Полный текст (1 361 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
يقول الخطيب في كتابه المجالس.
مسألة من المعشرات في آي القرآن، وهي التي لكل واحد منها عشرة أجوبة من الآيات التي يعترض بها الملحدون (٢١٠) .
وقول الخطيب في مقدمة كتابه درة التنزيل ففتقت من أكمام المعاني ما أوقع فرقانا، وصار المبهم المتشابه، وتكرارا المتكرر تبيانا، ولطعن الجاحدين ردا، ولمسلك الملحدين سدا (٢١١) .
وفي نهاية تفس الكتب يشير من جديد إلى الغرض الذي من أجله ألف كتابه الدرة ويقول: هذا آخر
٢٠٧ في طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند ١/٤٨ إشارة في الهامش إلى نسخة فيها: الحصافي بدلا من الحصكفي، يقول المحقق قلت: وفي كشف الظنون لحاجي خليفة ٢/١٨١٣ الحصنكفي.
ما تكلمنا عليه من الآيات التي يقصد الملحدون التطرق منها إلى عيبها.. (٢١٢) .
ولا يخفى علينا أن النصوص التي أوردناها من الكتابين الدرة والمجالس تشابها في أمر بارز، وهو: الاتفاق بين الكتابين في الغرض الذي من أجله تناوله مؤلفنا مثل هذه الآيات.
يقول في المجالس مسألة من المعشرات في آي القرآن، وهي التي لكل واحد منها عشرة أجوبة من الآيات التي يعترض بها الملحدون.
стр. 107
ويقول في مقدمة كتابه درة التنزيل: ولطعن الجاحدين ردا، ولمسلك الملحدين سدا..
ويقول في نهاية الدرة كما مر آنفا: هذا آخر ما تكلمنا عليه من الآيات التي يقصد الملحدون التطرق منها إلى عيبها.. ٢١٣.
وهناك ملاحظة تجذب الانتباه، وهي استعمال كلمة والسلام في أواخر الآيات التي يتناولها في هذا الكتاب (٢١٤) وفي كتابه المجالس في آخر كل مجلس (٢١٥) .
هذه بعض الأدلة والقرائن التي تثبت أن كتاب درة التنزيل صحيح النسبة مؤلفة أبي عبد الله
٥٣
الخطيب، وتعيد نسبة الكتاب إلى صاحبه بعد أن تردد طويلا بين مؤلفين جمع بينهم مجرد البلد أو الكنية أو الحرفة والله أعلم.
стр. 108
مناقشة بعض الآراء التي تنفي الكتاب عن الخطيب:
يذهب الأستاذ الدكتور أحمد فرحات (٢١٦) إلى أن عدم ذكر ابن الزبير الغرناطي في كتابه ملاك التأويل اسم الخطيب يدل على شكله في نسبة كتاب درة التنزيل إلى الخطيب.
والسؤال هنا: لماذا كانت عبارة ابن الزبير تدل على شكله في نسبة الكتاب إلى الخطيب فقط، ولا تدل على شكله في نسبته إلى قوام السنة الذي نسبه إليه (٢١٧) ، فلو سلمنا جدلا أن العبارة تحمل
معنى الشك وهذا غير مسلم، فهو شك بالنسبة للجميع، وليس للخطيب فقط.
ومما يذكره الدكتور أحمد فرحات أيضا في نفي نسبة الكتاب إلى الخطيب أن الخطيب لم يعرف في التفسير..، ولم يعرف له كتابا في التفسير إلا ما قيل من نسبة كتاب الدرة وفي بعض ما يغلط به أهل الأدب، ولطف التدبير في سياسة الملوك، وغلط
стр. 109
كتاب العين، ونقد الشعر، ونقض العثمانية وهي للجاحظ، وشرح كتاب سيبويه (٢١٨) .
أقول جوابا على هذه النقطة:
هل هناك تعارض بين اللغة والتفسير؟ والتفسير من أسسه اللغة، وكثير من علماء اللغة ألفوا في تفسير القرآن وإعرابه ومعانيه، بل إن الزمخشري وهو إمام من أئمة اللغة، وضع أعظم كتبه في التفسير من حيث اللغة والبلاغة، وهو الكشاف، مع علمنا بما شأنه به من الإعتزاليات.
