• وقوله: "قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأرْضِ"، أي: على الأرْض و"مِنْ" لِمُجَرَّدِ المُشَاكَلةِ.
• قوله: "حَسَنٌ": قال ابنُ العربي: ليسَ في فَضْل الأُضحِيَّةِ حديثٌ صحيحٌ، وقد رَوَى النَّاسُ فيها عَجَائبَ لم يَصِحَّ، منها قولُه: "إنَّهَا مَطَايَاكُمْ إلى الجَنَّةِ" (١) قال العِراقيٌّ: وصحَّح الحاكمُ حديثَ عائشةَ الذي أخْرَجَه المُصَنِّفُ، وصحَّحَ أيضًا حديثَ أبي هريرة (٢).
قلتُ: وكأنَّ مرادَ ابن العربيِّ ترجيحُ ما ذكره المُصَنِّفُ من التَّحْسِين مِمَّا ذكره الحاكمُ من التَّصحيحِ، ومعلومٌ أن تصحيحَ الحَاكم لا يُعْبَأ.
стр. 1264
بَابُ مَا جَاءَ فِي الأُضحِيَّةِ بكَبْشَيْنِ
١٠٣٥ - (١٤٩٤) - (٤/ ٨٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْن مَالِكٍ، قَالَ: "ضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّر وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا".
قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وأَبِي أَيُّوبَ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي رَافِعٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي بَكْرَةَ أيضًا. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
• قوله: "عَلَى صِفَاحِهِمَا"، أي: علَى صَفْحَة العُنُق، وهي جَانِبُه وإنَّما فَعَل ذلك ليكونَ أثْبَتَ له وأمْكَنَ لئَلَّا يَضْطَرِبَ الذَّبِيْحةُ برأسِها فتَمْنَعُه من إكْمَال الذَّبْح أو تُؤْذِيه. كذا ذكره النووي (١). وقال ابنُ العربي: وَوَضَعَ رِجْلَه على صَفْحَتِه؛ لأنَّ ذلك أسكَنُ له حتى يَتَمَكَّنَ من الذَّبْح ولا يَضْطَرب فتَبْطُل الذَّكَاة، ويَتَلوَّثُ الذَّابحُ بدَمِه، ثُمَّ قال: وجَعْلُ رجله على صِفَاحِها مُسْتَثنى للحَاجَة من نَهْيِه عن إذْلالِ الوَجْه باللَّطْم وغيره انتهى (٢). وهذا يَدُلُّ على أن المرادَ صَفْحَةُ الوَجْه وهو أقْرَبُ بالنَّظْر إلى ما ذَكَرُوْا من العِلَّة. والله تعالى أعلم.
• قوله: "صِفَاحِهِمَا": بكسر الصَّاد، جمعُ صَفْح - بضم أو فتح - بمعنى الجَانب، أو جمعُ صَفْحَةٍ: عَرْضُ الوَجْه، والجَمعُ مَحْمولٌ على الاثنَيْن وهما أقلُّ الجُمْعِ.
стр. 1265
بَابُ مَا جَاءَ فِي الأُضحِيَّةِ عَن المَيِّتِ
١٠٣٦ - (١٤٩٥) - (٤/ ٨٤ - ٨٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن عُبَيْدٍ المُحَارِبِيُّ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَبي الحَسْنَاءِ، عَنِ الحَكَم، عَنْ حَنَشٍ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ أحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالآخَرُ عَنْ نفسِهِ، فَقِيلَ لَهُ: فَقَالَ: "أَمَرَنِي بِهِ" - يَعْني النَّبِيَّ ﷺ فَلا أَدَعُهُ أَبَدًا.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ. وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ أَنْ يُضَحَّى عَنِ المَيِّتِ، وَلَمْ يَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُضَحَّى عَنْهُ. وقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُتَصَدَّقَ عَنْهُ وَلا يُضَحَّى عَنْهُ، وَإِنْ ضَحَّى فَلا يَأْكلُ مِنْهَا شَيْئًا وَيَتَصَدَّقُ بِهَا كُلِّهَا. قَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ: وَقَدْ رَوَاه غَيْرُ شَرِيكٍ، قُلْتُ لَهُ: أَبُو الحَسْنَاءِ مَا اسْمُهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، قَالَ مُسْلِمٌ: اسْمُهُ الحَسَنُ.
