طرف ردائه، فيتعلمهن، ويعلمهن)؟ قال: فقلت أنا، يا رسول الله. قال: (فابسط ثوبك). قال فبسطت ثوبى. فحدّث رسول الله ﷺ ثم قال: (ضمّ إليك)، فضممت ثوبى إلى صدرى، فإني أرجو أن لا أكون نسيت حديثًا سمعته منه بعد ... وهذا لفظ الإمام أحمد عن أبى النضر، ولبقيتهم نحوه.
والحسن هو: البصرى، مدلس، لم يسمع من أبى هريرة - رضى الله عنه -، ولم يره (١). وفي إسناد أبى النضر - واسمه: هاشم بن القاسم -: المبارك، وهو: ابن فضالة، مدلس، لم يصرح بالتحديث. وإسماعيل هو: ابن علية، وخالد هو: ابن عبد الله الواسطي، ويونس هو: ابن عبيد.
والسابعة رواها: الطبراني في الأوسط (٢) بسنده عن عبد الله بن عبد العزيز الليثى عن عمرو بن عبد الله بن عبد الرحمن الجُنْدَعي (٣) عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ابسط ثوبك)، فبسطته، فحدثني رسول الله ﷺ عامة النهار، ثم تفل في ثوبى، ثم ضممت ثوبى إلى
стр. 4552
بطني، فما نسيت شيئًا بعد. وقال: (لم يرو عمرو بن عبد الله الجندعى عن أبى هريرة حديثًا غير هذا، وتفرد به عبد الله بن عبد العزيز) اهـ.
وأورده الهيثمى في مجمع الزوائد (١)، وقال: (قلت: هو في الصحيح بغير هذا السياق، رواه: الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن عبد العزيز الليثى، وقد ضعفه الجمهور ... وعمرو بن عبد الله بن عبد الرحمن الجندعى لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات) اهـ، وما عرفته أنا - أيضًا -. وعبد الله بن عبد العزيز الليثى اختلط - مع ضعفه -، ولا يُدرى متى سمع منه أنس بن عياض، على أن حديثه قبل الاختلاط وبعده سواء، ولا شك في أن ما حدّث به بعد اختلاطه آكد ضعفًا ... وأصل الحديث متفق عليه - كما سلف -.
وروى أبو خيثمة (٢) من طريق ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح عن أبى هريرة نحوه، مختصرًا.
وروى أبو نعيم في المعرفة (٣) من طريق عبد الله بن أبي يحيى عن سعيد بن أبي هند عن أبي هريرة نحوه - كذلك -.
* وتقدم (٤) من حديث زيد بن ثابت أنه دعا، وصاحب له، ثم دعا أبا هريرة قائلًا: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي، وأسألك علمًا لا يُنسى. فقال النبي ﷺ : (آمين).
стр. 4553
رواه: الطبراني في الأوسط، بسند ضعيف، وحديث أبي هريرة هذا مغن عنه - والله الموفق -.
١٧٨٦ - [٢] عن أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: (لقَدْ ظنَنتُ يَا أبَا هُريرَةَ أنْ لا يَسْألُني عنْ هذَا الحديثِ أحدٌ أوّلُ مِنْكَ؛ لمَا رأيتُ منْ حرصكَ علَى الحديث. أسعدُ النَّاسِ بشفَاعَتي يومَ القيامَةِ: منْ قالَ لا إلهَ إلَّا اللهُ خَالِصًا منْ قِبَلِ نَفْسِه).
هذا الحديث رواه: سعيد بن أبي سعيد المقبري، ومعاوية بن مُعَتِّب (١) الهذلي، كلاهما عن أبي هريرة.
فأما حديث سعيد المقبري فرواه: البخاري (٢) - واللفظ له - عن قتيبة بن سعيد، ورواه: الإمام أحمد (٣) عن سليمان، كلاهما عن إسماعيل بن جعفر (٤)،
стр. 4554
ورواه: البخاري (١) عن عبد العزيز بن عبد الله عن سليمان، كلاهما (إسماعيل، وسليمان) عن عمرو بن أبي عمرو (٢) عنه به ... وسليمان - في إسناد البخاري - هو: ابن بلال. وسليمان - في إسناد الإمام أحمد - هو: ابن داود الهاشمي.
وأما حديث معاوية الهذلي فرواه: الإمام أحمد (٣) - عن هاشم والخزاعي - يعني: أبا سلمة -، كلاهما عن ليث (٤) عن يزيد بن أبي حبيب عن سالم بن أبي
стр. 4555
سالم عنه به، بلفظ: سألت رسول الله ﷺ : ماذا رد إليك ربك في الشفاعة؟ فقال: (والذي نفس محمد بيده، لقد ظننت أنك أول من يسألني عن ذلك من أمتي؛ لما رأيت من حرصك على العلم)، ثم بنحو حديث سعيد المقبري، أطول منه ... ومعاوية الهذلي ترجم له البخاري (١)، وابن أبي حاتم (٢)، ولم يذكرا في جرحًا، ولا تعديلًا. وذكره ابن حبان (٣)، والعجلي (٤) في الثقات، ووثقه الهيثمي (٥)، وقال الحسيني (٦): (مجهول) (٧). وسالم - الراوي عنه - هو: الجيشاني، المصري، تقدم أنه روى عنه أكثر من واحد، ووثقه: ابن حبان، وابن خلفون. وبقية رجال الإسناد، ثقات، ليث هو: ابن سعد الفهمي. ويزيد بن أبي حبيب هو: المصري. وهاشم هو: ابن القاسم، أبو النضر. والخزاعي هو: منصور بن سلمة.
