Полный текст (271 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
تعلق به، وكذلك إن كان العقار –أيضا- بالموضع الذي تعلق به، فله أن يحبسه لمخاصمته في ذلك الموضع، وإن كان المدعى فيه في غير الموضع الذي تعلق به، فيس للمدعي أن يحبسه لمخاصمته، حيث تعلق به.
باب فيمن قضي له بحق، فلم يقبضه حتى مات القاضي
أو عزل وتعجيز المدعي وقطع حجته عن المدعي عليه
قال محمد: وفي سماع عيسى: وسئل ابن القاسم عن القاضي يقضي لرجل، فلا يجوز المقضي له ما قضى له به حتى يموت القاضي أو يعزل، هل تستأنف الخصومة في ذلك، أم ينفعه ما قضي له به، وإن لم يكن جازه؟ فقال: يمضي القضاء الذي قضى به (القاضي الأول ولا ينظر فيه) القاضي الآخر، إلا أن يكون جورا بينا فينقضه، وهذا أمر لا اختلاف فيه.
وفي كتاب ابن حبيب: وسمعت مطرفا يقول: كل من ادعى قبل رجل دعوى من مال أو عروض أو عبد وأتى على دعواه بشاهدين، فاستعدلهما القاضي وضرب له في ذلك الآجال ثم عجز
стр. 142
عن تعديلهما أو لم ير له القاضي حقا فيما ادعاه، وقد قاعد صاحبه وخاصمه فإن حقا على القاضي أن يكتب للمدعى عليه كتابا بقطع حجة المدعي وتعجيزه إياه عن إثبات ما ادعاه قبله ويشهد له على ذلك؛ ليكون ذلك براءة للمدعى عليه من المدعي ومن تردده بالخصومة عليه في ذلك الشيء، متى شاء، عند ذلك الحكم أو عند غيره، ولكن يقطع ذلك بالاستشهاد عليه، ومتى ما جاء بعد ذلك بشاهدين عدلين بإثبات ما كان عجز عنه، لم ينظر له فيما بعد ذلك الحاكم ولا من كان بعده إلا ثلاثة أشياء: العتق، والطلاق، والنسب، فإن عجز طالب ذلك عن تحقيقه [لم يمنعه عجزه] من القيام ولا من رجوع القاضي إليه في الحكم الذي أثبته وأحقه عند ذلك الحاكم أو غيره.
قال عبد الملك: فأعلمت أصبغ (بن الفرج) بقول مطرف فروى مثله عن (ابن القاسم)، وابن وهب، وأشهب.
باب في حكم القاضي بما رآه أو سمعه
أو أقر به أحد الخصمين عنده
قال محمد: وفي المدونة: قال سحنون: قلت لابن القاسم:
стр. 143
أرأيت القاضي إذا رأى من يسرق أو يشرب الخمر، أيقيم عليه الحد؟ قال: لا، ولكن يرفع ذلك إلى السلطان الذي فوقه ويكون شاهدا. قلت: فإن سمع القاضي رجلا يقذف رجلا، أيقيم عليه الحد؟ فقال: إن كان مع القاضي شهود غيره، أقام عليه الحد ولم يجز له العفو عنه، إلا أن يكون المقذوف يريد سترا يخاف إن لم يجز عفوه عن القاذف أن يأتي القاذف بالبينة أنه كذلك، ويسأل القاضي عن ذلك في السر، فإن أخبر أنه أمر قد سمع أجاز عفوه.
فإن رأى القاضي رجلا يأخذ مال رجل بغير حق، أيقضي بذلك عليه، وليس عليه شاهد غيره؟ قال: لا، إلا ببينة تثبت إن أنكر من فعل ذلك ما قاله القاضي، وهو مثل ما أعلمتك، وللقاضي أن يرفعه إلى من فوقه فيكون شاهدا.
وفي سماع عيسى: وسألت ابن القاسم عن القاضي يقر عنده الرجل فيكتب إقراره، ثم ينكر الرجل أن يكون أقر عنده بشيء/ هل يقضي عليه بإقراره عنده؟ وهل يحلف إن قال القاضي: أقر عندي من قبل أن استقضى. قال: [رأيي] والذي آخذ به أنه لا يقضي عليه حتى يشهد على إقراره عنده شاهدان عدلان، وسواء في إقراره هذا كان قبل أن يلي القضاء أو بعد ما استقضى، وإن عزل القاضي
стр. 144
فشهد عليه بإقراره عنده، فهي شهادة يعمل بها كما يعمل بها لو شهد بها عليه عنده غيره قبل أن يعزل، وإن جهل القاضي فقضى عليه بإقراره عنده، فأنا أرى أن يرد ذلك ما كان على القضاة بحاله ويرجع فيه، فإن عزل لم أر أن يرد ذلك من يكون بعده ولا يفسخ قضيته، بجهل كان ذلك من القاضي أم بعمد؛ لأنه مما يختلف فيه، إلا أن يكون إقراره عنده إنما هو من قبل أن يستقضي، فلما استقضى حكم بهذا الإقرار فإن هذا يرد ويفسخ على كل حال؛ لأنه هذا مما لا يختلف الناس فيه.
قال محمد: وإذا أقر أحد الخصمين عند القاضي، وسمع إقراره رجلان عدلان سوى القاضي، فللقاضي أن يحكم عليه بغير إعذار في شهادة الشاهدين. هذا هو الاختيار في الفتيا.
باب في الحكم على الغائب والصغير
قال محمد: وفي المدونة، قلت لابن القاسم: أرأيت إن أقام رجل البينة على دار في يد رجل، غائب أنه ورثها من أبيه، أيقضى بها على الغائب؟ فقال: سمعت من يذكر عن مالك أن الدور لا
стр. 145
يقضى على أهلها فيها وهم غيب، وهو رأيي.
قال ابن القاسم: إلا أن تكون غيبه تطول، مثل ما يغيب إلى الأندلس وطنجة، فيقيم في ذلك الزمان الطويل، فأرى أن ينظر في ذلك السلطان وقضي به، وإن كانت الغيبة مثل ما يسافر الناس ويقدمون فإن القاضي يكتب إلى الموضع الذي فيه الغائب يستخلف أو يقدم فيخاصم.
