← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1340

درة التنزيل وغرة التأويل

الخطيب الإسكافي

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

ولماّ أنْ (رأيتُ ابني شُمَيْطٍ وجوابه في البيت الثاني تجلّلْتُ العَصَا. وتكملة قوله متصلا به: ...... وعَلِمْتُ أني ... رَهِينُ مُخَيِّصرٍ إنْ أدركوني وكذلك قوله:

стр. 1017

فلما أن تنشَّى قاَمَ خِرْقٌ.

стр. 1018

فهذا جواب "لمّا" وبعده ما يدل على أنه عرقب ناقة سمينة له، فكان تكملة لجواب "لما". وهي في قوله في سورة هود لم يتصل بجوابها ما يخلّصه لتحقيق أو بطلان إلا في الآية الخامسة عند قوله: (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ... ) ، فبَعُدَ هذا عن الجواب ولم يتصل به اتصال ما يكون من تمامه.

стр. 1019

سورة الروم الآية الأولى منها قوله تحانمما:: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا ... ) وقال في سورة فاطر: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) . وقال في سورة المؤمن: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) . وقال في أخر هده السورة: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) .

стр. 1020

للسائل أن يسأل عن اختلاف ألفاظ هذه الآيات واختصاص كل بما خالف الآخر. بمكانه؟. والجواب عن ذلك أن يقال: أما التى في سورة الروم فإنها وقعت في سورة أجملت فيها القصص في ذكر الآيات والمواعظ والفرائص، فبُنيت هذه الآية على ذلك، ألا ترى أن قبلها: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) ، ثم قال: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ... ) إلى قوله: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ... ) ، وقال في تنزيه الله وتسبيحه في الصلوات: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) للصلاتين إذ أمسى: (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) ، لصلاة الفجر، (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّاأ ... لصلاة العصر (وَحِينَ تُظْهِرُونَ)

стр. 1021

، لصلاة الظهر، فأجمل القول فيما فسّره على لسان الرسول ﷺ ، فلما كان الموضع موضعا قصد منه ذِكر الجَمْل قال: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ومعنى (من قبلهم) و (قبلهم) واحد، والعامل في الظرف كونٌ محذوف، لأن الكون المذكور هو لكيفية العاقبة، وهذا لكونهم قبلهم، وقد أظهر في سورة المؤمن حيث قال: ( ... كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... ) ، ثم استأنف. الإخبار عنهم بأفعال فعلوها أو قدّم ذكر أحدها ونسق الباقي عليه فقال: (كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا ... ) إلى آخر أمرهم، فكان حذف الواو الاختيار في هذا المكان، لأن التقدير لمّا قال: ( ... كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... ) صار كأن سائلا سأل فقال: كيف كانوا وبماذا عوملوا؟ فجاء، (كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً)

стр. 1022

مجىء الجواب المتضمن لأفعالهم، ثم ذكر بعده ماتضمن الجزاء على أعمالهم، وإذا كان كذلك لم يحتج إلى الواو كما احتاج إليها ما في سورة الملائكة، لأن تلك تضمّ مابعدها إلى ما قبلها، كأنه قال: فينظروا كيف أُذلّوا وكانوا أعز منكم عزة، وكيف أضعفوا وكانوا أشدّ منكم قوة، أي لَحقهم ذلك في حال متناهية بهم من أحوال الدنيا فأُبدلوا بحالهم غيرَها، وقبل ذلك: ... فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣) ، أي: ليس الكفار ينظرون إلا الهلاك المستأصل لهم، كما حكم الله تعالى به على الأمم قبلهم، والله تعالى سنّ ذلك في أمة كل نبىّ، بعده نبىٌّ آخر وحكم في هذه الأمهَ بأن لا تستأصل كما استؤصل غيرها، فلا الأمةُ التي حكم عليها بالهلاك يبدّل حكمُه فيها ويجعَل مكان الاستئصال الاستبقاء، ولا التي