• قوله: "أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُتَصَدَّقَ": قال ابنُ العربي: اتَّفَقُوا على أنَّه يُتَصَدَّقُ عنه، والضَّحِيَّةُ ضَرْبٌ من الصَّدقَة؛ لأنَّها عبادةٌ مَاليةٌ ولَيْسَتْ كالصَّلاةِ والصَّومِ، فالصَّدقَةُ والأضْحِيَّةُ سواء في الأجْر عن المَيِّتِ، وإنَّما قال: "لا يَأْكُلُ مِنْهَما شَيْئًا": لأنَّ الذَّابحَ لم يَتَقَرَّبْ بِهَا من نَفْسِه، وإنما تَقَرَّبَ بِهَا عَن غَيره فلم يَجُزْ له أنْ يأكُلَ من حقِّ الغَير شيئًا انتهى (١). قلتُ: كأنَّ ابنَ المُبارك نَظَر إلى أن المَطْلوبَ في الأضْحِيَّةِ إهْرَاقُ الدم لا التَّصَدُّق باللَّحْم، ولهذا يَجُوْز له أنْ يأكُلَ اللَّحْمَ فليسَ حُكْمُها حكم الصَّدقة من كُلِّ وجهٍ.
стр. 1266
بَابُ [مَا جَاءَ] مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الأضَاحِيِّ
١٠٣٧ - (١٤٩٦) - (٤/ ٨٥) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْن غِيَاثٍ عَنْ جَعْفَرِ بْن مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: "ضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ فَحِيلٍ، يَأْكُلُ فِي سَوَادٍ، وَيَمْشِي فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلَاِ مِنْ حَدِيثِ حَفْصِ بْن غِيَاثٍ.
• قوله: "يَأْكُلُ فِي سَوَادٍ": يعني ما حَوْلَ فَمِه أسْود، وأنَّ قوائِمَه ومَا بين عينيه أسْوَد، قال ابن العربي: وذلك أجْمَلُ له (١).
• قوله: "أَقْرَنَ فَحِيلٍ": يعني كامِلَ الخِلْقَة لم تُقْطَع انثَياه، ورِوَايةُ أبي داودَ تَدُلُّ على أنَّه "ضَحَّى بِكَبْشَيْن قد رُضَّتِ الأُنثَيان مِنْهُمَا" (٢)، وذلك أسْمنُ لَحْمًا، ولا اختلافَ لحَمْلِها على حَالَيْن وكُلٌّ منهما فيه صِفَةٌ مَرْغُوْبَةٌ.
ﷺ ، فَقَالَ: "ضَحِّ بِهِ أَنْتَ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ وَكيعٌ: الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ يَكُونُ ابْنَ سَنَةٍ أَوْ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ.
وَقد رُوِيَ مِنْ غيْرِ هَذا الوَجْهِ عَنْ عقبَة بْن عَامِرٍ أَنَّهُ قال: قسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ضَحَايَا فَبَقِيَ جَذَعَةٌ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "ضَحِّ بِهَا أَنْتَ"، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَأَبُو دَاوُدَ، قَالا: حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ بَعْجةَ بْنِ عَبْد اللهِ بْن بَدْرٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْن عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الحَدِيثِ.
• قوله: "عَتُودٌ": ضُبِط - بفتح، فضم - وهو الذي قَوِيَ على الرَّعْيِ واسْتَقَلَّ بنَفْسِه عن الأمِّ، وإذا مرَّ عليه حولٌ فهو "تَيْسٌ" كذا نَقَله ابنُ العربي عن أبي عبيدة (١). وقد صرَّح غيرُه بأنَّه من أولادِ المَعْز (٢).
• قوله: "وَجَدْيٌ": - بالواو - في بَعْض النُّسَخ، وفي بَعْضِها بـ "أو"، وهو أظْهَر؛ لأنَّه شَكٌّ من الرَّاوي، وقد ضُبِط - بفتح، فسكون مُهْمَلةٍ - وهو ما بَلَغَ ستَّةَ أشْهُر أو سَبْعَةً من أولاد المَعْزِ.
• وقوله: "ضَحِّي": بإثبات الياءِ ههنا وفيما بعدَه. قيل: والصَّوابُ "ضَحِّ": بحَذْفِ الياءِ كما هو في بعضِ النُّسَخ. قلتُ: وكأنَّ الياءَ للإشْبَاع. والله أعلم.
стр. 1271
والحاصلُ: أن هذا كانَ جَذعًا من المَعْز كما جاءَ به الرِّوايةُ صَريحًا، ولذا قالوا: إنَّ هذَا كانَ رُخْصةً لعُقْبَةَ. قال البيهقيُّ: ويدلُّ عليه ما في بعض الرِّواية "ولا رُخْصَةَ لأحَدٍ بَعْدَكَ فِيْهَا" (١). والله أعلم.
• قوله: "البَدَنَةَ": - بفتحتين - وهو الأشْهَر، أو - بضَمٍّ فسكون - واحِدُ البُدْن: بضم، فسكون أو بضمتين.
• قوله: "عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ": قال ابنُ العربي: قال به جميعُ العُلَماء إلا مالكٌ، وليس لهذه الأحَاديثِ تأويلٌ، ولا يَرُدُّهَا القِيَاسُ بل يَشْهدُ لها النَّظر (١).
