← Общие книги

Общие книги · id 1335

نماذج من تقنية المعلومات وأنظمتها الحديثة من منظور مقاصد القرآن الكريم عند ابن عاشور

منال محمد أبو العزائم

Полный текст (370 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المبحث الثاني شرح مقاصد القرآن الكريم عند ابن عاشور

стр. 37

المبحث الثاني: شرح مقاصد القرآن الكريم عند ابن عاشور المحتويات: • المطلب الأول: شرح مقصد إصلاح الإعتقاد وتعليم العقد الصحيح • المطلب الثاني: شرح مقصد تهذيب الأخلاق • المطلب الثالث: شرح مقصد التشريع وهو الأحكام خاصة وعامة • المطلب الرابع: شرح مقصد سياسة الأمة • المطلب الخامس: شرح مقصد القصص وأخبار الأمم السالفة للتأسي بصالح أحوالهم • المطلب السادس: شرح مقصد التعليم بما يناسب حالة عصر المخاطبين • المطلب السابع: شرح مقصد المواعظ، والإنذار، والتحذير، والتبشير • المطلب الثامن: شرح مقصد الإعجاز بالقرآن ليكون آية دالة على صدق الرسول • المطلب التاسع: شرح مقصد تعليم حكمة ميزان العقول وصحة الاستدلال • المطلب العاشر: شرح مقصد صلاح الأحوال الفردية، والجماعية والعمرانية

стр. 38

المبحث الثاني: شرح مقاصد القرآن الكريم عند ابن عاشور ذكر ابن عاشور مقاصد القرآن الكريم بإيجاز شديد في مقدمة كتابه التحرير والتنوير، بالإضافة إلى ما جاء متناثرا فيه. ولذا رأينا أن نتوسع قليلا في فهمها ونتطرق لكل مقصد بشيء من الشرح والتفصيل، مع إلقاء الضوء على بعض الأمثلة التي تدعمها. المطلب الأول: شرح مقصد إصلاح الإعتقاد وتعليم العقد الصحيح أول مقصد من مقاصد القرآن عند ابن عاشور هو إصلاح الإعتقاد وتعليم العقد الصحيح. وهو أهم المقاصد وأوسعها لأنه يرتبط بالعقيدة التي هي أساس العمل والدين. فأن صلحت صلح العمل وقُبل، وإن فسدت فسد العمل ولو كان صالحاً. ويؤخذ الإعتقاد الصحيح من الكتاب والسنة، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وأصحابه. وهو الذي اتبعته الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة. والعقيدة في اللغة "مأخوذة من العقد، وهو نقيض الحل، وهو يدل على الشدة والوثوق، ومنه: عقد الشيء يعقده عقدا وانعقد وتعقد … وشرعاً هي ما يدين به الإنسان ربه وجمعها عقائد، والعقيدة الإسلامية مجموعة الأمور الدينية التي تجب على المسلم أن يصدق بها قلبه، وتطمئن إليها نفسه، وتكون يقينا عنده لا يمازجه شك ولا يخالطه ريب، فإن كان فيها ريب أو شك كانت ظنا لا عقيدة" (١). قال تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) (٢). وهو الباب الذي ضلت فيه الفرق وهلك فيه الهالكون، وبطلت به الأعمال وذهبت به الفضائل، فصارت هباءً منثوراً. وذلك لأن فساد العقيدة يُفسِد العمل. قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) (٣). أي بطلت ولم يجدوا لها ثوابا. ولقد نزل القرآن أول ما نزل لترسيخ مبادئ العقيدة ودعوة الناس لتوحيد الله تعالى ونبذ الشرك. وكان التوحيد من أهم محور القرآن المكي في قصار السور. حيث بقي الرسول ﷺ بمكة ثلاثة عشر عاماً يدعو الناس له، ووجد ما وجد من كفار قريش الذين حاولوا التصدي له بكل السبل، فصبر حتى أذن الله له ولصحابته بالهجرة إلى المدينة.

стр. 39

مذهب الطاهر بن عاشور: لا شك أن الطاهر بن عاشور شيخ جليل ومؤلفاته ملأت المكتبات الإسلامية والعربية. ورغم ذلك رأينا من باب الأمانة العلمية والحذر نقل ما ورد عن مذهبة العقدي. فقد ذكر الشيخ محمد صالح المنجد أنه كان من الأشاعرة في الأصل وقال ان هذا مشهور عنه، حيث يظهر ذلك في موقفه من نصوص الصفات، فهو إما يؤولها أو يفوضها كما هي طريقة الأشاعرة. وأما موقف أهل السنة من الصفات فإنهم يثبتونها على معانيها في لغة العرب من غير تأويل ولا تشبيه بصفات خلقه، ولا تمثيل. وقد خالف ابن عاشور الاشاعرة في بعض المسائلة وانفرد ببعض التحقيقات (١). ورغم ذلك لا يزال كتابه التحرير والتنوير يُقرأ ويستفاد منه. وكما قال الامام مالك: "كل يُؤخذ منه ويرد، إلا صاحب هذا القبر"، أي النبي ﷺ . فتفسير بن عاشور من أقيم كتب التفسير وبذل فيه الشيخ عمره وجهده ليخرجه في أجمل ثوب. فيمكننا الإستفادة منه بلا شك، عدا ما كان فيه من تأويل الصفات أو ما خالف فيه اهل السنة فلا يؤخذ به. وعلى الأقل كان ابن عاشور من أفضل من فصَّل ووسَّع في مسألة مقاصد القرآن الكريم. مذهب السلف: ورغم أن ابن عاشور كان أشعري، إلا أن الباحثة رأت ألا تتطرق لعقيدة الأشاعرة في هذا البحث لما تحتويه من مفاهيم خاطئة لا سيما في أبواب تأويل الأسماء والصفات. وأن تشرح عقيدة أهل سنة حتي يستفيد منها القارئ ولا يضلل عموم الناس بما في ذلك المذهب من خلل فكري وعقدي. لا سيما أن مذهب الأشاعرة قد تخلل أوساط المسلمين لدقة خفائه، بل وهناك من تكلم بأنه كان يدرس في الأزهر الشريف إلى وقت غير ببعيد (٢). مثال ذلك أن شرح قوله تعالى: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) (٣) كان يُفسر بقوة الله فوق أيديهم في كتب الأزهر الشريف (٤). ولكن بحمد الله بدأ الأزهر في الاتجاه لعقيدة السلف الصحيحة. ولذا اضمن هنا ملخص موجز لعقيدة أهل السنة لترسيخ مبادئ أساسية في باب العقيدة. وقد ذكر ﷺ أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة اثنان وسبعين في النار وواحدة في الجنة. والفرقة في اللغة هي الطائفة او الجماعة. والفرقة

стр. 40

الناجية أي الناجية من الوعيد بعذاب النار في الآخرة. وهي أهل السنة والجماعة والتي تؤمن وتعتقد بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. قال ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار قيل يا رسول الله من هم قال الجماعة) (١). توحيد الربوبية والالوهية: إن من أسس تصحيح الإعتقاد التوحيد والذي يتكون من توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (٢). فأثبت الله تعالى في هذه الآية توحيد الربوبية الذي يقوم على الايمان بأن الله تعالى هو رب الناس، وهو الذي تتجه إليه الخلائق بالسؤال والطلب لقضاء حوائجها. وهو "الإعتقاد الجازم بأن الله وحده هو رب كل شيء ومليكه وهو الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع المعطي المانع المتصرف في هذا الكون بمشيئته المطلقة وليس معه رب آخر يشركه" (٣). وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، فلو أوكل الله ارزاق الناس وحوائجهم لواحد منهم لصعُبت حياتهم وذاقوا الويل من شح بني آدم وشره. وأما توحيد الالوهية فهو عدم صرف الإنسان شيء من العبادة لغير الله. قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) (٤). أي اصرفوا العبادة لله تعالى دون أن تشركوا معه غيره فيها. وتوحيد العبودية هو "توحيد العبادة أو التوحيد العملي، ومعناه الإعتقاد الجازم بأن الله وحده هو المستحق لجميع أنواع العبادة، مع القيام بصرف هذه العبادات له وحده ولا يصرف منها شيء لغيره، والكلمة المعبرة عن هذا المعنى أدق تعبير هي كلمة الشهادة: لا إله إلا الله، فمعناها أنه لا معبود بحق إلا الله" (٥). وحذر النبي ﷺ من الشرك الأكبر الذي هو صرف العبادة لغير الله واتخاذ وسطاء بينه وبين الله تعالى. وبيَّن لأمته أن الشرك بالله يمنع صاحبه من دخول الجنة