стр. 1023

حكم عليها بغير الاجتياح تُجْتاَح فيحوّل إليها الحكم الذي سنه في غيرها، وهؤلاء الذين بُعث على تدبّر حالهم هم الذين أهينوا بعد عزة وأضعفوا بعد قوة فبدّلت حالهم، فكأنه قال: أضعفوا وكانوا أشد منكم قوة، فكان وجه الكلام هاهنا الواو، إذ لم يكن في ابتداء خبرٍ تنسقّ عليه أخبار يخبر بها عن الكفار كما كان في الآية الأولى وأما التي في سورة المؤمن. أوّلاً فإنها في موضع بسط وشرح ألا ترى أنها افتتاح قصة موسى ﵇ مع فرعون، وفيها نحو ثلائين آية، فاقتضى ذلك في هذه الآية الشرح الذي لم يكن في غيرها فقال: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ)

стр. 1024

، فأظهر الكودى الذي صار (من قبلهم) ظرفا له، ثم فال: (كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) و (هم) للفصل توكيدٌ للخبر، فاختص التوكيد والشرح بموضعهما وأما التى في آخر هذه السورة وهى: (أفلم يسيروا في الأرض) فقد تكلمنا في "الفاء" مكان "الواو"، في "أفلم"، و"أولم" وهى أنها في موضع جمل، كالآية التى في سورة الروم، لأن قبلها: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)

стр. 1025

فبنيت الآية على الإيجاز الذي بنيت عليه تلك، فقال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً ... ) ، فحدفت الواو من (كانو) لأنها استئناف أخبار، كأنه قال: كانوا أكثر منهم وكانوا أشد قوة، وكانوا أكثر آثارا في الأرض. رمثله ممّا أجمل فيه القول (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠) . وقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا) ، وكانت لقريش رِحل إلى الشام يجوزون فيها بديار عاد وثمود فيرون آثارهم ويشاهدون ديارهم فاستدعت هذه الآيات اعتبارهم فما اعتبروا وحاق بهم ماكانوا يستهزءون.

стр. 1026

الآية الثانية منها قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) . للسائل أن يسأل "عمّا اختصت به هذه الآيات فجاء في الأولى: (لآيات لقوم يتفكرون) وفي الثانية: (لآيات للعالِمِين) وفي الثالثة: (لآيات لقوم يسمعون) وفي الرابعة: (لآيات لقوم يعقلون) ؟. والجواب أن يقال: أما اختصاص الأولى بقوله: (يتفكرون) فلأن المراد بما ذكر قبله يؤدي الفكر فيه إلى معناه، وهو قوله تعالى: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)

стр. 1027

أي خلق لكم من شكلكم وجنسكم نساء، وهذا أدعى إلى الألفة والمحبّة لوجود المشاكلة، وقوله: (لتسكنوا إليها) أي جعلها على حال تتيسر المسرةُ بها ويطمئن القلب إليها، فإذا فكر الإنسان في خلقها، ونعمة الله تعالى على الرجال بها، سِوى أنهن أوعية للأولاد الذين إذا برّوا فمن أكبر نعم الله على العباد، فالفكر في ذلك وفى المعاني التي لها خُلقن يؤدي إلى العلم بقادر عليم وصانع حكيم وواحدٍ قديم لا يقدر أحد كقدرته، ولا يعرف حكيم حدّاً لحكمته فحثّنا بالتفكّر على العلم بهذا كلّه. وقوله :

стр. 1028

(وجعل بينكم مودّة ورحمة) أىِ: ميل نفس بالمجانسة، ورقّة قلب تبعث على التعاطف ليتكامل سرور كلّ منهما بصاحبه، وذلك من فضل الله ونظره لخلقه. وأما قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) فلأنه جاء بعد قوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ) ولا أحد إلا والسماء تظلّه والأرض تقله، فلا ينفك منهما، ولا أحد يخلو من كونه بينهما، يعلم ذلك باصظرار، وأما اختلاف الألسنة فالمراد أن آلات الكلام متقاربة، وأجراس الأصوات والنّغم مختلفة، حتى ترى كلّ واحد من الناطقين مختصاً بلطيفة من الله تعالى في صوته وفى جرس لسانه، لا يخفى بها على مَن عرفه إذا سمع كلامه، والسمع يميّز بينه وبين من سواه قبل أن يراه، ويعلم هذا كل من نفسه،

