← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1340

درة التنزيل وغرة التأويل

الخطيب الإسكافي

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وليس كذلك ما فى سورة "ص "، لأن قوله هناك: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) خبر عن عجبهم قولا وفعلا، وقولهم بعد ذلك ليس هو راجعا إلى قوله: (وعجبوا) رجوعَ ما فى سورة " ق " إليه لأنه أخبر عنهم أنهم قالوا: (هذا ساحر كذاب) فلم يرجع إلى قوله: (وعجبوا) رجوع قولهم إليه: (هذا شىء عجيب) فيقع عقيبه ويقتضى الفاء اقتضاءه إذ لم يكن قولهم: (هذا ساحر كذّاب) من مقتضى (عجبوا) كما كان قولهم: (هذا شيء عجيب) منه.

стр. 1087

الآية الثانية منها قوله تعالى (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) وقال فى سورة ق: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) . للسائل أن يسأل عن اختلاف الترتيب فى هاتين الآيتين، وعن قوله فى خاتمتهما: (فَحَقَّ عِقَابِ) فى سورة ص وقوله: (فَحَقَّ وَعِيدِ) فى سورة ق. والجواب أن يقال: إن سورة "ص" مبنيّة فواصلها على أن تُرْدَف أواخرها بالألف، فكانت الآية التي من هذه العشر مختومةَ الفاصلة بوصف فرعون بِذى الأوتاد

стр. 1088

وبعدها: (أولئك الأحزاب) وبعدها: (فحقّ عقاب) وجاء بإزاء ذلك فى سورة "ق": (وأصحاب الرّسّ وثم ود، ومكان: (فحقّ عقاب) قوله تعالى، (فحقّ وعيد) . وكذلك فى هذه السورة: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) ، وفى سورة الصافات (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) لأن فواصل الآيات التي في سورة الصافات مردفة أواخرها بالياء أو بالواو.

стр. 1089

والقصد التوفقة بين الألفاظ مع صحة المعاني كما قال تعالى: (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) فى الشعرار، وفى سورة طه ( ... قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) فاعرف ذلك، فإنه ممّا يكثر إن شاء الله تعالى.

стр. 1090

سورة الزمر الآية الأولى منها قوله عز وحل: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) . وقال فى هذه السورة أيضا:، (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) . للسائل أن يسأل عن المكان الذى خصّ بقوله: ((إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ) دون قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ) وما الفائدة المخصصة كلّ واحدة من اللفظين بمكانها الذي استعملت فيه؟ والجواب أن يقال: قد تقدم قولنا فى الفرق بين: (أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) و (أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ)

стр. 1091

وأنّ على" تتضمن معنى "فوق" وأن يكون الوحي جاءه من تلك الجهة، وأن "إلى" للنهاية، فلا تختص بجهة دون جهة، ولذلك كان أكثر المواضع التي ذكر فيها إنزال القرآن على النبىّ ﷺ (عدّي ب بـ "على" كقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) ، وكقوله: (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ... ) ، وقال: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) ، وقال: ( ... وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) . وأكثر ما ذكر إنزاله على الناس جاء معدّى ب "إلى"،

стр. 1092

كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) . ثم كلّ موضع قيل فيه: (أنزلنا إليك) فقدشدد التكليف عليه، ونزل منزلة أمته فيما يجب على عالمهم تبيينُه لمتعلّمهم، كقوله تعالى فى أول هذه السورة: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) ، فقد أمر بإخلاص العبادة، والمراد هو وأمته، وكقوله: (.. وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) . وكان المراد فى المواضع التى استعملت فيها "إلى" أنه تناهي إلى حيث لا متعدّى وراءه من عالم سنة مقصور عليه، فكل موضع عدّي فيه الإنزال بـ "على" فإن المراد به أنه شرّفك وأعلى بذلك ذكرك لتؤدىّ ما عليك فتنذر وتبشّر، فمن قبل فحظّه أصاب ومن أعرص فنفسه أوبق

стр. 1093

، ويكون فيه تهديد لمن ترك القبول، كقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) ثم قال: (.. لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ) ، وكما قال فى هذه السورة: (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) فقد أسقط عنه فى ظاهر اللفظ القصد إلى الوعيد ما ألزمه عند قوله فى الآية التي فى سورة النساء (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) . فمن عرف حقيقة اللفظين وتخصِيص كلّ مكان بواحد منهما علم أن ما جاء عليه في أول السورة هو مميّز عمّا جاء عليه في وسطها، ولم يخف

стр. 1094

عليه الفرقان ببنهما. والله أعلم.