стр. 41

إذا مات عليه الانسان دون توبة، فقال ﷺ : (من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به دخل النار) (١). وتوعد الله تعالى من يشرك معه غيره في العبادة بدخول النار والخلود فيها. قال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (٢). توحيد الأسماء والصفات: ومن أسس الإعتقاد الصحيح الايمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وذلك بإثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه منها، ونفي ما سواه. ويجب الايمان بأسمائه وصفاته التي ذكرت في القرآن الكريم والسنة الشريفة، سواء كانت ذاتية أو فعلية. قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (٣). وتوحيد الأسماء والصفات من أهم ما أثبته القرآن الكريم، اذ ان أسماء الله تعالى وصفاته تم ذكرها في كل سور القرآن الكريم تقريباً وتختم بها عادة الآيات لزيادة ترسيخها في نفوس الناس. ومن أمثلة أسمائه وصفاته ما ذُكر في قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْارض وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٤). وقال ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً، مئة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة) (٥). فأهل السنة يتمسكون بالعقيدة الواسطية في باب الأسماء والصفات، وهم وسط بين الجهمية أهل التعطيل وبين أهل التمثيل وهم المُشّبِّهة. والجهمية نسبة للجهم بن صفوان الترمذي، وهي نوعان: النُفُاة الذين يقولون لا ندري اين الله، والمثبتة الذين يقولون ان الله في كل مكان (٦). وقد ضلت هذه الفرقة

стр. 42

بقسميها، اذ لو رجعوا لكتاب الله وسنة نبيه لما وقعوا في هذا الخلط وفساد القول في حق الله تعالى. فمن مقاصد القرآن الكريم إثبات الصفات لله تعالى دون تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه. قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (١). والتأكيد على إثباتها لله تعالى دون تمثيل او تشبيه لله بخلقه، ومن غير تحريف ولا تأويل ولا تكييف. قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (٢). وصفات الله تعالى لها كيفية، ولكن نحن لا نعلمها ونفوض الكيفية دون المعنى. إذ هي مثبتة له تعالى في القرآن والسنة. قال تعالى: (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (٣). فنفوض كل ما لم يتم توضيح كيفيته لله تعالى ونؤمن به دون إلغائه أو تفسير كيفيته. ولا يجوز تأويل اي شيء من القرآن الكريم دون وجود قرينة تمنع من ارادة المعنى الظاهر للفظ الآيات ووجود علاقة بينها وبين المجاز المأّول إليه. ويظهر هذا في آيات الصفات حيث إنه لا توجد قرينة للتأويل كما ان الله تعالى اثبت لنفسه هذه الصفات واعاد تكرارها في القرآن الكريم، فلا يجوز للإنسان الذي هو واحد من مخلوقاته ان ينفيها عنه. وإثبات الصفات لا يعني تشبيه الله بمخلوقاته، فأهل السنة يثبتون الصفات دون تمثيل، ويفوضون الكيفية لله تعالى. ولو رجعت الجهمية لأي سورة من القرآن الكريم سيجدون الصفات مذكورة، وهذا ان دل انما يدل على انه يجب اثبات صفات الله تعالى وأسمائه (٤)، فكيف سمحت لهم عقولهم بنفيها، كأنهم يكذبون القرآن الكريم والعياذ بالله. وذكر ابن العثيمين أن الواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف، وظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار ومجهولة لنا باعتبار آخر، وظاهر النصوص هو ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني. إلى جانب الأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى" (٥). وقد وضح ابن تيمية هذه المصطلحات في العقيدة الواسطية بشرح سهل الفهم كما يلي: التأويل: هو تحريف لها عن معانيها الأصلية. التعطيل: هو نفي المعنى الصحيح للصفات عن الله تعالى. التكييف: هو إعتقاد كيفية معينة للصفات.

стр. 43

ولعل من الاقوال المجملة الشافية والجديرة بالذكر ما قاله صاحب العقيدة الطحاوية: "إن الله واحدٌ لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره. قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء. لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد. لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الانام. حيٌّ لا يموت، قيُّومٌ لا ينام. خالق بلا حاجة، رازقٌ بلا مؤنة. مميت بلا مخافة، باعثٌ بلا مشقة. ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزلياً، كذلك لا يزال عليها أبدياً" (١). الايمان برسالة محمد ﷺ وأنه خاتم الرسل: ومن أساسيات العقيدة الصحيحة الإيمان ببعثة النبي محمد ﷺ وانه مرسل من رب العالمين للناس كافة. قال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) (٢). وأنه خاتم الأنبياء والرسل، وأن الله تعالى جعل رسالته هي آخر الرسالات. قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (٣). ولن يقبل غيرها بعد بعثته ﷺ . قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (٤). وجاء في الحديث الصحيح: (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار) (٥). ومن هذا يتضح بطلان القول بأن اليهود والنصارى وأصحاب الديانات الأخرى يعبدون الله ولن يدخلوا النار، وذلك صريح القرآن والسنة الصحيحة. أركان الايمان والإسلام والاحسان: ومن العقيدة الصحيحة إثبات أركان الإيمان وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر. قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إليه مِنْ رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). ونحن مأمورون بالإيمان بجميع الرسل دون تفرقة في قوله

стр. 44

تعالى: (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُّسُلِهِ). كما جاء ذكر أركان الإيمان والإسلام في حديث عمر بن الخطاب ﵂، حيث قال: (كنا عند رسول الله فجاء رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى أتى النبي ﷺ فألزق ركبته بركبته ثم قال: يا محمد ما الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، قال: فما الإسلام قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان، قال فما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال في كل ذلك يقول له صدقت قال فتعجبنا منه يسأله ويصدقه) (١). فبين الحديث الشريف أسس ثلاثة مبادئ مهمة في العقيدة، وهي الإسلام والإيمان والإحسان، وعرفها كما يلي: الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان. الايمان: هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره، وشره. الاحسان: هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. الايمان بالقضاء والقدر: يجب الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، وأن الله تعالى خالق كل شيء، ومن هذا خلق الله للعباد وأعمالهم. وقد ورد ذكر هذا المعنى في القرآن الكريم في قوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (٢). وجاء في العقيدة الواسطية ان أهل السنة يؤمنون بأن العباد فاعلون لأفعالهم والله خالقهم وخالق أفعالهم. وقد أثبت القرآن أن الله قد علم كل شيء مسبقا وكتبه في اللوح المحفوظ، ومن ذلك حال العباد وحال قلوبهم وما سيفعلون. قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْارض وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (٣). فالكتاب يقصد به اللوح المحفوظ الذي قد أثبت الله فيه كل شيء كما ذكره البيضاوي وغيره (٤). ونقل الطبري عن أبو جعفر: أي قل للمُعرضين "لا تحسبُنَّ الله غافلا عما تعملون، أو أنه غير

стр. 45

مجازيكم على ما تكسبون". وهذا يُفهم منه أن أعمال العباد منسوبة لهم، ومحفوظة في اللوح المحفوظ، وسيُحاسبون عليها. كما يُفهم أيضاً من قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (١). وقد ذكر الطبري فيها وجهان: أي الله خلقكم وعملكم، أو أن الله خلقكم والذي تعملونه ومن الأصنام (٢). وجاء في الحديث الشريف: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والارض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء) (٣). ومن هذين البابين يرد القرآن الكريم على مزاعم الفرق الضالة في باب القدر وهما القدرية والجبرية. فقال جهم وأتباعه وهم الجبرية وكذلك الأشعري وأتباعه أن الفعل مقدور للرب لا للعبد وان الله خالق أعمال العباد. وكلامهم هذا يقتضي بان هذا الكون خلق عبثا وانا الامانة التي حملها الإنسان معطلة، فلو ان العباد لا يد لهم في إختيار أعمالهم لأوجب ذلك بطلان الجزاء والحساب وان الله تعالى سيلقي الكفار في النار لأعمال لا يد لهم بها، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وهذا قول باطل بدليل قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) (٤). وفي الجانب الآخر نجد القدرية نُفُاة القدر من المعتزلة ينفون خلق الله لأفعال العباد ويقولون إن الله لا يقدر على عين مقدور الرب وان العباد خالقون لأفعالهم وأن الله لا يد له فيها. وهذا يعني الشرك بالله وأن الكافر قد أصبح كافر رغما عن الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ولذا سماهم الرسول صلى الله بمجوس هذه الأمة، مما يدل على عظم القول بهذا وشدته. فقد روى أبو داود عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: (القدريَّة مجوس هذه الأمة، إن مرِضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم) (٥). ولنعلم يقيناً أن الهداية بيد الله تعالى، وأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء. وقال تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسلام وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (٦). ولذا وجهنا الرسول ﷺ لطلب الهداية من الله وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. وكان يقول في دعائه: (اللَّهمَّ