وهكذا أثار الدكتور أحمد فرحات جملة من أمثال هذه الأقوال، وكلها لا تثبت عند البحث والتمحيص العلمي.
لكن الأستاذ الدكتور أحمد فرحات بعد هذه الجولة ينسب الكتاب إلى قوام السنة الأصبهاني، وسنعود لمناقشة هذا بعد نفي نسبة الكتاب إلى الراغب الأصفهاني إن شاء الله تعالى.
كتاب درة التنزيل ليس للراغب الأصفهاني:
وقد نسب كتاب درة التنزيل إلى الراغب بعض الذين نقلوا عن الكتاب مثل الإمام الآلوسي ١٢١٧هـ، صاحب روح المعاني، حيث نقل عن كتاب الدرة أكثر من مرة ونسبة إلى الراغب، ومن الأمثلة على ذلك:
стр. 110
يقول الآلوسي رحمه الله تعالى: وعن الراغب معنى قوله تعالى: (هم الذين يقولون لا تنفقوا..) (٢١٩) المنافقون: ٧ أنهم يأمرون بالإضرار بالمؤمنين وحبس النفقات، ولا يفطنون أنهم
٥٤
إذا فعلوا ذلك أضروا بأنفسهم، فهم لا يفقهون، ذلك، ولا يفطنون له.. (٢٢٠) .
هذه العبارات تقارب تقارب تماما عبارات الخطيب في درة التنزيل (٢٢١) .
والآلوسي ﵀ أحيانا ينقل عن الدرة ولا يصرح باسم مؤلفه، وهذا يدلنا على أنه إما نقل
بالواسطة وإما أنه يشك في نسبته إلى الراغب، حيث يقول:
وقال بعضهم قدم أمر خلق الإنسان من نطفة لأن النعمة في ذلك قبل النعمة في الثلاثة بعد، ثم ذكر بعده ما به قواه الإنسان من فائدة الحرث وهو الطعام الذي لا يستغني عنه (٢٢٢) الجسد الحي، وذلك الحي، وذلك الحب الذي يختبر قيحتاج بعد حصوله إلى حصول الماء ليعجز به.. (٢٢٣) .
هذه العبارة تقارب أيضا من عبارات الخطيب في درة التنزيل (٢٢٤) .
стр. 111
وفي بعض الأحيان يصرح الآلوسي باسم الراغب، ولكنه ينقل بصيغة التمريض حيث يقول: ونقل عن الراغب ما يدل على أن المقام في هذه الآية مقام الضمير حيث ذكر عنه أنه قال في درة التنزيل (٢٢٥)
إن أول ما يطالعنا في هذه المواضع التي نقل فيها الآلوسي عن كتاب درة التنزيل أن الآلوسي لا يستخدم صيغة الجزم، وإنما يذكر العبارات التالية: عن الراغب (٢٢٦) ، ونقل عن الراغب (٢٢٧) ، وقال بعضهم (٢٢٨) . والذي يبدو والله أعلم أن وجود اسم الراغب الأصبهاني على غلاف النسخة التي وقف عليها الآلوسي هو الذي أدى إلى هذا الخطأ، حيث إنه أثبت ما وجده على الغلاف، علما بأن الجميع النسخ المنسوبة إلى الراغب كما أشرنا سابقا انفردت من بين النسخ المنسوبة إلى الخطيب بعدم ورود اسم الراوي، واسم الكتاب، واسم مؤلفه في مقدمة الكتاب. كما حصل ذلك لأبي عبد الله البلنسي ت ٧٨٢هـ في كتابه تفسير مبهمات القرآن المرسوم بصلة الجمع وعائد التذييل.. (٢٢٩) ، حيث نسب كتاب درة
стр. 112
التنزيل إلى رواية
ابن أبي الفرج الأردستاني (٢٣٠) ، لوجود اسمه على غلاف بعض النسخ، وهو في الحقيقة من تأليف الخطيب بدليل ما كتب في مقدمة تلك النسخ من أنه قد أملأه عليه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب في القلعة الفخرية إملاء (٢٣١) .
ومما ينفي نسبة الكتاب إلى الراغب أيضا وجود الناقلين عن الكتاب، القريبين من عهد المؤلف كأبي مسلم، والكرماني اللذين صرحا بسام أبي عبد الله الخطيب (٢٣٢) ، إذ أن هذا الاسم والكنية
٥٥
لا يشترك فيهما الراغب الأصفهاني، الذي هو الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصفهاني (٢٣٣) .
