ورواه: البزار (١) عن محمد بن المثنى عن هشام بن عبد الملك عن محمد بن أبان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه به، بلفظ: (لقد تابت توبة لو قسمت بين أهل المدينة لوسعتهم) - قال: أو نحو هذا -. ومحمد بن أبان هو: الجعفي الكوفي، مرجئ، ضعفه: ابن معين (٢)، والبخاري (٣)، وغيرهما (٤). والمعروف في لفظ الحديث ما رواه مسلم. ولفظ حديث ابن أبان هذا معروف في قصة ماعز - وتقدم في موضعه -.
стр. 5147
* القسم الثامن والخمسون: ما ورد في فضل جارية للشريد بن سويد الثقفي ﵄ -
٢٠١١ - [٤] عن الشريد بن سويد الثقفي - رضى الله عنه - قَال: أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: إن أمى أوصت أن تُعتق عنها رقبة، وإن عندي جارية نوبية، أفيجزي عني أن أعتقها عنها. قَال: (ائتِني بِهَا). فأتيت بها، فقال لها النبي ﷺ : (مَنْ رَبُّك)؟ قَالت: الله. قَال: (مَنْ أنَا)؟ قَالت: أنت رسول الله. قَال: (فأَعتقْهَا؛ فإنَّهَا مُؤمنَة).
هذا الحديث رواه: حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة به عبد الرحمن بن عوف عن الشريد ... رواه: أبو داود (١) عن موسى بن إسماعيل، ورواه: النسائي (٢) عن موسى بن سعيد، ورواه: الدارمي (٣)، ورواه: الطبراني في الكبير (٤) عن أبي خليفة، ثلاثتهم (موسى بن سعيد، والدارمي، وأبو خليفة) عن هشام بن عبد الملك أبي الوليد
стр. 5148
الطيالسي (١)، ورواه: الإمام أحمد (٢) عن عبد الصمد، وعن (٣) مهنأ بن عبد الحميد، أربعتهم (موسى بن إسماعيل، وأبو الوليد، وعبد الصمد، ومهنأ) عن حماد به ... وللدارمي: فقال: (أتشهدين أن لا إله إلا الله)، قَالت: نعم. قَال: (فأعتقها فإنها مؤمنة). ولم يسق أبو داود لفظه، قَال: (فذكر نحوه)، يعني: نحو حديث معاوية بن الحكم السلمي - وتقدم -، ثم قَال: (خالد بن عبد الله أرسله، لم يذكر الشريد) اهـ. وقَال أبو نعيم (٤): (ورواه أبو معاوية، وعبد العزيز بن مسلم عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة مرسلًا) اهـ، وهذه المراسيل لم أقف عليها بعد - والله أعلم -. والحديث حسن الألباني إسناده (٥)، وصحح متنه (٦).
стр. 5149
* القسم التاسع والخمسون: ما ورد في فضل جارية لكعب بن مالك ﵄ -
٢٠١٢ - [٥] عن كعب بن مالك - رضى الله عنه - قَال: جاءت جارية ترعى غنمًا لي، فأكل الذئب شاة، فضربت وجه الجارية، فندمت، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، لو أعلم أنها مؤمنة لأعتقتها. فقال رسول الله ﷺ للجارية: (مَنْ أنَا)؟ قَالت: رسول الله قَال: (فمَنْ الله)؟ قَالت: الَّذي في السماء. فقال رسول الله ﷺ : (أَعتِقْهَا؛ فإنَّهَا مُؤمنَة).
وهذا الحديث رواه: الطبراني في معجميه - الكبير (١)، وَالأوسط (٢) - عن محمد بن عاصم الأصبهاني عن عبد الله بن شبيب المدني عن داود بن عبد الله الجعفري عن حاتم بن إسماعيل عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن ابن كعب بن مالك عن أبيه به ... قَال في الأوسط: (لم يرو هذا الحديث عن ابن عجلان إلّا حاتم، ولا عن حاتم إلا داود الجعفري. ولا يروي عن كعب بن مالك إلا بهذا الإسناد) اهـ. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣)، وقَال - وقد عزاه إلى المعجمين المتقدمين -: (وفيه: عبد الله بن شيب، وهو ضعيف) اهـ.
وعبد الله بن شيب هو: أبو سعيد الربعى، ذاهب الحديث، متهم بسرقته - وتقدم -. وشيخه داود بن عبد الله، وحاتم بن إسماعيل، متكلم
стр. 5150
فيهما - وتقدما -. ومحمد بن عاصم - شيخ الطبراني - هو: أبو عبد الله الفقيه، ترجم له أبو الشيخ (١)، وأبو نعيم (٢)، ولم يذكرا فيه جرحًا، ولا تعديلًا، وقَال ابن حجر (٣): (صدوق).
والخلاصة: أن الإسناد واه، والحديث ثابت من غير هذا الوجه، لغير كعب بن مالك.
стр. 5151
* القسم الستون: ما ورد في فضل جارية لمعاوية بن الحكم السلمي - رضى الله عنهما -
٢٠١٣ - [٦] عن معاوية بن الحكم السلمي - رضى الله عنه - قَال: كانت لي جارية، ترعى غنمًا لي، قِبَل أُحد، والجوّانية (١). فاطّلعتُ ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله ﷺ ، فعظّم ذلك علي. قلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها. قَال: (ائتِني بها) فأتيته بها، فقال لها: (أينَ الله)؟ قَالت: في السماء. قَال: (مَنْ أَنَا)؟ قَالت: أنت رسول الله. قَال: (أَعتقْهَا، فإنهَا مُؤمِنَة).
هذا حديث رواه يحيى بن أَبي كثير، ومالك بن أنس، كلاهما عن هلال بن أبي ميمونة (٢) عن عطاء بن يسار عن معاوية السلمى ... ورواه عن يحيى بن أبي كثير: الحجاج بن أبي عثمان الصواف، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعى، وهمام بن يحيى، وأبان بن يزيد.
