشيء، ولا يكون لصغيرة كانت أو كبيرة إلا أن يكون شهود على الصدقة وحوز من الكبير.
وفي سماع أشهب: وسئل مالك عمن اشترى مالا، فسئل أن يقبل البائع منه، فقال: قد تصدقت به على ابني، ثم هلك الرجل، ولم يوجد إلا قوله ذلك، فقال: ما أرى هذا يقطع ميراثا.
باب في حبس الغريم الملد
وفي المدونة: قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت القاضي إذا تبين له الإلداد من الغريم، أله أن يحبسه؟ فقال مالك: إذا اتهم السلطان الغريم أنه غيب ماله، مثل التجار الذين يأخذون أموال الناس، فيقعدون عليها، ويقول الرجل منهم: قد ذهبت مني، ولا يعرف ذلك إلا بقوله، وهو في موضعه لا يعلم أنه سرق ماله ولا احترق بيته ولا دخلت عليه مصيبة، فهؤلاء يحبسون أبدا حتى يوفوا الناس حقوقهم.
قال ابن القاسم: وليس لحبسهم حد، ولكنهم يحبسون أبدا
стр. 109
حتى يوفوا الناس حقوقهم، أو يتبين للقاضي أنهم لا مال لهم، فإذا تبين له ذلك منهم أخرجهم.
قال مالك: ومن كان عليه دين، حرا كان أو عبدا، فرفع فيه إلى القاضي، فقال: لا مال عندي، فإن القاضي لا يحبسه، ولكن يكشف عنه، فإن لم يجد له شيئا ولا اتهمه بأنه غيب ماله خلى سبيله؛ لأن الله – يقول: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾، وإن رأى أن يحبسه قدر ما يتلوم في اختباره ومعرفة ماله أو يأخذ عليه حميلا كان ذلك له. وفي رواية ابن وهب أن أبا بكر الصديق [وعمر بن الخطاب] كانا يستحلفان المعسر الذي
стр. 110
لا يعلم له مال، أنه لا يجد له قضاء، ولئن وجد له قضاء حيث يعلم ليقضينه.
ولسحنون في "العتبية" أنه قال: إذا سجن الرجل في دين امرأته، فأراد أن تدخل عليه في السجن تبيت معه لم يكن له ذلك، وكذلك ابن سجن لغير امرأته فليس له أن تدخل عليه؛ تأديبا له، وتضييقا عليه.
باب في المديان يبيع أو يرهن من بعض غرمائه أو يقضيهم
وفي المدونة: قلت: فمن رهن رهنا وعليه دين محيط بماله، قبل أن يقوم عليه الغرماء، أيجوز فعله؟ قال: نعم، ما لم يفلس، وهو بمنزلة ما لو قضى بعض غرمائه قبل أن يقوموا عليه ويفلسوه، وقضاؤه وبيعه جايز، وإن قام عليه سائر الغرماء بحدثان ذلك كان الذي أخذ الرهن أحق به، وهو قول مالك.
وقد روي عن مالك –أيضا- أن سائر الغرماء يدخلون مع الذي أخذ الرهن وليس هذا القول بشيء. قلت: فإن مرضت أيكون له أن يقضي بعض غرمائه [دون بعض]؟ قال: لا؛ لأن قضاءه في مرضه إنما هو على وجه التوليج إذا كان الدين الذي عليه يغترق ماله، وهو قول مالك.
стр. 111
وقال/ غيره: المريض [ما] لم يحجر عليه في التجارة فهو في تجارته وإقراره بالدين لمن لا يتهم عليه، كالصحيح.
باب في تفليس المديان
قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت الرجل تكون عليه ديون للناس، فقام واحد منهم عليه بدينه وأراد تفليسه، أيكون له ذلك دون أصحابه؟ فقال: الرجل الواحد والجماعة في ذلك سواء، وله أن يفلسه. قلت: فإن قام عليه أصحاب الديون، فقال بعضهم: نسجنه، وقال بعضهم: نخليه يطلب حتى يقضينا حقوقنا؟ قال: إذا تبين الإلداد للسلطان، وطلب واحد من الغرماء أن يسجن له سجن، فإن شاء الذين لم يريدون سجنه أن يقوموا بحقوقهم ويحاصروا في ماله [من قام] منهم بحقه فذلك لهم ثم إن شاءوا أخذوا ما صار لهم في المحاصة وإن شاءوا أقروه في يد المفلس ولا يكون للذي سجن له أن يأخذ منه ما رد عليه أصحابه. فإن أفاد مالا غيره أو تجر به فكان فيه ربح كان هو وجميع أصحابه أسوة فيما أفاد بربح أو هبة أو صدقة أو ميراث أو غير ذلك من العوايد، وإن كان
стр. 112
نقص ما ردوه على المفلس وحاصروا الذي لم يرد بما نقص وما بقي لهم قبل ذلك، وكذلك لو ذهب جميع ما ردوا إليه ثم أفاد مالا [لتحاص] فيه جميعهم، يضرب الذين ردوا إليه بما ردوا وما بقى لهم قبل ذلك، ويضرب الذي لم يرد شيئا بما بقي من دينه.
قال سحنون: قلت له: فإن قال المفلس على دين لقوم غيب؟
قال: لا يصدق إن كان إقراره بعد التفليس إلا ببينة، فإن قامت بينة بما قال عزل حظ الغيب الذي يصير لهم في المحاصة، ولو كان إقراره قبل التفليس [لجاز] وحاص المقر له ساير الغرماء.
قلت: فإن كان لا يعرف إقراره إلا بقوله فيتحاص الغرماء دون المقر له ثم أفاد بعد ذلك مالا، وقد بقي لأهل [الديون] بقية من دينهم، أيضرب المقر له فيما أفاد مع الغرماء ببقية دينهم؟ قال: نعم، وإنما كانت التهمة في المال الأول. وقد قال مالك في المفلس: يداين الناس بعد التفليس (ثم فلس ثانية، فالذين داينوه بعد التفليس الأول أولى بما في يديه من الغرماء الأولين؛ لأن هذا
стр. 113
مالهم، وغن أفاد مالا بعد التفليس) الأول بصلة أو ميراث أو جناية جنيت عليه ضرب فيها أهل التفليس بما بقي لهم ومن أقر له.
