الذين كانوا يعيشون في المدينة، ووفاءه بعهدهم حتى نقضوه، وكذلك تحريمه لقتل الذمي، وغيرها من الأدلة على ذلك، الا ان فكرة التطبيع تقوم على المذهب الفكري الباطل الذي يقوم على التقارب والتآلف بين الأديان المختلفة، وعدم تكفير اليهود والنصارى وأصحاب الديانات غير السماوية، وذلك باعتبار أن الكل يعبد الله على مبدأ الديانة الابراهيمية. وفي هذا خلط للأمور وكذب وتشويش على المسلمين بما لا يخفى على أحد. فهذه الديانات أصلها سماوي، ولكن طرأ عليها التزوير والتحريف والإضافة. وقد كفَّر القرآن اليهود والنصارى ونهى حتى عن موالاتهم، حيث قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا اليهود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١). وتوليهم والتطبع بطباعهم وفتح باب بلاد المسلمين ومقدساتهم لهم لا يرضي الله ورسوله ولا أي مسلم غيور على دينه. وقد بدت آثار هذا التطبيع في مجتمعاتنا بما لا يخفي على أحد. وهم مع ذلك يضمرون الشر للمسلمين ولا يحبوهم. قال تعالى (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليهود وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) (٢).
تكفير القرآن لليهود والنصارى وغير المسلمين:
لقد كفّر القرآن اليهود والنصارى وكل أصحاب الديانات الأخرى في مواضع كثيرة. قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (٣). وفي هذا رد على من يقول بعدم كفر اليهود والنصارى أو أن دينهم مقبول. فمتبعي الديانات السماوية الأخرى عليهم إتباع الرسول محمد بعد إرساله، لأنه أرسل إلى الناس كافة، ورسالته نسخت ما قبلها من الديانات السماوية. ولا شك في أنها تم تحريفها ودخل فيها الشرك والأقاويل الباطلة على الله وعلى أنبيائه. فنجد النصارى ينسبون الولد لله – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وفي هذا كفر بصريح القرآن الكريم. قال تعالى: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) (٤). وقال أيضاً: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (٥). وجاء في الحديث الصحيح: (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من
стр. 107
أصحاب النار) (١). وجاء (عن النبي ﷺ حين أتاه عمر، فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟! لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي) (٢). وفي هذه الأدلة وغيرها دليل واضح على كفر النصارى واليهود وكل من اتخذ غير الإسلام دينا ولم يؤمن بمحمد ﷺ بعد بعثته وقد سمع به.
تفضيل اليهود على المسلمين في التطبيع:
وبعد أن إنتشر التطبيع مع اليهود خاصة ومع أصحاب الديانات الأخرى عامة في بعض الدول العربية. وتم السماح لهم بدخول بلاد المسلمين ونيلهم من الميزات والحقوق ما لم ينله المسلمين من البلدان المجاورة. وربما نالوا بعض الميزات التي لم يحصل عليها حتى أصحاب البلد المطبع نفسه. فيا للعجب والخزي بما يحدث في بلادنا اليوم من رفع شأن أعداء الإسلام الذين أذاقوا الفلسطينيين مرائر العذاب بما يقارب القرن من الزمان. فأين أخوة الإسلام؟! … اليس الفلسطينيون هم أخوتنا في الدين وأقرب إلينا من هؤلاء الذين لا يتوانون من إيذاء المسلمين؟ فلماذا هذا التنازل … هل التبس الامر على المسلمين لهذا الحد … ام أنهم يتعامون عنه لمصالح دنيوية أو لمزيد من النمو في الاقتصاد!! ألم يكف كل ما فتح الله به عليهم من أموال وجاه؟!
التطبيع مع اليهود والديانات الاخرى وفكرة الديانة الإبراهيمية من منظور مقاصد القرآن:
• مبدأ الديانة الإبراهيمية بما يقوم عليه من قبول جميع الديانات باطل. وقد بينا سابقاً كفر اليهود والنصارى وغير المسلمين بالأدلة من الكتاب والسنة. وهو يخالف مقصد إصلاح الإعتقاد وتعليم العقد الصحيح.
• مما لا شك فيه أن اليهود اعداء حرب بتعذيبهم الفلسطينيين واعتداءهم على أرضهم وعرضهم. وموالاتهم هي موالاة لأعداء الله وتتناقض مع مقصد إصلاح الإعتقاد وتعليم العقد الصحيح.
• موالاتهم فيها قسوة على المسلمين في فلسطين، وتتناقض مع مقصد تهذيب الاخلاق، كما أنها فيها سوء أدب مع الله وتناقض مقصد إصلاح المعتقد ايضاً.
стр. 108
• فتح بلاد المسلمين لهم وتمليكهم الأراضي شيء لا يحمد عقباه ولا ندري ما الذي سيعقبه، ويتناقض مع مقصد سياسة الأمة وإصلاحها. وقد بدأوا بالفعل في التأثير على المجتمع الذي نراه ظاهراً من مقاطع في شبكات التواصل الإجتماعي ونشر الفساد وهذا يتناقض مع مقصد تشريع الاحكام عامها وخاصها.
• موالاتهم والتطبيع معهم فيه إصرار على معاداة الله ورسوله وتتناقض مع مقصد المواعظ، والانذار، والتحذير، والتبشير.
النصائح والضوابط المقترحة:
على المسلمين تقوى الله ، وعدم موالاة الكفار وخاصة اليهود، فهم قتلوا المسلمين في فلسطين، وسرقوا منازلهم، وسجنوا أطفالهم، وهتكوا أعراضهم، فماذا بعد الحق الا الضلال؟ الا يكفي هذا لبيان أنهم أعداء حرب وأنه لا تجوز موالاتهم باي شكل؟!
المطلب العاشر: نشر أفكار السحر والشعوذة بين الناس:
السحر والشعوذة من الأفكار الفاسدة التي تنقل عبر شبكات التواصل الإجتماعي كاليوتيوب والفيس بوك والتي يقوم بنشرها الدجالين ليضحكوا بها على عقول العامة ويأكلون أموالهم بغير حق. ومن أكثر الفئات المستهدفة النساء والفقراء وقليلي التفقه في الدين. وفي هذا فساد كبير، وضرر على المجتمع وعلى المسحورين. وكذلك نشر أفلام السحر والشعوذة في قنوات التلفاز يلعب دور في الترويج لها. ومنها الفلم العالمي الشهير هيري بوتر والذي يدمن عليه الصغار والشباب. وهذا الفلم بعالميته وشهرته الكبيرة يقوم من أوله إلى آخره على تعليم الشعوذة؛ وهو محبب للصغار. كما أن هناك غيره الكثير من الأفلام وبرامج وألعاب الأطفال ما يروج السحر للأطفال ويصوره في صورة محببة بريئة وداعية للإنبهار والتعجب. ولذا يتربى به جيل لا يرون بالسحر شيء ويأخذونه كموضوع للعب دون أن يعلم الأهل بذلك ليوعوا ابناءهم بخطره. فلا بد من تعليمهم أن السحر باب شر، وكثيرا ما يرتد على الساحر. ولا يلجأ إليه الا قليلي الإيمان. والسحر حرام بالكتاب والسنة والإجماع. قال
стр. 109
تعالي: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (١). فمن كانت عنده حاجة يريدها في غير شر فليسأل الله تعالى ويلح في طلب السؤال. وليتيقن بأن الله تعالى سيستجيب له إما بتلبية دعاءه أو بما هو أفضل منه. فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذا نكثر، قال: الله أكثر) (٢). والإعتماد على الله والتوكل عليه في قضاء الحوائج باب من أبواب الإستجابة والتوفيق.
السحر من منظور مقاصد القرآن الكريم عند ابن عاشور:
• إن السحر محرم بالإجماع، ولذا هو يتناقض مع مقصد التشريع للأحكام.
• السحر فيه ضرر للناس واذى للمسلمين دون رحمة بالمسحورين ولذا هو يتناقض مع المقصد الأعلى للقرآن وهو صلاح الأحوال الفردية والجماعية.
• السحر كفر وفيه افساد لعقيدة الناس ودعوتهم للتعلق بغير الله في طلب حوائجهم، سواء من الهة باطلة أو اسحار وشعوذة او غيره، ولأن السحر يتم بعد الاستعانة بمردة الشياطين ويظهر الساحر التذلل لها ولذا هو يتناقض مع مقصد إصلاح الإعتقاد وتعليم العقد الصحيح.
• السحر يلحق الضرر بالناس مثل إيقاع الخلاف بين الأزواج مما قد يصل إلى حد الطلاق. وكذلك قد يقوم بعضهم بعمل سحر المحبة مما يجعل المسحور يقع في حب الذي جلب السحر وفي هذا استغلال للناس وهي صفات ذميمة. ولذا السحر يتناقض مع مقصد تهذيب الأخلاق.
• من يقوم بالسحر ولا يبطله يقدم على فعل كبيرة من الكبائر ويصر عليها وهذا يعارض مقصد المواعظ والإنذار والتحذير والتبشير، حيث لا يردع الساحر ولا يستمع للإنذار والوعيد بالعقوبة في الآخرة إذا لم يتب.
стр. 110
النصائح والتوجيهات المقترحة:
• يجب نشر الوعي في المجتمع وتعليم جهال الناس عامة لا سيما من النساء أن السحر كفر ومحرم، وأن أذى الناس حرام. وتذكيرهم بوعد الله ووعيده.
• يجب ابلاغ السلطات عن أماكن السحرة والمشعوذين للقبض عليهم وحماية المجتمع من شرورهم.
• قراءة اذكار الصباح والمساء والتحصين بآية الكرس والمعوذتين في الصباح والمساء.
• على من وجد سحر في بيته أو متاعه أن يعمل على حله. ويُستحسن لمن يجد سحر ملقى في الأماكن العامة كالشواطئ والمقابر ونحوها أن يعمل على حله أو رده على من له خيرة به لحله وتحرير المسحورين منها، ابتغاء الأجر عند الله ونفع الناس.
• يجب حظر قنوات السحر والشعوذة إن أمكن، ومنع عرض الأفلام التي تروج لها كفلم هيري بوتر وغيره.