ومن الأدلة التي تنفي أيضا نسبة الكتاب للراغب عدم وجود تشابه بين الكلمات التي فسرها الراغب في المفردات وبين الكلمات المفسرة في الدرة، ومن أمثلة ذلك:
стр. 113
قال الراغب في المفردات في معنى الوليجة: الولوج: الدخول في مضيق، قال تعالى (حتى يلج الجمل في سم الخياط) الأعراف: ٤٠..، والوليجة: كل ما يتخذه الانسان معتمدا عليه، وليس من أهله، من قولهم: فلان وليجة في القوم: إذا لحق بهم وليس منهم، إنسانا كان أو غيره.. (٢٣٤)
وقال الخطيب في بيان معنى الكلمة نفسها: فقولك: ولج، بمعنى دخل، والوليجة: المدخل، وهو الوسيلة التي يدخل بها (٢٣٥) الانسان حريم الانسان، كالباب المفتوح له يفعل فعله.. (٢٣٦) .
مثال آخر: قال الراغب في معنى السلطان: السلاطة: التمكن من القهر، يقال: سلطته عليه، فتسلط، قال تعالى: (ولو شاء الله لسلطهم) النساء: ٩٠..، ومنه سمي السلطان، والسلطان: يقال في السلاطة، نحو: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) الإسراء: ٣٣..، وقد يقال لذي السلاطة، وهو الأكثر، وسمي الحجة سلطانا..، والسليط: الزيت بلغة أهل اليمن.. (٢٣٧) .
وقال الخطيب في درة التنزيل: وحقيقة السلطان من السليط، وهو الزيت الذي بشيء به السراج، والسلطان: الحجة، لأنها تضيء، فتبين الحق من
стр. 114
الباطل، والسلطان الذي يملك الناس ضياء يدفع ظلام الظلم عنهم، إذ كانوا لولا هو لصاروا من التغاور (٢٣٨) والتناهب (٢٣٩) ظلام يتزايد ولا يتناقص، كأنه ضياء يجلو ظلام الدنيا. (٢٤٠) .
في هذين المثالين يتضح لنا الفارق بين الأسلوبين، وأنهما لشخصين مختلفين، وأن عبارات الخطيب وألفاظه يغلب عليها الطابع الأدبي السهل، ولا شك أن هذا لا يستغرب من الخطيب لأنه كما مر أديب لغوي، اختصر كتاب العين للخليل بن أحمد ت ١٧٠هـ، وهو أول معجم للغة العربية والله أعلم.
مناقشة من ينسب الكتاب إلى الراغب:
وقد اطلعت على مقالتين للدكتور عمر عبد الرحمن الساريسي في موضوع نسبة الكتاب درة التنزيل وغرة التأويل إلى مؤلفه: إحداهما في مجلة اللغة العربية بدمشق بعنوان: كتاب درة التنزيل وغرة التأويل للراغب، وليس للخطيب الإسكافي (٢٤١) ، والأخرى في مجلة مجمع اللغة
٥٦
العربية الأردني (٢٤٢) ، بعنوان:
стр. 115
تحقيق نسبة كتاب درة التنزيل وغرة التأويل:
وينفي فيهما الدكتور الساريسي أن يكون الخطيب مؤلفا لكتاب درة التنزيل وغرة التأويل، ويحاول إثبات نسبته إلى الراغب الأصفهاني، قائلا:
تنسب بعض المصادر هذا الكتاب لأبي عبد الله محمد بن عبد الله المعروف الخطيب الإسكافي المتوفي ٤٢٠هـ، كما نرى في معجم الأدباء لياقوت (٢٤٣) ، وفي الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (٢٤٤) ، بل إن هذا الكتاب قد طبع مرتين فيما أعلم، منسوبا إليه أيضا.
