Полный текст (2 245 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى ذِى القَرَابَةِ
٤٢٥ - (٦٥٨) - (٣/ ٣٧ - ٣٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الأحْوَلِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ الرَّبَاب، عَنْ عَمِّهَا سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإنَّهُ بَرَكَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمْرًا فَالمَاءُ فَإنَّهُ طَهُورٌ". وقَالَ: الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ.
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَالرَّبَابُ هِيَ أُمُّ الرَّائِحِ بِنْتُ صُلَيْعٍ. وَهَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ، وَرَوَى شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنِ الرَّبَابِ. وَحَدِيثُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ عُيَيْنَةَ أَصَحُّ. وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ عَوْنٍ، وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ.
• قوله: "فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ"، أي: زيادةٌ خَيرٍ على مُجَرَّدِ ما يحصُل به الإفطارُ منْ حيث أنَّه حُلُوٌّ مُقَوِّمٌ للبَصَر، ومُزِيْلُ الضُّعْفِ الحاصلِ بالصَّومِ.
• قوله: "وَصِلَةٌ"، أي: إحسانٌ إلى القرَابَة.
стр. 562
بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ فِي المَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ
٤٢٦ - (٦٥٩) - (٣/ ٣٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَدُّوَيْهِ، حَدَّثَنَا الأسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: سَأَلْتُ، أَوْ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ فِي المَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ" ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي البَقَرَةِ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) الآيَةَ.
• قوله: "إِنَّ فِي المَالِ … " إلخ، أي: فلا تقصروا السؤالَ على الزَّكاة فقطُّ، بل اسألُوْا عن حقوقِ المَال كلِّها.
• وقوله: "ثُمَّ تَلا … " إلخ، أي: اسْتِدْلالًا بِها على ما ذَكَرُوْا، وإرشادًا إلى مِصْدَاقِه من الكتَاب؛ وذلك لأنَّه جمع في هذه الآية بين إيتاءِ المال على حُبٍّ، وبين إيتاءِ الزَّكاة بالعَطَف المُقتضى للمُغَايَرة، وهذا دليلٌ على أن في المالِ حقًّا سوى الزَّكاة ليَصِحَّ المغايرةُ. стр. 563
بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّدَقَةِ
٤٢٧ - (٦٦١) - (٣/ ٤٠ - ٤١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْتُ، عَنْ سَعِيدِ بْن أبِى سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْن يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، - وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ - إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً تَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ، حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ".
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَأَنَسٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَحَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَبُرَيْدَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثٌ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
• قوله: "مِنْ طَيِّبٍ"، أي: حَلالٍ، وفي روايةِ الموطأ "كَسْبٍ طَيِّبٍ" (١) وذكرُ الكَسْبِ على العادةِ لأنَّه الغالبُ في تحصيلِ المالِ وإلا فقد يكونُ بإرث وغيره. قال القرطبيُّ (٢) : "الطيِّبُ" المُسَتَلَّذُ بالطَّبْعِ، ويُطلق على المطلوبِ بالشَّرْع الحواشي
(١) راجع: موطأ الإمام مالك، كتاب الصدقة، باب: الترغيب في الصدقة، ح: ٢٠٢٤، ج: ٤/ ٥٣٣.(٢) هو: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي، من كبار المفسرين، كان صالحا متعبدا من أهل قرطبة. رحل إلى الشرق واستقر بمِنْيَة "ابن خصيب" في شمالي أسيوط، بمصر، وتوفي فيها. من كتبه: "الجامع لأحكام القرآن"، الذي يعرف بـ"تفسير القرطبي"، و"قمع الحرص بالزهد والقناعة"، و"الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"، و "التذكار في أفضل الأذكار". راجع لترجمته: شذرات الذهب: ٧/ ٥٨٤، الأعلام للزركلي: ٥/ ٣٢٢.стр. 564
وهو الحَلال (١) . قال ابنُ عَبْد البر: [هو الحلال] المَحَضُّ أو المتشابهُ؛ لأنَّه في حِيَز الحلال على أشبهِ الأقْوال للأدِلَّة (٢) .
وجملةُ: "وَلا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ": معترضةٌ لبيانِ أنَّه لا ثوابَ في غير الطَيِّبِ إلا أن ثوابَه دونَ هذا الثَّواب، إذْ قد يُتَوَهَّمُ من التَّقييد أنَّه شرط لهذا الثَّواب بخُصْوصِه لا لمُطْلَق الثَّواب، فمُطْلَق الثَّواب يكونُ بدُوْنِه أيضًا، فذكر هذه الجملةِ المعترضةِ دفعًا لهذا التَّوَهُّمِ، ومعنى عَدَم قبولِه أنَّه لا يُثِيْبُ عليه ولا يَرْضَى به.
• "أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ": سيذكر تحقيقَه المصنفُ، وكثيرٌ منهم فسَّره بالقبول والرِّضا به.
• فقوله: "تَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ"، أي: يزيدُ أجرًا في مَحَلِّ قَبوله، وأمَّا على تفسيرِ المُصَنِّف فالظَّاهرُ أن المرادَ به أن الله يُبارِكُ فيها ويزيدُهَا من فَضْلِه؛ لتَعْظُمَ وتَثْقُل في الميزانِ وهو الظاهر.
• "فَلُوَّهُ": - بفتح الفَاء، وضَمِّ اللام، وشَدِّ الواو - وهو الفَصيلُ أو ولدُ الفرس وهو المشهورُ. و"الْفَصِيْلُ": ولدُ النَّاقَة إذا فصل عن رضاعِ أمِّه، وكلمة "أوْ" للشكِّ.
٤٢٨ - (٦٦٢) - (٣/ ٤١ - ٤٢) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الله يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا لِأحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَه، حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ، وَتَصْدِيقُ الحواشي
(١) راجع: تفسير الإمام القرطبي: ٣/ ١١، و: ٧/ ٢٩٩.(٢) راجع: الاستذكار للحافظ ابن عبد البر: ٢٧/ ٢٩٥.стр. 565
ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ : ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (١) وَ ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٢) قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذَا.
وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي هَذَا الحَدِيثِ وَمَا يُشبِهُ هَذَا مِنَ الرِّوَايَاتِ مِنَ الصِّفَاتِ، وَنُزُولِ الرَّبِّ ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالُوا: قَدْ تَثْبُتُ الرِّوَايَاتُ فِي هَذَا وَيُؤْمَنُ بِهَا وَلَا يُتَوَهَّمُ وَلَا يُقَالُ: كيْفَ؟ هَكَذَ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنهَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي هَذِهِ الأحَادِيثِ: أَمِرُّوهَا بِلَا كَيْفٍ، وَهَكَذَا قَوْلُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.
وَأَمَّا الجَهْمِيَّةُ فَأَنْكَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَقَالُوا: هَذَا تَشْبِيهٌ، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابهِ اليَدَ وَالسَّمْعَ وَالبَصرَ، فَتَأَوَّلَتِ الجَهْمِيَّةُ هَذِهِ الآيَاتِ فَفَسَّرُوهَا عَلَى غَيْرِ مَا فَسَّرَ أَهْلُ العِلْمِ، وَقَالُوا: إِنَّ الله لَمْ يَخْلُقْ آدَمَ بِيَدِهِ، وَقَالُوا: إِنَّ مَعْنَى اليَدِ هَاهُنَا القُوَّةُ.
وقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: إِنَّمَأ يَكُونُ التَّشْبِيهُ إِذَا قَالَ: يَدٌ كيَدٍ، أَوْ مِثْلُ يَدٍ، أَوْ سَمْع كسَمْعٍ، أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ، فَإذَا قَالَ: سَمْعٌ كَسَمْعٍ، أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ، فَهَذَا التَّشْبِيهُ، وَأَمَّا إِذَا قَالَ كمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى يَدٌ، وَسَمْعٌ، وَبَصَرٌ، وَلَا يَقُولُ كَيْفَ، وَلَا يَقُولُ مِثْلُ سَمْعِ، وَلَا كَسَمْعٍ، فَهَذَا لا يَكُونُ تَشْبِيهًا، وَهُوَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣) . الحواشي
(١) التوبة: ١٠٤.(٢) البقرة: ٢٧٦.(٣) الشورى: ١١.стр. 566
٤٢٩ - (٦٦٣) - (٣/ ٤٢ - ٤٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْن مُوسَى، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : أيُّ الصَّوْمِ أَفْضَلُ بَعْدَ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: "شَعْبَانُ لِتَعْظِيمِ رَمَضَانَ"، قِيلَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "صَدَقَةٌ فِي رَمَضَانَ". قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَصَدَقَةُ بْنُ مُوسَى لَيْسَ عِنْدَهُمْ بِذَاكَ القَوِيِّ.
• قوله: "وَصَدَقَةُ بْنُ مُوسَى لَيْسَ عِنْدَهُمْ بِذَاكَ القَوِيِّ … " إلخ، هذا الحديثُ وإن كان ضعيفًا لكن يؤيِّد ما ثبتَ من فِعْلِه صلى اللهُ تعالى عليه وسلم فإنَّه صحَّ أنَّه كان يصومُ شهرَ شعبان غالِبَه، وكان في رمضان [أجودَ] من الرِّيحِ المُرْسَلة (١) صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا يُعارِضه "أفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ"، وتقدَّم في الكتابِ في باب صلاةِ اللَّيْل وهو صحيحٌ رواه مسلم (٢) أيضًا لجَواز أنْ يكونَ أفضلَ الصِّيَام بعدَ رمضانَ عند الإطلاق صيامُ المُحرَّم، وعندَ قَصْدِ تعظيمِ رمضانَ صيام شعبان.
والحاصل: أن صيامَ المُحرَّم أفضلُ في ذاته، وصيامُ شعبان عندَ قَصْدِ التَّعظيم فقط - والله تعالى أعلم - ولعلَّ المرادَ بتعظيم رمضان، تعظيمُ صيامِه بأنْ يُعَوِّدَ النفسَ له لئلا يَثْقُلَ على النَّفْس فتكرهه طبعًا، ولئلا تُخِلَّ بإدائه إنْ فَجَأهَا الصَّيامُ.
• قوله: "أَمِرُّوهَا": من الإمْرار، أي: أجْرُوْهَا. الحواشي
(١) راجع: صحيح البخاري، ح: ٦، ١٩٠٢، ٣٢٢٠، صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب: كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير من الريح المرسلة، ح: ٢٣٠٨، وسنن النسائي، كتاب الصيام، باب: الفضل والجود في شهر رمضان، ح: ٢٠٩٧.(٢) راجع: صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب: فضل صوم المحرم، ح: ١١٦٣.стр. 567
بَابُ مَا جَاءَ فِي حَقِّ السَّائِل
٤٣٠ - (٦٦٥) - (٣/ ٤٣ - ٤٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْن أَبي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْنِ بُجَيْدٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ بُجَيْدٍ، وَكَانَتْ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُول اللهِ ﷺ ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُول اللهِ، إِنَّ المِسْكِينَ ليَقومُ عَلَى بَابِي فَمَا أَجِدُ لَهُ شيْئًا أُعْطِيهِ إِيَّاه، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنْ لَمْ تَجِدِي شَيْئًا تُعْطِيهِ إِيَّاه إِلَّا ظِلْفًا مُحْرَقًا فَادْفَعِيهِ إِلَيْهِ فِي يَدِهِ".
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أُمِّ بُجَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
• قوله: "إِلَّا ظِلْفًا مُحْرَقًا": - بكَسْر الظَّاء المُعْجَمة، وإسكانِ اللام، وبالفَاء - وهو للبَقر والغَنم كالحَافِر للفرس والبَغْل، والخُفِّ للبعير. وقُيِّد بالإحراق؛ لأنَّه مَظَنَّةُ الانتفاع به بخلاف غيرِه، والظَّاهر أن هذا مبالغةٌ في المنع عن رَدِّه مَحرومًا.
• وقوله: "مُحْرَقًا": تَتْمِيْمُ تلك المبالغةِ، أي: لا تَرُدِّيْه مرحومًا بلا شيءٍ مهما أمْكنَ حتى إنْ وَجَدْتِ شيئًا حقيرًا مثل الظِّلْفِ المُحْرَق أعْطِيْه إيَّاه. وتَوَهُّمُ أن الظِّلْفَ المحرقَ كان له قيمةٌ عندَهم بعيدٌ أشار إليه الطيبي (١) . الحواشي
(١) راجع: الكاشف عن حقائق السنن للطيبي: ٥/ ١٥٣٦.стр. 568
بَابُ مَا جَاءَ فِي إعْطَاءِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ
٤٣١ - (٦٦٦) - (٣/ ٤٥ - ٤٤) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الخَلَّالُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ ابْنٍ المُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: "أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَإِنَّهُ لأبْغَضُ الخَلْقِ إِلَيَّ، فَمَا زَالَ يُعْطِينِي، حَتَّى إِنَّهُ لأحَبُّ الخَلْقِ إِلَيَّ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بِهَذَا أَوْ شِعبْهِهِ فِي المُذَاكَرَةِ. قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ صَفْوَانَ رَوَاه مَعْمَرٌ، وَغَيْرُهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قَالَ: أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكأَنَّ هَذَا الحَدِيثَ أَصَحُّ وَأَشْبَهُ، إِنَّمَا هُوَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ أَنَّ صَفْوَانَ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي إِعْطَاءِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فَرَأَى أَكثَرُ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ لا يُعْطَوْا، وَقَالُوا: إِنَّمَا كَانُوا قَوْمًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَتَأَلَّفُهُمْ عَلَى الإِسْلامِ حَتَّى أَسْلَمُوا، وَلَمْ يَرَوْا أَنْ يُعْطَوُا اليَوْمَ مِنَ الزَّكَاةِ عَلَى مِثْلِ هَذَا المَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ كَانَ اليَوْمَ عَلَى مِثْلِ حَالِ هَؤُلاءِ، وَرَأَى الإِمَامُ أَنْ يَتَألَّفَهُمْ عَلَى الإِسْلامِ، فَأَعْطَاهُمْ جَازَ ذَلِكَ، وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ.