المطلب الحادي عشر: ظهور كذابين يدعون النبوة في مواقع التواصل الإجتماعي:
من الآفات التي ظهرت في مواقع التواصل ظهور كذابين يدعون النبوة. وقد تبعهم بعض عوام الناس في غيهم. وقد تكررت هذه الظاهرة في عدة بلدان عربية والإسلامية. وعادة ما يظهر هؤلاء من خلال مواقع التواصل الإجتماعي. وقد تعلمنا من ديننا الحنيف أن محمداً ﷺ هو آخر النبيين، وذلك بدليل القرآن والسنة. فقد قال تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (١). وعن جابر بن عبد الله قال: قال ﷺ : (مثلي، ومثل الأنبياء كرجل بنى دارا، فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة،
стр. 111
فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون: لولا موضع اللبنة) (١). وقد أرسله الله تعالى إلى الناس كافة، عربيهم، وعجميهم وشرقيهم وغربيهم. قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) (٢). وظهور ظاهرة من يدعون النبوة من مع علامات الساعة الصغرى. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله) (٣).
ادعاء النبوة من منظور مقاصد القرآن الكريم:
• ادعاء النبوة أمر يخالف العقيدة الصحيحة، حيث من أساسيات معتقداتنا أن محمد ﷺ هو خاتم النبيين، وفي هذه الإدعاءات ما يناقض مقصد إصلاح الإعتقاد وتعليم العقد الصحيح.
• ادعاء النبوة فيه قول على الله بغير علم ولا دليل وهذا كبيرة من الكبائر ويتناقض مع مقصد التشريع ومقصد المواعظ، والإنذار، والتحذير، والتبشير.
• مدعى النبوة أقوام جهلة بدين الله، فما تعلموا العقيدة الصحيحة ولا ما جاء في الكتاب والسنة من إثبات أن محمد ﷺ هو خاتم النبيين، وهذا يتناقض مع مقصد التعليم.
• ادعاء النبوة فيه زعزعة للأمة وانقسامها وهذا يتناقض مع مقصد سياسة الأمة.
• ادعاء النبوة يتناقض مع مقصد الاعجاز بالقرآن الكريم الذي أكد على الناس أنه خاتم النبيين.
النصائح والتوجيهات المقترحة:
• يجب نشر الوعي والتعليم بين عامة المسلمين وإرشادهم إلى النبي ﷺ هو آخر الأنبياء والمرسلين.
• يجب حظر حسابات المدعين في مواقع التواصل الإجتماعي وغيرها.
стр. 112
• يجب القبض على المدعين وزجرهم.
• يمكن إظهار كذبهم للناس بحوارهم ومجادلتهم بالعقل وسؤالهم عن معجزاتهم.
المطلب الثاني عشر: ظهور مُدعي المهدية في مواقع التواصل الإجتماعي:
ظهر في مواقع التواصل الإجتماعي من يدعي أنه المهدي المنتظر ويدعو الناس لنفسه. ولا شك أن هذا من التدليس، فقد أخبرنا النبي ﷺ عن صفات المهدي المنتظر مما يثبت كذب وتدليس هؤلاء المدعين. وتكرر هذا من عدة أشخاص من البلاد العربية وغيرها، ولم يستطع واحد منهم أن يثبت مهديته حتى الآن.
صفات المهدي المنتظر التي تثبت كذب المدعين:
أهل السنة على أن المهدي حق، وأنه سيظهر على أشراط الساعة، وأنه سيحكم الارض سبع سنوات يملأ فيها الارض عدلاً بعد أن ملأت ظلماً وجورا. وقد جاء ذكره في أحاديث كثيرة منها الصحيح والحسن والضعيف، وأخباره وصلت لحد التواتر. قال رسول الله ﷺ : (يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الارض نباتها، ويعطي المال صحاحا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعا، أو ثمانيا، يعني حجة) (١). ومن صفاته ما ذكره أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، يملك سبع سنين) (٢).
стр. 113
ادعاء المهدية من منظور مقاصد القرآن الكريم:
• ادعاء شخص أنه المهدي المنتظر فيه جهل بالدين وعدم دراية بصفات المهدي التي علمنا لها النبي ﷺ . فقد ورود الحديث الدال على أن المهدي سيكون من آل بيت الرسول ﷺ ، وليس من هؤلاء المدعين من تتوفر فيه هذه الصفة حقيقة. وهذا يتناقض مع مقصد التعليم ومقصد إصلاح الإعتقاد وتعليم العقد الصحيح.
• ادعاء المهدية فيه جرأة والقول علي الله بغير علم وهذا يتناقض مع مقصد المواعظ، والإنذار، والتحذير، والتبشير.
• ادعاء المهدية فيه زعزعة للأمة وتفريق لوحدة المسلمين وهذا يتناقض مع مقصد سياسة الأمة.
• ادعاء المهدية فيه عدم أدب مع النبي ﷺ ويتناقض مع مقصد تهذيب الاخلاق.
النصائح والتوجيهات المقترحة:
• يجب القبض علي مدعي المهدية وتعليمهم وهدايتهم لأنهم يسببون البلبلة في المجتمع والاختلاف بين الناس. وهناك من يُفتتنون بهم من العوام ويتبعونهم في ضلالهم.
• يجب نشر الوعي بين الناس وتعليمهم عن صفات المهدي الصحيحة.
• يجب حجب قنوات مدعيي المهدية وصفحاتهم والتحذير منهم.
المطلب الثالث عشر: نشر الالحاد بين الأطفال والشباب من مستخدمي الهاتف الجوال:
من المصائب التي تدهش السامع والرائي إنتشار الإلحاد بين الأطفال والشباب من مستخدمي الآيباد والهواتف الجوالة. ولوحظ الأمر بجلاء بين أوساط أبناء المسلمين. وقد حذر الشيخ محمد العريفي المسلمين في أحد دروسه من ترك هذه الأجهزة للأطفال دون رقيب. ووردت كثير من القصص عن هذا الموضوع؛ ومنها رسالة
стр. 114
إنتشرت في مواقع التواصل الإجتماعي تتحدث عن شخص يشكو من أن صديقة ابنته قالت لبنته أنها لا تؤمن بالله، رغم أنها من عائلة مسلمة. والمشكلة أن هذا حال كثير من هؤلاء الصغار ممن ينتمون لجيل الآيباد. والرسالة تحكي واقع ملموس في مجتمعنا. ولعل من أكثر ما ساعد في إنتشار الإلحاد بين الصغار والشباب مشاهدة الأفلام، ورسوم الأطفال التي حملت بين طياتها الأفكار والمشاهد الإلحادية، وكذلك الإدمان على ألعاب الحاسوب المليئة بمظاهر الكفر، ومشاهدة يوتيوب لساعات طويلة بمحتوي بعيد كل البعد عن تعاليم ديننا الحنيف. فنجد أثر سنوات قليلة من فعل ذلك يظهر بشكل إلحاد علني بين الأطفال. والأدهى في الأمر أن الأطفال يصرحون بهذا الإلحاد دون خجل ولا يميزون بأن هناك شيء خاطي في تصريحاتهم. كما أن نشر الإلحاد أمر سهل عن طريق هذه الوسائل إذا غاب التعليم الديني والعقد الصحيح. وانشغال النشء بهذه الأجهزة وانشغال أباءهم عن تعليمهم أصول الدين، يجعل لأفكار الإلحاد مرعي خصب للنماء. وللأسف وجدنا هذا في بيوت دعاة ورجال علم، حيث تركوا هذه الأجهزة تدخل بيوتهم وتعبث بعقول أطفالهم دون رقيب ولا هادي. فنجد في زماننا هذا ابن الشيخ الواعظ لا يحسن قراءة الفاتحة، ولكنه يحفظ أسماء الألعاب ويجيد استخدام الحاسوب والهاتف النقال. كما نجد بنت حافظة القرآن تتباهي بين صديقاتها بوضع الروج والخروج سافرة. وهذا من انتكاس الحال وضياع الأمانة. أليس هؤلاء الأبناء هم أمانة من الله عند والديهم! وقد كان رسول الله صلى الله عليه، وهو خير الخلق، يسأل الله الثبات على الدين، ويقول: (يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك قالوا يا رسول الله: آمنا بك وبما جئت به، فما تخاف علينا؟ فقال: نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها) (١). وقال تعالى: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (٢). فما بالنا نحن لا نخشى على أنفسنا وصغارنا من زيغ القلوب ونترك هذه الأفكار الإلحادية تدخل إلى عقول ابناءنا وبناتنا دون رقيب.
نشر الإلحاد من منظور مقاصد القرآن الكريم:
• لا شك أن الإلحاد يتناقض مع مقصد إصلاح الإعتقاد وتعليم العقد الصحيح.
• وهو ينتشر نتيجة الجهل بالدين، فالعكوف على الأجهزة لا يترك وقت ولا مجال لتعلم القرآن وتعاليم الدين؛ وهذا كله يتناقض مع مقصد التعليم.
стр. 115
• الإلحاد ينتج عن عدم الإيمان بالبعث والجزاء وعدم التصديق بالوعد والوعيد، وهذا يتناقض مع مقصد المواعظ، والإنذار، والتحذير، والتبشير.
• الإلحاد يؤدي إلى تفكك الأمة والاختلاف وهذا يتناقض مع مقصد سياسة الأمة ومقصد صلاح الأحوال الفردية والجماعية.
• الإلحاد لا يتأتى مع التصديق بما جاء في قصص القرآن وكيف أن الله تعالى عاقب الأمم لكفرهم، وهذه يتناقض مع مقصد القصص القرآني.
• الإلحاد يؤدي إلى سوء الأخلاق وعدم الاكتراث بتعاليم الدين وغياب الوازع الديني وهذا يتناقض مع مقصد تهذيب الأخلاق.
النصائح المقترحة لمحاربة إنتشار الإلحاد بين الشباب والأطفال:
• يُستحسن وجود الرقيب على أجهزة الأطفال، والأفضل عدم إعطاءهم هواتف نقالة. وإن ترك لهم جهاز آيباد أو غيره فيجب أن يكون مخصص للتعليم واللهو المباح بالألعاب المفيدة والتعليمية ولوقت محدد. ويمكن دخوله عبر حساب أو واجهة مخصصة للأطفال بها ما يتناسب معهم.
• نشر العلم الشرعي وحفظ القرآن ودروس العقيدة والتوحيد بين النشء، ولعل كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب من أفضل الكتب المبسطة والمحبذة للبداية مع النشء لسهولته وأهمية محتواه (١).
• توفير بدائل للأجهزة من اللهو المباح مثل الرياضة وألعاب النوادي وجمعيات الكشافة ونشاطات المدارس ونحوها مما ينجذب إليه الصغار ويستعيضون به عن الهواتف.