قلت له: فإن كان الغائب بعيد الغيبة، أيقيم له القاضي من يقوم بحجته؟ فقال: لا، وليقض عليه [ولا يستخلف له خليفة، وكذلك لو كانت الدار المدعى فيها بيد صغير، لم يستخلف القاضي لهذا الصبي] من يقوم بحجته. قال ابن القاسم: وكل من أعدى على مال غائب بدين أثبته عليه لم يؤخذ منه بما قد دفع إليه من ذلك حميل، وإن كان للغائب حجة قام بها إذا قدم، وهو قول مالك.
وفي كتاب ابن حبيب: قال: وسالت أصبغ بن الفرج عن الصبي الذي لا وصي له يدعى قبله أو في يديه شيء، أيوكل له
стр. 146
القاضي وكيلا يخاصم عنه ويدافع ويطلب منافعه، فقال لي: قد قال ابن القاسم في ذلك قولا لا آخذ به قال: لا ينبغي للقاضي أن يوكل له وكيلا يخاصم عنه ولست أقوله ولكن ينبغي للقاضي أن يوكل عليه وكيلا يتولى منه ما يتولى الوصي من يتيمه في النظر له في ماله ونفسه وفي الذب عنه وعن ماله وفي الخصومة لمن ادعى قبله شيئا وفي جميع أموره، وإنما الذي أكره له أن يوكل عليه وكيلا لهذه الخصومة وحدها ثم يعزله عنه، هذا لا ينبغي ولكن يكون وكيلا مفوضا إليه جميع أمره، فتكون هذه الخصومة من أموره التي ينظر له فيها بالخصومة وما أشبهها مما يفعله الوكيل؛ لأن حقا على القضاة ألا يدعو الأيتام بغير وكلاء.
باب في الغائب يقدم وقد حيز عليه ماله
وفي سماع يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يموت عن منزل ويترك ورثته غيبا في [بلد غير] بلده الذي هلك فيه، بعيد أو قريب، فيمكث المنزل زمانا طويلا نحوا من أربعين سنة ثم يقدم ورثة الهالك فيجدون المنزل في أيدي قوم قد ورثوه عن أبيهم ولعل أباهم قد ورثه عن جدهم، فيدعيه ورثة الغائب الهالك عنه الذي كان
стр. 147
أصله له معروفا، فيقولون منزل أبينا، هلك عنه ونحن غيب لم ندخل هذا البلد منذ هلك إلى اليوم، ويقول الذين في أيديهم المنزل: لا ندري من أنتم ولا ما تقولون، غير أن هذا المنزل ورثناه عن أبينا وهو في أيدينا منذ زمن طويل، ولعل أبانا – [إن] كان/ أصل المنزل لكم كما تقولون –قد اشترى منكم بمكانكم الذي كنتم فيه، ولا علم لنا بشيء من أمره إلا أنا ورثناه؟ ؟ فقال: الأمر فيه –إن شاء الله- أن يسأل [الذي زعم أن أصله معروف إلى أن هلك فيه أبوه وهو غائب بغير ذلك البلد، البينة على ذلك] فإن جاء بها أو أقر الذين في أيديهم [المنزل بذلك وكانت غيبتهم] ببلد بعيد، مثل أن يكون المنزل بالأندلس وما أشبهها والذين ادعوه بمصر أو بالمدينة أو نحو ذلك [من البعد فيسأل] الذين هم فيه من أين جاء لهم بعد وفاة الذي ورثه هؤلاء الغيب عنه، فإن أحقوا حقا باشتراء أو [غيره مما يستحق] به المدعي ما ادعاه كان ذلك لهم،
стр. 148
فإن لم يثبت لهم اشتراء ولا هبة ولا وجه يستحقون به، إلا ما ادعوا من تقادم ذلك في أيديهم وتوارث ذلك بعضهم عن بعض فإني لا أرى لهم حقا، والحق فيه لصاحب أصله إذا قامت له بالأصل بينة أو أقر بذلك خصماؤهم؛ لقول رسول الله ﷺ (لا يهلك حق امرئ مسلم وإن قدم) مع ما رأيت لأهل [أصل] المنزل [من العذر] لغيبتهم في بعد بلدهم عن ذلك المنزل.
قال: وأما إن كانت غيبتهم غيبة قريبة بحيث يعلمون أن منزلهم صار إلى غيرهم وأنه يتوارث وينشأ فيه العمل وينسب إلى غيرهم فلا يقومون بتغيير ذلك ولا ينكرونه حتى يطول الزمان كما ذكرت، فلا أرى لهم فيه حقا، وهو لمن كان بيده وورث ذلك عن أبيه وجده أو لم يرثه، بعد أن تطول عمارته وحيازته إياه بمثل ما ذكرت لك من الزمان أو ما أشبهه.
قال: فإن علم الغيب في بعدهم بما صار إليه
стр. 149
منزلهم من حيازة (قوم له فتركوا الخروج إلى قبضه وتركوا الاستخلاف على ذلك بعد علمهم بما صار إليهم منزلهم من) حيازة من حازه وهم قادورن على الخروج إلى حقهم لقبضه أو الاستخلاف على ذلك حتى يطول الزمان، فأراهم فيما ضيعوا من حقوقهم بمنزلة الحضور لا حق لهم فيه إذا طال زمان حيازة القوم بعمارته، وإن كان لهم في ترك عذر يتبين للسلطان بأن يضعفوا عن الخروج ويلتمسوا من يستخلفون فيعجزهم ذلك ولا يقدرون عليه، فأراهم على حقوقهم وإن قدم زمانه وتطاول أمره؛ لبعد بلدهم، وما ظهر للسلطان من عذرهم.