• قوله: "أن صَفْوَانَ"، أي: لا عَنْ صفوانَ.
стр. 569
بَابُ مَا جَاءَ فِي المُتَصَدِّقِ يَرثُ صَدَقَتَهُ
٤٣٢ - (٦٦٧) - (٣/ ٤٥ - ٤٦) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: "وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ المِيرَاثُ"، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: "صُومِي عَنْهَا"، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، لا يُعْرَفُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَطَاءٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ ثُمَّ وَرِثَهَا حَلَّتْ لَهُ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا الصَّدَقَةُ شَيْءٌ جَعَلَهَا لِلهِ، فَإِذَا وَرِثَهَا، فَيَجِبُ أَنْ يَصْرِفَهَا فِي مِثْلِهِ. وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَزُهَيْرٌ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءٍ.
• قوله: "وَجَبَ"، أي: ثَبتَ ولَزِم أجرُكِ بالتَّصَدُّقِ، وأمِنَ منَ الزَّوَال وذلك بمقتضى الوَعْد وإلا فلا يَجِبُ على اللهِ تعالى شيءٌ.
• قوله: "وَرَدَّهَا عَلَيْكِ المِيرَاثُ"، أي: وليس باخْتِياركِ حتى يُخَافَ منه الضَّرَرُ في أجْركِ.
стр. 570
بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ العَوْدِ فِي الصَّدَقَةِ
٤٣٣ - (٦٦٨) - (٣/ ٤٧) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عمَرَ، أَنَّهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ رَآهَا تُبَاعُ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكثَرِ أَهْلِ العِلْمِ.
• قوله: "حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ"، أي: بالتَّصَدُّقِ والهِبَةِ ليقاتلَ.
• قوله: "وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا … " إلخ، أي: فالعَوْدُ إلى الصَّدَقة باختياره مكروهٌ عندهم، وأما حُصُوْلُها. ومجيئُها بغير اختيارِه كما هو فِي صُوْرةِ الإرثِ فلا كراهةَ فيه، ولا كراهةَ في إبْقَائِها بعدَ ذلك.
стр. 571
بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ عَنِ المَيِّتِ
٤٣٤ - (٦٦٩) - (٣/ ٤٧ - ٤٨) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ، أَفَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: فَإِنَّ لِي مَخْرَفًا، فَأُشهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَبِهِ يَقُولُ أَهْلُ العِلْمِ يَقُولُونَ: لَيْسَ شَيْءٌ يَصِلُ إِلَى المَيِّتِ إِلَّا الصَّدَقَةُ وَالدُّعَاءُ، وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا. قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلهِ إِنَّ لِي مَخْرَفًا يَعْنِي: بُسْتَانًا.
• قوله: "أنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا": بفتح همزةِ "أنْ" إنَّها مصدرِّيَةٌ في مَحَلِّ الرَّفعِ، فاعلُ "يَنْفَعُ"، أو - بكسرها - على "إنْ" شرطيةٌ، وفاعلُ "يَنْفَعُ" ضميرٌ راجعٌ إلى التَّصَدُّقِ المفهومِ من الشَّرطِ فكأنَّه متأخِّرٌ عن الشَّرْط. و"المَخْرَفُ": - بفتح الميم - حائط من النَّخْل.
• قوله: "تَصَدَّقْتُ بِهِ": الظَّاهر أنَّه كانَ وقفًا.
стр. 572
بَابٌ فِي نَفَقَةِ المَرْأَةِ على (١) بَيْتِ زَوْجِهَا
٤٣٥ - (٦٧٠) - (٣/ ٤٨ - ٤٩) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الخَوْلانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ يَقُولُ: "لا تُنْفِقُ امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا الطَّعَامُ، قَالَ: "ذَاكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا".
وَفِي البَابِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
• قوله: "لا تُنْفِقُ": يحتملُ أن يكونَ نَهْيًا أو نفيًا بمعنى النَّهْي.
• قوله: "إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا": حَمَله النَّوويُّ على أعم من الإذن الصَّريحِ، والإذنُ المفهومُ من اطِّرادِ العُرْفِ كإعْطاءِ السَّائل كسرةً ونحوَها مِمَّا جَرَتِ العادة به، وهذَا إذا عَلِمَتْ أن نفسَ الزَّوج كنُفُوس غالبِ النَّاس في السَمَاحَة وإن شكَّتْ في رضَاه فلابُدَّ من صَريحِ الإذْن (٢) .
قلتُ: وهذَا مِمَّا يُفْهَمُ من حديثِ عائشةَ الآتي، ولهذَا جَعَله المُصَنِّفُ كالتَّفْسير في الأجْر، ومنهم مَنْ حَمَل على أن المرادَ به ثبوتُ أصلِ الأجْر، والمشاركةُ فيه دونَ القدر.
٤٣٦ - (٦٧٢) - (٣/ ٤٩ - ٥٠) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا المُؤَمَّلُ، الحواشي
(١) في نسخة أحمد شاكر للترمذي: مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا.(٢) راجع: صحيح مسلم بشرح النووي: ٧/ ١١٢.стр. 573
عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَعْطَتِ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِطِيبِ نَفْسٍ غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا مِثْلُ أَجْرِهِ، لَهَا مَا نَوَتْ حَسَنًا، وَللْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ لا يَذْكُرُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ".
• قوله: "بِطِيبِ نَفْسٍ"، أي: مَع طِيْبِ نفسِ الزَّوج وهذَا يَعُمُّ الإذْنَ التَّصريحَ المفهومَ.
• وقوله: "غَيْرَ مُفْسِدَةٍ": حَالٌ من المرأةِ، أي: حالَ كونِها لم يكُنْ من قَصْدِها إفسادُ بيتِ الزَّوجِ، ولا تُعْطِي شيئًا يُفْضِي إلى ذلك، ودَخَلَ فيه إعطاءُ الكثير الغَيرِ المُعْتَاد.
стр. 574
بَابُ مَا جَاءَ فِي صَدَقَةِ الفِطْر
٤٣٧ - (٦٧٣) - (٣/ ٥٠ - ٥١) حَدَّثنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ المَدِينَةَ، فَتَكَلَّمَ، فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ إِنِّي لأَرَى مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، قَالَ: فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: "فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ صَاعًا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ: مِنْ كُلِّ شَىْءٍ صَاعٌ إِلَّا مِنَ البُرِّ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ نِصْفُ صَاعٍ، وَهُوَ قَولُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ يَرَوْنَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ.
٤٣٨ - (٦٧٤) - (٣/ ٥١) حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْن مُكْرَمٍ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكَّةَ: "أَلَا إِنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أوْ كبِيرٍ، مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ سِوَاهُ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى عُمَرُ بْنُ هَارُونَ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَالَ عَنِ العَبَّاسِ بْن مِينَاءَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ
стр. 575
وَسَلَّمَ فَذَكَرَ بَعْضَ هَذَا الحَدِيثِ، حَدَّثَنَا جَارُودُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ هَارُونَ هَذَا الحَدِيثَ.
• قوله: "كُنَّا نُخْرِجُ": من الإخْراج.