المبحث الثاني: الاستخدامات السيئة المخلة بالآداب في شبكات التواصل الإجتماعي
محتويات المبحث الثاني:
• المطلب الأول: السرقات الالكترونية
• المطلب الثالث: ضياع الأوقات والتلهي عن طلب العلم والعبادة
• المطلب الرابع: نشر الشائعات لإشعال الفتن بين الناس بواسطة الهندسة الإجتماعية الإعلامية
• المطلب الثالث: الإسراف في شراء الأجهزة باهظة الثمن
• المطلب الرابع: التجسس على الحكومات والأفراد
• المطلب الخامس: إنتشار مناظر العنف في ألعاب الحاسوب
• المطلب السادس: زيادة حوادث المرور بسبب مواقع الهواتف الذكية ومواقع التواصل
• المطلب السابع: إنتشار الرياء الإجتماعي على حساب الدين
• المطلب الثامن: نشر رسوم الكاريكاتير المسيئة للرسول
• المطلب التاسع: إنتشار الحسد والعين بين الناس في شبكات التواصل الإجتماعي
• المطلب العاشر: نشر فتاوي خاطئة لأغراض دنيوية
• المطلب الحادي عشر: السرقات العلمية
• المطلب الثاني عشر: التعلق الشديد بالمشاهير ونجوم السينما والمطربين
• المطلب الثالث عشر ظاهرة الذباب الإلكتروني
• المطلب الرابع عشر: التجسس على الحكومات والأفراد
• المطلب الخامس عشر: ظاهرة التنمر الإلكتروني
• المطلب السادس عشر: بيع وترويج الخمور عبر الأسواق الإلكترونية.
• المطلب السابع عشر: ترويج وبيع لحم الخنزير عبر الأسواق الإلكترونية
стр. 118
المبحث الثاني: الاستخدامات السيئة المخلة بالآداب في شبكات التواصل الإجتماعي
لقد أصبحت تقنية المعلومات هي الوسيلة الرئيسية للتواصل بين الناس، وحلت شبكات التواصل الإجتماعي محل الزيارات واجتماعات النوادي، بل وحتى حلقات المساجد للأسف. فنجد معظم الناس اليوم يقضون أوقات كبيرة في هذه الأجهزة، ويضيعون فيها الأعمار ويضيعون معها الحقوق والواجبات الدينية والدنيوية. وقد تبين أن متوسط ما يقضيه الفرد على الإنترنت يومياً هو ١٤٢ دقيقة - أي ما يزيد عن ساعتين وثلث - حسب دراسة صدرت من موقع أخبار اليوم عام ٢٠٢١ م (١). وهذا ليس محمود، فوقت المسلم غالي عليه ويحتاج كل دقيقة منه. والاسوأ من هذا أن الامر لا يقتصر على ضياع الوقت فحسب، بل إن كثير من هذه الاستخدامات بها مخالفات شرعية وأمور منكرة. ولذا كان حرياً بنا بحث هذه الاستخدامات وتخير المفيد منها وطرح السيء الذي يكون به مخالفات أو على الأقل يضيع أوقات كبيرة محسوبة علينا من أعمارنا. وسنعاود الوقوف على نقطة الوقت في بحث منفصل، ونبدأ الآن بالتطرق لبعض النماذج السيئة المنتشرة من استخدامات تقنية المعلومات ولا سيما شبكات التواصل الإجتماعي. وسنبدأ بالاستخدامات السيئة لمواقع التواصل الإجتماعي والمواقع الإلكترونية ثم ما اختلط فيه الأمر، ثم الحسن منها.
المطلب الأول: ضياع الأوقات والتلهي عن طلب العلم والعبادة
ان من مساوئ التكنلوجيا لمن لا يحسن إستخدامها أنها تكون سببا في ضياع الأوقات. ونرى هذا في منتشرا بصورة كبيرة في كل الفئات العمرية تقريباً، وإن كانت في الشباب أكثر إنتشارا. ولابد أن في هذا ضرر على الفرد والمجتمع. فوقت الانسان محسوب عليه، ولا ينبغي للمسلم التفريط فيه؛ بل عليه استغلاله فيما يقربه لله ويباعده عن النار. قال تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (٢). والإسراف في الوقت يدخل في عموم الإسراف المنهي عنه. قال رسول ﷺ : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه) (٣). وهذا
стр. 119
يؤكد لنا أننا سوف نُسأل عن أعمارنا وفيما أفنيناها. ولا شك أن في أجهزة الهواتف المحمولة وشبكات التواصل وأفلام اليوتيوب وغيرها ملهاة ومضيعة كبيرة للوقت، خاصة إذا كان إستعمالها فيما لا فائدة له حتى فيما يخص المصالح الدنيوية. وعن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم اتخذ خاتما فلبسه قال: (شغلني هذا عنكم، منذ اليوم إليه نظرة وإليكم نظرة، ثم ألقاه) (١). فقد القى رسول الله ﷺ بخاتمه عندما شغله عن صحابته، أليس حري بنا أن نضع هذه الأجهزة ونستعملها فقط لما صنعت له من اتصالات هاتفية! ونترك ما يجر لمضيعة الوقت منها. وهذا الاستخدام السيء للأجهزة قد يؤدي إلى إضاعة الصلاة والتعليم ونسيان الأهل والواجبات الدنيوية. ونذكر بعض الصور المنتشرة كمثال لضياع الساعات الطويلة فيها يلي:
- مشاهدة الأفلام الرومانسية أو البوليسية او الهندية وغيرها يضيع أوقات طويلة، خاصة وأن كل فيلم يستمر عادة ساعتين أو ثلاث. بالإضافة إلى ما تحتويه هذه الأفلام من معاصي كالقتل والزنا وشرب الخمر والسفور والاختلاط والموسيقى وغيرها من المحرمات.
- مشاهدة الأطفال الرسوم المتحركة لأوقات طويلة يلهيهم عن واجباتهم المدرسية وتعلم القرآن والصلاة.
- ضياع الأوقات الطويلة في محادثات الغرف الصوتية والمنتديات وأركان الحوار، والتي يكون كثير منها مما لا طائل تحته وليس له محتوى هادف أو نافع.
- ممارسة العاب الحاسوب والجوال لأوقات طويلة يومياً تجعل الشخص مدمناً عليها، ولا يكترث بأي شيء حوله سوى الفوز في هذه الألعاب والاستزادة منها.
- ضياع الأوقات في العاب الواقع الافتراضي (VR =Visual Reality)، والتي تعيّش اللاعب في جو كالحلم وتلهيه عن كل ما يدور حوله في الواقع.
- ضياع الأوقات في حب وادمان لغات البرمجة ومتاهاتها واتخاذها هواية. وهذا قد رأيناه يحدث بالفعل مع كثير من الشباب. ورغم ان تعلم البرمجة في حد ذاته أمر جيد، ولكن ادمانها لحد ضياع الشهور والسنين فيها أمر غير محمود.
- ضياع ساعات طويلة في مشاهدة قنوات اليوتيوب المختلفة حتى ولو كانت مفيدة. ومن أمثلتها قنوات الطبخ وعمل المنتجات وتتبع الأخبار وتعلم خبرات جديدة، وغيرها. فبالرغم أن أصلها حلال ومفيد، إلا إنها إذا أصبحت متابعتها تأخذ معظم الوقت وتشغل عن ذكر الله والصلاة والعبادة فإنها تصبح مذمومة. والقاعدة ان كل ما يشغل عن العبادة أولى تركه وإن كان أصله حلال.
стр. 120
ضياع الأوقات والتلهي عن طلب العلم والعبادة من منظور مقاصد القرآن:
• ضياع الأوقات يتناقض مع طلب العلم الذي يحتاج وقت كبير، ولذا فهو يتناقض مع مقصد التعليم.
• فيه إصرار على اللهو وعدم التحضير ليوم الوعيد، وهذا يتناقض مع مقصد المواعظ، والإنذار، والتحذير، والتبشير.
• قد يكون التلهي بما حرم الله كمشاهدة الأفلام الخليعة المحرمة ونحوها وهذا يتناقض مع مقصد التشريع.
• قد تجرف هذه المواقع الانسان لفساد العقيدة دون أن يشعر خاصة إذا اجتمع معها الجهل الناتج عن ضياع الأوقات، مما يتناقض مع مقصد إصلاح الإعتقاد وتعليم العقد الصحيح. ويمكن الوقوع في ذلك بمتابعة القنوات والمواقع المخالفة لأهل السنة والتي تتخفي تحت ثوب الصلاح وما أكثرها اليوم.
النصائح والضوابط المقترحة:
• يجب ألا يجعل المسلم تصفح الإنترنت وشبكات التواصل شغله الشاغل، ويقضي فيه الساعات والأعمار. ويمكن تنظيم ذلك بتخصيص وقت محدد مثلا بساعة المنبه لمساعدته على الالتزام به.
• يجب أن يستغل المسلم دخوله للإنترنت للإستفادة فيما ينفع، كالاستماع للخطب والدروس وتعلم العلوم الدنيوية والعمل وغيره مما لا معصية فيه ولا منكر أو ضياع للوقت.
• يجب أن يتفادى الانسان المواقع التي لا تنفع والمواقع التي تحوي محتوي يخالف الشرع.
• يجب أن يتسلح المسلم بالعلوم الشرعية لاسيما العقيدة الصحيحة التي تحميه من متاهات عقائد الفرق الضالة المنتشرة في شبكة الإنترنت.
стр. 121
المطلب الثاني: السرقات الالكترونية
من الجرائم المنتشرة بكثرة عبر وسائل تقنية المعلومات والمواقع الإلكترونية السرقات الالكترونية. ولها عدة صور تنتهي بأخذ مال أو معلومات أو صور خاصة أو أوراق رسمية أو أي عرض من ممتلكات المستخدم دون إذنه وقبوله. ورغم أن المسروق هنا يكون شيء معنوي عادة (أي غير محسوس)، إلا أنه لا يزال نوع من السرقة التي حرمها الله. وذلك لأن السارق يأخذ ما لغيره بدون حق ولا إذن، بطرق ملتوية وغير مقبولة. وهذا فعل محرم وربما يدخل في باب السرقة التي هي من كبائر الذنوب وتستوجب الحد. قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (١). وقد فرض الله حد السرقة ليكون رادع ومانع لآفة السرقة، بحيث إذا طُبِّق على بعض الافراد يردع البقية ممن توسوس له نفسه بهذه الجريمة في المستقبل فينتهي عنها. فينعم بعدها المجتمع بالأمن والسلامة من هذه الآفة. ولذلك لم يتهاون الرسول ﷺ في تطبيق هذا الحد مهما كان. وعندما حاول أسامة بن زيد الشفاعة في المرأة المخزومية التي سرقت نهاه الرسول ﷺ عن ذلك؛ لعلمه بأن التهاون في إقامة الحد سيضعف أثره في ردع الناس ويرجع إنتشار السرقة من جديد. وجاء هذا في حديث عروة ﵁، حيث قال: (أن امرأة سرقت في عهد رسول الله ﷺ في غزوة الفتح ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه، قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها تلون وجه رسول الله ﷺ فقال: أتكلمني في حد من حدود الله؟! قال أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلما كان العشي قام رسول الله خطيبا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنما هلك الناس قبلكم؛ أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) (٢).