وفي سماع عيسى: وسألت ابن القاسم: عن رجل غاب عن دار له وأرض، فدخلها رجل بعد غيبته فسكنها زمانا ثم مات عنها وبقي ورثته فيها، فقدم الغائب فادعى ذلك وأصله معروف له والبينة تشهد أنه إنما دخل فيها الميت بعد هذا [الغائب] وإن كان يسمع من الهالك يذكر أنه اشترى أو لم يسمع ذلك منه وإن طال
стр. 150
زمان ذلك أو لم يطل؟ فقال: [القادم] أولى بها إذا كان على ما ذكرت كان الداخل فيها حيا أو ميتا، ولا يلتفت إلى ما كان يسمع من الداخل الهالك يذكر أنه اشتري، والقادم أحق بأرضه إذا كان الأصل معروفا له، والبينة تشهد له على ما ذكرت لك من دخول هذا [فيها] بعد مغيبة، طال زمان ذلك أو لم يطل، إلا أن يكون للداخل بينة على اشتراء أو هبة أو صدقة أو سماع صحيح على اشتراء مع طول زمان وتقادم، فإن لم يكن كذلك، فالأرض أرض القادم على ما شهد له.
قال ابن القاسم: وأما الغائب الذي ذكرت على مسيرة الثمانية الأيام، وقد حيزت أرضه عليه فليست تلك بحيازة، ولا حيازة على غائب، إلا أن يكون قد علم بذلك وعرفه فترك ذلك ولم يطلبه ولم يخرج إليه حتى طال زمان ذلك كما [أخبرتك] مما تكون فيه
стр. 151
الحيازة وهو تارك لذلك عالم به، فلا شيء له بعد ذلك.
قلت له: فالرجل يغيب الغيبة غير البعيدة، مثل مسيرة أربعة أيام ونحوها، ورجل يعمر أرضه عشر سنين أو عشرين سنة ثم يموت عنها العامر ويرثا ولده، فلا يطلب ذلك ولا يوكل وهو يبلغه عمارتها ولا يطلب شيئا فيقوم فيطلب ذلك الغائب بعد [عشرين سنة] وقد صارت بيد وارث؟ فقال: ذلك له، ولا يقطع ذلك عنه الأمر القريب وليس كل الناس يفوت ذلك عليهم، وللناس معاذير في ذلك من ضعف البدن والنظر في ضيعته والبنات يكن له فلا يستطيع مفارقتهن.
قلت له: فإذا لم يكن به ضعف ولا عذر يعرفه الناس؟ قال: كم من معذور لا يتبين للناس عذره فلا أرى أن يقطع/ ذلك عليه شيئا متى قام كان على حجته.
стр. 152
باب في الغائب يقوم عنه غيره بحق يثبت له
قال محمد: وفي العتبية لأشهب، أنه قال: سألت مالكا عن الرجل يموت ويترك زوجته، فيكون بيدها رباعه ودوابه وكل قليل له وكثير، وللهالك أخ غائب، فيقوم ابن الأخ الغائب فيقول: أنا أثبت أن هذا المال الذي بيدها لعمي، وليس لها منه شيء، أنا أثبت ذلك لعمي، فإذا قضى له به وثبت فضعوه في يدي عدل ولا تدفعوه إلي، أو يقوم في ذلك الرجل غير ابنه فيقول مثل مقالته؟ فقال: أما الابن، فإني أرى أن يمكن في ذلك، فإذا ثبت ما قال، لم يدفع إليه ووضع على يدي عدل إن كان أبوه حيا يوم مات عمه، وأما الرجل غير ذلك فلا أدري ما هذا.
стр. 153
وفي سماع يحيى: قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يرفع إلى السلطان أن حقا لقوم غيب من قرابته أو غيرهم في دار أو أرض بأيدي قوم يخاف على ذلك الحق الهالك لتقادمه في أيديهم وطول مغيب أهله عند ويخاف موت من علم ذلك أو نسيانهم لطول الزمان، هل يجوز للسلطان أن يوكله عن الغيب فيقوم لهم باستحقاق حقهم وإحيائه لهم، والخصومة عنهم؟ فقال: أما الخصومة عنهم ومواضعة الحجة، فلا أرى أن يوكل على ذلك وكيلا يقوم به عن غائب، قال: ولكن إن كان الذي رفع هاذ إلى السلطان خاف هلاك هذا الحق بموت الشهود أو نسيانهم بطول الزمان، فلا بأس أن يأذن له السلطان ويأمره أن يأتيه بالشهداء فيسمع منهم يوقع شهاداتهم، فإن كانوا عدولا أشهد القاضي رجالا أنه قد أجاز شهادتهم وقبلها لعدالتهم عنده ويطبع على الكتاب الذي أوقع فيه شهادتهم ويشهد العدول أنه كتابه وأنهم عدول عنده يجيز شهادتهم، فإن جاء الغائب [يوما ما] أو وكيله يخاصم عنه وقد مات الشهداء فاحتاج إلى علمهم، اكتفى بالذي كانوا شهدوا به عنده فقطع الحق به، وإن جاء الغائب أو وكيله يوما ما ليطلب ذلك
стр. 154
الحق وقد مات القاضي أو عزل ومات الشهداء، كان حقا على القاضي الذي يخلف مكانه إذا جاء الغائب أو وكيله بالكتاب الذي كتب القاضي الأول فيه شهادة الذين شهدوا عنده على إثبات حق الغائب فأثبتوا عند القاضي الثاني (أن القاضي الأول قد أجاز شهادتهم ورضي عدالتهم، أجاز ذلك القاضي الثاني) ولم يسألهم تعديلهم واكتفى بالذي ثبت عند الأول وأشهد به الغائب ثم أجاز شهادتهم.
قال محمد: قال أصبغ بن الفرج: وإن رأى القاضي الأول إذا صحت هذه الأشياء عنده للغائب بشهادة قاطعة وأمور ثابتة ولم يكن للحاضر فيها حجة ولا مدفع أو يوقعها عليه، أوقعها.
باب في توقيف حق لغائب من مورث ورثه
ومن ثبت عليه حق لغائب فقال: قد قضيته إياه.
