جزءٌ من زمانِ الاعتكافِ المَسْنون وهو اعتكافُ العَشْر الأوَاخر فلا يتأتَّى ذلك الاعتكافُ بدون اعتكافِ تلك اللَّيلة، وأيضًا تركُ هذه اللَّيْلة مع احتِمال أنَّها ليلة القَدْر، - والاعتكافُ وُضِعَ لالتِمَاسِها - بعيدٌ، وأيضًا ظاهرُ الحديثِ يُفيْد أن الدُّخولَ من الصُّبْح كانَ دأبُه - صلى الله تعالى عليه وسلَّم - والحَمْلُ على الجَواز ينافي ذلك، فالوجهُ عِنْدي التَّعْويلُ على الجَواب الذي أشَار إليه القَاضي أبو يعلي عن جانبِ الجمهور.
وحاصله: منع أن المرادَ بالصبح في الحديث صبحَ إحدى وعشرين عن الاعتكافِ كما فَهِم من يقول بخرْوج ليلةِ إحدى وعشرين في الاعتكافِ، بل المرادُ صبح عشرين، فدخلَ ليلة إحدى وعشرين في الاعتكافِ كما هو مذهبُ الجمهور، لا كما زَعَمَ ذلك البعضُ وهذا الجوابُ يظهر التَّوفيق بينَ أحاديثِ البابِ لمن يَنْظُر فيها من غير ارتِكابِ تأويلٍ لشيءٍ منها، فهو أوْلى وأحْرَى بالاعتمادِ. والله تعالى هو الهادي إلى الرشاد.
لا يُقال: يَلْزَم منه أنْ يكونَ السُّنَّةُ الشُّروعُ في الاعْتِكافِ من صبحِ العِشْرين استِظْهَارًا باليَوْم الأوَّل، وإنْ كانَ اليومُ الأوَّلُ مقصودًا بالاعتِكَاف، ويكونُ المقصودُ بالاعتكافِ اللَّيالي العَشْر وأيَّامُها، وهذا شيءٌ لا يقولُ به الجمهورُ، فلا يمكنُ الجوابُ عنهم بذلك؛ لأنَّا نقول: هذا أمر لا ينَافيه كلامُ الجمهور، فإنَّهم ما تعرَّضُوا له إثباتًا ونفيًا، وإنَّما تَعَرَّضُوْا لدُخول ليلةِ إحدى وعشرينَ وهو حاصلٌ.
غايةُ الأمرِ أن قواعدَهم وعدمَ التَّعَرُّضِ ليس بدليلٍ على خلافِ ذلك فالقولُ: بأنَّه سُنَّة غير مَسْتَبْعَدٍ، ومثلُ هذا الإيرادِ واردٌ على تأويلِ
стр. 667
النَّوْوي (١) مع ظهورِ مُخَالفَتِه لظَاهرِ لفظِ الحديثِ، ولزومِ الإفسَاد بعدَ الشُّرُوْع في الاعتكافِ، وتأويل القاضي أبي يعلى خالٍ عن ذلك كلِّه فهو أولى بالقبولِ.
ويمكنُ الاعتذارُ عن عدمِ تعرُّض الجمهور لهذه السُّنَّة لا إثباتًا ولا نفيًا بأنَّ هذا الحديثَ محتملٌ لتأويلاتٍ مُتَعَدِّدةٍ، فلم يَتَعَرَّضُوْا لشيءٍ من الكَيْفِيَّاتِ بطريقِ الاسْتِنَانِ لا إثباتًا ولا نفيًا، بل أحَالُوْا ذلك إلى فَهْم العاملين ونظر النَّاظرين، فكلُّ من يقرب عنده بعضُ التَّاويلاتِ فلْيَعْمَلْ على وِفْق ذلك. والله تعالى أعلم.