стр. 122
أمثلة لطرق السرقات التي تحدث عبر تقنية المعلومات والمواقع الإلكترونية:
• كثيرا ما تصل رسائل الكترونية من قبل نصابين تبدو على شكل الرسائل البنكية الرسمية لتخدع المستلم فيظنها مرسلة من بنكه فيدخل معلومات حساسة، مثل كلمة السر ورقم بطاقة الدفع والرقم الوطني ونحوها من المعلومات التي يستطيع بها اللص الوصول لحسابات المستخدم وسحب المال منها. وأحيانا تكون الروابط لمواقع تبدو مثل أحد الشركات أو المتاجر الكبرى فيدخل المستخدم معلوماته لشراء سلعة وتتم سرقة المعلومات بهذه الطريقة.
• عبر دخول متلصص لحسابات المستخدمين، في مواقع الشركات والمتاجر الالكترونية الكبيرة مثل أمازون وغيرها وهناك يمكنهم شراء سلع على في حساب الضحية أو سرقة معلومات مهمة مثل بيانات الدفع والعنوان وغيرها. وذلك بعد حصوله بشكل ما على كلمة السر واسم المستخدم. وكثير ما يحدث هذا عند بيع الأجهزة الإلكترونية كالجوال والحاسوب. فبالرغم من مسحها، فإن بعض اللصوص المحترفين يستطيعون استعادة الملفات المحذوفة.
• عن طريق استلام مكالمة هاتفية مسجلة برسالة مخادعة تقنع مستقبل المكالمة بأن الإتصال من جهة حكومية ونحوها، وتطلب منه الضغط على زر معين ويتم بعدها سحب المعلومات المخزنة في الهاتف الجوال.
• عن طريق الهاكر لقواعد البيانات من الشركات التي تخزن معلومات عملائها.
• أحيانا تصل اتصالات هاتفية من مجهول بسرد الأكاذيب مثل أنه عامل من شركة مايكروسوفت ويريد الاتصال بالجهاز لإصلاح ويندوز أو نحوها من الحيل والأكاذيب، فيصدقه المستخدم ويقبل دعوته للاتصال بجهازه عبر الشبكة الافتراضية الخاصة (VPN). وعندها يستطيع المتلصص البحث في الجهاز عن المعلومات الحساسة والصور الخاصة والملفات الرسمية والحكومية مثل الهوية الشخصية ونحوها.
وهناك طرق أخرى كثيرة، ولعل هذه أكثرها انتشارا.
تمييز المواقع والشركات ذات الثقة من غيرها:
هناك علامات تساعد المستخدم في تمييز الشركات ذات الثقة من الشركات غير الموثوق بها. وعلى الرغم من أنها ليست دقيقة، ولا يمكن الجزم القاطع بها في الحكم على الموقع أو الشركة، إلا إنها قد تساهم كثيرا في حماية المستخدم وتمكينه من معرفة بعض المواقع المشبوهة والابتعاد عنها. ولذا الأفضل التعامل مع الشركات الكبرى
стр. 123
التي حظيت بثقة الناس مثل قوقل وأبل ونحوها، والبعد عن الشركات التي لا يشتمل موقعها عن أي نوع من أنظمة حماية المواقع وتبدو غير آمنة.
أمثلة لأنظمة حماية المواقع:
كما ذكرنا أن المواقع الموثوق بها عادة تحتوي على نوع من الحماية لتحمي مستخدميها وحفظ خصوصيتهم. وهناك عدة طرق للحماية، نذكر منها:
• أن يحتوي الموقع على نظام أمن طبقة النقل (Secure Socket Layer) أو باختصار (SSL). وتعرف ببدء عنوان الموقع ب (https://) بدلاً عن (http://).
• إستعمال شركات الأمن الإلكتروني التي تقدم خدمة تأمين شامل للمواقعن لاسيما للشركات والمتاجر الإلكترونية. ومن امثلتها (SquareTrade) و (Comodo SSL) و (SiteLock).
• كذلك تأمين قواعد البيانات والمخدمات (Servers) المخزنة بها داخل الشركات. وهذا لا يظهر للمستخدم ولابد من البحث عما إذا كانت الشركة المستضيفة لهذه البيانات تستخدم نوع من الحماية مثل تشفير البيانات. وأحيانا تقوم الشركات بإستعمال سيرفرات من شركات أخرى مثل سيرفرات أمازون (AWS)، وقوقل كلاود (Google Cloud)، وميكروسوفت أزور (MS Azure)، وغيرها. وهذه الشركات الكبيرة عادة لها إمكانيات حماية قوية ويصعب اختراقها.
صفات المواقع والشركات الموثوق بها:
ومن صفات الشركات ذات الثقة انها عادة:
- تكون خالية من الإعلانات.
- تكون لها منتجات ذات قيمة للبيع.
- يكون لها موقع احترافي (Professional Website).
- تكون عادة شركات كبري ومشهورة ولها أكثر من مكتب واحد ولها فروع في أكثر من موقع.
стр. 124
صفات المواقع والشركات المشبوهة:
• من العلامات التي عادة ما تثير الشبهة حول الموقع أو الشركة أنها توفر خدمات مجانية دون أي مقابل. فكثير من الشركات التي لا توفر غير المنتجات المجانية يكون هدفها هو التجسس وسرقة البيانات وإرسال الدعايات المزعجة.
• تصميم مواقعها عادة غير احترافي أو به روابط لا تعمل.
• مواقعها تكون عادة مليئة بالدعاية والصور ذات الألوان الصارخة.
• تظهر عادة في مواقعها نوافذ منبثقة (Popup Windows) تطلب الإجابة على سؤال بالضغط على زر. مثلاً تظهر رسائل عن ربح جائزة مثل رحلة سفر بعد الرد على بعض الأسئلة. ثم ما أن يبدأ المستخدم بالمشاركة بالإجابة على سؤال، حتى يتبعه سلسلة من الأسئلة التي تدعوه لشراء سلعة للحصول على الجائزة أو الاشتراك في خدمة ونحوها. وحتى إن فعل تأتي رسائل أخرى عن شراء سلع وخدمات أخرى. وهكذا تدخل المستخدم في متاهات، وتجعله يشترى أشياء لم يكن يحتاجها أو يريد شرائها. وبعد كل هذا عادة ما لا يحصل المستخدم على أي شيء ذو قيمة، بل يتم خداعه وتضييع وقته والحصول منه على معلومات تستخدم في التسويق.
• أنها تسرق معلومات المستخدم المخزنة في ملفات الارتباط (Cookies)، وبعد تصفح الموقع عادة ما تصل لمتصفحه كم من رسائل الدعاية عن طريق البريد الإلكتروني أو رسائل الجوال وغيره. ويتم ذلك عادة بزراعة برامج خبيثة للدعاية (Malware) في جهازه.
السرقات الالكترونية من منظور مقاصد القرآن الكريم:
• السرقات الإلكترونية هي أخذ حق دون وجه، ويتضرر منها المسروق منه. ولذا فقد تدخل ضمن السرقات العادية والتي هي محرمة شرعاً بالكتاب والسنة والإجماع، وتتناقض مع مقصد التشريع أو الأحكام.
• السرقة عملية لا أخلاقية، وهذا يتناقض مع مقصد تهذيب الأخلاق.
• السرقة فيها ظلم وتزعزع أمن المجتمع واستقراره، وتتناقض مع مقصد سياسة الأمة وأمن الدولة. فتنشر الفساد والذعر وعدم الأمن وتتناقض بذلك أيضاً مع مقصد صلاح الأحوال الفردية والجماعية.
• السارق لا يرتدع للوعيد وهذا يتناقض مع مقصد المواعظ، والإنذار، والتبشير، والوعيد.
стр. 125
النصائح والضوابط المقترحة:
• يجب الحذر من الرسائل المشبوهة وعدم التسرع بفتح الروابط فيها إلا بعد التأكد بأنها من الجهة المعنية كالبنك ونحوه. وعادة الرسائل المشبوهة تعرف بالنظر إلى الإيميل المرسلة منه، فإذا لم يكن ينتهي باسم الشركة المعنية، يجب ألا يفتح الرابط من غير البحث في أمرها. وكثير من الأحيان إذا نسخ المستخدم نص الرسالة وبحث عنه في محرك قوقل، يجد أن مستخدمي الانترنت تحدثوا عنها وأنها تحتوي على غش (Scam)، ويحذرون منها.
• يجب تجنب التعامل مع الشركات غير الموثوق بها بقدر الإمكان. ومع الوقت وإستخدام الانترنت لعدة أعوام يكتسب المستخدم الخبرة والحس الذي يجعله يحدد إذا ما كان الموقع أو الشركة آمن أو لا إلى حد كبير.
