← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1340

درة التنزيل وغرة التأويل

الخطيب الإسكافي

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

بينهما في ستة أيام؟. وما أجاب به المفسرون هو أن معنى قوله: (في أربعة أيام أي: فى تتمة أربعة أيام وفيكون لِخلق الأرض يومان، ولِخلق ما فيها من الجبال والأقوات والشجر والمياه وغيرها من عامر وغامر يومان، فتكون الأربعة أيام

стр. 1122

المذكورة معها يوماَ خلقِ الأرض، قالوا: وهذا كما تقول: سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وسرت إلى الكوفة في خمسة عشر يوما وأنت تعني خمسة عشر، مع العشرة التي سرت فيها من البصرة إلى بغداد، فتخبر عن جملة الأيام التي وقع السير فيها. وكذلك أخبر الله تعالى عند ذكر ما خلقه في الأرض عن جملة الأيام التي وقع فيها خلق الأرض وما اتصل بها، وإنما ضمّ اليومين إلى اليومين المتقدعين لاتصال خلق ما في الأرض بخلق الأرض. هذا ما أجاب به أهل التفسير والنظر وأُولو المعرفة بكلام العرب.

стр. 1123

وبقي سؤال يحتاج إلى جواب وهو أن يقال: ما الذي أوجب في العربية أن يُضمّ اليومان اللذان أرسيت فيهما الجبال وأخرجت فيهما من الأرض المياه إلى اليومين اللذين وقع فيهما خلق الأرض؟ وهلا ذُكر يوماَ ذلك مفردين على اليومين المتقدمين ليزول الإشكال ولا يقع الاعتراض. والجواب عن ذلك: سوى ما يقوله النظار من ردّ المتشابه إلى المحكم وبنائه عليه بموجب النظر ليتبين مزية أهل العلم وما خصوا به من الفضل ووُعدوه من جزيل الأجر هو أن يقال: إن في الكلام ما أوجب ضم اليومين إلى اليومين الأولين فذكر أربعة أيام في هذا المكان، وهو من دقيق الكلام فى الإعراب، وذلك أنه تعالى قال: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) فتمت

стр. 1124

الذي " بصلتها، وصلتُها: (خلق الأرض) وانقطعت الصلة بقوله: (وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين) لأن (وتجعلون معطوف على قوله: (لَتَكْفُرُونَ) فانقطعت الصلة بالعطف على ما قبل الموصول والصلة، وقوله بعد ذلك: (وجعل فيها رواسي من فوقها) عطف على قوله: (خلق الأرض في يومين) ولا يصح العطف على فعل هو صلة "الذي"، وقد حجز بينهما كلام أجنبي عنهما، فلو قلت الذي خرج محمد وركب، لم يَجُز، لأن قولك "وركب معطوف على "خرج، و (خرج،) صلة الذي " وقد انقطعت بقولك: "محمد، فلا يصح العطف على الصلة مع حجزه، ولو قلت: الذىِ خرج وركب محمد، صلح. وإذا كان كذلك وجاء قوله: (وجعل فيها رواسي) معطوفا على (خلق الأرض) وامتنع هذا العطف لما ذكرت، لم يكن بدُّ من أحدِ أمرين: إما أن يُنوى بهذه الجملة المعطوفة التقديم حتى تعطف على (خلق الأرض) وينوى بقوله: (وتجعلون له أندادا) التأخير، وهذا مما يجوز في ضرورات الشعر، وهو قبيح

стр. 1125

وإما أن تعطف على فعل مثل ما وقع في الصلة بدلالة الأول عليه، فيضمر: (خلق الأرض ِ) ، وهو ما دل عليه الأول، ثم يعطَف: (وجعل فيها رواسي من فوقها عليها) ، "فيصير كأنه قال: أئنكم لَتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها، وقدّر فيها أقوأتها في أربعة أيام، فيضم) اليومان اللذان يقتضيهما خلق الأرض إلى اليومين اللذين هما لِخلق ما فيها للمعنى الداعى إلى إضمار قوله: (خلق الأرض) ، بعد قوله: (ذلك رب العالمين) فهذا الذي أوجب من طريق اللفظ والمعنى أن يتناول الخبر الثانى فى المعطوف على الأول جملة الأيام التي وقع فيها خلق الأرض وما اتصل بها وهو بيّن

стр. 1126

لمن تنبّه إليه مفسّر. فاعرفه.