قلت له: فمن فلس ولقوم غيب عليه دين، أيعزل القاضي أنصباءهم؟ قال: نعم، وإن ضاع ما عزل لهم كان الضياع منهم، وهو قول مالك.
قال مالك: ولو كان له غريم لم يعلم به لكان له الرجوع على سائر الغرماء، وأخذ من كل واحد منهم بقدر الذي أخذ من نصيبه الذي [يصير] له في المحاصة.
قلت: فإن كان بعض أصحاب الديون حضورا حين تفليس المديان ولم يقوموا، ثم قاموا بعد ذلك يطلبون حقوقهم (قبل الذين اقتضوا؟ قال: لا سبيل لهم إليهم؛ لأنهم حين علموا بالتفليس ولم يقوموا فقد رضوا أن تكون حقوقهم) في ذمة الغريم (في المستقبل).
قلت له: فالمفلس إذا كان بعض ما عليه من الدين حالا
стр. 114
وبعضه مؤجلا، فقام عليه أصحاب الديون الحالة وفلسوه، أيحل عليه بذلك الديون المؤجلة؟ قال: نعم، وما كان له من دين إلى أجل فهو إلى أجله، وتباع ديونه التي له مؤجلة الساعة بنقد إلا أن يشاء الغرماء أن يتركوها إلى أجلها، وهو قول مالك.
وفي رواية ابن وهب: قال مالك: ومن مات أو فلس، فقد حل [الدين] الذي عليه، وإن كان إلى أجل.
[قال ابن وهب: وقال مالك في] الرجل يغيب وله مال حاضر، فيأتي غرماؤه فيريدون بيع ماله واقتضاء حقوقهم، ولعله كثير المداينة فيخاف أن يكون عليه دين لغير الذين حضروا؟ فقال: ليس الحي كالميت؛ لأن الميت قد ذهبت ذمته، وذمة الحي باقية لغرمائه، ولا ينبغي لمن يطلب بحق أن يؤخر حقه استبراء لديون المطلوب، ولكن يباع لمن حضر فيقضى حقه، إلا أن يكون دينا معروفا فيحاص به الغرماء.
قال محمد: لم يبين في هذه الرواية إن كان الغائب يعرف غناه من عدمه، وقد ذكر ابن المواز عن ابن القاسم أنه قال: إن كان
стр. 115
بعيد الغيبة لا يعرف غناه من عدمه أنه يفلس ويحل المؤجل من دينه، وإن عرف أنه غني لم يفلس ولم يقض من دينه/ إلا ما حل، قال: وإن كان قريب الغيبة على مثل الأيام القليلة، فليكتب في كشف أمره حتى يعرف غناه من عدمه فيفلس أو لا (يفلس).
باب فيمن وجد [سلعته] بعينها عند مفلس أو ميت عليه دين
(قال محمد: ) قال سحنون: قلت لابن القاسم: فمن باع من رجل جارية عنده ولدا ثم ماتت الأم، ثم فلس الرجل؟ فقال: قال مالك: إن أحب أن يأخذ ولدها بجميع ماله، كان ذلك له، وأن أبا [أسلمهم] وكان أسوة الغرماء، وإن أراد أخذه فقال الغرماء: نحن نؤدي إليك ثمن الجارية ونأخذ الولد، كان ذلك لهم،
стр. 116
ولو كان ما اشترى منه غنما فتوالدت عنده أو اغتل لها غلة سمنا وجبنا وصوفا ثم فلس، فقال البائع: أنا آخذ الغنم وأولادها وما أخذ لا من غلة صوف (أو لبن، كان ذلك له في الأولاد، وأما الصوف فليس للبائع منه شيء إلا ما كان من) صوف قديم على ظهورها يوم اشتراها، قلت: فإن أسلمت إلى رجل مائة دينار في مائة أربد حنظة، فقام الغرماء عليه ففلسوه والدنانير بيده؟ فقال: إن شهد شهداء أنها هي بعينها وأنهما لم يصارفوه فأنت أولى بها من الغرماء، وهو قول مالك. وفي رواية ابن وهب عن مالك أنه قال في رجل اشترى [روايا] زيت من رجل وصبها في جراره وفيها زيت كثير ومعه شهود ينظرون إليه، ثم فلس المشتري، فأراد البائع أخذ زيته، قال: ذلك له وليس خلطه بالذي يمنعه من ذلك، ومثل ذلك الصراف يقبض من الرجل الدنانير فيصبها في كيسه وشهود ينظرون إليه ثم فلس، وكذلك البز يشتريه الرجل فيدقه ويخلطه ببز غيره، فليس ذلك بالذي يقطع حق الناس من أخذ ما وجدوا من متاعهم [إذا
стр. 117
أفلس] من ابتاع ذلك.
قال أشهب: ليس العين كالعرض ولا سبيل له إلى أخذ العين.
قلت: لابن القاسم فمن مات وعليه دين وقد اشترى سلعة بدين فوجدت بعينها؟ فقال: بائع السلعة أسوة الغرماء فيها إذا لم يدع الميت مالا سواها، وهو قول مالك، بخلاف التفليس.
وكتب بعض القضاة إلى مالك يسأله عن رجل باع عبدا بثمن إلى أجل، ففلس المبتاع، فقام عليه الغرماء، وقام صاحب الحق فرفعه إلى السلطان، فمات المفلس قبل أن يقبض البائع العبد، فقال: أرى البائع أحق به.
