وفي "المجمع" (١) بِرُّ الوالدين ضِدُّ العُقوقِ وهو الإسَاءَة وتضييعُ الحُقوقِ، وفي تكريرِ الأمِّ تأكيدٌ في أمْرِها، وزيادةُ اهتمامٍ في بِرِّها فوقَ الأب.
بَاب [مَا جَاءَ] في إكْرَامِ صَدِيقِ الوَالِدِ
١٢٦٨ - (١٩٠٣) - (٤/ ٣١٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا حَيْوَة بْنُ شُرَيْحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الوَليدُ بْنُ أَبِي الوَليدِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْن دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ".
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي أَسِيدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
• قوله: "أَبَرَّ البِرِّ": الأبرُّ اسمُ تفضيلٍ يُضَافُ إلى جِنْسه، وليس البِرُّ من جِنْسه وإنَّما الَّذي من جنسِه البَارُّ، ولا يُناسِبُ إرادةُ البَارِّ بالبِرِّ ههنا إذْ لا يُنَاسِبُه.
• قوله: "أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ": وتأويلُه: بـ"ذُوْ أنْ يَصِل" - كما هو المشهورُ- يَقْتَضي إسقاطَ الرَّجُل، وإضمارَ الفاعلْ الرَّاجع إلى أبَرّ، فالظَّاهرُ أنْ يُرادَ بالأبرِّ الأكملُ الأفْضَلُ؛ لأنَّ الأبرَّ هو الموصوفُ بأكمل البِرِّ فأريدَ به ذلك، أو هو من بابِ اعْتِبار البِرِّ بَارًّا كما قالوا في "جَدَّ جَدُّه"، ومرجع الوَجَهَيْن واحدٌ، والمعنى: أكملُ بِرِّ الوالدين أنْ يصلَ الرَّجُل، أي: يَبِرُّ الرَّجلُ الوَالِدَيْن بحيثُ يَصِل بِرُّهما أهلَ مَحَبَّتِهما، وإنَّما يصيرُ أكملَ بِرِّ الوَالدين إذا بَرَّهما، وبَرَّ الصَّديقَ لبِرِّهما. ولو أريدَ بأبرِّ البِرِّ تمامُ بِرِّ الوالدين وكمالُه مجارًا لكانَ أظهرَ إلا أنَّه مجازٌ بعيدٌ -والله تعالى أعلم- ولعلَّ الاقتصارَ على الأبِ ليكونَ دليلًا على الأمِّ بالأولى؛ لأنَّ بِرَّها آكدُ كما سَبَق، أو لأنَّها قد يكونُ وُدُّها في غير مَحَلِّها لنُقْصانِ عَقْل النِّسَاء فلا يكونُ وصلُ ذاك مؤكَّدًا بخلافِ الأبِ عادةً.
стр. 1526
بَابُ مَا جَاءَ في دَعْوَةِ الوَالِدَيْن
١٢٦٩ - (١٩٠٥) - (٤/ ٣١٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ يَحْيىَ بْن أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ثَلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَة المَظْلُومِ، وَدَعْوَة المُسَافِرِ، وَدَعْوَة الوَالِدِ عَلَى وَلَدِهٍ.
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ رَوَى الْحَجَّاجُ الصَّوَّافُ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ يَحْيىَ بْن
أَبِي كَثِيرٍ نَحْوَ حَدِيثِ هِشَامٍ. وَأَبُو جَعْفَرٍ الَّذِي رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يُقَالُ لَهُ: أَبُو
جَعْفَرٍ المُؤَذِّنُ وَلا نَعْرِفُ اسْمَهُ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ يَحْيىَ بْنُ أَبِي كثِيرٍ غَيْرَ حَدِيثٍ.