стр. 1029

ْوممّن يجاوره ويعاشره ويناطقه حتى لا تكاد ترى اثنين فى الدهم العظيم، والبشر الكثير يتشابه صوتاهما، ويلتبس كلامهما، وهذه اللطفة لا سبيل إلى وصفها حتى يتهيأ وصف كل صوت بما يحصره على صاحبه ويخصّه بناطقه، تبارك الله أحسن الخالقين، وكذلك قوله: (وألوانكم) ليس المراد بها السواد والبياض، والسمرة والحمرة، والأدْمَة والصفرة، وإنما المعنى اختصاص كل واحد من الناس بخِلقة، وانفرادُه بصورة يقارنها لُطف تدبير من الله، يجعلِه

стр. 1030

على لونٍ ونوع من التصوير يتميّز به عن سائر أمثاله حتى لايلتبس بواحد من أشكاله، فلا تكاد تجد في بلد يحوي من لا يحصر بعدد اثنين يتشابهان تشابه لبس، بل كل واحد مخصوص بخصوصية في وجهه، يعرَف بها من غيره، وهو أيضا مما يعجز عنه بالنعت ولا يمكن إبانةُ واحدٍ من الآخر بالوصف حتى يستغنى به عن المشاهدة، ويقوم من جهه الواصف له مقام الرؤية. فهذه آيات يشترك في معرفتها الناس كلّهم وإن استمرت الغفلة بهم، ووقع على تأملها سهو منهم، فلذلك قال: (إن في ذلك لآيات للعالِمين) أي: لجماعات الناس، فكل أمة " منهم عالم.

стр. 1031

وأما قوله تعالى: (ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله) فهو من باب لفّ الخبرين، المعنى:. منامكم بالليل للسكون، وابتغاؤكم من فضله بالنهار، كما قال فيما قبله: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ... ) أي: لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار، وكلُّ من سمع هذا علم أن النوم عجيب من فضل الله تعالى، لا يقدر الإنسان على اجتلابه إذا امتنع، ولا على دفاعه إذا ورد، ثم إنه بالنهار لابد له من تصرّف لمعاش وطلب قوت وطعام، به قوامُ الأجساد، فلذلك قال: (يسمعون) وقيل: معنى قوله: (يسمعون) : يستجيبون لِما تدعوهم إليه الآيات، ويصرفون أفكارهم إليها.

стр. 1032

وأما قوله: (يعقلون) فقد ذكرناه في سورة العنكبوت حيث قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)

стр. 1033

الآية الثالثة منها قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) . وقال في سورة الزمر: (أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) . للسائل أن يسأل عن الموضع الذى ذكر فيه: (أَوَلَمْ يَعْلَمُوا) والموضع الذى ذكر فيه: (أَوَلَمْ يَرَوْا) وما الذي أوجب اختصاص كل واحد من المكانين باللفظ الذى خصّ به؟ والجواب أن يقال: إنّ: قوله تعالى في سورة الروم: (أَوَلَمْ يَرَوْا) جاء عقيب قوله: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) ، والمعنى: إذا أنعمنا عليهم نعمة ترى عليهم وتملأ مسارحهم ومُراحهم وتغمر أفنيتَهم وآنيتهم ملكهم الفرحُ واستولى عليهم البطَر، وإن

стр. 1034

أصابتهم عقوبة على ما قدموا من معصية، ونالتهم شديدة من جدب وقحط يصفر لها الإناء، ويَقْرَع منها الفناء حتى لا ترى لهم ثاغية ولا راغية لم يعتبروا ولم يقلعوا عمّا أتوا مما جرّ عليهم تلك الشديدة، وفعلوا فِعل من ييأس من أن يأتيه الله بعد ذلك بنعمة إن تدارك سيئته بتوبة، فكان الأليق بهذا المكان: (أو يروا) أي: أموالَ من يبسط الله له الرزق فيعلموا أن الله

стр. 1035

يوسّغ لمن يشاء، ويضيّق على من يشاء، وكلتا الحالتين مرئيتان عندهم مشاهدتان لديهم، فإنّ من بُسط له الرزق رُئي ماله، ولم يَخْف على المشاهد حاله، ومن انقلب أمره وانقطع خيره أدركت العين منه خلاف ما كان قبل، فلما جاءت هذه الآية بعد ذكر النعمة إذا وُهبت، وحالِ الإنسان فيها إذا سُلبت، والنعمة مرئية لاق بهذا المكان (أو لم يروا) . وأما الآية في سورة الزمر فإن قبلها: (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ ... ) ، فقوله: (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا)

