وسِتَّة من الَّذِي يَلِيْه كما وَرَدَ، أو شيئًا منه أو تمامه. والله تعالى أعلم.
• قوله: "قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ"، أي: أجرًا؛ بأنَّ صومَ الدَّهْر على حِسَاب مَا جاءَ بالحَسَنة يَحْصُلُ بدونِ هذَا القدر مِمَّا لا حاجةَ إليه بجَوَاز أن المرادَ ههنا حصولُ أجْر صَوْمِ الدَّهْر تحقيقًا والأمر إلى الله، لَا بمُجَرَّدِ حسابِ الحَسَنات - والله تعالى أعلم - والذي بحِسَاب الحسنات أنْقَصُ من التَّحْقِيْقِيِّ بتَسْعَةِ أعْشَارٍ كما لا يخْفَى.
• قوله: "وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ … " إلخ، لمن يريدُ التَّوفِيقَ بين الحَدِيْثَين أنْ يَحْملَ أضافةَ اليَومِ إلى اللَّيل التَّاسِع على المشهور من الإضافةِ إلى الليل المُتَقَدِّم، وإلى العَاشِر على خلافِ المشهور من الإضَافَة إلى اللَّيْل المتأخِّر كما في ليلة عرفةَ، فإنَّها تُضَافُ إلى اليوم المُتَقَدِّم على خلافِ المتعارف في نحو ليلة الجمعة، ويمكنُ التَّوفيقُ بما أشارَ إليه كلامُ المصنف بأنَّهما يومان عنده. والله تعالى أعلم.
стр. 640
بَابُ مَا جَاءَ فِي صِيَامِ العَشْر
٤٩٢ - (٧٥٦) - (٣/ ٢٠١ - ٢١١) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الأسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَائِمًا فِي العَشْرِ قَطُّ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَى الثَّوْرِيُّ، وَغَيْر هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُرَ صَائِمًا فِي العَشْرِ. وَرَوَى أَبُو الأحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ، عَنِ الأسْوَدِ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا عَلَى مَنْصُورٍ فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَرِوَايَةُ الأعْمَشِ أَصَحُّ وَأَوْصَلُ إِسْنَادًا، قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: الأعْمَشُ أَحْفَظُ لإِسْنَادِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ مَنْصُورٍ.
• قوله: "فِي العَشْرِ"، أي: في أيَّام اللَّيالي العَشْر على حذفِ المُضافِ، والمرادُ: عشْرُ ذي الحَجَّة فإنَّها المشهورةُ بِهذا الاسْم قال تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (١) والمعنى فيما أمكنَ من أيَّامِه منها الصِيَّام وهي: التِّسْعُ منها، و [هي] المرادُ في التَّرْجمة إذ يومُ اللَّيلة العاشرةِ يوم عيدٍ فلا فائدةَ في ذكر الصَّوْم بالنسبة إليه إيْجَابًا أو سلبًا، وإنَّما لم يَقُل في اللَّيالي التِّسْع لعَدَم تعارُفِ هذا الاسم، فعَدَل عنه إلى الاسم المُتَعَارَف مع ظهور المُرادِ.
стр. 641
بَابُ مَا جَاءَ فِي العَمَل فِي أَيَّامِ العَشْرِ
٤٩٣ - (٧٥٧) - (٢١١/ ٣ - ٢٢١) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ هُوَ البَطِينُ وَهُوَ ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذه الأَيَّام العَشْرِ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَلَا الجِهَادُ فِي سَببِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ".
وَفِي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَجَابِرٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
• قوله: "مَا مِنْ أَيَّامٍ": كلمةُ "مِنْ" زائدةٌ لاستِغْرَاقِ النَّفْي، وجملةُ "العَمَلُ الصَّالِحُ … " إلخ، صفةُ أيَّام، والخبَرُ محذوفٌ، أي: موجودَةٌ، أو خيرٌ وهو الأوْجَه.