باب ما ذهب من مال المفلس بعد أن باعه السلطان
وما يترك للمفلس من ماله
(قال محمد): قال ابن القاسم: قلت لمالك: أرأيت إن فلس رجل، فجمع الغرماء متاعه، وباعه السلطان لهم فتلف قبل أن يقتسموه؟ فقال: مصيبته من أهل الدين، قال وما مات من الرقيق أو
стр. 118
سرق من المتاع أو هلك من الحيوان بعد ما جمعه السلطان وقبل أن يبعه للغرماء فمصيبته من الذي عليه الدين.
قلت لمالك: فمن فلس وفي يده جارية ابتاعها، فأتى البائع ليأخذها وأبى الغرماء أن يدفعوها إليه وقالوا: نحن نعطيك ثمنها، ودفعوا إليه أو ضمنوه له، وأخذوا الجارية ليبيعوها فماتت قبل البيع؟ فقال: مصيبتها من الذي عليه الدين (وليس للذي عليه الدين أن) يأبا ذلك على أهل دينه، والغرماء عليه بالخيار في ذلك: إن أحبوا أن يأخذوها أخذوها والنماء له إن بيعت فكان في ثمنها فضل، وإن كان فيها نقصان اتبع به، وإن ماتت قبل البيع كانت منه.
وفي سماع ابن القاسم: قال مالك وإذا خلع الرجل من ماله لغرمائه فإنه يترك له ما يعيش به هو وأهله [الأيام] وإن أجر نفسه فكذلك.
قال ابن القاسم: ويترك له كسوته، إلا أن يكون فيها فضل عن كسوة مثله.
وفي كتاب ابن المواز: يترك له ما يعيش به هو وأهله الأيام نحو الشهر، وإن لم يوجد له غير ذلك ترك.
стр. 119
باب في التحجير
(قال محمد) /: وفي المدونة: قلت لابن القاسم: أرأيت الذي يحجر عليه من الأحرار، صفه لي. فقال: هم الذين لا يحرزون أموالهم يبذرونها في الفسق والشرب وغير ذلك من السرف، وقد عرف ذلك منهم، فهؤلاء الذين يحجر عليهم، وأما من كان يحرز ماله ولا يبذره فإنه لا يحجر عليه وإن كان خبيثا فاسقا.
قلت له: فصاحب الشرط وما أشبهه، أيجوز تحجيره؟ فقال: الذي سمعناه من مالك أن القاضي هو الذي يجوز تحجيره، وهو الذي أستحب أنا.
وقال مالك: ومن أراد أن يحجر على ولده أو وليه فلا يحجر عليه إلا عند السلطان، ويكون السلطان هو الذي يوقفه للناس ويأمر بأن يدار به في الأسواق والمواضع والمساجد، أو يسمع به في مجلسه ويشهد على ذلك، فمن باع منه بعد ذلك أو ابتاع فهو مردود
وفي رواية ابن مزين: قال أخبرني يحيى بن يحيى، عن ابن نافع أنه قال: قلت لمالك: الرجل يموت ويترك ولدا بالغا في سنه
стр. 120
مبذرا لماله ولم يوص به إلى أحد، أتراه مطلقا من الولاية؟ أم ترى للقاضي أن يولي عليه؟ فقال: إذا توفي الأب ولم يوص به إلى أحد فهذا إطلاق منه له، ولا أرى للقاضي أن يولي عليه. قال ابن نافع: سألت عن ذلك عبد العزيز بن أبي سلمة فقال: أرى للقاضي أن يولي عليه؛ فإنما جعل القضاة للنظر لأيتام المسلمين وضعفائهم فمن رءاه منهم مشوبا فيه الخير والشر تركه مطلقا، ومن رءاه منهم فاسدا محضا غير مشكوك فيه، فإني أرى أن يولي عليه.
قال ابن نافع: وقول عبد العزيز أقوى وأحسن، قال يحيى بن يحيى: وبه آخذ.
стр. 121
كتاب الحمالة والكفالة
باب فيمن ادعى على رجل بحق فطلب منه حميلا
ومتى يؤخذ الحميل بما تحمل به
قال محمد: وفي المدونة: قال سحنون قلت لابن القاسم لو أن رجلين بينهما مخالطة في معاملة فادعى أحدهما على صاحبه حقا وقال له أعطني حميلا بوجهك حتى أثبت حقي عند القاضي؟ قال: ليس ذلك له، وإنما الذي يلزمه له –إذا كانت المخالطة بينهما معروفة وذكر أن له بينة غائبة [غيبة] قريبة- أن يأخذ له به القاضي كفيلا لنفسه، ما بينه وبين خمسة أيام إلى الجمعة ليحضر فيشهد البينة على عينه إن كان يحتاج الشهود إلى إحضاره ليشهدوا على عينه.
قلت له: فإن طلب منه (كفيلا بالحق حتى يثبت حقه)؟
قال: ليس ذلك له، إلا أن يقيم شاهدا.
قال محمد بن وضاح: أمر سحنون بطرح قول ابن القاسم
стр. 122
في الكفيل الذي أوجبه للمدعي إذا أقام شاهدا واحدا.
قال محمد: كان سحنون لا يوجب الحميل بالحق، إلا أن يشهد شاهدان، وعلى قوله الفتوى.
قلت لابن القاسم: فن تحمل بمال على رجل أيكون للذي له الدين أن (يأخذ الكفيل بالحق والذي هو عليه مليء به؟ فقال: قال مالك: يأخذ حقه من الذي عليه الدين، وما نقص) من شيء أخذه من الحميل، إلا أن يكون الذي عليه الحق مديانا يخاف إن قام عليه محاصة الغرماء، فله أن يأخذ الحميل، وكذلك إن كان الذي عليه الحق غائبا.
قال ابن القاسم: وإذا غاب الذي عليه الحق وله أموال حاضرة ظاهرة، فليس لصاحب الحق أن يأخذ الحميل، وتباع أموال الغايب لدينه.
