Полный текст (2 245 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
بكم عن اليمين بأنْ يَحْلِفُوا فتَنتهي الخصومةُ بحلفهم.
• وقوله: "أَعْطَى عَقْلَهُ"، أي: دِيَتَه، قالوا: إنَّما أعْطَى دفعًا للنِّزاعِ أو صلاحًا لذاتِ البَيْن، وجَبْرًا لِمَا لَحِقَهم من الكَسْر بوَاسِطةِ قتلِ قَرِيْبِهم وإلا فأهلُ القَتيلِ لا يسْتَحِقُّوْن إلا أنْ يَحْلِفُوا أو يَسْتَحْلِفوا المُدَّعى عَليهم مع نُكُوْلِهم ولَم يَتحَقَّقْ شيءٌ من الأمرين ههنا.
стр. 1192
[كِتَابُ الْحُدُودِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ لا يَجبُ عَلَيْهِ الحَدُّ
٩٧٧ - (١٤٢٣) - (٤/ ٣٢ - ٣٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى القُطَعِيُّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ، وَعَنِ المَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ".
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: "وَعَنِ الغُلَامِ حَتَّى يَحْتَلِمَ"، وَلا نَعْرِفُ لِلْحَسَنِ سَمَاعًا مِنْ عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ عَطَاءِ بْن السَّائِبِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْن أَبِي طالِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ، وَرَوَاهُ الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: قَدْ كَانَ الحَسَنُ فِي زَمَانِ عَلِيٍّ وَقَدْ أَدْرَكَهُ وَلَكِنَّا لا نَعْرِفُ لَهُ سَمَاعًا مِنْهُ. وَأَبُو ظَبْيَانَ اسْمُهُ:
стр. 1193
حُصَيْنُ بْنُ جُنْدَبٍ.
• قوله: "رُفِعَ القَلَمُ": كِنايةٌ عن عَدم كِتابَةِ الآثَامِ عليهم في هذه الأحْوَال؛ لحديثِ: "رُفِعَ الخَطَأ عن الأمَّةِ" مع أن القاتلَ خَطأ يَجِبُ عليه الدِّيَة، ولهذا الصَّحيحُ أن الصَّغيرَ يُثابُ على الصَّلاةِ وغيرها، وعلى هذا ففِي دَلالةِ الحَديثِ على عَدم الحَدِّ فِي حَقِّ هؤلاء بَحْثٌ. والله تعالى أعلم.
стр. 1194
بَابُ مَا جَاءَ فِي دَرْءِ الحُدُودِ
٩٧٨ - (١٤٢٤) - (٤/ ٣٣ - ٣٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ أَبُو عَمْرٍو البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ادْرَؤُوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي العَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي العُقُوبَةِ".
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ عَنْ يَزِيدَ بْن زِيَادٍ نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْن رَبِيعَةَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ. قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللهِ بْن عَمْرٍو. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ لا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْن رَبِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْن زِيَادٍ الدِّمَشْقِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ يَزِيدَ بْن زِيَادٍ نَحْوَه وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَرِوَايَةُ وَكيعٍ أَصَحُّ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ غيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أصْحَاب النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ قالوا مِثْلَ ذلِكَ. وَيَزِيدُ بْن زِيَادٍ الدِّمَشْقِيُّ ضَعِيفٌ فِي الحَدِيثِ، وَيَزِيدُ بْن أَبِي زِيَادٍ الكُوفِيُّ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا وَأَقْدَمُ.
• قوله: "ادْرَؤُوا"، أي: ادْفَعوا.
• قوله: "فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ": هو بدلُ اشْتِمالٍ عن الإمَام، والخبرُ هو "خَيْرٌ"، أو هو مبتدأ، خبرُه "خَيْرٌ"، والجملةُ خَبرُ "إنَّ".
стр. 1195
بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّتْر عَلَى المُسْلِمِ
٩٧٩ - (١٤٢٥) - (٤/ ٣٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّس اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كربِ الآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ على مسلِمٍ، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ".
قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ عُقْبَةَ بْن عَامِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ، وَرَوَى أَسْبَاطُ بْن مُحَمَّدٍ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَه، وَكَانَ هَذَا أَصَحُّ مِنَ الحَدِيثِ الأَوَّلِ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ أَسْبَاطِ بْن مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الحَدِيثِ.
• قوله: "مَنْ نَفَّسَ": - بتشديدِ الفاء - أي: فرَّج كُرْبَةً ودَفَعَها عنه، مِنْ أنْتَ فِي نَفَسٍ، أي: سَعَةٍ.
• قوله: "سَتره اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ": والسِّتْر في الآخِرة أنْ يأمَنَه من الافْتِضَاح على رُؤوس الأشْهَاد، ويحتملُ أن المرادَ سِتْر ذُنُوبِه بالمغفرةِ.
٩٨٠ - (١٤٢٦) - (٤/ ٣٤ - ٣٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ،
стр. 1196
وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ". قال أبُوْ عِيْسَى: هَذا حَدِيثٌ حسنٌ صحِيحٌ عرِيبٌ.
• قوله: "لا يَظْلِمُهُ"، أي: بنَفْسِه. "ولا يُسْلِمُهُ"، أي: إلى عَدُوِّه من أسْلَمَ، أي: لا يتْرُكُه ولا يَرْمِيْه في يَدِ ظَالمٍ يَظْلِمُه، في "النِّهاية" (١) مِنْ: أسْلَمَه اللهُ إذا ألْقَاه في الهَلَكَة ولم يَحْمِه من عَدُوِّه، وهو عامٌ في كُلِّ مَنْ أسْلَمْتَه إلى شَيءٍ ولكن غَلَب في الإلقاءِ في الهَلَكَة. الحواشي
(١) راجع: النهاية الجزرية لابن الأثير: ٥/ ١٩٨٨، ١٩٨٧.стр. 1197
بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّلْقِينِ فِي الحَدِّ
قوله: "التَّلْقِيْنُ": المَشْهورُ التَّلْقِين هو أنْ يُلَقِّنَ الإِمامُ الرَّجُوعَ عن الإقْرَارِ بالزِّنا بأنْ يَقُوْلَ له بعدَ الإقْرَار: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ" ونحو ذلك وهو الوَارِدُ في حديثِ ماعِز وغيرِه.