وَمَعْنَى قَوْلهِ: "وَلا فَارًّا بِخَرْبَةٍ"، يَعْنِي: الجِنَايَةَ، يَقُولُ: مَنْ جَنَى جِنَايَةً، أَوْ أَصَابَ دَمًا، ثُمَّ لَجَأَ إِلَى الحَرَمِ فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ.
• قوله: "البُعُوثَ": - بضم المُوَحَّدَة - جمعُ بَعثٍ بمعنى مَبْعُوْثٍ، أي: يُرْسِل الجيوشَ لقِتَال عَبْدِ الله بْن الزُّبَير سنةَ إحدى وسِتِّيْن، وكانَ عمرو أميرَ المدينةِ من جِهَةِ يزيدَ بْن معاويةَ، فكتبَ إليه أنْ يُوَجِّهَ إلى ابن الزُّبَيْر جيوشًا حينَ امْتَنَعَ عن بَيْعَتِه وأقامَ بمَكَّةَ، فبعثَ بَعْثًا وأمَّرَ عليهم عمرو بْنَ الزَّبير أخَا عَبْدِ اللّه وكانَ معادِيًا لأخِيْه. كذا في "المجمع" (١).
وقوله: "أُحَدِّثْكَ": - بالجزم - جوابُ الأمر.
• وقوله: "الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ": - بالنصب - أي: ثانيَ يوم الفتح، وضميرُ "وَأَبْصَرَتْهُ" للنَّبي - صلى الله تعالى عليه وسلَّم -، وتَفْكِيكُ الضَّمِير مع ظهور القريْنَة لا يضُرُّ، والمقصودُ المبالغةُ في تحقيقِ حِفْظِه ذلك القول، وأخذِه عنه عِيانًا.
• وقوله: "حَرَّمَهَا اللّهُ … " إلخ، معناه أن تَحْرِيْمَها بوَحْي اللهِ تعالى وأمرِه، لا أنَّه اصطلح النَّاسُ على تَحْرِيْمِها بغيرِ أمرِه.
• وقوله: "أَنْ يَسْفِكَ": - بكسر الفاء، وحكي ضمُّها - أي: يَسِيْل.
• قوله: "يَعْضِدَ": قال ابنُ الجوزي (٢): أصحابُ الحديثِ يقول بضم
стр. 680
الضَّاد المُعجمة، قال لنَا ابنُ الخُشاب (١): هو بكسرها، أي: يقطع (٢).
• وقوله: "فَإنْ أَحَدٌ ترَخَّصَ": كلمة "إنْ" شرطيةٌ مثلها ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) الآية. قال معناه أنَّه دَخَلَها لعِلَّةِ القِتَال.
قال النووي: فيه دليلٌ على أن مكةَ فُتِحَتْ عَنْوةً، وتأوْيلُه عندَ من يقول صُلْحًا: أن معناه أنَّه دَخَلَها متأهِّبًا للقِتَال لو احْتَاجَ إليه، فهو دليلُ جَوازِه له تلك السَّاعَة (٤).
• وقوله: "وَإِنَّمَا أذِنَ لِي … " إلخ، على بناءِ الفاعل، والفاعلُ ضميرٌ راجع إلى اللهِ تعالى، ورُوِيَ على بناء المفعول.
стр. 681
• وقوله: "وعَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ … " إلخ، كنايةٌ عن عَوْدِ حُرْمَتِها بعدَ تلكَ السَّاعَة كما كانَتْ قبلَ تلك السَّاعة المعتبر عليها بأمس فلا إشكالَ؛ لأنَّ الخطبةَ كانت في الغَدِ من يوم الفتح، وعَوْدُ الحُرْمَة كانَتْ بعد تلك السَّاعة لا في الغَد فما معنى اليوم؟ ولا بأنَّ أمس هو يوم الفتح وقد رُفِعَتِ الحرمةُ فيه، فكيف قيلَ كحُرْمَتِها بأمس. والله تعالى أعلم؟
قوله: "ترَخَّصَ"، أي: يَعُدُّ القتالَ رخصةً، أو يأخذُ فيه الرُّخْصةَ، أو يستَدِلُّ عليها بقتَالِ رسولِ اللهِ - صلى الله تعالى عليه وسلم -.