قال محمد: وفي المدونة لسحنون: قلت لابن القاسم: فإن شهدت بينة لرجل أنه وارث ابنه أو جده مع ورثة آخرين سموهم، وأنهم لا يعلمون له وارثا غيرهم، بكم يقضي لهذه القائم؟ فقال: لا يقضي له إلا بحصته، ويترك القاضي ما سوى ذلك في يد المدعى
стр. 155
عليه حتى يأتي من يخرجه من يده. قال سحنون: قد روي عن مالك أنه قال: ينزع من يد المطلوب ويوقف.
وفي العتبية قال سحنون: سئل ابن القاسم عن الشاهدين يشهدان أن فلانا وارث فلان، لا يعلمان له وارثا غيره، ويقول أحدهما: إن له زوجة بموضع كذا. فقال: لا يعجل بقسم شيء من الميراث حتى يتبين ما قال الشاهد، فإن طال ذلك أعطى الوارث المال كله.
وفي كتاب ابن حبيب: وسئل أصبغ عن رجل له حق ببلد فوكل وكيلا على الخروج في طلب حقه فخرج. فقال الذي عليه الحق: قد كنت قضيت الذي له الحق حقه، وسأل أن يكتب له السلطان ليوقف/ الذي له الحق، فإن حلف أخذ حقه وإن نكل سقط عني فقال: ليس ذلك له ويقضى عليه بالحق وترجأ له اليمين، فإذا وجد صاحبه أحلفه، فإن نكل حلف المطلوب ويعدى عليه بالذي قبض وكيله، وإن مات الذي له الحق قبل أن يحلف حلف ورثته على علمهم أنه ما قضاه، وروى العتبي عن أصبغ مثله.
стр. 156
باب فيمن بنى أو غرس في أرض بينه وبين شريك له غائب
قال محمد: وفي سماع ابن القاسم قال ابن القاسم: ومن بنى أو غرس في أرض بينه وبين شريكه، وشريكه غائب فإنهما يقتسمان الأرض، فإن صار بنيانه فيما صار له من الأرض كان عليه من الكراء بقدر ما انتفع به من نصيب صاحبه، وإن صار البنيان والغرس في نصيب صاحبه خير الذي [صار] في حصته بين أن يعطى قيمته منقوضا وبين أن يسلم إليه نقضه ينقله ويكون له –أيضا- من الكراء على الباقي بقدر ما انتفع.
باب فيمن استحق من يده شيء له غلة
أو استحق منه طعام أو ثياب
قال محمد: وفي المدونة: قال سحنون: قلت لابن القاسم: لو أن رجلا ابتاع دارا فاستغلها زمانا ثم استحقها رجل. لمن تكون
стр. 157
الغلة؟ فقال: للذي كانت الدار في يديه؛ لأن الغلة بالضمان، وكذلك لو ورث من أبيه دارا أو عبيدا؛ لأنه لا يدري من أين كانوا لأبيه ولعله قد ابتاعهم.
قلت له: فإن كان الذي باع هذه الأشياء قد غصبها من أهلها؟
فقال: إذا لم يعلم المشتري بالغصب فالغلة له وكل ما له غلة [من الدور] والأرضين والنخيل وجميع الثمار والحيوان فهو في هذا سواء.
قلت له: فإن كانت الدار والعبيد إنما وهبوا لأبيه؟ قال: إن علم أن الواهب غصب هذه الأشياء من الذي استحقها، أو غصبها من رجل هذا المستحق وارثه فجميع الغلة والكراء للمستحق.
قلت له: فإن استغل الموهوب له هذه الأشياء أو استغلها ابنه وهو عالم بالغصب أو غير عالم؟ فقال: إن كان عالما ردت الغلة التي اغتل على المستحق؛ لأن الموهوب له إذا علم بالغصب فقبل الهبة فهو كالغاصب، وإن كان لم يعلم، وكان الغاصب مليا غرم الغاصب ما اغتل الموهوب له، وإن لم يكن مليا كان على الموهوب له أن يرد جميع ما اغتل؛ لأنه لم يرد فيما اغتل ثمنا فتكون له الغلة
стр. 158
بالضمان، ويعطي قيمة عمله إن كان له فيها بمنزلة ما لو أن رجلا اغتصب ثوبا أو طعاما فوهبه لرجل فأكل الطعام أو لبس الثوب، أو كانت دابة فباعها وأكل ثمنها ثم استحق هذه الأشياء، فإن كان عند الواهب مال وقد فاتت تلك الأشياء أغرمها الواهب إذا (كان الموهوب له لا يعلم بالغصب، وإن لم يكن للواهب مال) أغرم الموهوب له ولم يكن له أن يرجع بذلك على الواهب، وكذلك الغاصب نفسه إذا اغتل العبد أو الدار لزمه أن يرد جميع الغلة إلى مستحق الدار، وكذلك إن مات الغاصب وتركها ميراثا فاستغلها ولده ثم استحقت من يده فإن الغلة –أيضا- تكون للمستحق.
قال محمد: ولابن القاسم في كتاب الغصب بخلاف ما قاله هاهنا فيما يصير إلى الغاصب من غلة العبيد.
قلت له: فإن تلفت هذه الأشياء من يد الموهوب له من غير فعله؟ [قال]: فلا شيء عليه إذا علم أنه لم
стр. 159
يتعد فيها ولا علم بغضبها.
قلت: فمن اشترى عبدا في سوق المسلمين فوهبه لرجل ثم أتى رجل فاستحقه؟ فقال: يقال للذي استحقه: إن شئت فاتبع البائع بالثمن، وإلا فاطلب العبد، فإن وجدته أخذته، ولا شيء لك على المشتري الواهب.
قلت: فلو أن رجلا ابتاع طعاما فأكله أو ثيابا فلبسها أو أبلاها أو ابتاع ماشية فذبحها وأكلها ثم استحق ذلك من يده؟ فقال: يغرم المشتري ذلك كله ولا يوضع عنه، وله أن يرجع على البائع بالثمن وإنما الذي يوضع عنه ما هلك في يده من الحيوان أو انهدم من الدور وكذلك الحنطة والثياب إذا ذهبت بأمر من الله –يقوم على ذلك بينة- فلا شيء عليه –أيضا-./
стр. 160
كتاب الاستحقاق
باب فيمن استعار ثوبا أو استأجره ثم استحق من يده
قال محمد: قال سحنون: قلت لابن القاسم: فإن استعرت من رجل ثوبا لألبسه شهرين فلبسته، فتقصه لبسي ثم استحقه رجل والمعير عديم، أيكون للمستحق أن يضمنني ما نقصه لبسي؟ قال: نعم، ولا يكون لك أن ترجع على المعير بشيء.