стр. 46

اهدِني فيمَن هدَيتَ) (١). والله يهدي من يسأله ويسأل عنه ويستعين به ويستهديه. وهذا من كمال إلهية الرب وعبودية العبد. فلا تستقيم المعادلة إلا بها. فإذا كان للكافر أن يكفر ويفسد ويقتل ويتجبر، مُتكلاً على أنه يمكنه الرجوع والتوبة بسهولة في أي وقت وينجى كغيره ممن أسلم وصبر وصلى وعبد، لما استقام الميزان ومال في جهة الكافر. وقد ذكر الشيخ متولي الشعراوي في هذا الشأن مثلا – ولله المثل الأعلى – فيما معناه، انه لو كان هناك أستاذ له طلاب وكان عليهم امتحان، فهو يعلم كيف سيعمل كل طالب لأنه يعلم مستوياتهم. فكذلك الله قد علم مسبقا ما الذي سيفعله كل من عباده مسبقاً. عدم الإكراه في الدين: من مبادئ العقيدة الصحيحة عدم الإكراه في الدين. والأصل هو الدعوة السلمية، وتعريف الناس بدين الإسلام وتبيين الحق لهم. قال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٢). وقال في سورة يونس: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْارض كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (٣). فصرح الله تعالى بعدم الإكراه في الدين بنص الآية الكريمة. وقال الزرقاني ﵀: "أما السيف ومشروعية الجهاد في الإسلام فلم يكن لأجل تقرير عقيدة في نفس، ولا لإكراه شخص أو جماعة على عبادة، ولكن لدفع أصحاب السيوف عن إذلاله واضطهاده، وحملهم على أن يتركوا دعوة الحق حرة طليقة، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله" (٤). وفي هذا رد على مزاعم النصارى والمستشرقين الذين يهاجمون الإسلام من باب الجهاد ويزعمون أن الإسلام إنتشر بالسيف وأنه دين عنف وإكراه. محبة الله ورسوله: إن من علامات إيمان المرء أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. بل ولا يكتمل الإيمان ولا تظهر حلاوته إلا بهما. قال ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب

стр. 47

إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) (١). وهذا ما كان عليه صحابة رسول الله. وحب الله ورسوله يأتي بالعمل والعبادة والطاعة والصبر والمجاهدة والرسوخ في العلم. كما تأتي بتعلم صفاتهما وأفعالهما، وتعلم القرآن والسنة. قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (٢). سلامة الصدر لأصحاب رسول الله ﷺ : ومن العقد الصحيح سلامة الصدر لأصحاب رسول الله ﷺ وتوحيد صف المؤمنين، بخلاف الخوارج الذين تمادوا في إيذائهم وتجرأوا على سبهم، وهم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ونصرته. قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأولونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (٣). وجاء في الحديث الشريف: (إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار لي من أصحابي أربعة – يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليا – فجعلهم أصحابي. وقال في أصحابي: كلهم خير) (٤). وقد أجمعت الأمة على عدلهم وعدلهَّم القرآن الكريم في أكثر من موضع. قال تعالى: (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٥). فالمؤمن الحق لا يجرحهم، ناهيك عن تكفيِّرهم. والذي جاء به الخوارج في هذا الباب جرم كبير لا يأتي إلا من متكبر أغواه الشيطان وجره إلى مسالك الضلال والهلاك. فالإسلام لا يكفِّر حتى القاتل والزاني وشارب الخمر، ويأتي جماعة من الناس يتكلمون في حق الصحابة الذين اصطفاهم الله لصحبة نبيه. وقد قال الله تعالى عنهم في سورة محمد: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) (٦). وقال أيضاً: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ

стр. 48

رَحِيمٌ) (١). ونهانا النبي ﷺ فقال: (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه) (٢). كل هذا وغيره فيه ما يغني عن التفصيل في عدل الصحابة. القرآن كلام الله وبيان مفاسد القول بخلق القرآن: من المعتقد الصحيح الذي يؤمن به أهل السنة هو الايمان بأن القرآن الكريم هو كلام الله، وصفة من صفاته. فهو غير حادث وغير مخلوق، بل هو أذلي بأزلية الله، لأنه صفة من صفاته وأنه تكلم به حقيقة (حروفه ومعانيه)، ومنه بدأ وإليه يعود. ونتعبد الله بتلاوته، وهو منقول إلينا بالتواتر. قال تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً) (٣)، وقال أيضاً: (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ) (٤). وقد جاء الخوارج ببدعة إعتقادهم أن القرآن مخلوق، وكانت أدلتهم هي آيات نزول القرآن، ومنها قوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ) (٥)، وقوله: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (٦)، وغيرها. وحدثت فتنة عظيمة في زمن المأمون والمعتصم، سُفكت بسببها دماء كثيرة، وازدحمت السجون برأي المخالفين. وعُذِب لأجلها أمام السنة الجليل الإمام أحمد بن حنبل، ولولا ثبوته على موقفه لأُثيِّرت فتنة اضاعت المسلمين وخربت أسس عقائدهم في الأسماء والصفات. وأما موقف أهل السنة فإنهم يمتنعون عن وصف القرآن بأنه مخلوق، بل هو عندهم كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. قال ابن تيمية ﵀: "وكما لم يقل أحد من السلف إنه مخلوق فلم يقل أحد منهم إنه قديم، لم يقل واحداً من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا من بعدهم من الأئمة ولا غيرهم، بل الآثار متواترة عنهم بأنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله" (٧). فبين شيخ الإسلام أن من قال بأن القرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال بأنه غير مخلوق فهو مبتدع، وأما أهل السنة فيؤمنون بأن القرآن كلام الله صوت ولفظاً وحرفاً. ومن مفاسد القول بخلق القرآن أنه مخالف "للكتاب

стр. 49

والسنة وإجماع سلف الأمة، وفي هذا فساد في العقيدة واتباع لغير سبيل المؤمنين ومشاقة للرسول ﷺ . كما أن القرآن هو كلام الله ، ومن جعله مخلوقا فقد جعل شيئا من صفات الله مخلوقا وهذا كفر بين. ويلزم منه تعطيل صفة الكلام، والقول بأنه غير متكلم، وهذا إلحاد في صفات الله واتهام له بالنقص . فالكلام صفة كمال، وعدمه صفة نقص. كما يلزم منه نفي تكلم الله بالوحي ونفي الشرائع والكتب المنزلة. وبه تكذيب لكثير من الآيات التي في القرآن والتي تثبت كلام الله لأنبيائه ورسله" (١). الإيمان الاسراء والمعراج: ومن العقيدة الصحيحة الايمان بالإسراء والمعراج وكل ما جاء فيه من الصعود إلى السماوات السبع وملاقاة آدم في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وادريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة. ثم تشريع الصلوات وغيرها من التفاصيل التي ذُكِرت في حديث الإسراء والمعراج عن النبي صلى الله عليه. وهو حديث طويل وملئ بالفوائد، ويمكن الرجوع إليه في صحيحي البخاري ومسلم (٢). المطلب الثاني: شرح مقصد تهذيب الأخلاق: إن من أهم ما دعي له القرآن الكريم تهذيب الأخلاق، ولذا عدها ابن عاشور المقصد الثاني من مقاصد القرآن الكريم (٣). فقد أثنى الله تعالى في كتابه الكريم على من زكى نفسه وأصلحها بمكارم الأخلاق ومحاسنها في