وخولف الليث بن سعد فِي الإسناد، خالفه: ابن لهيعة، فيما رواه ابن خزيمة في التوحيد (٨) بسنده عنه، وعمرو بن الحارث، فيما رواه ابن حبان في
стр. 4556
صحيحه (١) بسنده عنه، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني عن سالم بن أبي سالم به ... أدخلا: أبا الخير، بين يزيد، وسالم.
ورواه عمرو بن الحارث - مرة - عن يزيد، بمثل رواية الليث بن سعد عنه، رواه: ابن خزيمة في التوحيد (٢) بإسناده عنه، إلّا أن فيه: (عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي سالم عن معاوية بن معتب)، قال ابن خزيمة: (رواية الليث أوقع على القلب من رواية عمرو بن الحارث. إنما الخبر - علمي - عن سالم بن أبي سالم، كما رواه الليث، لا عن أبي سالم ... ).
والخلاصة: أن إسناد حديث معاوية الهذلي ضعيف (٣)، وفي متنه نكارة، والمعروف ما ورد في حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة عند البخاري، وغيره.
١٧٨٧ - [٣] عن أبي هريرة ﵁ قال - في حديث فيه طول -: يا رسول الله ... فادع الله أن يهدى أم أبي هريرة (٤). فقال رسول الله ﷺ : (اللَّهُمَّ اِهد أمَّ أبي هُرَيْرَة). وفيه أن الله هدى أم
стр. 4557
أبي هريرة. قال: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني، وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا. قال: فقال رسول الله ﷺ : (اللّهمَّ حَبِّبْ عُبيدَكَ هذا - يعني: أبا هريرة -، وَأُمَّهُ إلى عِبادِكَ المؤمنينَ، وَحبِّبْ إليهمْ المؤمنِين)، فما خلُق مؤمن يسمع بي، ولا يراني إلّا أَحبّني.
هذا حديث تفرد به - فيما أعلم -: عكرمة بن عمار اليمامي، رواه: مسلم (١) - وهذا مختصر من لفظه - عن عمرو الناقد، ورواه: البزار (٢) عن محمد بن معمر، كلاهما عن عمر بن يونس اليمامي (٣)، ورواه: الإمام أحمد (٤) عن عبد الرحمن، ورواه: الطبراني في الكبير (٥) عن أبي خليفة الفضل بن الحباب (٦) عن أبي الوليد الطيالسي (٧)، ثلاثتهم عنه عن أبي كثير يزيد بن
стр. 4558
عبد الرحمن عن أبي هريرة به ... وعكرمة بن عمار مدلس حسن الحديث، وقد صرح بالتحديث عند الإمام أحمد، والطبراني، وغيرهما؛ فالإسناد: حسن. وبهذا حكم عليه الذهبي في السير (١).
والحديث صححه: الحاكم (٢)، والبغوي (٣)، والذهبي في التلخيص (٤). والأول أولى.
١٧٨٨ - [٤] عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (مِمَّنْ أَنْتَ)؟ قال: قلتُ: مِن دَوْس. قال: (مَا كُنْتُ أَرَى أنَّ فِي دَوْسٍ أَحَدًا فِيْهِ خَيْر).
رواه: الترمذي (٥)، والبزار (٦)، كلاهما عن بشر بن آدم - ابن بنت أزهر
стр. 4559
السّمّان (١) - عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبي خلدة عن أبي العالية عن أبي هريرة به ... وقال: (هذا حديث حسن صحيح غريب، وأبو خلده اسمه: خالد بن دينار، وأبو العالمة اسمه: رفيع) اهـ. وصحح إسناده: الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢)، وفي تعليقه على المشكاة (٣).
وبشر بن آدم - المذكور في إسناده - هو: ابن يزيد البصري، حسن الحديث، قال النسائي: (لا بأس به)، وقال الذهبي، وابن حجر: (صدوق)، زاد ابن حجر: (فيه لين). وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن، وأمَّا من صححه فقد بالغ - والله تعالى أعلم -.
١٧٨٩ - [٥] عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء النبي ﷺ يعودني، فقال لي: (ألا أُرْقِيَكَ بِرُقْيَة جَاءَنِي بِهَا جبْرِيلُ)، قلت: بأبي، وأمي، بلى يا رسول الله. قال: (بسْمِ اللهِ أُرْقِيْكَ، واللهُ يَشْفِيْكَ مِنْ كُلِّ دَاءٍ فِيْكَ. مِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) - ثلاث مرات -.