قلت له: فإن استأجرت ثوبا لألبسه فلبسته فنقصه لبسي، أيكون للمستحق أن يضمنني؟ قال: نعم، ويكون لك أن ترجع بالإجارة كما لك في البيع أن ترجع بالثمن.
قال محمد: معنى هذا –فيما أرى- أن للمستحق أن يرجع على المستأجر بما نقص لباسه الثوب وإن لم يكن الذي أجره إياه عديما، بخلاف المعير إذا لم يكن عديما.
стр. 161
وفي كتاب العارية: قال ابن القاسم: ومن استأجر دابة فعطبت تحته فليس لمستحقها أن يضمنه قيمتها، بخلاف من ابتاع طعاما فأكله، وإنما يضمن المبتاع ما هلك بانتفاعه.
باب فيمن اكترى دارا فسكنها بعض المدة ثم استحقت
قال محمد: وفي المدونة: قلت لابن القاسم فيمن اكترى دارا سنة بمائة دينار فلم يقبض الكراء حتى سكن المتكاري نصف السنة، ثم استحق الدار رجل؟ فقال: يكون كراء الشهور الماضية للذي استحقت الدار من يده، وإن أراد المستحق أن ينقض الكراء في باقي المدة كان ذلك له، وإن أحب أن يمضيهأمضاه ولم يكن للمتكاري أن ينقضه.
قلت: فإن كان المتكاري قد نقد الكراء كله؟ قال: يدفع نصف النقد إلى المستحق ولا يرد على متكاري الدار إلا إذا رضي بذلك مستحق الدار ولم يكن ممن يخاف عليه مثل أن يكون كثير الدين أو نحو هذا.
قال محمد: فإن خيف عليه رجع المتكاري على المكري
стр. 162
يأخذ منه كراء نصف السنة، وكلما سكن شيئا دفع إلى المستحق من الكراء بقدر ما سكن. هذا معنى قول ابن القاسم، وفيه تنازع.
قال سحنون: قلت له: فإن هدم المتكاري الدار تعديا وأخذ نقضها فاستحقها رجل؟ قال: يكون قيمة ما هدم المتكاري لمستحق الدار.
قلت: فإن كان المكري هو الذي هدم الدار قبل الاستحقاق؟ قال: لا شيء عليه، وإن كان باع النقض أخذ منه الثمن، وإن كان النقض قائما عنده أخذ منه –أيضا-.
باب فيمن اكترى دارا أو ابتاعها فاستحق بعضها
قال محمد: وفي المدونة: قال سحنون: قلت لابن القاسم فيمن اكترى دارا فاستحق بعضها أو بيت منها؟ فقال: قال مالك: من باع دارا فاستحق بعضها أو بيت منها إن كان البيت لا يضر الدار مثل أن يكون فيها بيوت كثيرة ومساكن رجال فالبيع لازم ويرد البائع من
стр. 163
الثمن مبلغ قيمة البيت والدار في هذا بمنزلة النخل يكون لها عدد فيستحق منها النخلات اليسيرة فلا يفسد البيع بذلك، وإن كان المستحق من الدار ما يكون ضررا بالمشتري كالنصف أو الثلث خير فإن أراد أن يردها كلها ردها ويأخذ الثمن، وإن أراد أن يتماسك بما لم يستحق منها بقدره من الثمن فذلك له، فأرى مسألتك في الدار المكتراة يستحق منها شيء على مثل قول مالك في البيوع؟ قال سحنون: وقال غيره: لا يشبه الكراء البيع في مثل هذا إذا كان الذي استحق النصف لم يكن للمشتري أن يتماسك بما بقي لأنه مجهول.
قال محمد: ذكر بعض الرواة عن سحنون أنه قال: إنما يكون مجهولا إن اختلفت قيمة [كراء] الشهور.
стр. 164
باب فيمن اكترى أرضا أو اشتراها فبناها
أو غرس فيها ثم استحقت
قال محمد: قال سحنون: قلت لابن القاسم فيمن استأجر أرضا من رجل سنين على أن يبني فيها أو يسكن أو يغرس أو يزرع ففعل ثم استحق الأرض رجل قبل انقضاء أجل الإجارة؟ قال: لا شيء على الذي كانت الأرض مزروعة فاستحقت بعد إبان الزرع فليس للمستحق/ من كراء السنة شيء وهو مثل ما قد مضى، وإن كان إبان الزرع لم يفت فالمستحق أولى بكراء تلك السنة، وإن كانت الأرض تعمل السنة كلها فهي مثل السكنى يكون الكراء للمستحق من يوم الاستحقاق وما مضى فهو للأول، ويكن المستحق بالخيار فيما بقي من السنين فإن شاء أجاز الكراء إلى المدة وإن شاء نقضه، فإن نقضه لزمه [تمام] البطن الذي في الأرض على حساب السنة، وإن أجازه وانقضت المدة فله أن يأخذ ما فيها من نقض أو غرس بقيمته مقلوعا وإن شاء أمره بقلعه وإن أبى أن يجيزه لم يكن له أن يقلع البناء ويقال له:
стр. 165
أعطه قيمته قائما فإن أبى قيل للباني أو الغارس: أعطه قيمة الأرض، فإن أبى كانا شريكين [هذا بقيمة أرضه، وهذا بقيمة غرسه أو بنيانه].
باب فيمن ورث أرضا أو دارا فاستحق رجل معه فيها شركا
[قال محمد: قال سحنون: ] قلت: فمن ورث أرضا [فأتى من استحق فيها شركا معه وقد كان أكراها الذي كانت بيده زمانا فأراد المستحق] أن يتبع الذي أكراها بنصيبه من الكراء؟ قال: ذلك له علم المكترى أو لم يعلم.