стр. 1095

الآية الثانية منها قوله : (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) . للسائل أن يسأل فيقول: لأىّ معنى عدّي "أُمِرْتُ" الأول بـ "أن"، وعدّى "أُمِرْتُ" الثاني باللام فقال: (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ) وما فائدة اللام؟ ولو قال: أمرت أن أكون أول المسلمين لَكان الكلام مستغنيا عن اللام؟. والجواب أن يقال: إن القصد فى الأمر الثاني غير القصد فى الأمر الأول، وذلك أن الأول يتعدّى إلى العبادة، والثاني معناه: وأمرت أن أعبد الله لأن أكون أول المسلمين، أي: إنما أمرت بإخلاص العبادة لله تعالى، وبعثت رسولا لأن أكون أول مَن يبدأ بطاعة الله تعالى وعبادته على الإخلاص المطلوب، فاللام ليست مقحَمَة على ما ذهب إليه كثير عن النحويين، وإنما معناه ما ذكرنا من أنّ الأمر

стр. 1096

بالعبادة لأجل أن يفعل أولا ما أمر به، ثم يحمل الناس على مثله، وهذا واضح، فاعرفه.

стр. 1097

الآية الثالثة منها قوله تعالى: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) . وقال فى سورة النحل: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) . للسائل أن يسأل عن الموضع الذي استعمل فيه "الذى" فى قوله (بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) وعن الموضع الذى استعمل فيه "ما" فى قوله: (بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) . والجواب أن يقال: إنّ كل واحدة من الآيتين تقدّم فيها ما اقتضى حمل هذين المختلفين عليه أعنى "الذي"، و "ما" وهما إذا كانتا موصولتين بمعن، إلاّ فى قصور"ما" عمّا يتبع له "الذى" لأنك إذا قلت: رأيتُ ما عندك، لم يدخل تحتها

стр. 1098

المميِّزون، وإذا قلتَ: رأيتُ الذي عندك دخل، فإنه يصلح للمميّزين والبهائم والجمادات ثم إنه يحسن حذف المبتدأ من صلة (الذي) إذا كان ضميرها، كقوله تعالى فى قراءة من قرأ: (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ ... ) ، والمعنى: تماماً على الذي هو أحسن، وكما جاء: ما أنا بالذي قائل لك شيئا، ولا يحسن ذلك فى "ما" ولا فى "من " لو قلتَ: رأيتُ ما عامر، تريد: ما هو عامر. ورأيتُ مَن عاقل، تريد من هو عاقل، لم يحسُن كحسنه فى صلة "الذى" لمزيّة "الذي" على "من " و "ما" فى اللفظ والتصرف ولوقوعها

стр. 1099

على الجنس كقوله تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) وقوله فى سورة الزمر: (أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا) و (بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) إنّما هو للبناء على م اتقدم، وهو قوله: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) فافتتحت الآية قبلها بـ "الذي" ووُصلت بفعل تعلّق به قولُه: (ليكفِّرَ الله عنهم أسوأ الذي عملوا) ، وقصد جنس عملهم السيء، وجنس عملهم الحسن، فكان استعمال "الذى" فى هذا المكان أولى ليتلاءم اللفظان المتعلّق أحدهما بالآخر كما تلاءم معناهما، وأمّا الآية التى فى سوة النحل فإن الأمر فيها على مثل ما فى سورة الزمر