فأما حديث الحجاج الصواف فرواه: مسلم (٣) - وهذا مختصر من لفظه - عن أبي جعفر محمد بن الصباح وأبي بكر بن أبي شيبة (٤)، ورواه:
стр. 5152
أبو داود (١) عن عثمان بن أبي شيبة، ورواه: الإمام أحمد (٢)، أربعتهم عن إسماعيل بن إبراهيم (٣)، ورواه: أبو داود - أيضًا -، ورواه: الطبراني في الكبير (٤) عن معاذ بن المثني، كلاهما (أبو داود، ومعاذ) عن مسدد (٥)، ورواه: الإمام أحمد (٦) - ورواه: الطبراني في الكبير (٧) عن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه -، كلاهما (مسدد، والإمام أحمد) عن يحيى بن سعيد (٨)، كلاهما (إسماعيل، ويحيى) عن الحجاج بن الصواف (٩) به ... وسكت أبو داود عنه. ومسدد هو: ابن مسرهد. وروى عبد الرزاق في المصنف (١٠) عن معمر عن يحيى بن أبي كثير قَال: صكّ رجل جارية، فجاء بها إلى
стр. 5153
النبي ﷺ ... فذكر نحوه، وهذا مرسل، لأن يحيى بن أبي كثير تابعى (١)، ووصل الحديث محفوظ - كما مر - (٢).
وأما حديث الأوزاعي فرواه: مسلم (٣) عن إسحاق بن إبراهيم عن عيسى بن يونس، ورواه: النسائي (٤) عن إسحاق بن منصور عن محمد بن يوسف، ورواه: الطبراني في الكبير (٥) عن أبي شعيب عبد الله بن الحسن الحراني عن يحيى بن عبد الله البابلتي، ثلاثتهم عنه (٦) به، بنحوه ... ومحمد بن يوسف هو: الفريابي. ويحيى البابلتي ضعيف - تقدم - وهو متابع.
وأما حديث همام بن يحيى العوذي فرواه: الإمام أحمد (٧) عن عفان عنه به، بنحوه، مطولًا ... وعفان هو الصفار، والإسناد صحيح.
стр. 5154
وأما حديث أبان بن يزيد فرواه: الطبراني في الكبير (١) عن أحمد بن داود المكي عن مسلم بن إبراهيم عنه به ... ولم يسق لفظه، قَال: (فذكر الحديث) - وكان قد ساقه من طرق - ... والإسناد صحيح - أيضًا -.
ورواه: مالك (٢) عن هلال به، بنحوه، إلا أنه قَال: (عمر بن الحكم)، بدلًا من: (معاوية بن الحكم)! وكذلك رواه من طريقه: البغوي (٣)، وابن حبان (٤)، وأبو نعيم (٥)، والبيهقى (٦). قَال البغوي - في الموضع الثاني -: (وخالف مالك الناس في اسم معاوية بن الحكم، فقال: عمر بن الحكم. ويقال إنه وهم). وقَال ابن مندة (٧): (هذا مما وهم فيه مالك. والصواب: معاوية بن الحكم، هكذا قَاله ابن المديني والبخاري، وغيرهما) اهـ، وقَال الحافظ ابن حجر (٨) - وقد ذكر رواية مالك هذه -: (اتفقوا على أنه وهم فيه، والصواب: معاوية بن الحكم) اهـ.
стр. 5155
وروى أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف (١)، والإيمان (٢) عن علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى عن المنهال (٣) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وعن الحكم: أن رجلًا أتى النبي ﷺ ... فذكر نحوه. قَال الألباني في تعليقه على الكتاب المدكور: (إسناده ضعيف من أجل ابن أبي ليلى - واسمه: محمد بن عبد الرحمن - وهو فقيه فاضل، لكنه سيء الحفظ) اهـ. وعلى بن هاشم هو: ابن البريد، والمنهال هو: ابن عمرو الأسدي، فيهما كلام - وتقدما - ... والإسناد: حسن لغيره، بالمتابعات - والله الموفق -.
стр. 5156
* القسم الواحد والستون: ما ورد في فضل يتيمة عند أم سليم ﵄ -
٢٠١٤ - [٧] عن أنس بن مالك ﵁ قَال: كانت عند أم سليم يتيمة - وهى: أم أنس بن مالك -، فرأى رسول الله ﷺ اليتيمة، فقال: (آنْتِ هيْه؟ لقدْ كبُرْتِ، لا كبُرَ سنُّك). فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي ... فذكر كلامًا، وفيه أن أم سليم خرجت إلى الرسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فضحك، ثم قل: (يَا أمَّ سُليم، أمَا تعلمينَ أنَّ شَرطِي علَى رَبي؟ إنِّي اشتَرطتُ علَى رَبي، فقلتُ: إنَّما أنَا بشَرٌ، أرضَى كمَا يَرضَى البشَر، وأغضبُ كما يغضَبُ البشَر، فأيُّمَا أحدٌ دعوتُ عليْه منْ أمَّتي بدعوةٍ ليسَ لهَا بأهلٍ أنْ تجعلَهَا لهُ طهورًا، وزكاةً، وقُرْبَةً، تقرِّبهُ (١) بها مِنكَ يومَ القيامَة).
هذا رواه: مسلم (٢) عن زهير بن حرب وأبي معن الرقاشى، كلاهما عن عمر بن يونس عن عكرمة بن عمار (٣) عن إسحاق بن أبي طلحة عنه به ... وقَال: قَال أبو معن: (يُتَيّمة) - بالتصغير، في المواضع الثلاثة من الحديث. واسم أبي معن: زيد بن يزيد.
стр. 5157
- الفرع الثاني: من لم يُنسبن (المبهمات)
٢٠١٥ - [٨] عن عائشة - رضى الله عنها - قَالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها ... فذكرت قصة، فيها: فذكرت الَّذي صنعت لرسول الله ﷺ فقال: (إنَّ الله قدْ أوجبَ لَها بهَا الجنَّةَ - أوْ أعتَقهَا بهَا منْ النَّار -).
