Полный текст (1 361 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
للسائل أن يسأل عن اختلاف هذه الآيات الواردة في الوصاة بالإحسان إلى الوالدين والبر بهما إلا إذا دَعَوا إلى الشرك وبعثا على الكفر، وعن مواقعها وهل كان يصلح إحداها مكان الأخرى؟.
والجواب أن يقال: أما موقع هذه الآية من سورة العنكبوت فمشبه مواقع الآيات التى قبلها والتى بعدها، وذلك أنه أجملت فيها الأخبار كقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)
اشتمل هذا على جميع معاملة المؤمنين له الدنيا والآخرة، وهى في الدنيا إيمانهم وصالحات أعمالهم التى تكفر بها السيئآت، فلا يؤاخذ بها مَن ضمن جزاؤه على أحسن عمله، وهو طاعهَ الله تعالى التى أخلصها له ولم يقصد أن يعلمها خلقُه، ثم قال: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا)
أي ألزمناه حسنا في أمر والديه، وقياما بحقوقهما عليه ثم قال: وإن أراداك على الشرك فلا طاعة عليك
стр. 982
لهما. فهذه جملة تتضمن ذكر السبب فيما أكّد الحق، بل اقتصر فيها على مالا غنى عن علمه، ولا يعذر أحد في جهله.
وأما الآية في سورة لقمان فإنها ذكرت بعدما حكى الله تعالى عن لقمان -
﵇ من وصيته ابنَه إذ يقول: (.. يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) ، فذكر الله تعالى عقيب ذلك وصية الإنسان بهما ونبّه على السبب الذي له عظم حقهما فقال (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ) ، أى: ضعف حمل مضافا إلى ضعف المرأة، وقيل: ضعفا يتزايد على ضعف كما يتزايد ثقل الجنين، وأرضعته عامين، وهذان وإن انفردت بهما الأم فإنّ الأب
стр. 983
يتحمّل الشدائد في القيام بأمر الولد، والأمّ حتى تقدر على تربيته، وربما ضيّق على نفسه فيما يصرف إليهما من نفقته فقال: (أن اشكر لي ولوالديك) ، والمعنى: ووصيناه بأن اشكر لي ولوالديك، و"أن" بمعنى "أي" وهو تفسير للوصية، والتنبيه على عظم النعمة ووجوب شكر اللهِ المنعِم على قدر ما أولاه، إذ كان هو خلَقَه وسوّى أعضاءه، ونفخ فيه الروح، وأنعم عليه قبل استحقاقه ثم عرّضه للنعمة الشريفة والدرجة العلية وشكرُ بعض
стр. 984
ذلك يستغرق الجهد ويُفني الطوْقَ وأما شكر الوالدين فهو أن يحسن إليهما ويبرّهما ويكرمهما ويطعهما إلاّ إذا أمراه بمعصية الله تعالى فتسقط عنه طاعتهما، لأنه مع إسقاط حق الخالق لا يثبت حق الوالدين، لأن الله تعالى عقد شكرهما بشكره، فإذا دعواه إلى معصيته فقد أبطلا به شكره فانحل شكرهما المعقود معه.
وقيل: إن هذه الآية نزلت في سعد بن مالك وهو سعد بن أبى وقاص وروى عنه أنه قال: كنت برّا بأمى، فلما أسلمت قالت لي: يا سعد: ما هذا
стр. 985
الذي أراك قد أحدثت، والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلا ماكنت عليه أو أموت فتعيّر بي فيقال: قاتل أمه، فلم تأكل ولم تشرب يوما وليلة فأصبحت وقد جهدت، فلما كانت الليلة القابلة لم تأكل ولم تشرب ثم أصبحت وقد اشتد بها الجهد، فقلت لها: يا أمّه: تعلمين واللهِ لو كان لك سبعون نفسا فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشىء فلما رأت ذلك أكلت وشربت فأنزل الله تعالى هذه الآية في.