قال ابن القاسم: وإن كان الذي كانت الأرض بيده إنما كان يزرعها لنفسه وهو لا يظن أن معه وارثا غيره فلا كراء عليه فيها؛ لأني سألت مالكا عن الأخ يرث الدار فيسكنها، فيأتي أخ له بعد ذلك؟ فقال: إن كان علم أن له أخا أغرمه (نصف كراء ما سكن)، وإن
стр. 166
لم يعلم فلا شيء عليه في السكنى؛ لأن له أن يقول: لو علمت لم أسكن نصيب أخي وكان في نصيبي ما يكفيني.
قال سحنون: وروى علي بن زياد عن مالك أن له عليه في الدر نصف كراء ما سكن.
قال محمد: قوله: فيما زرعه الأخ أنه لا كراء عليه فيه، إنما ذلك إذا قدم أخوه وقد فات إبان الزراعة، وأما إن قدم في إبانها فعليه كراء المثل في نصيبه. ذكره محمد بن عبدوس.
باب فيمن غصب أرضا فاستحقت من يده
في إبان الزراعة أو بعد إبانها
قال محمد: قال سحنون قلت لابن القاسم: فمن غصب
стр. 167
أرضا وزرعها ثم استحقها رجل في إبان (الزراعة فأراد أن يقلع الزرع؟ قال: ذلك له بخلاف من زرع بوجه شبهة، وإن استحقها في إبان) لا يدرك فيه الزراعة فليس للمستحق أن يقلع زرع الغاصب، وله عليه الكراء.
قلت له: فإن كان الغاصب قد أكرى الأرض فزرعها المتكاري ثم استحقها صاحبها فأراد أن يقلع زرع المتكاري، أيكون له ذلك؟ فقال: لا إذا لم يعلم المتكاري بالغصب؛ لأنه إنما زرع على وجه شبهة، ويكون الكراء للمستحق.
قلت: فإن كان المتكاري لا يعرف إن كان اشترى الأرض أو غصبها فزرعها المتكاري؟ قال: هو بمنزلة ما لو اشتراها حتى يعلم أنه غصبها.
باب فيمن اشترى سلعا كثيرة فاستحق بعضها
قال محمد: قال سحنون: قال ابن القاسم: ومن اشترى جملة
стр. 168
ثياب أو رقيق أو كيل أو وزن يكثر فيستحق منه اليسير فإنه يرجع بثمن ما استحق، قال: وإن كان ما استحق مضرا به في صفقته لكثرة ما استحق من يديه وهو إنما كان رغب في الجملة فله أن يرجع برد الصفقة كلها، وإن أراد أن يحبس ما سلم في يديه ويرجع بثمن ما استحق، فإن كان ما اشترى مما يوزن أو يكال فذلك له، وإن كان مما يباع على العدد فكان الاستحقاق على الأجزاء [نصف] ما اشترى أو ثلثه أو أقل أو أكثر فذلك له -أيضا-؛ لأن ما رضي به يصير له بثمن معروف، وإن كان إنما استحق بعض العدد وكان الذي استحق منه يكون المشتري فيه مخيرا في أن يرد الجميع أو يحبس ما بقي بالثمن كله فليس له أن يحبس ما بقي بما يصيبه من الثمن؛ لأنه إذا وجب له رد الجميع فقال: أنا أحبس ما بقي بما يصير له من الثمن فذلك مجهول لا يعرف ما هو حتى تقوم السلع ثم يقيم الثمن عليها.
قلت له: فمن اشترى رقيقا أو ثيابا صفقة واحدة وسمى لكل واحد من الرقيق/ أو لكل واحد من الثياب دينارا دينارا؟ قال: لا
стр. 169
ينظر إلى ما سميا ولكن يقسم الثمن على جميع الصفقة، فما أصاب الذي استحق من الثمن وضع عن المشتري، وهو قول مالك.
قلت لابن القاسم: فلو اشترى عبدين صفقة واحدة، فاستحق أحدهما بملك أو حرية؟ فقال: قال مالك: ينظر إلى الذي استحق فإن كان هو وجه العبدين رد الثاني، وإن كان ليس هو وجههما لزمه الباقي بحصته من الثمن.
باب فيمن يدخل على التسليف من الاستحقاق
قال محمد: قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت من أسلف في طعام وكان رأس [مال] التسليف مما يعرف بعينه كالثوب أو العبد، فاستحق رأس المال؟ قال: ينتقض التسليف ويرجع عليه (بطعامه إن كان قبضه وكان قائما بعينه، وإن كان قد استهلك الطعام رجع عليه) بمثله.
قلت له: فإن كان رأس المال عينا أو فلوسا أو شيئا من المكيل أو الموزن غير الطعام واستحق رأس (المال؟ قال: إن
стр. 170
كان رأس) المال عينا أو فلوسا كان السلف جائزا ورجع بمثل ذلك، وإن كان من غير العين والفلوس انتقض السلف.
قلت: فإن أسلفت في شيء من الحيوان وقبضته ثم استحقه مستحق، بم أرجع على المسلم إليه؟ قال: بالصفة التي استلمت فيها ولا يرجع بالزيادة وهو قول مالك.
باب فيمن استحق في يده أرض وقد كان قبلها للزرع
قال محمد: وفي سماع يحيى: وسئل ابن القاسم عن الأرض (تكون بيد الرجل فتستحق وقد كان قلبها الذي كانت بيده وحرثها ليزرعا؟ فقال) المستحق بالخيار فإن شاء أعطاه قيمة عمارته وأخذها، وإن أبى قيل للذي استحقت من يده: إن شئت فاغرم كراءها، وإن شئت فأسلمها بما فيها من العمارة، ولا شيء لك.