قال النوويُّ (١) : وقد جاءَ تَلْقِينُ الرُّجُوْع عن الإقْرَار بالحُدُوْدِ عن النَّبِيِّ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسَلَّم، وعن الخُلَفَاء الرَّاشِدِين ومَنْ بعدَهم، واتَّفَقَ العلماءُ عليه، ولا يَخْفى أن هذا الحديثَ الذي ذكرَه المُصَنِّفُ يَدُلُّ بظاهِره على الحَمْل على الإقْرَار بالزِّنا، وتلقينُ أنْ يقِرَّ به وهو يضادُ التَّلقينَ المعروفَ فلا يُمكنُ الاسْتِدْلالُ به، وهذا الحديثِ بظَاهِره مُخَالِفٌ لِما سَيَجِيءُ في البابِ الثَّاني أنَّه أعْرضَ عنه حينَ أقَرَّ به، ولمَا هو المشهورُ أنَّه لَقَّنَه الرُّجُوعَ عن الإقْرَار فإنَّه ظاهرٌ، والحديثُ أخْرَجه مسلمٌ (٢) وغيرُه (٣) . الحواشي
(١) راجع: صحيح مسلم بشرح النووي: ١١/ ١٩٥.(٢) راجع: صحيح مسلم: كتاب الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنى، ح: ١٦٩١.(٣) راجع: صحيح البخاري: كتاب الحدود، باب: هل يقول الإمام للمقر: لَعَلَّكَ لَمَسْتَ أو غَمَزْتَ؟ ح: ٦٨٢٤، وسنن أبي داود: كتاب الحدود باب: رجم ماعز بن مالك، ح: ٤٤٢٧.стр. 1198
بَابُ مَا جَاءَ فِي دَرْءِ الحَدِّ عَن المُعْتَرفِ إذَا رَجَعَ
٩٨١ - (١٤٢٨) - (٤/ ٣٦) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَة بْن سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْن عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ مَاعِزٌ الأَسْلَمِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّهِ الآخَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّهُ قَدْ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّهِ الآخَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأَمَرَ بِهِ فِي الرَّابِعَةِ، فَأُخْرِجَ إِلَى الحَرَّةِ فَرُجِمَ بِالحِجَارَةِ، فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الحِجَارَةِ فَرَّ يَشْتَدُّ حَتَّى مَرَّ برَجُلِ مَعَهُ لِحْيُ جَمَلِ فَضَرَبَهُ بِهِ، وَضَرَبَهُ النَّاسُ حَتى مَاتَ، فَذَكَرُوا ذلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ فَرَّ حِينَ وَجَدَ مَسَّ الحِجَارَةِ وَمَسَّ المَوْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلَّا تَرَكتُمُوهُ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ. أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذَا.
• قوله: "ويَشْتَدُّ"، أي: يَعْدُوْ ويُسْرِع.
• و "لِحْيُ جَمَلٍ": - بكسر اللَّام، وسكونِ الحَاءِ المُهْمَلةِ - عَظْمُه الَّذي يَنْبُتُ عليه الأسْنَان.
٩٨٢ - (١٤٢٩) - (٤/ ٣٦ - ٣٧) حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحَسَنُ بْن عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
стр. 1199
عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاعْترفَ بِالزِّنَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ اعْترفَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَبِكَ جُنُونٌ"، قَالَ: لا، قَالَ: "أَحْصَنْتَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بالمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَة فَرَّ فَأُدْرِكَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْرًا وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ.
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ المُعْتَرِفَ بالزِّنَا إِذَا أَقَرَّ عَلى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ، وَهُوَ قوْل أحْمَدَ، وَإِسْحَاق. وقال بَعْضُ أهْلِ العِلمِ: إِذا أَقَرَّ عَلى نَفْسِهِ مَرَّةً أُقِيمَ. عَليْهِ الحَدُّ، وَهُوَ قَول مَالِكِ بْن أَنَسٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ هَذَا القَوْلَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْن خَالِدٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ ابْنِي زَنَى بِامْرَأَةِ هَذَا … الحَدِيثَ بِطُولهِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْترفَتْ فَارْجُمْهَا"، وَلَمْ يَقُلْ فَإِنْ اعْترفَتْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.
• قوله: "أَبِكَ جُنُونٌ": قال النَّوويُّ: إنَّما قَال ذلك لِيَتَحَقَّقَ حالُه؛ فإنَّ الغالبَ أن الإنْسَانَ لا يُصِرُّ على الإقْرار بما يَقْتَضِي قتلَه مع أن له طريقًا إلى سُقُوْطِ الإثْمِ بالتَّوْبَة (١) .
• قوله: "أَحْصَنْتَ": فيه إنَّ الإمامَ يَسْأل عن شُرُوْطِ الرَّجْم من الإحْصَانِ وغيره، سواء ثَبَتَ بالإقرارُ [أم] بالبَيِّنَةِ. كذا ذكره النَّوويُّ (٢) . الحواشي
(١) راجع: صحيح مسلم بشرح النووي: ١١/ ١٩٣.(٢) راجع: المصدر السابق: ١١/ ١٩٣.стр. 1200
• قوله: "أَذْلَقَتْهُ": هو - بالذَّالِ المُعْجمة، وبالقاف - أي: أصَابَتْه بحَدِّها. [قاله] نووي (١) .
• قوله: "فَإِن اعْترَفَتْ": جوابُ مَنْ يَشْتَرِطُ الأربعَ، أن المرادَ به إنِ اعْترفَتْ بالرُّجُوْع الذي لا يوْجِبُ الرَّجْمَ، وكانَ ذلك الوجهُ معلومًا ومشهورًا بينَهم فاكْتَفى بذلك ولابُدَّ من ذلك، كيف ولو اعْترفَتْ مع دعوى الإكْراه أو الجُنُوْنِ و [ثَبَت] (٢) ذلك فلا رَجْم، فالاسْتِدْلالُ بِهذا الحديثِ لا يخْلُو عن نَظرٍ. الحواشي
(١) راجع: المصدر السابق: ١١/ ١٩٤.(٢) في المخطوط: "وإثباتها".стр. 1201
بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ أَنْ يُشْفَعَ فِي الحُدُودِ
٩٨٣ - (١٤٣٠) - (٤/ ٣٧ - ٣٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. عَنْ عُروَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُوميَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ. وَسَلَّمَ؟ فَقَالُوا: مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْن زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ "، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، فَقَالَ: "إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تركُوه، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَأيْمُ اللهِ! لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا".
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ مَسْعُودِ ابْنِ العَجْمَاءِ وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَيُقَالُ: مَسْعُودُ بْنُ العَجْمَاءِ بْنِ الأَعْجَمِ، وَلَهُ هَذَا الْحَدِيْثُ.
• قوله: "مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا"، أي: في شأنِها، وعَفْوِ الحَدِّ عنها. "مَنْ": للإنْكَار فرَجع إلى النَّفْي، فلذا اسْتَثْنَاه بقوله: "إلَّا أسَامَةَ".
• و "الحِبُّ": - بكسر الحَاء - بمعنى المَحْبُوب، ومعنى"يَجْتَرِئُ": يَتَجَاسر عليه بطَريقِ الإدْلالِ.
• وقوله: "وَأيْمُ الله … " إلخ، فيه دَليلٌ لجَوازِ الحَلف من غير اسْتِحَلافٍ وهو مُسْتَحِبٌّ إذَا كانَ فيه تَفْخِيمٌ لأمْرٍ مَطْلوبٍ في الحديثِ، ونظائرُه كثيرةٌ ذَكَره النَّووي (١) . الحواشي
(١) راجع: صحيح مسلم بشرح النووي: ١١/ ١٨٦، ١٨٧.стр. 1202
بَابُ مَا جَاءَ فِي تَحْقِيق الرَّجْمِ
٩٨٤ - (١٤٣١) - (٤/ ٣٨) حَدَّثَنَأ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: "رَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَرَجَمَ أَبُو بَكْرٍ وَرَجَمْتُ، وَلَوْلا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَزِيدَ فِي كِتَابِ اللهِ لَكَتَبْتُهُ فِي المُصْحَفِ، فَإِنِّي قَدْ خَشِيتُ أَنْ تَجِيءَ أَقْوَامٌ فَلا يَجِدُونَهُ فِي كِتَابِ اللهِ فَيَكْفُرُونَ بِهِ".
قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عُمَرَ.
٩٨٥ - (١٤٣٢) - (٤/ ٣٨ - ٣٩) حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْن شَبِيبٍ، وَإِسْحَاقُ بْن مَنْصُورٍ، وَالْحَسَنُ بْن عَلِيٍّ الخَلَّالُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْن عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: إِنَّ الله بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بالحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَه، وَإِنِّي خَائِفٌ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، فَيَقُولَ قَائِلٌ: لا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، أَلَا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ وَقَامَتِ البَيِّنَةُ أَوْ كَانَ حَبَلٌ أَوِ اعْتِرَافٌ. وَفِي البَابِ عن عليٍّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عُمَرَ ﵁.
• قوله: "آيَةُ الرَّجْمِ": أرادَ بِها: "الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارجُمُوْهُما البَتَّةَ"، وهذا مما نُسِخَ. لفظُه وبقي حُكْمُه.
стр. 1203
• وقوله: "فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "، أي: أمرَ به.
وقوله: "أَحْصَنَ": - بضم الهمزة - تزَوَّجَ، وَوَطِئ مُبَاحًا، وكانَ عاقِلًا بالغًا، وزَادَ علماءُنا الحَنَفِيَّةُ الإسلامَ.
• "أَوْ كَانَ حَبَلٌ": بأن وُجِدَتْ امرأةٌ حُبْلَى بلا زَوْجٍ وسَيِّدٍ، ووجُوْبُ الحدِّ به.
• قوله: "عُمَرَ": ومَنْ وَافَقَه، والجَمْهورُ على خِلافِه لكنَّ إعلانَ عمرَ بذلك على المِنْبَرِ كما هو المَرْوِيُّ في هذا الحديثِ، وسكوتَ الصَّحابةِ من الحَاضِرين عن مُخَالَفَتِه بالإنكارِ دَليلٌ على ثبوتِ الرَّجْم بذلك، وقد استَدَلَّ النَّوويُّ (١) بذلك على إثْباتِ أصل الرَّجْم، والاسْتِدْلالُ بمِثْلِه عندَهم مشهورٌ بل يَعُدُّونَه إجماعًا سُكُوْتِيا. والله تعالى أَعلم.
• قوله: "فَيَكْفُرُونَ بِهِ"، أي: يُنْكِرُوْنَه. قال النَّووي (٢) : وهذا الذي خَشِيَه قَدْ وَقَع منَ الخَوارِج ومَنْ وَافَقَهُمْ، وهذَا مِنْ كَرَاماتِ عمرَ رَضِي اللهُ تعالى عنه، ويحتملُ أنَّه عَلِم ذلك من جِهَتِه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم. الحواشي
(١) راجع: صحيح مسلم بشرح النووي: ١١/ ١٩١.(٢) المصدر السابق: ١١/ ١٩١.стр. 1204
بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجْمِ عَلَى الثَّيِّبِ
٩٨٦ - (١٤٣٣) - (٤/ ٣٩ - ٤١) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْن عُتْبَةَ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْن خَالِدٍ، وَشِبْلٍ، أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَاهُ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَحَدُهُمَا، وَقَالَ: أَنْشُدُكَ الله يَا رَسُولَ اللهِ، لَمَا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ؟ فَقَالَ خَصْمُهُ وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ! اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ وَائْذَنْ لِي فَاتكَلَّمَ: إِنَّ ابْنى كانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْني الرَّجْمَ، فَفَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ، ثُمَّ لَقِيتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، فَزَعَمُوا أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، المِائَةُ شَاةٍ وَالخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْترفَتْ فَارْجُمْهَا"، فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْترفَتْ فَرَجَمَهَا.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْن خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَه بِمَعْنَاه. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ بِمَعْنَاهُ.
قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْن سَمُرَةَ، وَهَزَّالٍ، وَبُرَيْدَةَ، وَسَلَمَةَ بْن المُحَبَّقِ، وَأَبِي بَرْزَةَ، وَعِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ.
стр. 1205
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْن خَالِدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَكَذَا رَوَى مَالِكُ بْن أَنَسٍ، وَمَعْمَرٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْن عُتْبَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْن خَالِدٍ، عَن النَّبيِّ ﷺ ، وَرَوَوْا بِهَذا الإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: "إِذا زَنَتِ الأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا، فَإِنْ زَنَتْ فِي الرَّابِعَةِ فَبِيْعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ". وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْن خَالِدٍ، وَشِبْلٍ، قَالُوا: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، هَكَذَا رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ الحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْن خَالِدٍ وَشِبْلٍ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَهِمَ فِيهِ سُفْيَانُ بْن عُيَيْنةَ أَدْخَلَ حَدِيثًا فِي حَدِيثٍ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الوَليدِ الزُّبَيْدِيُّ، وَيُونُسُ بْن عُبَيْدٍ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْن خَالِدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا".
وَالزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ شِبْلِ بْن خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مَالِكٍ الأَوْسِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ" وَهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ. وَشِبْلُ بْن خَالِدٍ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا رَوَى شِبْلٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مَالِكٍ الأَوْسِيِّ، عَن النَّبيِّ ﷺ وَهَذَا الصَّحِيحُ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَة غيْرُ مَحْفوظٍ، وَرُوِيَ عَنهُ أنَّهُ قال شِبْلُ بْن حَامِدٍ وَهُوَ خَطأٌ، إِنَّمَا هُوَ شِبْلُ بْن خَالِدٍ وَيُقَالُ أيضًا شِبْلُ بْن خُلَيْدٍ.
• قوله: "أَنْشُدُكَ الله": - بفتح الهمزةِ، وضَمِّ الشِّيْن، ونصبِ "الله" بنَزْع الخافِض - أي: أسألُكَ باللهِ.
• وقوله: "لَمَّا": - ضُبِط بتَشْديد الميم - فيكونُ بمَعْنى "إلا". وقيلَ: -
стр. 1206
بتَخْفِيْفِ اللام المفتوحَة (١) - في جَوابِ القَسْم، و"مَا" زَائِدةٌ، والأظْهَر عندِي كَسْرُ اللام وتخفيفُ المِيم على أن "مَا" مَصْدَرِيَّةٌ، أي: لأجْل أنْ يُقْضَى، والتَّعبيرُ بالمَاضِي للإشْعَار بأنَّ قَضَاءَه بكتابٍ مُتَحَقِّق الوُجُوْدِ بحيثُ كأنَّه تَحَقَّقَ، لكن كسرَ اللام غيرُ مشهورٍ رِوَايةً.
• وقوله: "وَكَانَ أَفْقَهَ": يحتملُ أنَّه كانَ أفْقَهَ عمومًا أو في خُصُوْصٍ مِن هذه القَضِيَّةِ لأدَائِها على وَجْهِها، ويحتملُ أنَّه لحُسْن أدَبِه واسْتِئْذَانِه في الكلامِ.
• قوله: "جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ": بالإضَافةِ فيهما.
• قوله: "رَدٌّ عَلَيْكَ"، أي: مردودٌ عليكَ.