المطلب الثالث: نشر الشائعات لإشعال الفتن بين الناس بواسطة الهندسة الإجتماعية الإعلامية
من المفاسد التي إنتشرت عن طريق شبكات التواصل الإجتماعي ظاهرة نشر الإشاعات والأخبار الكاذبة. حيث يستخدم الإعلام ما يسمى بالهندسة الإجتماعية (Social Engineering) لتحوير الأخبار لتبدو أكبر من حجمها ولتهيئة الناس خطوة بخطوة للوقوع في المشاحنات بإثارة الغضب من صغار الأمور. ولا شك أن هذا عمل مذموم ويؤدي إلى وقوع الفتن بين الناس وإشعال الخصومات. بل قد يصل الأمر إلى إثارة الحروب والمشاحنات على نطاق الدول والمجتمعات. وقد لاحظنا في السنين الأخيرة وجود قنوات منشأة خصيصاً لهذه الأغراض الدنيئة، والتي أدت إلى مشاحنات بين الشعوب العربية خاصة. فمثلا منهم من ينزل مقاطع لأفراد لا يمثلون شعوبهم، ويتكلمون بكلام يثير حفيظة أهل أحد البلدان كالشتم أو الانتقاد الحاد، وينشر هذه المقاطع ثم تبدأ تبادل الشتائم والمناحرات بين الشعوب. والاسوأ هو وقوع افراد البلد المعني في الفخ وتصديقهم لهذه الشائعات ونسيان أن الأفراد لا يمثلون الشعوب بأكملها وأن كل شخص لا يمثل إلا نفسه. فينسوا أو يتناسوا أخوَّة الإسلام والنهي عن النميمة والفتن ونشر الأخبار الكاذبة والمشاحنات ويستجيب لتلك الفتن بالعداوة وإبراز الشر ورفع مقاطع معادية للرد ويكون فيها ردود قاسية وطغيان بالشر. فكان على هؤلاء التريث والبحث عن الخبر وعدم تحميل شعب كامل خطأ أحد أفراده. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ
стр. 126
فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (١). والنميمة عمل خبيث وعقابه الحرمان من دخول الجنة. وذلك لأنه يقود إلى الفتنة التي تفسد تماسك المسلمين ووحدتهم. قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة نمام) (٢). وقد كان السلف ﵏ يتهيبون من اغتياب الناس وايقاع النميمة بينهم. قال ابن الجوزي ﵀ عن سعيد بن جبير ﵁: "يؤتى بالعبد يوم القيامة فيدفع له كتابه، فلا يرى فيه صلاته ولا صيامه، ولا يرى أعماله الصالحة؛ فيقول: يا رب هذا كتاب غيري، كانت لي حسنات ليس في هذا الكتاب فيقال له: إن ربك لا يضل ولا ينسى ذهب عملك باغتيابك الناس". "فإيّاك يا أخي والغيبة والنميمة، فإنهما يضرّان بالدين، ويحبطان عمل العاملين، وتورث العداوة بين المسلمين" (٣). ويجب العلم أن معظم من ينشرون هذه الفتن مرتزقة مأجورون من جهات معادية للإسلام، وبعضهم جهلاء لا يعرفون فن الخطابة فيطلقون ألفاظ قد لا يقصدون معناها وكثير منهم منافقون يريدون الإضرار بالمسلمين، ونفوسهم خبيثة تستمتع بإشعال الفتن وتفكيك شمل المسلمين. فلا تجد مؤمن خالص الايمان يقدم على اشعال الفتن. بل جاء في الأثر قولهم: (التمس لأخيك بِضعًا وسبعين عُذرًا). وهذا وإن لم يصح كحديث، ولكن هناك حديث يحمل معنى قريب منه وهو: (جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، كم نعفو عن الخادمِ؟ فصمَتَ، ثم أعادَ عليه الكلامَ، فصَمَتَ، فلما كان في الثالثةِ قال: اعفُوا عنه في كل يومٍ سبعين مرةً) (٤). فنجد السلف كانوا يتسامحون فيما بينهم، ولا يشعلون الفتن، ولا يثيرون المشاكل من صغائر الأمور كما نراه يحدث الآن في السوشيال ميديا بين المسلمين من تنابذ وتناحر من أتفه الأسباب. بل وربما نجد أحياناً أن رؤساء الدول يقومون بمشاحنات بينما الشعوب أخوّتهم باقية. وقد رأينا مثال حي لهذا حين وقعت المشاحنات بين مصر والسودان بسبب حلايب، وكانت هناك مشاحنات بين الحكومتين بينما لم تزل الأخوة قائمة بين الشعبين. ومن ذلك أيضاً ما حدث مؤخرا في دول الخليج من تناحر بين الدول نشأ من خلاف سطحي خلقته قناة الجزيرة بما يسمى بالهندسة الإجتماعية
стр. 127
عن طريق الإعلام الكاذب. ولا يخفى على أحد المشاكل التي سببتها هذه القناة في الآونة الأخيرة، وسنتحدث عن هذا لاحقاً.
إشعال الفتن من منظور مقاصد القرآن الكريم:
• ولا شك في ان إشعال الفتن يتناقض مع مقصد تهذيب الأخلاق. ونشر السباب والعداوة بين المسلمين أمر مذموم ونهي عنه القرآن الكريم، حيث قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (١). وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: (لا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا، وكونوا عباد الله إخوانا) (٢). ولذا فهي أمر يتناقض مع مقصد التشريع أيضاً.
• إشعال الفتن يفكك تماسك الدولة، ويتناقض مع مقصد سياسة الأمة.
• النميمة تمنع من دخول الجنة، ومن يفعلها لا يبالي بالوعيد ويتناقض هذا مع مقصد المواعظ، والانذار، والبشير، والوعيد.
النصائح والضوابط المقترحة:
• حري بنا التحري عن الأخبار والبحث عن مصادرها وهل هذه المصادر موثوق بها أم لا، قبل التسرع في الحكم عليها. ويجب عدم الأخذ بما يقال في شبكات التواصل الإجتماعي كمصدر للأخبار، بل ربما يمكن الاستئناس به في اخذ العناوين والبحث الجاد عنها في المصادر الموثوق بها.
• يجب ألا تؤخذ الأمور الصغيرة والشائعات كأسباب للتناحر بين الشعوب، لا سيما الإسلامية التي يربطها رباط الدين وأخوة الإسلام. وعلي المسلمين تذكر القاعدة التي تقول بأن كل شخص لا يمثل إلا نفسه.
стр. 128
المطلب الرابع: شره التسوق الإلكتروني والإسراف في شراء الأجهزة باهظة الثمن
من مساوي التقدم في أنظمة المعلومات هو شراء مستخدميها أجهزة باهظة الثمن بما يصل إلى حد الإسراف. ولا شك أن في هذا بزخ لا سائغ له، وإهدار للمال. والإسراف منهي عنه بالكتاب والسنة. قال تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (١). كما وصف الله تعالى المُبذِّرِّين بأنهم إخوان الشياطين، فقال: (وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) (٢). وكرَّه رسول الله ﷺ لنا إضاعة المال، لما فيه من الضرر، فقال: (إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم: أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) (٣). وقد بين ﷺ أن الانسان سيُسأل يوم القيامة عن ماله من أين أكتسبه وفيمَ أنفقه. قال رسول الله ﷺ : (لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ: عن عُمرِهِ فيمَ أفناهُ؟ وعن علمِهِ ماذا عمِلَ بهِ؟ وعن مالِهِ مِنْ أينَ اكتسبَهُ، وفيمَ أنفقَهُ؟ وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ؟) (٤). كما أنه هناك فقراء يُمكن التصدق عليهم بدلاً من الإسراف في شراء الأجهزة الجديدة التي تنخفض قيمتها بمجرد شرائها وإستعمالها. فمثلاً لو اشترى أحدهم هاتف بسعر ستمائة دولار تصبح قيمته اربعمائة دولار بمجرد إستعماله في أول يوم.
أضرار الإسراف:
• في الإسراف مضيعة للمال وعدم حكمة، ولا يأمن الانسان الفقر والفاقة مهما بلغ غناه. وكم من غني افتقر بعد فقد ماله أو عمله. قال تعالى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (٥).
стр. 129
• الإسراف لا يورث صاحبه إلا زيادة في الولع بالدنيا وحباً لها والطمع في المزيد منها بحثا عن الرضى، ولكن ذلك محال. فالرضى في الدنيا لا يحصل للإنسان إلا بالقرب من الله والازدياد في طاعته ومحبته. قال ابن القيِّم: "عشاق الدنيا بين مقتولٍ ومأسورٍ، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر" (١). فياله من وصف بليغ يصف حال أولئك الذين لا يكتفون ولا يرضيهم جبل أحد ذهب. وليتذكر المسلم أن هناك أخوة له في الإسلام والإنسانية جمعاء يتضورون جوعاً ولا يجدون قوت يومهم ويسكتون به بكاء أطفالهم من الجوع. وإن القلب ليحزن والعين لتدمع عن روية المشاهد التي وصل لها الحال في اليمن والصومال وغيرها من أماكن المجاعات. وإن ما يجري في اليمن لا يرضي أي مسلم غيور على دينه. ولنستحضر قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) (٢). ومن الغريب في الأمر هو تحدث الاعلام عن مشكلات المسلمين عامة، ولكن يتجاهل تماما ما يجري في اليمن وكأن شيء لا يحدث هناك. فلم نسمع شيخ ولا قناة إسلامية ولا عربية تتحدث عند ظلم أهل اليمن وتعذيبهم بالجوع والعزلة. فهل الامر مدبر من الخارج، أو هو من الخوف من ظلم المنافقين من قادة المسلمين. وكأن المسلمين نسوا أن أفضل الجهاد هو كلمة حق عند سلطان جائر. وقد رُوِى (أن رجلا سأل النبي ﷺ وقد وضع رجله في الغرز، أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر) (٣). ولكن في زمن الفتن هذا واختلاط الحق بالباطل وإنتشر قتل المسلم أخاه لأجل عرض من الدنيا وخرس العلماء والصالحين بالسجون وتعذيبهم، ولم يعد للمتحدث سامع ولا للشكوى نفع.
أمثلة لدوافع معقولة تغيير الأجهزة:
• شراء أجهزة أسرع ذاكرة وأكبر سعة للتمكن من تشغيل برامج المحادثة وتخزين رسائل الواتساب والتليقرام ونحوها من البرامج لأهداف التعليم والتواصل وغيرها من لا منكر فيه.
• بيع الأجهزة القديمة واستبدالها بأجهزة أحدث لتشغيل البرامج النافعة الجديدة التي تعمل على الأنظمة الجديدة فقط. وزيادة أسعار الأجهزة مع زيادة التقدم في التكنولوجيا وتكلفة الأجزاء المكونة لها قد تضطر الإنسان لدفع مبالغ عالية.
стр. 130
أمثلة لدوافع غير مُستساغة في شراء الأجهزة:
• شراء الهواتف ذات السعات الكبيرة جدا والتي لا يحتاجها الإنسان عادة.
• تغيير الهاتف كل سنة لمجرد ظهور طراز أحدث من الذي يمتلكه.
• تغييره بموديل أشهر لمراءاة الناس أو مجاراة الأصدقاء.
• بذل مبالغ كبيرة لشراء أجهزة ذات ماركات عالمية أكثر شهرة.
• شراء أجهزة سريعة جدا وباهظة الثمن لتتحمل ألعاب الحاسوب الكبيرة.
شره التسوق الإلكتروني والإسراف في شراء الأجهزة من منظور مقاصد القرآن:
• الإسراف صفة مذمومة ويتناقض مع مقصد تهذيب الاخلاق.
• الإسراف مضيعة للمال ويتناقض مع مقصد صلاح الأحوال الفردية والجماعية.
• الإسراف مخالف لما شرعه القرآن وهو يتناقض مع مقصد التشريع.
النصائح والضوابط المقترحة:
• ينبغي ألا يجرى المسلمين وراء المظاهر ويتنافسون بينهم فيمن عنده أغلى جهاز. فلو اكتفى الفرد بالجهاز ذو السعر المعقول والذي تتوفر فيه الخصائص التي يحتاجها ثم يتصدق ببقية المال لنفعه ذلك أكثر في الآخرة وقضى حاجته.