стр. 682
بَابُ مَا جَاءَ فِي ثَوَابِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ
٥٢٧ - (٨١٠) - (٣/ ٦٦١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأحْمَرُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : "تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الجَنَّةُ".
قال: وفي البَابِ عَنْ عُمَرَ، وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْن حُبْشِيٍّ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَجَابِرٍ. قال أبو عيسى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
• قوله: "تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ"، أي: اجْعَلوا أحدَهما تابعًا للآخر واقعًا على عَقِبه، أي: إذا حَجَجْتُم فاعْتَمِرُوْا، وإذا اعْتَمَرْتُم فحُجُّوا.
• "والكِيرُ": - بكسر الكاف - كيرُ الحَدَّاد المَبْنِيُّ من الطِّين. وقيل: زِقٌّ يُنْفَخُ به النَّارُ، والمبنيُّ من الطِّين "كُوْرٌ"، والظَّاهرُ أن المرادَ ههنا نفسُ النَّار على الأوَّل، ونَفْخُها على الثَّانِي. "والخَبَث": - بفتحتين، ويُرْوى بضم، وسكون، والمراد: الوَسِخُ، والرَّدئ الخَبِيْث.
• وقوله: "وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ … " إلخ، قال النووي: معناه أنَّه لا يَقْتصر لصاحِبِها من الجَزَاء على تكفيرِ بعضِ الذُّنُوْب بل لابدَّ أن يدخلَ الجَنَّةَ، قال: والأصَحُّ أن المبرورَ هو الذي لا يخَالِطُه إثمٌ، مأخوذٌ من البِرِّ وهو الثَّوابُ وهو الطَّاعات.
стр. 683
وقيل: هو المقبولُ المُقَابِل بالبِرِّ وهو الثَّواب، ومن علاماتِ القبولِ أن يرجعَ خيرًا مِمَّا كانَ ولا يعاوِدَ المعاصي. وقيل: وهو الذي لا رياءَ فيه، وقيل: وهو الذي لا يعقبه معصيةٌ وهمَا داخلانِ فيما قبلَهما (١).
٥٢٨ - (٨١١) - (٣/ ٦٧١) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : "مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو حَازِمٍ كُوفِيٌّ وَهُوَ الأشْجَعِيُّ، وَاسْمُهُ: سَلْمَانُ مَوْلَى عَزَّةَ الأشْجَعِيَّةِ.
• قوله: "فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ": الأوَّل - بضَمِّ الفاء، والثَّاني بضم السِّين - "والرَّفَثُ": القَوْل الفُحش. وقيل: الجِماع.
وقال الأزهري (٢): "الرَّفَثُ" اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يريدُه رجلٌ من المرأة (٣).
"والْفِسْقُ": ارتكابُ شيءٍ من المَعْصِية.
• وقوله: "غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ": وفي روايةِ غير المصنف "رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ
стр. 684
أمُّهُ" (١).
قال الحافظ (٢): أي: بغير ذنْبٍ. وظاهرُه غفرانُ الكبائر والصَّغائِر والتَّبعَات، وهو من أقْوى الشَّواهد لحديثِ العَبَّاس بْن مرداس المُصَرِّحُ بذلك، وبه قال القُرطبيُّ (٣) أيضًا.
إلى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ (١) حيثُ عبّر عن التَّرك بالكُفْر، فلا وجهَ لعَدِّه من الموضوعاتِ بالنَّظر إلى أن التَّركَ لا يُوْجِب الكفرَ.