• "فاغْدُ يَا أُنَيْسُ … " إلخ، قالَ النَّووي: اعْلَمْ أن بَعْثَ أنيسٍ مَحْمولٌ على إعلامِ المَرأةِ بأنَّ هذَا الرَّجُلَ قذَفها بابْنِه؛ ليُعَرِّفَهَا بأنَّ لَهَا عندَه حَدُّ القَذْفِ فتُطَالِب به أو تَعْفُو عنه، إلا أنْ تَعْتَرفَ بالزِّنَا فلا يَجِبُ عليه حَدُّ القَذْفِ بل يَجِبُ عليها حَدُّ الزِّنا وهو الرَّجْم؛ لأنَّها كانَتْ مُحْصِنَةً ولا بُدَّ من هذا التَّأويلِ لأنَّ ظَاهرَه أنَّه بعثَ لطَلبِ إقَامَةِ حَدِّ الزِّنا وهو غيرُ مرادٍ؛ لأنَّ حدَّ الزِّنا لا يحتاطُ له بالتَّجْسِيْس والتَّفْسِير، بل لو أقَرَّ به الزَّاني استحبَّ أنْ يُلَقَّنَّ الرُّجوعَ (٢) .
• قوله: "ضَفِير": كفَعيلٍ: الحَبْلُ، وهذا الفعلُ مُسْتَحَبٌّ عندَ الجُمهور، ويَلْزَم على البائع أنْ يُبَيِّنَ حالَها للَمُشْتري لأنَّه عيبٌ. فإنْ قيل: كيفَ يَكْرَه شَيْئًا وَيرْتَضيه لأخِيه المُسْلِمِ؟ فالجوابُ لعلَّها تسْتَعِفُّ عندَ المُشتري بأنْ يُعِفَّها بنَفْسِه، أو يَصُوْنَها بِهَيْبَتِه، أو بالإحْسَانِ إليها والتَّوسعة عليها، أو يُزَوِّجَها أو غيرَ الحواشي
(١) كما ورد في نسخة أحمد شاكر للترمذي.(٢) راجع: صحيح مسلم بشرح النووي: ١١/ ٢٠٧.стр. 1207
ذلك. والله تعالى أعلم كذا ذكره النووي (١) .
٩٨٧ - (١٤٣٤) - (٤/ ٤١ - ٤٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مَنْصُورِ بْن زَاذَانَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ الرَّجْمُ، وَالبِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ: عَلِيُّ بْن أَبِي طَالِبٍ، وَأبَيُّ بْن كَعْبٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُمْ، قَالُوا: الثَّيِّبُ تُجْلَدُ وَتُرْجَمُ، وَإِلَىَ هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ قَول إِسْحَاقَ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَغَيْرُهُمَا: الثَّيِّبُ إِنَّمَا عَلَيْهِ الرَّجْمُ وَلا يُجْلَدُ، وَقَدْ رُوِيَ عَن النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ هَذَا فِي غَيْرِ حَدِيثٍ فِي قِصّةِ مَاعِزٍ وَغيْرِهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِالرَّجْمِ وَلمْ يَأْمُرْ أنْ يُجْلدَ قبْل أَنْ يُرْجَمَ. وَالعَمَل على هَذا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ.
• قوله: "فَقَدْ جَعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا: هذه إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٢) فبَيَّنَ صلَّى الله تعالى عليه وسلم أن هذا هو ذلك السَّبيلُ.
• قوله: "وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، إِلَى قوله: الثَّيِّبُ إِنَّمَا عَلَيْهِ الرَّجْمُ": قلتُ: هكذا في كثيرٍ من نُسَخِ الكتابِ، ووقع في بعض النسخ: "وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ وَهُوَ الحواشي
(١) المصدر السابق: ١١/ ٢١١، ٢١٢.(٢) النساء: ١٥.стр. 1208
قَوْلُ إسْحَاقَ، وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ … "إلخ، وهذه النُّسْخَة أظهرُ مَعْنًى، وأمَّا النُّسْخَةُ المشهورةُ فتَوجِيْهُها أنْ يُجعلَ الإشارة في قولِه: "وإلى هَذا" الرَّجم المُتَّصل به، أي: وإلى الرَّجم فقطُّ بقَرِيْنَةِ ما ذكر من البَيانِ بقوله: "الثَّيِّبُ إِنَّمَا عَلَيْهِ الرَّجْمُ": والله تعالى أعلم.
стр. 1209
باب منه (١)
٩٨٨ - (١٤٣٥) - (٤/ ٤٢) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْن عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَبِي المُهَلِّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ اعْترفَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالزِّنَا، فَقَالَتْ: إِنِّي حُبْلَى، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ وَليَّهَا، فَقَالَ: "أَحْسِنْ إِلَيْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا فَأَخْبِرْنِي"، فَفَعَلَ فَأَمَرَ بِهَا، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَجْمِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللهِ! رَجَمْتَهَا ثُمَّ تُصَلِّي عَلَيْهَا، فَقَالَ: "لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ المَدِينهِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلهِ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
• قوله: "أَحْسِنْ إِلَيْهَا": قالَ ذلك دَفْعًا لِمَا كانَ عليهَا من أذَى الأقَارِب بوَاسِطَة لُحُوْقِ العَار، أو لأنَّها تابَتْ فاسْتَحَقَّتِ الإحْسَانَ.
• قوله: "مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا … " إلخ، من الجُوْدِ، أي: صَرَفَتْ نَفْسَها في رضى اللهِ تعالى كما يَصْرِفُ أحدٌ المالَ فيه ويجودُ به. الحواشي
(١) في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ تَرَبُّصِ الرَّجْمِ بِالحُبْلَى حَتَّى تَضَعَ.стр. 1210
بَابُ مَا جَاءَ فِي رَجْمِ أَهْلِ الكِتَابِ
٩٨٩ - (١٤٣٧) - (٤/ ٤٣/ ٤٤) حَدَّثَنَاِ هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ سِمَاكِ بْن حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْن سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ يَهُودِيًّا وَيَهُودِيَّةً.
قَالَ: وفي البَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالبَرَاءِ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَعَبْدِ اللهِ بْن الحَارِثِ بْن جُزْءٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ جَابِرِ بْن سَمُرَةَ حَدِيثٌ حَسَن غَرِيبٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ، قَالُوا: إِذَا اخْتَصَمَ أَهْلُ الكِتَابِ وَتَرَافَعُوا إِلَى حُكَّامِ المُسْلِمِينَ حَكَمُوا بَيْنَهُمْ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَبِأَحْكَامِ المُسْلِمِينَ، وَهُوَ قَول أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يُقَامُ عَلَيْهِمُ الحَدُّ فِي الزِّنَا، وَالقَوْلُ الأوَّلُ أَصَحُّ.
• قوله: "لا يُقَامُ عَلَيْهِمُ الحَدُّ": قالوا: حُكْمُه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلم عليهم بالرَّجْم كانَ بالتَّوْرَاةِ.