• وليحذر من يبالغون في شراء الأجهزة باهظة الثمن أن هناك من يتمنى فعل ذلك وليس لديه المال الكافي. فربما جلب له ذلك العين بقصد أو بغير قصد من المحروم كما أنه قد يجر عليه الحسد من ذوي القلوب المريضة. والحسد صفة لا يخلو منها مجتمع؛ ولذا تعوذ منه النبي ﷺ وأمرنا بالتعوذ منه كل يوم في قراءة سورة الفلق يوميا مع أذكار الصباح والمساء كما في قوله تعالى: (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) (١).
стр. 131
المطلب الخامس: إنتشار مناظر العنف في ألعاب الحاسوب:
تنتشر مناظر العنف والإجرام في ألعاب الحاسوب لكل الفئات العمرية لا سيما الصغار والمراهقين، وكذلك لا تخلو منها الدعايات ووسائل الإعلام. وقد صممت الماسونية التي تتحكم على معظم وسائل الأعلام إنتاج هذه الألعاب بهذه الصورة لغرض تغيير الناس وإنشاء جيل من الشباب ملئ بالعنف والجريمة. وقد درسوا علم السيكولوجي جيدا وخططوا خططهم الشريرة ونجحوا في تحقيقها، حيث نرى كثرة الجرائم في العالم كله وازديادها خاصة في البلدان العربية وإنتشار العنف بين الشباب لأتفه الأسباب. وسيأتي التكلم عن الماسونية لاحقا بشيء من التفصيل.
المحاذير في العاب الحاسوب والهواتف:
إن في العاب الحاسوب والهواتف محاذير عديدة، منها ما يلي:
• مظاهر العنف والبطش وإطلاق النار، وجعل القتل فيها يُعتبر نصراً، يحصل به اللاعب على نقاط أو هدايا في شكل رسومات لشخصيات كرتونية أو جوائز رمزية ونحوها، مما يحببه للاعبين الصغار.
• المشاهد المثيرة للشهوة، حيث نجد رسوم نساء شبه عاريات ويتحركن بطرق مثيرة. والأدهى هو ظهور بعض الألعاب حديثاً والتي إستُبدِلت فيها الرسوم بصور حقيقية محررة قليلاً مما يجعلها أكثر إثارة.
• الأطفال الذين يلعبون هذه الألعاب صغار السن، ودون تمييز بين ما هو مقبول وما هو غير مقبول، فالكل عندهم سواء لا يفهون شيء عن الدين والحلال والحرام ولا حتى يعرفوا ما هي الفطرة السليمة، بعد كلما تعرضوا له من مشاهد وأفكار خاطئة في الإعلام الخبيث.
• المحادثات بين الشباب والبنات. وقد أفتى الشيخ عثمان الخميس بحرمة مثل هذه الألعاب وأنها لا تجوز.
стр. 132
الترويج للعنف من منظور مقاصد القرآن الكريم:
• العنف يتناقض مع تعاليم القرآن والسنة، وقد حسنا الإسلام على حسن الخلق والحلم والصبر والتماس العذر لأخوة الإسلام. والعنف يتناقض مع مقصد تهذيب الأخلاق.
• العنف ينشر الجريمة وهذا يتناقض مع مقصد التشريع. كما يتناقض أيضاً مع مقصد المواعظ، والانذار، والنذير، والبشير.
• العنف يفسد المجتمعات ويتناقض مع مقصد إصلاح الأحوال الفردية والجماعية.
• العنف قد يجعل الأمور تخرج عن سيطرة الحكام ويبث الفوضى في الرعية كما نشاهده في البلدان التي ينتشر فيها قطاع الطرق وحملة السلاح، وهذا يتناقض مع مقصد سياسة الأمة.
• العنف يؤدي إلى الجريمة، ويتناقض مع مقصد المواعظ، والانذار، والنذير، والبشير.
• العنف ليس فيه اتعاظ بما حصل للأمم الفاسدة في الماضي ويتناقض مع مقصد اخذ العبرة من القصص القرآني.
النصائح المقترحة للتصدي لتلك الحملة والتخلص من العنف:
• يجب على الآباء تخيَّر الألعاب التي يلعبها أطفالهم فلا يفتحوا لهم المجال بالكلية، بل يجب محاولة التحكم بما يمكنهم تنزيله من العاب وبرامج ومراجعته لحماية أطفالهم من هذه الآفات.
• يجب تنبيه الصغار والشباب لما يُكاد لهم في هذه الرسوم العنيفة وتوعيتهم بأن هدف أعداء الإسلام هو تغيير صفاتهم وطمس هويتهم الإسلامية والعربية؛ وذلك ببث هذه الصور يوميا وتخزينها في عقولهم الباطنية، وأن الاستمرار على ذلك يؤدي إلى إفساد العقول والأخلاق دون أن يشعر الناس.
• الأفضل تحديد أوقات بسيطة لهذه الألعاب وعدم تركها مفتوحة اليوم كله للأطفال، فإن ذلك سيشغلهم عن تعلم القرآن وحل الواجبات المدرسية وتعلم الدين. وقد استحسن الشيخ محمد العريفي في أحد دروسه على اخذ أجهزة الموبايل من الصغار لحمايتهم من مضارها.
стр. 133
المطلب السادس: زيادة حوادث المرور بسبب الهواتف الذكية ومواقع التواصل
لقد زاد معدل حوادث السيارات في العقدين الأخيرين مع التوسع في تصنيع الهواتف الذكية. وأظهرت الإحصائيات أن معظم هذه الزيادة ناتجة عن ارسال الرسائل النصية. فقد أفاد مجلس السلامة الوطني الأمريكي بأن استخدام الهواتف أثناء القيادة يؤدي إلى ١. ٦ مليون إصابة كل عام، وأن ارسال الرسائل النصية رفع معدل الحوادث بمقدار ٤٠٠? (١). وجدير بالذكر هنا أن هناك حوادث عدة رُصدت بالتحديد من برنامج التحادث على الفيس بوك وتحدثت عنها وسائل الإعلام الأمريكية.
أمثلة لنشاطات مرتبطة بالهواتف الذكية وساهمت في زيادة معدل الحوادث:
• ارسال الرسائل النصية بالهواتف الذكية.
• كتابة تويت في تويتر.
• فحص عدد المشاهدات والمشتركين في قنوات اليوتيوب.
• برامج التخاطب مثل الواتساب والماسنجر والفايبر.
• مشاهدة أجهزة التلفاز داخل السيارات.
• تصفح التعليقات على برنامج الفيس بوك.
زيادة حوادث المرور بسبب الهواتف الذكية من منظور مقاصد القرآن الكريم:
• زيادة الحوادث فيه إزهاق للنفوس وهذا يتناقض مع مقصد صلاح الأحوال الفردية والجماعية.
• عمل حوادث المرور قد يؤدي إلى الموت دون استعداد مما يتعارض مع مقصد المواعظ، والانذار، النذير، والبشير.
• الحوادث قد تؤدي إلى القتل الخطأ أو العمد وهذا يتناقض مع مقصد تشريع الأحكام.
• زيادة الحوادث قد يتناقض مع مقصد سياسة الدولة لما فيه من إزهاق للأرواح التي قد يكون بينها من يدير الدولة كالوزراء ونحوه. كما أنها تزعزع أمن وسلامة البلاد.
стр. 134
النصائح والضوابط المقترحة:
• كل شيء يمكن أن ينتظر. وهذه قاعدة ثابتة يجب الأخذ بها عندما يسوق السائق السيارة، فلا يتشاغل بجوال ولا خلافه.
• تجنب وضع جهاز تلفاز أمام السائق، فالانشغال للحظات يمكن أن يسبب حادث. وإن كان لابد منه فليوضع ليواجه المقعد الخلفي في السيارة للصغار، على أن تكون المواد المعروضة به ليس بها مخالفات شرعية.
المطلب السابع: إنتشار الرياء الإجتماعي على حساب الدين
إن من الآفات التي ظهرت مع مواقع التواصل الإجتماعي ظاهرة الرياء الإجتماعي ومداراة الناس على حساب الدين، مما قد يؤدي الي النفاق. ونرى ذلك ظاهر بوضوح في كثير من قنوات مشاهير اليوتيوب. فنجد أحدهم يفتح قناة عن الغناء والأخر يملأ قناته بصور غير لائقة ويدعى انه ينتقد اصحابها، والثالثة تعمل موديل وتتخلى عن حجابها وهويتها بعد ان تشتهر، ورابع يحلق لحيته ويجالس السافرات لأجل ان يشتهر، وخامس لا يتوانى عن تصوير زوجته حتى يكسب أكبر عدد من المشاهدات، وغيرها من الأمثلة. وهكذا يتملصون من الدين شعرة شعرة حتى لا يبقي منه سوى أسماءهم العربية. ثم يقعون فريسة النفاق ويختم الله علي قلوبهم عقوبة لهم بعد اصرارهم على معصيته وتقديم رأي الناس على طاعته. قال تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (١). وقد حذر الرسول ﷺ من الرياء وسماه الشرك الأصغر. قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إلى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) (٢). وقال ﷺ : (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، الرياء، يقول الله إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟) (٣). فليحذر هؤلاء من ذهاب حسناتهم التي
стр. 135
تعبوا فيها. قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) (١). وهم مع ذلك يضيَّعون الصلاة والعبادات لإنتاج فديواتهم التي تأخذ من اوقاتهم جلَّها. والرياء يعارض الاخلاص لله تعالى الذي هو أساس العمل وركن من أركان التوحيد. وقد عرفه ابن القيم – ﵀ – بقوله: "هو ما لا يعلمه مَلَكٌ فيكتبه، ولا عدوٌ فُيفسده، ولا يُعجب به صاحبه فيُبطلُه" (٢). فلا شك أن ارتياد مواقع التواصل وقنوات اليوتيوب قد صار باب كبير لفتنة الرياء التي أصابت الكثير من رواده. وكم من فتاة مُحجّبة فتحت قناة يوتيوب وبعد فترة من الزمن تخلت عن الحجاب، مثل دارين البايض ومها جعفر وزينب (زوجة أحمد حسن) وشهد والقائمة تطول. ونذكر هنا عرضاً أن هناك كم ليس بقليل من نجوم التمثيل قد قمن بنفس الفعل.
الرياء ومداراة الناس على حساب الدين من منظور مقاصد القرآن الكريم:
• إن مداراة الناس ورياءهم تُدخِل الإنسان في باب الشرك الأصغر وهذا يتناقض مع مقصد إصلاح الإعتقاد وتعليم العقد الصحيح.