стр. 1127

الآية الثانيهّ منها قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) . وقال في سورة الزخرف: (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وقال قبله: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا يعني أبواب جهنم وقال بعده: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) يعنى أبواب الجنة للسائل أن يسأل عن زيادة (ما) بعد إذا في سورة السجدة وحذفها فى الموضع الآخر؟

стр. 1128

والجواب أن يقال: إنه إذ قصد توكيد معنى الشرط الذي تتضمنه "إذا" لقوة معنى الجزاء استعملت "ما" بعدها، وإذا لم يقصد ذلك لقرب معنى الجزاء من الشرط لم تستعمل، (ما) بعدها. فقوله تعالى: ((حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ) شهادة السمع وسائر الجوارح من المعاني القوية التي لا يقتضيها الشرط الذي هو المجيء، ألا ترى استنكارهم لها حين قالوا لجلودهم: (لِم شهدتم علينا) فأجابوا بأن: (قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء) ، وليس كذلك (حتى إذا جاءوها فتحت أبوأبها) : ٧١، لأن المجيء يقتضي فتح الأبواب، وإن أضمِر في الثاني الجزاء على معنى: حتى إذا جاءوها نالوا المُنى عندها وأدركوا

стр. 1129

مطلوبهم وموعودهم فيها، فقد صار المكان مكان اختصار وحذف لما لا بد للكلام منه، فكيف يزاد فيه ما يستغني عنه؟ وكذلك: (حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك) أي: قال الآدمي لقرينه من الجن اللذَيْن اشتركا في الدنيا في معصية الله تعالى، ثم اشتركا في العذاب في الآخرة: يا ليتني لم أتبعك، وكان بعْدُ ما بين المشرقين بيني وبينك. وهذا أيضا مما يتوقع كونه منهما، ثم يتبرّي بعض من بعض، فليس في الجزاء ما يوجب قوة الشرط من المعنى الذي لا يتوقع ولا يستفاد إلا به ومنه، ولا يكون في الشرط تنبيه عليه وإشارة اليد، فيتركُ التوكيد حيث لا يدعو داع إلى الإتيان به أحسن، وإذا دعا الداعي إليه فالإتيان به أحرى وأقمن

стр. 1130

الآية الثالثة منها قوله تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) وقال في سورة الأعراف: " (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) للسائل أن يسأل عن التوكيد في سورة السجدة، في قوله: (إنه هو السميع العليم وتعريفه الصفتين بالألف واللام، وترك التوكيد بقوله "هو، وترك التعريف في (سميع عليم من الأعراف؟ والجواب أن يقال: إن الذي في سورة السجدة لما كان بعد دعاء إلى ما يشق على الإنسان فعله، وهو أن يدفع السيئة بالحسنة " ويقابل غلظة عدوه بالملاينة، استكفافاً لشره وأذاه حتى يعود إلى اللطف في المقال والجميل في الفِعال، فيصير وإن كان عدوا كأنه صديق حميم قريب القربى.

стр. 1131

ثم قال: (وما يلقاّها إلا الذين صبروا) أي: ما يوفق لذلك إلا مَن ملك أمر نفسه، وصبر على احتمال الأذى من عدوه، ولا يوفق لذلك إلا مَن له نصيب وافر، وحظ جزيل من الإسلام. وهذا الذي بعث الله نبيه ﷺ وسائر المؤمنين عليه ما ينتهز الشيطان الفرصة عنده، ويبعث على عداوة من تجلب عداوته ضره، ويوسوس إلى الغضبان بالحمية والأنَفَة، وإذا كان الإنسان ثابت العزم، مالكاً لنفسه عند الغضب فجاءه من قبل الشيطان مثل ما ذكرت مما يحمل على خلاف ما رغّب الله تعالى فيه، ويدعو إلى معصيته، ووجد في نفسه فسادا يتزين له من جهة شيطانه فهو مأمور عند ذلك بالاستعاذة