стр. 1100

من حمل اللفظ على نظيره مع مطابقة المعنى له، وذلك أنّ أوّل الآية هناك (وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ... ) فقال في الذي عند الله: "ما عند الله. ثم قال: (ماعندكم ينفد) والمعنى: الذي عندكم ينفد، فاستعمل "ما" فى قوله: (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ... ) فلمّا جاء ذكر الجزاء وهو: (مَا عِنْدَ اللَّهِ) كان استعمال اللفظ الذي يرجع إلى ما تقدم أولى من استعمال غيره، فقال: ( ... وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) . وأحسن ما كانوا يعملون هو ما عند الله ممّا أعدّ من الأجر له ثم بعده ": (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)

стр. 1101

فاستعمل "من" وهى للمميّزين عامّة فيهم، وبإزإئها فى غيرهم: "ما"، فلمّا استعملت "من" هنا شرطاً كان استعمال "ما" التي هى قرينتها فيما يتعلّق في بجزاء شرطها أولى ممّا لا يلائمها. فكما كانت "الذى" فى سورة الزمر أحق بمكانها كانت "ما" فى سورة النحل أحقّ بموضعها، والسبب واحد فيهما. والله أعلم.

стр. 1102

الآية الرابعة منها قوله تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨) . وقال فى سورة الجاثية: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) . للسائل أن يسأل عن اختصاص سورة الزمر بقوله: (كسبوا) وسورة الجاثية بقوله: (عملوا) وعن الفائدة في ذلك؟ والجواب أن يقال: إنما جاء قوله: (كسبوا) في هذه السورة بناء على ما وقع الخبر به عن الظالمين فى الآية التي قبل هذه الآية حيث يقول: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) ، ثم اعترضت آيات تؤكد ما على الظالمين من الوعيد، وتقوي ما للمصدقين من الوعد إلى أن انتهت إلى ذكر هؤلاء الظالمين الذي قيل لهم: ذوقوا ماكنتم تكسبون) فقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨) ، فكان المعنى: ولو أنّ للظالمينِ الذين تقدم ذكرهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب، ثم قال: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا) أي الجزاء على ماكسبوا من سيئآتهم، كما قيل لهم: ذوقوا ماكنتم تكسبون) ، أي: جزاءه، ثم تبعه ذكر السب فى الآيات الئى بعدها فى قوله: (قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) .

стр. 1103

وأما الآية التي فى سورة الجاثية فالطريق فى اختيار "عملوا" فيها كالطريق فى اختيار "كسبوا" فى سورة الزمر، لأن قبلها قوله تعالى: (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) ، وبعدها: (.. إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فى الموضعين، وتبع ذلك قوله: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) . فبنى (، عملوا) على ما سبق، كما بني هناك "كسبوا" على ما تقدم. فاعرفه.

стр. 1104

الآية الخامسة منها قوله تعالى في حال أهل النار ( ... حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ. وقال في أهل الجنة: ( ... حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) . للسائل أن يسأل عن الواو في قوله في الثانى: "وفُتحت " وتركها في الأول؟ والجواب عن ذلك ما ذهب إليه بعض المفسرين: أن في ذلك دلالة على أن أبواب جهنم كانت مغلقة ففتحت لماّ جاءوها، وأن أبواب الجنة كانت مفتوحة قبل مجىء المؤمنين إليها.

стр. 1105

وهذا يحتاج إلى بيان، وهو أنّ قوله: (فُتحت أبوابها) جواب لقوله: (حتى إذا جاءوها) لأن في "إذا" معنى الشرط، وفى جوابها معنى الجزاء، ولابد لها منه، وأنت تقول: إذا جئتُ زيدا فتح لي الباب، أردتَ أن الباب كان مغلقاً، ففتح لمجيئك، وتقول: إذا جئت زيدا وفتح لي الباب. فإنّ ما بعد (الواو) لايقوم مقام الجزاء، والمخاطب متوقع عند سماع ذلك ما يتم به الكلام فإن أراد المتكلم إضمار الجزاء، واكتفى بدلالة الشرط عليه وذلك إذا كان لفظاهما واحداً جاز حذفه وعطف ما بعده عليه، فيكون المعنى حتى إذا جاءوها جاءوها وفتحت أبوابها فتحذف "جاءوها" الثانية لدلالة الأولى عديها. وعلى هذا قول، امرىء القيس:

стр. 1106

فلماّ أجزْنا ساحة الحيِّ وانْتَحى بِناَ بَطْن حِقْف ذي رُكام عَقَنْقَلِ معناه: فلماّ أجزنا ساحة الحىّ أجزناها وانتحى بنا. فإن قال قائل: وهل يختلف المعنى إذا حذفت الواو وإذا أثبتت؟ قلت: يختلف بأن الفتح يقع عند مجيء أهل النار، لأن قوله: (فتحت) جزاء للشرط، وحقه إذا كان فعلا أن لا تدخله "واو" ولا "فاء"، ويكون عقيب الشرط، وإذا حذف الجزاء وعطف فعل عليه فقيل: حتى إذا جاءوها وفتحت

стр. 1107

، كان التقدير: حتى إذا جاءوها جاءوها وأبوابها مفتّحة، فهذا حكم اللفظ.

стр. 1108

وأمّا حكم المعنى فإن جهنم لمّا كانت أشدّ المحابس ومن عادة الناس إذا شدّدوا أمرها أن لا يفتحوا أبوابها إلاّ لداخل وخارج، وكانت جهنم أهولها أمراً، وأبلغها عقابا أخبر عنها الإخبار عمّا شوهد من أحوال الحبوس التى تضيّق على محبوسها، فوقع الفتح عقيب مجيئهم ليتطابق لذلك اللفظ والمعنى، ولم يكن هناك حذف.

стр. 1109

وأما الجنة فلأنّ من فيها يتشوّقون للقاء أهلها، ومن رسم المنازل إذ بشِّر مَن فيها بإياب أربابها إليها أن تفتح أبوابها استبشارا بهم، وتطلّعا إليهم، ويكون ذلك قبل مجيئهم، فأخبر عن المؤمنين وحالهم على ما جرت به عادة الدنيا فى أمثالهم، فيكون حذف الجزاء وإدخال "الواو" على الفعل المعطوف عليه لذلك. فاعرفه.

стр. 1110

سورة المؤمن الآية الأولى منها. قوله تعالى: (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩) : وقال فى سورة طه (٢) ١٥١،: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) . للسائل أن يسأل عن اللام الداخلة على "آتية، فى سورة المؤمن وخلّوها منها فى سورة طه؟. الجواب أن يقال: إن اللام التى تقع فى خبر "إنّ أو اسمها إذا حلّت محلّ الخبر تؤكّد الكلام والعرب تحرض على التوكيد فى موضعه، وتركه فى غير

стр. 1111

موضعه، قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦) ، وقال قبل الآية في سورة المؤمن: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) والمعنى: أن القادر على خلق السموات والأرض قادر على خلق الناس، ومن قدر علىْ خلق الناس أوّلا قادر على خلقهم ثانيا، وهذان من مواضع التوكيد، وتحقيق الخبر أن الساعة حقّ وأنها آتية لا ريب فيها، والخطاب لقومٍ كفّار ينكرونها. والتي فى سورة طه خطاب لموسى ﵇، وهى فى ضمن كلام الله تعالى له: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) ، وقال: ( ... وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا:، ١-١٥، ولم يكن موسى عليه الصلاة والسلام

стр. 1112

ممّن ينكر ذلك فيؤكد الكلام عليه توكيده على منكريه والجاحدين له على أنه تحميل له ليعلِم قومَه، وهو: (فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦) :، فإذا كان الأمر على ما بينا وضح الفرق بين الموضعين بالذي ذكرناه.