قلتُ: فيَجِبُ علينَا اتِّباعُه في الحُكْم بينَهم بما أنزلَ اللهُ على أن هذا مُسْتعبد، بل ظاهرُ قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ الآية (١) . تَقْتَضي أنَّه يَجِبُ الحكمُ بينَهم بشَريعَتِه. والله تعالى أعلم. стр. 1211
بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّفْيِ
٩٩٠ - (١٤٣٨) - (٤/ ٤٤ - ٤٥) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَيَحْيَى بْن أَكْثَمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن إِدْرِيسَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ.
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْن خَالِدٍ، وَعُبَادَةَ بْن الصَّامِتِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، رَوَاه غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن إِدْرِيسَ فَرَفَعُوه، وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن إِدْرِيسَ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْن عُمَرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن إِدرِيسَ. وَهَكَذَا رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إِدْرِيسَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْن عُمَرَ نحْوَ هَذَا، وَهَكَذَا رَوَاه مُحَمَّدُ بْن إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَلَمْ يَذْكَرُوا فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ النَّفْيُ رَوَاه أَبُو هُرَيْرَةَ، وَزَيْدُ بْن خَالِدٍ، وَعُبَادَة بْن الصَّامِتِ وَغَيْرُهُمْ عَنِ النَّبيِّ ﷺ . وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْل العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَأبَيُّ بْن كعْبٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو ذَرٍّ وَغَيْرُهُمْ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَول سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكِ بْن أَنَسٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْن المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
• قوله: "رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ": في حديثِ العَسِيْفِ حديثٌ قالَ فيه صلَّى الله تعالى عليه وسلم: "عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ".
стр. 1212
بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الحُدُودَ كَفَّارَةٌ لِأَهْلِهَا
٩٩١ - (١٤٣٩) - (٤/ ٤٦ - ٤٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْن عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِتِ، قَالَ: كنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: "تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزنوا - قَرَأَ عَلَيْهِمُ الآيَةَ - فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُه عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ عَلَيْهِ فَهُوَ كفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ فَهُوَ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ".
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَخُزَيْمَةَ بْن ثَابِتٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عُبَادَةَ بْن الصَّامِتِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ أَسْمَعْ فِي هَذَا البَابِ أَنَّ الْحَدَّ يَكُونُ كَفَّارَةً لِأَهْلِها شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأُحِبُّ لِمَنْ أَصَابَ ذَنْبًا فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ وَيَتُوبَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ. وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَبي بَكْرِ، وَعُمَرَ أَنَّهُمَا أمَرَا رَجُلًا أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ.
• قوله: "وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا": هذا مَخصوصٌ بغير الشِّرْكِ وإلا فالمُشْركُ لا يُغْفَرُ له ولا يكونُ عُقُوْبَتُه كَفَّارةً له.
стр. 1213
بَابُ مَا جَاءَ فِي إقَامَةِ الحَدِّ عَلَى الإِمَاءِ
٩٩٢ - (١٤٤١) - (٤/ ٤٧) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْن عَلِي الخَلَّالُ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْن قُدَامَةَ عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ سَعْدِ بْن عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى أَرِقَّائِكُمْ مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ، وَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ زَنَتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَأتيْتُهَا فَإِذَا هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، أَوْ قَالَ: تَمُوتَ، فَأتيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "أَحْسَنْتَ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَالسُّدِّيُّ اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ قَدْ سَمِعَ مِنْ أَنَسِ بْن مَالِكٍ، وَرَأَى حُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ.
• قوله: "عَلَى أَرِقَّائِكُمْ": - بفتح الهَمزةِ، وكسر الرَّاء، وتشديدِ القَاف - كالأحِبَّاء وزنًا.
٩٩٣ - (١٤٤٠) - (٤/ ٤٦ - ٤٧) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا ثَلاثًا بِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ عَادَتْ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ".
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَشِبْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ الأَوْسِيِّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ
стр. 1214
صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ رَأَوْا أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ الحَدَّ عَلَى مَمْلُوكِهِ دُونَ السُّلْطَانِ، وَهُوَ قَولُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُرْفَعُ إِلَى السُّلْطَانِ وَلَا يُقِيمُ الحَدَّ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَالقَوْلُ الأوَّلُ أَصَحُّ.
• قوله: "ثَلَاثًا"، أي: ثلاثَ مرَّاتٍ. "فإنْ عَادَتْ": في المَرَّة الرَّابعَةِ إلى الزِّنا.
• قوله: "يَرْفَعُ إلى السُّلْطَانِ": ففسَّرُوا قولَه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم: "فَلْيَجْلِدْهَا": بذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 1215
بَابُ مَا جَاءَ فِي حَدِّ السَّكْرَانِ
٩٩٤ - (١٤٤٢) - (٤/ ٤٧ - ٤٨) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْن وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ زيدٍ العَمِّيِّ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ البَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَرَبَ الحَدَّ بِنَعْلَيْنِ أَرْبَعِينَ. قَالَ مِسْعَرٌ: أَظُنُّهُ فِي الخَمْرِ.
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أَزْهَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالسَّائِبِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعُقْبَةَ بْن الحَارِثِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَأَبُو الصِّدِّيقِ البَّاجِيُّ اسْمُهُ: بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو، وَيُقَالُ: بَكْرُ بْنُ قَيْسٍ.
• قوله: "ضَرَبَ الحَدَّ"، أي: أمَر بالضَّرْبِ.
• وقوله: "بِنَعْلَيْنِ": قيل: إنَّه ضَرَبَ بكُلٍّ منهما عدَدًا حَتَّى كَمُل من الجَمْع أربعونَ، وكذا ما في الحديثِ الآتِي، فضَرَبه بجَرِيْدَتَيْن. وقيل: بل جَمَعَهما وجلده بِهما فيكونُ المبلغُ ثمانين.
٩٩٥ - (١٤٤٣) - (٤/ ٤٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّت عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ فَضَرَبَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ الأرْبَعِينَ، وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ: كَأَخَفِّ الحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ.
قَالَ أَبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ
стр. 1216
أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ حَدَّ السَّكْرَانِ ثَمَانُونَ.
• قوله: "اسْتَشَارَ النَّاسَ": بسَبَب أنَّه كَتَب إليه خالدُ بنُ الوليدِ أن النَّاسَ قد انْهَمَكُوْا في الشُّرب وتَحَاقَرُوْا العُقُوبةَ.
• وقوله: "فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ"، أي: بعدَ اتِّفَاقِ الصَّحابةِ عليه كما ثَبَتَ بذلك الرَّواية.
بقي أن الحُدودَ لا تزاد بالقِياس والمَصَالح، والإجماعُ لا ينْسَخ، ولا جوابَ إلا بالْتِزام أن العَملَ في وَقْتِه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم كانَ مختلفًا، فأخَذوا بأغْلَظِ ذلك كُلِّه. والله تعالى أعلم.
• قوله: "كَأَخَفِّ الحُدُودِ … " إلخ، المرادُ بِهما الحُدُوْدُ المذكورةُ في القُرآنِ من حَدِّ الزِّنا، والسَّرقة، والقَذفِ، وأخَفُّها حَدُّ القَذفِ.
стр. 1217
بَابُ مَا جَاءَ فِي كَمْ يُقْطَعُ (١) [يَدُ] السَّارِقِ
٩٩٦ - (١٤٤٥) - (٤/ ٥٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْن حُجْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْن عُيَيْنةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَتْهُ عَمْرَة، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْطَعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ هَدا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ غَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا، وَرَوَاه بَعْضُهُمْ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ مَوْقُوفًا.