قال سحنون: وقال غير ابن القاسم: إلا أن يكون في إثبات ذلك والنظر فيه بعد فيؤخذ الحميل، وبمثل هذا وما أشبهه آخذ.
стр. 123
[قال ابن القاسم: قال مالك: وإن مات الكفيل قبل محل الأجل كان لرب الحق أن يأخذ] حقه من مال الكفيل ولا يكون لورثة الكفيل أن يأخذوا من الذي عليه الحق شيئا حتى يحل أجل الحق، وإن مات الذي عليه الحق قبل محل الأجل كان للذي له الحق أن يأخذ حقه من ماله، فإن لم يكن له مال لم يكن له أن يأخذ الكفيل حتى يحل الأجل.
قال ابن القاسم: وإن مات الكفيل قبل محل أجل الكفالة، وعلى الكفيل دين يغترق ماله، ضرب المكفول له مع الغرماء بقدر ذلك، وهو قول مالك.
قلت له: فلو أني تحملت عن رجل بمال فمات المتحمل عنه، والطالب وارثه؟ فقال: إن مات ولا مال له فالكفيل ضامن، وإن مات وله مال فيه وفاء فلا شيء على الكفيل.
باب فيمن يحمل بوجه رجل متى يبرأ من الحمالة، وما الذي يلزمه منها /
قال محمد: قال ابن القاسم: ومن تحمل بوجه رجل إلى أجل فمضى الأجل فغن السلطان يتلوم له، فإن أتاه به وإلا غرم المال، فإن غرمه ثم أتى به لم يكن له أن يرجع به على الذي أخذه منه ولكن يتبع
стр. 124
به الذي تحمل به عنه. قال ابن القاسم: وإن أتى به عند الأجل لم يكن عيه من الحمالة شيء، وإن كان الذي عليه الحق عديما.
وفي سماع يحيى: قال: سألت بن القاسم عن الحميل بالوجه إذا غاب المتحمل عنه وحل الأجل، كم ترى أن يؤجله السلطان في طلب صاحبه؟ فقال: إن كانت غيبة المتحمل عنه قريبة اليوم واليومين والثلاثة أو نحو ذلك مما لا يضر بالمتحمل له، أجله على قدر ما يرى من الحمل عليه في قدره ونحوه، وإن كانت غيبة المتحمل عنه ببلد لا يرتجى قدومه منه إلى اليومين والثلاثة ونحو ذلك لم يؤجل الحميل قليلا ولا كثيرا وأعدى عليه بالحق الذي وجب على المتحمل عنه. قلت له: فإن أعدى على الحميل فأراد الحميل أن يباع له مال المتحمل عنه؟ فقال: إن كان ببلد بعيد على مسيرة العشرة الأيام أو نحوها لم ينظره، وبيع ماله، وقضى الغريم منه، وإن كان مسيرة اليومين والثلاثة فينظر حتى يعذر إليه بكتاب ليقدم فيبرأ أو يتبين تخلفه فيباع ماله ويقضى به دينه. قال: والحميل بالمال إذا حل أجله لم يؤجل ولم يؤخر إلا برضى صاحب الحق وهو في ذلك كالغريم بعينه.
وفي سماع سحنون: وسألت ابن القاسم عن الرجل يتحمل
стр. 125
بوجه رجل إلى أجل يموت المتحمل عنه قبل الأجل أو بعده؟ قال: إن كان حاضرا ومات في الحضر فلا شيء على الحميل، وإن كان غائبا نظر، فإن كان بموضع لو كلفه (أتى به في الأجل أو بعده بقليل، لم يكن على الحميل غرم، وإن كن بموضع لو كلفه) لم يأت به إلا بعد الأجل بكثير، فأراه ضامنا.
قال سحنون: قلت لابن القاسم: فإن قال: أنا كفيل بوجهه إلى أجل كذا فإن لم آت به فعلي أن أطلبه حتى آتي به، فأما المال فلا أضمنه، أيكون عليه من المال شيء إن مضى الأجل ولم يأت به؟
قال: لا شيء عليه، ويكون كما اشترط، إلا أن يقدر أن يأتي بالذي تحمل له ففرط في ذلك حتى غاب عنه فيكون قد [غرم] ولم يؤخذ لذلك إنما أخذ ليجمعه على صاحبه.
وإذا تحمل بوجهه فأمكنه منه في موضع سلطان فإنه يبرأ، وإن أمكنه منه في موضع لا سلطان فيه أو في موضع يقدر الغريم من الامتناع منه لم يبرأ حتى يدفعه [إليه] حيث السلطان وإن كان بغير
стр. 126
بلده، وإن حبس الغريم فدفعه إليه وهو في السجن فقد برئ وإن كان قد انقضى ما سجن فيه؛ [لأنه يقدر على أخذه] في السجن.
ولو أن الغريم أمكن الطالب من نفسه وأشهد أنه دفع نفسه إليه من حمالة فلان قال: وهو في موضع يقدر عليه لم يبره ذلك، ولا يبرأ الحميل حتى يدفعه هو.
قال: وإن مات الغريم برئ الحميل –أيضا-؛ لأنه إنما تحمل له بنفسه فقد ذهبت نفسه. وإن أخذ بالحمالة والغريم غايب، وحكم عليه بغرم المال ثم شهدت بينته أن الغريم كان ميتا قبل أن يحكم على [الحميل] كان له أن يرجع في ماله.
قال ابن القاسم: ومن ادعى قبل رجل حقا، والمدعى عليه ينكر، فقال رجل للطالب: أنا كفيل لك بوجهه إلى غد فإن جئتك به وإلا فإني ضامن للمال، فلم يأت به. قال: يقال لهذا الطالب: أثبت حقك، وإلا فلا شيء لك.
