Полный текст (271 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
منه به شيئا فاشترى به المولى عليه أمة فحملت منه كانت أو ولد له ولم يكن [للمشتري] أن يأخذها بسلفه إياه المال أو ابتياعه منه به شيئا وإن كان قبض منه ما كان ابتاع بالمال رد ذلك الشيء إلى المولى عليه وأسقط عنه الثمن.
وفي العتبية: قال سحنون: وسئل ابن القاسم عن السفيه الذي يموت أبوه ولا يوصي به إلى أحد أو يموت وصي أبيه ولم يوص أبيه ولم يوص به إلى أحد غيره فيبيع متاعه ويتلفه ولا ولي له بأمر السلطان ولا وصي يليان ماله أترى ما باعه من ماله جائزا لمن اشتراه/ منه؟ قال: إذا كان معروفا بالسفه والتبذير، فباع شيئا لم يجز، ورأيته مفسوخا، وإن طال بعد ذلك الزمان ولا أرى أن يعدا عليه برأس المال ولا غيره، وهو كمن هو في ولاية لأن حاله مسخوطة فلا أرى أن يجوز من أمره قليل ولا كثير، إلا أن يجد
стр. 212
الرجل ماله عنده بعينه فيكون أحق به منه، وليس يخرجه عن حال [السفه]، وإن لم يكن له ولي إلا حال الرشد والصلاح.
قلت له: فإن كان لا يعرف بالشر ولا بالخير ولا بتبذير إلا أنه يشرب الخمر وهو في ذلك ربما أحسن النظر في ماله أترى أن بيعه جائز؟ [فقال: أرى مثل هذا جائز] الأمر إذا وقع لعله لا يرد!
إذا لم يكن مولى عليه.
قال محمد: الذي كانت تجري عليه فتيا من أدركنا من المشائخ أن المولى عليه إذا مات وصيه ولم يوص به إلى أحد أن حكمه في أفعاله كحكم من كان وصيه باقيا حتى يظهر منه حال الرشد واختلف أصحاب مالك في السفيه الذي يموت أبوه ولا
стр. 213
يوصي به إلى أحد، فمنهم من قال: أمره جائز حتى يحجر عليه ومنهم من قال: أمره غير جائز.
قال ابن مزين: قلت: لأصبغ: أي القولين أحب إليك؟ قال: أقول في ذلك قولا بين القولين فما كان من السفهاء مشوبا فيه الفساد والصلاح في ماله يصيب مرة ويخطيء مرة وليس [في ولاية أب] ولا وصي فأرى أموره جائزة، ومن كان منهم [قد بلغ فسوقا محضا] ومجونا وفسادا لا يزال مفسدا حيثما تقلب فأرى أمور هذا مردودة.
قال ابن مزين: وهذا القول أشبه بالحق إن شاء الله تعالى.
باب في قضاء البكر ذات الأب في مالها
قال محمد: وفي المدونة قال مالك: لا يجوز للبكر ذات الأب قضاء في مالها حتى تدخل بيتها ويعرف من حالها.
стр. 214
قال ابن القاسم ولا يجوز لها قبل ذلك بيع ولا عتاقة ولا صدقة ولا أن تصنع شيئا من المعروف لا إلى أبويها ولا إلى أحد من الناس وإن كانت قد حاضت، وإجازة أبيها وغير إجازة أبيها سواء في هذا لا يجوز شيء منه.
قال سحنون: قلت له: فإن كانت قد عنست في بيت أبيها؟
قال: عنست أو لم تعنس هذا سواء عند مالك وقد كان مرة يقول غير هذا ولم أسمعه منه أنا.
وفي العتبية قال سحنون: قلت: لابن القاسم [أرأيت البكر يدخل بها زوجها فتترك له بقية مهرها بعد دخوله عليها ولها أب ينظر عليها أو هي يتيمة قد استخلف عليها أبوها، هل يجوز فعلها بحدثان دخوله عليها أم لذلك حد يعرف، فإن مشيخة عندنا كانوا يرون [أنه لا يجوز لها صدقة حتى يمر لها سنة من يوم دخوله
стр. 215
عليها؟ ] فقال: السنة في هذا باطل إذا رضيت حالها جازت أمورها وليس في هذا حد، قد تنكح وهي ترضى حالها وتنكح أخرى وهي على غير ذلك.
قال محمد: والذي كانت تجرى عليه فتيا مشائخنا باستحسان منهم أن البكر ذات الأب لا يجوز لها قضاء في مالها حتى يمضي لها في بيت زوجها ستة أعوام إلى سبعة فإذا مضت لها هذه المدة جاز قضاؤها في مالها إلا إن ظهر عليها حال السفه.
باب في قضاء البكر التي لا أب لها في مالها
قال محمد: وفي العتبية قال سحنون: قلت لابن القاسم: فالبكر التي لا أب لها ما حد مبلغها الذي يجوز لها فيه القضاء [في
стр. 216
مالها أرأيت إذا بلغت ثلاثين سنة فقال: لا أراها جائزة القضاء في مالها] وإن تزوجت وإن بلغت ما ذكرت حتى تبلغ وتدخل بيتها ويرضى حالها قلت له فابنة الخمسين والستين وقد وقفت عن الأزواج أتراها بمنزلة هذه التي وصفت فقال: إذا عنست كما ذكرت وكانت لا بأس بنظرها جاز قضاؤها في مالها وإن كانت غير ذلك لم يجز.
وفي كتاب ابن مزين قال عيسى: سمعت ابن وهب يقول في حد تعنيس اليتيمة البكر التي تأخذ إليه مالها إن ذلك ما بين الثلاثين سنة والخمس وثلاثين سنة وسمعت ابن القاسم يقول في ذلك الأربعين والخمس والأربعين [وأرى] في ذلك /قول ابن وهب.