ونسبة هذا الكتاب إلى هذا المصنف بحاجة إلى إعادة نظر، ذلك أنني أنني وجدته، وأنا أنقب في بحثي هذا، منسوبا لمصنف آخر، هو الراغب الأصفهاني، الحسين بن مفضل بن محمد، الذي عاش إلى أوائل المائة الخامسة، وذلك بتعديل طفيف أجري على العنوان ليصبح درة التنزيل في متشابه التنزيل ثم يشير إلى أرقام النسخ التي ذكر على أغلفتها اسم الراغب صريحا، مع بعض اختلاف في عنوان الكتاب من نسخة إلى أخرى، ثم يقول إن النسخ تلتقي في أمرين هامين، هما:
النسبة الصريحة للراغب الأصفهاني.
стр. 116
والمادة الأساسية التي يقوم عليها الكتاب من إدارة الفروق الدقيقة بين الآيات القرآنية المتشابهة الصيغ والتراكيب.
وهكذا لمجرد وجود اسم الراغب على تلك النسخ السابقة يرى الدكتور الساريسي أو يجزم بنسبة الكتاب إلى راغب، وينفيها عن خطيب.
والحقيقة أن وجود اسم الراغب على أغلفة بعض النسخ قد أوهم عددا من الباحثين (٢٤٦) أن الكتاب للراغب الأصفهاني، وليست الحال كذلك، لأنه ليس للراغب كتاب بسام درة التنزيل وغرة التأويل، وإنما ذكروا له كتابا اسمه غرة التنزيل ودرة التأويل كما قال ذلك الدين البيهقي ت ٥٦٠هـ في كتابه تاريخ حكماء الإسلام (٢٤٧) ، وقد ذكر هذا الكتاب أيضا باختلاف يسير في العنوان
стр. 117
وهو درة التأويل في متشابه التنزيل منسوبا إلى الراغب في بعض كتب التراجم الأخرى التي تقدمت الإشارة إلى بعضها، مثل كشف الظنون (٢٤٨) .
هذا، ومن ناحية أخرى فإن النسخ المنسوبة إلى الراغب لم تورد اسم الكتاب ولا اسم المؤلف في المقدمة، حيث وقع في مقدمة تلك النسخ، ووقع فيها اختلاف جوهري أيضا لم يذكر فيها كلام
٥٧
راوي الكتاب الذي يصرح عادة باسم الكتاب وصاحبه بخلاف النسخ المنسوبة إلى الخطيب، ففها تصريح اسم الكتاب، ومؤلفه الخطيب.
ثم يذكر الدكتور عمر السارسي دليلا آخر حسب رأيه يستدل به على نسبة كتاب درة التنزيل وغرة التأويل للراغب الأصفهاني فيقول: ويدعم القول بصحة هذه النسبة للراغب، إلى جانب هذه الإشارات، غشارة الراغب نفسه في بعض مصنفاته إليه، من جهة، وإشارته فيه إلى بعض كتبه المتواترة نسبتها إليه، من جهة أخرى.
كما نلاحظ أن الدكتور السارسي ذكر في هذا الدليل إشارتين إلى جانب الإشارات السابقة ينطلق منهما في تحقيق نسبة الكتاب للراغب.
يقول الدكتور السارسيي في الإشارة الأولى من هذا الدليل:
стр. 118
فهو في مقدمة كتاب مفردات ألفاظ القرآن الكريم يشير إليه في قوله واتبع هذا الكتاب أي المفردات إن شاء الله تعالى ونسأ في ألجل، بكتاب ينبئ عن تحقيق الألفاظ على المعنى الواحد، وما بينها من الفروق الغامضة، فبذلك يعرف اختصاص كل خبر بلفظ من الألفاظ دون غيره من إخوانه، نحو ذكره القلب مرة، والفؤاد مرة، والصدر مرة، نحو ذكره تعالى في عقب قصة: "إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون" [الروم: ٣٧] وفي أخرى "لقوم يفكرون" [يونس: ٢٤] ، وفي أخرى "لقوك يعلمون" [البقرة: ٢٣] ، وفي أخرى "الذي حجر" [الفجر: ٥] ، وفي أخرى "لأولي النهى" [طه: ٤٥] ، ونحو ذلك مما بعده من لا يحق ويبطل الباطل، أنه باب واحد، فيقدر أنه إذا فسر "الحمد لله" بقوله الشكر لله، "لا ريب فيه" بـ لاشك فيه، فقد فسر القرآن ووفاه التبيان.
ثم يقول الدكتور الساريسي تعقيبا على كلاك الراغب السابق.