стр. 127
باب فيمن أراد سفرا وعليه دين
فمنعه صاحب الحق وطلب منه حميلا
قال محمد: وفي سماع عيسى: وسئل ابن القاسم عن الرجل يكون له على الرجل حق إلى أجل [فيتقارب الأجل] فيريد الذي عليه الحق سفرا فيتعلق به صاحب الحق، ويقول له: إنك تريد سفرا، وأنا أخاف أن يحل أجل ديني وأنت غائب، ولكن أعطني حميلا إن غبت يقوم لي بحقي؟ قال: ينظر في ذلك السلطان، فإن رأى ان الأجل سيحل قيل أن يقضي سفره لبعد المكان الذي يريد في مثل ما بقي من الأجل، كان عليه أن يجعل له حميلا وإلا لم يكن له عليه حميل ويحلف بالله، ما يريد إلا سفرا لمثل ما يخرج إليه الناس، من التجارة وطلب الحوائج القريبة، مثل ما يأتي في مثله ويخليه. وفي سماع أبي زيد/ قال ابن القاسم، في الرجل عليه دين وله مال غائب، يعلم غرماؤه ذلك، فقالوا: أعطنا حميلا حتى يقدم مالك. قال: ليس ذلك لهم، إلا أن يخافوا عليه أن يهرب أو يغيب عنهم.
стр. 128
وفي المدونة: قال ابن القاسم: قال مالك، في رجل طلق امرأته، وأراد الخروج إلى سفر، فقالت: إني أخاف الحمل فأقم لي حميلا ينفق علي إن كنت حملا، فإن ذلك لا يكون لها إذا كان الحمل غير ظاهر، وإذا كان ظاهرا كان لها أن تأخذه بالنفقة فإن خرج زوجها وظهر حملها بعده، فأنفقت على نفسها (فلها أن تطلبه بالنفقة إذا قدم إن كان موسرا في حين حملها وإن لم يبعث إليها بما أنفقت على نفسها) حتى وضعت ثم طالبته بما أنفقت كان ذلك لها.
باب فيمن تطوع بكفالة، ماذا يلزمه منها
قال محمد: وفي المدونة: قال مالك: فلو أن رجلين تخاصما في مطلب، فقال رجل للطالب: ما وجب لك قبل فلان (فأنا كفيل به، أنه إن استحق الحق قبل المطلوب كان الكفيل ضامنا ولو مات الكفيل قبل أن) يستحق الحق لطالبه ثم استحق بعد موت الكفيل، لكان ذلك في ماله،
وكذلك من قال لرجل وهو يدعي قبل رجل حقا: ما تصنع به؟
احلف أن حقك حق، وأنا ضامن بذلك، فإن ذلك يلزمه إن حلف المدعي، ولو قال بعد قوله: "أنا ضامن" إنما قلت قولا ولا أريد أن أفعله، ولا أضمن، لم ينفعه قوله ولا رجوعه إذا رضي المدعي
стр. 129
بقوله.
قال ابن القاسم: ومن قال لقوم: اشهدوا أني ضامن بما قضي لفلان على فلان، أو قال: أنا كفيل لفلان بماله على فلان، وهما غائبان جميعا أو أحدهما أو كانا حاضرين، لزمه ما قال؛ لأن مالكا ألزم المعروف من أوجبه على نفسه، ولو مات الضامن لكان ذلك في ماله.
باب في الحملاء يؤخذ بعضهم ببعض
قال محمد: وفي المدونة: قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت إن تكفل لي ثلاثة رجال بمالي على فلان، فأعدم فلان، أيكون لي أن آخذ من قدرت من الكفلاء بجميع حقي؟ فقال: قال مالك: إن كان شرط عليهم حين تكفلوا له أن يكون بعضهم كفيلا عن بعض، كان له أن يأخذ بجميع الحق من قدر عليه منهم.
قلت له: فإن غرم أحد الكفلاء جميع الحق ثم لقي أحد صاحبيه بكم يرجع عليه؟ فقال: بالنصف.
قال ابن القاسم: وإن كان الحملاء كلهم حضورا مياسير، لم يكن له أن يأخذ من كل واحد إلا ثلث الحق، وهو بمنزلة الحميل مع الذي عليه الحق، إذا كان الذي عليه الحق موسرا لم يؤخذ الحميل،
стр. 130
وإن كان معدما أخذه، وإن كان بعضهم معدما أخذ الجميع ممن كان منهم موسرا، إلا أن يكون صاحب الحق شرط عليهم في الحمالة أن يأخذ من شاء بحقه فيكون له ذلك، وإن كانوا كلهم حضورا مياسير.
باب في الحملاء لا يؤخذ بعضهم ببعض
قلت لابن القاسم: فإن تكفل لي ثلاثة رجال بمالي على فلان فأعدم فلان، أيكون لي أن آخذ من قدرت عليه من الكفلاء بجميع حقي؟ قال: قال مالك: لا يأخذ من قدر عليه من الكفلاء إلا بثلث الحق إلا أن يكون شرط عليهم، أيكم شئت أن آخذ بحقي أخذته فيكون له ذلك، فإن أخذ من وجد منهم لم يكن للمأخوذ منه أن يرجع على صاحبيه؛ لأنهم لم يتكفلوا للغارم بشيء، وإنما كان الشرط لصاحب الدين أيهم شاء أخذه بحقه.
باب في الحمالة في الاستئجار والشراء
قال محمد: قال ابن القاسم: قال مالك: ومن اشترى جارية، فتكفل له رجل بما أدركه من درك فهي كفالة لازمة.