• وقوله: "إذْ كَانَ"، أي: في وَقْتِه، وحالِ حياتِه صلى الله تعالى عليه وسلم.
• وقوله: "صَاعًا مِنْ طَعَامٍ": منصوبٌ على الحَالِيَّة أو البَدَلِيَّة من زَكَاةِ الفِطْر، والمرادُ بالطَّعَام: البُرُّ كما يَدُلُّ عليه المُقَابَلة مع أن مُطْلقَ الطَّعَام عندهم ينصرفُ، فيُصْرَف إليه؛ لأنَّه الكاملُ فلا قرينةَ أيضًا فكيف مع القرينة؟ والمطلوبُ أنَّه كان صاعًا مِمَّا تَيَسَّر وهذَا لا ينافي كونَ التَيُّسِر من البُرِّ وإنْ كان قليلًا لعِزَّتِه عندَهم، وعليه يُحْمَل ما يقتضي أنَّهم كانوا يُخْرِجُون من البُرِّ توفيقًا بينَ الأحاديث بمعنى: أنَّ المعتادَ بينهم كانَ الإخراجُ من غير البُرِّ. و"الأقِطُ": اللَّبَنُ المُسْتَحْجَر.
• وقوله: "سَمْرَاءِ الشَّامِ"، أي: من البُرِّ الشَّامي.
• وقوله: "تَعْدِلُ"، أي: فتُسَاوِيه في المَنْفَعة أو القِيْمَة وهي مدارُ الأجْزاء فتُسَاويه في الأجْزاء، والمرادُ من الأصل تُساويه في الأجزاء.
• قوله: "فِجَاج مَكَّةَ"، أي: طُرُقُها.
• قوله: "عَبْدٍ، صَغِيرٍ": حَملوا الوجوبَ على العَبدِ، والصَّغيرِ على أنَّه يجبُ على المَوْلى والأبِ الإخراجُ عنهما وإلا فلا وجوبَ عليهما لعدم المَال، أو لعدَم التَّكْليفِ، نَعَم على العَبد يجب عند بعضٍ والمولى نائبٌ.
• قوله: "مِنْ قَمْحٍ": القَمحُ - بفتح القاف، وسكون الميم - البُرُّ، أي:
стр. 576
مُدَّان من قَمحٍ أو هي صاعٌ من طعامٍ حالَ كونِ ذلك الطَّعَام سوى القَمْح، فقوله: "سِوَاه": حالٌ من طعامٍ قُدِّم عليه لكونِه نكرةً.
وقد أخذَ علماءُنا بِهذا الحديث، وأجابُوا عن حديثِ أبي سعيدٍ بأنَّ هذا الحديثَ كان في مكَّةَ فلعلَّه لم يَبْلُغْه، ومَنْ أخذَ بحديثِ أبي سعيدٍ أجابَ عن هذا الحديثِ بأنَّه مرسلٌ؛ فإنَّ ابنَ جريجٍ لم يَسْمَعْ من عمرو بْن شعيبٍ، والمُرْسَل ليس بحُجَّةٍ، وعلى تقدير كونِه حُجَّةً فلا يُقَدَّم على المُسْنَدِ الصَّحيحِ على أن حديثَ عمروٍ على تقديرِ عدمِ إرسالِه قد تكَلُّمْوا فيه، فكونُه حسنًا مختلفٌ فيه فلا يُقدَّمُ على حديثِ أبي سعيد المتَّفَقِ على صِحَّتِه. والله تعالى أعلم.
стр. 577
بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقْدِيمِهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ
٤٣٩ - (٦٧٧) - (٣/ ٥٣) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ أَبُو عَمْرٍو الْحَذَّاءُ الْمَدِينِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ الصَّائغُ، عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الغُدُوِّ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الفِطْرِ.
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ أَهْلُ العِلْمِ أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ صَدَقَةَ الفِطْرِ قَبْلَ الغُدُوِّ إِلَى الصَّلَاةِ.
• قوله: "قَبْلَ الغُدُوِّ"، أي: قبلَ الخُرُوْج.
стр. 578
بَابُ [مَا جَاءَ] فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ
٤٤٠ - (٦٧٨) - (٣/ ٥٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَريَّا، عَنْ الحَجَّاج بْنِ دِينَارٍ، عَنْ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ حُجَيَّةَ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ، أن العَبَّاسَ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلُّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
• قوله: "قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ"، أي: يَحْضُرَ وقتُها.
٤٤١ - (٦٧٩) - (٣/ ٥٥ - ٥٤) حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ دِينَارٍ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ الحَكَمِ بْنِ جَحْلٍ، عَنْ حُجْرٍ العَدَوِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعُمَرَ: "إِنَّا قَدْ أَخَذْنَا زَكَاةَ العَبَّاسِ عَامَ الأَوَّلِ لِلْعَامِ".
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: لا أَعْرِفُ حَدِيثَ تَعْجِيلِ الزَّكاةِ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الحَجَّاج بْنِ دِينَارٍ، إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَحَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الحَجَّاجِ عِندِي أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا.
وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مَحِلِّهَا، فَرَأَى طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ لا يُعَجِّلَهَا، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لَا يُعَجِّلَهَا، وقَالَ أَكْثَرُ أَهْل العِلْمِ: إِنْ عَجَّلَهَا قَبْلَ مَحِلِّهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
• قوله: "لِلْعَامِ"، أي: بِهذَا العَام.
стр. 579
بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّهْي عَنِ المَسْألَةِ
٤٤٢ - (٦٨٠) - (٣/ ٥٥ - ٥٦) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأحْوَصِ، عَنْ بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لأنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ فيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنِ النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا، أعْطَاه أَوْ مَنَعَهُ ذلِكَ، فإِنَّ اليَدَ العُلْيَا أَفْضَلُ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ".
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ، وَعَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَمَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَثَوْبَانَ، وَزِيَادِ بْنِ الحَارِثِ الصُّدَائِيِّ، وَأَنَسٍ، وَحُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ، وَقَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ، وَسَمُرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ.
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسٍ.
• قوله: "لأنْ يَغْدُوَ … " إلخ، - بفتح اللام - و"أنْ" مصدريةٌ، والمضارعُ منصوبٌ بـ"أنْ". "والْغُدُوُّ": السَّيْرُ أوَّلَ النَّهَار، وغالبُ الحَطَّابِين يَخْرجُوْن كذلك، ويُطْلق على مَطْلق السَّير إطلاقًا شائِعًا فيُمكن ههنا حَمْلُه على الحقيقةِ وعلى المَجازِ الشَّائِع.
• وقوله: "فَيَحْتَطِبَ" (١) . الحواشي
(١) لم يذكر بعده شرح في المخطوط.стр. 580
• وقوله: "عَلَى ظَهْرِهِ": متعلقٌ بمُقَدَّر هو حال مقدَّوة، أي: حاملًا على ظهره، أي: مقدارَ حَمْلِه على ظهرِه إذْ لا حَمْلَ حال الجَمْع بل بعدَه، وإنَّما حالُ الجَمْع تقديرُ الحَمْل. "فَيَتَصَدَّقُ مِنْهُ ويَسْتَغْنِيَ بِهِ": عطفٌ على الفِعْل السَّابِق، و"أنْ" مع مدخُوْلاتِها مبتدأ، خبرُه قوله: "خَيْرٌ"، أي: ما يَلْحَقُه من مَشَقَّة الغُدْوَة والاحْتِطَاب خير من ذُلِّ السُّؤَال.