стр. 1132

بالله من الشيطان الرجيم، ومن ضرر ما يحمل عليه ليعيذه الله تعالى منه. فلما كان الأمر الذى بعث الله تعالى عليه أولياءه شاقا عظيما حتى قال: (وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم كانت وسوسة الشيطان فِى مثله أعظم، والمؤمن لها أيقظ، ومِن قبولها أبعد، وكان الترغيب في مدافعته أبلغ، وتقدير علم الله تعالى. بما يلاقي من ذلك أودكد فجاء قوله: (إنه هو السميع العليم) أي لا سميعا عليما قديما إلا هو، فهو لم يزل يعلم ما يكون قبل أن يكون، وكيفية ما يتكلف به من المشاق فيما دعاك إليه. فهذا وجه التوكيد والتعريف في هذه الآية. وأما الآية التي في سورة الأعراف فإن قبلها: (خذ العفو وأمُرْ بالعُرف

стр. 1133

وأعرض عن الجاهلين) ولم تعظم فيها الأفعال التي دعا إليها كما عظمت في سورة السجدة. بل كان ما هناك بعثا على أحسن الأخلاق، ولم يخص نوعا من المشاق كما خص في سورة السجدة، فلم تقع المبالغة في اللفظ فاقتصر في الخبر على الأصل، وهو: (إنه سميع عليم) أي يسمع ما يكون منك ويعلمه مع كل مسموع ومعلوم، فجعل اسم "إن " معرفة وخبرها نكرة، - وذلك الأصل قبل تأكيد الألفاظ. لتأكيد المعاني. فاعرفه إن شاء الله تعالى.

стр. 1134

صفحة فارغة

стр. 1135

الآية الرابعة منها قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) . وقال في سورة حم عسق: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) . للسائل (٣) أن يسأل عن خلو هذه الآية من ذكر النهاية المذكورة في الأخيرة، وهو قوله: (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) . والجواب أن خبر الله تعالى عما آتاه موسى ﵇ عن التوراة يدل على أن أولئك القوم اختلفوا فيه كاختلاف مَن في عصر النبي ﷺ (في القرآن الذي أنزل عليه، ثم قال؟ (ولولا كلمة سبقت من ربك) أي: لولا أن الله تعالى قال: إني أوفّي كلا من المطيع والعاصي حقه من الثواب والعقاب فى الآخرة لأنزل بكل ما

стр. 1136

ما يجب له وعليه عند فعله في الدنيا، فأخبر أنْ سبيلهم في الإمهال سبيلهم لما سبق من حكم الله تعالى، وقوله في تأخير المستحق من الثواب والعقاب إلى الآخرة. فأما اختصاص ما في سورة حم عسق بذكر النهاية في قوله: (إلى أجل مسمى) فلأن قبله: (وما تفرقرا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) ، فأخبر مبتدإ كفرهم وهو إنكارهم بعد مجيء العلم، أي: القرآن والآيات التي أوقعت العلم بصحة ما جاء به النبي ﷺ . فلما قال: إلا من بعد ما جاء و "من، لابتداء الغاية، وكان ذلك ابتداء كفرهم ذكرت النهاية التي أمهلوا إليها ليكون ابتداء عقابهم، فيكون الحد مذكورا مع الحد، ولأنه جرى ذلك محدودا من الطرفين، قال بعده: (ولولا كلمة الفَصْل

стр. 1137

أي: لولا قوله: إني أفصل في الآخرة لأفصل في الدنيا. وهذا بيّن واضح فاعرفه.

стр. 1138

الآية الخامسة منها- قوله تعالى: (ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسّته لَيقولَن هذا لي،. وقال في سورة هود،: (ولئن أذقناه نعماءَ بعد ضراء مسّتْه لَيقولَنّ ذهب السيئآت عنى إنه لَفَرِح فخور) . للسائل أن يسأل فيقول: قوله في السجدة: (ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسّتْه) ولم يكن في سورة هود "منا، ولا "مِن ". والجواب: أن يقال: إن قوله (منا) مما بالكلام إلى ذكره حاجة، وقد أستغنى عنها في سورة هود ﵇ لتقدم ذكرها في الآية التي قبلها، وهي: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعْناها منه إنه ليئوس كَفور) . وأما قوله: (من بعد ضراّء مسته) فلأنهِ لما حد الرحمة والجهة الواقعة منها حدّ

стр. 1139

الطرف الذي بعدها ليتشاكل المقترنان في التحقيق،، ولما لم يكن ذلك في الآية التي في سورة هود من حدّ في الأول لم يحتج إليه في الثاني.