• قوله: "أنْ نَسْتَشْرِفَ"، أي: نتأمَّل سَلامَتَها من آفةٍ تكونُ بِهِمَا، وظاهرُه الحَصْر وأنَّ المانِعَ هي الآفةُ فيهما. والله أعلم.
• قوله: "خَيْرٌ"، أي: أطيبُ لحمًا وأنفعُ لسِمَنِها ونَفَاسَتِها، فشاةٌ سمينةٌ أفضلُ من شَاتَين غير سَمِيْنَتَيْن، ومعنى "خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ": أنَّك ذبحتَ صورةَ نَسِيْكتَيْن وهما هذه والتي ذبحتَها قبلَ الصَّلاةِ، وهذه أفضل لأنَّها حَصَلَتْ بِها التَّضْحِيَّةُ بخلافِ الأولى، نَعم في الأولى أيضًا ثوابٌ للنِيَّةِ فلذا كانَتْ هذه خَيْرًا منها، فإنَّ هذا يَقْتَضِي أن في الأولى أيضًا ثوابًا.
• وقوله: "وَلا تُجْزِئُ … " إلخ، بيانٌ للاختِصَاص.
بَابُ مَا جَاءَ فِي العَقِيقَةِ
١٠٤٨ - (١٥١٣) - (٤/ ٩٦ - ٩٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن خَلَفٍ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا بشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ بْن خُثَيْمٍ عَنْ يُوسُفَ بْن مَاهَكَ، أَنَّهُمْ دَخَلوا عَلى حَفصَة بِنتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فسَألوهَا عَنِ العَقِيقةِ، فأخْبَرَتْهُمْ أن عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهُمْ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ".
قَالَ: وفي البَاب عَنْ عَلِيٍّ، وَأُمِّ كُرْزٍ، وَبُرَيْدةَ، وَسَمُرَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْن عَمْرٍو، وَأَنَسٍ، وَسَلْمَانَ بْن عَامِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَحَفْصَةُ هِيَ: بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
[قال] ابنُ العربي: قال قومٌ من أهل اللُّغَة هي الشَّعر الذي على رأسِ المَوْلُوْد، وقال آخرون هي الذَّبْح نفسُه واحْتَجَّ على ذلك بعُقُوقِ الوَالِدَين والرَّحم؛ فإنَّه يَرْجع إلى القَطْع وهو اختيارُ أحمدَ بْن حنبلٍ، ويعضده حديثُ: سُئِلَ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْعَقِيْقَةِ، فقال: "لا أحِبُّ الْعُقُوْقَ" وكأنه كره الاسم انتهى (١).
وفي "شَرح المُوَطَّأ" (٢) قال الأصمَعيُّ (٣): العَقيقةُ وغيره الشَّعر الذي يكون
стр. 1280
على رأس الصَبِيِّ حين يُوْلَد، وسُمِّيَتِ الشاةُ التي تُذْبَح عنه عقيقةً؛ لأنَّه يُحْلَق عنه ذلك الشَّعر عند الذَّبح.
وقال أبو عبيد (١): فهو من تَسْمِيَة الشَّيءِ باسم غَيره إذا كانَ معَه أو من سَبَبِه. وقيل: هي الذَّبِيحَةُ سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّها تُعَقُّ، أي: تُشَقُّ وتُقْطَع، وقد أنْكَر
стр. 1281
أحمدُ قولَ الإصمعي بأنَّه لا وجهَ له، وإنَّما هي الذَّبْح نفسُه، قال أبو عمرو وهذا أولى وأقربُ إلى الصَّواب، واحْتَجَّ له بعضُهم بأنْ "عَقَّ": لغةً قَطَعَ انتهى (١).
قلتُ: لكن حديثَ: "مَعَ الغُلامِ عَقِيْقَتُه" يؤيِّد قولَ الإصمعي فتأمَّلْ. والله أعلم.
• قوله: "عَنِ الْغُلامِ شَاتَانِ": هو مبتدأ وخبرٌ، والجملةُ بيانُ الأمر بتقدير "قال"، كأنَّه قيل كيفَ أمرَهم؟ فقالَتْ: قال: "عَنِ الْغُلامِ شاتَانِ" وخبرُ الشَّارع في المَعنى أوكَدُ من الأمر.