• وقوله: "أَعْطَاه … " إلخ، صِفةُ رَجُلٍ، أو التَّقْديرُ سواء أعطاه أو مَنَعَه.
• وقوله: و"ذَلِكَ"، أي: المَسؤول، مفعولٌ ثانٍ بالتَّنَازُع للفعلين والمراد بـ"اليَدِ الْعُلْيَا": المُنْفِقَة، وبـ"السُّفْلَى": السَّائِلة كذا ورد تفسيرُهُما في الأحاديث.
لا يقال: كم من سائلِ خيرٌ من المُنْفِقِيْن، فما معنى هذا الكلام؟ قلتُ: المطلوبُ التَّفْضِيْلُ بالنَّظْر إلى الإنفَاقِ، والسُّؤَال بالنَّظر إلى جميعِ الأحْوَال، ولا شكَّ أن اليدَ المُنْفِقَةَ من حيث الإنْفَاق خير من اليَدِ السَّائِلة من حيث السُّؤال.
• وقوله: "وَابْدَأْ": خطابٌ للمُنْفِق، أي: ابدأ في الإنْفَاق بمَنْ تَعُوْل، أي: تَمُوْنُ وتَلْزَمُك نَفَقَتُه من عِيَالِك فإنْ فَضُلَ شيءٌ فلِغَيْرِهِم.
стр. 581
[كِتَابُ الصَّومِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ] بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ
٤٤٣ - (٦٨٢) - (٣/ ٥٧ - ٥٨) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ بْنِ كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَة الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِىَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِله عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلَّ لَيْلَةٍ".
قَالَ: وفِي البَابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَلْمَانَ.
• قوله: "إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ": برَفْع "أوَّل ليلَةٍ" على أنَّه اسمُ "كَانَ"، "كَانَ" تامَّةٌ، أي: إذا وُجِد أوَّلُ ليلةٍ وتَحَقَّقَ، أو بنَصبِه على أنَّه خبرُ "كَانَ"، و"كَانَ" ناقصِةٌ، فيها ضمير اسْمُها، راجعٌ إلى مُطْلقِ الوَقْت والحِيْن، وعلى تقْدِيْر "مِنْ" ظرفيةً مشكلةٌ لأنَّه يصيرُ المعنى في وقتٍ يَصِيْرُ الزَّمانُ أوَّلَ ليلةٍ، أو في وقتٍ وُجِدَ أوَّلُ ليلةٍ، وَيَلزَمُ منه أنْ يكونَ لوُجُوْدِ أوَّلِ ليلةٍ أو لكَوْنِ الزَّمانِ أوَّل ليلةٍ وقتٌ، وهذا هو إثباتُ الزَّمانِ للزَّمان وتحقيقُ الزمانِ.
إنَّ مثلَ هذه العِبَارةِ متعارِفةٌ، وأهلُ العُرفِ يَعرِفُوْن منها المَقْصُوْدَ على الإجمالِ بحيث لا يظهرُ الإشكالُ بالنَّظْر إليهم، وهذا السُّؤَال تَدْقِيْقٌ فَلْسَفِيٌّ وهم لا ينظُرْون إليه، ولا يَلْتَفِتُوْن إلى أمثالِه فلا إشكالَ في كلامهم بمثله، ويُمْكن أنْ
стр. 582
يُجْعَلَ "إذَا" في مثلِ هذَا لمُجَرَّدِ الشَّرطِ. والله تعالى أعلم.
• وقوله: "صُفِّدَت": - بضَمِّ المُهْملة، وتشدِيدِ الفاء - أي: غُلَّتْ وشُدَّتِ الشَّياطين بالأصْفَادِ، وهي الأغْلالُ الَّتِي تُغَلُّ بِها اليَدَان أو الرِّجْلان وتُرْبَط في العُنُق.
وقد اختلفَ العُلَمَاءُ في ذلك ومُحَقِّقُوهم على أنَّه على حَقِيْقَتِه، وقال ابنُ العربي (١) : لا نَمْنَع الحَقِيْقةَ لأنَّهم ذريةُ إبليس، وهم يأكُلُوْن ويَشْربون، ويعذَّبُون وَيَنْعَمُونَ، ويؤيِّدُه ما في بعضِ الأخْبار أنَّها تُصَفَّدُ وتُرْمَى في البَحْر، ومَنْشأ اخْتِلافِهم ما شَاهَدُوْا من وُقُوْع المَعَاصِي في رمضان.
وجوابُه: أن المعاصيَ لا تتوَقَّفُ على وَسْوَسَة الشَّيطان بل قد تَكُونُ من النَّفْس وشَهْوَتِها كما في نُفُوْس الشَّياطين فإنَّهم لا يحْتَاجون في صُدُوْر المَعَاصي إلى شياطين أخَر وإلا تَسَلْسَلَتْ، وكيف عَصَى إبليسُ ربَّه أوَّلَ مَعصِيَةٍ ولم يكُنْ ثَمَّ شيطاطين وإنَّما وَقعَ فيما وَقَعَ بواسِطَةِ نَفْسِه فلا إشكالَ.
• وقوله: "يَا بَاغِيَ الخَيْرِ … " إلخ، معناه يا طالبَ الخَيْر. "أقْبِلْ": فهذا أوَانُك فإنَّكَ تُعْطَى جَزيلًا بعَمَلٍ قَليلٍ، "وَيَا طَالِبَ الشَرِّ أمْسِكْ" وتُبْ فإنَّه أوَانُ قبولِ التَّوْبَة.
• وقوله: "وَذَلكَ كُلَّ لَيْلَةٍ": - بالنصب - أي: هذَا النِّداء كُلَّ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ.
فإن قلتَ: أيُّ فائدةٍ في هذا النِّداء مع أنَّه غيرُ مَسْمُوعٍ للنَّاسِ؟ قلتُ: قد الحواشي
(١) في عارضة الأحوذي لابن العربي هكذا: وهم ذرية إبليس، أجسام يأكلون ويطؤون، ويشربون ويولدون، ويموتون ويعذبون، ولا ينعمون بحال. راجع: ٣/ ١٥٨.стр. 583
عَلِم النَّاسُ به بإخْبَار الصَّادِق، وبه يَحْصُل المَطْلُوْبُ بأنْ يَتَذَّكَر الإنْسانُ أنَّ كلَّ ليلةٍ بأنَّها ليلةُ المُنَاداة فيتِّعِظُ بِها. والله تعالى أعلم.
٤٤٤ - (٦٨٣) - (٣/ ٥٨ - ٥٩) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، وَالمُحَارِبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: "إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ" فَذَكَرَ الحَدِيثَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ.