• وقوله: "مِنْ هَذه الأَيَّامِ": مُتَعَلِّقَة بـ "أحب"، والمعنى على حذفِ المضافِ، أي: مِنْ عَمَل هذه الأيَّام ليكونَ المفَضَّلُ والمُفَضَّلُ عليه من جِنْسٍ واحدٍ، ثم هو يحتملُ وجهين: أحدهما: أنْ يقالَ: من ذلك العَمَل الصَّالحِ في هذه الأَيَّام. والثَّاني: أن يقالَ: مِنْ عَمَلٍ ما في هذه الأَيَّام، والأوَّل أظهرُ وأقوى تَبَادُرًا إلى الذِّهْن.
وحاصُله: أن العملَ الواحدَ إذَا كانَ في هذه الأَيَّام هذا هو المُتَبادَر من
стр. 642
مقتضى المَقام، وإن كانَ أصلُ اللغةِ لا يقتضي أن يكونَ في هذه أحَبُّ، بل يَكْفِي فيه أنْ لا يكونَ في غيره أحَبّ، فيمكنُ أن يكونَ فيها وفي غيرها مُسَاوِيًا إذا كان غيرُها من الأيَّام الشَّريفَةِ كرمضان مثلا، و على هذا المعنى لا يظهر اسْتِبْعَادُهم المذكورُ بقولهم: "وَلا الجِهَادُ" في هذه الأيَّام أحَبُّ منه في غير هذه الأيَّام، ولا أنْ يقالَ: ليسَ الجهادُ في غير هذه الأيَّام أحَبُّ منه في هذه الأيَّام مع احتمالِ المُسَاوَاة إلا أنْ يُتكَلَّفَ بأنْ يقالَ: الجهادُ في هذه الأيَّام يُخِلُّ بالحَجِّ، فينبغي أنْ يكونَ في غير هذه أحبُّ منه في هذه الأيَّام، فلذا اسْتَبْعَدُوْا كونَ الجِهَاد في هذه الأيَّام أحَبُّ منه في غير هذه الأيَّام، وليسَ في غير هذه الأيَّام أحَبُّ منه في هذه الأيَّام مع احتمالِ المُسَاوَاة وحينئذ قوله: "إِلَّا رَجُلٌ" أي: جهادُ رجُل، بيانٌ لفَخَامة اجْتِهَاده، وتعظيمٌ له بأنَّه قد بلغ مبلغًا لا يكادُ يَتَفَاوَتُ بشرفِ الأيَّام والأزْمَان وعدم شرفها.
وحاصلُ الوجهِ الثَّاني: أن أيَّ عملٍ كانَ في هذه الأيَّام فهو أحَبُّ إلى اللّهِ من أيِّ عمل كانَ في غير هذه الأيَّام، ولو كانَ العملُ في هذه الأيَّام التَّصَدُّقُ بفَلْسٍ وفي غيرِها ولو كان عملًا عظيمًا أحبّ عملا من هذا وإن كانَ حقيرًا مع احتمال المُسَاوَاة، ولا يَخْفَى أن هذَا أمرٌ مستبعدٌ جِدًّا، وإن كانَ تَوْجِيْهُ السُّؤال والاستبعادِ بقولهم: "وَلا الجِهَادُ" يكون واضحًا، وكذا توجيهُ الجواب بقوله: "إلَّا رَجُلٌ" فافْهَمْ.
• قوله: "أَحبَّ": - بالفتح - على أنَّه صفةُ أيَّام وهو غيرُ منصرفٍ فيُفْتَح حالةَ الجزاء، وبالرَّفْع على أنَّه خبرٌ وهو الأوْجُهُ، وعلى الأوَّل يحتاج إلى حذفِ الخَبرِ.