• قوله: "مَرْفُوْعًا"، أي: بلَفظِ قال رسولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم: "لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا في رُبْعِ دِيْنَارٍ فَصَاعِدًا".
٩٩٧ - (١٤٤٦) - (٤/ ٥٠ - ٥١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَطَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ.
قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ سَعْدٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْن عَمْرٍو، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَيْمَنَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ قَطَعَ فِي خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَرُوِي عَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ: أَنَّهُمَا قَطَعَا فِي رُبُعِ دِينَارٍ. وَرُوِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُمَا قالَا: تُقْطَعُ اليَدُ الحواشي
(١) في نسخة أحمد شاكر للترمذي: "تُقْطَعُ" مكان "يُقْطَعُ".стр. 1218
فِي خَمْسَةِ دَرَاهِمَ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَول مَالِكِ بْن أَنَسٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ: رَأَوْا القَطْعَ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا.
وَقد رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعودٍ أنهُ قال: "لا قَطْعَ إِلَّا فِي دِينَارٍ أوْ عَشرَةِ دَرَاهِمَ"، وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ رَوَاه القَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَالقَاسِمُ لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْم، وَهُوَ قَول سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأهْلِ الكُوفةِ، قَالُوا: لا قَطعَ فِي أقَلَّ مِنْ عَشرَةِ دَرَاهِمَ. وَرُوِي عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: لا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ". وَلَيْسَ إِسْنَادُه بِمُتَّصِلٍ.
• قوله: "مِجَنٍّ": - بكسر، ففتح، فتشديد نون - اسم لكُلِّ مَا يُسْتَر به من التُرْس ونحوه.
• وقوله: "قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ": من يقولُ بظاهِر الحديثِ الأوَّل يَحْمِلُه على أنَّه هذا القدرُ كان رُبْعُ دينارٍ في ذلك الوَقْتِ والرِّوَاياتُ شاهِدةٌ بذلك.
стр. 1219
بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْلِيق يَدِ السَّارِقِ
٩٩٨ - (١٤٤٧) - (٤/ ٥١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن مُحَيْرِيزَ، قَالَ: سَأَلْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ تَعْلِيقِ اليَدِ فِي عُنُقِ السَّارِقِ أَمِنَ السُّنَّةِ هُوَ؟ قَالَ: "أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُه ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْن عَلِيٍّ المُقَدَّمِيِّ عَنِ الْحَجَّاجِ بْن. أَرْطَاةَ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن مُحَيْرِيزَ هُوَ أَخُو عَبْدِ اللهِ بْن مُحَيْرِيز شَامِيٌّ.
• قوله: "فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ": قال القاضي أبو بكرٍ: كأنَّه من بابِ التَّطْويفِ به والإشَادَة بذِكْره ليَرْتَدِعَ به، ولو ثَبَتَ لكان حَسَنًا صحيحًا لكنَّه لم يَثْبُتْ، ويَرْويه الحَجَّاجُ بْنُ أرطاةَ (١) . الحواشي
(١) راجع: عارضة الأحوذي بشرح الترمذي لابن العربي: ٦/ ١٨٠.стр. 1220
بَابُ مَا جَاءَ فِي الخَائِنِ، وَالمُخْتَلِسِ، وَالمُنْتَهِبِ
٩٩٩ - (١٤٤٨) - (٤/ ٥٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْن خَشْرَمٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْن يُونُسَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ، وَلا مُنْتَهِبٍ، وَلا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَقَدْ رَوَاهُ مُغِيرَةُ بْن مُسْلِمٍ أَخُو عَبْدِ العَزِيزِ الْقَسْمَلِيِّ، كَذَا قَالَ عَلِيُّ بْن المَدِينيِّ بَصْرِيٌّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
• "الخَائِن": هو الذي جُعِل أمينًا على مالٍ فخانَ فيه "والمُنْتَهِب": من يأخُذُ مُكَابَرةً. "وَالمُخْتَلِس": من يَخْتَلِسُ بسُرعَةٍ على غَفْلةٍ.
قال القاضي: الخائنُ قد يُمَكَّنُّ من المَالِ فلم يَكُنْ مَحْرُوزًا عنه، والمُنْتَهِب: جَاهرٌ، ومقتضى السَّرقةِ الخفاءُ والسِّترُ عن الأبْصَار والأسْمَاع، وَالمُخْتَلِس: سارقٌ لغةً لكنَّه مُجَاهرٌ لا يقْصِد الخَلَواتِ، ولا يَقْصِد الغَفَلاتِ إلا عن المَسْرُوقِ منه خَاصَّةً، والمَرعِيُّ فعلُ السَّرقةِ على العُمُوْمِ (١) . الحواشي
(١) راجع: عارضة الأحوذي بشرح الترمذي لابن العربي: ٦/ ١٨١.стр. 1221
بَابُ مَا جَاءَ لَا قَطَعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ
١٠٠٠ - (١٤٤٩) - (٤/ ٥٢ - ٥٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن يَحْيَى بْن حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْن حَبَّانَ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: "لا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَكَذَا رَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن يَحْيَى بْن حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْن حَبَّانَ، عَنْ رَافِعِ بْن خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ رِوَايَةِ اللَّيْثِ بْن سَعْدٍ، وَرَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن يَحْيَى بْن حَبَّانَ، عَنْ رَافِعِ بْن خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ وَاسِعِ بْن حَبَّانَ.
• قوله: "فِي ثَمَرٍ": فُسِّر بِمَا كان مُعَلَّقًا في النَّخْل قبلَ أن يُجَدَّ ويُحْرَز.
• "وَالكَثَر": - بفتحتين - جُمَّارُ النَّخْل - بضَمِّ الجيمِ، وتشديدِ الميم - قال في "النِّهايةِ": وهو شَحْمُه الذي في وَسَطِ النَّخْلَة (١) . الحواشي
(١) راجع: النهاية الجزرية لابن الأثير: ٨/ ٣٥٨٢.стр. 1222
بَابُ مَا جَاءَ أَنْ لَا تُقْطَعُ الأَيْدِي فِي الغَزْوِ
١٠٠١ - (١٤٥٠) - (٤/ ٥٣ - ٥٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَيَّاشِ بْن عَيَّاشِ الْبصْرِيِّ، عَنْ شُيَيْمِ بْن بَيْتَانَ، عَنْ جُنَادَةَ بْن أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ بُسْرِ بْن أَرْطَاةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لا تُقْطَعُ الأَيْدِي فِي الغَزْوِ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ رَوَاه غَيْرُ ابْنِ لَهِيعَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَ هَذَا، وَيُقَالُ بُسْرُ بْن أَبِي أَرْطَاةَ أيضًا.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْهُمْ: الأَوْزَاعِيُّ لَا يَرَوْنَ أَنْ يُقَامَ الحَدُّ فِي الغَزْوِ بِحَضْرَةِ العَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَلْحَقَ مَنْ يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ بِالعَدُوِّ، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ مِنْ أَرْضِ الحَرْبِ وَرَجَعَ إِلَى دَارِ الإِسْلامِ أَقَامَ الحَدَّ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ كَذَلِكَ قَالَ الأوْراعِيُّ.