هذا الحديث رواه: مسلم (١) - وهذا مختصر من لفظه -، والإمام أحمد (٢)، كلاهما عن قتيبة بن سعيد (٣) عن بكر بن مضر عن ابن الهاد عن زياد بن أبي زياد - مولى: ابن عياش - عن عراك بن مالك عن عائشة به ... وبكر بن مضر هو: ابن محمد المصري. وعراك غفاري، وابن الهاد هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد.
ورواه: الطبراني في الأوسط (٤) عن محمد بن عمرو بن خالد الحراني عن أبيه عن بكر بن مضر عن زياد بن أبي زياد به، بنحوه ... لم يذكر ابن الهاد في الإسناد، قَال الطبراني: (لم يرو هذا الحديث عن عراك بن مالك إلّا زياد بن أبي زياد، تفرد به بكر بن مضر) اهـ، ولعله يعني من وجه يثبت، وإلّا فسيأتي من طريق عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن زياد.
стр. 5158
وهذا الإسناد منقطع، ومحمد بن عمرو - شيخ الطبراني - لم أر فيه جرحًا، ولا تعديلًا - وتقدم -.
والحديث رواه - أيضًا -: الطبراني في الأوسط (١) عن علي عن شعيب بن سلمة الأنصاري عن إبراهيم بن صرمة عن يحيى بن سعيد عن زياد مولى ابن عياش (٢) به، بنحوه ... وإبراهيم بن صرمة هو: الأنصاري، قَال ابن معين (٣): (كذاب خبيث) (٤)، وذكره العقيلي في الضعفاء (٥)، وساق له حديثًا عن يحيى بن سعيد، ثم قَال: (ليس هذا الحديث بمحفوظ من حديث يحيى بن سعيد، وإنما يعرف من حديث يزيد بن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد. وهذا الشيخ يحدث عن يحيى بأحاديث ليست بمحفوظة من حديث يحيى، فيها شئ يحفظ من حديث ابن الهاد، وفيها مناكير، وليس ممن يضبط الحديث) اهـ، وذكره ابن عدي في الكامل (٦)، وأفاد أنه يحدث عن يحيى بن سعيد بنسخ لا يحدث بها غيره، ونقل عن ابن صاعد قَال: (انقلبت على إبراهيم بن صرمة نسخة ابن الهاد، فجعلها عن يحيى بن سعيد في الأحاديث كلها). ثم قَال ابن عدي: (وعامة أحاديثه إما أن تكون مناكير المتن، أو تنقلب عليه الأسانيد، وبيّن على أحاديثه ضعفه)
стр. 5159
اهـ، والحظ أن حديث إبراهيم هذا عن يحيى بن سعيد، وأنه تقدم من طريق ابن الهاد عن زياد.
وروى الشيخان (١) نحو قصة الحديث من طريقين عن الزهري عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عروة بن الزبير عن عائشة، وفيه أن النبي ﷺ قَال: (من ابتلى من البنات بشيء، فأحسن إليهن كنّ له سترًا من النار) - واللفظ لشعيب عن الزهري عند مسلم، صدر الباب بهذا الحديث، ثم أورد عقبه حديث عراك بن مالك -.
والأشبه في لفظ الحديث ما رواه: الزهري عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة عن عائشة؛ لأن في إسناد اللفظ الأول: عراك بن مالك، قَال الإمام أحمد (٢): (عراك بن مالك من أين سمع عائشة، ما له ولعائشة) اهـ؟ وذكر (٣) أن حديث عراك عن عائشة عن النبي ﷺ قَال: (حولوا مقعدي إلى القبلة) مرسل. قَال العلائى في جامع التحصيل (٤): (أخرج مسلم لعراك بن مالك عن عائشة حديث: "جاءتني مسكينة ... " الحديث، والظاهر أن ذلك على قاعدته المعروفة - والله أعلم -) اهـ، يعني حديثه هذا، ويعني بقاعدة مسلم: ما ذكره مسلم في مقدمة صحيحة (٥) من أن الإسناد المعنعن له حكم الإتصال إذا تعاصر
стр. 5160
المعنعن، والمعنعن عنه، وإن لم يثبت اجتماعهما. بخلاف البخاري فإنه لا يحمل مثل هذا على الإتصال حتى يثبت اجتماعهما - ولو مرة واحدة (١) -.
٢٠١٦ - [٩] عن أنس بن مالك - رضى الله عنه - أن امرأة دخلت على عائشة، ومعها بنتان ... فذكر نحو الحديث المتقدم، وفيه أن النبي ﷺ قال: (لقدْ دخلتْ بذَلك الجنَّة).
رواه: البزار (٢) عن محمد بن معمر عن مسلم بن إبراهيم عن عبيد الله بن فضالة عن بكر بن عبد الله المزني عن أنس به ... وقال البزار: (وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أنس إلّا بهذا الإسناد) ا هـ! وأورده الهيثمى في مجمع الزوائد (٣)، وعزاه إليه، ثم قال: (وفيه: عبيد الله بن فضالة، ذكره المزي (٤) في ترجمة مسلم بن إبراهيم الفراهيدي - الراوي عنه -، فقال: "عبيد الرحمن بن فضالة - أخو مبارك بن فضالة -". قلت: ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح) اهـ. ولا أعرف أحدًا في طبقة تلاميذ بكر بن عبد الله يقال له: عبيد الله بن فضالة. والمعروف: عبيد الرحمن بن فضالة - الذي ذكره المزي -، وعبيد الرحمن معروف، ومعروف بالرواية عن بكر بن
стр. 5161
عبد الله، ومسلم بن إبراهيم معروف بالرواية عنه (١). ووثقه الإمام أحمد (٢)، وذكره ابن حبان (٣)، وابن شاهين (٤) في الثقات؛ فالإسناد: صحيح - والله الموفق -.