وفي العتبية وسئل سحنون عن البكر تعطي زوجها بعض مالها وذلك قبل الدخول بها ليملكها أمرها أو يباريها بشيء من مالها
стр. 217
فقال: إن كان لها أب أو وصي فلا يجوز ذلك ويلزم الزوج الطلاق ويرد عليها ما أخذ منها وإن كانت لا أب لها ولا وصي جاز ذلك وهي عندي بمنزلة السفيه الذي لا وصي له وإن أموره جائزه عليه [كلها بيعه واشتراؤه وصدقته وهبته ما لم يحجر عليه.
قال محمد: والذي كانت تجرى عليه] فتيا مشائخنا أن البكر التي لا أب لها ولا وصي إذا مضى لها في بيت زوجها مثل السنتين والثلاث جاز قضاؤها في مالها حتى يظهر عليها حال السفه وأما إن كانت في ولاية وصي فلم يختلفوا [أنها] لا يجوز لها قضاء في مالها حتى يظهر رشدها.
باب في قضاء المرأة ذات الزوج في مالها
قال محمد: وفي المدونة قال مالك وما باعته المرأة ذات الزوج من مالها كالدار والخادم وغير ذلك وهي مرضية في حالها جاز ذلك أحب زوجها أو كره وإن جابت كانت المحاباة في ثلث مالها وكذلك إن تصدقت وهي مرضية الحال جاز لها من ذلك
стр. 218
ما بينها وبين الثلث وإن تصدقت أو وهبت أكثر من الثلث لم يجز من ذلك قليل ولا كثير إلا أن يجيزه الزوج.
قال ابن القاسم وكذلك كفالتها لا تجوز إلا في ثلثها لأن الكفالة معروف تصنعه فإن كانت سفيهة ضعيفة في عقلها لم يجز لها من الذي صنعت شيء وإن أجازه زوجها وإن كانت غير سفيهة وأجاز الزوج معروفها بأكثر من ثلثها فهو على ما وصفت لك.
قال سحنون: قلت له فما زادت على ثلث مالها من قليل أو كثير لم يجز منه شيء؟ قال: نعم، إلا أن تكون الزيادة كالدينار أو الشيء الخفيف مما يعلم أنها لم ترد به الضرر فإنه يمضي وهو قول مالك. وقد سئل مالك عن امرأة حلفت بعتق رقبتها في شيء إلا تفعله وهي ذات زوج ففعلته فقال: أراها قد حنثت فإن كان الرقيق يحملهم الثلث [أعتقوا] وإن كانوا جل مالها فلزوجها أن يرد جميع ذلك ولا يعتق منهم قليل ولا كثير، وقد بلغني عن مالك أنه قال: وإن مات زوجها أو فارقها رأيت أن تعتقهم ولا تسترقهم وهو رأي ولا تجبر على ذلك بقضاء.
قال ابن القاسم: وما صنعت في مالها من معروف إلى ولدها
стр. 219
أو أبويها فهم في ذلك بمنزلة الأجنبيين إذا كان لها زوج.
قال ابن القاسم: وإن تكلفت عن زوجها بما يستغرق جميع مالها ولم يرض الزوج لم يجز من كفالتها لا ثلث ولا غيره وإن أذن لها زوجها في ذلك جاز وإن أحاط ذلك بمالها كله إذا لم تكن سفيهة وليس الزوج في هذا كغيره.
قال مالك: وإذا تكفلت المرأة لزوجها أو أعطته عطاء من مالها ثم ادعت أن الزوج أكرهها لم تصدق إلا أن تشهد على ذلك ببينة.
وفي كتاب ابن حبيب أن ابن القاسم كان يقول: إن قضاء المرأة في الكثير من مالها جائز أبدا حتى يرده الزوج وإن لم يعلم الزوج بما قضت فيه بعتق أو عطية حتى تأيمت أو ماتت فذلك ماض في التأيم والموت جميعا.
قال ابن القاسم: وإذا أعتقت المرأة ذات الزوج ثلث عبدها ولا مال لها غيره جاز ذلك، وإن أعتقته كله لم يجز منه شيء، وإن دبرت عبدها ولا مال لها غيره جاز ذلك لها ولم يكن لزوجها أن يرده.
стр. 220
قال محمد وفي بعض ما ذكرناه من هذه الوجوه تنازع.
قال ابن حبيب: وسمعت ابن الماجشون يقول في المرأة تقر في الكثير من جهازها أنه لأهلها جملوها به وهم يدعون ذلك فقال: إذا كان إقرارها على غير وجه العطية (فلا كلام لزوجها فيه وإن كان أكثر من ثلث مالها وإن كان على وجه العطية) لم يجز.
قال محمد: واختلف أصحاب مالك في الحرة تحت العبد فقال بعضهم: هو في التحجير عليها بمنزلة الحر وقال بعضهم ليس العبد في هذا كالحر.
تاب العارية
باب في عارية الحيوان وما يلزم فيه الضمان وما لا يلزم
قال محمد: قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت من استعار شيئا من الحيوان فتلفت عنده أيضمنه؟ فقال: قال مالك لا ضمان عليه إلا أن يتعدى أو يخالف ما استعار عليه قال مالك:
стр. 221
ومن استعار دابة إلى مكان مسمى فتعدا ذلك المكان فتلفت الدابة فإن صاحبها مخير بين أن تكون له القيمة يوم تعدا عليها وبين أن يكون له كراؤها في ذلك التعدي.
قلت لابن القاسم: فمن استعار دابة ليحمل عليها حنطة فحمل عليها حجارة فعطبت الدابة فقال: إذا كان أمرا مخالفا فيه ضرر على الدابة فوق ضرر ما استعارها له فهو ضامن، ولو حمل عليها ما يشبه الذي استعارها له لم يكن عليه ضمان، مثل أن يستعيرها ليحمل عليها حنطة (فحمل عليها عدسا، أو استعارها لحمل كتان فحمل قطنا أو بزا، قال: قلت: فإن استعارها ليحمل عليها حنطة فركبها فعطبت؟ قال: ينظر في ذلك فإن كان ركوبه أضر بالدابة ضمن.