• قوله: "غُفِرَ لَهُ": هذا وأمثالُه بيانٌ لفَضْل هذه العِبَاداتِ بأنَّه لو كانَتْ للإنْسَانِ ذُنوبٌ تُغْفَر له بِهذه العِبَادَاتِ أيَّ قَدْرٍ كَانَتْ، فلا يَرِدُ أن الأسبابَ المؤدِّيَة إلى المَغْفِرَةِ على العُمُوْمِ كثير فعندَ اجتِمَاعِها فإنْ شيءٌ يبقى للمتأخِّر منها حتَّى يُغْفَرَ به؟ إذْ المَقْصُودُ بيانُ فضيلةِ هذه العباداتِ، فإنَّ لهَا عندَ اللهِ هذا القدر من الفَضْل فإنْ لم يكن للإنسانِ ذَنْبٌ يظهر هذا الفضلُ في رَفْعِ الدَّرَجَاتِ.
стр. 584
بَابُ مَا جَاءَ لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بصَوْمٍ
٤٤٥ - (٦٨٤) - (٣/ ٥٩ - ٦٠) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْمٍ وَلَا بِيَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا بيانَ يَصُوُمهُ أَحَدُكُمْ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا".
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: كرِهُوا أَنْ تتَعَجَّلَ الرَّجُلُ بِصِيَامٍ قَبْلَ دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ لِمَعْنَى رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يَصُومُ صَوْمًا فَوَافَقَ صِيَامُهُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَهُمْ.
• قوله: "لا تَقَدَّمُوا": - بفتح التاء، وأصله تَتَقَدَّمُوا بالتَّائين حُذِفَتْ إحدَاهُما - من التَّقَدُّمِ بمعنى الاسْتِقْبَال، أي: لا تستقبلوه بصَوْمِ يومٍ ولا بصَوْمِ يَومَيْن.
• قوله: "لِرُؤْيَتِهِ"، أي: الهِلالِ المَفْهُوْم من المقام.
• قوله: "فَإِنْ غُمَّ": - بضم الغين المُعجمةِ، وتشديدِ الميم - أي: حالَ بينكم وبينَه غَيْمٌ، وهو مسند إلى الظَّرْفِ، أو إلى ضميرِ الهِلال من "غَمَمْتُه إذَا سَتَرْتَه"، أي: ستر الهلال عليكم.
стр. 585
بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ
٤٤٦ - (٦٨٦) - (٣/ ٦١) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأحْمَرُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ المُلائِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، قَالَ: كنَّا عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فَأُتِيَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ، فَقَالَ: كُلُوا، فَتَنَحَّى بَعْضُ القَوْمٍ، فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ عَمَّارٌ: مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أبَا القَاسِمِ ﷺ .
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَمَّارٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالعمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، كَرِهُوا أَنْ يَصُومَ الرَّجُلُ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، وَرَأَى أَكْثَرُهُمْ إِنْ صَامَهُ فَكَانَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْ يَقْضِيَ يَوْمًا مَكَانَهُ.
• قوله: "مَصْلِيَّة": هي بوزن: "مَرْمِيَّةٌ"، أي: مَشْوِيَّةٌ، من صَلَيْتَ اللَّحْمَ - بالتَّخفيف - أي: شَوَيْتَه، وإذا أحرقتَه وألقيتَه في النَّار. قلتُ: صَلَّيْتُ - بالتَّشديد - أو صَلَيْتُ. "فَتَنَحَّى"، أي: احْتَرزَ عن أكْلِه، فقال: "إنِّيْ صَائِمٌ" اعتذارًا عن ذلك.
• قوله: "مَنْ صَامَ … " إلخ، قد تقرَّر أنَّ حُكمَ مثلِه الرَّفعُ.
стр. 586
بَابُ مَا جَاءَ فِي إحْصَاءِ هِلَالِ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ
٤٤٧ - (٦٨٧) - (٣/ ٦٢) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ حَجَّاجٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَحْصُوا هِلالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ. وَالصَّحِيحُ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لا تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو اللَّيْثِيِّ.
• قوله: "مُسْلِمُ بْنُ حَجَّاجٍ": صاحبُ الصَّحِيْح.
• قوله: "أَحْصُوا": من الإحْصَاءِ، أي: احفَظُوْه واضْبِطُوه لمَعْرِفَةِ رمضانَ إن احْتِيْجَ إلى ذلكَ بسبب الغَيْمِ.
стр. 587
بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الصَّوْمَ لِرُؤْيَةِ الهلَالِ وَالإفْطَارَ لَهُ
٤٤٨ - (٦٨٨) - (٣/ ٦٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الأحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَتْ دُونَهُ غَيَايَةٌ، فَأَكْمِلُوا ثَلاثِينَ يَوْمًا".
وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
• قوله: "لا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ": محمولٌ على ما تقدَّم من النَّهْي عن التَّقَدُّم بيومٍ أو يومَيْن.
стр. 588
بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرينَ
٤٤٩ - (٦٨٩) - (٣/ ٦٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِد، أَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا صُمْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرُ مِمَّا صُمْنَا ثَلَاثِينَ.
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَجَابِرٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الشَّهْرُ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ".
• قوله: "مَا صُمْتُ … " إلخ، كلمةُ "مَا" تحتمل أنْ تكونَ مصدريةً في المَوْضِعَيْن، أي: صَوْمِي تسعًا وعشرِيْنَ أكثر من صَوْمِي ثلاثين، وتحتملُ أنْ تكونَ موصولةً في المَوْضِعَيْن والعائِدُ محذوفٌ، والتَّقْدِيْر: مَا صُمْتُه أكثر مِمَّا صُمْنَاه، أي: الأشهر التي صُمْتُها تسعًا وعِشْرينَ أكثر من الأشْهُرُ الَّتِي صُمْنَاهَا ثَلاثِيْنَ، وعلى هذا فنَصبُ "تِسْعًا وعشرينَ"، وكذا نصب "ثَلاثِيْنَ" إمَّا على الحَالِةِ من المَفْعُول المقدَّرِ، أي: "صُمْتُها حالَ كونِهَا تِسْعًا وعِشْرِيْنَ"، أو على المَفْعُولِيَّة، والضَّميرُ المقدَّرُ ظَرْفٌ، والمَعْنى صمْتُ فيها تِسْعًا وعِشْرِيْنَ، وظرفُ الزَّمَان لا يجوز أنْ [تترك معه كلمةُ "في" أو "لا"] (١) ، فالمُقدَّرُ بحَسْبِ ذلك يَحْتَمِل وجهَيْن، وعلى الوَجْهَين - وهما: كونُ "مَا" مصدَرِّيةٌ أو موصولةٌ - يكون قولُه: "أَكْثَرُ": مرفوعًا الحواشي
(١) هكذا في المخطوط، والصحيح: "أن تذكر معه كلمة "في"، وكلمة "لا" زائدة، ولعلها من خطأ الناسخ.стр. 589
على أنَّه خبرٌ، والكَلامُ يفيدُ أن الأشْهُرَ النَّاقِصَةَ أكثرَ من الوَافِية.
