← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1340

درة التنزيل وغرة التأويل

الخطيب الإسكافي

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الآية الثانية منها قوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) . وقال في سورة سبأ: (فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢) . للسائل أن يسأل فيقول: ما الذي أوجب في سورة "السجدة أن يعود الوصف بـ "الذي " إلى العذاب الذي هو مذكر، ويعود مثله في سورة سبأ إلى النار التي هى مؤنثة، فهل كان اختياراً لو جاء هذا على العكس، فكان ما في سورة السجدة يرجع الوصف فيه إلى النار، وما في الأخرى يرجع الوصف فيه إلى العذاب؟. والجواب أن يقال: إن النار في قوله في سورة السجدة، ظاهرة موضع المضمر لتقدم ذكره في قوله: ((وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا)

стр. 1052

فأضمرت في قوله: (أعيدوا فيها) وأظهرت في قوله: (وقيل لهم ذوقوا عذاب النار) أي عذابها، فوقعت مظهرة مكان المضمر. والتي في سورة سبأ لم تجئ هذا المجىء، لأنها في مكانها مظهرة. فلما كان المضمر لا يوصف بعُد عن الوصف ما حلّ محلّه، لأنه سدّ مسدّه، فوصف ما أضيف إليه وهو العذاب، فجاء: (عذابَ النار الذي كنتم به تكذبون) ولماّ لم يتقدم ما في سورة سبأ ما منزلته منزلة المضمر صرّح الوصف له فأجري عليه وجاء: (عذابَ النار التي كنتم بها تكذبون) ألا ترى أن أوّله: (ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار ... ) الآية.

стр. 1053

الآية الثالثة منها قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ) فأتى بالنون فى (تَكُنْ) وقال تعالى في سورة هود فى موضعين: (فَلَا تَكُ) وكان حق ذلك أن يذكر هناك بغير نون، وهو قوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧) وقال فى آخرها (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ ... ) للسائل أن يسأل عن حذف النون حيث حذفت، وإثباتها حيث أثبتت، وما الذى خصص كلا بمكانه؟. الجواب أن يقال: إن هذه النون فى قوله: (لَا تَكُنْ) لما أشبهت بسكونها حروف المد واللين ثم كثرت استجيز حذفها للسببين جميعا، فإن تحركت خرجت عن

стр. 1054

شبهها، نحو: لم يكن الرجل منطلقا، فلا يجوز أن تقول: لم يك الرجل منطلقا. وأما إذا سكنت وتحرك ما بعدها فلك أن تأتي بها ولك أن تحذفها، كما كان في الموضعين، ثم إنه يختار فيها الحذف إذا تحرّك ما بعدها متى تعلّقت بالجمل الكثيرة، ويختار إتباتها إذا تعلّقت بالقليلة، لأن الكثرة أحد سببي جواز حذفها، وهذه الكثرة أعني أنها في أم الأفعال التي هي "كان " ويعبر بها عن كل فعل، ألا ترى أنه لا يجوز: لم يَهُ، ولم يَصُ زيد، في لم يَهُنْ) ولم يصُنْ) وكثرة الجمل هي التي تثقلها تعلقت بها من قبلها أو من بعدها.

стр. 1055

فقوله في سورة هود: (.. فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ... ) جاء بعد أن تعلّق بآيات ذوات جمل تقدمته وهي: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ... ) ، ألا ترى فقد تقدمته جمل جاء عقيبها متعلقاً بها فثقل من أجلها فاختير تخفيفها بحذف نونها. وكذلك قوله: ( ... وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) جاء بعد قوله: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) ، وقع في جواب الله تعالى له بعد الكلام الذىِ كان منه لما بُشّر بالولد، فطال الكلام جدا، وخفّف بالحذف في موضعه اختيارا له.

стр. 1056

وكذلك قوله تعالى: (أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) ، تعلّق هذا بقوله: (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) . فأما قوله: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) ، فإنه قلّت الجمل قبله ولم يتعلّق إلا بما تقدّمه تعلّق ما ذكرته، فلم يثقل فاختير الإتمام على الأصل. وكذلك قوله: (ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه ... ) ، لم يتقدمه ما يثقله من الجمل ما تقدم غيره ممّا ذكرنا. وهذه النون حذفها في حال سكونها لشبهها بحروف المد واللين، إذ كانت