• وقوله: "وَالصَّوْمُ لِي … " إلخ، مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١) بناءً على أن الصبرَ هو الصَّوْم، وأنَّ قوله: "الصَّوْمُ لِيْ … " إلخ، كنايةٌ عن تعظيمِ جَزَائِه، وأنَّه لا حدَّ له كجزاء سَائِر الأعمالِ بقرينةِ المُقَابَلة، ويكونُ قولُه: "والصَّوْمُ جُنَّةٌ": من كلامِه ﷺ ، ويمكنُ أن يكونَ هذا الكلامُ بعَيْنِه مِمَّا أوْحِي إليه وَحْيًا غيرَ مَتْلُوٍّ، وعلى هذا فإنْ قلنا: إنَّ الحديثَ … إلخ، كلامُه تعالى فحينئذٍ يكونُ قوله: "أَطْيَبُ عِنْدَ اللّهِ" من وَضْعِ الظَّاهر مَوْضِعَ الضَّمير، والأصلُ: "أطْيبُ عندي"، وإنْ قلنا: بل بعضُه والبَاقي من كلامِه - صلى الله تعالى عليه وسلم - فلا إشكالَ.
وقد اختلفوا في معنى قولِه: "والصَّوْمُ فِي … " إلخ، على أقْوالٍ، والأقربُ عندي ما أشَرْفُ إليه أنَّه كناية عن تعظيم جَزائِه، وأنَّه لاحدَّ له، وهذا هو الَّذِي تُفِيْدُه المقابلةُ؛ وذلك لأنَّ اختِصَاصَه من بين سَائر الأعمالِ بأنَّه مخصوصٌ بعظيم لا نِهايةَ لعَظْمَتِه ولا حدَّ لها، وأنَّ ذلك العظيمَ هو المُتَوَلِّي بجَزَائِه مِمَّا يَنْسَاقُ الذِّهنُ منه إلى أن جزاءَه مِمَّا لا حدَّ له، وعلى هذا فمعنى قوله: "لِيْ"، أي: أنا المُتَفَرِّدُ بعلم مقدار ثوابِه وتضعيفه. والله تعالى أعلم.
• وقوله: "أَطْيَبُ عِنْدَ اللّهِ"، أي: صاحبُه بسَببِه أكثرُ قبولًا ووجاهةً عندَه، وأزيَد قربًا منه تعالى من صاحبِ المِسْكِ بسبب ريْحِه عندَكم، وهو تعالى أكثرُ إقبالًا عليه بسببه من إقبالِكم على صاحبِ المِسْكِ بسبب ريحِه. واللّه تعالى أعلم.
• وقوله: "وَهُوَ صَائِمٌ"، أي: ذلك الأحدُ منكم صائِمٌ، أي: "فَلْيَقُلْ" باللِّسَانِ دفعًا له، ومُعْتَذِرًا عندَه عن مقابلته: "إِنِّي صَائِم" وبالقَلْب، أي: ليَتَذَّكَر
وَسُفْيَانَ، عَنْ حَبِيب بْنِ أَبِي ثَابتٍ، عَنْ أَبِي العَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّوْمِ صَوْمُ أَخِي دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلا يَفِرُّ إِذَا لاقَى".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو العَبَّاسِ هُوَ: الشَّاعِرُ المَكِّيُّ الأعمى، وَاسْمُهُ: السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: أَفْضَلُ الصِّيَامِ أَنْ تَصُومَ يَوْمًا وَتُفْطِرَ يَوْمًا، وَيُقَالُ: هَذَا هُوَ أَشَدُّ الصِّيَامِ.