стр. 1140

الآية السادسة منها قوله تعالى: (قل أرأيئم إن كان من عند الله ثم كفرتم به مَن أضلُّ ممن هو في شقاق بعيد) ،. وقال في سورة الأحقاف: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) . للسائل أن يسأل عن قوله: (ثم كفرتم به) في الأول وقوله: (وكفرتم به) في الثانى، وهل يصلح كل واحد منهما مكان الآخر؟ والجواب: أن يقال: إن معنى قوله: (قل أرأيتم إن كان من عند الله أرأيتم إن كان ما أتيتكم به من كلامه وسائر ما أدّيته إليكم من أمور دينه، وكان قصاراكم وآخر أمركم: الكفر به، فهل ترون أضل منكم عن الصواب؟ فإن لم تحققوه فلا بد من أن تتأملوا فيه فتعلموا بعدَكم عن الهدى وإيغالكم في الضلال، فذكر

стр. 1141

فعلين أحدهما: (إن كاد من عند الله) وختمه بقوله: (ثم كفرتم به) على معنى: أنكم بعد إمهالي لكم لتدبّره وحثّي إياكم على تأمله كان عاقبة أمركم: الكفر به، فلم يحسُن في المعنى إلاّ، (ثم) ، للمهلة بين الاستدعاء إلى الحق، وخاتمة أفعالهم بالكفر وهو من مواضع "ثم". وأما في سورة الأحقاف فإن قوله: (وكفرتم به) لم يجعله آخر ما أخبر به في القصة وخاتمة أمره معهم من الدعوة، بل ذكر (وكفرتم به) وعطف عليها أفعالا بعدها، وهى: (وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم) فكأنه قال: قابلتم بالكفر ما أتيت به؟ واحتج عليكم مِن بني إسرائيل مَن قرأ الكتب

стр. 1142

وعرف ما أتيت به من الصدق فآمن وتكبرتم عما التزم من التذلل في طاعة الله تعالى، ألا تكونون ظالمين بذلك والله لا يهدي القوم الظالمين إلى ما يهدي إليه المؤمنين. فلما لم يجعل قوله: وكفرتم به) الكفر الذي يوافي به الآخرة لما ذكر بعده من الاحتجاج عليهم وتوقع من إيمانهم، وشهادة مَن كان على دينهم وإيمانه، واستكبارهم، خالف المكان الذي ختمت أفعالهم فيه بالكفر فاستعملت " الواو،، هنا بدل استعمال ((ثم)) هناكْ. والسلام.

стр. 1143

سورة الشورى الآية الأولى منها قوله تعالى: (ولَمن صبر وغفر إن ذلك لَمن عزم الأمور) . وقال قبله في سورة لقمان (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) . للسائل أن يسأل عما اقتضى توكيد الخبر باللام في سورة حم عسق في قوله: (لَمن عزم الأمور) وتركه في سورة لقمان؟ والجواب أن يقال: إنّ ما رغب الله تعالى فيه عبده من الصبر على ما آلم قلبه من جناية جان عليه حتى يغفر لمن ظلمه ويهب له من القصاص حقه ترغيب فيما يشق

стр. 1144

على الإنسان فعله، إلا أن الله حسّنه. بما وعد مَن عفا عما يجب له من الأجر الذي ضمنه، ففيه مع جزيل الثواب إصلاحُ ما بين عشيرته وعشيرة الجانى عليه بإطفاء الثائرة عنهما، وإذا كان ذا من أصعب ما يتحمله الإنسان وجب من توكيد الكلام فيه ما لا يجب في غيره فأدخلت اللام على: (لَمن عزم الأمور) ، على معنى أنه من الأمور التي يُحتاج إلى توطين النفس عليها، وتخير أرفعها وأعلاها. وليس كذلك ما في سورة لقمان؟ لأنه قال: (واصبر على ما أصابك) وليس يختص صبرا على ظلم يلحقه فيرغب في العفو عن الظالم بل تكون شدائد لا يهيّج النفوس الانتصار فيها ولا تدعو دواع إلى الانتقام لها من الرزَايا في الأنفس والأموال، وما يكون من قبل الله تعالى مما تعبّدنا فيه بالصبر وليس لنا غيره.