هذا الحديث رواه: ابن ماجه (٤) عن حفص بن عمر وَمحمد بن بشار،
стр. 4560
ورواه: البزار (١) عن ابن بشار - وحده (٢) -، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي، ورواه: الإمام أحمد (٣) عن وكيع (وهو: ابن الجراح) عن ابن مهدي وَسفيان (وهو: الثوري)، كلاهما عن سفيان (وهو: ابن عيينة) (٤) عن عاصم بن عبيد الله عن زياد بن ثويب عن أبي هريرة به ... وهذا إسناد ضعيف، فيه علتان، الأولى: ضعف عاصم بن عبيد الله، وهو: ابن عاصم العدوي - وتقدّم -، وبهذه أعله البوصيري في مصباح الزجاجة (٥). والأخرى: شيخه زياد بن ثويب، لم أر في الرواة عنه غير عاصم بن عبيد الله (٦)، وانفرد ابن حبان بذكره في الثقات (٧) - فيما أعلم -، وقال الذهبي (٨): (جُهّل)، وقال ابن حجر في تقريبه (٩): (مقبول) - يعني: إذا توبع، وإلا فلين الحديث، كما هو
стр. 4561
اصطلاحه -، ولم أر من تابعه. والحديث أورده الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه (١)، وقال: (ضعيف) اهـ، وهو كما قال. والحديث أورده السيوطي في الجامع الصغير (٢)، وأشار إلى صحته، ولعله يعني أصل الحديث.
ففي صحيح مسلم (٣) من حديثي عائشة، وأبي سعيد الخدري ﵄ أن جبريل رقى النبي ﷺ بنحو ما ذُكر في الحديث - والله أعلم -.
* خلاصة: اشتمل هذا القسم على ستة أحاديث، كلها موصولة. منها ثلاثة أحاديث صحيحة - اتفق الشيخان على أحدها، وانفرد كل منهما بواحد -، وحديث حسن، وحديثان ضعيفان - والله أعلم -.
стр. 4562
* القسم الرابع والأربعون ومئتان: ما ورد في فضائل أبي هند الحجام، مولى بني بياضة (١) ﵁ -
١٧٩٠ - [١] عن ابن عباس ﵄ قال: (حجم النبيَّ ﷺ عبدٌ لبني بياضة، فأعطاه أجره. وَكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيْبَتِهِ).
هذا الحديث رواه عن ابن عباس: عامر بن شراحيل الشعبي، وطاووس بن كيسان اليماني.
فأما حديث الشعبي عنه فرواه: مسلم (٢) عن إسحاق بن إبراهيم (٣)، والإمام أحمد (٤)، كلاهما عن عبد الرزاق عن معمر عن عاصم بن سليمان الأحول، ورواه: الإمام أحمد (٥) - مرة أخرى - عن هاشم عن إسرائيل، وعن (٦)
стр. 4563
عبد الرزاق عن سفيان، وعن (١) محمد بن جعفر، والطبراني في الكبير (٢) عن أبي مسلم الكشي عن عمرو بن مرزوق، كلاهما (ابن جعفر، وعمرو) عن شعبة، ورواه: الطبراني في الكبير (٣) - مرة أخرى - عن أبي حصين محمد بن الحسين القاضي عن أحمد بن يونس عن زهير، كلهم (إسرائيل، وشعبة، وزهير) عن جابر، كلاهما (عاصم، وجابر) عن الشعبي به، واللفظ حديث مسلم، ولسائرهم نحوه.
وللإمام أحمد من طريق سفيان: (حجمه عبد لبني بياضة. وكان أجره مُدًّا ونصفًا. فكلم أهله حتى وضعوا عنه نصف مُدّ). وله من طريق إسرائيل نحوه. وللطبراني عن أبي مسلم: (ووضع عنه من خراجه نصف صاع - أو أكثر -)، والراجح في المشكوك فيه ما في الرواية الأولى.
وعبد الرزاق هو: ابن همام. ومعمر هو: ابن راشد. وهاشم هو: ابن القاسم. وإسرائيل هو: ابن يونس. وأبو مسلم الكشي اسمه: إبراهيم بن عبد الله. وزهير هو: ابن معاوية الجعفي. وجابر هو: الجعفي.
وأما حديث طاووس عنه فرواه: مسلم (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان بن مسلم، وعن إسحاق بن إبراهيم عن المخزومي كلاهما عن وهيب عن ابن طاووس عن أبيه به، بنحوه ... والمخزومي هو: المغيرة بن سلمة.
стр. 4564
ووهيب هو: ابن خالد.
وروى ابن سعد (١) عن نصر بن باب عن داود عن عامر قال: حجم رسول الله ﷺ عبد لبني بياضة. قال: فقال: (كم خراجك)؟ قال: كذا، وكذا. قال: فوضع عنه من خراجه. قال: ولم يعطه رسول الله ﷺ أجره. ونصر بن باب متروك متهم (٢). وداود هو: ابن أبي هند. وعامر هو: الشعبي.
١٧٩١ - [٢] عن أبي هريرة ﵁ أن أبا هند حجم النبي ﷺ في اليافوخ (٣)، فقال النبي ﷺ : (يَا بَني بيَاضَةَ، أنكِحُوا أبَا هندٍ، وَأنكحُوا إلَيْه).