إنه في مقدمة المفدرات رسم خطة هذا الكتاب لينبئ عن تحقيق الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد وما بينهما من الفروق الغامضة، أي ليوضح ما بين المفردات من فروق دقيقة يخيل للقارئ أنها مترادفة على معنى واحد، وذلك كما يمثل للقلب والفؤاد والصدر، وكما يمثل للآيات "لقوم يؤمنون"، و" لقوم يتفكرون"،
стр. 119
و"قوم يعلمون" و"يفقهون"، و"أولي الأبصار" و"أولي النهى" و"ذي حجر". وهي أمثلة نافذة في ملاحظة الفروق الدقيقة بين الصيغ المتشابهة.
ثم يقول الدكتور الساريسي وهو ينجر ما يعد به، وذلك في الآية السادسة في سورة المائدة قوله تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هو الكافرون: [المائدة: ٤٤] ، وبعده " فأولئك هم الظالمون" [المائدة: ٤٥] ، وبعده" "فأولئك هم الفاسقون" [المائدة: ٤٧] .
٥٨
ثم يقول الساريسي ويضيف أي الراغب وللسائل أن يسأل فيقول الموضع الذي وصف فيه من لم يحكم بكتاب الله بالكفر، هل باين الموضع وصف فيه من ترك حكم الله بالظلم والفسق؟ ثم يأخذ في الإجابة للتدليل على أن ثمة فروقا في المعنى بين هذه الآيات.
ثم يستمر الدكتور الساريسي قائلا وكذلك يفعل في المسألة العاشرة من سورة الأنعام في قوله تعالى: "قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون" [الأنعام: ٩٨] والآية الثانية بعدها "قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون" [الأنعام: ٩٧] ، والآية الثالثة "إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون" [الأنعام: ٩٩] .
стр. 120
ثم يضيف الدكتور فيقول" وذلك يفعل في مختلف مسائل آيات هذا الكتاب فحو يعدد الآيات المتشابهة في السورة أو في السور/ ثم يثير الأسئلة عن الفروق المعنوية بينت ثم يجيب عليها.
هذا الذي استدل به الدكتور الساريسي في الإشارة الأولى من الدليل السابق على نسبة الكتاب الراغب لا يصلح أن يكون دليلا لما بينها سابق.
ومما يؤيد كلامنا هذا ذلك المقال الطويل الذي رد به الدكتور أحمد فرحات على مقاله الدكتور الساريسي السابقة وجعل عنوانه.
كتاب درة التنزيل وغرة التأويل لا تصح نسبته إلى الراغب الأصفهاني.
وقد ناقش الدكتور أحمد فرحات ما تسدل به الدكتور الساريسي في الدليل السابق بالإشارتين اللتين تتشكلان نقطة انطلاقه له على أن الكتاب للراغب فقال:
стр. 121
سبق أن راينا أن الذي الكاتب يعتبر الكتاب الذي أشار إليه الراغب في مقدمة كتاب المفردات بعنوان تحقيق الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد وما بينها من الفروق الغامضة هو نفس الكتاب المسمى بـ درة التنزيل وغرة التأويل مع تعديل طفيف في العنوان.
اعترض الدكتور أحمد فرحات على هذا الاعتبار قائلا:
ونقول للأخ الكاتب:
إن هناك اختلافا جوهريا بين عنواني الكتابين، وليس اختلافا طفيفا كما زعم، بل إن هذا الاختلاف بين العنوانين يؤدي إلى اختلاف كبير بين موضوعي الكتابين كما هو واضح من صفة كل منهما:
فكتاب تحقيق الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد هو أولا كتاب في الألفاظ المترادفة التي يظن الناس عدم وجود فروق بينها، ومن ثم يمكن استعمالها بمعنى واحد.
وقد مثل لها الراغب بالقلب والفؤاد والصدر وقد ألحق الراغب بالألفاظ المترادفة على المعنى
٥٩
الواحد، ما تختم به الآيات مما يظنه الناس أنه باب واحد، وقد أشار إلى ذلك بقوله ونحو ذكره تعالى في عقب قصة "إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون [الروم] ، وفي أخرى "لقوم يتفكرون" [يونس: ٢٤] وفي أخرى "لقوم يعلمون" [البقرة: ٢٣٠] وفي أخرى"لقوم يفقهون" [الأنعام: ٩٨] وفي أخرى: " لأولي الأبصار" [آل عمران: ١٣] ، وفي أخرى "لذي حجر" [الفجر: ٥] / وفي أخرى "لأولي النهى" [طه: ٤٥] ، ونحو ذلك مما يعده من لا يحق الحق ويبطل الباطل أنه باب واحد ...