стр. 1057

صوتا جاريا في هواء الأنف، كما أن تلك أصوات تجري في هواء الفم، ثم انضاف إلى هذا السبب كثرتها في الكلام، وهي أنها تدخل على كل فعل فيقال: كان زيد فاعلا، ولم يك زيد فاعلا، فإذا كانت الكثرة أحد سببي حذف النون في الأصل صارت كثرة المتعلّقات أحد سببي اختيار حذفها. فإن سأل عن قوله: (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ..) ، وقبله: (.. عطاءً غير مجذوذ) ،. وقد انقطع الكلام، ولا تعلق لقوله: (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ) بما قبله؟ قلت: لم نعتلّ بمتعلقات الجملة التي فيها "تكن" بما قبلها دون ما بعدها، وهذه وإن لم تثقل

стр. 1058

بتعلقها بما قبلها فإنها ثقلت بتعلقها بما بعدها لقوله. (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) ، أي: لا تشك فيما يعبد هؤلاء الكفار من الأصنام أنهم يعبدونها بحجة فإنهم لا يعبدونها إلا تقليدا لآبائهم الذين كانوا يعبدونها من قبل، فكل يجرى بمستحقه، وهو خطاب للنبي ﷺ والمراد به هو ومن آمن به، فقد تعلقت: ((فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ) بهذا الكلام كله.

стр. 1059

سورة الأحزاب ليس فيها شيء من ذلك. سورة سبأ الآية الأولى منها قوله : ( ... عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣) . وقال بعده في هذه السورة: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ. وقال في سورة يونس: ( ... وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)

стр. 1060

للسائل أن يسأل عن تقديم (السموات) على "الأرض " في الموضعين من سورة سبأ، وعن تقديم "الأرض على السماء في سورة يونس، وكان موضع ذكر هذه " الآية هناك إلا أنها تأخّرت إلى هذا المكان؟. والجواب عنه أن يقال: إنما قدّم ذكر "السموات " على "الأرض " في سورة سبأ لأن هذه الآية مبنية على مفتتح السورة، وهو: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... ) ، فقّدم ذكر "السموات " لأن ملكها أعظم شأنا وأكبر سلطانا، وكذلك الآية التى بعدها من سورتها". وأما التى في سورة يونس فإنها جاءت عقيب قوله: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) ، فكان القصد إلى ذكر علمه بما يتصرف فيه العباد من خير أو شر، وذلك في الأرض، فأتمه بقوله: ( ... وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ)

стр. 1061

فاستوعب جميع ما في الأرض، ثم أتبعه ذكر السماء، لأن الابتداء وقع بما يتعلق بها، وما يعمل العباد فيها، فلذلك قدّمت "الأرض" عليها.

стр. 1062

الآية الثانية منها قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) . وقال في سورة بنى إسرإئيل ٥٦١،: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ ... ) الآية. للسائل أن يسأل عن إظهار اسم الله تعالى في سورة سبأ في قوله: (من دون الله) وإضماره في سورة بني إسرائيل في قوله: (من دونه) وقد جرى الذكر قبلُ فى الموضعين، لأنّ قبل هذه الآية،: (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١) ، وهناك: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ ... ) والجواب أن يقال: إنما اختير الإضمار في سورة بني إسرائيل لقوة الذكر قبلُ، ألا ترى أنه تكرر في عشرة مواضع مضمرا ومظهرا لقوله: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ)

стр. 1063

فربّكم واحد، وفى (أعلم) ضميره، و (إن يشأ) فيه ضميره، وفي قوله: (يرحمكم) ضميره، وقوله: (أو إن يشأ) فيه ضمير فاعل، وقوله: (وما أرسلنا) : النون والألف فيه ذكر له تعالى، و (ربك أعلم) اسمان، (ولقد فضّلنا بعض النبيين) قوله "نا" اسمه، وكذلك: (وآتينا داود زبورا) فكان الإضمار تِلْو الإضمارات أولى بهذا المكان، فلذلك جاء: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه) . وأما في سورة سبأ فإن الذى تقدمه: (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)

стр. 1064

فالذكر تقدم في ثلاثة مواضع وهناك في أكثر من عشرة مواضع، فحسن الإظهار هنا، وقوي الإضمار هناك، فلذلك اختلفا.