رواه: أبو داود (٤) عن عبد الواحد بن غياث، ورواه: البزار (٥) عن عبد الأعلى (هو: ابن حماد)، ورواه: الطبراني في الكبير (٦) عن أبي مسلم الكشي
стр. 4565
عن ابن عائشة، كلاهما عن حماد بن سلمة (١) عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به ... وهذا الحديث ضعفه الإمام أحمد، وأنكره إنكارًا شديدًا (٢)، وقال ابن حجر (٣): (إسناده حسن)، وأورده الألباني في صحيح سنن أبي داود (٤)، وقال: (حسن). وفي الإسناد: محمد بن عمرو، وهو: ابن علقمة، سئل يحيى بن معين (٥) عنه، فقال: (مازال الناس يتقون حديثه)، قيل له: وما علة ذلك؟ قال: (كان محمد بن عمرو يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة) اهـ، وحديثه هذا رواه عن أبي سلمة عن أبي هريرة! وضعفه غير واحد، وقال ابن حجر: (صدوق له أوهام) - وتقدم -.
وهكذا رواه عنه حماد بن سلمة، وهكذا رواه عنه - كذلك -: محمد بن يعلى السلمي، ذكره عنه البخاري في تأريخه الكبير (٦)، وقال: (يتكلمون فيه)
стр. 4566
- يعني: محمدًا -، وهو ضعيف وهاه غير واحد، وذكر الذهبي (١) حديثه هذا في مناكيره.
ورواه: أبو نعيم في المعرفة (٢) بسنده عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن أبا هند حجم النبي ﷺ في اليافوخ، من وجع كان به، وقال: (إن كان في شيء مما تداوون به خير فالحجامة)، لم يذكر الشاهد.
وخالفه: عبد العزيز بن محمد الدراوردي، فرواه عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هند - مكان أبي هريرة - ... ذكر روايته ابن حجر في الإصابة (٣)، وقال: (أخرجه ابن جريج، والحاكم أبو أحمد عنه) اهـ، ومع التذكير بحال محمد بن عمرو، في الإسناد: الدراوردي، وهو صدوق، كان يحدث من كتب غيره فيخطئ - وتقدم -. وفي رأيي أن ما ذكره الإمام أحمد هو الأشبه في درجة الحديث - والله سبحانه أعلم -.
١٧٩٢ - [٣] عن عائشة ﵂ أن أبا هند - مولى بني بياضة - كان حاجمًا يحجم النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (مَنْ سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلَى مَنْ صَوَّرَ اللهُ الإِيْمَانَ فِي قَلْبِهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى أبِي هِنْد)، وقال: (أَنْكِحُوْه، وَأنْكِحُوْا إِلَيْه).
стр. 4567
رواه: الطبراني في الأوسط (١) عن محمد بن رزيق بن جامع عن عبد الواحد بن إسحاق الطبراني عن ضمرة بن ربيعة (٢) عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري عن عروة عنها به ... وقال: (لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلّا الزبيدي) اهـ. وهذا في ما علم. وسيأتي ذكر من تابع الزبيدي عليه.
ومحمد بن رزيق بن جامع، وشيخه عبد الواحد بن إسحاق الطبراني لم أقف على ترجمة لهما (٣)، ولعله لهذا قال الحافظ (٤)، وقد عزاه إلى: ابن السكن، والطبراني -: (وسنده إلى الزهري ضعيف) اهـ.
ولكنهما توبعا ... فقد رواه: الدارقطني (٥) عن عبد الله بن سليمان بن الأشعث عن ضمرة بن ربيعة به بمثله. وقرن بالزبيدي: ابن سمعان. وابن الأشعث ثقة، ولكن الحديث تفرد به ضمرة بن ربيعة عن إسماعيل بن عياش عن الزبيدي، وابن سمعان. وضمرة بن ربيعة صدوق يهم، عنده مناكير، قال ابن عدي (٦) - وقد ذكر حديثه -: (وهذا منكر من حديث الزبيدي عن الزهري، لا يرويه إلّا ضمرة عن إسماعيل عنه، وقد روى بعض الرواة عن
стр. 4568
ضمرة عن إسماعيل بن عياش عن الزبيدي، وابن سمعان عن الزهري عن عروة عن عائشة. فحمل ابن عياش حديث ابن سمعان - وهو ضعيف - على حديث الزبيدي - وهو ثقة - فجاء بهما عن الزهري عن عروة عن عائشة)!
وإسماعيل بن عياش هو: الحمصي، صدوق إذا حدث عن أهل بلده، وهذا من حديثه عن بعضهم، ومع ذلك فقد وهم فيه على ما تقدم في قول ابن عدي. واسم ابن سمعان: عبد الله بن زياد، تقدم أنه متهم بالوضع، وكذبه: ابن إسحاق، ومالك، وابن معين، وغيرهم. ولعل الطبراني - في قوله المتقدم - لم يلتفت إلى هذه العلة - والله أعلم -.
ورواه: ابن عدي في الكامل (١) بسنده عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد أبي شبيل عن أبيه عن الزبيدي به ... وعبيد الله بن عبد الرحمن لم أقف على ترجمة له. وأبوه يسرق الحديث (٢)، قال ابن عدي (٣) عقب حديثه: (وهذا الحديث برواية عبد الرحمن بن واقد هذا الحديث عن إسماعيل بن عياش تبين ضعفه، وسرقته هذا الحديث، وهذا يعرف بضمرة عن إسماعيل بن عياش) اهـ ثم قال: (وأما الواقدي هذا فإن دعواه هذا الحديث عن ابن عياش نفسه أبطل في ذلك، وقال الباطل) اهـ ... والحديث يشبه أن يكون موضوعًا.