نعم قولُ من قال: الحديثُ ليس بموضوعٍ؛ لأنَّه قد أخرجه الترمذيُّ في جامِعه، وقال: "إنَّ كُلَّ حَدِيثٍ فِي كِتَابِه مَعْمُوْلٌ بِهِ إلَّا حَدِيْثَيْنِ" غير ظاهِرٍ، بل لابُدَّ من النَّظر في السَّنَد لظهور أن ذلك مخصوصٌ بغير الضَّعيفِ، وبما وَرَدَ في عملٍ من الأعمال، وليس هذا الحديثُ مما يَتَعَلَّقُ به العملُ، فتأمَّلْ.
بَابُ مَا جَاءَ كم فَرْضُ الحَجِّ
• الفَرْض: مصدرٌ بمعنى المَفْعُول، وإضافَتُه من إضَافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوْف، والتَّقديرُ كَم الحَجُّ المفروضُ؟، وأمَّا اعتبارُ "فُرِضَ" فعلًا مَبْنِيًّا للمفعول بتَقْدير "كَمْ مرّةً فُرِضَ الحَجُّ" فغيرُ صحيحٍ إذْ ليسَ الكلامُ في أن الحَجَّ فُرِضَ مَرَّةً أو مَرَّاتٍ بمعنى أنَّه نزَلَ افتراضُه مرَّةً أو مرَّاتٍ، بل الكَلامُ في أن على الإنسانِ الحَجُّ مرَّةً واحدةً أو مرَّاتٍ. الحاصلُ: أنَّ التَّعَدُّدَ للحَجِّ المفروضِ، لا لافتراضِه، فافْهَمْ.
٥٣١ - (٨١٤) - (٣/ ٦٩١) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ وَرْدَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنٍ عَبْدِ الأعْلَى، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١) قَالُوا: يَا رَسُوَلَ اللّهِ، أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ "فَسَكَتَ" فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: "لا، وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ"، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٢).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاس، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَاسْمُ أَبِي البَخْتَرِيِّ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ فَيْرُوزَ.
• قوله: "وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ … " إلخ، فيه إشارةٌ إلى كَرَاهةِ السُّؤالِ في
стр. 689
النُّصُوصِ المُطْلَقَةِ والتَّفْتِيْشِ عن قُيُوْدِها، بل ينبغي العملُ بإطلاقِها حتَّى يظهر فيها قيدٌ، وقد جاءَ القرآنُ مُوافِقًا لهذه الكَرَاهة، وهذا بظاهِره يتقضي أن أمرَ افتراضِ الحَجِّ كلَّ عامٍ كانَ مُفَوَّضًا إليه حَتَّى لو قالَ: "نعم" لحَصَل، وليسَ بمُسْتَبْعَدٍ إذْ يجوزُ أنْ يأمرَ اللّهُ تعالى بالإطْلاقِ، ويُفَوِّضُ أمرَ التَّقْيِيْدِ إلى الذي فُوِّضَ إليه البيانُ، فهو إنْ أرادَ أنْ يُبْقِيَه على الإطلاقِ يُبْقِيْه عليه، وإن أرادَ أن يُقَيِّدَه لكل عام يُقَيِّدُه به. والله تعالى أعلم.
• قوله: "كَمْ حَجَّ … " إلخ، كأنَّه سألَ عن حَجِّه بعدَ الهجرةِ، أو بعدَ ما فُرِضَ ولذا أجابَ بقوله: حَجَّةٌ واحدةٌ، وأمَّا قوله: "وَاعْتَمَرَ … " إلخ، فزيادةٌ في الجَوابِ للإفَادَةِ.
стр. 692
بَابُ [مَا جَاءَ] كَمْ اعْتَمَرَ النَّبيُّ ﷺ
٥٣٣ - (٨١٦) - (٣/ ٧١١ - ٧٢١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ العَطَّارُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ: عُمْرَةَ الحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةَ الثَّانِيَةِ مِنْ قَابِلٍ، وَعُمْرَةَ القَضَاءِ فِي ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةَ الثَّالِثَةِ مِنَ الجِعِرَّانَةِ، وَالرَّابِعَةِ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ.