قال ابن القاسم: هذا إن كان قال له: إن أدركك فيها درك فعلي أن أرد الثمن، وإن كان قال له: إن أدركك فيها درك فعلي أن أخلصها بالغة فالكفالة في هذا باطلة؛ لأن هذا لا يلزم البائع
стр. 131
فكذلك الكفالة لا تلزم. وقال غير ابن القاسم: لا يخرج الكفيل من/ الكفالة؛ لأنه قد أدخل المشتري في دفع ماله لثقته به فعليه الأقل من قيمة السلعة يوم تستحق أو الثمن الذي أعطى، إلا أن يكون الغريم موسرا حاضرا فلا يكون عليه شيء. قال سحنون: قلت له: فإن استأجرت رجلا يخدمني شهرا وأخذت منه كفيلا بالخدمة قال: لا خير في هذا؛ لأنه لو مات الأجير لم يكن على الحميل [أن يأتيك بآخر يخدمك]، وهو قول مالك. قلت لابن القاسم: فإن استأجرت راحلة بعينها وأخذت من ربها حميلا، فقال: الحمالة بالحمولة لا تجوز في الراحة بعينها. وأما إن أعطاه حميلا بالكراء إن ماتت الراحلة رد عليه ما بقي، فالحمالة جائزة. وإن كانت الحمالة في كراء مضمون فذلك جائز. قلت له: فإن اكتريت إلى مكة كراء مضمونا وأخذت منه حميلا بالحمولة ففر المكاري وأخذت الحميل فاكترى لي إبلا إلى مكة بأكثر مما كنت اكتريت من الذي فر،
стр. 132
ثم قدر الحميل على الفار، بم يرجع عليه؟ قال: بما اكترى، ولا ينظر إلى الكراء الأول، ويعطى الفار الكراء الأول.
باب فيمن احتال بحقه على رجل
قال محمد: وفي المدونة: قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت من احتال بحقه على رجل فمات المحال عليه ولم يترك شيئا؟ فقال: قال مالك: إن كان أحاله وللمحيل على المحال عليه دين ولم يغره من فلس علمه منه فلا يرجع عليه، وإن كان غره أو لم يكن له عليه شيء فإنه يرجع عليه؛ لأنه إذا أحاله وليس له على المحال عليه دين فهذه حمالة.
قلت له: فإن أحالني غريم على رجل ليس للغريم على هذا المحال عليه شيء وشرط الذي عليه الحق أنه بريء مما عليه، أو قال الذي له الحق احلني عليه وأنت بريء مما عليك. فقال: إذا علم أنه ليس له عليه شيء لم يرجع عليه.
وفي كتاب ابن حبيب: سمعت مطرفا يقول: كان مالك يقول: إذا شرط الغريم على الحميل أن حقي عليك ليس بيني وبين
стр. 133
غريمي مطالبة، كراهية لشر قد عرف منه أو لقبح مطالبته أو لامتناع سلطان فالشرط جائز وحقه عليه، حضر الغريم أو غاب، مليا كان أو معدما، إلا أن يشاء أن يرجع على غريمه.
قال ابن حبين: وقال لي أصبغ وابن عبد الحكم مثل قول مطرف، وذكراه عن ابن القاسم، عن مالك.
стр. 134
كتاب مكاتبات القضاة والحكم على الغائب
باب في كتب القضاة بعضهم إلى بعض وما الذي يثبت به
قال محمد: وفي المدونة: قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت من اعترف دابة في يد رجل، وحكم له بها قاضي موضعه، فذكر الذي استحقت من يده أنه اشتراها في بعض البلدان وأراد أن يطلب حقه بها، وسأل القاضي الذي حكم عليه بها، أن يكتب إلى قاضي ذلك البلد بما حكم عليه به، ففعل، فهل على القاضي المكتوب إليه إذا جاءته الدابة أن يأمر الذي جاء بها، أن يقيم البينة أنها هي التي حكم بها عليه؟ قال إذا أتى بشاهدين على أن هذا الكتاب كتاب القاضي، وكانت موافقة لما في الكتاب، لم يسأل البينة أنها هي الدابة التي حكم بها عليه.
وروى سحنون -أيضا-، قال: قلت لابن القاسم: أرأيت القاضي إذا جاءه كتاب قاض بغير خاتم، أيقبله؟ فقال: إذا شهد الشهود على الكتاب بعينه، جاز، إذا شهدوا على ما فيه، وسواء في
стр. 135
هذا انكسر الطابع أو لم يكن طبعه القاضي الذي كتب به؛ لأن مالكا قال: إذا لم يشهد الشهود على ما في كتاب القاضي، فلا يلتفت إلى الطابع.
وفي سماع عيسى: سئل ابن القاسم عن القاضي يكتب إلى القاضي في الحقوق والأنساب والمواريث وأشباه ذلك، فيكتب: أتاني فلان بشهود عدلوا عندي وقبلت شهادتهم ولم يسمهم في كتابه، أيجوز؟ قال: نعم، وهو قضاء القضاة، أرأيت إن سماهم له، أيعرفهم؟ أو يبتغي عدالة أخرى، أو يستأنف فيهم حكما غير ما قد حكم فيه.
قال محمد: قال لنا إسحاق بن إبراهيم: بل يسمي الشهود الذين شهدوا عنده، وهو قول ابن عبد الحكم، وهو خير من هذا
стр. 136
القول.
وفي سماع عبد الملك (بن الحسن: قال: ابن وهب، ومن جاءه من القضاة كتاب قاض غيره بحق ثبت الذي جاءه بالكتاب) فليس ينبغي أن يتعنت طالب الحق بأن يقول: لا أعرف من شهد لك، بل يمضي ما كتب به إليه القاضي الكاتب أنه ثبت عنده وليس للمشهود عليه أن يقول: لم أحضر شهادة من شهد علي ولعلي لو حضرت لدفعت شهادتهم، وليس له أن يحبس ما ثبت عليه من الحق (ولكن يوجب ما ثبت عليه من الحق)، ثم يشخص -إن شاء- إلى بلد الشهود والقاضي الكاتب، فيبطل ذلك عن نفسه إن كان عنده مدفع، وإلا لم يكن له حجة.