قلت: فإن استعرتها لأركبها (فحملت خلفي رديفا) فعطبت؟ قال: ربها مخير في أن يأخذ منك
стр. 222
كراء الرديف وفي أن يضمنك قيمتها يوم حملت عليها الرديف، بمنزلة ما قال مالك فيمن تكارى بعيرا ليحمل عليه وزنا سماه، فحمل أكثر منه (فعطب أو أدبره أو أعنته، أنه ينظر في الزيادة فإن كانت مثلها لا تعطب في مثله مثل أن يزيد الرطلين والثلاثة) وما أشبه ذلك كان لرب البعير كراء الزيادة، وإن كانت الزيادة يعطب من مثلها، كان صاحب البعير مخيرا، فإن أحب فله قيمة بعيره، وإن أحب فله كراء الزيادة مع الكراء الأول.
قلت: فإن استعرت دابة إلى موضع فلما بلغته زدت الميل ونحوه، ثم رجعت إلى الموضع الذي استعرتها إليه، ثم انصرفت وأنا أريد ردها، فعطبت في الطريق بعدما رجعت إلى الموضع الذي أذن لي فيه؟ قال: سمعت مالكا وسئل عن رجل تكارى دابة إلى ذي الحليفة فتعداها، ثم رجع فعطبت الدابة بعدما رجع إلى ذي الحليفة؟ فقال: إن كان (تعديه مثل منازل الناس فلا أرى عليه شيئا
стр. 223
وإن كان) جاوز ذلك بالميل أو الميلين فأراه ضامنا.
قال سحنون: قلت له أفيجوز أن يستعير الرجل الدابة على أنها مضمونة عليه؟ قال: لا.
(قال محمد: فإن فعل وهلكت الدابة لم يكن على المستعير ضمان، وهو معنى قوله).
وفي كتاب ابن حبيب قال: (وإذا اشترط معير الدابة ضمانه فسخت العارية إلا أن تفوت بالركوب فيسقط الضمان ويعطي كراء الدابة.
وفي كتاب ابن حبيب قال): [وسألت مطرفا] عن الرجل يستعير البازي للاصطياد فيزعم أنه مات أو سرق أو طار في حين اصطياده أو في غير اصطياده؟ قال: القول قوله مع يمينه ولا ضمان عليه لأنه حيوان.
стр. 224
باب عارية العروض والسلع
قال محمد: قال سحنون: قلت لابن القاسم فيمن استعار ثوبا فضاع عنده أيضمنه؟ قال: نعم، وكذلك العروض كلها، وهو قول مالك. قال مالك: ومن استعار شيئا من العروض فكسره، أو خرقه، أو ادعى أنه سرق منه، أو احترق، فهو ضامن له، وإن أصابه أمر من الله يعذر به ويقوم له على ذلك بينة، فلا ضمان عليه إلا أن يكون ضيع أو فرط.
قلت لابن القاسم: فمن استعار من رجل سيفا ليقاتل به فانقطع أيضمن؟ قال إن كانت معه بينة أنه كان معه في اللقاء لم يضمن، وإن لم تقم له بينة على أنه كان معه في اللقاء ولا أنه ضرب به فانقطع فهو ضامن.
وفي سماع عيسى قلت لابن القاسم في الرجل يستعير العارية مما يغاب عليه مثل الفأس والمنشار فأتى به مكسورا فقال: انكسر
стр. 225
في الشيء الذي أعرتنيه فيه؟ قال: لا يصدق وهو ضامن. وقال ابن وهب مثله.
وقال عيسى: لا ضمان عليه إذا أتى من ذلك ما يشبه ويرى أنه إنما انكسر في العمل لأن ذلك لا يخفى.
قال ابن القاسم: ومن استعار ما يغاب/ عليه على أنه لا ضمان عليه فالشرط باطل وهو ضامن.
وفي سماع يحيى وسئل ابن القاسم عن الرجل يستعير الثوب فيلبسه ويمسك مصباحا فيسقط [على الثوب] فقال: يضمن إن كان مفسدا وإن كان يسيرا أصلحه.
باب الدعوى في العارية ومن استعار عارية لغيره وكذب
قال محمد: قال سحنون: قلت لابن القاسم فلو أن رجلا ركب دابتي إلى موضع، وقلت له: أكريتها منك، وقال بل أعرتنيها؟ قال: القول قول صاحب الدابة إلا أن يكون ليس مثله فمن يكري
стр. 226
الدواب لشرفه وغناه.
قلت: فإن استعرت من رجل دابة فركبتها إلى موضع فلما رجعت قال صاحبها: إنما أعرتها إلى دون الموضع؟ فقال: القول قول المستعير إن كان يشبه ما قال، وكذلك إن اختلفا في الحمل، ألا ترى أن المستعير لو استعار مهرا فحمل عليه عدلا من بز أنه لا يصدق إنما استعاره لذلك ولو كان بعيرا صدق.
وفي سماع أشهب سئل مالك عن الخادم أو الحرة تأتي قوما فتستعيرهم حليا فتزعم أن أهلها بعثوها فيعيرونها فيهلك الحلي فيجحد أهلها أو يقرون قبل أن يخلص الحلي إليهم أو يأتي الرجل إلى الرجل فيقول له: إن فلانا بعثني إليك لتعبره شيئا من مالك أو تبتاع له بدين فقال: إن صدقه الذين بعثوه فهم ضامنون والرسول بريء وإن جحدوا حلفوا ما بعثوه، ويحلف الرسول بالله لقد بعثوه ولا شيء على واحد منهم، لإن الرسول قد صدقه الذي أعطاه، وإن أقر الرسول أنه تعدى وكان حرا ضمن، وإن كان عبدا كان في ذمته إن أعتق يوما ما أو أفاد مالا ولم يكن في رقبته شيء.