стр. 1145

فأما الموضع الذي أبيح فيه الانتصاف فالصبر فيه أشق، وكظم الغيظ معه أشد، والكلام فيه إلى التوكيد أحوج. ألا ترى أن صبر مَن قُتل بعضُ أعزته رغبة فيما وعده الله تعالى من مثوبة ليس كصبر مَن مات له بعض أحبته، فافتقر المكان الأول من تقوية الكلام فيما ينبه على الأفضل ما لم يحتج إليه المكان الآخر.

стр. 1146

الآية الثانية منها. قوله تعالى: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) . وقال في سوة الروم: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) . للسائل أن يسأل عن اختلاف ما انقطع إليه قوله: (لا مردّ له من الله) فجاء في هده السورة: (مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ) وفي الروم: (يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) . والجواب أن يقال: إن قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين القيم) معناه: استقم أنت ومن معك من المؤمنين على الدين المستقيم من قبل أن مجيء يوم لا ينفع فيه الإيمان فكأنه خاطب الناس بالاجتماع على الإيمان والتآلف على الإسلام قبل

стр. 1147

يوم القيامة الذي تتفرق فيه الجموع، ففريق في الجنة وفريق في السعير (يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم) فلما كان قوله: (فأقم وجهك للدين القيم) أمراً للناس كلهم بالاجتماع على الحق ورفض الباطل حذّرهم التفرق في الآخرة، ومصير المطيع إلى دار الثواب والعاصي إلى دار العقاب فكان هذا ملائما لما قبله. والآية التي في سورة حم عسق جاءت بعد قوله: (أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) . فلما قال: إن الظالمين لا وليّ لهم ينصرهم من دون الله قال عند ذكر اليوم الذي لا مرد له من الله: (مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ) أي لا معقل لكم

стр. 1148

تعتصمون به من عذاب الله، ولا يمكّنكم إنكار ما يحل بكم بدفعه عن أنفسكم بنصرة ناصر لكم فاقتضى ما تقدم من ذكر أنه لا ناصر لهم يدفع عذاب الله تعالى عنهم سدّ طرق النجاة دونهم بأنه لا ملجأ لهم ولا ذابّ عنهم ومن دهمه الخطب العظيم الذي لا يطيق احتماله فلم يجد مهربا ولا ناصرا لم يبق له إلا الاستسلام) . والله أعلم) .

стр. 1149

الآية الثالثة منها قوله تعالى: (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠) . وقال بعده (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) . للسائل أن يسأل عن مجيء (عليم قدير) بعد ذكر الذُكران والإناث من الأولاد والنعمة بهما على العباد، ومجيء (علىّ حكيم) بعد ذكر الجهة التي منها يَرِد أمر الله تعالى لعباده بطاعته، ونهيه لهم عن معصيته، واختلاف أحوال الرسل في خطابه لهم وأمره إياهم، وهل للصفتين الأولتين اختصاص بالآية التي ختمت بهما، وللصفتين الأخرتين اختصاص بما جاءتا بعده.

стр. 1150

والجواب أن يقال: لمّا نبّه الله تعالى العباد على ما يشاهدون خلْقه لهم من أولادهم ذكورهم وإناثهم، وأنه يخصّ مَن يشاء بالإناث، ويختص من يشاء بالذكور، أو يؤلفهم ببناتٍ وبنين فيجمعهما للواحد، ومن أراد أن يعْقِمَه من الوالدين حتى لا يكون له نسل حَرَمَه الولدَ، والناسُ في الأولاد لا ينفكون عن الأحوال الثلاث، قال عقيبه: (إنه عليم قدير) أي يعلم الغيب

стр. 1151

ويطلع على العواقب، فيفعل ما يصلح دون ما لا يصلح، وهو قادر لا قدرة كقدرته، فاختلاف الأحوال التي ذكرها هو لعلمه بما يصلح منها، وقدرته على إيجادها فاقتضى الفعل المتقدم هذين الوصفين. وأما قوله: (إنه علي حكيم) فالعلي: القادر على الشيء القاهر له، وكذلك قال الشاعر: اعمد لمِا تعلو فَماَ لك بالذي لا تَستَطِع من الأمور يَدانِ

стр. 1152

فجعل بإزاء تعلو: لا تستطع، فالقادر على الشىء أتم قدرة يكون عالما به قاهراً له، فذكر هذا الوصف يعد الأشرف من الأفعال من بعثة الرسل على