стр. 1065

سورة فاطر الآية الأولى منها قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ... ) . وقال في آخر سورة الأنعام ـ وكان حكم هذه الآية أن تذكر هناك ـ: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ ... ) ، فأضاف "خلائف إلى (الأرض) بغير واسطة "فى" وهناك نكرها، وأضافها ب (فى) . للسائل أن يسأل عن التعريف أولا والتنكير ثانيا وعمّا خصّص كل مكان بما اختص به. والجواب أن الذي في سورة الأنعام أجرى مجرى المعرفة، لأنه بعد ذكر متكرّر وخطاب متردّد مبتدأ من مبتدأ قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) ، فلمّا خوطبوا بألفاظ المعارف أتبع ما في هذه الآية من ذكرهم في

стр. 1066

موضع النكرة، وهو المفعول الثانى من "جعلكم " ذكر المعرفة فكسي لفظها فصار التقدير: وهو الذي جعل كل واحد منكم الخليفة في الأرض التى ورثها عمّن تقدمّه، فمنكم الأعلى، ومنكم الأوسط، ومنكم الأسفل. وليس كذلك الأمر في سورة الملائكة، لأن ما تقدم هذه الآية منها ذكر أهل النار من مبتدأ قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) ، إلى قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨) ، ثم قال: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ) فأخرج لفظ (الخلائف) مخرج النكرة كأنه قال: جعلكم خلفا لمن تقدّمكم غير معلوم إلاّ عند الله ما يكون من أمركم، فأنتم مجهولون عند أشباهكم وأمثالكم، فمن كفر منكم فضرر كفره راجع عليه، فكان التنكير أولى بهذا

стр. 1067

المكان، لأنه لم يتقدمه من الأسماء المضمرة التي للخطاب المعرفة بحكم الإضمار ما تقدم في سورة الأنعام، ثم نزلهم منزلة قوم مجهولين لا يتوقع ما يكون من أمرهم في إيمانهم أو كفرهم، فلم يجعلوا في حكم الخطاب الأول في قوم بأعيانهم للانقسام الواقع عليهم، فهذا فرق مابين المكانين. والله أعلم.

стр. 1068

سورة يس الآية الأولى منها قوله تعالى: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) . وقال في في سورة القصص: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ) . للسائل أن يسأل عن تقديم قوله: (مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ) على (رجل) الذى هو الفاعل في سورة يس وتأخيره في السورة التى قبلها؟. والجواب أن يقال: إن الفاعل في الموضعين لما كان نكرة فالمعنى جاء جاءٍ وقد دلّ الفعل على جاء، ولا يكون الجائي من أقصى المدينة فى الأعم الأغلب إلا رجلا، وكان الذى يفاد المخاطب أن يعلم أنه جاء عن مكان بعيد إلى مجتمع " الناس في

стр. 1069

القرية، وحيث لايقرب من مجاري القصة ولا يحضر موضع الدعوة ومشهد المعجزة، فقدّم ما تبكيت القوم به أعظم، والتعجب منه أكثر، فقال: ((وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ) ينصح لهم ما لا ينصحون مثله لأنفسهم ولا ينصح لهم أقربوهم مع أنه لم يحضر جميع ما يحضرونه، ولم يشاهد من كلام الأنبياء ما يشاهدونه، فبعثهم على اتباع الرسل المبعوثين إليهم، وقبول ما يأتون به من عند مرسلهم. وأمّا الآية الأولى من سورة القصص فإن المراد: جاء مَن لا يعرفه موسى من مكان لم يكن مجاورا لمكانه فاعلمه ما فيه الكفار من ائتمارهم به، فاستوى حكم الفاعل والمكان الذي جاء منه، فقدّم ما أصله التقديم وهو الفاعل، إذ لم

стр. 1070

يكن هنا تبكيت للقوم بكونه من أقصى المدينة كما كان ذلك في الآية المتقدمة.

стр. 1071

الآية الثانية منها. قوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) . وقال في سورة الفرقان: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) . للسائل أن يسأل عن إظهار اسم الله تعالى فى سورة يس وسورة مريم فى قوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) وإضماره فى سورة الفرقان حيث قال: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) ؟. والجواب عن ذلك أن يقال: إنه لما قال في سورة الفرقان فأخبر عن نفسه، لا كإخبار المتكلم بلفظة (التاء والنون والألف فى مثل: فعلت، وفعلنا، بل كما يخبر المخبِر عن غيره فقال: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) ، إلى قوله: ( ... وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) ، كان ذكر الله تعالى قد تقدم فى الآيتين، فأجرى ذكره فى الثالثة مجراه فى الأوليين على مقتضى كلام العرب فى الإضمار بعد الذكر.