стр. 227
وفي كتاب ابن حبيب قلت لمطرف فإن اختلفا في رد العارية فقال المستعير: قد رددتها إليك، وقد أرسلتها إليك مع رسولي وأوصلها إليك وأنكر المعير؟ فقال لي: أما ما كان يغاب عليه من العواري، فعلى المستعير البينة على ردها دفعت إليه أولا، ببينة أو بغير بينة، أو يدعي أنه هو ردها أو رسوله لأن أصلها على الضمان حتى يعرف الرد، وما كان من عواري الحيوان الذي لا يغاب عليها فلا يضمن فإن كان المعير أشهد عليه بالعارية حين أعاره فعلى المستعير البينة على ردها، وإن لم يكن أشهد عليه فالقول قوله في ردها مع يمينه، ادعى أنه هو ردها إليه أو رسوله.
قال عبد الملك: فسألت أصبغ عن ذلك فقال لي مثل قول مطرف إلا في وجه واحد، إذا ادعى أنه ردها إليه مع رسوله، فإنه قال لي لا يكون القول قوله. وإن كانت عارية حيوان، وإن لم يكن المعير أشهد عليه حين أعاره، فلا يبرأ إلا ببينة تشهد على دفع الرسول.
قال عبد الملك بن حبيب: وقول مطرف في ذلك أعجب لي.
стр. 228
كتاب الوديعة
باب فيمن استودع وديعة فأودعها غيره
قال محمد: وفي المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت من استودع مالا فوضعه عند زوجته أو خادمة أو من هو في عياله كالأجير؟ فقال: إن استودع امرأته أو خادمة أو ما أشبههما فلا ضمان عليه وهذا ما لابد للرجل منه أن يسترفع الشيء امرأته أو خادمة، إذا دفع ذلك إليهما ليرفعاه في بيته، وكذلك العبد والأجير هما على ما وصفت لك إذا كانا يرفعان له مثل ذلك، وكذلك إن جعل الوديعة في بيته أو صندوقه فلا ضمان عليه.
قال مالك فيمن استودع وديعة فأودعها غيره أنه إن كان أراد سفرا أو خاف على منزله عورة فاستودعها ثقة فلا ضمان عليه.
قال سحنون قلت له: ويصدق إذا قال خفت على الوديعة [أو أردت] سفرا فاستودعتها؟ فقال: لا إلا أن يكون يسافر أو عرف من منزله عورة. وسئل مالك عن رجل استودع مالا رجلا في السفر فاستودعه غيره فهلك المال فقال: هو ضامن وليس السفر في هذا كالحضر لأنه حين استودعه في السفر إنما أراد أن
стр. 229
يكون معه. وما في الحضر فإنما استودعه [ليحرزه] في بيته.
قال ابن القاسم: وسألت مالكا عن امرأة هلكت بالإسكندرية وكان/ ورثتها بالمدينة فأوصت إلى رجل فكتب الوصي إلى ورثتها فلم يأته عنهم خبر فخرج حاجا وخرج بما تركت ليطلب ورثتها ويدفع المال إليهم فضاع منه في الطريق فقال: هو ضامن إذ أخرجه بغير أمر أربابه.
باب فيمن استودع وديعة فاستهلكها ثم رد مثلها
قال محمد: قال سحنون: قلت لابن القاسم: فمن استودع ثيابا فلبسها أو باعها ثم اشترى مثلها وردها في موضع الوديعة أيبرؤه ذلك؟ قال: لا، لأنه إنما يضمن قيمة الثياب وكذلك لو أخرج قيمة الثياب فتلفت بعد ما أخرجها لم يبرأ من الضمان بإخراجها.
قلت له: فإن كان المستودع دراهم أو حنطة فأنفقها كلها أو أنفق بعضها ثم رد مثل ما أنفقه؟ قال: هذا يسقط عنه الضمان بخلاف الأول. وكذلك قال مالك في الدراهم فالودائع كلها من الكيل والوزن إذا استهلكها ورد مثلها فهي مثل الدراهم في رأيي،
стр. 230
قلت له: أفيكون القول قوله في أنه قد رد ذلك في الوديعة؟ قال: نعم وهو قول مالك.
باب فيمن تجر بالوديعة أو قال: قد صرفتها أو ادعى أنها تلفت
قال محمد: قال سحنون: قلت لابن القاسم: فمن استودع مالا فتجر به أيكون الربح له وليس عليه أن يتصدق بشيء منه؟ قال: نعم.
قلت: فإن رد المال في الوديعة بعدما ربح فيه أيبرأ من الضمان؟ قال: نعم.
قلت: ويكون القول قوله: في أنه قد رد ذلك إلى الوديعة؟
قال: نعم، لأنه لو قال: قد تلفت بسرق وغيره أو قال: لم آخذ منه شيئا كان القول قوله.
قلت له: فمن استودع وديعة، ثم قال: صرفتها إلى صاحبها؟
فقال: إن كان دفعها إليه ببينة فلا يبرؤه من الدفع إلا البينة وإن كان دفعها بغير بينة فالقول قول [المستودع]. وفي العتبية سئل
стр. 231
أصبغ عمن استودع وديعة ثم طلبها صاحبها منه فقال والله ما أدري دفعتها إليك أو ضاعت مني قال: لا أرى عليه ضمانا إلا أن يكون دفعها إليه ببينة فلا يبرأ إلا أن يقيم البينة على دفعها.
باب في التعدي في الوديعة
قال محمد: قال سحنون: قلت لابن القاسم: فمن استودع وديعة فأنفقها على أهل صاحبها أو ولده وصدقوه؟ قال: هو ضامن ور ينفعه تصديق أهل صاحب الوديعة إلا أن يقيم على الإنفاق بينة وكان ما أنفقه عليهم يشبه [ما قال] ولم يكن صاحب الوديعة يبعث بالنفقة.