стр. 1113

الآية الثانية منها قوله : (.. إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) . وقال فى سورة يونس:.. إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠) وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ. للسائل أن يسأل فيقول: كيف أظهر الناس فى موضع الإضمار فى سورة المؤمن (وقد أضمر فى موضع الإظهار فى سورة يونس، وهل كان جائزا وقوع هذا موضع ذاك؟ والجواب أن يقال: إنّ كل موضع يحتمل الإضمار لقرب الذكر ويحتمل الإظهار لتعظيم الأمر، وذكر أخصّ الأسماء المقصود بالتقريع والتفنيد فإنه يحمل

стр. 1114

على مايلائم الآيات المتقدمة له ليكون قد جمع إلى صحة المعنى واللفظ مشاكلة ما قبله من الآي فأما قوله تعالى فى سورة المؤمن: (ولكنّ أكثر الناس لا يشكرون بعد قوله: (إن الله لذو فضل على الناس - ولو قال: ولكن أكثرهم لا يشكرون لقرب الذكر لَكان من الجائز الحسن فإنه محمول على الآيات التى قبله، وهى قوله: (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وقال بعده: (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩) : ثم جاء (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) فأظهر ذكر الناس كما أظهر فى الآيتين قبلها للمشاكلة والملائمة، وليس كذلك الأمر في سورة يونس ﵇، لأن الكلام هناك بني على الإضمار

стр. 1115

في الآي المتقدمة، ألا ترى أنه قال تعالى مخبرا عمّن يدخل من الظالمين النار: (ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) ، فانقضى هذا الكلام، واسئؤنف خبر عن القوم الذين بعث الله رسوله ﷺ إليهم فقال: (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) ، فأضمر ذكره فى قوله: ويستنبئوك ثم قال بعده: (.. ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون، فأضمر ما أضاف إليه أكثر، ثم انتهى إلى قوله تعالى بعده: (.. إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠) فاقتضى ما بني عليه الكلام فى هذه الآيات أن يكون ما بعد الشرط بلفظ الإضمار كما كان ما تقدمه، فاختلاف الموضعين فى الإظهار

стр. 1116

والإضمار لما ذكرنا.

стр. 1117

الآية الثالثة منها قوله تعالى: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) . وبعده: (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) ثم بعده: (.. إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) . للسائل أن يسأل عن المواضع الثلاتة التي جاء فيها لا يعلمون وجاء فيها (لا يؤمنون وجاء فيها لا يشكرون، وعمّا يخصّ كلاّ بمكانه، وهل كان يجوز وضع أحدهما موضع قرينه أم كل آية اقتضت ما ختمت به؟. والجواب أن يقال: إنّ مَن أقر بخلق السموات والأرض وأنكر الإعادة والبعث

стр. 1118

ثم نبّه على أن يعلم أنّ من قدر على الأكبر قادر على الأصغر، وهذا موضع يفتقر إلى العلم الذي نفاه عمن لم يقرّ به فقال: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) فاختص هذا الموضع بنفي العلم، والعلم هو المحتاج إليه والمبعوث عليه. وقوله: (إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) فمن أنكر البعث فهو محتاج إلى الإيمان به بعد علمه بأن القادر على خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم. وأما الآية الأخيرة فقوله: (.. إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الثاس لا يشكرون) ، ومَن كان لله فضل عليه فهو محتاج إلى أن يؤدي حقّه بالشكر، فقال تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) : لا يقابلون نعمة الله عليهم

стр. 1119

بما يستديمها لهم من الشكر الذي يربطها لديهم، فقد بان أن كل ما ختمت به آية هو في مكانه اللائق به، ولا يقتضي سواه. وبالله التوفيق.

стр. 1120

سورة حم السجدة الآية الأولى قوله تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ.... للسائل أن يسأل فيقول: ذُكر في هذه الآية أنه خلق الأرض في يومين، ثم قال: وجعل فيها الجبال مع سائر ما ذكر في أربعة أيام، وقضى السموات السبع في يومين، فهذه ثمانية أيام، وقد قال فِى موضع آخر: خلق السموات والأرض وما

стр. 1121

بينهما في ستة أيام؟. وما أجاب به المفسرون هو أن معنى قوله: (في أربعة أيام أي: فى تتمة أربعة أيام وفيكون لِخلق الأرض يومان، ولِخلق ما فيها من الجبال والأقوات والشجر والمياه وغيرها من عامر وغامر يومان، فتكون الأربعة أيام