стр. 1072

ولم يكن كذلك الأمر فى الآيتين فى سورتي يس ومريم لأن الذكر المتقدم إنما على لفظ المخبر عن نفسه لقوله: (كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠) ، ثم قال (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) أي: اتخذوا من دون مَن يحقّ له العبادة أصناما يعبدونها ولا تحق عبادتها، فأظهر اسمه تعالى إذ كان لم يتقدم ظاهر يقع الإضمار بعده، وجهلوا بأن أشركوا بالله تعالى ما ليس بإله فقابلوا الحقّ بباطلهم وأرُوا أن هذا الفعل من فاعلهم.

стр. 1073

وكذلك كان الأمر فى سورة يس حيث قال: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) إلى قوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً) .

стр. 1074

سورة الصافات الآية الأولى منها قوله تعالى: (وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) . وقال فى هذه السورة: قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) للسائل أن يسأل عن قوله: (لَمَبْعُوثُونَ) أولا، وفيما بعده (لَمدينون) ، ولماذا اختلفا في المكانين وإن كانا فيما يراد من تحقيق الإحياء بعد الموت سواء؟. والجواب أن يقال ": إن الأول حكاية ما قاله الكفار من إنكار البعث، والمبعوثُ هو الذي يبعَث من قبره ويحيا بعد موته، والمدين هو المجازى بما كان من

стр. 1075

كسبه، والبعث قبل الجزاء، وهو يفعَل من أجله. وحكاية الآخر الذي قال: (أئنا لَمدينون) إنما هى عند حصوله فى النار، وهو الجزاء الذي أنكره لقوله تعالى (قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) فهذا المؤمن الذي حكى الله تعالى عنه قوله، وأنه أخبر عن قرينه فى الدنيا بأنه كان ينكر أن يحيى ويدان بما صنع هو الذي إذا رآه فى سَواء الجحيم: (قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)

стр. 1076

فالتفريع على ما أنكر إنما يقع إذا تحقّق وحصل فيه من كفره، نعوذ بالله من عقابه.

стр. 1077

الآية الثانية منها قوله تعالى فى أواخر قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: (سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) . وبعدها في قصة إبراهيم: (سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) . وقال فيما بعدها فى قصة موسى وهارون: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) . وبعدها فى قصة إلياس: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) . فجاء في كل ذلك: (إِنَّا كَذَلِكَ) إلا فى قصة إبراهيم ﵇ فإنه جاء

стр. 1078

فيها: (كَذَلِكَ) من دون (إِنَّا) . للسائل أن يسأل عما أوجب اختصاص هذا المكان بسقوط (إنا) منه، وإثباتها فيما سواه من الآيات التي أنهيت بها قصص الأنبياء ﵈. والجواب عن ذلك أن يقال: إن قوله: (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) لما جعل أمارة لانتهاء كل قصة، وكانت قصة إبراهيم ﵇ متضمنة ذِكره وذكر ولده الذي رأى فى المنام ذبحه، فقيل له بعدما تلّه للجبين: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)

стр. 1079

فجاء: (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) . وقد بقيت من القصة آيات وهى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) ثم جاء ما جعل خبرا فى آخر كل قصة من قصصهم: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) ، فلم يذكر "إنا" هنا لسببين: أحدهما تقدم ذكره فى هذه القصة حيث فال: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) . والآخر: أن يخالف بين منتهى هذه الآية لأنها من القصة الأولى التي ختمت ب (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) وبين منتهى قصة يس لأن ما قبلها منها، فكان: (إناّ كذلك) لما ذكرت فى هذه القصة مرة اكتفى بها، ولم يكن

стр. 1080

منقطعا لها، فخالفت ما تقدمها وما تأخّر عنها لذلك.

стр. 1081

الآية الثالثة منها. قوله تعالى: (وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) . وقال بعده: (وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) . للسائل أن يسأل عن تعدية هذا الفعل الأول وهو: (وأبصرهم) وحذف ما تعدّى إليه "أبصر" فى الثانية، ثم عن تكرير (وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) . والجواب أن يقال: إن هذا بعدما بشر الله تعالى به عباده حيث قال: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) ومعناه: إن المرسلين ومن تبعهم من المؤمنين إذا حاربوا أعداء الله بأمر الله فإن الله قد حكم لهم بالظفر والنصر فى عاقبة أمورهم وإن كان بعد مدة.