قلت له: فمن استودع إبلا أو بقرا أو غنما فأنفق عليه؟ فقال: سئل مالك عن رجل استودع رجلا دابة فغاب صاحبها فأنفق عليها المستودع؟ فقال: يرفع ذلك إلى السلطان فيبيعها ويعطيه نفقته التي أنفق عليها إذا قام ببينة أنه أودعها إياه.
стр. 232
قلت له: فإن لم تكن له بينة على النفقة وله بينة أنها عنده وديعة منذ سنة فادعى أنه أنفق عليها سنته تلك؟ فقال: له ما أنفق.
قلت: فمن استودع عبدا فبعثه في حاجة فذهب ولم يرجع؟
فقال: إن كان بعثه في سفر أو أمر يعطب في مثله فهو ضامن وإن كان أمرا قريبا مثل أن يقول له: اذهب إلى باب الدار لشراء بقل أو نحوه لم يضمن.
قلت: فمن استودع إبلا فأكراها أيكون كراها لربها؟ فقال: هو مخير إن سلمت الإبل ورجعت بحالها في أن يأخذها ويأخذ كراءها وفي أن يتركها وكراءها ويضمنه قيمتها إن كان قد حبسها عن أسواقها ومنافعها.
باب فيمن دفن وديعة ونسي الموضع، أو دفعت إليه في المسجد فذهبت قبل خروجه منه
قال محمد: وفي العتبية قيل لأصبغ: فمن استودع وديعة فدفنها في موضع فلما طلبت منه قال: دفنتها ولا أدري أين الموضع؟ قال: هو ضامن، لأنه مضيع بخلاف من قال: دفنتها
стр. 233
ثم لم أجدها في الموضع الذي دفنتها فيه لأنه هاهنا /بينها بمنزلة ما لو قال سقطت مني.
قال أصبغ، سمعت ابن وهب وسئل عن رجل استودع وديعة وهو في المسجد أو في مجلس فجعلها على نعليه فذهبت، أعليه ضمان؟ قال: لا.
стр. 234
كتاب الرهن
باب في ارتهان الحيوان
وفي المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم: فمن ارتهن حيوان فضل أو أبق أو مات ممن يكون ضمان ذلك؟ قال: من الراهن وهو قول مالك والدين كما هو على الراهن.
قلت له: فإن لم يعرف أن العبد أبق أو أن الدابة ضلت إلا بقول المرتهن؟ قال القول قوله مع يمينه.
قلت له: فمن ارتهن أمة حاملا أو حملت بعد الرهن أيكون ولدها رهنا معها؟ قال: نعم، وهو قول مالك.
قلت: فإن ماتت الأم؟ فقال: يكون الولد رهنا بجميع الدين.
قلت له: فإن كان للأم مال أو وهب لها بعد الارتهان أيكون رهنا معها؟ قال: لا، إلا أن يشترط ذلك المرتهن.
стр. 235
قلت له: ويجوز أن يشتر مالها وهو مجهول، قال: نعم.
قلت له: فمن ارتهن غنما أتكون أصوافها وأبانها وأولادها رهنا معها؟ قال: أما أولادها فهم رهن معها، وأما الأصواف والألبان فلا يكون رهنا معها إلا أن يكون الصوف كان عليها يوم ارتهنها، وكان قد تم، فيكون حينئذ رهنا معها.
قلت: فمن ارتهن عبدا له خراج أيكون خراجه رهنا [معه]؟ قال: لا، إلا أن يشترط ذلك.
باب في ارتهان الثياب والطعام والحلي والعين
قال محمد: قال سحنون: قلت لابن القاسم: هل يجوز أن ارتهن عينا؟ قال: قال مالك: إن طبع عليه (وإلا فلا، وكذلك كل ما يكال أو يوزن من الطعام وغيره فلا بأس بارتهانه إذا طبع) عليه وحيل بين المرتهن وبين أن يصير إلى الانتفاع به ثم يرد مثله إن استهلكه لأنه لا يعرف بعينه.
قلت له: فالحلي أيجوز ارتهانه؟ قال: نعم.
قلت له أفلا يخاف أن ينتفع بلبسه؟ قال: لا، وهو مثل
стр. 236
الثياب لأنه لا يستطاع في الحلي والثياب أن يأتي بمثلها لأنها تعرف بأعيانها.
قلت له: فمن ارتهن خلخالين فضة بمائة درهم فاستهلكهما؟
قال: عليه قيمتهما من الذهب (وتكون القيمة رهنا وتوضع على يدي عدل، فإذا حل الحق فإن أوفاه الراهن حقه أخذ) الذهب وإلا صرفت له [فيستوفي] حقه منها.
قلت له: أرأيت ما ضاع من ذلك ممن يكون؟ فقال: كل ما يغاب عليه إذا ضاع ظاهرا بغير سبب من المرتهن تقوم على ذلك بينة فهو من الراهن.
قلت له: فإن غرم المستهلك للراهن قيمته أتكون القيمة رهنا؟
فقال: أحب ما فيه إلي أنه إن أتى الراهن برهن ثقة أخذ القيمة وإلا كانت القيمة رهنا.
стр. 237
باب في ارتهان الثمر والشجر والزرع
قال محمد: قال سحنون: قلت لابن القاسم: فإن ارتهنت نخلا فيه ثمر قد أزهى أو أبر أو لم يؤبر أتكون الثمرة رهنا مع النخيل؟ قال: قال مالك لا تكون الثمرة رهنا مع النخل إلا أن يشترط ذلك المرتهن وكذلك كل ثمرة تخرج في النخل بعد الارتهان، وإن كان اشترط المرتهن الثمرة كان ذلك جائزا كانت في النخل ثمرة أو لم تكن يوم الرهن.