стр. 50

مواضع عدة، فقال: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (١). كما أثنى على نبيه الكريم بحسن الخلق في قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (٢). وبين ﷺ أنه بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، فقال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) (٣). وغير هذه الأدلة هناك الكثير ما تحدث عن الأخلاق. وهذا يدل على أن من أهم ما يدعو له ديننا الحنيف حسن الخلق، الذي به تسمو النفوس ويترابط به افراد المجتمع المسلم. كما أن ذوي الأخلاق الحسنة يعيشون سعداء، فهم يستمتعون بحب الناس وتوفيق الله لهم. وكم رأينا من مقصّر في العبادة، ولكن تبدو عليه علامات الرضى وحب الله ويُختم له بحُسن الخاتمة لحسن خلقه. وتهذيب الأخلاق يكون بالتحلي بالصفات الحميدة والأعمال الصالحة. وقد بينت الآية الكريمة في سورة الأحزاب جملة من الصفات التي يجب أن يتحلى بها المسلمين والمسلمات، وقال تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (٤). ومن الصفات الحميدة محبة الرسول ﷺ وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥). وعندما يصل العبد لمنزلة محبة الله، يكون إيمانه وصل لدرجة عالية من الرفعة، ويتذوق فيها حلاة الإيمان والأنس بالله ولو كان وحيدا وبعيدا عن الناس. ويرق قلبه ويصبح رحيما بخلق الله لعلمه أنهم مملوكين لحبيبه فيحسن إليهم ويرحمهم، وذلك من أعلى منازل الإيمان. أمثلة للصفات والأعمال الحسنة: • تقوى الله: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (٦)

стр. 51

• الأمانة: قال تعالى: (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) (١). • كظم الغيظ، والعفو عن الناس: قال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (٢). • التسامح والعفو عن الناس والإعراض عن الجاهلين: قال الله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (٣). • الحلم والأناة: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ فيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يحبُّهُما اللهُ: الحِلْمُ والأناةُ) (٤). • الإحسان والصبر: قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَارض اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) (٥). وبين ﷺ معنى الإحسان بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). • إكرام الضيف والجار، والكلمة الطيبة وحسن معاملة الناس: فقد رُوي عن أب هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) (٦). • الإحسان إلى الوالدين والأقربين، واليتامى والمساكين والجار، وصلة الأرحام وتوحيد الله: قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) (٧). • الصبر على المصائب: قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٨).

стр. 52

• الإحسان إلى النساء: قال ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا) (١). • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير والى الإسلام: قال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٢). • غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام: قال رسول الله ﷺ : (إياكم والجلوس على الطرقات، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقها، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر) (٣). وفي الحديث مجموعة من الأوامر بالأخلاق والأفعال الحميدة، وهي النهي عن الجلوس في الطرقات، والتي تجلب الإدمان على النظر المحرم وتتبع عورات الناس مما يثير الشهوات ويفتح أبواب الشيطان. وذكر ﷺ أنه لو كان لابد منها فيجب إعطاء الطريق حقها، وهو غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. • الصدقة والتواضع: قال ﷺ : (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو، إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) (٤). • الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وحسن الخطاب: قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). • الإعراض عن الجاهلين، والتوكل على الله: قال تعالت: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (٥). • التعاون على البر والتقوى: قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (٦).

стр. 53

• القناعة وخفض الجناح للمؤمنين: قال تعالى: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (١). • عدم الكبر والفخر والخيلاء: قال تعالى: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْارض مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (٢). • الخشوع في الصلاة، والإعراض عن اللغو، وإخراج الزكاة، وحفظ الفرج، وحفظ الأمانة والعهد، والمحافظة على الصلاة: قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ*فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (٣). • ستر المسلمين، وعونهم، وتنفيس كربهم، والتيسير عليهم: قال ﷺ : (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) (٤). • الرفق وحسن الخلق: قال ﷺ : (من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير ومن حرم حظه من الرفق؛ فقد حرم حظه من الخير. أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة حسن الخلق، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء) (٥). • الحياء وترك الفحش في القول والفعل: قال ﷺ : (ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه) (٦).

стр. 54

• التوكل والإيمان بقضاء الله وقدره: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١). وهناك الكثير غيرها من الصفات الحميدة التي دعا لها ديننا الحنيف. فوائد تهذيب الأخلاق وحسن الخلق: • حسن الخلق سبب في محبة الله. قال الله تعالى: (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). • حسن الخلق سبب في كمال الإيمان. قال رسول الله ﷺ : (أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا، وخيارُكم خيارُكم لنسائِهم) (٢). • تزكية النفس سبب في الفلاح. قال الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (٣). • أصحاب الأخلاق الحسنة سيكونون أقرب إلي النبي ﷺ مجلساً يوم القيامة، حيث قال: (إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون، والمتشدقون والمتفيهقون. قالوا: يا رسول الله! قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون) (٤). • الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة. قال ﷺ : (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب كذابا) (٥). • رحمة الناس سبب في رحمة الله . قال ﷺ : (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الارض، يرحمكم من في السماء) (٦).

стр. 55

الصفات الذميمة: تهذيب الأخلاق يستوجب على المرء ترك الصفات الذميمة، والأفعال السيئة. ومن أمثلة الصفات الذميمة: الحسد، والحقد، والنفاق، والكذب، والكبر، والغرور، والنميمة، والرياء، والجهل، والدياثة، والسفور، والبغاء، والتسول، والخيانة، والغدر، والبذاءة، والجبن، والكسل، والبذاءة، والإسراف، وغيرها. ومن الأفعال السيئة: السرقة، وشرب الخمر، والزنا، والكفر، والشرك، والسحر، والتجسس، والتباغض، والتناحر، وعدم الاستنجاء من البول، وغيرها. قال تعالى: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (١). وقال ﷺ : (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه) (٢). المطلب الثالث: شرح مقصد التشريع وهو الأحكام خاصة وعامة: التشريع هو ثاني مقصد من مقاصد القرآن الكريم عند ابن عاشور، وبه تعرف الأحكام التي بها يعبد بها الله تعالى خاصها وعامها (٣)، لتنظيم المعاملات بين الناس وتنظيم حياتهم وحفظ الحقوق بينهم. وتنظيم المعاملات يكون بين المسلمين بعضهم البعض، أو بين المسلمين المشركين وأهل الكتاب. وقد بين الله تعالى في كتابه العزيز أنه ما خلق الجن والإنس إلا لعبادته ، فقال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (٤). ولذا كان لابد

стр. 56

وأن ينزل وحي من الله ليعرِّف الناس بالكيفية التي يعبدون بها الله، وهو الأحكام الشرعية، خاصها وعامها. وقد نزلت معظم الأحكام في السور المدنية، وأهمها احكام الحدود. القرآن المكي والمدني وتشريع الحلال والحرام: بدأ الوحي بنزول القرآن المكي، والذي كانت أهدافه هي ترسيخ العقيدة في النفوس وتثبيت مبدأ التوحيد ودعوة الناس إلى الإيمان بالله وحده وأن محمدا عبده ورسوله. كما دعاهم إلى نبذ الأوثان وإخلاص العبادة لله وحده وإلى الإيمان بالبعث والجزاء والحساب والجنة والنار والمعاد وغيرها من الأمور الغيبية. وقد استمرت إقامة الرسول في مكة قبل الهجرة ثلاثة عشر عام وهي مدة أطول من مدة إقامة النبي ﷺ في المدينة، مما يدل على أهمية التوحيد وأنه الأصل الذي يبنى عليه الدين. قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (١). ومن الأمثلة الأخرى التي ترسخ العقيدة ما جاء في سورة المعوذتين والكافرون والفيل وغيرها من السور المكية. وبعد أن ترّسخت العقيدة في نفوس الناس وهاجر النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، واستقر أمر الإسلام وأصبح له دولة ومركز يعتمد عليه، بدأ نزول الأحكام التشريعية التي تبين للناس كيفية في العبادات كالصلاة، والزكاة، وغيرها. قال تعالى: (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) (٢). وفي هذا تدريج للنفوس بقبول التشريعات والعمل بها، كما حدث في تحريم الخمر. وقد فهمت هذا الصديقة بنت الصديق بفطانتها على صغر سنها، فقالت: (إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا) (٣). فساعد التدريج الناس على تسهيل القبول والتعود على الحكم الشرعي، كما ساعد على عدم تنفيرهم وإرتدادهم عن الحق.