стр. 1153

اختلاف السبل وأنه قاهر لمِا أراد فعله من ذلك، إنما أراد فعلا على وجه الصواب، لا مزيد عليه وهو الوجه الذي تقتضيه الحكمة. وجواب ثان في قوله: (عليّ حكيم) أنه يتعالى عن أن يكون كلامه لمن يكلم ككلام غيره ممن يشاهد المكلّم له مشاهدة رؤية، فهو عليّ عن

стр. 1154

ذلك وحكيم في إبلاغهم كلامه من الوجه الذي ذكره والقِسم الذي قسمه، فقد تبتتَ أن كل آية اتبعت ما اقتضته. وقد ذهب بعض أهل النظر إلى أن معنى قوله: (أو يزوجهم ذُكراناً وإناثا) : أن يزوج ذكران عبيده بإناثهم، وهذا لا يكون ب (أو) لأنه لا يهب الإناث ولا الذكور إلا أن يزوج ذكرانهم بإناثهم، فليس هو قسما ثالثا تدخله

стр. 1155

(أو) حتى يقال فيه: هذا أو هذا، وإنما وجه الكلام ما ذكرنا، والقسمة التي لا مزيد عليها ما قسمنا، فاعرفه.

стр. 1156

سورة الزخرف الآية الأولى منها قوله تعالى: ( ... وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤) . وقال (في سورة الشعراء: (قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) . للسائل أن يسأل عما أوجب التوكيد في قوله هنا (لمنقلبون) . ولم يوجبه في سورة الشعراء حتى لم تدخل اللام على خبر (إنا) دخولها في الأول والجواب أن يقال: إن " معنى قوله: (وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا) إلى آخر الآية: لتذكروا إنعام الله عليكم وتشكروه، وتخالفوا الكفار بأن تقروا بما أنكروه فتؤمنوا بالبعث والحياة بعد الموت وهذا خطاب لكل مَن كان في ذلك العصر.

стр. 1157

ومن أن يكون بعدهم إلى انقضاء الدهر، فالتوكيد لمثله لازم، وفي الكلام الذي للتأييد واجب. والذي في سورة الشعراء إنما هو خبر عن السحرة لما آمنوا ووصفوا حالهم واستهانتهم بما خوّفوا أن ينالهم من عقوبة فرعون، إذ كان منقلبهم إلى ربهم وكانوا مجازين على إيمانهم وصدقهم وصبرهم، فلم يحتج من التوكيد إلى ما احتاج إليه ما هو على التأييد.

стр. 1158

الآية الثانية منها قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) . وقال في سورة الجاثية: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) . للسائل أن يسأل عما بعد قوله: ما لهم بذلك من علم) في سورة الزخرف: (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) وما بعده من سورة الجاثية: (إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) ، وهل لاختصاص كل باللفظة التي تقارنه فائدة تقتضيها؟ والجواب أن يقال: إن قبل الآية من سورة الزخرف: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) . فأخبر عنهم أنهم قالوا: الملائكة بنات الله وأن الله أراد أن يعبدوهم، (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ)

стр. 1159

وليس ذلك من علم، بل هم كاذبون فيما يدعونه، ويخبرون به، فأبطل خبرهم بالتكذيب لهم وهو الذي يليق بالموضع. والذي في سورة الجاثية خبر عن الكفار الذين دعاهم النبي ﷺ إلى الاسلام بأنهم قالوا: لا بعث لنا وإنما هو أن تموت الأسلاف وتحيى الأخلاف، فكلما هدم الدهر قوما فأفناهم أنشأ فيه آخرين وأحياهم، وهؤلاء لم يقولوا ما قالوا بمعرفة بل قالوه على سبيل الظن فكان، (إن هم إلا يظنون) لائقأ بهذا المكان كما لاق بالأول: ْ (إن هم إلاّ يخرصون) .

стр. 1160

الآية الثالثة منها قوله تعالى: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) ... ) ثم قال بعده (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) للسائل أن يسأل عن قوله (مُهْتَدُونَ) في فاصلة الآية الأولى و (مُقْتَدُونَ) في فاصلة الآية الثانية، وهل كانت تصلح هذه مكان تلك أم هناك معنى يخصصها بمكانها؟ الجواب أن يقال: إن الأولى حكاية قول الكفار الذين حادوا النبي ﷺ فقال مخبرا عنهم (أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ) أي من قبل القرآن فهم به مستمسكون) أي كتابا فيه حجة بصحة دعواهم فهم
следующие страницы →