• قوله: "وَدَعْوَة الوَالِدِ"، أي: فلا يَنْبغي للوَلَد أنْ يأتيَ بفعل يَدْعُو بسَبِبه الوالدُ عليه، والاقتصارُ على الوالدِ لعلَّه لدَلالَتِه على أنَّ الوَالدةَ أولى وأحْرَى، أو لأنَّها لَيْسَتْ كالأبِ لأنَّها قد تَدْعُو لنُقْصانِ عَقْلِها، وقِلَّةِ صَبْرها بلا تقصيرٍ من الوَلد، أو يأتِي تقصيرًا لا يستَحِقُّ به ذلك الدُّعاءَ، فلا يكونُ دعاءُها في مَحَلِّه بخلافِ دُعَاءِ الوالدِ عادةً.
стр. 1527
بَابُ مَا جَاءَ في حَقِّ الوَالِدَيْنِ
١٢٧٠ - (١٩٠٦) - (٤/ ٣١٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْن مُوسَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلِ بْن أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلِ بْن أَبِي صَالِحٍ. وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْن أَبِي صَالِحٍ هَذَا الحَدِيثَ.
• قوله: "فَيُعْتِقَهُ"، أي: فيصير سببًا لعِتْقِه بالشِّراءِ لأنَّ الأبَ يُعْتَقُ عليه بالشِّراءِ من غير فعلٍ منه. قيل: سببُ ذلك أنَّ الوَالدَيْن تَكَفَّلَا بأمْر الوَلَد حالةَ عَجْزِه حتَّى خلقَ اللهُ تعالى له القُدوةَ عليهما والمَعْرفة، فكأنَّما أخْرجَاه منَ الْعَجْز إلى القُدْرَة، فكذا الولدُ إذا فعلَ بأبيه هذا الفعلَ فقد تكفَّل بأمره حَالةَ عجز الرِقِّ، وأخْرجَه من عجز الرقِّ إلى قُدرةِ الْحُرِّيَّةِ.
стр. 1528
بَابُ مَا جَاءَ في قَطِيعَةِ الرَّحِمِ
١٢٧١ - (١٩٠٧) - (٤/ ٣١٥ - ٣١٦) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنهَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: اشْتكَى أَبُو الرَّدَّادِ اللَّيثِيُّ فَعَادَه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَقَالَ: خَيْرُهُمْ وَأَوْصَلُهُمْ مَا عَلِمْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُوُل: "قَالَ اللهُ: أَنَا اللهُ، وَأنا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ".
وَفي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَعَامِرِ بْن رَبِيعَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجُبَيْرِ بْن مُطْعِمٍ. قَالَ أبُوْ غِيْسَى: حَدِيثُ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَرَوى مَعْمَر هَذَا الحَدِيث عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ رَدَّادٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ، وَمَعْمَرٍ كَذَا يَقُولُ، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَحَدِيثُ مَعْمَرٍ خَطَأ.
• قوله: "خَلَقْتُ الرَّحِمَ": فإنْ قلتَ: الرَّحِم التي تُوْصَل وتُقْطَع معنى من المَعَاني، وهي قَرابَةٌ ونَسبٌ وليسَتْ هي الرَّحِم التي من أجْزاءِ الآدَميِّ فما معنى خَلْقِها؟ قلتُ: يمكنُ أن يقالَ: خَلْقُها بمعنى خَلْق ما يؤدِّي إليها، ويحصلُ ذلك المعنى بسَببها كخَلْق شَخْصيْن في رَحِم امرأةٍ واحدةٍ فإنَّ خَلْقَهما كذلك يفيدُ تلك القَرابةَ ويُحَصِّلُها، على أنَّ التَّحقيقَ أنَّ المعاني العَقلِيَّة في هذا العالم لها وجودٌ حِسِّيٌ في عالَمٍ آخر، فلا إشكالَ في خَلْق الرَّحِم بالنَّظر إلى ذلك الوُجودِ، ولذا ورد في الأحاديثِ كلامُ الرِّحِم وغير ذلك وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ (١)
стр. 1529
أي: المُسَمَّيَات ما هي [إلا] عقليَّاتٌ فكيف يُتَصوَّرُ عَرْضُها، بل عَدمِيَّاتٌ؟ واللّه تعالى أعلم. قال القاضي: وهذَا الحديثُ يقتضي مُراعاةَ الاتِّفاق في الأسْماء، وأنَّ ذلك نوعٌ من الإخَاء، وقد قالوا في المثل: "اتِّفَاقُ الكُنَى إخَاءٌ" فإنَّ اللّهَ تعالى راعَى للرَّحِم اتِّفاقَ اسمِها مع اسمِه تعالى في وجهِ انتظام الحُروفِ الأصلِيَّة إذ النُّون زائدةٌ (١).