стр. 57

تشريع أركان الإسلام الخمسة: إن من أهم مقاصد القرآن الكريم تركيز دعائم الإسلام وأركانه الخمس التي يقوم عليها. وذُكِرت هذه الأركان في حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) (١). وهي كما يلي: • الشهادة: وهي أن نشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. وهي تستلزم ان يكون العبد مصدقاً بها بقلبه وجوارحه، ناطقاً بها بلسانه، وعاملا بمقتضاها. • إقام الصلاة: وتشمل الصلوات الخمس المفروضة، وهي صلاة الصبح والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. وقد جاء تشريعها في حديث الإسراء والمعراج وفي القرآن الكريم في موضع كثيرة. • إيتاء الزكاة: وهي مقدار معين يخرج من المال إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول. • صوم رمضان: وهو الامتناع عن الأكل والشرب والجماع وجميع المفطرات من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، ويكون في شهر واحد من شهور السنة وهو شهر رمضان. • حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. والحج هو زيارة بيت الله الحرام في مكة المكرمة، وهو واجب على المسلم البالغ القادر المستطيع مرة واحدة في العمر، ويسقط بعدم القدرة. أحكام الحدود وأدلتها وفوائدها (حد السرقة والزنا والردة والقتل والحرابة والقذف واللعان): الحدود هي أحكام تشريعية وعادة تكون عقوبات على كبائر الذنوب. وقد شُرِّعت لتطهير المجتمع المسلم من المعاصي وردع من تساوره نفسه بفعلها. فلو أن الدولة قامت بتطبيق السرقة أو الزنا مثلاً في زماننا هذا، لما تجرأ الناس على ارتكابهما. ومن المعاصي التي تقام فيها الحدود ما يلي: حد السرقة: قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٢).

стр. 58

حد الزنا: قال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) (١)، وقال: (فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) (٢). حدود الردة والقتل والزنا للثيب: قال ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) (٣). حد الحرابة: قال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْارض فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْارض ذَلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (٤). حد القذف: قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (٥). حد اللعان: قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (٦). حد اللواط والشذوذ: قال رسول الله ﷺ : (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) (٧). ولكم في القصاص حياة: والحدود فيها حياة للمذنبين وتوبة وتطهير لهم، ليستطيعوا مواصلة حياتهم بضمير طيب وتوبة نصوح. قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (٨). وقد بشر النبي أمته بأنه من مات لا

стр. 59

يشرك بالله شيئاً يدخل الجنة حتى ولو زنا أو سرق. فالتوحيد والتوبة هما مفتاح النجاة. قال رسول الله ﷺ : (أتاني جبريل ﵇ فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق) (١). مصادر التشريع: ذكر ابن عاشور أن مصادر الشريعة المتفق عليها هي الكتاب والسنة، ثم الإجماع والقياس. وقد وافقه في ذلك علماء أهل السنة. ويمكنا أن نستقرأ شرعية هذه المصادر بما جاء في القرآن الكريم كما يلي: الكتاب: وهو القرآن العظيم وأصل الدين. وقد تكفل الله تعالى بحفظه وجعله مصدر التشريع الأول. قال تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (٢). فأمرنا الله بإتباع ما جاء فيه والعمل به. السنة: وهو ما وصلنا عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة. وهي مصدر التشريع الثاني. وكثيرا ما تكون السنة مبّيِّة ومفسرة للقرآن، وأحياناً تكون مُكملة لبعض الأحكام التشريعية التي لم يذكرها القرآن أو ذكر جزء منها. قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣). وهذا فيه رد على القرآنيين الذين ينكرون حجية السنة. القياس: وهو باب الاجتهاد للعلماء المتمكنين من علوم الشريعة. ويكون عادة في الأمور التي لم يرد فيها دليل ويمكن قياسها على أمور مماثلة ورد فيها دليل. الإجماع: وهو ما أجمعت عليه الأمة، لا سيما علماءها.

стр. 60

المطلب الرابع: شرح مقصد سياسة الأمة: سياسة الأمة مقصد عظيم من مقاصد القرآن الكريم عند ابن عاشور (١)، وبها يحصل صلاح الأمة وحفظ نظامها، ويستتب به أمن الدولة. وهذا ضرورة من ضرورات الحياة، حيث لا يستقيم أمر المسلمين إلا بإستقامة دولتهم، واستقرار أحوالها ونشر الأمن فيها. وقد أمرنا الله تعالى بالوحدة وعدم التفرق، والتمسك والاعتصام بكتاب الله تعالى لخدمة هذا المقصد. قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (٢). وهناك عدة عوامل تساعد على سياسة الأمة مثل طاعة ولاة الأمر والشورى والرفق بالرعية. طاعة الله ورسوله ومحبتهما: من أوامر القرآن الكريم طاعة الله وطاعة رسوله والنهي عن معصيتهما. قال تعالي: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (٣). وفي هذا إرشاد إلى أن من أطاعهما فقد اهتدي لخيري الدنيا والآخرة. وقد كانت في طاعتهما سببا في الفتح الإسلامي الكبير وتطور الأمة الإسلامية وعلومها وحضارتها في وقت وجيز. قال: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (٤). وتوعد الله تعالى من يخالف أمر الرسول بنار جهنم في قوله: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (٥). ومما يساعد على سياسة الأمة ووحدتها وقوتها أن يكون الله ورسوله أحب إلى المسلم مما سواهما. وذلك لارتباط طاعتهما بقوة الإيمان والإخلاص لهذا الدين ولولاة المسلمين ونصرتهم وزيادة الترابط بين المسلمين ووحدتهم وحب الخير لهم. وهذا ما قويت به الدولة الإسلامية في العصور الأولى، حتى فُتِحت لها مشارق الارض ومغاربها.

стр. 61

وجوب طاعة ولاة الأمر: إن طاعة ولاة الأمر من أهم ما يدعم مقصد سياسة الأمة ويستقر بها الأمن في بلاد المسلمين ويستتب. قال تعالى: (فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ) (١). وتحقيق الأمن في أي أمة يساعد على تقدمها ونمائها. وقد رأينا بلادنا العربية عندما كانت تنعم بالأمن الداخلي، رغم بعض الأمور المنكرة التي كانت تحدث بين فترة وأخرى، كانت لا تزال في تطور ونماء. وعندما ذهب الاستقرار الداخلي ذهب معه التطور والنماء، وأصبحت شعوبها تركض وراء خبزة العيش بعد أن كانت تنعم به من الازدهار وطيب العيش. وسبب ذلك فقد الأمن والاستقرار بسبب الخروج على ولاة الأمر. فانقلب الحال من خير إلى شر، وبعد أن كان المواطن يشكو من قليل من المشاكل اليومية التي تواجهه، أصبح يشكو من الكثير منها. بل أصبح يصارع الحياة لأجل البقاء. ولذا أوجب الإسلام طاعة ولاة الامر على المسلمين، ما لم يُؤمروا بمعصية. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (٢). وقال رسول الله ﷺ : (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية؛ فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) (٣). وبين النبي ﷺ أن السمع والطاعة حق لرئيس الدولة ما لم يُرى منه كفرا بواح، وذلك في قوله: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) (٤). ولا يخفى على العاقل أن ولاة الأمر هم بشر مثلنا، وأنهم يبذلون جهدهم في الإصلاح. ورغم نجاحهم الجزئي، إلا إن التوفيق الكامل من عند الله. فعلى الأمة الصبر وعدم تحميلهم فوق ما يتحملون ويطيقون. وكل البشر خطاؤون، فالعفو عن الزلات والصبر على الهفوات منهم أهون بكثير من دمار البلاد وذهاب الأمن والاستقرار بالكامل.