باب في رجلين تداعيا في أرض فزرعاها جميعا
قبل الحكم فيها
قال محمد: وفي سماع يحيى: وسألت ابن القاسم عن رجلين تداعيا في أرض فبذرها أحدهما فولا، ثم أعقب الآخر فبذرها قمحا
стр. 171
على فول صاحبه، وقلب ما نبت منه فاستهلك بذلك الفول، ثم اختصما فيها فاستحقها الذي كان بذرها فولا؟ فقال: إن استحقها في أوان عمل، كان له كراؤها على الذي بذر القمح ويكون زرعها للذي بذره ويغرم [صاحب القمح] لرب الأرض الذي استحقها مع كرائها قيمة الفول الذي استهلك؛ وذلك أنه كان زرعها على ما كان يدعي من حقه في الأرض، ولم يكن غاصبا لها، قال: وإن استحق الأرض ربها وقد كانت فات أوان العمل فلا كراء لمستحقها على الذي بذرها قمحا والقمح للذي بذره، وعليه قيمة الفول الذي استهلك على كل حال.
стр. 172
كتاب الصلح واختلاف الآمر والمأمور
باب فيمن صالح عن حق أنكره ثم أقر بعد الصلح
أو قامت عليه بينة
قال محمد: قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت لو أن رجلا ادعى دارا في يد رجل فأنكر الذي في يديه الدار، فصالحه المدعي على مال أخذه من المدعى عليه ثم أقر بعد ذلك أن دعوى المدعي كانت حقا؟ قال: سألت مالكا عن الذي يدعي الدين قبل رجل، فيجحده ثم يصالحه ثم يجد بعد ذلك بينة عليه؟ فقال: إن كان صالحه وهو لا يعرف أن له بينة فله أن يرجع عليه في بقية حقه إذا وجد بينة.
قلت لمالك: فإن كانت له بينة غائبة وسماها إلا أنه لما جحده خاف أن يموت شهوده أو يعدم المدعى عليه أو يغيب فصالحه، فلما قدم شهوده قام عليه؟ قال: لا أرى له شيئا ولو شاء لم يعجل، ولم يره مثل الأول.
قال ابن القاسم: فهذا يدلك على ما سألت عنه.
стр. 173
قال محمد: معنى ما ذهب إليه ابن القاسم أنه إن كان الطالب صالح وهو يعلم أن له بينة أن الصلح تام ولا ينتقض بإقرار المقر.
باب فيمن صالح بعد استرعاء /
قال محمد: وفي سماع ابن القاسم: سئل مالك عن الرجل يكون له على الرجل الحق فيغيب شهوده، فإذا قام يطلبه جحده الذي هو عليه فدعاه إلى الصلح وأشهد في السر إني إنما أصالحه لأنه جحدني وأخاف أن يذهب بحقي، فإذا حضر شهودي قمت على حقي؟ فقال: ما له يعجل بمصالحته ثم يقوم بعد ذلك؟ وكأنه لم ير ذلك له.
قال ابن القاسم: وهو رأيي أن الصلح لازم له.
قال محمد: لم يبين في هذه الرواية الغيبة القريبة من البعيدة وقد بين ذلك أصبغ في العتبية.
وسئل أصبع عن الرجل يدعي السلعة بيد رجل فيخاف على
стр. 174
سلعته أن تتلف فيشتريها من الذي هي في يديه ثم يريد القيام عليه بعد ذلك؟ فقال: إن كان لم يعلم بأن له بينة فذلك له إن أثبت البينة ويرجع بماله، وإن كان قد عرف أن له بينة وعرف موضعها، فلا أرى له بعد ذلك كلاما ولا حجة، وإن زعم أنه إنما اشتراها بدارا ومخافة أن يغيبا أو يبيعها. قال: وإنما ذلك [عندي] بمنزلة الرجل يصالح الرجل وهو يعلم أن له بينة [إلا أن تكون بينته] بعيدة جدا أو يكون قد أشهد قبل أن يشتريها أنه إنما يشتريها لما يخاف أن يغيبها الذي هي في يديه من أجل غيبة بينته وبعدها ثم يقوم بعد ذلك عليه، فأرى ذلك ينفعه إذا كان كذلك، وإلا فلا كلام له ولا حجة.
قال: وإن أتى ببينته بعد الاشتراء وزعم أنه لم يعلم بها وقال له البائع: قد علمت واشتريت على علم بها أو صالحت، فالقول قوله أنه لم يعلم، مع يمينه، إلا أن يثبت عليه أنه قد علم لأنه
стр. 175
قد ثبت له الرجوع بماله فالبائع مدع عليه ما يسقط ذلك، فالبينة عليه.
وفي كتاب الجدار: وسئل عيسى عن الرجل يكون له الشقص في الأرض مع القوم وقد قسم فيبيعه من رجل فيجحد القوم المشترى فيقولون: مالك ولا للبائع عندنا شيء، ثم يدعونه إلى أن يدفعوا إليه الثمن الذي اشتراه به ويخرج عنه، فيشهد المشتري أنه إنما يفعل ذلك ليظهروا له حقه ويقروا له به ثم يبيع منهم بالثمن، هل ينفعه ما أشهد عليه سرا؟ قال: نعم، إلا أن يكون ذلك من القوم على وجه الصلح، مثل أن يكونوا قالوا له: لا نعلم لصاحبك عندنا شيئا، ولكن ندفع إليك رأس مالك، واخرج عنا بلا خصومة ولا مكروه، فإن كان على هذا فهو لازم للمشتري، ولا تنفعه بينته؛ لأن هذا صلح، وإن كانوا قالوا: بعنا هذا السهم الذي ابتعت من فلان وإلا دفعناك فأشهد سرا ثم باع فإنه يرجع في بيعه ولا يلزمه ذلك إذا كان الذين أشهدهم سرا قد عرفوا مدافعتهم إياه وجحدهم شراءه.
باب فيمن ادعى عليه بسرقة عبد واصطلحا ثم وجد العبد
قال محمد: وفي سماع يحيى: وسئل ابن القاسم عن الرجل يدعي قبل رجل أنه سرق عبده فينكر المدعى عليه، فيصطلحان على مال يغرمه المدعى عليه للمدعي، ثم يوجد العبد فقيل
стр. 176
له: لمن يكون؟ فقال: للمدعى عليه بالذي غرمه في الصلح ولا ينتقض الصلح لظهور العبد وجد معيبا أو صحيحا.