• وقوله: "فَمَنْ وَصَلَهَا"، أي: من رَاعَى حقوقَها وَفَّيْتُ ثَوابَه، ومن قصَّر في حقِّها "بَتَتُّهُ"، أي: قَطعتُه عن الرَّحْمةِ مع السَّابقين، أو عن ثوابِ وَصْلِ الحُقوقِ. والله تعالى أعلم.
بَابُ مَا جَاءَ في رَحْمَةِ النَّاسِ (١)
١٢٧٧ - (١٩٢٤) - (٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْن دِينَارٍ، عَنْ أَبِي قَابُوسَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللّه". قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ.
• قوله: "شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ": الشُّجْنَةُ -مُثَلَّثَة الشِّين المُعْجَمة مع سكون الجِيم وبعدَه نونٌ -وهي لغةً شُعْبةٌ من غُضْن الشَّجَرةِ، واخْتَلفوا في المرادِ ههنا، فقيل: أي: مُشْتَقَّةٌ من اسم الرَّحمن أو أثرٌ من آثار وحْمَتِه مُشْتَبكَةٌ بِها.
وقال القاضي: وأرادَ أنَّه مُتَعَلِّقٌ به تَعَلُّقَ المَخْلوقاتِ بالخَالق، والأقربُ التَّفْسيرُ بالاشْتِقَاق، لأنَّه المذكورُ في الحديثِ السَّابق (٢)، والمرادُ أنَّه مأخوذٌ من اسم الرَّحْمن لفظًا، ومناسبٌ بذلك الاسم معنًى حيثُ أنَّ اسمَ الرَّحْمن يقتضي ثبوتَ الرَّحْمة لمُسَمَّاه، كذلك قَرابةُ الرَّحِم يقتضي الرَّحمةَ فيما بينَ أصحابِها طبعًا. والله تعالى أعلم.
стр. 1535
[بَابُ مَا جَاءَ في النَّصِيحَةِ]
١٢٧٨ - (١٩٢٦) - (٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْن عَجْلانَ، عَنِ القَعْقَاعِ بْن حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الدِّينُ النَّصِيحَةُ" ثَلاثَ مِرَارٍ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَنْ؟ قَالَ: "لِلَّهِ، وَلكِتَابِهِ، وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وفي البَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَجَرِيرٍ، وَحَكِيمِ بْن أَبِي يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، وَثَوْبَانَ.
• قوله: "النَّصِيحَةُ": الخُلوصُ عنِ الْغِشِّ، ومنه التَّوبةُ النَّصُوح، فالنَّصِيحةُ لِلهِ أن يكونَ عبدًا خالصًا له في عُبُودِيَّتِه عمَلًا واعتقادًا. "وَللْكِتَابِ": أنْ يكونَ خالصًا له في العَمَل به، وفَهْم معناه عن مُرَاعاةِ الْهَوَى، فلا يَصْرِفُه إلى هَوَاهُ بل يجعلُ هَواه تَابعًا له، ويحكمُ به على هَواه ولا يحكمُ بِهَواه عليه وعلى هذا القِيَاس.
стр. 1536
بَابُ مَا جَاءَ في شَفَقَةِ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ
١٢٧٩ - (١٩٢٧) - (٤/ ٣٢٥) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ أَسْبَاطِ بْن مُحَمَّدٍ القُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ هِشَامِ بْن سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْن أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَخُونُهُ وَلَا يَكْذِبُهُ وَلا يَخْذُلُهُ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاه المُسْلِمَ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي أيُّوبَ.