• قوله: "وَلا يَفِرُّ إِذَا لاقَى"، أي: العدوَّ. وظاهرُ هذه الجُمْلة أنَّها عطفٌ على "يَصُوْمُ يَوْمًا" ولا شَكَّ أن تلك الجُملةَ مُسَوَّقَةٌ لبيانِ صومِ داودَ بعدَ الإخبارِ عنها بأنَّها أفضلُ الصِّيَام، كأنَّ سائلًا قال: كيف كانَ صومُ داودَ؟ فقال: "كَانَ يَصُوْمُ … ". ومقتضى [الحديثِ] أن هذا في بيانِ خيرِ الصَّوْم وهذا بظاهره لا يصلح لذلك، فكأنَّ المرادَ بالصَّوم مُطْلَقُ الصَّبْر، وكفُّ النَّفْس وإمسَاكُها على خلافِ ما تشتهيه وتَهْوي، أي: أفضلُ الصَّبر صبرُ داودَ حيث كانَ يصبِرُ على أشَدِّ الصِّيَام، وفي أشدِّ المَعارِك.
ويمكنُ أن يقال: إنَّه اعتراضٌ في آخر الكلامِ عندَ مَنْ جَوَّزَ وُقُوْعَ الاعتراضِ في الآخر، والواو اعتراضِيَّةٌ ذَكَر لنكْتَةٍ، وذلك أن مُدَاوَمَة داودَ على هذا النَّوْع من الصَّومِ الذي هو أشدُّ الصِّيَامِ على النَّفْس ربما يُوْهِم ضُعْفَه، فدَفَعَ ذلك الوهم ببيان أنَّه مع ذلك [كان] في غايةِ الشَّجَاعة. والله تعالى أعلم.
• قوله: "هُو أشَدُّ الصِّيَامِ"، أي: لا يحصلُ له عادة على الصَّوم ولا على الإفطار فيصعبُ عليه كلٌّ منهما؛ لأنَّه على خلافِ العَادةِ.
أَنْ يَعْتكِفَ صَلَّى الفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ فِي مُعْتكَفِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتكِفَ فَلْتَغِبْ لَهُ الشَّمْسُ مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتكِفَ فِيهَا مِنَ الغَدِ وَقَدْ قَعَدَ فِي مُعْتكَفِهِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.
• قوله: "وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا … " إلخ، الذي يقول بظَاهِر الحديثِ يَحْمِل على أن المُعْتكِفَ يَشْرع في الاعْتِكَافِ بعدَ صلاةِ الصُّبْح من اليَوْم الحَادِي والعشرين كما يَشْهَد بذلك كلامُهم، ولذا رَدَّ عليه الجمهورُ بأنَّ المعلومَ أنَّه ﷺ كان يعتكفُ العشرَ الأواخرَ كما رواه المصنف سابقًا، وقد رواه الشيخان (١) وغيرُهما (٢) عن عائشة، وكان يَحُثُّ أصحابَه على اعتكافِ العَشر، وعَدَدُ العَشر عَدَدُ اللَّيالي، فيدخُل فيها اللَّيْلَة الأوْلى وإلا لا يتِمُّ هذَا العددُ أصلًا.
وأيضًا من أعظمِ ما يُطْلَبُ بالاعتكافِ في العَشْر الأواخِر إدْرَاكُ لَيْلةِ القَدْر وفَضْلُها كما لا يخْفَى على من يَتَّبعُ أحاديث البَاب، وهي قد تكونُ تلك اللَّيْلة، ليلة الحادي والعشرين كما يُفيدُه حديثُ أبي سعيدٍ، فينبغي له أنْ يكونَ مُعْتكِفًا فيها لا أنْ يعتكفَ بعدَها، ولهذَا ذهب الجمهورُ إلى أنَّه يَشْرع ليلةَ الحادي والعشرين في الاعتكافِ، ولهم في جوابِ غير هذا الحديثِ وجوهٌ.
قال النَّووي: تأويلُ الحديث أنَّه دَخَلَ المعتكفَ وانْقَطَع فيه وتَخَلَّى بنَفْسِه بعدَ صلاةِ الصُّبْح، لا أن ذلك وقت ابتداءِ الاعتكاف، بل كان قبلَ المغربِ معتكفًا
стр. 664
لابثًا في جملةِ المَسْجِد، فلمَّا صلى الصبحَ انفردَ. انتهى (١).