стр. 4569
* خلاصة: اشتمل هذا القسم على ثلاثة أحاديث، موصولة. منها حديث رواه مسلم. وحديث ضعيف. والأخير شبه موضوع. وذكرت فيه حديثين، أحدهما في الشواهد، والآخر على إثر حديث نحوه - والله الموفق برحمته -.
стр. 4570
* المطلب الثاني: من لم يُسم (المبهمون)
وفيه فرعان:
- الفرع الأول: من نسبوا إلى أفراد، أو قبائل، أو نحوهما ... وفيه أقسام:
* القسم الخامس والأربعون ومئتان: ما ورد في فضل ابن أخ الزارع، من بني عبد القيس ﵁ -
١٧٩٣ - [١] عن الزارع ﵁ وقد ذكر وفادة قومه عبد القيس على النبي ﷺ أنه خرج بابن أخ له مجنون ليدعو له النبي ﷺ .
قال: فجئت به النبي ﷺ ، وهو ينظر نظر المجنون، فقال النبي ﷺ : (اِجعَلْ ظهرَهُ مِنْ قِبَلِي)، فأقمته، فأخذه، ثم جره بجامع ردائه، فرفع يده، حتى رأيت بياض أبطيه، ثم ضرب بثوبه ظهره، وقال: (اُخرُجْ عَدوَّ الله)، فالتفت، وهو ينظر نظر الصحيح، ثم أقعده بين يديه، فدعا له، ومسح وجهه. قال: فلم تزل تلك المسحة في وجهه، وهو شيخ كبير كأن وجهه وجه عذراء شبابًا، وما كان في القوم رجل يفضل عليه بعد دعوة النبي ﷺ .
стр. 4571
تقدم (١) هذا اللفظ في حديث فيه فضل أشج عبد القيس - واسمه: المنذر بن عائذ - وهو حدث حسن لغيره، وهذا من لفظ البزار.
وهذا المقدار منه فقط رواه: الطبراني في الكبير (٢) - أيضًا - عن العباس بن الفضل الأسفاطي عن موسى بن إسماعيل عن مطر بن عبد الرحمن الأعنق عن أم أبان بنت الوازع عن أبيها: أن جدها الزارع انطلق إلى رسول الله ﷺ فانطلق معه بابن له مجنون ... فذكره. والعباس بن الفضل لا أعرف حاله، وهو متابع، وطريقه حسنة لغيرها - أيضًا -. وموسى هو: المنقري.
стр. 4572
* القسم السادس والأربعون ومئتان: ما ورد فضل ابن عم لأبي بكر الصديق ﵄ -
١٧٩٤ - [٢] عن أنس ﵁ أن أبا بكر دخل على النبي ﷺ ، وهو كئيب. فقال له النبي ﷺ : (مَا لي أرَاكَ كَئِيْبَا)؟ قال: يا رسول الله، كنت عند ابن عم لي البارحة - فلان -، وهو يكيد بنفسه. قال: (فهَلَّا لقَّنْتَهُ لا إلهَ إلَّا الله)؟ قال: قد فعلت، يا رسول الله. قال: (فقَالهَا)؟ قال: نعم. قال: (وجَبتْ لهُ الجنَّة).
هذا الحديث رواه: البزار (١) - وهذا لفظه - عن أحمد بن مالك القشيري، ورواه: أبو يعلى (٢) عن عبيد الله بن عمر، كلاهما عن زائدة بن أبي الرقاد عن زياد النميري عنه به ... وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣)، وعزاه إليهما، ثم قال: (وفيه: زائدة بن أبي الرقاد، وثقه القواريري، وضعفه البخاري، وغيره) اهـ.
والقواريري هو: عبيد الله بن عمر - شيخ أبي يعلى فيه -، ولم يصرح بتوثيق زائدة، لكنه قال (٤): (لم يكن بزائدة بن أبي الرقاد بأس، وكتبت كل شيء عنده) اهـ، ولا أعرف له اصطلاحًا خاصًا في قوله: (لم يكن به بأس)،
стр. 4573
وهى في مرتبة صدوق عند: ابن أبي حاتم (١)، والذهبي (٢)، والسخاوي (٣). وذكره ابن شاهين في الثقات (٤)، وقال البزار (٥) - مرة -: (ليس به بأس ... وإنما كتبنا من حديثه ما لم نجده عند غيره) - وهما متساهلان -، وجاء عن البزار غير هذا - كما سيأتي -. ولا أعلم أحدًا مشاه غر هؤلاء. وهو منكر الحديث - على الصحيح -. قاله: البخاري (٦)، والنسائي (٧)، وابن عدي (٨)، وغيرهم. وقال أبو حاتم (٩): (يحدث عن زياد النميري عن أنس أحاديث مرفوعة، منكرة، ولا ندرى منه، أو من زياد)، وذكره ابن حبان في المجروحين (١٠)، وقال: (يروي المناكير عن المشاهير، لا يحتج بحديثه، ولا يكتب إلّا للاعتبار)، وقال البزار (١١): (ضعيف)، وقال - مرة (١٢) -: (إنما ينكر من حديثه ما يتفرد به) اهـ. حدث به عن زياد بن النميري، وهو: ابن عبد الله، ضعفه: ابن معين،
стр. 4574
وأبو حاتم، وأبو داود، والذهبي، وابن حجر، في آخرين ... وقال ابن حبان: (منكر الحديث، يروي عن أنس أشياء لا تشبه حديث الثقات، لا يجوز الاحتجاج به، تركه يحيى بن معين) اهـ. والقشيرى شيخ البزار لم أقف على ترجمته، لكنه متابع.