стр. 986
فهذه الآية قد تضمنت من البيان والتفصيل ما لم تتضمنه الأولى، لأن تلك مذكورة مع الجَمْل، وهذه مذكورة لقصة مشروحة فيما بين آيات تضمنّت الوصايا الواجبات والمستحبات فيما حكى الله عز اسمه قصة لقمان لابنه، ثم كانت في ذكر أب وصّى ابنه بمجانبة الشرك، وقرن إليه ما كان من خلاف ابن لأم بعثتْه بجهدها على الكف، وممّا يروى عن لقمان أنه. قال: يابني: إن
стр. 987
الله تعالى رضيني لك، فلم يوصني بك، ولم يرضك لي، فأوصاك بي، وهذا كلام شريف، له وقع كبير ذكرناه ليتدبّر معناه.
وأما الآية الثالثة فإنها فيمن وصّي بوالديه، وهما مؤمنان، لا يمنعانه عن الإيمان، وهو من طاب نفسا وأصلا ورغب إلى الله تعالى أن يطب فرعا، لأنه قال تعالى حكاية عنه: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) ، وبعد هذه الآية ذُكر ولد كافر استغاث الله والداه لإصراره على كفره، ولما أعياهما مدارأة أمره.
стр. 988
فأما قوله: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) ، فإن المراد أقلّ حمله، وهو ستة أشهر، وروى أن عثمان بن عفان ﵁ أتى بامرأة ولدت لستة أشهر فشاور الناس في رجمها، فقال ابن عباس ﵂: إن خاصمتكم بكتاب الله خصمتكم قال الله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ..)
وقال (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) فالحمل ستة أشهر والفصال عامان، فخلّى سبيلها، وأما معنى قوله: (وفصاله في عامين) في انقضاء عامين، لأن الفصال هو الفِطام إذا فصل الولد عن الأم.
стр. 989
وكانت الوصية الأولى في سورة العنكبوت وصية مجملة عامة للناس،
والثانية فيمن منعه أحد والديه عن الإيمان، والثالثة فيمن آمن وآمن أبواه،
وسأل الله أن يصلح أولاده، وكان هذا مذكوراً مع آية في ذكر ولد كافر يجتهد والداه في دعائه إلى الإيمان، والثالث في مؤمن أبواه مؤمنان، والثانى في مؤمن أحد والديه يمنعه من الإيمان، والأول عامّ كما ترى، وقد استوعبت القِسمة ما يحتاج إلى ذكره في دعاء مَن يدعو ولده إلى كفر أو إيمان.
стр. 990
الآية الثانية منها
قوله تعالى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) .
وقال في سورة حم عسق: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١) .
للسائل أن يسأل عن فائدة قوله: (وَلَا فِي السَّمَاءِ) في سورة العنكبوت، والاقتصار على ذكر الأرض في هذه، وهل كان يصلح أحدهما مكان الآخر؟.
والجواب أن يقال: إن الآية التي في سورة العنكبوت تحكي قول إبراهيم ﵇ لكفار قومه وفيهم نُمووذ بن كنعان الذى حاجه، وفي كثير عن
стр. 991
الأخبار أنه رام الصعود إلى الجوّ يوهم أنه يحاول ربّ السماء، كما قال فى فرعون لِهامان في بناء الصرح ما حكاه الله تعالى في كتابه في موضعين، فقال لهم إبراهيم ﵇: لا تفوتون الله، في الأرض كنتم أو في السماء، ولا سبيل لكم إليها، كما قال الله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)
стр. 992
وأما الآية في سورة حم عسق فإنها بعد قوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)
وهذا عام في المصائب، والمراد به الخصوص، لأنه ليس كل مصيبة مستحقة باجترام، إذ قد تصيب من لا جرم له، ومن لم يبلغ حدَّ التكليف فلا يجب عقابه على ذنب يكون منه، والمخاطبون مخصوصون بالمعنى وإن عموا باللفظ.
وقوله: (ويعفو عن كثير) أي: عن ذنوب كثيرة يتجاوز عنها، ويؤاخِد
بها، ولا يكون ذلك للكفار، لأن العفو مبذول لمستحقه، وإذا صح أن هذا الخطاب متوجّه على المسلمين، وتبعه قوله: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١)
علم أنه وعيد لهم، وليسوا من القوم الذين
стр. 993
يخاطبون بقوله: (ولا في السماء) ومعناه: لا تسلكون مسلكا تلتجئون إليه من عقاب الله تعالى إذا وجب عليكم، وقدْ جاء هذا بغير لفظ الأرض والسماء، وهو قوله: (وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١)
فيكون هذا مطلقا في كل ملجأ ومهرب.