قلت له: أيجوز أن ترتهن الثمرة قبل بدو صلاحها أو بعد ما بدا؟ قال: نعم. وهو قول مالك، وكذلك الزرع إذا حاز ذلك وقبضه وكان هو الذي يسقيه وجعله على يدي رجل بإذن الراهن ليسقيه ويليه ويحوزه له، وأجر السقي على الراهن وكذلك قال مالك في العبد والدابة والوليدة إذا كانوا رهنا أن نفقتهم وما يحتاجون إليه على أربابهم.
قلت له: ويكون للمرتهن أن يقبض النخل قال: نعم لأنه لا يقدر على قبض الثمن وحوزها وسقيها إلا بقبض النخل ولا تكون
стр. 238
رقاب النخل رهنا وإن فلس الراهن وقد حاز المرتهن الثمرة بما وصفت لك كانت الثمرة له والنخل للغرماء وكذلك /الزرع في جميع ما وصفت لك لأنه لا يستطيع على قبض الزرع إلا بقبض الأرض.
قلت له: فمن ارتهن ثمرا أو زرعا لم يبد صلاحها فمات الراهن قبل حلول الأجل وقبل أن يحل بيع الثمرة؟ فقال: إن كان للراهن مال أخذ منه الحق وكانت [الثمرة] والزرع للورثة وإن لم يكن للميت مال استؤني بالثمرة والزرع فإذا حل بيعها بيعا وأخذ المرتهن حقه.
قال مالك ولا بأس بارتهان الثمرة والزرع في سلم طعام أو غيره وإن لم يبد صلاحها وكذلك في القرض.
قال ابن القاسم: وجوز أهل العلم ارتهان غلة الدور وغلة الغلام.
باب فيما يبطل به الرهن
قال محمد: قال سحنون: قلت لابن القاسم: فمن ارتهن رهنا فلم يقبضه حتى قام الغرماء على الراهن؟ فقال: قال مالك يكون
стр. 239
المرتهن أسوة الغرماء ولا يكون أولى بالرهن.
قلت: فمن ارتهن رهنا ثم استعاره منه الراهن ثم قام بطلب استرجاعه؟ فقال: إن كان أعاره على ذلك فله أن يسترجعه، وإن استحدث الراهن دينا أو مات قبل أن يقوم عليه المرتهن كان أسوة الغرماء.
قال ابن القاسم: وإذا رد المرتهن الرهن إلى الراهن بأي وجه كان حتى يكون الراهن هو الحائز له فقد خرج من الرهن.
قلت له: فمن باع سلعة من رجل على أن يعطيه عبدا بعينه رهنا وافترقا قبل أن يقبض العبد ثم قام يطلبه أيكون له أن يأخذه؟ قال: نعم وإن [قام] عليه الغرماء قبل أخذه كان فيه أسوة الغرماء. قلت له: فمن ارتهن أرضا فأذن للراهن أن يزرعها أتكون خارجة من الرهن؟ قال: نعم، فإن زرعها ربها ولم يخرجها من يد المرتهن، فقال: إذا زرعها فقد خرجت من يده.
قال ابن القاسم: ومن ارتهن دارا ثم أذن للراهن أن يسكنها أو
стр. 240
يكريها فقد خرجت من الرهن وإن لم يسكنها أو يكريها.
قال مالك: ومن رهن رهنا ثم باعه بغير إذن المرتهن لم يجز بيعه إلا أن يجيزه المرتهن، فإذا أجازه جاز وعجل للمرتهن حقه ولم يكن للراهن أن يأبى ذلك وإن باعه بإذن المرتهن فقال المرتهن: لم آذن لك في بيعه لتأخذ ثمنه أحلف على ذلك، فإن أتى الراهن برهن يشبه الرهن المبيع أخذه المرتهن رهنا وكان الثمن له وإن لم يقدر على رهن مثل الرهن الأول وقف الثمن إلى محل أجل الدين.
قال محمد: قول مالك في هذه المسألة إنما هو إذا باعه الراهن بعد أن حازه المرتهن، وأما إن باعه بحضرة البيع وقبل أن يحوزه المرتهن والثمن مؤجل لم يرد ولم يعجل للمرتهن حقه ويوضع له رهن مكانه ولا ينقض ما بينهما من بيع أو سلف، وكذلك قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز، قال: وإن باعه بعد أن طال [تركه] في يده مضى البيع ولم يكن له أن يأخذه برهن غيره.
قال سحنون قلت له: فإن أمكن المرتهن الراهن من بيع
стр. 241
الرهن فأخرجه من يده إليه؟ قال: هذا نقض للرهن.
قلت له: فمن رهن أمة ثم أعتقها أو دبرها أو كاتبها؟ فقال: قال مالك: إن أعتقها وله مال أخذ المال منه فدفع إلى المرتهن، وعتقت الجارية وأنا أرى التدبير جائزا وتكون رهنا بحالها لأن للرجل أن يرهن مدبرته في قول مالك، وأما المكاتبة فهي عندي بمنزلة العتق إن كان للسيد مال أخذ منه ومضت الكتابة.
قال محمد: وإن لم يكن له مال ردت الكتابة إلا أن تكون قيمة الكتابة مثل الدين فتباع الكتابة وحدها في دينه فإن وطئها الراهن فأحبلها، فقال مالك: إن كانت مخلاة تذهب في حوائج المرتهن فهي أم ولد للراهن، وتخرج عن الرهن، وكذلك إن وطئها بإذن المرتهن وإن كان إنما وطئها على التسور عليها بغير إذن المرتهن وكان له مال أخذ منه ودفع إلى المرتهن وكانت أم ولد، وإن لم يكن له مال بيعت بعد أن تضع حملها ولم يبع الولد، فإن نقص ثمنها عن حق المرتهن أتبع سيدها بذلك.