والخلاصة: أن الحديث منكر، ولا أعلم لإسناده متابعات، ولا لمتنه ما يشهد له - والله سبحانه أعلم -.
стр. 4575
* القسم السابع والأربعون ومئتان: ما ورد في فضائل خال أبي السوار ﵁ -
١٧٩٥ - [٣] عن أبي السوّار عن خاله ﵁ أنه تبع الرسول ﷺ في جماعة، فضربه إما بعسيب (١)، أو قضيب، أو سواك، أو شيء كان معه.
قال: فلما صلينا الغداة - أو قال: أصبحنا - قال رسول الله ﷺ : (اللهمَّ إِنَّ أُنَاسًا يَتْبَعُوْنِي، وَإِنِّي لا يُعْجبُنِي أنْ يَتْبَعُوْنِي. اللهمَّ فَمَنْ ضَرَبْت، أوْ سَبَبْتُ فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَةً، وَأجرًا - أوْ قَالَ: مَغْفِرةً، وَرَحْمَة -) - أو كما قال -.
رواه: الإمام أحمد (٢) عن عارم عن المعتمر بن سليمان عن أبيه عن السميط عن أبي السوّار به، مطولًا ... وهذا إسناد على شرط مسلم؛ فيه: السميط، وهو: أبو عبد الله السدوسي، البصري، وهو صدوق، انفرد مسلم بالرواية له - دون البخاري (٣) -.
والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤)، وقال - وقد عزاه إلى الإمام
стр. 4576
أحمد -: (ورجاله رجال الصحيح) اهـ.
وعارم - شيخ الإمام أحمد - هو: محمد بن الفضل، والمعتمر هو: التميمي، وأبو السوار هو: العدوي البصري.
стр. 4577
* القسم الثامن والأربعون ومئتان: ما ورد في فضائل رجل أنصاري، من بني النبيت ﵁ -
١٧٩٦ - [٤] عن البراء ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل مقنع بالحديد، فقال: يا رسول الله، أقاتل، أو أسلم؟ قال: (أسْلِمْ، ثمَّ قَاتِل). فأسلم، ثم قاتل، فقتل. فقال رسول الله ﷺ : (عَمِلَ قليْلًا، وأُجِرَ كَثِيرا).
هذا حديث متفق عليه ... رواه: البخاري (١) - واللفظ له - عن محمد بن عبد الرحيم عن شبابة بن سوار الفزاري، ورواه: الإمام أحمد (٢) عن وكيع، ورواه (٣) - مرة - عن يحيى بن آدم وَأبي أحمد، أربعتهم عن إسرائيل (٤)، ورواه: مسلم (٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة (٦) عن أبي أسامة (٧)، ثم ساقه عن
стр. 4578
أحمد بن جناب المصيصي عن عيسى - يعني: ابن يونس -، كلاهما (أبو أسامة، وعيسى) عن زكريا، كلاهما (إسرائيل، وزكريا) عن أبي إسحاق (١) عن البراء به ... ولمسلم عن أبي بكر: (جاء رجل من بني النبيت إلى النبي ﷺ ). وله في حديث ابن جناب: (جاء رجل من بني النبيت - قبيل من الأنصار -)، وفيه: (عمل هذا يسيرًا، وأجر كثيرا).
ووكيع هو: ابن الجراح. واسم أبي أحمد: محمد بن عبد الله الزبيرى. وإسرائيل هو: ابن يونس. واسم أبي أسامة: حماد. وزكريا هو: ابن أبي زائدة. وأبو إسحاق هو: السبيعي.
стр. 4579
* القسم التاسع والأربعون ومئتان: ما ورد في فضائل رجل أنصاري، من أهل بدر ﵁ -
* عن ابن عباس ﵄ قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد من أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: (أقدم حيزوم)، فنظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه، كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: (صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة).
هذا حديث صحيح رواه: مسلم، والبزار، وغيرهما ... وتقدم في حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب في فضل أهل بدر (١).
стр. 4580
* القسم الخمسون ومئتان: ما ورد في فضل رجل من الأنصار ﵁ -
١٧٩٧ - [٥] عن ثابت البناني - قال بعض رواته: وأحسبه عن أنس - قال: كان رجل من الأنصار مريضًا، فجاءه النبي ﷺ يعوده، فوافقه في السوق، فسلّم عليه، فقال له: (كَيْفَ أنْتَ، يَا فُلان)؟ قال: بخير، يا رسول الله. قال: أرجو الله، وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله ﷺ : (لا تَجْتَمعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي هَذا المَوْطِنِ إِلا أعْطَاهُ اللهُ مَا يَرْجُو، وَأَمَّنَهُ مِمّا يَخَافُ).