وقد قيل في قوله تعالى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) أي: لاتفوتون مَن في الأرض مِن الإنس والجن، ولا مَنْ في السماء من الملائكة، وهم خلقُ الله، فكيف تعجزون الخالق؟ تعالى الله عن ذلك.
وقول ثالث وهو أن يكون المراد: لا تفوتون بأنفسكم ما يحقّ من عذاب
الله عليكم وإن هربتم في الأرض كلّ مهرب، وإن صعدتم في السماء كلّ
стр. 994
مصعد لو استطعتموه كما قال: ( ... فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ... ) أي: لا يكون ذلك أبدا.
وفي الجواب الأول كفاية في الفرق بين الموضعين، وما يختار لكل واحد منهما.
стр. 995
الآية الثالثة منها
قوله تعالى: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)
وقال بعده: (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) .
للسائل أن يسأل فيقول: قال في إنجاء إبراهيم ﵇ من النار: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) .
وقال في خلق السموات والأرض: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) فوحّد الآية، هنا وجمعها هناك، والآيات في خلق السموات والأرض
أكثر منها في تخليص إبراهيم ﵇ من النار؟.
والجواب أن يقال: إذا أخبر الله تعالى عن المؤمنين في كتابه فهو متناول من
كان في عصر النبي ﷺ وهم محدودون، وإذا قال: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)
فهؤلاء أقوام لا يتناهون، فكلّ من يؤمن إلى يوم القيامة منهم داخل فيهم، وكلّ دلالةٍ وأمارة آية، فجمعت لعدتّهم التى لم تتناه.
стр. 996
ولمّا قال في خلق السموات والأرض: (لآية للمؤمنين) وهم جماعة واحدة محصور عددهم، والآية الواحدة تجمعهم باين الخبر عنهم الخبرَ عمّن وُجد وعمن لم يوجد أكثرهم. فاختلفت بهم الدلالات، وجمعت لهم الآيات لانتشار أعدادهم وتباين مددهم، فاختلف الموضعان.
стр. 997
الآيهّ الرابعهّ منها
قوله تعالى: ( ... وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) .
للسائل أن يسأل عن تسمية الجاحدين في الآية الأولى ب "الكافرين، وفي الثانية ب (الظالمين) ، وأولئك ظالمون كما أن هؤلاء كافرون، فلماذا اختصاص الأولى بتلك الصفة، والثانية بهذه الصفة؟.
والجواب أن من جحد آيات الله فقد كفر نعمه، وهذا أول ما يفعله، لأن ذلك متعلّق بما قبله ممّن تولّى خلقه وأنعم عليه بما استوجب به شكره، فأول فعله كفر نعم الله، ثم إنه مسيء إلا نفسه، ظالم لها بأن أُبدلها من النعم الذي عُرض له
стр. 998
عذاباً لا يطيقه، فكفره أول في الذكر، وظلمه ثان لأنه فوت نفسه عظم الأجر، فهو آخر فِى العمل، فقدم (الكافرين) على (الظالمين) لذلك.
стр. 999
الآية الخامسة منها
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨)
وقال في سورة آل عمران: (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) .
للسائل أن يسأل عن اختصاص ما في سورة آل عمران بالواو في قوله: (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) وإخلاء ما في سورة العنكبوت منها؟.