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَنَسٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، وَلَمْ يَذْكرْ فِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ عَبْد الرَّحْمَنِ المَخْزُوميُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ نَحْوَه.
• قوله: "الحُدَيْبِيَة": - بالتَّخفيفِ - مُصَغَّرٌ، وكثيرٌ منهم يُشَدِّدُوْنَ الياءَ الثَّانيةَ: قريةٌ قريبةٌ من مَكَّةَ. و "الجِعِرَّانَة": - بكسر الميم، ويُشَدَّدُ الرَّاء - موضعٌ قريبٌ من مَكَّةَ.
• قوله: "الحُدَيْبِيَة": سَنَةَ سِتٍّ حينَ صدَّه المشركونَ عَدَّ ذلك عمرةً، و "عُمْرَةَ الْقَضَاء"، أي: عمرةً كانتْ بمُقَاضَاتِه مع قريش على أنْ يأتِيَ في العامِ القابلِ لأنَّها وقَعَتْ قضاءً عَمَّا صُدَّ عنها، وإلا كانَتْ عمرةً واحدةً كما قالتِ الحَنَفِيَّةُ، وروايةُ أنَّها ثلاثٌ على عدم عَدِّ ما في ضمن الحَجِّ، ورُوِيَ: "كُلُّهُنَّ في ذي القَعْدَة" وهو على مُلاحَظَة أن ما في الحَجِّ مبدأه فيه وإن كان تَمامُه في
стр. 693
ذي الحَجَّة، وما روي: "أنَّه اعتمر في رمضانَ أو رجب"، وما في أبي داود: "أنَّه اعتمر في شوَّال" فسهوٌ أو مؤوَّل وإلا كان عُمَرُه سبعًا، وقد تَحَقَّقَ أنَّه لم يَزِدْ على أربع. كذا في "المجمع" (١) و "عمرة الثَّانِيَة": بالإضَافَةِ، أي: عمرةُ المرَّةِ الثَّانية أو من إضَافةِ الموصوفِ إلى الصِّفَةِ.
بَابُ مَا جَاءَ مَتَى أَحْرَمَ النَّبيُّ صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
٥٣٦ - (٨١٩) - (٣/ ٧٣١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْد السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ.
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاه غَيْرَ عَبْد السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ أَهْلُ العِلْمِ: أنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ.
• قوله: "الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ أَهْلُ العِلْمِ"، أي: يُحْمَلُ اختلافُ الصَّحابَة في موضعِ الإحْرَام على الاختلافِ بحسب العِلْم بأنَّ النَّاسَ لكَثْرَتِهم ما تَيَسَّر لكُلِّهِم الاطِّلاعُ على تَمامِ الحَال، فبَعْضُهم اطَّلَعُوْا على تَلْبِيَتِه عندَ اسْتِوَاءِ الرَّاحِلَة على البَيْدَاء، وزَعَم كلٌّ أن مَا سَمِعَه أوَّلَ تَلْبِيَتِه، وأنَّه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أحْرَم بِها، فنَقَل الأمرَ على وِفْقَ ذلك، وكانَ الأمرُ أنَّه أحْرَم منه بعدَ الفَرَاغ من الصَّلاةِ في مسجدِ ذِي الحُلَيْفةِ. والله تعالى أعلم.
стр. 696
بَابُ مَا جَاءَ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ
٥٣٧ - (٨٢١) - (٣/ ٧٥١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ".
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُمَرَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى هَذَا، وَاخْتَارَه مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ، وَغَيْرِهِمْ.