стр. 1036

والضر سوء الحال من مرض في النفس. ونقص في المال، وهو الذي شكاه أيوب ﵇ بقوله: (مسّني الضرّ ... ) ، وقوله: (ثم إذا خوّلناه نعمة منا) أي: إذا أعطيناه بعد العلة صحةً، وبعد القلة ثروة، ادعى أنه أوتي ما أوتي بعلمه، وأنه جلب العافية إلى نفسه بطبه، وأنه لم تعاوده الصحة من قبل ربه، ويقول فيما يحسن من حاله: إني افتقرت من قبل لأني قصّرت، والآن عرفت كيف التأتى للاكتساب واستعادة الغنى بعد الافتقار، وتلك النعمة من الله، وهي فتنة له، أي تشديد في التكليف عليه لأنه يطالب بمعرفتها التي ذهب عنها وعن حكمها، وغفل عن شكر واهبها وألهاه.

стр. 1037

الانغماس في لذتها عن حمد من تفضّل بها وأكثر الناس لا يعمل بموجبها، فكأنه لا يعلمها، فهذا معنى: (ولكنّ أكثرهم لا يعلمون) ثم قال: (قد قالها الذين مِن قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) ، أي: قد كفر مثل كفرهم مَن كان من قبلهم، فلما نزل عذاب الله بهم لم يملكوا دفعه بعلمهم ولا بمالهم، ولكن أصابتهم عقوبات ما ساء من أعمالسهم، والظالون في عصرك يا محمد سيصيبهم عقوبة ما عملوا، ثم فال: (أولم يعلموا أن الله) يوسّع على الفقير حتى يستغني ويفتح له أبواب الرزق حتى يثري، وأنه يضيّق على من يشاء أن يضيق عليه، ويُسْقِم من يشاء إسقامه، ويُصحّ من يشاء صحته، فقابل ما ادّعوه من العلم كما قال كافرهم: (إنما أوتيته على علم) بأن قال: هلاّ علمتم ما هو أوضح من أحوالكم، فتعلموا أن الخصب والجدب ليْسا بأيديكم، وكذلك المرض

стр. 1038

والشفاء ليْسا إليكم، وإنما ذلك ما تعلمونه عن بسط الله الرزق إذا أرسل السماء عليكم مدراراً، وما تتألمون منه إذا ضَنّ السحاب بقطره، وابتلي أحدكم بفقره، فكان (أولم يعلموا) أولى بهذا المكان من قوله: (أولم يروا) كما كانت (أو لم يروا) في سورة الروم أولى. والله أعلم.

стр. 1039

الآية الرابعة منها قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) . وقال في سورة. الجاثية: (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) . إن سأل سائل عن زيادة قوله تعالى: (فيه) في سورة الجاثية " وتركها في سورة الروم، كان الجواب قريبا على مَن له أدنى معرفة، وهو أن الهاء في قوله: (فيه) عائدة إلى البحر، وقد ذكر في سورة الجاثية فعاد إليه الضمير، وهو قوله: ((اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ) ولم يتقدم للبحر ذكر في الآية التي ذكر فيها جري الفلك في سورة الروم، وإثمّا نبّه على النعمة بالرياح وإظهار آياته فيها فقال: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ) أي باجتلاب السحاب واعتصاره للأمطار، وهو الذي يذيقنا من رحمته مع ما تلقّح منه الأشجار في

стр. 1040

وقته وقال: (ولتجري الفلك بأمره) أي: بالرياح إذا أذن الله تعالى، وهذا ممّا لا إشكال فيه.

стр. 1041

سورة لقمان الآية الأولى منها قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) . وقال في سورة الملائكة: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى..) الآية. وقال في سورة الزمر (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ... ) الآية للسائل أن يسأل عن اختصاص ما في سورة لقمان بقوله: (يجري إلى أجل مسمّى) وما سواه إنما هو: (يجري لأجل مسمّى) والجواب أن يقال: إن معنى قوله عزوْجل: (يجري لأجل مسمّى) لبلوغ أجل، ومعنى قوله: (يجرىِ إلى أجل) معناه: لا يزال كلّ من الشمس