стр. 1082

فقوله تعالى: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) أي: أعرِضْ عن محاربتهم إلى الحين الذي يعلم الله أنه يظفرك بهم، (وأبصرهم) فى الوقت الذي تنصر فيه عليهم، فسوف يبصرون قهركم لهم وذلهم. فأما حذف أ (هم) (أبصر) فى الثانية فلِذكرها في الأولى، ولأن هناك معاني أخرى تنضم إلى ذكرهم فيترك ذكرُ المفعول لِيشرع الفعل إلى تلك المعاني كلها، ويبيّن ذلك في الجواب عن فائدة تكرار العامل، وهي أنّ

стр. 1083

قوله: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) إنما يراد به الحين فى الدنيا وهو الوقت الذي ينصر فيه المسلمون عليهم ويقهرون بأيديهم. وقوله ثانيا: (وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) ، أي: بعد أن تنصر عليهم فيهلكوا فى الدنيا توقّعْ ما يحلّ بهم في الأخرى - (وأبصرهم) ، هناك وأنواع العذاب التي تصب عليهم، وعمل النار فيهم ثم مالهم فيها من البقاء والخلود ومع تبديل الجلود وسائر ما أعدّ الله تعالى للكفار في عذاب النار، فقوله "وَأَبْصِرْ"، مودَع فيه كل ذلك: (فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ)

стр. 1084

تهدد لهم أي سوف يلقون ما أوعد الله به أهل معصيته من أليم عقوبته.

стр. 1085

سورة ص الآية الأولى منها قوله : (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) . وقال فى سورة ق،: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) . للسائل أن يسأل عن اختصاص "قال بالواو فى سورة ص- واختصاصها بالفاء فى سورة ق؟. والجواب أن يقال: إن التى فى سورة "ق" خبر عن عجبهم فى أنفسهم واتصال قولهم به فقال: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) فكان أخر الكلام راجعاً إلى أوله الذي هو خبر عن ضميرهم من حصول العجب فيه، وهو قولهم عقيبه: (هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ) .

стр. 1086

وليس كذلك ما فى سورة "ص "، لأن قوله هناك: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) خبر عن عجبهم قولا وفعلا، وقولهم بعد ذلك ليس هو راجعا إلى قوله: (وعجبوا) رجوعَ ما فى سورة " ق " إليه لأنه أخبر عنهم أنهم قالوا: (هذا ساحر كذاب) فلم يرجع إلى قوله: (وعجبوا) رجوع قولهم إليه: (هذا شىء عجيب) فيقع عقيبه ويقتضى الفاء اقتضاءه إذ لم يكن قولهم: (هذا ساحر كذّاب) من مقتضى (عجبوا) كما كان قولهم: (هذا شيء عجيب) منه.

стр. 1087

الآية الثانية منها قوله تعالى (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) وقال فى سورة ق: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) . للسائل أن يسأل عن اختلاف الترتيب فى هاتين الآيتين، وعن قوله فى خاتمتهما: (فَحَقَّ عِقَابِ) فى سورة ص وقوله: (فَحَقَّ وَعِيدِ) فى سورة ق. والجواب أن يقال: إن سورة "ص" مبنيّة فواصلها على أن تُرْدَف أواخرها بالألف، فكانت الآية التي من هذه العشر مختومةَ الفاصلة بوصف فرعون بِذى الأوتاد

стр. 1088

وبعدها: (أولئك الأحزاب) وبعدها: (فحقّ عقاب) وجاء بإزاء ذلك فى سورة "ق": (وأصحاب الرّسّ وثم ود، ومكان: (فحقّ عقاب) قوله تعالى، (فحقّ وعيد) . وكذلك فى هذه السورة: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) ، وفى سورة الصافات (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) لأن فواصل الآيات التي في سورة الصافات مردفة أواخرها بالياء أو بالواو.

стр. 1089

والقصد التوفقة بين الألفاظ مع صحة المعاني كما قال تعالى: (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) فى الشعرار، وفى سورة طه ( ... قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) فاعرف ذلك، فإنه ممّا يكثر إن شاء الله تعالى.

стр. 1090

سورة الزمر الآية الأولى منها قوله عز وحل: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) . وقال فى هذه السورة أيضا:، (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) . للسائل أن يسأل عن المكان الذى خصّ بقوله: ((إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ) دون قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ) وما الفائدة المخصصة كلّ واحدة من اللفظين بمكانها الذي استعملت فيه؟ والجواب أن يقال: قد تقدم قولنا فى الفرق بين: (أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) و (أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ)
следующие страницы →