стр. 62

وأمرهم شورى بينهم: ومن دعائم مقصد سياسة الأمة الشورى، حيث هي من أهم أسباب وحدة الأمة وعدم تفرقها. قال تعال: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (١). ولا شك أن ولاة المسلمين لو اتبعوا هذا النهج لاستطاعوا من خلاله اتخاذ انجح القرارات وأصوبها للأمة. فبالشورى يتبين لصاحب الأمر أمور تكون خافية عليه ونواحي لم يفتح الله بها عليه بالتفكير فيها. ولذا وجه الله نبيه الكريم لاتباع مبدأ الشورى. قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (٢). أي لو كنت قاسي القلب وفظ معهم لذهبوا عنك ونفروا منك، ولكن عاملهم باللين واعف عنهم واستغفر لهم. وهذا توجيه له ﷺ ، وهو أكمل الخلق ومُدَّعم بالوحي، فكيف بولاة المسلمين الذين هم بشرٌ عاديين وليس لهم وحي. أليس حريٌّ بهم أن يستفيدوا من مشاورة المسلمين بدلاً عن الاستبداد بالرأي. العدل والإحسان والرفق بالرعية: لقد أمر الله ولاة الامر بالعدل والإحسان والرفق بالرعية، وقد جاءت هذه التوجيهات متفرقة في كثير من الآيات والأحاديث. منها ما كان في شكل مخاطبة للنبي ﷺ ، الذي علينا اتباعه، ومنها ما كان أمراً مباشر للمسلمين. فقد أمر الله تعالى نبيه بأن يخفض جناحه للمؤمنين، في قوله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٣). وهي كناية عن التواضع والرفق ولين الجانب. وما أجمل الرفق في كل شيء. فهو مما رفع نبينا الكريم إلى أعلى الدرجات، وجعله أحب خلق الله إليه. والرفق من الصفات التي حث عليها ديننا الحنيف، وهو من أكثر ما يُحبب الرعية في ولاتها. قال ﷺ : (من يحرم الرِّفق يحرم الخير) (٤). وقال: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه) (٥). فليس عليهم بذل جهد ولا مال، فقط رفق وكلمة طيبة وتلطّف بالرعية يكفي لكسب قلوب الناس. ويا ليت المسؤولين يتوقفوا هنا ويسمعوا

стр. 63

ما يقول رب البرية عن خير البرية، في قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (١). ففيها رسالة قيمة ووصفة سحرية توفر عليهم مصروفات السجون وتعذيب المعارضين والعلماء. كما أن الولاة مأمورون بالعدل والإحسان مثل بقية الأمة، بل هم أولى بها، إذ يتولون أمور الرعية والقضاء بينهم. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَائِ ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْىِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (٢). وقال ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول، فالإمام راع وهو مسئول، والرجل راع على أهله وهو مسئول، والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسئولة، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول) (٣). وقد كان رسول الله ﷺ نعم القائد ونعم الولي. وكان رحيما بأمته رفيقاً بهم، لم يعذب صحابته ولم يرهبهم ليطيعوه أو ينقادوا إليه. بل كان لين الجانب، كريم الخلق، بالمؤمنين رؤوف رحيم. قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (٤). ورغم كل هذا الكم من الآيات والأحاديث في هذا الشأن، إلا ان مظاهر القسوة والإرهاب لا تزال تتفشى في بلاد المسلمين من حكوماتهم. والادهى أن يكون هؤلاء الرؤساء ممن ينتمون لديننا، ويتكلمون بلغتنا، ولكن ليس في قلوبهم رحمة بالمسلمين. فنجد السجون تعج بمن قال كلمة حق، ومنهم من جوَّع رعيته وسرق مال الدولة، وآخر عذَّبهم وخرَّب بيوتهم وقطَّع أيديهم، أو أرسل صواريخه وقتلهم بالجوع، والكثير الكثير مما يعتصر القلب لذكره. ويا ليت رسول الله ﷺ كان بيننا ليرى ما وصل إليه الحال ومما بكت له القلوب ودمعت له العيون وفُطِرت عليه الاكباد. وربما إنتشار الذنوب والمعاصي هي سبب هذا البلاء، وعلى المسلمين التوبة والرجوع إلى الله، حتى لا يسلِّط الله عليهم من لا يخافه ولا يرحمهم.

стр. 64

المطلب الخامس: شرح مقصد القصص وأخبار الأمم السالفة للتأسي بصالح أحوالهم والمقصد الخامس عند ابن عاشور هو القصص وأخبار الأمم السالفة للتأسي بصالح أحوالهم (١). وفي ذلك تسلية للنبي ﷺ والمؤمنين وترسيخ للإيمان في قلوبهم، وتثبيتهم بما يذكر فيها من ابتلاء الأمم السابقة وعواقب الظالمين وانتصار الله لعباده المؤمنين. قال تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القرآن وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) (٢). وفي القصص عبرة للناس، حيث تحسهم على التوبة قبل أن يحل بهم ما حل بالأمم السابقة، التي رأت العذاب وأُغلِقت أبواب التوبة دونها. فقد قال تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (٣). والاعتبار بمن سبق طريق لتفادي العقاب. فوائد القصص القرآني عند ابن عاشور: إن للقصص القرآني فوائد عظيمة، أهمها العظة والعبرة للناس. قال تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (٤). وذكر ابن عاشور عشر فوائد للقصص القرآني، هي: • ان قصارى علم أهل الكتاب في ذلك العصر كان معرفة أخبار الأنبياء وأيامهم وأخبارهم، فاشتمال القرآن على تلك القصص بمثابة تحدي لهم. • أن من أدب الشريعة معرفة تاريخ سلفها في التشريع من الأنبياء بشرائعهم. • الإستفادة بما فيها من فائدة التاريخ من معرفة ترتيب المسببات على أسبابها في الخير، والشر، والتعمير، والتخريب. • الإستفادة بما فيها من موعظة المشركين بما لحق الأمم التي عاندت رسلها. • أن في حكاية القصص سلوك أسلوب التوصيف والمحاورة الذي لم يكن معهوداً عند العرب وكان شديد التأثير على النفوس. • أن العرب بتوغل الأمية والجهل فيهم أصبحوا لا تهتدي عقولهم إلا بما يقع تحت الحس. • تعويد المسلمين على معرفة سعة العالم وعظمة الأمم لدفع الغرور عنهم.

стр. 65

• أن ينشئ المسلمين همة السعي إلى سيادة العالم كما ساده أمم من قبلهم. • معرفة أن قوة الله تعالى فوق كل قوة وأن الله ينصر من ينصره. • أنها يحصل منها بالطبع فوائد في تاريخ التشريع والحضارة مما يفتق بأذهان المسلمين للإلمام بفوائد المدنية (١). فوائد تكرار القصص القرآني عند ابن عاشور: ذكر ابن عاشور أن القصص جاءت مكررة في القرآن الكريم لأن القرآن جاء في شكل خطب ومواعظ والقصص تجتذبها المناسبات فتذكر القصة معها كالبرهان. ولتكرار القصص خمس مقاصد، وهي "رسوخها في الأذهان بتكريرها، وظهور البلاغة، أن يسمعها اللاحقون من المؤمنين في وقت نزول القرآن، المساعدة على حفظ القرآن، كما أنه ذكر من القصة في موضع ما لم يذكره في الموضع الأخر" (٢). ومعلوم أن القصص من أنجح الوسائل التي تساعد على التفكر والتدبر. كما أنها تساعد على ترسيخ العقيدة وهداية الناس والإتعاظ بما حدث للأمم السابقة. قال تعالى: ((فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (٣). المطلب السادس: شرح مقصد التعليم بما يناسب حالة عصر المخاطبين: إن التعليم من الأساسيات التي يدعو إليها ديننا الحنيف، وقد جاء الحث على التعليم والتدبر في مواضع عدة من القرآن الكريم. ولذا عده ابن عاشور المقصد السادس من مقاصد القرآن الكريم (٤). قال تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب). حيث حث القرآن على التعلم، وسؤال أهل الذكر والتدبر في آيات الله تعالى. ال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (٥).