باب في ورثة ادعوا قبل رجل حقا فصالحه أحدهم
قال محمد: وفي المدونة: قلت لابن القاسم: فلو أن رجلا هلك وقد كانت بينه وبين رجل خلطة، فادعى ولد الهالك أن لأبيه مالا على هذا الرجل فأقر أو أنكر، فصالحه على حقه بدراهم دفعها إليه أو بدنانير أو بعرض، أيكون لإخوته أن يدخلوا معه في الذي أخذ؟ قال: نعم، وقد قال مالك: كل ذكر حق كان لقوم بكتاب واحد فاقتضى بعضهم حقه دون بعض فإن شركاءه يدخلون معه فيما اقتضى، وإن كان لكل إنسان منهم ذكر حق على حدة فإن من اقتضى شيئا من حقه لم يدخل معه فيه أحد من شركائه وإن كانت الصفقة في أصلها واحدة/.
باب في الرجلين يكون لهما ذكر حق على رجل
فقضى أحدهما أو صالحه
قال محمد: قال ابن القاسم: فإذا كان لرجلين ذكر حق بكتاب
стр. 177
واحد أو بغير كتاب من بيع باعه بعين أو شيء مما يكال أو يوزن غير الطعام والإدام أو كان من شيء أقرضاه أو ورثاه من العين والطعام أو غير ذلك من المكيل والموزون فقبض أحدهما من ذلك شيئا، فإن كان الذي عليه الدين غائبا، فسأل أحد الشريكين صاحبه الخروج معه لاقتضاء الدين فأبى من ذلك، فخرج شريكه فاقتضى حقه كله أو بعضه فإن شريكه لا يدخل معه فيما اقتضى؛ لأن تركه الخروج معه بعد أن أعذر إليه في ذلك رضى منه بما يقتضي دونه، وكذلك إن رفعه إلى السلطان ليخرج في الاقتضاء معه فإن السلطان يأمره بالخروج أو التوكيل، فإن فعل وإلا خلى السلطان بين الشريك وبين الخروج إلى اقتضاء حقه ثم لا يدخل عليه شريكه فيما يقتضي، وإن كان الذي عليه الحق حاضرا، أو خرج إليه أحد الشريكين إن كان غائبا دون الاعتذار إلى صاحبه فاقتضى شيئا من حقه كان شريكه بالخيار: إن شاء دخل معه فيما اقتضى وإن شاء سلمه إليه واتبع الغريم، فإن اختار اتباع الغريم لم يكن له بعد ذلك
стр. 178
أن يتبع شريكه بشيء [لأنها] مقاسمة [لما لهما] على الغريم، وإذا [اقتسم] الرجلان دينا لهما على رجل، جاز ذلك وصارا فيه بمنزلة رجلين لكل واحد منهما ذكر حق على رجل على الانفراد.
قال محمد: إذا كان الذي على الغريم طعاما من بيع باعاه، فلا يجوز لأحدهما أن يأذن لصاحبه في الخروج لاقتضاء حقه خاصة؛ لأنها مقاسمة فيدخله بيع الطعام قبل استيفائه، ولذلك قال في صدر المسألة غير الطعام والإدام.
قال ابن القاسم: وإن صالح أحد الشريكين الغريم وكان الغريم حاضرا أغائبا فخرج عليه ولم يعذر إلى صاحبه فصالحه بعشرة دنانير، وكان لهما عليه مائة دينار وأبرأه مما بقي فهو جائز، ويكون شريكه بالخيار: إن شاء سلم لشريكه ما اقتضي واتبع الغريم بالخمسين التي له، وإن شاء رجع على شريكه فأخذ منه نصف ما في
стр. 179
يديه ورجعا على الغريم فاتبعه الذي لم يصالح وأربعين دينارا واتبعه الذي صالحه بخمسة دنانير التي أخذ منه شريكه.
باب في القوم يصطلحون على أن يضمن الحاضر منهم أمر الغائب، ومن أراد أن يرجع بعد الصلح إلى الخصومة
قال محمد: وفي كتاب الجدار: وسئل عيسى عن القوم يصطلحون في المواريث فيضمن الحاضر منهم أمر الغائب إن كره الصلح أو ادعى شيئا فهو له ضامن. قال: لا أرى هذا يجوز، وأراه منسوخا.
وسئل عيسى عن رجلين اصطلحا في شيء تداعيا فيه ثم أرادا أن ينقضا الصلح ويرجعا إلى الدعوى الأولى. فقال: هذا لا يجوز.
стр. 180
باب في مصالحة الأب عن ابنته البكر والوصي عن الأيتام
قال محمد: وفي كتاب [ابن حبيب]: قال: وسألت مطرفا وابن الماجشون عن الأب يريد أن يصالح عن ابنته البكر ببعض حقها إما من ميراث من زوج هلك عنها قبل البناء بها، وإما من صداقها منه أو ميراث أو غير ذلك من الحقوق، وهل يجوز ذلك عليها؟ فقالا لي: إن كانت حقوقها في عروض وأصول ودور فلا بأس أن يصالح عنها بدنانير ودراهم، وإن كانت أقل من حقها وإن لم يكن في حقها دعوى ولا شبهة فليس في هذا لها نظر، قالا: فإن أحب أن يضع من حقها على غير هذا الوجه، وحقها ظاهر لا دعوى فيه ولا لبس، فذلك غير جائز عليها ولا لازم لها وهي ترجع بذلك على كل من كان ذلك عليه لا على أبيها، ولا يكون للذي كان الأب وضعه عنه أن يرجع به على الأب إلا أن يكون الأب تحمل ذلك/ لابنته في ماله، فترجع الابنة على أبيها إن كان موسرا، وإن كان معسرا رجعت به على الذي كان عليه ويرجع به ذلك على الأب، وأتبعه به دينا في ذمته. قلت لهما: فإن كان الأب لم يتحمل ذلك لابنته في ماله إلا أن
следующие страницы →