وفي كتاب ابن حبيب: قال: وسمعت مطرفا وابن الماجشون يقولان: لا ينبغي للقاضي [أن ينفذ] كتاب قاض إليه بشيء يشهد به من الأحكام إلا بشهادة عدلين، ولا ينفذ ذلك بشهادة (شاهدين أن الكتاب خط القاضي، فقد أعلمناك أنه لا تجوز
стр. 137
الشهادة) على خطوط القضاة [والأمناء]، ولا على خطوط الشهود في الأحكام. قال: ولا بأس إذا كتب القاضي في الشيء يسأله عنه، من عدالة شاهد أو من يستخبره عنه من أمر الحكومة بين من يختصم إليه أن يقبل كتابه إليه بجواب ذلك بغير شهود إذا عرف خطه ولم يشك فيه أنه كتابه ما لم يكن كتابا فيه قضية قاطعة، وكذلك إن أتاه به رسول أو من يثق به إلا أن يأتيه به الخصم الذي المسأله له، فلا نرى أن يقبله إلا بشاهدي علي، وكذلك -أيضا- ما كتب به القاضي إلى الفقيه مما يسأله عنه ويسترشده فيه وهو مثل هذا سواء.
باب في كتب القضاة إلى من (يثقون به من غير القضاة) والقاضي المكتوب إليه يموت أو يعزل قبل وصول الكتاب
قال محمد: وفي سماع يحيى: وسألت ابن القاسم عن القاضي يشهد عنده الرجل من بعض أهل الكور (التي قد استقضى لأهلها قاض ولا يعرفه) بعدالة، ولعلع أن يكون من أهل العدل حيث يعرف، أترى للقاضي أن يكتب إلى قاضي الكورة (أن يثبت
стр. 138
عنده عدالته) ثم يكتب إليه؟ فقال: ينبغي للقاضي ألا يكتب في مثل هذا إلا إلى قاض يكون على يقين من حسن نظره ويثق باحتياطه لمن ولي النظر له فإن لم يكن عنده بهذه المنزلة وكان في الكور رجال يعرف صلاحهم فليكتب إليهم سرا أن يسألوا له عن الشاهد، فإن كتبوا إليه أنه مشهور عندهم بالعدالة معروف بالصلاح أجاز شهادته وإلا تركها حتى يعدل عنده بمن يرضى.
قال ابن حبيب: قلت لمطرف وابن الماجشون: فإذا كان للقاضي في نواحي عمله رجال يكتب إليهم في أمور الرعية بتنفيذ الأقضية وأشباه ذلك، هل يقبل الكتاب يأتيه عنهم بغير شهود؟ فقالا لي: إذا كان العمل واحدا، فلا بأس أن يقبله بالشاهد الواحد ومن الثقة يحمله إليه، وبمعرفة الخاتم ولقرب المسافة واستدراك ما يخشى من التعدي، وإذا افترق العملان فلابد من البينة.
وفي المدونة: قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت إن كتب قاض إلى قاض، فمات الذي كتب الكتاب قبل أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه أو عزل أو مات المكتوب إليه أو عزل وولي القضاء غيره، أيقبل الكتاب ويحك بما فيه؟ قال: نعم، وهو قول
стр. 139
مالك.
باب في القاضي يموت أو يعزل وقد أثبت في ديوانه نظرا
قال محمد: وفي المدونة: قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت إن عزل القاضي أو مات، وقد شهدت البينة عنده وأثبت ذلك في ديوانه، أينظر هذا الذي ولي القضاء بعده فيه ويجيزه؟ فقال: لا يجيز شيئا من ذلك إلا أن تقوم عليه بينة، وما لم تقم عليه بينة فللقاضي الوالي أن يأمرهم بإعادة البينة. قلت: أفيكون للمشهود له على المشهود عليه اليمين مع هذه الشهادة التي في ديوان القاضي الأول بما شهد به عليه عنده؟ قال: نعم، وإن نكل عن اليمين أمضيت عليه تلك/ الشهادة، بعد إحلاف المشهود له، ثم ينظر القاضي المحدث في أمرهما، كما كان ينظر به القاضي
стр. 140
عنده.
باب في المتداعيين لا يكون بلدهما واحدا، أين يكون التخاصم
وفي كتاب الجدار: سئل عيسى عن الرجل من أهل قرطبة تكون له الدار أو الضيعة أو الحق بجيان، فيدعي ذلك رجل من أهل جيان، فيريد الجياني مخاصمة القرطبي عند قاضي جيان، حيث الشيء الذي ادعى فيه، أيرفع فيه، أيرفع معه القرطبي إلى هناك؟ قال: لا يرفع معه، وإنما يكون الحكم بينهما حيث المدعى عليه.
وروى ابن حبيب عن مطرف مثله، وقال مطرف: ولا يلتفت إلى حيث المدعي، ولا إلى حيث الدار التي ادعت. قال ابن حبيب، عن مطرف: وإذا كانت الدعوى في حق من الحقوق التي تكون في ذمم الرجال كالدين وما أشبهه، فإنما يخاصمه حيث
стр. 141
تعلق به، وكذلك إن كان العقار –أيضا- بالموضع الذي تعلق به، فله أن يحبسه لمخاصمته في ذلك الموضع، وإن كان المدعى فيه في غير الموضع الذي تعلق به، فيس للمدعي أن يحبسه لمخاصمته، حيث تعلق به.
باب فيمن قضي له بحق، فلم يقبضه حتى مات القاضي
أو عزل وتعجيز المدعي وقطع حجته عن المدعي عليه
قال محمد: وفي سماع عيسى: وسئل ابن القاسم عن القاضي يقضي لرجل، فلا يجوز المقضي له ما قضى له به حتى يموت القاضي أو يعزل، هل تستأنف الخصومة في ذلك، أم ينفعه ما قضي له به، وإن لم يكن جازه؟ فقال: يمضي القضاء الذي قضى به (القاضي الأول ولا ينظر فيه) القاضي الآخر، إلا أن يكون جورا بينا فينقضه، وهذا أمر لا اختلاف فيه.