• قوله: "وَالعَمَل عَلَى هَذا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ": لم يَقُلْ بظَاهِره أكثرُ الفُقَهَاء، فقال قائلٌ: إنَّه ضعيفٌ. وقال آخرون: المرادُ بقولِه: "في غَزْوٍ" في غَنِيمةٍ لأنَّه شريكٌ بسَهْمِه فيه.
стр. 1223
بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُل يَقَعُ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ
١٠٠٢ - (١٤٥١) - (٤/ ٥٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْن حُجْرٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سَعِيدِ بْن أَبِي عَرُوبَةَ، وَأَيُّوبَ بْن مِسْكِينٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْن سَالِمٍ قَالَ: رُفِعَ إِلَى النُّعْمَانِ بْن بَشِيرٍ رَجُلٌ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: "لأقْضِيَنَّ فِيهَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَئِنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَهُ لأجْلِدَنَّهُ مِائَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَهُ رَجَمْتُهُ".
• قوله: "لأَجْلِدَنَّهُ مِائَةً": أجَلَدتُّه الحَدَّ، يعنى أدَّبْتُه تعزيرًا، وبَلَغ به عددَ الحُرِّ تنكيلًا؛ لأنَّه رأى حدَّه بالجلد حَدًّا له. قاله القاضي (١) .
قلتُ: لأنَّ المُحْصِنَ حَدُّه الرَّجْمُ لا الجَلْد، ولعلَّ سببَ ذلك أن المَرأةَ إذا أحَلَّتْ جاريتَها لزَوْجِها فهي إعارةُ الفُرُوْج فلا تَصِحُّ، لكن العَاريةَ تصيرُ شُبْهَةً تُسْقِط الحدَّ إلا أنَّها شُبْهَةٌ ضعيفةٌ جِدًّا، فيُعَزَّو صاحِبُها، والحديثُ مضطربٌ ضَعَّفه البُخاري (٢) ؛ فلذلك تَرَكَه غالبُ الفُقهاءِ. الحواشي
(١) راجع: عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي لابن العربي: ٦/ ١٨٤.(٢) راجع: كتاب الضعفاء الصغير للإمام الحافظ محمد بن إسماعيل البخاري: ٥٣.стр. 1224
بَابُ مَا جَاءَ فِي المَرْأَةِ إذَا اسْتُكْرِهَتْ عَلَى الزِّنَا
١٠٠٣ - (١٤٥٤) - (٤/ ٥٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن يُوسُفَ عَنْ إِسْرَائِيلَ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْن حَرْبٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْن وَائِلٍ الكِنْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ امْرَأَةً خَرَجَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تُرِيدُ الصَّلاةَ، فَتَلَقَّاهَا رَجُلٌ فَتَجَلَّلَهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا فَصَاحَتْ، فَانْطَلَقَ وَمَرَّ عَلَيْهَا رَجُلٌ، فَقَالَتْ: إنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ فَعَلَ بي كَذَا وَكَذَا، وَمَرَّتْ بعِصَابَةٍ مِنَ المُهَاجرينَ، فَقَالَتْ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ فعَلَ بِي كَذا وَكَذا، فَانْطَلَقُوا، فأَخَذُوا الرَّجُلَ الذِي ظَنَّتْ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهَا وَأَتُوْهَا، فَقَالَتْ: نَعَمْ هُوَ هَذَا، فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَمَرَ بِهِ لِيُرْجَمَ قَامَ صَاحِبُهَا الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَا صَاحِبُهَا، فَقَالَ لَهَا: "اذْهَبِي فَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكِ"، وَقَالَ لِلرَّجُلِ قَوْلًا حَسَنًا، وَقَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا: "ارْجُمُوه"، وَقَالَ: "لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا أَهْلُ المَدِينَةِ لَقُبِلَ مِنْهُمْ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلِ بْن حُجْرٍ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ عَبْدِ الجَبَّارِ بْن وَائِلٍ، وَعَبْدُ الجَبَّارِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ.
• قوله: "فَتَحلَّلَهَا"، أي: تغَشَّاها وجَامَعها من الحَلال - بالحاء المُهملة - وقيل: أي: صار لَهَا كالجُلِّ عليها، وهذا يدُلُّ على أنَّه الجِيمُ (١) .
• قوله: "فَلَمَّا أَمَرَ بِهِ لِيُرْجَمَ": لا يخْفى أنَّه بظَاهِره مُشْكِلٌ إذ لا يسْتَقِيمُ الأمرُ برَجْمِه من غَيرِ إقْرَارٍ ولا بَيِّنَةٍ، وقولُ المرأةِ لا يصلحُ بَيِّنَةً، بل هي التي الحواشي
(١) وقد ورد في نسخة أحمد شاكر للترمذي بالجيم كما ذكر في متن الحديث.стр. 1225
تَسْتَحِقُّ أنْ تُحَدَّ حَدَّ القَذفِ، فلعلَّ المرادَ فلَمَّا قَاربَ أنْ يَأمرَ به، وذلك قال الرَّاوي من حيثِ الظَّاهر أنَّهم أحْضَرُوْه في المَحْكم عندَ الإمام، فالإمامُ اشْتَغلَ بالتَّفْتِيْشِ عن حالِه. والله تعالى أعلم.
وأجاب القاضي: (١) بأنَّه حَكَم به لإظْهارِ الحَقِّ لا لِيَرْجُم، قال وفي هذا حكمةٌ عظيمةٌ، وذلك أن النبيُّ صلَّى اللهُ تعالى عبيه وسلَّم إنَّمَا أمَر به ليُرْجَم به قبلَ أن يُقِرَّ بالزِّنا، أوْ أنْ يَثْبُتَ عليه؛ ليكونَ ذلك سبببًا في إظْهَار الفَاعِل لنَفْسِه حَتَّى خَشِي أنْ يُرْجَم مَنْ لم يَفْعَلْ، وفدْا من غَريْبِ اسْتِخراج الحُقُوْقِ ولا يجوزُ ذلك لغَيْره صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم؛ لأنَّ غيرَه لا يَعْلَم من البَواطِن ما عَلِمَ هو صلَّى الله تعالى عليه وسلم. والله تعالى أعلم.