٢٠١٧ - [١٠] عن الحسن بن علي ﵁ قَال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ معها ابناها، فسألته، فأعطاها ثلاث تمرات ... فذكر قصة، وفيها: فقال رسول الله ﷺ : (قدْ رَحِمَهَا الله بِرَحمتِهَا ابنيْهَا).
هذا الحديث رواه: الطبراني في الكبير (٥) عن محمد بن عبد الله الحضرمي عن جعفر بن حميد، ورواه: في الصغير (٦) عن محمد بن داود التوزي (٧) البصري عن محمد بن سليمان - لوين - (٨) كلاهما عن حديج بن معاوية الجعفى عن أبي إسحاق عن سفيان بن سلمة عن الحسن به ...
стр. 5162
وقَال: (لم يروه عن أبي إسحاق إلا حديج، ولا يروي عن الحسن إلا بهذا الإسناد) اهـ.
وأبو إسحاق هو: عمرو بن عبد الله السبيعى مدلس لم يصرح بالتحديث، فهذه العلة الأولى في الإسناد. والثانية: أن أبا إسحاق اختلط بآخرة، ولا يُدرى متى سمع منه حديج بن معاوية. والثالثة: أن حُديج بن معاوية هذا ضعيف الحديث، وبه أعل الهيثمي الحديث في مجمع الزوائد (١) - وتقدما -. ومحمد بن داود - شيخ الطبراني - ترجمه السمعاني في الأنساب (٢)، وسماه: (محمد بن يزداذ)، ولم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلًا.
وتقدم في حديثي (٣) عائشة، وأنس نحو قصة هذا الحديث، ولكن فيهما أن المرأة دخلت على عائشة لا على رسول الله ﷺ ، بغير اللفظ المرفوع في حديث الحسن هذا، فإن كانت القصة واحدة فهذا الحديث فيه نكارة - والله أعلم -.
٢٠١٨ - [١١] عن أبي هريرة - رضى الله عنه - أن رجلًا أتى النبي - صلى الله علمِه وسلم - بجارية سوداء، فقال: يا رسول الله، إن عليّ رقبة مؤمنة. فقال لها: (أينَ الله)؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها. فقال لها:
стр. 5163
(فمَنْ أنَا)؟ فأشارت إلى النبي ﷺ ، وإلى السماء - يعني: أنت رسول الله -، فقال: (أَعتقْهَا؛ فإنَّهَا مُؤمِنَة).
هذا الحديث رواه: عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة، واختلف عنه. رواه عنه مالك بن أنس، وعون بن عبد الله بن عتبة الهذلي.
فأما حديث عون بن عبد الله فرواه: أبو داود (١) عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، ورواه: الإمام أحمد (٢)، كلاهما عن يزيد بن هارون (٣)، ورواه: الطبراني في الأوسط (٤) عن أبي مسلم عن عبد الله بن رجاء، كلاهما عن المسعودي (٥) عن عون به ... ووقع في إسناد الطبراني: (عبيد الله بن عبد الله)، بدل أبيه: (عبد الله بن عتبة). ولم يقل الإمام أحمد في حديثه: (فإنها مؤمنة)، وللطبراني: (من ربك)؟ والحديث سكت أبو داود عنه، قَال الطبراني: (لم يرو هذا الحديث عن عون إلّا المسعودي) اهـ، ولعله يعني من حديث أبي هريرة.
стр. 5164
وله عن عون إسناد آخر - سيأتي. لكنه واه -. والمسعودي هو: عبد الرحمن بن عبد الله، صدوق اختلط قبل موته - وتقدم -. سمع منه يزيد بن هارون بعد الاختلاط (١). ومتابعه: عبد الله بن رجاء هو: الغداني المكي، سمع من المسعودي قبل الاختلاط (٢). وابن رجاء هذا صدوق لا بأس به، لكنه يغلط - وتقدم -. ورواه: الخليل بن زكريا عن عون بن عبد الله، وقَال فيه: عن نافع عن ابن عمر به، بنحوه، مرفوعًا ... رواه: الحارث بن أبي أسامة (٣) عنه. والخليل هو: الشيباني، البصري، متروك الحديث، يحدث بالبواطيل عن الثقات (٤).
وهكذا روى عون بن عبد الله عن عبد الله بن أبي عتبة عن أبي هريرة، وخالفه: مالك بن أنس، فروى الحديث في موطئه (٥)، والإمام أحمد في مسنده (٦) عن عبد الرزاق (٧) عن معمر، كلاهما عن الزهري (٨) عن عبيد الله
стр. 5165
ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن رجلًا من الأنصار جاء بجارية له سوداء، وقال ... فذكر نحوه. وهذا من لفظ مالك، ولأحمد عن عبيد الله بن عبد الله عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء ... الحديث، وليس لهما فيه: (فإنها مؤمنة).
وحديث الإمام أحمد ظاهر الاتصال (١)، وحديث مالك قَال ابن عبد البر (٢): (ظاهره الإنقطاع)، ثم قَال: (فإنه محمول على الاتصال للقاء عبيد الله جماعة من الصحابة) اهـ، وتعقبه الزرقاني (٣) بقوله: (وفيه نظر، إذا لو كان كذلك ما وجد مرسل قط، فلعله أراد: لقاء عبيد الله جماعة من الصحابة الَّذين رووا هذا الحديث) اهـ.
وجهالة الصحابي لا تضر، على ما هو الحق، والحديث وارد من طريق جماعة منهم، مذكورة أحاديثهم في هذا الفرع - أن كانت القصة في حديث أبي هريرة قصة أحدهم -. ورواه: الحسن بن الوليد عن مالك به، موصولًا عن أبي هريرة، رواه: ابن خزيمة في التوحيد (٤) بسنده عنه به ... ولعل الحسين بن الوليد وهم في إسناده هذا الحديث عن مالك؛ فقد اتفق رواة الموطأ على إرساله، لم يذكروا فيه أبا هريرة (٥).