هذا الحديث رواه: جعفر بن سليمان الضبعي عن ثابت البناني عن أنس، واختلف عنه في وصله، وإرساله.
فرواه: الترمذي (١)، وابن ماجه (٢)، كلاهما من طريق سيار بن حاتم (هو:
стр. 4581
العنزي) (١)، ورواه: البزار (٢) - واللفظ له - عن محمد بن عبد الملك القرشي، رواه: أبو يعلى (٣) عن الحسن بن عمر بن شقيق، ثلاثتهم عنه به، موصولًا ... قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب. وقد روى بعضهم هذا الحديث عن ثابت عن النبي ﷺ مرسلا) اهـ. وهكذا رواه: أبو نعيم في الحلية (٤) بسنده عن يحيى ومحمد بن أبي الشوارب (وهو: محمد بن عبد الملك)، والضياء في المختارة (٥) بسنده عن سليمان بن أيوب - صاحب البصري -، ثلاثتهم عن جعفر به. والحديث عند البزار، وأبى يعلى من رواية ثابت عن أنس ظنًّا.
وخالفهم: عبد السلام بن مطهر الأزدي، فرواه عن جعفر عن ثابت عن النبي ﷺ به، ولم يذكر فيه أنس بن مالك. روى حديثه: البغوي في شرح السنة (٦) بسنده عن أحمد بن سيار عنه به. وسأل الترمذي (٧) محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث من طريق سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان به، فقال: (إنما يروى هذا الحديث عن ثابت أن النبي - صلى
стр. 4582
الله عليه وسلم - دخل على شاب) اهـ، فقدّم المرسل على الموصول.
ومن خلال النظر في الطرق المتقدمة يتضح أن الموصول جاء - فيما وقفت عليه - عن جعفر بن سليمان من خمسة طرق عنه، طريق سيار بن حاتم، وطريق محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وطريق يحيى (وهو: ابن عبد الحميد الحماني)، وطريق الحسن بن عمر بن شقيق، وطريق سليمان بن أيوب.
فأما طريقا محمد بن عبد الملك، والحسن بن عمر ففيهما أن الحديث عن ثابت عن أنس ظنا. وأما طريق سيار بن حاتم فقد قال يعقوب بن سفيان: وسئل على (هو: ابن المديني) عن سيار لذى يروي حديث جعفر بن سليمان في الزهد، فقال: (ليس كل أحد يؤخذ عنه، ما كنت أظن يحدث عن ذا)! وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: (كان جمّاعًا للرقائق)، وقال ابن حجر: (صدوق له أوهام). ويحيى الحماني متهم بسرقة الحديث. وأما طريق سليمان بن أيوب فحدث بها عنه: الحسين بن محمد بن فهم، وليس هو بالقوى - وتقدموا جميعًا -.
ويتضح - أيضًا - أن المرسل جاء - فيما وقفت عليه - من طريق واحدة عن جعفر بن سليمان، وهى طريق عبد السلام بن مطهر الأزدي، وهو صدوق (١)، والإسناد إليه لا بأس به.
والحديث الموصول صححه الضياء - كما تقدّم -. وحسنه جماعة منهم:
стр. 4583
الترمذي - كما تقدّم -، والمنذري (١)، والألباني (٢). وقال عمر بن علي (٣)، والنووي (٤)، والصنعاني (٥): (إسناده جيد) اهـ. والموصول أشبه لكثرة من رواه كذلك عن جعفر بن سليمان. ولعل البخاري رجّح على طريق سيار بن حاتم غيرَها لما علمت من حال سيار في الحديث - والله أعلم -.
стр. 4584
* القسم الواحد والخمسون ومئتان: ما ورد في فضل رجل من الأنصار ﵁ -
١٧٩٨ - [٦] عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار - وأنا غلام مع أبي -، فجلس رسول الله ﷺ على حفيرة القبر، فجعل يوصي الحافر، ويقول: (أوسِعْ منْ قِبَلِ الرَّأسِ، وَأوسِعْ منْ قِبَلِ الرِّجْلَينِ، لَرُبَّ عذْقٍ لهُ في الجنَّة).
هذا الحديث رواه: الإمام أحمد (١) عن محمد بن فضيل (٢) عن عاصم بن كليب به ... والإسناد حسن؛ محمد بن فضيل - وهو: ابن غزوان -، وعاصم، وأبوه: صدوقون كلهم - وتقدموا -.
стр. 4585
* القسم الثاني والخمسون ومئتان: ما ورد في فضل رجل من الأنصار ﵁ -
١٧٩٩ - [٧] عن أنس بن مالك ﵁ قال: مرّ رسول الله ﷺ بقبة على باب رجل من الأنصار، فقال: (كلُّ مَالٍ يكونُ هكَذَا فهُو وبَالٌ علَى صَاحبهِ يومَ القِيامَة) ... وفيه أن الرجل هدمها، فقال رسول الله ﷺ : (يَرحَمهُ الله، يَرحمهُ الله).