стр. 1122

المذكورة معها يوماَ خلقِ الأرض، قالوا: وهذا كما تقول: سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وسرت إلى الكوفة في خمسة عشر يوما وأنت تعني خمسة عشر، مع العشرة التي سرت فيها من البصرة إلى بغداد، فتخبر عن جملة الأيام التي وقع السير فيها. وكذلك أخبر الله تعالى عند ذكر ما خلقه في الأرض عن جملة الأيام التي وقع فيها خلق الأرض وما اتصل بها، وإنما ضمّ اليومين إلى اليومين المتقدعين لاتصال خلق ما في الأرض بخلق الأرض. هذا ما أجاب به أهل التفسير والنظر وأُولو المعرفة بكلام العرب.

стр. 1123

وبقي سؤال يحتاج إلى جواب وهو أن يقال: ما الذي أوجب في العربية أن يُضمّ اليومان اللذان أرسيت فيهما الجبال وأخرجت فيهما من الأرض المياه إلى اليومين اللذين وقع فيهما خلق الأرض؟ وهلا ذُكر يوماَ ذلك مفردين على اليومين المتقدمين ليزول الإشكال ولا يقع الاعتراض. والجواب عن ذلك: سوى ما يقوله النظار من ردّ المتشابه إلى المحكم وبنائه عليه بموجب النظر ليتبين مزية أهل العلم وما خصوا به من الفضل ووُعدوه من جزيل الأجر هو أن يقال: إن في الكلام ما أوجب ضم اليومين إلى اليومين الأولين فذكر أربعة أيام في هذا المكان، وهو من دقيق الكلام فى الإعراب، وذلك أنه تعالى قال: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) فتمت

стр. 1124

الذي " بصلتها، وصلتُها: (خلق الأرض) وانقطعت الصلة بقوله: (وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين) لأن (وتجعلون معطوف على قوله: (لَتَكْفُرُونَ) فانقطعت الصلة بالعطف على ما قبل الموصول والصلة، وقوله بعد ذلك: (وجعل فيها رواسي من فوقها) عطف على قوله: (خلق الأرض في يومين) ولا يصح العطف على فعل هو صلة "الذي"، وقد حجز بينهما كلام أجنبي عنهما، فلو قلت الذي خرج محمد وركب، لم يَجُز، لأن قولك "وركب معطوف على "خرج، و (خرج،) صلة الذي " وقد انقطعت بقولك: "محمد، فلا يصح العطف على الصلة مع حجزه، ولو قلت: الذىِ خرج وركب محمد، صلح. وإذا كان كذلك وجاء قوله: (وجعل فيها رواسي) معطوفا على (خلق الأرض) وامتنع هذا العطف لما ذكرت، لم يكن بدُّ من أحدِ أمرين: إما أن يُنوى بهذه الجملة المعطوفة التقديم حتى تعطف على (خلق الأرض) وينوى بقوله: (وتجعلون له أندادا) التأخير، وهذا مما يجوز في ضرورات الشعر، وهو قبيح

стр. 1125

وإما أن تعطف على فعل مثل ما وقع في الصلة بدلالة الأول عليه، فيضمر: (خلق الأرض ِ) ، وهو ما دل عليه الأول، ثم يعطَف: (وجعل فيها رواسي من فوقها عليها) ، "فيصير كأنه قال: أئنكم لَتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها، وقدّر فيها أقوأتها في أربعة أيام، فيضم) اليومان اللذان يقتضيهما خلق الأرض إلى اليومين اللذين هما لِخلق ما فيها للمعنى الداعى إلى إضمار قوله: (خلق الأرض) ، بعد قوله: (ذلك رب العالمين) فهذا الذي أوجب من طريق اللفظ والمعنى أن يتناول الخبر الثانى فى المعطوف على الأول جملة الأيام التي وقع فيها خلق الأرض وما اتصل بها وهو بيّن
следующие страницы →