стр. 5166
ورواه الحسين هذا - أيضًا - عن المسعودي عن عون بن عبد الله بن عتبة عن عبيد الله بن عتبة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : (اعتقها فإنها مؤمنة)، وليس في الموطأ: (فإنها مؤمنة)، قَاله ابن عبد البر في التمهيد (١).
وفي رأى - حسب النظر - أن حديث مالك عن الزهري أشبه من حديث المسعودي عن عون - والله تعالى أعلم -. والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (٢).
ورواه: أبو نعيم في المعرفة (٣) عن أبي الحسين أحمد بن سهل بن عمر بن بحر العسكري عن إبراهيم بن حرب العسكري عن محمد بن يحيى - قَال: يعني القطعي - عن زياد بن الربيع عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به، بنحوه، وسمى الرجل: عمرو بن الشريد ... قَال أبو نعيم: (ذكره الواهم من حديث محمد بن الحسين بن مكرم عن محمد بن يحيى القطعى فقال: محمد بن الشريد. ولا يعرف في أولاد الشريد محمد. وعمرو معروف ... والحديث فقد رواه حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد نفسه) اهـ. وفي الإسناد: أحمد بن سهل، وشيخه لم أقف على ترجمة لأي منهما. وحديث محمد بن الحسين بن مكرم ذكره ابن الأثير في أسد الغابة (٤)، وعزاه إلى ابن منده.
стр. 5167
وحديث حماد عن ابن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد تقدم (١)، وهو حديث حسن.
٢٠١٩ - [١٢] عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قَال: (لَو قُسِمَ أجرَهَا بينَ أهْلِ الحِجَازِ وسِعَهُم) - يعني: امرأة، في قصة -.
هذا الحديث رواه أبو داود السجستاني (٢)، قَال: حُدثت عن
عبد الصمد بن عبد الوارث، ورواه موصولًا عن عبد الصمد (٣): الإمام أحمد (٤)، ورواه - مرة - (٥) عن عتاب بن زياد عن عبد الله بن المبارك (٦)، كلاهما (عبد الصمد، وابن المبارك) عن أبي عمران زكريا بن سليم المنقري قَال: سمعت رجلا يحدث عمرو بن عثمان وأنا شاهد أنه سمع عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه به، مطولًا ... وهذا إسناد ضعيف لجهالة من سمعه
стр. 5168
أبو عمران، ولم يسمه، ضعفه: الألباني (١). وأبو عمران هذا، روى عنه جماعة (٢)، وقال ابن معين (٣): (صالح)، وذكره: ابن حبان (٤)، وابن شاهين (٥) في الثقات. وقال ابن حجر (٦): (مقبول). وعتاب بن زياد - أحد شيخي الإمام أحمد - هو: أبو عمرو الخراساني. وانظر حديث المرأة الغامدية - المتقدم - من طريق البزار، والتعليق عليه.
٢٠٢٠ - [١٣] عن أنس بن مالك - رضى الله عنه - قَال: فقال رسول الله ﷺ : (لقدْ تابَتْ تَوبَةً لَو تابهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَه) - يعني: امرأة، في قصة -.
هذا طرف حديث رواه: البزار (٧) عن الحسن بن عرفة عن أبي إسماعيل المؤدب عن الأعمش عن أنس به ... وقال: (هذا الحديث لا نعلم رواه عن الأعمش إلّا أبو إسماعيل المؤدب) اهـ. وأورده الهيثمى في مجمع الزوائد (٨)، وعزاه إليه، ثم قَال: (ورجاله ثقات إلا أن الأعمش لم يسمع من أنس، وقد رآه) اهـ.
стр. 5169
ورواه: ابن عدي (١) من طريقين عن أبي إسماعيل المؤدب عن الأعمش عن أنس به، وقَال مثل قول البزار. واسم أبي إسماعيل: إبراهيم بن سليمان، وهو وإن كان صدوقًا - على المختار، كما تقدم - إلّا أنه يُغرب، ولا يحتمل تفرده بهذا الحديث عن الأعمش.
والأعمش لم يسمع أنس بن مالك، قَاله: الأعمش نفسه (٢)، وعلى بن المديني (٣)، ويحيى بن معين (٤)، وأبو عبد الله البخاري (٥)، والهيثمى - كما تقدم -، وغيرهم (٦) ... فالإسناد: ضعيف.
٢٠٢١ - [١٤] عن أنس بن مالك - رضى الله عنه -: (أنَّ امرأةً أتَتْ النَّبيَّ ﷺ فمسَحَ وَجهَهَا. وَكانُوا يأتُونَه، فيمسحُ وجوهَهنَّ، ويدعُو لهنّ).
هذا الحديث لم أره إلّا عند أبي يعلى (٧) عن إسحاق بن أبي إسرائيل عن حماد (وهو: ابن يزيد) عن حنظلة عن أنس به، أطول من هذا ... وحنظلة، مختلف في اسم أبيه، وهو: السدوسى، أبو عبد الرحيم البصرى،
стр. 5170
قَال ابن المديني (١): سمعت يحيى بن سعيد. وذكر حنظلة السدوسى -، فقال: (قد رأيته، وتركته على عمد). قلت ليحيى: كان قد اختلط؟ قَال (نعم). وقَال ابن معين (٢): (ليس حديثه بشئ). وضعفه الإمام أحمد (٣)، وقَال - مرة - (٤): (ذاك منكر الحديث، يحدث بأعاجيب)، ثم ذكر بعض حديثه عن أنس، وضعفه. وذكره ابن حبان في المجروحين (٥)، وقَال: (اختلط بأخرة حتى كان لا يدري ما يحدث، فاختلط حديثه القديم بحديثه الأخير). وحديثه منكر؛ من حيث أن النبي ﷺ لم يكن يصافح النساء - حتى عند البيعة -، فكيف يمسح وجوههن؟ قَالت عائشة (٦) - رضى الله عنها -: (والله، ما مسّت يده يد امرأة قط في المبايعة، وما بايعهن إلا بقوله).