هذا حديث مشهور من حديث أنس ... رواه: ابن ماجه (١) - وهذا مختصر من لفظه - عن العباس بن عثمان الدمشقي عن الوليد بن مسلم عن عيسى بن عبد الأعلى بن أبي فروة عن إسحاق بن أبي طلحة عنه به، أطول من هذا ... قال البوصيري (٢): (في إسناده عيسى بن عبد الأعلى، لم أر من جرحه، ولا من وثقه. وباقي رجال الإسناد ثقات) اهـ، وعيسى هذا لم أر في الرواة عنه غير الوليد بن مسلم (٣)، وذكر ابن القطان (٤) حديثًا له غير هذا، فأعله بجهالة بعض رواته، ثم قال: (وللجهل بحال عيسى بن عبد الأعلى الفروي ... بل لا أعلمه مذكورًا في شيء من كتب الرجال، ولا في غير هذا الإسناد)، وقال الذهبي (٥): (لا يكاد يعرف)، وذكر الحديث الذي ذكره له
стр. 4586
ابن القطان، وقال: (وهذا حديث فرد منكر)، وقال ابن حجر في التقريب (١): (مجهول). والوليد بن مسلم - الراوي عنه - هو: الدمشقي، يدلس، ويسوي، وقد صرح بالتحديث إلّا بين إسحاق وأنس فلم يصرح به.
ورواه: الإمام أحمد (٢) عن أسود بن عامر (٣) عن شريك عن عبد الملك بن عمر عن أبي طلحة عن أنس به، بنحوه، وفيه: ﵀ - دون تكرار - ... وهذا إسناد ضعيف - أيضًا -، فيه علل، فشريك هو: ابن عبد الله، ضعيف الحديث. وعبد الملك بن عمير اختلط قبل موته، ولا يدرى متى سمع شريك منه. وهو مدلس، لم يصرح بالتحديث - وتقدما -. وأبو طلحة هو: الأسدي، روى عنه جماعة (٤)، وترجم له البخاري (٥)، وابن أبي حاتم (٦)، والمزي (٧)، وابن حجر (٨)، والذهبي (٩)، ولم يذكروا فيه جرحًا، ولا تعديلًا. وذكره ابن حبان
стр. 4587
في الثقات (١) - ولم يتابع، فيما أعلم -، وهذا لا يكفي لمعرفة حاله.
والحديث رواه - أيضًا -: البيهقي في الشعب (٢) بسنده عن شبابة بن سوار عن قيس بن الربيع عن أبي حمزة عن أنس به، بنحوه، وفيه: (رحم الله فلانًا) ... وهذا إسناد ضعيف - أيضًا -؛ قيس هو: أبو محمد الأسدي، تغير لما كبر - ولا يدرى متى سمع منه شبابة -، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به - وتقدم -. واسم أبي حمزة: عبد الله بن جابر البصري، روى عنه جماعة (٣)، وترجم له البخاري (٤) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وترجم له ابن أبي حاتم (٥)، وقال: وسمعت أبي يقول: (هو أحب إلي من الحجاج بن أرطاة) اهـ، وأبو حاتم يضعف حجاجًا (٦). وذكره العقيلي في الضعفاء (٧)، وقال: (بصري مجهول بنقل الحديث، يخالف في حديثه)، وقال البزار (٨): (لا بأس به)، وقال ابن حجر في التقريب (٩): (مقبول) - يعني: حيث يتابع، وإلا فلين الحديث، كما هو اصطلاحه -، وقد توبع - كما مرّ -.
стр. 4588
ومما سبق يتضح أن الأسانيد الثلاثة للحديث ضعيفة، واجتماعها يكسب الحديث قوة، وهو بمجموعها: حسن لغيره - والله الموفق -.
стр. 4589
* القسم الثالث والخمسون ومئتان: ما ورد في فضائل رجل من الأنصار ﵁ -
١٨٠٠ - [٨] عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا جلوسًا مع رسول الله ﷺ ، فقال: (يطلعُ عليكُمْ الآنَ رجلٌ منْ أهلِ الجنَّةِ)، فطلع رجل من الأنصار، تنطف (١) لحيته من وضوئه، قد تعلق نعليه في يده الشمال. فلما كان الغد قال النبي ﷺ مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى. فلما كان اليوم الثالث قال النبي ﷺ مثل مقالته - أيضًا -، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى. فلما قام النبي ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: إني لاحيت (٢) أبي، فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت. قال: نعم. قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث، فلم يره يقوم من الليل شيئًا غير أنه إذا تعار (٣)، وتقلب على فراشه ذكر الله ، وكبَّر حتى يقوم لصلاة الفجر. قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا. فلما مضت الثلاث ليال، وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله، إني لم يكن بيني، وبين أبي غضب، ولا هجر. ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرار: (يطلعُ
стр. 4590
عليكمْ الآنَ رجلٌ منْ أهلِ الجنَّةِ)، فطلعت أنت الثلاث مرار، فأردت أن آوى إليك؛ لأنظر ما عملك، فاقتدى به، فلم أرك تعمل كثير عمل. فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ ؛ فقال: ما هو إلا ما رأيت. قال: فلما وليت دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق.
رواه: الإمام أحمد (١) - وهذا حديثه -، والبزار (٢) عن زهير بن محمد، كلاهما عن عبد الرزاق عن معمر (٣)، ورواه: البزار (٤) عن محمد بن علي الأهوازي عن عمرو بن خالد عن ابن لهيعة عن عقيل بن خالد، كلاهما عن