стр. 122
فكتاب المفردات يشير إلى كتاب في تحقيق الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد والألفاظ المترادفة في اللفظ وتشترك في المعنى. أما درة التنزيل فهو في الآيات المتشابهة في اللفظ، والمختلفة في المعنى، نتيجة لاختلاف السياق الذي وردت فيه، ومن ثم فهناك فرق كبير بين موضوعي الكتابين:
الأول يكون التركيز في على الألفاظ التي يظن فيها الاتفاق في المعنى، فبين ما بينها من الفروق الدقيقة والغامضة.
والثاني: يتناول الآيات المشتركة في الألفاظ ليبين مناسبة كل لفظ للسياف الذي ورد فيه، مراعيا معنى الآية، وكذلك ما ذليت به الآيات "لقفوم يفقهون" أو "يعقلون" أو " يؤمنون" فكتاب تحقيق الألفاظ يتناولها من جانب بيان الفروق بين "يفقهون" و" يعقلون" و" يؤمنون" لبيان الفروق بين هذه الكلمات، بينما درة التنزيل باعتبار التشابه الوارد في الألفاظ الآية " إن في ذلك لآيات"، "إن في ذلك لآيات" ومناسبة كل تذليل لما سبقه من الآيات المشار إليها.
ثم يقول الدكتور أحمد فرحات وما أظن أن الأخ الكاتب باستطاعته أن يأتي بالفروق الغامضة الدقيقة بين القلب والفؤاد والصدر وبين قوله "لذي
стр. 123
حجر" و"لأولي النهى" التي أشار إليها الراغب من كتابه درة التنزيل لأن كتاب درة التنزيل لم يقصد إلى هذا. وما جاء فيه من الكلام وعلى قوله تعالى "ومن يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" [المائدة: ٤٤] ، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون" [المائدة: ٤٥] ، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" [المائدة: ٤٧] ، لم يكن بهدف بيان الفرق بين الكفر والظلم والفسوق، وإنما لاشتراك في لفظ "ومن لم يحكم بما أنزل الله" بين الآيات الثلاث، ولبيان المناسبة بين كل لفظ والموضع الذي ذكر فيه، ومن ثم لم يبين صاحب درة التنزيل الفروق بين الكفر والظلم والفسوق.
وكذلك ما جاء في سورة الأنعام من قوله تعالى "قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون [الأنعام: ٩٧] ،
٦٠
وبعدها "لقوم يفقهون" [الأنعام: ٩٨] ، وبعدها " لقوم يؤمنون" [الأنعام: ٩٩] ، وهو المثال الثاني الذي استشهد به الأخ الباحث على بيان الفروق الدقيقة الغامضة بين المفردات.
ثم أورد ما قاله صاحب درة التنزيل في توجيه الآيات الثالث من سورة المائدة، وهي:
قوله : (..ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) المائدة: ٤٤.
وبعده: (فأولئك هم الظالمون) المائدة: ٤٥.
وبعده: (فأولئك هم الفاسقون) المائدة: ٤٧.
стр. 124
وكذلك أورد ما قاله صاحب الدرة في توجيه الآيات الثلاث من سورة الأنعام، وهي: قوله تعالى: (قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون) الأنعام: ٩٨.
والآية الثانية بعدها: (وقد فصلنا الآيات لقوم يفقهون) الأنعام: ٩٨.
والآية الثالثة: (إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون) الأنعام: ٩٩.
ثم يعلق الدكتور أحمد فرحات على ذلك فيقول: وهكذا نرى بعد أن ذكرنا تفصيل ما جاء في المثالين، أنهما لا يصح فيهما ما قاله الأخ الباحث: من أن الراغب أنجز ما وعد به من بين الفروق الدقيقة الغامضة في الألفاظ المترادفة، كما لا يصح قوله: إنه يفعل ذلك في مختلف مسائل آيات هذا الكتاب.