• وقوله: "مُتكَافِئَتَانِ": - بِهَمزة - أي: مُتَساوِيتان في الشدَّةِ بمعنى أنَّه لا يَنْزل سِنُّهما عن سِنِّ أدْنَى ما يُجْزئ في الأضْحِيَّة. وقيل: متساويتان أو متقاربتان وهو - بكسر الفاء - كافَأه إذا سَاوَاه. قال الخطَّابي: والمحدِّثون يفتحون الفَاء وأرَاه أولى؛ لأنَّه يريدُ شَاتَيْن قد سُوِّي بينَهما، أي: مُسْتَوى بينَهما، وأما - بالكسر - فمعناه يُسَاويَان، فيحتاجُ إلى شَيءٍ آخَر يُسَاوِيَانِه، وأمَّا لو قيل: مُتكَافِئَتان لكان الكسر أولى (٢). وقال الزَّمخشري (٣): لا فرقَ بينَ الفتح والكسر؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ
стр. 1282
إذا كافَأتْ أختَها فقد كُوْفِئَتْ، فهي مُكَافِئَةٌ ومُكَافَأةٌ؛ أو يكون معناه مُعَادِلَتان لما يَجِب في الأضْحِيَّةِ من الأسْنان، ويحتملُ مع الفتح أنْ يُرادَ مَذْبُوحَتَان من كَافَأ الرَّجُلُ بينَ بَعِيرَيْن إذا نَحَر هذا ثُمَّ هذا مَعًا من غير تَفْريقٍ كأنَّه يريدُ شَاتَيْن تَذْبَحُهُمَا معًا (١).
١٠٤٩ - (١٥١٥) - (٤/ ٩٦ - ٩٧) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْن عَلِيٍّ الخلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبرنَا هِشَامُ بْن حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْن عَامِرٍ الضَّبِّيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ، فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأذَى".
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْن أعين، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبرنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَاصِمِ بْن سُلَيْمَانَ الأحْوَلِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْن عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
• قوله: "أَمِيطُوا عَنْهُ الأذَى"، أي: احْلِقُوا رأسَه.
بَاب [مَا جَاءَ] فِي الكَفَّارَةِ قَبْلَ الحِنْثِ
١٠٥٧ - (١٥٣٠) - (٤/ ١٠٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بْن أَنَسٍ عَنْ سُهَيْلِ بْن أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلْ".
قَالَ: وفي الْبَاب عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الكَفَّارَةَ قَبْلَ الْحِنْثِ تُجْزِئُ، وَهُوَ قَول مَالِكِ بْن أَنَسٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْم: لا يُكَفِّرُ إِلَّا بَعْدَ الحِنْثِ، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِنْ كفَّرَ بَعْدَ الحِنْثِ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَإِنْ كفَّرَ قَبْلَ الحِنْثِ أَجْزَأَه.
• قوله: "فَلْيُكَفِّرْ": اسْتَدَلُّوا به على جَواز تَقديمِ الكَفَّارةِ على الحِنْثِ، وكأنَّهم بَنَوْا ذلك على أن الفَاء للتَّعْقيبِ، فتَدُلُّ على أن الكفَّارةَ عقبَ الحَلْفِ بلا مُهْلةٍ أصلًا ولا تكونُ كذلك إلا إذا كانَ قبلَ الحِنْثِ وهذا دليلٌ فاسدٌ؛ أمَّا أوَّلا فلأنَّ الفَاء الدَّاخِلةَ على جوابِ الشَّرطِ لا تَدُلُّ على التَّعْقِيبِ بلا مُهْلَةٍ أصلا، وإنَّما الدَّلالةُ على ذلك الفَاء العَاطِفَةِ.
وأما ثَانِيًا: فلأنَّه لا يَسْتقيمُ ذلك عنه أحدٌ إذا يَلْزَم منه وجوبُ تَقديمِ الكَفَّارَةِ على الحِنْثِ ولا يقولُ به أحدٌ، ويؤدِّي ذلك إلى التَّعَارُض بينَ حديثِ "فَلْيَأتِ ولْيُكَفِّرْ"، وبينَ حديثِ "فَلْيُكَفِّرْ ولْيَفْعَلْ".
стр. 1292
وأمَّا ثالثًا: فلأنَّ تَعقيبَ الكَفَّارةِ بلا مُهلَةٍ يَقْتضي أنْ يَجِبَ اتِّصالُ الكَفَّارَة بالحَلْف بِحَيثُ لا يَقَعُ بينَهما فَصْلٌ لا بالحِنْث ولا بغَيْره، وهذا أمرٌ لا يقولُ به عَاقِلٌ.
وأمَّا رابعًا: فلأنَّه يُمْكِن القولُ باعتبار التَّعْقِيب بالنِّسْبة إلى مَجْموعِ الكَفَّارَةِ، والفعل باعتبار العَطف بينَهما أوَّلا، ثُمَّ اعتبار دُخُولِ الفاءِ على مَجموعِهما، فلا يَبْقَى دلالةٌ على تَقديمِ أحَدِهما على الآخَر أصْلًا.
• وقوله: "فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ … " إلخ، هذا مَحْمُولٌ على أنَّه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أوْحِي إليه بذلك في حقِّ سُلَيمان، لا أن كلَّ مَنْ فَعَلَ هذا يَحْصُل له هذا.