стр. 242
باب فيما يحدثه المرتهن في الرهن
قال محمد: وفي المدونة قال مالك: ومن ارتهن رهنا فباعه أو وهبه فإنه يرد ويتبع الذي اشتراه المرتهن فيأخذ منه الثمن./
قال محمد: زاد ابن المواز عن أشهب أنه قال: وإن فات رده فعلى المرتهن الأكثر من الثمن أو قيمته يوم باعه ويدفعه إلى الراهن ولا يتعجله المرتهن لأنه فسخ رهنه قال: ولو وضع الرهن على يدي عدل فباعه تعديا وفات، لغرم الأكثر كما قلنا وعجل المرتهن دينه إن كان ذلك كصفة الدين.
قال سحنون قلت لابن القاسم: فإن أجر المرتهن الرهن أيكون بذلك خارجا من الرهن؟ فقال: إن كان الراهن أذن له في ذلك فلا يكون خارجا من الرهن، إذا ولى المرتهن ذلك، وكذلك لو أعاره المرتهن بأمر الراهن، إذا كان المرتهن هو الذي تولى ذلك دون الراهن.
قلت له: فمن ارتهن جارية فوطئها فولدت منه؟ فقال: يقام
стр. 243
عليه الحد ويكون الولد رهنا معها ويكون عليه ما نقصها وطؤه بكرا كانت أو ثيبا.
قلت له: فغن اشتراها المرتهن بعد ذلك أو اشترى ولدها أيعتقان؟ قال: "لا"، لأن نسب الولد يثبت منه.
باب ما يجوز من الشروط في الرهن وما لا يجوز
قال محمد: قال سحنون: قلت لابن القاسم: فمن رهن رهنا وقال للمرتهن: إن جئتك إلى أجل كذا وإلا فالرهن لك بما أخذت منك قال: قال مالك هذا رهن فاسد من قرض كان أو من بيع ويفسخ فإن لم يفسخ حتى حل الأجل لم يكن للمرتهن في الرهن شيء، ويرد إلى صاحبه ويأخذ المرتهن دينه.
قال ابن القاسم: قوله يفسخ معناه إن كان أقرضه إلى سنة فإنه يفسخ قبل السنة، وأما ما لم يدفع إليه الراهن حقه فليس له أن يخرجه من يده والمرتهن أولى به من الغرماء إن فلس الراهن، وكذلك إن كان إنما رهنه من بيع فهو في هذا والقرض سواء.
قال مالك: وإذا مضى الأجل والرهن في يدي المرتهن أو قبضه من أحد كان قد جعل على يديه فإن أدركه بحضرة ذلك رد
стр. 244
الرهن وإن تطاول ذلك بعد الأجل وحالت أسواقها أو تغير بزيادة أو نقصان لم يرد ولزمته القيمة فيه يوم حل الأجل.
قال ابن القاسم: ويقاصه بالدين الذي كان للمرتهن على الراهن من قيمة السلعة ويترادان الفضل وهذا في السلع والحيوان، وأما في الدور والأرضين فليس حوالة أسواقها ولا طول زمانها فوتا ويرد إلى الراهن ويأخذ دينه وهو قول مالك.
قلت: فإن انهدمت الدار أو بني فيها بنيانا؟ قال: الهدم والبناء والغرس في الدور والأرضين فوت عند مالك، وسواء هدمها المرتهن أو تهدمت بأمر من السماء، وهذا والبيع الفاسد سواء.
قلت له: فهل يجوز للمرتهن أن يشترط شيئا من منفعة الرهن؟ فقال: إن كان من بيع فذلك جائز، وإن كان من قرض فلا يجوز لأنه سلف جر منفعة، إلا أن مالكا قال لي: إذا باعه بيعا وارتهن رهنا واشترط منفعة الرهن إلى أجل، فلا أرى به بأسا في الدور والأرضين، وأكره ذلك في الثياب والحيوان، قال ابن القاسم: وأنا لا أرى به بأسا في الحيوان وغيره إذا ضرب لذلك أجلا، لأنه إنما باعه سلعته بثمن سماه، ويعمل هذه الدابة أو بلباس هذا الثوب، فيصير بيعا وكراء، وإنما استثقله مالك لأنه قال: لا أدري كيف ترجع
стр. 245
إلى الدابة والثوب.
قلت له: فالرهن إذا جعل على يدي عدل أو على يدي المرتهن إلى أجل كذا فإن جاء هذا الراهن بحقه إلى ذلك الأجل وإلا فالذي على يديه الرهن مسلط على بيعه ويأخذ المرتهن من ذلك حقه؟ قال: قال مالك: لا يبعه إلا بأمر السلطان فإن باعه نفذ البيع.
قال مالك: وإن لم يشترط أيضا أن يبيعه إذا حل الأجل فله أن يرفعه إلى السلطان فإن أوفاه [حقه] وإلا باع الرهن وأوفاه حقه.
قلت له: فمن ارتهن دارا واشترط أن يقبض كراءها حتى يستوفي حقه؟ فقال: قال مالك: إن كان دينه من بيع فلا يجوز شرطه هذا وإن كان من قرض فذلك جائز. قال ابن القاسم: وإنما كرهه إذا كان من بيع، لأنه لا يدري ما يقتضي أيقل أم يكثر؟ ولعل الدار تتهدم قبل أن يقتضي الكراء، وإنما هذا إذا وقعت صفة البيع بهذا الشرط، وأما إن لم تقع عليه ثم أذن له بعد ذل أن يكريها ويأخذ كراءها حتى يستوفي حقه لم يكن بذلك بأس.
стр. 246
باب في الرهن يأمر السلطان ببيعه فيضيع ثمنه /
قال محمد: قال سحنون: قلت لابن القاسم: فمن كان عنده رهن بحق إلى أجل فلما حل الأجل رفع الرهن إلى السلطان، فأمر السلطان رجلا ببيعه، فباعه وضاع الثمن عند المأمور، ممن يكون ضمانه؟ وهل يكون على المأمور شيء؟ فقال: لا ضمان على المأمور، وإن اتهم أحلف على ما زعم من الضياع، وضياع الثمن من المرتهن.