• الرياء يودي إلى النفاق وكلاهما صفة ذميمة تتناقض مع مقصد تهذيب الاخلاق.
• تقديم رضا الناس علي رضا الله فيه سوء ادب مع الله تعالى وإجهار بالمعاصي وهذا يتناقض مع مقصد المواعظ، والإنذار، والتحذير، والتبشير.
• تبرج النساء وظهور ما لا يرضي الله في هذه المقاطع التي ينتجها هؤلاء المرائين يتناقض مع مقصد التشريع.
• تضييع الساعات الطويلة في انتاج محتوى هذه القنوات كثيرا ما يؤدي إلى تضييع الصلاة عن وقتها وهذا يتناقض مع مقصد التشريع. كما أن تضييع الوقت يؤثر سلبا على طلب العلم والدراسة وهذا يتناقض مع مقصد التعليم.
النصائح والضوابط المقترحة:
• على أصحاب هذه القنوات اتقاء الله ومراقبته في كل كلمة تقال وكل ما يعرض على قنواتهم، وليعلموا أن الله رقيب عليهم وأنه يمهل ولا يهمل. وليتذكروا بأنهم سيموتون يوماً وسيحاسبون بكل صغيرة وكبيرة. قال تعالى:
стр. 136
(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (١)، وقال أيضاً: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْارض وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (٢)
• عليهم إختيار محتوى هادف ينفع الناس ويؤجرون على نشره، بدلا من تضييع حقوق الله والتجرأ على مبارزته بالمعاصي.
• عليهم الاحتراز من وضع الإعلانات المخلة.
• علي النساء التستر وعدم ظهورهن في هذه القنوات. وقد سُئل الشيخ بن بار عن حكم تصوير النساء في الصحف والمجلات، فقال ﵀: "تصوير النساء في الصحف والمجلات، أو في المؤلفات أمر منكر، لا يجوز" (٣). وعليه يمكن قياس قنوات اليوتيوب.
المطلب الثامن: نشر رسوم الكاريكاتير المسيئة للرسول
إن الإساءة إلى الرسول ﷺ ليست جديدة. فقد بدأت منذ عهده ﷺ ، حينما كان أبو لهب يؤذيه هو وزوجته أم جميل، التي كانت تضع الشوك والأوساخ في طريقه وعلى باب بيته، وتفسد بينه وبين الناس بالنميمة (٤). وفيهما نزل قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارا ذَاتَ لَهَب * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْل مِنْ مَسَدٍ) (٥). ووضع عقبة بن أبي معيط بفرث بدمه وقذارته (او ما يعرف بسلا جزورٍ وهو ما يخرج من الناقة عند ولادتها) فوق ظهره وهو ساجد
стр. 137
في صلاته، فجاءت فاطمة فأزالته عنه (١). وغير ذلك الكثير مما حدث في مكة قبل الهجرة، حينما كان المسلمون مستضعفين، وكان كفار قريش يذيقونهم صنوف العذاب والذل. وكان ﷺ صبور على كل ذلك، حتى ما أذن الله تعالى له بالهجرة هو وأصحابه إلى المدينة. فوجدوا هناك الأنصار في إستقبالهم والبشرى والفرح تملأ قلوبهم بقدوم الحبيب المصطفي صلوات الله وسلامه عليه. فآووه ونصروه وعظموه، وفازوا بصحبته ونصرته في الدنيا، كما فازوا بالوعد بالفلاح والجنة في الآخرة. قال تعالى: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٢). فيا له من شرف كبير وفضل عظيم سبقنا إليه الإنصار، وكان حري بكل مسلم السعي إليه. نسأل الله أن يكون لنا منه نصيب.
الإساءة إلى الرسول ﷺ في العصر الحديث:
توالت إساءة الغرب الي الإسلام والمسلمين في العصر الحديث عبر وسائل الإعلام المختلفة. ولم يكتفوا بهذا، بل وصل بهم الأمر إلى نشر الرسوم الفاضحة والكاريكاتيرات الساخرة عنه ﷺ في الصحف والمجلات وشبكات الإنترنت والتواصل الإجتماعي. وبدأ تسلسل الإحداث في هذا الشأن منذ عام ٢٠٠٥ م، حين أشعل الدنماركي كورت نار الفتنة بنشر رسم مسيء للنبي ﷺ بأحد الصحف الدنماركية. فتشجع الرسامين من بعده على نشر المزيد من الرسومات المسيئة له. فنشرتْ صحيفة جيلاندس بوستن الدنماركية إثني عشر رسماً كاريكاتورياً تحريرياً مسيئا بعنوان (محمد أنسيجت اي وجه محمد). ثم جاء بعده السويدي لارس فيلكس عام ٢٠٠٧ م برسومه المسيئة للرسول (٣). وتكرر هذا الأمر الخبيث في الدنمارك وفرنسا والسويد وغيرها. فهم - عليهم لعنة الله - يسيئون الي خيرة الخلق بأبشع الرسومات، والتي لا تُقبَل حتى في حق مواطن عادي؛ ناهيك عن نبيّ مُرسل ويتَّبعه ملايين من البشر حول العالم. ويا للعجب، أن هذا يحدث في أوروبا التي تدعى حرية الأديان والرأي. وأي حرية هذه التي يتحدثون عنها؟! إذ لو كانت هناك حرية لما أهانوا نبي له أتباعه. إذ هم بهذه الإساءة يوجهون إضطهاد لجهة معينة بالطعن في دينها ومقدساتها وينقضون نظرية حرية المعتقد التي يتباهون بها. وقد توعد الله في كتابه الكريم باللعن والعذاب في الدنيا والآخرة لمن يسيء إلي الرسول ﷺ . وذلك في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا
стр. 138
مُهِينًا) (١). وبالفعل رأينا النهايات الذليلة والمريرة لمن اساء إليه، والتي كان من آخرها موت الرسام السويدي محترقاً في سيارته في أبشع صور الموت. كما لا يخفى على أحد الكوارث الطبيعية الكثيرة التي مرت بها البلاد الأوروبية مؤخرا لا سيما فرنسا؛ وكأنه نوع من العذاب وإنتقام الله تعالى منهم.
مساوئ نشر رسوم الكاريكاتير المسيئة للرسول من منظور إسلامي:
• في هذه الرسوم تجرأ على مقدسات الناس وأديانهم، وسوء ادب مع الله ورسوله. قال تعالى: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (٢).
• نشر مثل هذه الرسوم فيه وقاحة متناهية مع رسول الله وإصرار على الكفر والعداوة لرسول الله والمجاهرة به. ومع ذلك فالله وليه وناصره. قال تعالى: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ) (٣).
• كما أن فيه جهل بعواقب الأمور وان سُنَّة الله هو نصرة نبيه وعقاب من يسئ إليه. قال تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (٤).
• نشر هذه الرسوم يمكن أن يثير المظاهرات والإعتراض على الدولة أو الدول الأخرى مما يسبب زعزعة لأمن وسلامة الدولة.
وجوب نصرة النبي ﷺ :
يجب محاربة الإساءة إلى الرسول ﷺ في الاعلام. وعلينا التكاتف جميعا لنصرته، كلٌ حسب طاقتِهِ. فنحن أمته وأولى الناس بنصرته والدفاع عنه. قال تعالى: (النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، وقال أيضاً: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) (٥). ولنكن على يقين أن الله ينصر من ينصره وينصر نبيه، سواء بإظهارهم على
стр. 139
أعدائهم في الدنيا، أو بفوزهم بالجنة في الآخر. قال تعالى: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ) (١). وقال أيضاً: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (٢).
مقترحات لنصرة النبي ﷺ :
يجب عدم نشر هذه الصور لان ذلك يسئ للنبي ﷺ ؛ وهو مبتغى المسيئين. فنشرها يجعلها متداولة وفي متناول الجميع مما يسئ أكثر إليه. ويمكن الاكتفاء بنقل الخبر دون الصورة حتى يتصدى له المسلمين بالرد عليهم بالحكمة. ومن الوسائل المقترحة لتحقيق ذلك:
• نشر مقالات مضادة باللغة الإنجليزية وغيرها تبرز اخلاق النبي ومكانته بين المسلمين وحبهم له وأنهم يفدونه بأرواحهم. ويتم نشره هذ المقالات في المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات الأجنبية لا سيما الأوروبية.
• إنشاء مواقع تعريفية به وبسيرته وصفاته. وتترجم هذه المواقع للغات العالم المختلفة لإعلام العالم أجمع عنه ﷺ وعن خصاله الرفيعة وسيرته العطرة.
• يمكن عمل برامج للجوال عن سيرته تستهدف الصغار لتعليمهم سيرته العطرة، وتترجم كذلك بلغات مختلفة.
• عمل برامج تلفزيونية لنصرته والدفاع عنه ﷺ .
• تأليف كتب في السيرة بمختلف اللغات. ومن هنا نهيب بمختصي الترجمة واللغات للمساعدة بترجمة كتب السيرة الجيدة ومنها الرحيق المختوم. ويحبذ بالبدء بالكتب المختصرة أو الصغيرة نسبيا لتسهيل فهمها من قبل غير المسلمين وغير الناطفين باللغة العربية. وربما يمكن البدء بمنشورات صغيرة توزع في مساجد أوروبا وأمريكا. فهي سهلة التصميم وقليلة التكلفة.
نسأل الله تعالى أن ننال شرف الدفاع عنه نبيه ونصرته، ونسأله شفاعته يوم القيامة، وأن يسقينا من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبدا، ومرافقته في الفردوس الأعلى من الجنة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 140
المطلب التاسع: إنتشار الحسد والعين بين الناس في شبكات التواصل الإجتماعي
من الأمور المنكرة التي إنتشرت في مواقع التواصل الإجتماعي الحسد بين الناس، مما أدّى إلى في إصابة بعض من نشطاء مواقع التواصل الإجتماعي بالعين والأذى. وكم من ازواج كان لديهم قنوات في يوتيوب يبدو عليهم المحبة والوئام، وبعد فترة يقع طلاقهم. وقد حدث هذا بالفعل لشخصيات معروفة في يوتيوب. وهذا من الأذى والكسر الذي يصعُب جبره. والعين مذكورة في ديننا الحنيف. فقد قال تعالى عن المشركين الذين عاينوا الرسول ﷺ : (وَإِنْ يَكَادُ الّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنّهُ لَمَجْنُونٌ) (١). والعين أمرها خطير وقد يصل لحد الموت، كما بين ﷺ ذلك في قوله: (العين تدخل الرجل القبر، والجمل القدر) (٢). وقد وصّى سيدنا يعقوب ﵇ ابناءه بالدخول من أبواب متفرقة كما جاء في قوله تعالى: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (٣). وذلك لتفادي العين كما علله بعض العلماء ومنهم الألوسي. فقد كانوا أحد عشر رجلاً، بينما كانت أبواب مصر أربعة أبواب فقط. وروى الطبري عن قتادة: (خشي نبيُّ الله العينَ على بنيه، كانوا ذوي صُورة وجَمال) (٤).