والجواب أن يقال: إن الآية في سورة آل عمران مبنيّة على تداخل الأخبار،
لأن أولها: ((أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) فـ (أولئك) مبتدأ، و (جزاؤهم) مبتدأ ثان، و (مغفرة) خبر المبتدأ الثانى، وهو مع خبره خبر المبتدأ الأول، والجزاء هو الأجر، فكأنه قال: أولئك أجرهم على أعمالهم محو ذنوبهم وإدامة نعيمهم، فهذا الأجر مفضّل على كل أجر يعطاه عامل على عمله، فنسقت (١) стр. 1000
الأخبار بعضها على بعض للتنبيه على النعم التي تقدّمت لرجاء الراجين، وأكملت بها منية المتمنّين، والخبر إذا جاء بعد خبر في مثل هذا المكان الذي تفصل فيه المواهب المرغب فيها، فحقه أن يعطف على ما قبله بالواو، وكقولك: هذا الجزاء كذا وكذا، أي هو ترك المؤاخذة بالذنب، والتنعيم في جنة الخلد، وتفضيله على كل جزاء جُزى به عامل، وذلك تشريف وكرامة.
وأما الآية في سورة العنكبوت فإن ما قبلها مبنيّ على أن يدرج الكلام فيه على جملة واحدة، وهى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا) فقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا) مبتدأ، وقوله (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ) في موضع خبره، وهذا الخبر يتصل به مفعولان الأول: قوله: (هم) والثاني قوله (غرفا) و (غرفا) نكرة موصوفة بقوله: (تجري من تحتها الأنهار) وقوله (خالدين فيها) حال من
стр. 1001
التبوئة فلما جعلت هذه الأشياء كلها في درج كلام واحد، وهو جملة ابتداء وخبر. واحتمل قوله: (نعم أجر العاملين) أن يرد بالواو وأن يجيء منْ دونها، اختير مجيئها بغير واو ليشبه ما تقدم من عقد بخبر، لا على سبيل عطف ونسق فجاء بغير واو، ويحتمل أن يكون في موضع خبر مبتدأ، فكأنه قال: ذلك نعم أجر العاملين، ويكون قوله "ذلك " إشارة إلى ما ذكر الله تعالى من إسكانهم الجنة، فجرى بلا واو مجرى ما هو من تمام الكلام الأول، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)
فقوله (ذلك) ، وإن انقطع عن الأول في اللفظ فإنه متصل به من طريق المعنى، وكأنه قال: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ) مشار إليه بأنه الفضل الكبير، وقوله: (نعم أجر العاملين) أى ذلك نعم أجر العاملين مشار إليه بالتفضيل
стр. 1002
على أجور العاملين، وإذا كان الأمر على ماذكرنا من الآيتين لم يَلِقْ بكل منهما إلا ماجاءت به فاعرفه.
стр. 1003
الآية السادلمة منها
قوله تعالى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) .
وقال في سورة القصص ٨٢١،: ( ... وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا.
وقال في سورة حم عسق: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢) .
وكذلك قوله تعالى في سورة الرعد: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا....
للسائل أن يسأل عن الآية الأولى وتخصيصها بالذكر بقوله: (من عباده) وبقوله: (له) وعن تخصيص ما في القصص بقوله: (من عباده) دون قوله: (له) ، وعن الأخريين ومجيئهما عاريتين من اللفظين، وهما (عن عباده) و (له) ؟.
стр. 1004
والجواب عن ذلك أن يقال: أما الأولى في سورة العنكبوت فإنها جاءت بعد قوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)
فلمّا ذكر أن الله هو رازق جميع الحيوان ما ادخّر منه كالنمل، وما لم يدّخر كالطير تغدو خِماصا وتروح بِطانا، فبين لنا أنه كما كان في غيرنا من الحيوان ما هو موسع عليه، وما هو مضيق عليه، كذلك الأمر فينا، ثم قال: (اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ) فكان بعد القسمة الأولى من يبسط له الرزق في حال، ويضيَّق عليه في أخرى فقال: (اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ..) فالهاء في (له) ترجع إلى (مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) و (لِمَنْ يَشَاءُ) مفعول (يَبْسُطُ) فكان من يقدر له هو من يبسط له في وقتين مختلفين،
стр. 1005
فاقتضى هذا المكان اللفظ الذي جاء فيه بالمعنى الذى هو غير الأول من جمعالبسط والقبض لواحد في الحالين، وكذلك قوله (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩) .
وأما قوله في سورة القصص: (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ... ) فالمعنى: انتبهوا لأن الله يوسع الرزق لمن يشاء، لا لكرامته كما وسّع على قارون، ويضيقه على من يشاء، لا لهوانه كما ضيّق على كثير ممّن آمن به، ثم قال تعالى حكاية عنهم: (لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا) :
أي: لولا أن الله منّ علينا بأن صرف عنا الغنى الذى يقع الكفر معه لكفرنا نحن مثل كفره،
стр. 1006
ولخسف بنا كما خسف به، فقوله: (لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ... ) أي: يبسط الرزق لمن يشاء بسْطه له، ويقدره لمن يشاء قدره عليه، فأضمر للفعل الثاني مثل ما تعدى إليه الفعل الأول، وهو: (من يشاء) لعلم المخاطب به، وأنه في المعنى غير الأول وإن كان في اللفظ مثله.
وأما الآيتان في سورة حم عسق وسورة الرعد، فإنهما مقصورتان على ذكر البسط والقبض فحسب، والتي في الرعد جاءت مع قوله: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا)
стр. 1007
وفيه دليل على أنهم موسع عليهم في الرزق لقوله: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ولما قال: (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)
علم أن حظّهم في الدنيا ليس لكرامتهم وأنّ مَن ضيّق عليه فيها ليس ذلك لهوانه، فاقتضى المكان هذا لأجل المعنى ووقع اختصار في اللفظ في الفعل الثانى لأن ما تعدّى إليه مثل ما تعدى إليه الفعل الأول من المذكور بعده.
وكذلك قوله في سورة حم عسق: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ..)
أجمل القول في التوسعة والتضييق لمّا أخبر أنه خلق لنا من أنفسنا أزواجا أى من أجناسنا أشكالا ذكورا وإناثا، ومن الأنعام مثلها، وأنه ينشئنا في هذا الخلق فلا يزال الآخِر مخلوقا فِى الأول في ظهور الآباء وبطون
стр. 1008
الأمهات إلى الوقت المعلوم، وهو يملك أرزاق هذا الجمع من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات، فوادٍ أُخْطئ، ووادٍ مُطِر على ما يشاء رب العالمين، فتبارك الله أحسن الخالقين.
стр. 1009
الآية السابعة منها
قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ... ) .
وقال في سورة الجاثية: (وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا....)
وقال في سورة البقرة: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ... ) .
للسائل أن يسأل عن الآية في سورة العنكبوت،، لماذا خصّت (مِنْ) ، في
قوله: (مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا) وأخلي الموضعان الآخران منها؟.
والجواب أن يقال: إن التقرير يؤثَر فيه من تحقيق الكلام ما لا يوُثَر في غيره، والظروف إذا حدّت حقّقت، تقول سرت اليومَ، فإن قلت من أوله إلى آخره
стр. 1010
كان الجد تحقيقا لأنه قد يطلق لفظ اليوم وإن ذهبت ساعة أو ساعتان من أوله، وإن بقيت ساعة أو ساعتان من أوله، وإن بقيت ساعة أو ساعتان من آخره، فإذا وقع الحدّ زال هذا الوهم.
وقوله: (مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا) تحقيق، لأنه محدود بـ "من " وخصّ به التقرير، لأنه من أماكنه، وقوله تعالى في الآيتين الأخريين: (فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) ليس فيه تقرير كما كانت الأولى، وإن كان يؤدّي معنى المحدود، إلا أنه ليس له لفظه، فاختلف الموضعان لما ذكرت.
стр. 1011
الآية الثامنة منها
قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣) .
وقال في سورة لقمان: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) .
للسائل أن يسأل عن اختصاص الأولى بقوله: (لَا يَعْقِلُونَ) والثانية بقوله: (لَا يَعْلَمُونَ) ؟.
والجواب أن يقال: إن الأول فى التنبيه على البعث والإحياء بعد الموت فاستعمل فيه: (لَا يَعْقِلُونَ) أى: لا يفهمون عن هذا الفعل مثله، وفي مثل هذا يقال: عقلت كلامه، إذا استدركت وفهمت، ومن تنبّه على الشيء وعلمه بعد أن لم يكن متنبّها عليه يستعمل فيه مثل: فطن له، وعقله، وأدركه، وشعر
стр. 1012
به، وإن صحب كلَّ ذلك العلمُ، إلاّ أنه علم على وصف.