قلت له: فإن قال المأمور: قد دفعت الثمن إلى المرتهن؟
قال: القول قول المرتهن.
قلت: فلو أن الذي أمره السلطان ببيع الرهن قال بعته بمائة ودفعتها إلى المرتهن، وقال المرتهن بل بعت بخمسين وقبضتها؟
فقال: المأمور ضامن للخمسين، لأنه قد أمر أنه باع بمائة إلا أن تقوم له بينة على دفع الجميع.
قال محمد لم يبين في هذه الرواية من يقبض الخمسين التي يضمنها المأمور وقد ذكر ابن المواز عن أشهب أنه قال: لا يضمن
стр. 247
الخمسين الباقية للمرتهن لأنه قد أقر أنه باع بخمسين، ولكن يضمنها للراهن.
قال أشهب: ولو قال المرتهن لا أدري بكم باع ولم يدفع إلي إلا خمسين لكان له قبض الخمسين الباقية ثم يكون أولى بها من الغرماء.
باب في الدعوى والاختلاف في الرهن
قال محمد: قال سحنون: قلت لابن القاسم: فإن اختلف الراهن والمرتهن في حلول أجل الحق، فقال المرتهن: قد حل، وقال الراهن: لم يحل؟ [فقال] القول قول الراهن، لأن المرتهن قد أقر بالحق أنه إلى أجل إلا أن يدعي الراهن من الأجل ما لا يشبه فلا يصدق.
قلت: أرأيت إن ارتهنت رهنا قيمته مائة دينار فقلت: ارتهنته بمائة وقال الراهن بل بخمسين؟ قال مالك: القول قول المرتهن فيما بينه وبين قيمة الرهن.
قلت: فإن ادعى المرتهن أكثر من قيمة الرهن؟ قال: لا يصدق، ويحلف الراهن، فإذا حلف برئ مما زاد على قيمة الرهن،
стр. 248
وأدى قيمة رهنه وأخذه وإلا فلا سبيل له.
قلت: فإن كان الرهن قد ضاع فاختلفا في قيمته؟ قال: [يتواصفانه] ويكون القول قول المرتهن في الصفة (ثم يدعى لتلك الصفة المقومون فيما رهن به الرهن قول المرتهن) إلى أن يبلغ قيمة هذه الصفة وهو قول مالك.
قال محمد: زاد يحيى بن يحيى في هذه المسألة عن ابن القاسم أنه قال: وإنما صدقه مالك فيما يدعي فيما بينه وبين قيمة الرهن إذا كان هلاك الرهن غير معروف ووجب ضمانه على المرتهن.
قال محمد ولو تواضعا الرهن على يدي أمين ثم اختلفا فيما رهن به ولم يكن لهما بينة فالقول قول الراهن مع يمينه لأنه لم يسلم الرهن في يدي المرتهن ولا قبضه، كذلك قال أصيغ.
قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت إن ارتهنت من رجل
стр. 249
سلعة قيمتها ألف درهم، ثم حالت أسواقها فصارت تساوي ألفي درهم فتصادقنا على أن قيمتها كانت يوم قبضت ألف درهم وأن أسواقها قد حالت بعد ذلك فصارت تساوي ألفين، وادعى الراهن إنما رهنها بألف درهم وقال المرتهن بألفي درهم فقال: قال مالك: إنما ينظر إلى قيمة الرهن يوم يحكم (فيه فيكون القول قول المرتهن فيما بينه وبين قيمة السلعة يوم يحكم عليها [فأرى في مسئلتك أن القول قول المرتهن فيما بينه وبين قيمة السلعة يوم يحكم] ولا ينظر إلى قيمتها يوم قبضت وإن كانا قد تصادقا فيها).
وفي سماع عيسى قال ابن القاسم: كل من ارتهن رهنا مما يغاب عليه فهلك فالقيمة فيه يوم رهنه وإن تداعيا في الحق والرهن قائم فالقيمة فيه يوم تداعيا.
وفي سماع ابن القاسم: سئل مالك عن رجل هلك وعنده سيف رهنا فجاء صاحبه إلى ورثته فقال: إنما رهنه بدينار، وقال الورثة: لا علم عندنا بما رهنته به إلا أن سيفك قيمته خمسة دنانير. فقال: يحلف ويأخذه.
стр. 250
ولو قال: رهنته بخمسة وقضيته أربعة وبقي دينار وكان قيمة السيف خمسة لم يأخذه حتى يغرم الخمسة.
وسئل مالك عن رجل دفع إلى رجل رهنا ثم قبضه منه ودفع إليه حقه ثم جاء صاحب الحق بعد ذلك يدعي أنه أعطاه الرهن وأنه لم يوفه حقه كله وقد أعطاه بعضه، فقال: أرى أن يحلف الراهن ويسقط عنه ما ادعى عليه.
باب في المرتهن ينفق على الرهن ومن اشترى لرجل سلعة ونقد عنه وأراد أن يحبس السلعة رهنا حتى يدفع إليه ما نقد /
قال محمد: قال سحنون: قلت لابن القاسم: فما أنفق المرتهن على الرهن بإذن الراهن أو بغير إذنه أتكون تلك النفقة في الرهن؟ فقال: قال مالك: النفقة على الراهن.
قال ابن القاسم: فإن كان أنفق المرتهن بإذن الراهن فإنما هو سلف ولا يكون في الرهن، ولا يكون له حبسه بذلك، إلا أن يقول له: أنفق على أن نفقتك في الرهن، فإن قال له ذلك كان له أن يحبس الرهن بما أنفق عليه وبما رهنه فيه، إلا أن يكون له غرماء
следующие страницы →