والحسد معروف في الإسلام وحذرنا منه النبي ﷺ وأمرنا بالتعوذ منه. وقد قال تعالى في كتابه الكريم: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً) (٥). ونهانا عنه ﷺ في الحديث: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا
стр. 141
تدابروا) (١). ويجب التنبه إلى أن الحسد والعين خاصة قد تصدر بدون قصد من العائن. وكما قيل: "العين لا تشاور صاحبها"، ولهذا أرشدنا النبي ﷺ للتبريك حتى لا نؤذي الناس ونحن لا ندري.
إنتشار الحسد والعين من منظور مقاصد القرآن:
• اجمع العلماء على تحريم الحسد، ولذا هو يتناقض مع مقصد التشريع.
• الحسد صفة ذميمة وتتناقض مع مقصد تهذيب الاخلاق.
• الحسد عليه وعيد ويأكل الحسنات ويضيعها. قال ﷺ : (الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) (٢)؛ ويتناقض مع مقصد المواعظ، والانذار، والتحذير، والبشير.
• الحسد قد يصيب المحسود بأضرار كبيرة وهذا يتناقض مع صلاح الأحوال الفردية والجماعية.
النصائح والضوابط المقترحة:
• المواظبة على قراءة أذكار الصباح والمساء.
• العمل بسنة النبي ﷺ في قراءة التحصين في طرفي النهار عملا، ويستحسن تعويذ الصغار ايضاً، فهم أكثر حسناً وعرضة للعين. وقد كان ﷺ يحصن الحسن والحسين كما جاء في الحديث الشريف عن عبد الله بن عباس قال: (كان رسول الله ﷺ يعوذ الحسن والحسين، فيقول: أعيذكما بكلمة الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة، ثم يقول: هكذا كان أبي إبراهيم ﵇ يعوذ إسماعيل وإسحاق ﵉ (٣).
стр. 142
• ويُستحسن التبريك عند رؤية ما يعجبنا، كما جاء في الحديث: (ما أنعم الله على عبد من نعمة من أهل وولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيه آفة دون الموت) (١). وقوله تعالى: (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه) (٢).
• ترك التفاخر والتباهي، وعدم إظهار النعم التي حُرِم منها كثير من الناس. فإن هذا يحزن المحرومين، وقد يوقعهم في الحسد والعين بقصد أو بغير قصد. ومن ذلك المنازل الفارهة والأثاث الثمين والذهب والمال وغيرها من النعم.
• عدم إظهار الأطفال والأزواج والزوجات في قنوات اليوتيوب. فهناك الكثير ممن حُرم من الإنجاب أو رُزق بنات دون بنين، أو العكس. وهناك من لم يرزق بالزوج أو الزوجة أو لا يملك مال للزواج. وهناك من تزوج ولكن يعانون مثل من ابتلي بزوج قاسي أو زوجة مهملة أو أطفال مرضى أو غيرها من الأسباب التي قد تدفع المحرومين للحسد.
• تذكُّر فناء الدنيا وأنها قصيرة وأن الجنة موعد الأتقياء يساعد على إزالة صفة الحسد من النفوس.
• ترك التفاخر والتباهي بالنعم.
• عدم الإسراف في شراء الأشياء الغالية لأنها قد تكون مصدر نقمة وحسد.
المطلب العاشر: نشر فتاوي خاطئة لأغراض دنيوية
من المنكرات او بالأحرى الموبقات التي نراها في مواقع التواصل الإجتماعي هو القول على الله بغير علم وإصدار فتاوي من غير العلماء. وهذا نراه يتكرر من أصحاب قنوات اليوتيوب خاصة، حيث لا يحق لكل من استطاع فتح قناة أن يُفتَي بما يرى دون دراسة عميقة لأحكام الشرع. ومعلوم أن باب الاجتهاد والفتوى صعب
стр. 143
ويحتاج تعمق في العلم والاحاطة بعلوم شرعية جمة. ولذا يجب ألا تصدر الفتوى إلا من العلماء، بل والعلماء الربانيين خاصة، حيث هم أولى بها ممن دونهم في العلم. فكيف لهؤلاء الذين لا علاقة لهم بالعلوم الشريعة وبمجرد قراءة قليل من الكتب يتصدروا للفتوى لمتابعيهم فيهلكوا أنفسهم ويضلوا الناس. وقد حذر القرآن من التقوّل عليه بدون علم، فقال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْولًا) (١). وقال في سورة يوسف: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إلى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) (٢). قال ابن كثير فيه تفسيرها أي يقين وبرهان شرعي وعقلي (٣). ولا يخفى على أحد أن القول على الله بغير علم كبيرة من كبائر الذنوب، لقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (٤).
الدوافع للقول على الله بغير علم:
من الأمور التي تدفع الناس لارتكاب هذه الكبيرة ما يلي:
• حب الظهور والشهرة في مواقع التواصل الإجتماعي وشبكات الانترنت.
• الجهل بأنها كبيرة من الكبائر تستوجب العقاب. بل هناك بعض أصحاب النيات الحسنة قاموا بها لهداية الناس، وذلك لجهلهم بعقوبتها.
• بدوافع بعض الأغراض الدنيوية مثل زيادة عدد المشاهدات في قنوات اليوتيوب لتحصيل مال أكثر.
• التسرع في إطلاق الاحكام دون بحث جاد.
• الأخذ من مصادر غير موثوق بها.
نشر فتاوي خاطئة من منظور مقاصد القرآن:
- نشر فتاوى خاطئة إن كان من جهل فهو قول على الله بغير علم وهو كبيرة تتناقض مع مقصد إصلاح الإعتقاد وتعليم العقد الصحيح ومقصد التشريع.
стр. 144
- وأما إن كانت من علم وتجرأ وتقوَّل على الله فهو أشد في الإثم ويستوجب العقاب إن لم يتب مرتكبها. ومن ينشرها لا يتورع ولا يرتدع بالوعيد، وهذا يتناقض مع مقصد المواعظ، والإنذار، والتحذير، والتبشير.
- وهي تنشر معلومات خاطئة ولذلك تتناقض مع مقصد التعليم.
- الفتاوي الخاطئة قد تتداخل مع السياسة وتتناقض مع مقصد سياسة الدولة. وربما ساعدت فتوى عدم تكفير اليهود والنصارى وأصحاب الديانات الأخرى في اتخاذ رؤساء الدول القرار بسياسة التطبيع معهم. ولا شك أنها خاطئة ومن قال بها اطلَّع فقط على بعض النصوص دون ربطها ببقية الآيات الأخرى التي تُكفِّرهم بصريح النص. ولذا يجب الإحاطة بكل النصوص في الموضوع المعين، وبعلوم جمة لإصدار فتوى؛ ولا ينبغي أن تصدر من طلبة العلم المبدئين، أو غير المتعمقين في العلوم الشرعية.
النصائح والضوابط المقترحة:
- نشر العلم وتوعية الناس بخطورة الفتوي وأنه يجب على من يتصدى لها أن يكون متعمق في العلوم الشرعية.
- يستحسن عمل لجنة إفتاء شرعية من علماء الأمة المختصين ليتولى أمر الفتوى والإجابة على أسئلة الناس.
- يستحسن عمل موقع للفتوى ليتمكن الناس من إرسال اسئلتهم بخصوصية ويشرف عليه نخبة من علماء الإفتاء.
- يُستحسن حجب القنوات والمواقع التي تصدر الفتاوي من غير ذوي الاختصاص وممن يصدرون فتاوى تخالف مصادر التشريع من قرآن، وسنة، وقياس، وإجماع، حتى لا يضلوا الناس وإن صلُحت نواياهم.
- التحذير والوعيد لمن يقوم بهذا دون علم شرعي.
المطلب الحادي عشر: سرقة الأفكار والأبحاث والمؤلفات والسرقات العلمية
السرقات العلمية (Scientific Theft) من الأمور المنكرة والمنتشرة في شبكات الإنترنت. ولا شك أنه نوع من السرقة التي حرمها الله بالكتاب والسنة. فمن يأخذ عمل علمي لشخص آخر وينسبه لنفسه أو لغيره
стр. 145
فهو يسرق نوع من العرض وإن كان معنوي. كما أنه يأخذ تعب الكاتب ومجهوده الذي قضي فيه وقته وأجهد فيه فكره. فسرقته ظلم كبير له وعمل يستوجب عقاب الله في الآخرة. وإن كان في الدنيا لا تعاقب عليه كثير الحكومات والمحاكم، فالحق عند الله لا يضيع في الآخرة. قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (١). وقال أيضاً: (وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ) (٢). وفي هذه الآية دليل على أن ترك السرقة بجملتها واجبة في الإسلام. وهذا من الظلم الذي نهي الله عنه. قال تعالى: (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا) (٣).
السرقات العلمية من منظور مقاصد القرآن الكريم:
• السرقات العلمية تعتبر نوع من السرقة العادية وهي محرمة بدليل الآيات الكريمة، وتناقض مقصد تشريع الأحكام.
• فيها ظلم وإجحاف بحق الكاتب وهذا يتناقض مع مقصد تهذيب الأخلاق ومقصد المواعظ والإنذار والتحذير والتبشير. قال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (٤).
• السرقات العلمية تؤدي إلى الإضرار بالتعليم حيث تنسب الأقوال والأفكار لغير قائلها وبالتالي ينال السارق ثقة الناس دون حق فيستمعون لما يقول ويضعون ثقتهم فيمن لا يستحق الثقة. وهذا قد يناقض مقصد التعليم ومقصد سياسة الأمة.
النصائح المقترحة:
• على الكُتَّاب حماية كتبهم بتوثيقها في منظمات ومؤسسات التوثيق قبل نشرها.
• على الكتاب تجنب رفع مؤلفاتهم العلمية على الإنترنت ما أمكن إن أرادوا حفظ الحقوق فيها.
• إذا قرر الكاتب رفع مؤلفه على الإنترنت فعليه برفعه على صيغة ملفات بي دي اف (PDF) ويستحسن أن تكون (flat pdf) لتعصيب تحريرها ببرامج تحرير البي دي اف. وذلك لتصعيب تغيير اسم الكاتب أو أي معلومات أخرى في الرسالة لتقليل إحتمال وقوع السرقة العلمية.