стр. 1042

والقمر جاريا حتى ينتهي إلى آخر وقت جريه المسمّى له، وإنما خص ما في سورة لقمان بـ "إلى" التي للانتهاء، واللام تؤدي معناها، لأنها تدل على أن جريها لبلوغ الأجل المسمى، لأن الآيات التي تكتنفها آيات منبهة على النهاية والحشر والإعادة، فقبلها: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ... ) . وبعدها: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا ... ) ، فكان المعنى: كلّ يجري إلى ذلك الوقت، وهو الوقت الذي تكوّر فيه الشمسُ وتنكدر فيه النجوم كما أخبر الله تعالى. وسائر المواضع التي ذكرت فيها اللام إنما هى في الإخبار عن ابتداء الخلق،

стр. 1043

وهو قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ... ٢) ، فالآيات التي تكتنفها في ذكر ابتداء الخلق وابتداء جرْي الكواكب، وهي إذ ذاك تجري لبلوغ الغاية. وكذلك قوله في سورة الملائكة إنما هو في ذكر النعم التي ابتدأ بها في البر والبحر إذ يقول: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ) إلى قوله: (.. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)

стр. 1044

، فاختص ما عند ذكر النهاية بحرفها، واختص ما عند الابتداء بالحرف الدال على العلة التي يقع الفعل من أجلها.

стр. 1045

سورة السجدة الآية الأولى منها فوله عزوجل: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) . وقال في سورة سال سائل: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) . للسائل أن يسأل فيقول: هذا اليوم جُعل مقداره في السورة الأولى ألف سنة، وفِى السورة الثانية خمسين ألف ممنة، وقد قُدّر بألف سنة في موضع آخر من سورة الحج فقال: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) ، فكيف يجمع بين هذه الأخبار؟. والجواب عن ذلك من وجوه: أحدها: أن يكون المعنى: أن الله تعالى يدبر أمر أهل الأرض في السماء من دعائهم إلى الطاعات، وتكليفهم أنواع العبادات، فينزل به مَن يأمر من ملائكته لميبعث بذلك رسله، ويضمّ إليه آياته وكتبه، ثم يصعد الملك الذي جاء به إلى المكان

стр. 1046

الذي نزل منه في يوم من أيام الدنيا، وهذه المسافة التي قطعها الملك في النزول والصعود مقدارها مسيرة ألف عام من غيره، لأنّ ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، فيقع النزول والصعود في يوم تستغرق أوقاته سير ألف سنة من السنين التي يعدها أهل الأرض في الدنيا،، وهذا التدبير الذي يدبر في السماء لأهل الأرض هو ما يكلفون من العبادات، وما يقدر عليهم، من مدد أعمارهم، وما يحدث في اللوح المحفوظ ممّا يدل الملائكة على أنهم مأمورون بأن ينزلوا به إلى المصطفَيْن من عباده بالرسالة، ثم يعودون إلى أماكنهم في يوم مقداره ألف سنة من أيام الدنيا.

стр. 1047

وأما قوله في سورة الحج: (.. وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) أي: يقع في يوم من تنعيم المطعين وتعذيب العاصين قدرُ ما يناله المنعَّم في ألف سنة من أيام الدنيا، ويعذّب فيه العصاة في يوم مقدار ما يعذّب به الإنسان في ألف سنة من أيام الدنيا لو بقي فيها، فعذابه عذاب ألف سنة، وذلك لِما يتضاعف عليهما من الآلام والملاذ، ويصل إليهما من الغموم والسرور، والدليل على أن المراد في هذه الآية ذلك قوله قبله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) ، فجهّلهم باستعجالهم العذاب الذي هذا وصفه.

стр. 1048

وأما قوله في سورة سأل سائل: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) أي: تصعد الملائكة وجبريل ﵈ إلى حيث يعطى الله تعالى فيه الثواب أهل طاعته، ويحلّ فيه العقاب بأهل معصيته، وإن ذلك في يوم هو يوم القيامة، ويفعل الله تعالى فيه من محاسبة عباده، وتبليغ كل منهم حقّه ما لا يكون مثله في الدنيا إلا في خمسين ألف سنة. وجواب ثان: وهو أنه يجوز أن يكون يوم القيامة يوما بلا آخر، وفيه أوقات مختلفة طولا وقصرا، كما في أيام الدنيا، كما كان في الوقت بين صلاة الفجر وصلاة الظهر أطول ممّا بين الظهر والعصر، وكما كان ذلك بين صلاتى العشاء الأولى والعشاء الآخرة فبعضها ألف سنة، وبعضها خمسون ألف سنة.