وقال الشيخ شمس الدين المَقْدِسِيُّ الحنبلي (٢): وحَمَلَه صاحبُ المُحَرِّر على الجَواز، وقال القاضي يعني أبا يعلى (٣): يحتمل أنَّه كانَ يفعل ذلك في يوم العِشْرين. انتهى (٤).
قلتُ: وهذا كما تَجَرَّدَ للإحْرَام من المَدِيْنة وإنْ أحْرَم من ذي الحُلَيْفَة، وأوْرَدَ الحافظُ ابنُ حجر على تأويلِ النَّوْوي (٥) بأنَّه مشكلٌ على مَنْ مَنعَ الخُرُوْج من العبادَةِ بعدَ الدُّخُول فيها. انتهى.
стр. 665
ومبناه ما في آخِر الحديثِ أنَّه - صلى اللهُ تعالى عليه وسلَّم - رأى بعدَ صلاةِ الصُّبْح خِيَمَ الأزْوَاج المُطَهَّرَاتِ بقصْد الاعْتِكَاف فتَركَ الاعتكافَ في تلك السَّنَة، والظَّاهر أنَّه ما تَركَ إلا قبلَ الشُّرُوْع إذ يُستَبْعدُ التَّركُ بعدَ الشُّرُوْع لمثْل تلك المَصْلَحةِ بخِلافِ التَّرْك قبلَ الشُّرُوع فإنَّه أسهل، سِيَّمَا على قولِ من لا يجَوِّزُ الخروجَ بعدَ الشُّروع فيُشْكَل عليهم هذا التأويل.
قلتُ: وفي ذلك التأويل إشكالٌ وهو أن لفظَ الحديثِ يُعْطِي أنَّه كانَ يدخلُ المَعْتَكَفَ حينَ يُريد الاعتكافَ، لا أنَّه يدخلُ فيه بعدَ ما شَرَعَ في الاعتكافِ من اللَّيْل، وأيضًا المَفْهُومُ من هذَا الكَلامِ، المُتَبادَرُ منه أنَّه بيانٌ لكَيْفِيَّةِ الشُّرُوْع في الاعتكافِ من اللَّيْلَة السَّابِقَة لا من الصُّبْح، [فلو فُرِضَ أنَّه شَرعَ في الاعتكافِ من اللَّيْل] (١) لكن وقتَ الصُّبْح دخلَ المُعْتكفَ كانَ هذَا الكلامُ بعيدًا قليلَ الفَائِدَة جِدًّا، ثم يَلْزَم على هذا التأوْيْل أنْ يكونَ السُنَّةُ للمُعْتَكَفِ أنْ يلبثَ أوَّلَ ليلةٍ في المَسْجِد ولا يدخل في المعتكفِ، وإنَّما يدخلُ فيه منَ الصُّبْح بعدَ صلاةِ الفَجْر وهو أمرٌ غيرُ متَعَارفٍ عندَ الجمهور، وهذا لازمٌ عليهم وإلا بلزَمُ تركُ العملِ بالحديثِ رأسًا لا العملُ به، ومع لزومِ تَرْكِ العملِ لا حاجةَ إلى التَّأويلِ أصلًا، وإنَّما التأويلُ لدَفْع لُزُوْم تَرْكِ العَمَل، فإذَا لَزِم تركُ العَمَل فأيُّ فائدةٍ في التَّأويل؟
وأمَّا جوابُ صاحبِ المحرر وهو حَمْلُ الحديث على الجَواز على أن معنى [الاعتكافِ] المَسْنُون للمُعْتكِف أن يدخلَ من اللَّيلة، وجازَ له أن يدخلَ من صبحِ تلك اللَّيْلة، فبَيَّنَ ﷺ بفعْلِه ذلك الجوازَ حيثُ لم يَدْخُلْ من اللَّيْلة بل من صُبْحِها فلا يُنَاسِب قولَ الجمهور؛ لأنَّهم يقولون: إنَّ اللَّيلة الأوْلى
стр. 666
جزءٌ من زمانِ الاعتكافِ المَسْنون وهو اعتكافُ العَشْر الأوَاخر فلا يتأتَّى ذلك الاعتكافُ بدون اعتكافِ تلك اللَّيلة، وأيضًا تركُ هذه اللَّيْلة مع احتِمال أنَّها ليلة القَدْر، - والاعتكافُ وُضِعَ لالتِمَاسِها - بعيدٌ، وأيضًا ظاهرُ الحديثِ يُفيْد أن الدُّخولَ من الصُّبْح كانَ دأبُه - صلى الله تعالى عليه وسلَّم - والحَمْلُ على الجَواز ينافي ذلك، فالوجهُ عِنْدي التَّعْويلُ على الجَواب الذي أشَار إليه القَاضي أبو يعلي عن جانبِ الجمهور.