٢٠٢٢ - [١٥] عن أبي جحيفة - رضى الله عنه - قَال: أتت رسول الله ﷺ امرأة، ومعها جارية سوداء، فقالت المرأة: يا رسول الله، إن علي رقبة مؤمنة، أفتجزئ عني هذه؟ فقال لها رسول الله -
стр. 5171
صلى الله عليه وسلم -: (أينَ الله)؟ قالت: في السماء. قَال: (فمَنْ أنَا)؟ قالت: أنت رسوله. قَال: (أتشهدين أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله)؟ قَالت: نعم. قَال: (أفتُؤمنينَ بمَا جاءَ منْ عندِ اللهِ)؟ قَالت: نعم. قَال (أَعتِقْهَا؛ فإنَّهَا مُؤمِنَة).
هذا الحديث رواه: الطبراني في الكبير (١) عن عبدان بن أحمد عن الجراح بن مخلد عن محمد بن عثمان الجزري عن سعيد بن عنبسة القطان عن أبي معدان عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه به ... وأورده الهيثمى في مجمع الزوائد (٢)، وعزاه إلى الطبراني، ثم قَال: (وفيه: سعيد بن عنبسة، وهو ضعيف) اهـ. وسعيد هذا هو: أبو عثمان الخراز، الرازي، كذبه: ابن معين (٣)، وابن الجنيد (٤)، وأبو حاتم (٥). حدّث بهذا عنه: محمد بن عثمان الجزري، ولم يتبيّن لي من هو. وأبو معدان لعله: عبد الله بن ذكوان المكى (٦)، قَال ابن حجر (٧): (مقبول).
стр. 5172
الفصل الرابع الأحاديث الواردة في فضائل البنات اللائي ولدن في عهد النبي ﷺ لبعض الصحابة ممن مات ﷺ وهن في دون سن التمييز
وفيه مبحثان:
المبحث الأول ما ورد في ما اشتركن فيه، وغيرهن من الصبيان
* عن عائشة - رضى الله عنها -: (أَن رَسُوْلَ الله ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ، فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ، وَيُحَنِّكُهُم).
هذا الحديث رواه: الشيخان - وتقدم - (١).
* عن الوليد بن عقبة بن أبي معيط - رضى الله عنه - قال: (لما فتح نبي الله ﷺ مكة جعل أهلُ مكة يأتونه بصبيانهم، فيَدعُو لهمْ بِالبرَكَةِ، وَيمسَحُ رُؤوسَهُمْ).
стр. 5173
هذا الحديث رواه: أبو داود، والإمام أحمد، والطبراني في الكبير، وغيرهم بإسناد ضعيف، وفيه نكارة تقدم شرحها. والحديث الذي قبله مغنٍ عنه، وهو أعم منه (١).
стр. 5174
المبحث الآخر ما ورد في تفصيل فضائلهن على الانفراد
وفيه مطلبان:
* المطلب الأول: من عرفن بأعيانهن ... وفيه أقسام:
* القسم الثاني والستون: ما ورد في فضائل خديجة الكبرى بنت الزبير بن العوام الأسدي (١) ﵄ -
* عن الزبير قال: (دعا لي رسول الله ﷺ ، ولولدي، ولولد ولدي).
هذا الحديث رواه: أبو يعلى، وهو حديث موضوع - وتقدم في موضع غير هذا - (٢).
стр. 5175
* القسم الثالث والستون: ما ورد في فضائل زينب بنت الزبير بن العوام الأسدي ﵄ -
* عن الزبير قال: (دعا لي رسول الله ﷺ ، ولولدي، ولولد ولدي).
رواه: أبو يعلى، وهو حديث موضوع - وتقدمت الحوالة عليه آنفًا في القسم المتقدم -.
стр. 5176
* القسم الرابع والستون: ما ورد في فضائل زينب بنت علي بن أبي طالب الهاشمية ﵄ -
* روي من حديثي فاطمة، وعمر مرفوعًا: (كل بني أم ينتمون إلى عصبة إلّا ولد فاطمة؛ فأنا وليهم، وأنا عصبتهم).
فأما حديث فاطمة - وهذا لفظه - فرواه: أبو يعلى، وغيره. وأما حديث عمر فرواه: الطبراني في الكبير، وهما حديثان واهيان - وتقدما - (١).
* وروى الطبراني في الكبير - أيضًا - من حديث جابر رفعه: (إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه، وإن الله جعل ذريتي في صلب علي)، وهو حديث موضوع - وتقدم أيضًا - (٢).
стр. 5177
* القسم الخامس والستون: ما ورد في فضائل أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب الهاشمية ﵄ -
* روي من حديثي فاطمة، وعمر - رضى الله عنهما - مرفوعًا: (كل بنى أم ينتمون إلى عصبة إلا ولد فاطمة، فأنا وليهم، وأنا عصبتهم) ... فأما حديث فاطمة - وهذا لفظه - فرواه: أبو يعلى، وغيره. وأما حديث عمر فرواه: الطبراني في الأوسط في الكبير، وهما حديثان واهيان (١).
* وروى الطبراني في الكبير من حديث جابر رفعه: (إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه، وإن الله جعل ذريتي في صلب علي)، وهو حديث موضوع (٢).
стр. 5178
* المطلب الثاني: من نسبن إلى أفراد
* القسم السادس والستون: ما ورد في فضل بنتٍ لقيلة بنت مخرمة ﵄ -
* عن قيلة بنت مخرمة - رضى الله عنها - أن النبي ﷺ كتب لها، ولبنات لها ثلاث: القيلة، والنسوة من بنات قيلة: ألّا يظلمن حقًا، ولا يكرهن على منكح، وكل مؤمن ومسلم لهن نصر) ... وفيه: أن قيلة خرجت تبتغى الصحبة إلى رسول الله ﷺ ، فبكت جويرية هي أصغرهن، فرحمتها، فاحتملتها معها.