• قوله: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ": وهذا من أقْوى الأدِلَّةِ على أنَّه ﷺ كان قارنًا؛ لأنَّه مستندٌ إلى قولِه، والرُّجوعُ إلى قوله عندَ الاختلافِ هو الواجبُ خُصُوْصًا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١)، وعمومًا لأنَّ الكلامَ إذا كانَ في حَال أحدٍ، وحصل فيه الاختلافُ يَجِبُ الرُّجوعُ فيه إلى قولِه؛ لأنَّه أدْرَى بحالِه، وقد وَافَقَ الفَاسي (٢) على نقل القِرَان أحدَ عشر من الصَّحابةِ قد جمع أحاديثَهم
стр. 697
ابنُ حزمٍ (١) في "حَجَّةِ الوَداع" وذكرها حديثًا حديثًا، ثم قال: هؤلاء اثنا عشر من الصحابة، أي: مع أنَسٍ بالأسانيدِ الصِّحَاح، كُلُّهُمْ يَصِفُ بغَايَة البَيانِ أن رسولَ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم كان قارنًا، ولهذا رَجَّحَ المُحَقِّقُوْن في فِعْلِه صلى الله تعالى عليه وسلم القِرَانَ، وقالوا: به يَحْصُلُ الجمعُ بينَ أحاديثِ البابِ.
أمَّا أحاديثُ الإفرادِ فمَبْنِيٌّ على أن الراويَ سَمِعَه يُلَبِّي بالحَجِّ، فزعم أنَّه مُفْرِدٌ بالحَجِّ فأخبَر على حسبِ ذلك، ويحتملُ أن المرادَ بـ: "أفْرَدَ الحَجَّ" أنَّه لم يَحُجَّ بعدَ افتراضِ الحَجِّ عليه إلا حَجَّةً وَاحِدَةً.
وأمَّا أحاديثُ التَمَتُّعِ فمَبْنِيٌّ على أنَّه سَمِعَه يُلَبِّي بالعُمرةِ، فزعم أنَّه مُتَمَتِّعٌ وهذَا لا مانِعَ منه لأنَّه؛ لا مانعَ من إفْرَاد نُسُكٍ بالذِّكر للقَارِن على أنَّه قد يُخْفِي الصَّوتَ بالثَّاني، ويحتملُ أن المرادَ بالتَّمَتُّعِ القِرَانُ لأنَّه من الإطْلاقَاتِ القَديمةِ وهم كانوا يُسَمُّوْنَ القِرَانَ تَمَتُّعًا. والله تعالى أعلم.
عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، فَقَالَ: "هُوَ خَطَأٌ"، فَقُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ، عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ أيضًا مِثْلَ رِوَايَتِهِ، فَقَالَ: لا شَيْء إِنَّمَا رَوَوْهُ عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْد الرَّحْمَنِ وَرَأَيْتُهُ يُضَعِّفُ ضِرَارَ بْنَ صُرَدٍ. وَالعَجُّ: هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ. وَالثَّجُّ: هُوَ نَحْرُ البُدْنِ.
• قوله: "لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ": كلمةُ "مَنْ" بالفتح موصولةٌ، وجَعْلُها جارةً بعيدٌ إذْ يَلْزَم منه أن تكونَ "مِن" في قوله: "مِنْ حَجَرٍ" زائدةٌ في الإثْبَات.
فإن قلتَ: أيُّ فائدةٍ للمسلم من تَلْبِيَةِ الأحْجَار وغيرِها معَ تَلْبِيَتِه؟ قلتُ: اتِّبَاعُهم في هذا الذِّكر دليل على فضيلةِ هذا الذِّكر وشَرَفِه ومكانَتِه عندَ الله، إذ ليسَ اتِّبَاعُهم في هذا الذِّكر إلا لذلك، على أنَّه يجوز أنْ تُكتَب له أجورُ ذكر هذه الأشياء لما أن هذه الأشياءَ صَدَر عنها الذِّكرُ تبعًا، فصار المؤمنُ بالذكر كأنَّه دَالٌّ على الخَيْرِ. والله تعالى أعلم.