وحاصله: منع أن المرادَ بالصبح في الحديث صبحَ إحدى وعشرين عن الاعتكافِ كما فَهِم من يقول بخرْوج ليلةِ إحدى وعشرين في الاعتكافِ، بل المرادُ صبح عشرين، فدخلَ ليلة إحدى وعشرين في الاعتكافِ كما هو مذهبُ الجمهور، لا كما زَعَمَ ذلك البعضُ وهذا الجوابُ يظهر التَّوفيق بينَ أحاديثِ البابِ لمن يَنْظُر فيها من غير ارتِكابِ تأويلٍ لشيءٍ منها، فهو أوْلى وأحْرَى بالاعتمادِ. والله تعالى هو الهادي إلى الرشاد.
لا يُقال: يَلْزَم منه أنْ يكونَ السُّنَّةُ الشُّروعُ في الاعْتِكافِ من صبحِ العِشْرين استِظْهَارًا باليَوْم الأوَّل، وإنْ كانَ اليومُ الأوَّلُ مقصودًا بالاعتِكَاف، ويكونُ المقصودُ بالاعتكافِ اللَّيالي العَشْر وأيَّامُها، وهذا شيءٌ لا يقولُ به الجمهورُ، فلا يمكنُ الجوابُ عنهم بذلك؛ لأنَّا نقول: هذا أمر لا ينَافيه كلامُ الجمهور، فإنَّهم ما تعرَّضُوا له إثباتًا ونفيًا، وإنَّما تَعَرَّضُوْا لدُخول ليلةِ إحدى وعشرينَ وهو حاصلٌ.
غايةُ الأمرِ أن قواعدَهم وعدمَ التَّعَرُّضِ ليس بدليلٍ على خلافِ ذلك فالقولُ: بأنَّه سُنَّة غير مَسْتَبْعَدٍ، ومثلُ هذا الإيرادِ واردٌ على تأويلِ
стр. 667
النَّوْوي (١) مع ظهورِ مُخَالفَتِه لظَاهرِ لفظِ الحديثِ، ولزومِ الإفسَاد بعدَ الشُّرُوْع في الاعتكافِ، وتأويل القاضي أبي يعلى خالٍ عن ذلك كلِّه فهو أولى بالقبولِ.
ويمكنُ الاعتذارُ عن عدمِ تعرُّض الجمهور لهذه السُّنَّة لا إثباتًا ولا نفيًا بأنَّ هذا الحديثَ محتملٌ لتأويلاتٍ مُتَعَدِّدةٍ، فلم يَتَعَرَّضُوْا لشيءٍ من الكَيْفِيَّاتِ بطريقِ الاسْتِنَانِ لا إثباتًا ولا نفيًا، بل أحَالُوْا ذلك إلى فَهْم العاملين ونظر النَّاظرين، فكلُّ من يقرب عنده بعضُ التَّاويلاتِ فلْيَعْمَلْ على وِفْق ذلك. والله تعالى أعلم.