هذا الحديث رواه: الطبراني في الكبير، وهو حديث حسن لغيره - وتقدم - (١).
стр. 5179
الْخَاتِمَةُ
أحمد ربي - جل وعلا - الذي ختم النبوة، وأكمل الدين، وأتم النعمة، ورضى الإسلام للناس دينًا، حمدًا كثيرًا، طيبًا مباركًا، كما يحب ويرضى، وكما ينبغى لوجهه الأسنى، ولسلطانه الأعلى، على ما من به عليّ من نعمه العظمى، وآلائه الحسنى، التي لا تعد ولا تحصى، ومنها: توفيقه لي في الكتابة في هذا الباب الأغر، والموضوع الأزهر، وما تفضل به علي من إتمامها وإكمالها. وأصلى وأسلم على من ختم الله به الرسالة، وعلى أصحابه وآله، أكمل الناس اتباعًا، وأعظمهم علمًا، نخبة الناس بعد الأنبياء والرسل، وأعزهم وساداتهم، وخيرتهم وأعلامهم، وأجمعهم لخصال الشرف، أظهر رسول الله ﷺ علو سموهم، ونباهة ذكرهم، وبث محاسنهم، وأذاع فضائلهم ... أما بعد:
فإن حب أصحاب رسول الله ﷺ ، والإشادة بهم، ومعرفة فضائلهم من صميم اعتقاد السلف الصالح، ومما يُتقرب به إلى الله ﵎، ويُتوسل به إليه، ولا يبغضهم رجل متّبع للكتاب والسنة، ويحب الله، ورسوله ﷺ ، ويؤمن بالله، واليوم الآخر، (وإنما يعرف فضائل الصحابة ﵃ من تدبر أحوالهم، وسيرهم، وآثارهم في حياة رسول الله ﷺ ، وبعد موته من المسابقة إلى الإيمان، والمجاهدة للكفار، ونشر الدين، وإظهار شعائر الإسلام، وإعلاء كلمة الله، ورسوله، وتعليم فرائضه، وسننه. ولولاهم ما
стр. 5180
وصل إلينا من الدين أصل، ولا فرع، ولا علمنا من الفرائض، والسنن سنة ولا فرضا، ولا علمنا من الأحاديث والأخبار شيئا. فمن طعن فيهم أو سبهم فقد خرج من الدين ومرق من ملة المسلمين لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساوئهم، وإضمار الحقد فيهم، وإنكار ما ذكره الله - تعالى - في كتابه من ثنائه عليهم، وما لرسول الله ﷺ من ثنائه عليهم، وفضائلهم، ومناقبهم، وحبهم) (١).
وتوقير أصحاب النبي ﷺ ، ومعرفة حقهم من توقير النبي ﷺ نفسه، والنصح له ... يقول القاضي عياض في الشفا (٢): (من توقيره، وبره ﷺ توقير أصحابه وبرهم، ومعرفة حقهم، والاقتداء بهم، وحسن الثناء عليهم، والإمساك عما شجر بينهم، ومعاداة من عاداهم، والإضراب عن أخبار المؤرخين، وجهلة الرواة، وضلال الشيعة، والمبتدعين، القادحة في أحد منهم، وأن يُلتمس لهم فيما نُقل عنهم من ذلك فيما كان بينهم من الفتن أحسن التأويلات، ويُخرج لهم أصوب المخارج؛ إذ هم أهل ذلك، ولا يُذكر أحد منهم بسوء، ولا يُغمص عليه أمر، بل تُذكر حسناتهم، وفضائلهم، وحميد سيرتهم، ويُسكت عمّا وراء ذلك) اهـ.
стр. 5181
وما ورد لهم من الفضائل والمزايا على لسان رسول الله ﷺ صعب إحصاؤه وعده، وعسير بلوغ آخر حده ... بلغ ما ورد من ذلك في بحثى هذا: (٢٠٢٢) ألفين واثنين وعشرين حديثًا - من غير عدّ المكرر، والطرق، والشواهد، وهي كثيرة جدًّا -.
ومن خلال عملي في إعداد هذا البحث، والنظر فيه تأكدتْ واستبانتْ عدةُ أمور ... ومنها:
* أولًا: أن جمع الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة ﵃، ولم شملها في كتاب واحد يضم ألفتها، ويجمع متفرقها، مع دراستها، وتخريجها، والحكم عليها أمر تدعو إليه الحاجة، وتلجئ إليه الضرورة.
* ثانيًا: أن المؤلفات المسندة التداولة في هذا الباب قليلة. وكذا أحاديثها، وعدد من وردت فيهم من الصحابة ﵃ قليل - أيضًا - ... مع اشتمال كتب السنة من الصحاح، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، والأجزاء الحديثية، وغيرها من أنواع المؤلفات فيها على عدد كبير جدًّا من الأحاديث الواردة في فضائل عدد كبير من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم -، ومع ما لهذا الباب من أهمية عظمى، وخطورة قصوى عند السلف الصالح.
* ثالثًا: أن الأحاديث الواردة فيه كثير عددها، وصعب حصرها. وأن منها ما هو في فضائلهم عامة، فيدخلون فيها - جميعًا - بلا استثناء، وأن
стр. 5182
منها ما هو في فضل جماعات، وطوائف منهم، وأن منها ما هو في فضائل بعضهم كل على حدة ... وتقدم عددها الوارد في بحثي هذا - من غير عد المكرر، والطرق، والمتابعات -. وأحصيت - إلى وقت كتابته - في غير كتب نطاق البحث: أكثر من (٦٠٠) ست مئة موضع - مع المكرر -، وسأشرع - إن شاء الله - بعد مراجعة هذا البحث في دراستها وتخريجها، ثم التذييل بها عليه، أو إدراجها في مواضعها المناسبة لها منه، مع التنبيه، والتوضيح.