ويمكنُ أنْ يقالَ: كلمةُ "مَا" الأولى نافِيَة، أي: ما صُمْتُ تِسْعًا وعِشْرينَ مرارًا أكثرَ أو أحْيانًا أكثرَ مِمَّا صُمْنَا ثَلاثِيْنَ، أي: من المَرَّاتِ الَّتِي صُمْنَاهَا ثَلاثِينَ، أو من الأحْيَانِ الَّتِي صُمْنَاهَا ثَلاثِيْنَ، فعلى هذَا فلفظُ "أكثر" يكونُ مَنْصُوْبًا على المَصْدِريَّةِ إنْ قُدِّرَ مرارًا الآتية لبيان عَدِدِ الفِعْل، والظَّرفِيَّة إن قُدِّرَ أحيانًا، والكلامُ يُفيْدُ أن النَّاقِصَ مَا كانَ غالبًا على الوَافِي. والله تعالى أعلم.
٤٥٠ - (٦٩٠) - (٣/ ٦٤ - ٦٥) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنهُ قَالَ: آلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا فَقَالَ: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
• قوله: "يَكُوْنُ تِسْعًا وعِشْرِيْنَ"، أي: يكون تارةً وأحيانًا.
• قوله: "آلَى": - بمدِّ الهمزةِ - من الإيلاء بمعنى الحلف. و"مَشْرُبَةٍ" - بفتح الميم، وضمِّ الرَّاء، وفتحِها -: الغُرفةُ.
• قوله: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ"، أي: هذَا الشَّهْر. والله تعالى أعلم.
стр. 590
بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّوْمِ بِالشَّهَادَةِ
٤٥١ - (٦٩١) - (٣/ ٦٥ - ٦٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الوَليدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الهِلالَ، قَالَ: "أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "يَا بِلَالُ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا غَدًا".
حَدَّثَنَا أَبُو كرَيْبٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، نَحْوَهُ بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ. وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ سِمَاكٍ رَوَوْا، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا".
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَكثَرِ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا: تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي الصِّيَامِ، وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ. قَالَ إِسْحَاقُ: لا يُصَامُ إِلَّا بِشَهَادَةِ رَجُليْنِ، وَلمْ يَخْتَلِف أهْلُ العِلْمِ فِي الإِفْطَارِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ.
قوله: "أذِّنْ": من التَّأذِين والإيْذَان، والمرادُ به مطلَقُ النِّدَاء والإعْلامِ.
стр. 591
بَابُ مَا جَاءَ لِكُلِّ أَهْل بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ
٤٥٢ - (٦٩٣) - (٣/ ٦٧ - ٦٨) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ، أَخْبَرَنِي كُريْبٌ، أَنَّ أُمَّ الفَضْلِ بِنْتَ الحَارِثِ، بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ وَأَنَا بالشَّام، فَرَأَيْنَا الهِلَالَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ المَدِينَةَ فِي آخِرِ الشهْرِ، فسَألنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، ثمَّ ذَكَرَ الهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأيْتُمُ الهِلَالَ، فَقُلْتُ رَأيْنَاهُ ليْلةَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَأَنْتَ رَأَيْتَهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ؟ فَقُلْتُ: رَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: لَكِنْ رَأَيْنَاه لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: ألَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ، قَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ .
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ لِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُمْ.
• قوله: "هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ": يحتملُ أن المرادَ به أنَّه أمَرَنَا بأنْ لا تُقْبَلَ شهادَة الواحِدِ في حَقِّ الإفْطَار، أو أنَّه أمَرَنا بأنْ نَعْتَمِدَ على رؤيَةِ أهْلِ بَلَدِنَا ولا نعتَمِدُ على رُؤيَةِ غيرِ أهلِ بَلَدِنَا، والمصنِّفُ حَمَلُه على المَعْنى الثَّانِي فلذَا اسْتَدَلَّ، لكنَّ احتمالَه المعنى الأوَّلَ يُخِلُّ بالاستِدْلالِ إذِ الاحْتِمَالُ يُفسْدُ الاسْتدْلالُ.
стр. 592
بَابُ مَا جَاءَ مَا يُسْتَحَبُّ عَلَيْهِ الإفْطَارُ
٤٥٣ - (٦٩٤) - (٦٩ - ٣/ ٦٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزٍ بن صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ وَجَدَ تَمْرًا فَليُفْطِرْ عَلَيْهِ، وَمَنْ لا، فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّ المَاءَ طَهُورٌ".
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ لا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاه عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَ هَذَا غَيْرَ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ وَهُوَ حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ أَصْلًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ.
وَقَدْ رَوَى أَصْحَابُ شُعْبَةَ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَاصِم الأحْوَلِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ، وَهَكَذَا رَوَوْا عَنْ شُعُبَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ سَلْمَانَ، وَلَمْ يُذْكرْ فِيهِ شُعْبَةُ، عَنِ الرَّبَابِ. وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ عَاصِمٍ الأحَوَلِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ. وَابْنُ عَوْنٍ يَقُولُ: عَنْ أُمِّ الرَّائِحِ بِنْتِ صُلَيْعٍ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، وَالرَّبَابُ هِيَ: أُمُّ الرَّائِحِ.
• قوله: "فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ": لأنَّه يُقوِّي البَصرَ، ويَدْفَع الضُّعْفَ الحاصلَ فيه بالصَّوم.
• وقوله: "فَإِنَّ المَاءَ طَهُور"، أي: فهو أحَقُّ بأنْ يُسْتَعْمَل في الإفْطَار الَّذِيْ هو قُرْبَةٌ وتَتْمِيمٌ للقُرْبَةِ. والله تعالى أعلم.
стр. 593
بَابُ مَا جَاءَ إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ
٤٥٤ - (٦٩٨) - (٣/ ٧٢) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَة بْنُ سُلَيْمَانَ.
(ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ.
(ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ، وَغَابَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرْتَ".
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَأَبِي سَعِيدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
• قوله: "وَغَابَتِ الشَّمْسُ": تَصْريْحٌ وتَحْقِيق للمَطْلوبِ.
• وقوله: "فَقَدْ أَفْطَرْتَ": خِطابٌ للصَّائِم، ومعناه أنَّه حَصَل بذلك الإفطارُ حكمًا سواءً أفطرَ بالطَّعامِ أوْ لَا.
стр. 594
بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجيل الإفْطَار
٤٥٥ - (٦٩٩) - (٣/ ٧٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ.
(ح)، وَأَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، قِرَاءَةً عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَزَالُ النَّاسُ بِحيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ".
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَه أَهْلُ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ: اسْتَحَبُّوا تَعْجِيلَ الفِطْرِ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
• قوله: "بِخَيْرٍ"، أي: في دِيْنِهم لرِوَايةِ أبي هريرةَ: "لا يَزَالُ الدِّيْنُ ظَاهِرًا" رواه أبو داود (١) .