• قوله: "لا يَخُوُنُهُ": في نَفْسِه وأهلِه ومالِه. "وَلا يَكْذِبُهُ":-بالتَّخفيفِ أو التَّشْديدِ- أي: لا يتكلَّم معه بالكلام الكاذبِ، أو لا يُوْحِشه بالتَكذيبِ، والتَّخفيفُ آثرُ. [وَلَا يَخْذُلُهُ]: والخُذلانُ تركُ العَوْن من حَدِّ نَصَرَ، أي: إنْ وَقَع في أمرٍ يَحتاجُ فيه إلى نَضْرٍ فلا يَتْرُك عونَه بل يَنْصُرُه. "كُلُّ المُسْلِمِ … " إلخ، أي: المسلمُ بجميعِ أجْزائِه وما يَتَعَلَّقُ به من المَالِ وغيره حرامٌ.
• وقوله: "عِرْضُهُ ": بدلٌ من "كُلُّ المُسْلم"، بدلُ البَعضِ من الكُلِّ.
• وقوله: "التَّقْوَى هَهُنَا": إشارةٌ إلى الصَّدر، أي: في القَلْب أريدَ أنَّه أمرٌ مُبَطَّنٌ لا يُدْرَى، فلعلَّ صاحبَه كان موصوفًا به وكان أفضلَ منه فكيفَ يَقَعُ فيه.
• وقوله: "بِحَسْبِ امْرِئٍ": الباءُ زائدةٌ وهو خَبرٌ، و"أنْ" مع الفَعل مبتدأ أي: يَكْفِيْه في الشَّرِّ احتقارُه المسلمَ، أي: لو كانَ الشرُّ مطلوبًا لكفى فيه هذا القدرُ، وفيه تعظيمٌ وتكثيرٌ له.
١٢٨٠ - (١٩٢٨) - (٤/ ٣٢٥) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الخَلَّالُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْن أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ،
стр. 1537
عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا". قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
١٢٨١ - (١٩٢٩) - (٤/ ٣٢٥ - ٣٢٦) حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَىَ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَحَدَكُمْ مِرْآةُ أَخِيهِ فَإِنْ رَأَى بِهِ أَذًى فَلْيُمِطْهُ عَنْهُ". قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَيَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللهِ ضَعَّفَهُ شُعْبَةُ وفي البَابِ عَنْ أَنسٍ.
• قوله: "كَالبُنْيَانِ": أي: كأجْزاءِ البُنْيان الواحدِ في الاتِّصالِ فلا ينبغي أنْ يَتقدَّم بعضُهم بعضًا كأجْزاءِ البُنيانِ.
• قوله: "مِرْآةُ":-بكَسْر الميم، وسكون الرَّاء- مِفْعَلة من الرُّؤيَةِ، أي: ليَتعبرَ نفسَه من كَمَال التودُّدِ كأنَّه حلَّ فيها صاحبُه كما يُخَيَّل ذلك في المرآةِ، أو ليجعلَ نفسَه مَظْهَرًا أو منظرًا لأخيه يَعْرِفُ حالَ أخيه بالقِيَاس إلى نفسِه كأنَّه يُطالِع أخَاه وينظرُ إليه في نفسِه كما يُطَالع صاحبُ المرآةِ فيها نفسَه فيَكْرهُ له ما يكرهُ لنفسِه، ويُحِبُّ له ما يُحِبُّ لنَفْسِه، فيُسَارعُ إلى إمَاطَة الأذى عنه إن ظَهَر له شيءٌ من الأذَى به بالقِيَاس إلى نفسِه، أو لا يُطَالِع في نفسِه إلا ليظهرَ له فيها حالُ أخيه فيُصْلِحُه، ولا يُطالِعُ إلى نفسِه قصدًا بل توَسُّلًا به إلى إصلاح أخيه فيجعل المقصودَ بالذَّاتِ إصلاحَ الأخ، ويجعلُ النَّظْر إلى نفسِه تابعًا له كالنَّظْر في المرآةِ وهذا أبلغُ. قال القاضي: أي: ليجعلَ نفسَه صافيةً في حَقِّ أخيه كما يجعلُ المرآة كذلك (١).