* رابعًا: أن كثيرًا منها لم يتعرض له أحد من أهل العلم بالحديث بالدراسة، والتخريج ... وحرصت على دراستها، وتخريجها - مع قلة البضاعة - بمنهج علمى مؤصل، واضح الأسلوب. وتجلى، واتضح من خلال الدراسة، والتخريج أن في بعض أحكام أهل العلم على بعض الأحاديث نظرًا، ومناقشة ... وفي الحق ما وسع الجميع.
* خامسًا: أن الصحابة الدين وردت لهم فضائل على لسان رسول الله ﷺ كثير عددهم ... فورد فيه فضائل: (٣٤٣) ثلاث مئة وثلاثة وأربعين نفسًا من أصحاب رسول الله ﷺ ذكورًا، وإناثًا - من المشهورين، وغيرهم -. وهذا من غير عد المبهمين، والمبهمات، الذين بلغ عدد الأحاديث الواردة فيهم: (٧٢) اثنين وسبعين حديثًا، في بعضها فضائل جماعة منهم - من غير عد المكرر -.
стр. 5183
وفي الفقرتين (الثالثة، والخامسة) أدلة واضحة على فضل أصحاب رسول الله ﷺ كلِّهم. وفيهما براهين قوية على عناية رسول الله ﷺ بأصحابه الكرام الطيبين، وبآله الأبرار المطهرين، وحبه لهم، ونشره مناقبهم، ودعوته إلى معرفة حقهم، وإنزالهم منازلهم، وتحذيره من تنقصهم وسبهم، وبخسهم فضلهم، وإنكار ما أعده الله لهم ... سواء بالنظر إلى الأحاديث الواردة في فضائلهم على وجه العموم، أم على وجه الخصوص.
* سادسًا: أن بحثي هذا - ولله الحمد، والمنّة، والفضل - اشتمل على فضائل جماعة كثيرة من الصحابة - رضوان الله عليهم -، ولا أعلم أوسع منه، أو أشمل لأحاديث بابه وجمهرتها، وجمع شتاتها، ودراستها وتخريجها، حتى صار لها كالدار الجامعة، والملتقى الكَثَب. مع حرصى التام على إعداده بمنهجية علمية مطردة، واهتمام بالغ، وبناء رائق، وتفصيل أصيل، ولغة واضحة مفهومة، بديعة الصورة، سهلة المخرج ... وهذا فضل من الله وتوفيق. وأرجو مع هذا أن يكون عملًا محمودًا، وصنعًا مشكورًا، وجهدًا نافعًا، وأن يكون فيها مستجدات قيمة، وإضافات علمية، ومساهمات أصيلة، واجتهادات موفقة مقبولة، يستفيدها ويُسر بها القاصي والداني، ويكون لها أثرها النامي، وموقعها البين، ودورها الفاعل في خدمة هذا الباب، وتسهيل الوقوف على أكثر عدد من أحاديثه، في أحسن
стр. 5184
ترتيب وأبدعه. وأن يقع موقعًا حسنًا، ومحلًا شريفًا، وأن يكون فيه قضاء للنهمَة والأرب.
* سابعًا: أن في أحاديثها مادة علمية واسعة، وبراهين نيرة، يستفيد منها كل من يتأملها ويتدبرها، ويتطلع إلى معرفة مترلة الصحابة ﵃ عند الله ﵎، وعند رسوله ﷺ ، في الدنيا والأخرى ... ويحصل له بذلك فوائد كثيرة، وعوائد جليلة نافعة له في الدنيا والأخرى.
* ثامنًا: كما أن فيها مادة دسمة وضخمة لقاصدي تأليف أو تحقيق الكتب المؤلفة في الصحابة ﵃ عمومًا، أو تأليف وتحقيق أي مسألة من المسائل المتعلقة بهم - رضى الله تعالى عنهم - خصوصا.
* تاسعًا: أن علماء السلف قد اهتموا بهذا الباب الجليل، والموضوع العظيم، وصنفوا فيه، وأظهروا عقيدتهم القوية الصافية من شوائب البدع، وأكدار الخرافات، وعلائق المنكرات في أصحاب رسول الله ﷺ ، دون غلو أو جفاء، ودون إفراط أو تفريط، على ضوء ما ورد في كتاب الله ، وفي الثابت من سنة رسول الله ﷺ .
* عاشرًا: أن الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة - رضوان الله عليهم جميعًا - متواترة عن النبي - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلم - ... والنصوص الشرعية - من الكتاب، والسّنّة - الدالة على
стр. 5185
فضائلهم العالية بالغة أقصى القوة في الثبوت، والدلالة. هي أدلة قطعية، تطمئن إليها النفوس، وتستريح لها القلوب، وتقطع العذر، وتزيل الشك، وتمنع التردد والاحتمال، لا يجوز العدول عنها والإعراض. والأدلة القطعية من أقوى ما تحفظ به الشريعة، ويذبّ به عنها، تدك بها معاقل المبتدعين، وتقصم بها ظهور المعاندين، وتلجم بها الحجة على المخالفين؛ لأنهم لا يستطيعون ردها، أو تأويلها، ولا حظ لهم في ذلك ... ومن أنكر الأدلة القطعيّة، أو ردها، أو أوّلها على غير المعنى المعروف فقد كفر؛ لأنه رادّ للشريعة - كتابًا، وسُنّة - (١).
* ولأهمية هذا الباب الجليل، والموضوع العظيم من عقيدة السلف الصالح أوصي بما يلي:
* أولًا: التزام عقيدة السلف الصالح في أصحاب رسول الله ﷺ بخاصة، وفي سائر مسائل الاعتقاد بعامة، وعدم العدول عنها؛ لأنها عقيدة مباركة، مستمدة من الكتاب، والسنة على ضوء فهم من عاصروا تبليغهما، وفقهوا فيهما، وجاهدوا في نشرهما، وتواترت الأدلة من الكتاب، والسنة نفسيهما على نشرهم الطيب، وأريجهم العبق، ولهم في ذلك غاية يطول شرحها، وليس وراءها مطَّلع لناظر، ولا زيادة لمستزيد.