стр. 66

حكم طلب العلم: طلب العلم هو جزء من ديننا الحنيف وفريضة على كل مسلم. قال رسول الله ﷺ : (طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مُسلمٍ) (١). ومن دون العلم لا يستطيع المسلم أن يكون مسلماً. وهناك قدر من العلم الشرعي لا يستقيم إسلام المسلم إلا به، مثل تعلم الصلاة والزكاة والصوم ونحوه. فحتى النطق بالشهادة لابد فيه تعلم لفظها وما تقتضي من أمور قلبية وعقلية من فهم وايمان وتسليم وإذعان ونحوه. كذلك الأمر في بقية الأركان. فوائد طلب العلم: لطلب العلم فوائد عظيمة وأجور عالية، خلافا لما ذكرناه من أنه فريضة على كل مسلم. ونذكر من فوائده ما يلي: • العلم يزيد الايمان ويقويه. قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (٢). • العلم يبني للإنسان حصانة من الاهواء والفتن، فلا يقدر على إغوائه شياطين الانس والجن، لأن تقوى الله تمكنت من قلبه بزيادة العلم. • العلم طريق للجنة. فعن أبي هريرة ﵁ قالق: قال رسول الله ﷺ : (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة) (٣). • العلم يحفظ الانسان من اتباع البدع، فالعالم بدين الله يكون على دليل ونور من ربه وبصيرة من هداية القرآن الكريم، تحصِّنه من الزيغ والضلال. قال الله ﷺ : (إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) (٤). وقال في حديث آخر: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء

стр. 67

الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) (١). • العلم يزيد من الخشوع. قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (٢). المطلب السابع: شرح مقصد المواعظ، والإنذار، والتحذير، والتبشير المقصد السابع من مقاصد القرآن الكريم عند ابن عاشور هو المواعظ، والإنذار، والتحذير، والتبشير (٣). ويتضمن ذلك ترسيخ مبدأ الحساب والجنة، والنار، والمعاد، والحشر، وأحداث القيامة. وقد جاء القرآن بكثير من الوعظ في الترغيب والترهيب، ولا تكاد تخلو صفحة من صفحات القرآن منه. وأول ما نزل من القرآن كان إنذار الناس من الحساب وتبشيرهم بالجنة والثواب لمن آمن. وكان معظم القرآن المكي فيه، وهو الذي ثبَّت المسلمين في أول الدعوة، عندما كانوا ضعفاء لا حول لهم ولا قوة، فكان تذكر الوعد والوعيد جعلهم أقوياء صامدين. ولذا لو كنا بصدد ترتيب هذه المقاصد حسب أهميتها، لوضعتُ هذا المقصد في المرتبة الأولى، وذلك لأن صلاح الإعتقاد لا يأتي إلا بعد قبول الانسان للدعوة نفسها والدخول في دين الإسلام. فالمسيحي مثلا لا يمكن أن يصلح إعتقاده قبل أن يصبح مسلما، ولو صلح قبلها لما قُبل منه، وذلك لقوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (٤).

стр. 68

عبادة الله بين الخوف والرجاء: يجب على المؤمن أن يعبد الله بين الخوف والرجاء، فيكون وسط بين الطمع فيما عند الله من أجر، وبين الخوف من ناره وعذابه. فتتعادل المعادلة التي توازن بها كفتّي الميزان، ويتمكن بها المسلم من الحفاظ على سيره على عبادته في الطريق المستقيم الذي يقوده إلى جنة الله ورضوانه بأمان ويسر. قال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (١). فالمؤمن لا يزال خائفاً من عذاب الله، وإن فعل ما فعل من عبادات. فليس هناك أمان منه، ولا ضمان للجنة، ولا يأمن من مكر الله إلا القوم الكافرون. وكذلك لا ينقطع رجاءه من رحمته وإن فعل ما فعل من الذنوب. وذلك لعلمه بصفات الله وأفعاله، وأنه تعالى عفوٌ غفورٌ، وأن رحمته وسعت كل شيء، وأنه يغفر مع التوحيد والتوبة كل الذنوب بإذنه تعالى. قال تعالى: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (٢). وجاء في الحديث الشريف: (قدم على رسول الله ﷺ بسبي فإذا امرأة من السبي، تبتغي، إذا وجدت صبيا في السبي، أخذته فألصقته ببطنها وارضعته، فقال لنا رسول الله ﷺ : أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا، والله وهي تقدر على ألا تطرحه، فقال رسول الله ﷺ : لله أرحم بعباده من هذه بولدها). ويقول الله في الحديث القدسي: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها، أو أغفر ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الارض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة). والله ﵎ ينظر لقلوب العباد التي تنتهي بها النهايات والعبرة بالخواتيم. والأفضل للعبد في حياته تقوية جانب الخوف على الرجاء، وعند قرب أجله وقبل الموت فليقدم الرجاء على الخوف وقد أشار بذلك ابن القيم وبعض السلف. وهو مأخوذ من وصية رسول الله ﷺ بحسن الظن بالله عن الموت. قال رسول الله ﷺ : (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله (٣). وكذلك للتحذير من سوء الظن بالله تعالى عند الموت حين ينقطع عمل العبد، ويكون حرى به أن يحسن الظن بالله. قال تعالى: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِنَ الْخَاسِرِينَ) (٤). وأما الخوف من الله فهو أكبر وأكثر ذكرا

стр. 69

وأهم للعبد طيلة حياته على وجه الارض. وذلك لأن دخول النار مؤلم جدا للعبد بخلاف عدم دخول الجنة فهو ليس مؤلم وإن كان مؤسف بلا شك. بمعنى آخر أن كل الناس البر والفاجر يخاف النار، ولكن لا يطمع في الجنة الا القلة المؤمنة. وأما آيات التخويف فكثيرة جدا، ومنها ما تحدث عن أهوال القيامة وسكرات الموت، والبعث، والحساب، والميزان. وأشدها رعبا وصف أهوال القيامة الذي تفزع له القلوب، وأشدها موعظة وصف النار الذي تستيقظ به البصائر. ترسيخ مبادئ الموت والبعث والحشر والحساب والشفاعة والميزان والصراط والجنة، والنار: لقد جاء القرآن الكريم بترسيخ مبدأ الحساب وقيام الساعة وما يحدث فيها من أهوال عظام. فجاء الحديث عن الجنة والنار والصراط والميزان وأهوال القيامة، وغيرها في كثير من الآيات القرآنية، نذكر منها ما يلي على سبيل المثال: الموت: وهو سنة الحياة التي لا ينجو منها أحد، لا ملكٌ مقرب ولا نبي مُرسل. فكل من في الارض سيموت عاجلاً أو آجلاً، بدليل قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (١). البعث: قال تعالى: ('ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) (٢). الحشر: قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى الْارض وَإليه تُحْشَرُونَ) (٣). الميعاد: قال تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (٤). الحساب: قال تعالى: ('فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) (٥). وقال: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) (٦). وجاء في حديث عائشة ﵂: (من حوسب يوم القيامة، عذب فقلت: أليس قد قال الله : (فسوف يحاسب حسابا يسيراً)؟ فقال: ليس ذاك الحساب، إنما ذاك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب) (٧).

стр. 70

تطاير الصحف: قال تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (١)، وقال: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ) (٢). الميزان: قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِى أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) (٣). وقال ﷺ : (إنَّ الميزانَ بيَدِ الرَّحمنِ يَرفعُ قومًا ويخفِضُ آخَرينَ) (٤) الأعراف: قال تعالى: ('وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) (٥). الصراط: عن عائشة ﵂ قالت: (يا رسول الله والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه فأين المؤمنون يومئذ قال على الصراط يا عائشة) (٦). النار: قال تعالى: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) (٧). الجنة: قال تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) (٨). وعن أبو هريرة ﵁: قال الله تعالى: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) (٩). وتصديق ذلك في كتاب الله: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) (١٠). فشتَّان ما بين الجنة والنار، وإنه لعملٌ قليل وأجر كبير … فأين المشمرون!