• وقوله: "مَا عَجَّلُوا"، أي: مدَّة تَعْجِيْلِهم، وأمْرُ السُّحُورِ على خِلافِ ذلك كما سيجيء، ولذَا قال الحافظُ: من البِدَع المُنْكَرَة مَا أحْدِثَ في هذَا الزَّمانِ من إيْقَاعِ الأذَانِ الثَّاني قبلَ الفَجْر بنَحْوِ ثَلاثِ ساعاتٍ في رَمَضَان، وإطْفَاءِ المَصَابيحِ المَجْعُوْلَة علامةً لانْقِضَاءِ اللَّيْل زعْمًا مِمَّنْ أحْدَثَه أنَّه للاحْتِيَاطِ للعِبَادةِ، وجرَّهم ذلك إلى أنَّهم لا يؤذِّنُوْنَ إلا بعدَ الغُروبِ بدَرَجَة الحواشي
(١) راجع: سنن أبي داود، كتاب الصوم، باب: ما يستحب من تعجيل الفطر، ح: ٢٣٥٣.стр. 595
لتَمْكِين الوَقْت فيما زَعَمُوا فأخَّرُوا الفِطْر وعَجَّلوا السُّحُورَ، فخَالَفُوا السُنَّةَ، فلذا قَلَّ الخيرُ عنهم، وكثُرَ الشرُّ فيهم. انتهى (١) .
٤٥٦ - (٧٠٠) - (٣/ ٧٤) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ الأوْزَاعِيِّ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَالَ اللهُ : "أَحَبَّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا".
• قوله: "أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا"، أي: لِمَا فيهِ من مُرَاعَاةِ حدودِ اللهِ تَعالى في الصَّوْمِ والإفْطَارِ، واسْتِعمالِ مقتضى كُلٍّ مِنْ حُرْمَة الطَّعامِ وحله في موضِعه. والله تعالى أعلم. الحواشي
(١) راجع: فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني: ٤/ ٢٣٥.стр. 596
بَابُ مَا جَاءَ فِي تَأْخِير السُّحُورِ
٤٥٧ - (٧٠٣) - (٣/ ٧٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثنَا هِشَام الدَّسْتُوَائِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: "تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلاةِ، قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً".
• قوله: "قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً": هذا يدُلُّ على استحبَابِ تأخِيْر السُّحُورِ وتَعْجِيلِ صَلاةِ الفَجْر بإيْقَاعِها في الغَلَس. والله تعالى أعلم.
стр. 597
بَابُ مَا جَاءَ فِي بَيَان الفَجْر
٤٥٨ - (٧٠٥) - (٣/ ٧٦ - ٧٧) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ النُّعْمَانِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، حَدَّثَنِي أَبِي طَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَمَعلَّمَ قَالَ: "كلُوا وَاشْرَبُوا، وَلَا يَهِيدَنَّكُمُ السَّاطِعُ المُصْعِدُ، وَكلُوا وَاشْرَبُوا، حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الأحْمَرُ".
قَالَ: وفي البَابِ عَن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَسَمُرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ طَلْقِ بْن عَلِيٍّ حَدِيثُ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ العِلمِ أَنَّهُ: لا يَحْرُمُ عَلى الصَّائِمِ الأكْل وَالشُّرْبُ حَتّى يَكُونَ الفجْرُ الأحْمَرُ المُعْترِضُ، وَبِهِ يَقُولُ عَامَّةُ أَهْلِ العِلْمِ.
• "لا يَهِيدَنَّكُمُ": من الهَيْد وهو الزَّجْر.
• قوله: "حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الأحْمَرُ": قال الخَطَّابي: معناه أنْ يَسْتَبْطِنَ البَيَاضَ المعتَرِضَ معه أوائلَ الحُمْرة، والعربُ تُشَبِّهُ الصبحَ بـ "البَلَق " من الخَيل لِمَا فيه من بَياضٍ وحُمْرةٍ. كذا في حاشية السيوطي لأبي داود (١) .
٤٥٩ - (٧٠٦) - (٣/ ٧٧) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، وَيُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ أَبِي هِلالٍ، عَنْ سَوَادَةَ بْنٍ حَنْظَلَةَ هُوَ الْقُشَيْرِيُّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَمْنَعَنَكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا الفَجْرُ المُسْتَطِيلُ، وَلَكِنِ الفَجْرُ المُسْتَطِيرُ فِي الأَفُقِ". الحواشي
(١) راجع: مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للسيوطي: ٢/ ٦٠٠.стр. 598
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
• "الْمُسْتَطَيْرُ فِي الأفُقِ"، أي: ما انْتَشَر ضوءُه واعْتَرضَ في الأفُقِ بخِلافِ المُسْتَطِيل، والمُسْتَطِيرُ هو المنْتَشِر المُتَفَوِّق كأنَّه طارَ في الأفق.
стр. 599
بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الغِيبَةِ لِلصَّائِمِ
٤٦٠ - (٧٠٧) - (٣/ ٧٨) حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبِ، عَنْ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَمْ يَدَع قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ بِأنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ".
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَنَسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
• قوله: "فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ … "إلخ، قال البَيضاوي (١) : ليسَ المقصودُ من مشروعِيَّةِ الصَّومِ نفسُ الجُوْع والعَطش، بل يَتْبَعُهُمَا من كَسْر الشَّهَوات وإطْفَاء نائِرَة الغَضَب، وتَطْويعِ النَّفْس الأمَّارَة للمُطْمَئِنَّة، فإذا لم يَحْصُل شيءٌ من ذلك لم يبالِ اللهُ بصَومه ولا يقبله، "فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ" مجازٌ عن عَدم القَبُوْل. حاشية السيوطي لأبي داود (٢) . الحواشي
(١) هو: القاضي ناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي الشيرازي الشافعي، ولد في مدينة "بيضاء" بفارس قرب شيراز، كان إماما، نظَّارا، خَيِّرًا، صالحا، متعبدا، ولي قضاء شيراز مدة ثم صرف عن القضاء، فرحل إلى تبريز. توفي سنة خمس وثمانين ويست مائة بتبريز ودفن بها. من تصانيفه: "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" الذي يعرف بـ "تفسير البيضاوي"، و"طوالع الأنوار"، و"المنهاج إلى علم الأصول" وغيرها من المؤلفات النافعة.
راجع لترجمته: والوافي بالوفيات: ٢٠٦، شذرات الذهب: ٧/ ٦٨٥، البداية والنهاية: ١٧/ ٦٠٦، والأعلام للزركلي: ٤/ ١١٠.(٢) راجع: مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للسيوطي: ٢/ ٦٠٤.стр. 600
بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ السَّحُورِ
٤٦١ - (٧٠٨) - (٣/ ٧٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً".
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرِ بْنٍ عَبْدِ اللهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَمْرِو بْنِ العَاصِ، وَالعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، وَعُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: "فضْل مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أهْلِ الكِتَابِ أكْلةُ السَّحَرِ".
==
• قوله: "فَإِنَّ فِي السَّحُورِ … " إلخ، السُّحُورِ - بفتح السين - ما يُتَسَحَّرُ به من الطَّعَام والشَّرَاب. و - بابضم - أكْله، والرِّوَاية المشهووة: الفتح. وقيل: الضَّمُّ أحسنُ؛ لأنَّ البَرَكةَ في الفعل لا في الطَّعَام، وفُسِّرَ البركةُ بالأجر والثَّواب، وبالتَّقْوِيَة على الصَّوْم وبما يَتَضَمَّنُه من الذِّكْر والدُّعَاء في ذلك الوقت الشَّريفِ، وكُلُّ ذلك في الأكل، فعَلى تَقْدير الفَتْح يُحْتَاج إلى تقدير المُضاف، أي: في أكْلِه.
следующие страницы →