قلتُ: وفيه بحثٌ إذِ الْحُدوْدُ مِمَّا يُمْحَل في دَفْعِها لا في إثْبَاتِها، بل إذا أقَرَّ يَنْبَغي أنْ يُلَقَّنَ الرُّجُوعَ، فكيفَ يُحْمَل على الإقْرارِ بِهذا الوَجْه؟
ويمكنُ الجَوابُ بأنَّه لابُدَّ ههنا من إحْدَى الْحَدَّيْن، إمَّا أنْ تُحَدَّ المرأةُ بالقَذْفِ إنْ لَمْ يَثْبُتِ الزِّنَا، أو يُحَدَّ الرَّجُلُ إنْ ثَبَتَ، ففِي مثلِ هذَا يُمْكِنُ التَّمَحُّلُ لاسْتِخْرَاج الحَقِّ، لكنَّه قَدْ يُقَال: المَرأة يَنْبغِي أن تُحَدَّ؛ لأنَّها قَذَفَتْ ذلك الرَّجُلَ، وذلك الحَدُّ لا يزُوْلُ بظُهُورِ الحَقِّ إلا أنْ يُقَالَ: إذَا ظَهَر أن المرأةَ في أصْل القَذْفِ صَادِقَةٌ، وبالنَّظْر إلى خُصُوْصِ الرُّجُل قد ظَهَر أنَّه اشْتبَه عَلَيْها الأمْرُ وهِيَ مَعْذورةٌ، ففي مِثْلِ هذه الصُّوْرَة يَنْدَفِعُ عنها الحَدُّ إذا ثَبَتَ أصْلُ الزِّنَا، فلذلك يُمْحَل في اسْتِخْراجِ أصْلِ الزِّنَا. والله تعالى أعلم. الحواشي
(١) راجع: عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي لابن العربي: ٦/ ١٨٨.стр. 1226
بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يَقَعُ عَلَى البَهيمَةِ
١٠٠٤ - (١٤٥٥) - (٤/ ٥٦ - ٥٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن عَمْرٍو السَّوَّاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْن أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ وَجَدْتُمُوه وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوه وَاقْتُلُوا البَهِيمَةَ"، فَقِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا شَأْنُ البَهِيمَةِ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ كَرِهَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْ لَحْمِهَا أَوْ يُنْتَفَعَ بِهَا وَقَدْ عُمِلَ بِهَا ذَلِكَ العَمَلُ.
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْن أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أبِي رُزَيْنٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قال: "مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَهَذَا أَصَحُّ مِنَ الحَدِيثِ الأَوَّلِ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ قَول أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
• قوله: "مِنَ الحَدِيثِ الأَوَّلِ": قال القَاضي: قال البُخاري: "عمرو بْنُ أبي عُمَر صَدوقٌ ولكنَّه أكثرَ عن عِكرمةَ ولم يَثْبُتْ سماعُه عنه. وقال أبو داودَ: حديثِ عاصمٍ يُضْعِفُ حديثَ عَمْرو وليسَ بصَحيحٍ وهي مَسْألةٌ أصُولِيَّةٌ هل يُسْقِطُ فَتْوى الرَّاوي ووايتَه أم لا؟ والصَّحيحُ أنَّه لا يسْقِطُها؛ لأنَّه أحدُ المُجْتَهدِين فيمَا رَأى، فيُمْكن أن يُخْطِئَ فيمَا رأى فلا يُتْرَكُ روايتُه لرَأيِه. انتهى (١) . الحواشي
(١) راجع عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي لابن العربي: ٦/ ١٨٨.стр. 1227
قلتُ: لكن ههنا عَدَم صِحَّةِ الحديثِ معَ مُخَالَفَة الفَتْوى يُرَجِّحُ جَانِبَ السُّقُوطِ. والله تعالى أعلم.
стр. 1228
بَابُ مَا جَاءَ فِي حَدِّ اللُّوطِيِّ
١٠٠٥ - (١٤٥٦) - (٤/ ٥٧ - ٥٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن عَمْرٍو السَّوَّاقُ، حَدَّثَنَا عَبْد العَزِيزِ بْن مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْن أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِ".
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَإِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا الحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْن إِسْحَاقَ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْن أَبِي عَمْرٍو، فَقَالَ: "مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ"، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ القَتْلَ، وَذَكَرَ فِيهِ "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً". وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ عَاصِمِ بْن عُمَرَ، عَنْ سُهَيْلِ بْن أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "اقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِ". قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهَ عَنْ سُهَيْلِ بْن أَبِي صَالِحٍ غَيْرَ عَاصِمِ بْن عُمَرَ العُمَرِيِّ، وَعَاصِمُ بْن عُمَرَ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي حَدِّ اللُّوطِيِّ، فَرَأَى بَعْضُهُمْ: أَنَّ عَلَيْهِ الرَّجْمَ أَحْصَنَ أَوْ لَمْ يُحْصِنْ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ: الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرُهُمْ، قَالُوا: حَدُّ اللُّوطِيِّ حَدُّ الزَّانِي، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ.
• قوله: "وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ … " إلخ، المشهورُ من قَولِ أبي حنيفةَ أنَّه يُؤدَّبُ ولا حَدَّ فيه، واسْتَدَلَّ أصْحَابُه له بقَوْلِه تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ
стр. 1229
فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ (١) والله تعالى أعلم.
١٠٠٦ - (١٤٥٧) - (٤/ ٥٨) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْن مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْن هَارُونَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنِ القَاسِم بْنِ عَبْد الوَاحِدِ المَكِّيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مُحَمَّدِ بْن عُقَيلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا. يَقول: قال رَسُول اللهِ ﷺ : "إِنَّ أخوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مُحَمَّدِ بْن عُقَيلِ بْن أَبِي طَالِبٍ، عَنْ جَابِرٍ.
• قوله: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ": اسمُ التَّفْضِيل مَبْنِيٌّ للمَفْعُوْل، ولذَا أضِيْفَ إلى "مَا أخَافُ"، أي: الذي هو أكثرُ خوفًا وأشُدُّ ضَرَرًا من الأمُوْرِ الَّتِي يُخَافُ مِنْها على أمَّتِي، و [هوٍ] المُرادُ من "أخْوَفَ" لئلا يُعَارِضُه كونُ "أخْوَفَ مَا أخَافَ عَلَى أمَّتِي الأئِمَّة الْمُضِلُّوْنَ" (٢) ونحوَه. والله تعالى أعلم. الحواشي
(١) النساء: ١٦.(٢) راجع: مسند الإمام أحمد بن حنبل: ٤٥/ ٤٧٨، ح: ٢٧٤٨٥، وكنز العمال: ١٠/ ١٨٨، ح: ٢٨٩٨٦.стр. 1230
بَابُ مَا جَاءَ فِي المُرْتَدِّ
١٠٠٧ - (١٤٥٨) - (٤/ ٥٩) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْن عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ عَلِيًّا حَرَّقَ قَوْمًا ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَقَتَلْتُهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ"، وَلَمْ أَكُنْ لِأُحرِّقَهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ. وَسَلَّمَ: "لا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ"، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا، فَقَالَ: صَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ فِي المُرْتَدِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي المَرْأَة إِذَا ارْتَدَّتْ عَنِ الإِسْلامِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: تُقْتَلُ، وَهُوَ قَولُ الأوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: تُحْبَسُ وَلا تُقْتَلُ، وَهُوَ قَولُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ.
• قوله: "حَرَّقَ": منَ التَّحْرِيق.
• قوله: "مَنْ بَدَّلَ": أريدَ به المُسْلمُ على أن المَوصُوْلَ للعَهْدِ والمُسْلِم هو المعهودُ في مثل هذا. وقيل: على تقدير الصِّفَة، أي: من بدَّل دينَه الحَقَّ، وعلى الوَجْهَيْن فالحديثُ لا يَشْمَل مَنْ أسْلَم من الكَفَرة، والمرادُ "بعَذَابِ اللهِ": النار؛ لأنَّه لا يَنْبَغِي لأحَدٍ أن يُعَذِّبَ بِها غيرُ اللهِ.
следующие страницы →