стр. 71

علامات الساعة الصغرى والكبرى وأهوال يوم القيامة: علامات الساعة الصغرى: قيام الساعة هو أهم الأمور التي حذر منها الرُسل أقوامهم. وللساعة علامات صغرى وأخرى كبرى. فأما الصغرى فهي كثيرة جدا وقد حدث معظمها بالفعل إن لم يكن كلها. بل إن بعثة النبي ﷺ نفسها كانت من أشراط الساعة. قال رسول الله ﷺ : (بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة، والوسطى) (١). ومنها "موت النبي ﷺ ، وفتح بيت المقدس، وطاعون عمواس، واستفاضة المال، والاستغناء عن الصدقة، وإنتشار الفتن، ومقتل عثمان بن عفان ﵁، وموقعة الجمل، وموقعة صفين، وظهور الخوارج، وموقعة الحرة، وفتنة القول بخلق القرآن، واتباع سنن الأمم الماضية، وظهور مدعي النبوة، وإنتشار الأمن، وظهور نار الحجاز، وقتال الترك، وظهور الفتن من المشرق، وقتال العجم، وضياع الأمانة، وقبض العلم وظهور الجهل، وكثرة الشرط وأعوان الظلمة، وإنتشار الزنا، وإنتشار الربا، وظهور المعازف واستحلالها، وكثرة شرب الخمر واستحلالها، وزخرفة المساجد والتباهي بها، والتطاول في البنيان، وولادة الأمة لربتها، وكثرة القتل، وتقارب الزمان، وتقارب الأسواق، وظهور الشرك في هذه الأمة، وظهور الفحش وقطيعة الرحم وسوء الجوار، وتشبب المشيخة، وكثرة الشح، وكثرة التجارة، وكثرة الزلازل، وظهور الخسف والمسخ والقذف، وذهاب الصالحين، وارتفاع الأسافل، وأن تكون التحية للمعرفة، والتماس العلم عند الأصاغر، وظهور الكاسيات العاريات، وصدق رؤيا المؤمن، وكثرة الكتابة وإنتشارها، والتهاون بالسنن التي رغب فيها الإسلام، وانتفاخ الأهلة، وكثرة الكذب وعدم التثبت في نقل الأخبار، وكثرة شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وكثرة النساء وقلة الرجال، وكثرة موت الفجأة، ووقوع التناكر بين الناس، وعود أرض العرب مروجا وأنهارا، وكثرة المطر وقلة النبات، وحسر الفرات عن جبل من ذهب، وكلام السباع والجمادات للإنس، وتمني الموت من شدة البلاء، وكثرة الروم وقتالهم للمسلمين، وفتح القسطنطينية، وخروج القحطاني، وقتال اليهود، ونفي المدينة لشرارها ثم خرابها آخر الزمان، وبعث الريح الطيبة لقبض أرواح المؤمنين، واستحلال البيت الحرام، وهدم الكعبة" (٢). قال رسول الله ﷺ : قال رسول الله ﷺ : (إذا رأيت الرعاء البهم يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة العراة ملوك الارض،

стр. 72

ورأيت المرأة تلد ربها) (١). وقال أيضاً: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه عليه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه! وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس -يعني آمنوا- أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها) (٢). علامات الساعة الكبرى: وأما علامات الساعة الكبرى فهي التي تسبق يوم القيامة بحيث إذا ظهرت أحداها تتابع باقيها مثل حبات العقد. وهي مذكورة في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري حيث قال: (كان النبي ﷺ في غرفة ونحن أسفل منه، فاطلع إلينا، فقال: ما تذكرون؟ قلنا: الساعة، قال: إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب والدخان والدجال، ودابة الارض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس) (٣). وفي رواية أن العاشرة هي نزول عيسى ابن مريم وفي رواية أخرى: ريح تلقيهم في البحر. فيمكن اختصارها في ظهور المهدي المنتظر، وظهور المسيح الدجال، ونزول عيسى ﵇، وطلوع يأجوج ومأجوج، وحدوث ثلاث خسوف، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وطلوع الدابة، والنار التي تحشر الناس (٤). والمهدي هو رجل يخرج من آل بيت النبي ﷺ في آخر الزمان ليملأ الارض عدلا وقسطاً، وأما رجل أعور مكتوب على جبينه

стр. 73

كافر يقرأها كل مسلم، يخرج من جهة خراسان يدعي أنه الله. ثم ينزل عيسى ﵇ فيحاصر الدجال في فلسطين ويقتله (١). أهوال يوم القيامة: جاء تحذير الناس من يوم القيامة وما تكون فيه من أحداث عظام في آيات كثيرة من القرآن الكريم. قال تعالى: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أرضعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) (٢). فلنتخيل مشهد المرضع تتخلى عن فلذة كبدها الصغير، والحامل تضع حملها بكل ما في المخاض من ألم وشدة، وما ذلك إلا لهول المشهد والهلع الشديد الذي يصيب الناس. فهناك ما هو أهم وأشد رعبا يشغل الناس عن كل شاغل، ويجعلهم لا يكترثون حتى للتستر لما هم فيه من خوف، فيحشرون حُفاة عراة غرلا. يقول تعالى واصفاً حال الظالمين في ذلك اليوم: (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إليهمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ) (٣). وهي مع ذلك تأتي بغتة، حيث لا يكون الناس مستعدين لاستقبالها. قال تعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ) (٤). وتكون الشمس على قدر ميل أو ميلين تصهرهم في ذلك اليوم. قال ﷺ : (إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قيد ميل أو ميلين) (٥). وهذا شيء فظيع، فلنتخيل الوقوف في يوم مشمس لمدة ساعتين تحت الشمس وهي على بعد ملايين الأميال، لا بد سنشعر بالسخانة والتعب. فكيف سيكون الحال عندما تكون الشمس فوق رؤوس الخلاق على بعد ميل أو ميلين، والناس غارقون في عرقهم، كلٌّ حسب عمله. وعليهم البقاء في هذه الحال ليوم كان مِقداره خمسين ألف سنة. لا أظن أن هناك موعظة أشد وأبلغ من هذا التحذير، نسأل الله النجاة والسلامة، وأن يظلنا بظله يوم لا ظل إلا ظله.

стр. 74

المطلب الثامن: شرح مقصد الإعجاز بالقرآن ليكون آية دالة على صدق الرسول: القرآن هو معجزة الله الخالدة في كل زمان ومكان. وحفظه الله تعالى من التحريف والتبديل ليكون آية على نبوة النبي ﷺ وهداية ونور للمؤمنين. ولذا عده ابن عاشور ضمن مقاصد القرآن الكريم (١). وقد تحدى الله الكفار بالقرآن في عدة مراتب وكلها باءت بفشلهم في التحدي. وحاول الكفار الطعن في القرآن الكريم بمختلف الشبهات والحيل واختلاق الأكاذيب، ولكن علماء الإسلام تصدوا لها وردوها شبهة تلو أخرى. وانبهر كفار قريش بحلاوة القرآن وبلاغته حتى ظنوه سحرا (٢). وذلك كما في قوله تعالى: (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) (٣). فقيل إنها نزلت في الوليد ابن المغيرة الذي وصف القرآن بأنه سحر، وقال عنه: (إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمنير أعلاه مشرق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته) (٤). مراتب تحدي القرآن الكريم للكفار لأعجازهم: لقد تحدى الله كفار قريش في القرآن الكريم على عدة مراتب: • أولها أن يأتوا بمثله، فلم يستطيعوا. قال تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القرآن لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (٥).

стр. 75

• ثم تحداهم بأن يأتوا بعشر سور، ولم يستطيعوا أيضاً. قال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (١). • ثم تحداهم بما هو أقل من ذلك، وهو أن يأتوا بسورة واحدة من مثله، وعجزوا حتى عن ذلك. قال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (٢). ولا شك في ذلك، فمن يقرأ القرآن لا شك سيؤمن بالله لما في القرآن من قوة الحجة ومتانة اللغة وسحر البيان. مراتب علاقة القرآن بالعلوم الاخرى عند ابن عاشور: وقد ذكر ابن عاشور أن هناك من أنكر التوفيق بين العلوم الفلسفية ومعاني القرآن الكريم، بينما ذهب هو إلى أن هناك علاقة بين العلوم والقرآن الكريم على أربع مراتب، هي "علوم تضمنها القرآن كأخبار الأنبياء والأمم وتهذيب الأخلاق والفقه والتشريع والإعتقاد، والأصول، والعربية، والبلاغة، وعلوم تزيد المفسر علما كالحكمة والهيأة وخواص المخلوقات، وعلوم أشار إليها أو جاءت مؤيدة له كعلم طبقات الارض والطب والمنطق، علوم لا علاقة لها به إما لبطلانها كالزجر والعيافة" (٣). قواعد استنباط اعجاز القرآن الكريم: ربط العلوم الاخرى بالقرآن الكريم باب واسع وكثر فيه الخلط والجدل. وغالي فيه بعض من كتب في علوم اعجاز القرآن المختلفة، لا سيما باب الاعجاز العددي إن صح التعبير. وقد صحح بعضهم الاسم بقولهم لفتات عددية (٤). فقد حمَّل الآيات ما لا تحتمل ليصل إلى مبتغاه في اثبات نظرياته في الاعجاز العددي. والأصل الذي تحدث عنه العلماء هو أخذ نصوص القرآن على ظاهرها بما يتبادر إلى الذهن بدون تكلف ولا تعطيل ولا تحريف ولا تأويل دون قرينة وعدم تحميلها ما لا تحتمل. ومن القواعد الترجيحية أن الخبر على عمومه حتى يأتي
следующие страницы →