وكذلك لما فصّل الآيات التى أقامها في السماء والأرض وفي أصناف الخلق وذكرها في سورة الروم، وعقّب بعضها بقوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) و ((إن في ذلك لآيات للعالمين) و ((إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) ، قال فيما معناه ما ذكرنا (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) ،
فخصّ ذلك بقوله: (يَعْقِلُونَ) دون ما تقدم من الآيات المختومة بغيره من الألفاظ.
стр. 1013
وليس كذلك الآية في سورة لقمان، لأن الكفار فيها مقرّون بأن الله وحده
خالق السموات والأرض، وهم يعلمون ذلك، ويثبتون معه آلهة فكأنهم لا يعلمون، فلذلك قال (بل أكثرهم لا يعلمون) فإذا عبدوا الأصنام العبادة التى تحق لمن خلق السموات والأرض بإقرارهم، فكأنهم لم يعلموا ما أقروا به وثبت معلوماً لهم.
стр. 1014
الآية التاسعة منها
آية حضر ذكرها في سورة العنكبوت بعد الفراغ ممّا جاء فيها فذكرناها
في آخر ها، وهى:
قوله تعالى (وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ... )
، فأكدت "لمّا" بـ "أنْ" التى قرنت إليها.
وهى في قوله من سورة هود (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)
فلم تؤكّد "لمّا" فيها بـ "أنْ" توكيدها بها في سورة العنكبوت، وما الفرق بينها وبين ذكرها في سائر القرآن خالية من التوكيد بـ "أنْ"؟
стр. 1015
والجواب أن يقال: اقتران "أنْ" بـ "لمّا" في سورة العنكبوت تكملة لمعناها في نفسها ليدل بذلك على أنه قد قارن جوابها متصلا به ما يكمّله ويخلّصه لتحقيق أو بطلان، فالتي في سورة العنكبوت قد اتصل بجوابها، وهو: (سىء بهم وضاق بهم ذرعا) ما يكمله ويخلِّصه لبطلان الروع السابق إليه.
ومثله: (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا)
فقوله: (أَلْقَاهُ) جواب "لمّا" وقوله متصلا به: (فَارْتَدَّ بَصِيرًا) تكملة للجواب وكذلك قول الشاعر:
стр. 1016
ولماّ أنْ (رأيتُ ابني شُمَيْطٍ
وجوابه في البيت الثاني
تجلّلْتُ العَصَا.
وتكملة قوله متصلا به:
...... وعَلِمْتُ أني ... رَهِينُ مُخَيِّصرٍ إنْ أدركوني
وكذلك قوله:
стр. 1017
فلما أن تنشَّى قاَمَ خِرْقٌ.
стр. 1018
فهذا جواب "لمّا" وبعده ما يدل على أنه عرقب ناقة سمينة له، فكان تكملة لجواب "لما".
وهي في قوله في سورة هود لم يتصل بجوابها ما يخلّصه لتحقيق أو بطلان إلا في الآية الخامسة عند قوله: (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ... ) ، فبَعُدَ هذا عن الجواب ولم يتصل به اتصال ما يكون من تمامه.
стр. 1019
سورة الروم
الآية الأولى منها
قوله تحانمما:: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا ... )
وقال في سورة فاطر: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) .
وقال في سورة المؤمن: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) .
وقال في أخر هده السورة: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) .
стр. 1020
للسائل أن يسأل عن اختلاف ألفاظ هذه الآيات واختصاص كل بما خالف
الآخر. بمكانه؟.
والجواب عن ذلك أن يقال: أما التى في سورة الروم فإنها وقعت في سورة أجملت فيها القصص في ذكر الآيات والمواعظ والفرائص، فبُنيت هذه الآية على ذلك، ألا ترى أن قبلها: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨)
، ثم قال: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ... ) إلى قوله: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ... )
، وقال في تنزيه الله وتسبيحه في الصلوات: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) للصلاتين إذ أمسى: (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) ، لصلاة الفجر، (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّاأ ... لصلاة العصر (وَحِينَ تُظْهِرُونَ)
следующие страницы →