وفي كتاب ابن حبيب: وسمعت مطرفا يقول: كل من ادعى قبل رجل دعوى من مال أو عروض أو عبد وأتى على دعواه بشاهدين، فاستعدلهما القاضي وضرب له في ذلك الآجال ثم عجز
стр. 142
عن تعديلهما أو لم ير له القاضي حقا فيما ادعاه، وقد قاعد صاحبه وخاصمه فإن حقا على القاضي أن يكتب للمدعى عليه كتابا بقطع حجة المدعي وتعجيزه إياه عن إثبات ما ادعاه قبله ويشهد له على ذلك؛ ليكون ذلك براءة للمدعى عليه من المدعي ومن تردده بالخصومة عليه في ذلك الشيء، متى شاء، عند ذلك الحكم أو عند غيره، ولكن يقطع ذلك بالاستشهاد عليه، ومتى ما جاء بعد ذلك بشاهدين عدلين بإثبات ما كان عجز عنه، لم ينظر له فيما بعد ذلك الحاكم ولا من كان بعده إلا ثلاثة أشياء: العتق، والطلاق، والنسب، فإن عجز طالب ذلك عن تحقيقه [لم يمنعه عجزه] من القيام ولا من رجوع القاضي إليه في الحكم الذي أثبته وأحقه عند ذلك الحاكم أو غيره.
قال عبد الملك: فأعلمت أصبغ (بن الفرج) بقول مطرف فروى مثله عن (ابن القاسم)، وابن وهب، وأشهب.
باب في حكم القاضي بما رآه أو سمعه
أو أقر به أحد الخصمين عنده
قال محمد: وفي المدونة: قال سحنون: قلت لابن القاسم:
стр. 143
أرأيت القاضي إذا رأى من يسرق أو يشرب الخمر، أيقيم عليه الحد؟ قال: لا، ولكن يرفع ذلك إلى السلطان الذي فوقه ويكون شاهدا. قلت: فإن سمع القاضي رجلا يقذف رجلا، أيقيم عليه الحد؟ فقال: إن كان مع القاضي شهود غيره، أقام عليه الحد ولم يجز له العفو عنه، إلا أن يكون المقذوف يريد سترا يخاف إن لم يجز عفوه عن القاذف أن يأتي القاذف بالبينة أنه كذلك، ويسأل القاضي عن ذلك في السر، فإن أخبر أنه أمر قد سمع أجاز عفوه.
فإن رأى القاضي رجلا يأخذ مال رجل بغير حق، أيقضي بذلك عليه، وليس عليه شاهد غيره؟ قال: لا، إلا ببينة تثبت إن أنكر من فعل ذلك ما قاله القاضي، وهو مثل ما أعلمتك، وللقاضي أن يرفعه إلى من فوقه فيكون شاهدا.
وفي سماع عيسى: وسألت ابن القاسم عن القاضي يقر عنده الرجل فيكتب إقراره، ثم ينكر الرجل أن يكون أقر عنده بشيء/ هل يقضي عليه بإقراره عنده؟ وهل يحلف إن قال القاضي: أقر عندي من قبل أن استقضى. قال: [رأيي] والذي آخذ به أنه لا يقضي عليه حتى يشهد على إقراره عنده شاهدان عدلان، وسواء في إقراره هذا كان قبل أن يلي القضاء أو بعد ما استقضى، وإن عزل القاضي
стр. 144
فشهد عليه بإقراره عنده، فهي شهادة يعمل بها كما يعمل بها لو شهد بها عليه عنده غيره قبل أن يعزل، وإن جهل القاضي فقضى عليه بإقراره عنده، فأنا أرى أن يرد ذلك ما كان على القضاة بحاله ويرجع فيه، فإن عزل لم أر أن يرد ذلك من يكون بعده ولا يفسخ قضيته، بجهل كان ذلك من القاضي أم بعمد؛ لأنه مما يختلف فيه، إلا أن يكون إقراره عنده إنما هو من قبل أن يستقضي، فلما استقضى حكم بهذا الإقرار فإن هذا يرد ويفسخ على كل حال؛ لأنه هذا مما لا يختلف الناس فيه.
قال محمد: وإذا أقر أحد الخصمين عند القاضي، وسمع إقراره رجلان عدلان سوى القاضي، فللقاضي أن يحكم عليه بغير إعذار في شهادة الشاهدين. هذا هو الاختيار في الفتيا.
باب في الحكم على الغائب والصغير
قال محمد: وفي المدونة، قلت لابن القاسم: أرأيت إن أقام رجل البينة على دار في يد رجل، غائب أنه ورثها من أبيه، أيقضى بها على الغائب؟ فقال: سمعت من يذكر عن مالك أن الدور لا
стр. 145
يقضى على أهلها فيها وهم غيب، وهو رأيي.
قال ابن القاسم: إلا أن تكون غيبه تطول، مثل ما يغيب إلى الأندلس وطنجة، فيقيم في ذلك الزمان الطويل، فأرى أن ينظر في ذلك السلطان وقضي به، وإن كانت الغيبة مثل ما يسافر الناس ويقدمون فإن القاضي يكتب إلى الموضع الذي فيه الغائب يستخلف أو يقدم فيخاصم.
قلت له: فإن كان الغائب بعيد الغيبة، أيقيم له القاضي من يقوم بحجته؟ فقال: لا، وليقض عليه [ولا يستخلف له خليفة، وكذلك لو كانت الدار المدعى فيها بيد صغير، لم يستخلف القاضي لهذا الصبي] من يقوم بحجته. قال ابن القاسم: وكل من أعدى على مال غائب بدين أثبته عليه لم يؤخذ منه بما قد دفع إليه من ذلك حميل، وإن كان للغائب حجة قام بها إذا قدم، وهو قول مالك.
وفي كتاب ابن حبيب: قال: وسالت أصبغ بن الفرج عن الصبي الذي لا وصي له يدعى قبله أو في يديه شيء، أيوكل له
следующие страницы →