стр. 1049

وجواب ثالث: هو أن يكون اليوم الذي أخبر الله تعالى عنه في السجدة والذي في الحج هما من الأيام التي عند الله تعالى، وهي التي خلق الله تعالى فيها السموات والأرض، وكلُّ يم منها ألف سنة من سني الدنيا. وأما في سورة سأل سائل فإن المراد به أنه لثقله على الكافرين واستطالتهم له وصعوبته، وهوْله عليهم يصير كخمسين ألف سنة، وفي كل واحد من الأجوبة التي ذكرناها ما يكفي في جواب السائل.

стр. 1050

صفحة فارغة

стр. 1051

الآية الثانية منها قوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) . وقال في سورة سبأ: (فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢) . للسائل أن يسأل فيقول: ما الذي أوجب في سورة "السجدة أن يعود الوصف بـ "الذي " إلى العذاب الذي هو مذكر، ويعود مثله في سورة سبأ إلى النار التي هى مؤنثة، فهل كان اختياراً لو جاء هذا على العكس، فكان ما في سورة السجدة يرجع الوصف فيه إلى النار، وما في الأخرى يرجع الوصف فيه إلى العذاب؟. والجواب أن يقال: إن النار في قوله في سورة السجدة، ظاهرة موضع المضمر لتقدم ذكره في قوله: ((وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا)

стр. 1052

فأضمرت في قوله: (أعيدوا فيها) وأظهرت في قوله: (وقيل لهم ذوقوا عذاب النار) أي عذابها، فوقعت مظهرة مكان المضمر. والتي في سورة سبأ لم تجئ هذا المجىء، لأنها في مكانها مظهرة. فلما كان المضمر لا يوصف بعُد عن الوصف ما حلّ محلّه، لأنه سدّ مسدّه، فوصف ما أضيف إليه وهو العذاب، فجاء: (عذابَ النار الذي كنتم به تكذبون) ولماّ لم يتقدم ما في سورة سبأ ما منزلته منزلة المضمر صرّح الوصف له فأجري عليه وجاء: (عذابَ النار التي كنتم بها تكذبون) ألا ترى أن أوّله: (ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار ... ) الآية.

стр. 1053

الآية الثالثة منها قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ) فأتى بالنون فى (تَكُنْ) وقال تعالى في سورة هود فى موضعين: (فَلَا تَكُ) وكان حق ذلك أن يذكر هناك بغير نون، وهو قوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧) وقال فى آخرها (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ ... ) للسائل أن يسأل عن حذف النون حيث حذفت، وإثباتها حيث أثبتت، وما الذى خصص كلا بمكانه؟. الجواب أن يقال: إن هذه النون فى قوله: (لَا تَكُنْ) لما أشبهت بسكونها حروف المد واللين ثم كثرت استجيز حذفها للسببين جميعا، فإن تحركت خرجت عن

стр. 1054

شبهها، نحو: لم يكن الرجل منطلقا، فلا يجوز أن تقول: لم يك الرجل منطلقا. وأما إذا سكنت وتحرك ما بعدها فلك أن تأتي بها ولك أن تحذفها، كما كان في الموضعين، ثم إنه يختار فيها الحذف إذا تحرّك ما بعدها متى تعلّقت بالجمل الكثيرة، ويختار إتباتها إذا تعلّقت بالقليلة، لأن الكثرة أحد سببي جواز حذفها، وهذه الكثرة أعني أنها في أم الأفعال التي هي "كان " ويعبر بها عن كل فعل، ألا ترى أنه لا يجوز: لم يَهُ، ولم يَصُ زيد، في لم يَهُنْ) ولم يصُنْ) وكثرة الجمل هي التي تثقلها تعلقت بها من قبلها أو من بعدها.

стр. 1055

فقوله في سورة هود: (.. فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ... ) جاء بعد أن تعلّق بآيات ذوات جمل تقدمته وهي: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ... ) ، ألا ترى فقد تقدمته جمل جاء عقيبها متعلقاً بها فثقل من أجلها فاختير تخفيفها بحذف نونها. وكذلك قوله: ( ... وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) جاء بعد قوله: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) ، وقع في جواب الله تعالى له بعد الكلام الذىِ كان منه لما بُشّر بالولد، فطال الكلام جدا، وخفّف بالحذف في موضعه اختيارا له.
следующие страницы →