ثم يمضي الدكتور أحمد فرحات يناقش الدكتور الساريسي في الإشارة الثانية من ذلك الدليل فيقول:
يقول الأخ الكاتب: أما إشارته في هذا المصنف نفسه، أي: درة التنزيل وغرة التأويل إلى مصنفاته الأخرى، فقد وردت في عرضه لما في سورة الكافرون: (قل يا أيها الكافرون* لا أعبد ما تعبدون* ولا أنتم عابدون ما أعبد* ولا أنا عابد ما عبدتم* ولا أنت عابدون ما أعبد* لكم دينكم ولي دين) من تكرار، إذ يقول على إحدى صفحات مخطوطة درة التأويل وغرة التنزيل:
стр. 125
إن سأل سائل عن التكرار في هذه السورة، فالجواب أن يقال: إنا قد أجبنا في جامع التفسير عن ذلك بأجوبة كثيرة، فنذكر منها واحد في هذا الموضع..، وينهي إجابته بقوله: فلم يقع تكرار على هذا الوجه، ولا على الأوجه آخر التي ذكرنا في جامع التفسير.
ثم يقول الدكتور الساريسي: وحينما راجعت كتب الخطيب الإسكافي لم أجد فيها جامع التفسير هذا بل، إنه هو تفسير الراغب الموجود في مكتبة أيا صوفيا برقم ٢١٢ فيإستنبول، وهو باسم جامع التفسير بعينه.
٦١
ويقول الدكتور أحمد فرحات تعقيبا على هذا الكلام:
ونقول للأخ الكاتب إن ما وصلنا من تفسيره الراغب، لم يرد فيه، ما يشير إلى أن المؤلف قد سماه بسام الجامع، فهذه مقدمة تفسيره يقول فيها الراغب: القصد في هذا الإملاء إن نفس الله في العمر- ووقانا من نوب الدهر: وهو مرجو أن يسعفنا بالأمرين أن نبين من تفسير القرآن وتأويله نكتا بارعة تنطوي على تفصيل ما أشار إليه أعيان الصحابة والتابعين ومن دونهم
стр. 126
من السلف المتقدمين ﵏ إشارة مجملة، ونبين من ذلك ما ينكشف عنه السر، ويثلج به الصدر.
ثم إن النسختين الموجودتين من تفسير الراغب في المكتبة السليمانية تحملان اسم تفسير القرآن العظيم للعالم العلامة الراغب الأصفهاني، وكذلك لم يسمه صاحب معجم الأدباء، وإنما قال: له كتاب تفسير القرآن وهو كبير.
ويمضي الدكتور أحمد فرحات قائلا: ثم إن بعض المترجمين للراغب ذكروا أن للراغب تفسيرا، ولكنه لم يتمه، وما بين أيدينا من نسخ تفسير الراغب يؤكد هذه الحقيقة. وهذا يعني أن الإحالة التي وردت في سورة الكافرون في كتاب درة التنزيل على جامع التفسير لا يمكن أن تكون إلى تفسير الراغب، لأن سورة الكافرون في آخر القرآن، ومن ثم لا يمكن أن يكون الراغب قد فسرها، لأنه لم يتم تفسيره.
ثم يقول الدكتور أحمد فرحات: وبناء على هذا فلا يمكن الجزم بأن اسم تفسيره الراغب هو جامع التفسير لمجرد ورود ذلك في بعض النسخ الخطية دون تحقيق.
стр. 127
ثم يشير الدكتور هنا إلى إعادة النظر في تسمية تفسير الراغب حيث يقول: وبناء على هذا التحقيق لا بد من إعادة النظر فيما سبق أن سميناه مقدمة جامع التفاسير والذي طبع بتحقيقنا.
ثم يمضي الدكتور أحمد فرحات يناقش الساريسي فيما ذهب إليه من آراء حول عنوان الكتاب، ومقدمة الكتاب، والإملاء، والتمهيد للمسائل في مادة الكتاب، ومادة الكتاب.
ولا أريد أن أتعرض لهذا كله، لأن ما ذكره الدكتور الساريسي في المواضع السابقة لإثبات نسبة كتاب درة التنزيل للراغب الأصفهاني لا يعدو أن يكون مجرد رأي لا يملك عليه دليلا قويا.
وإنما أطلنا النقل نوعا ما عن الدكتور أحمد فرحات لسببين:
أ- لتأكيد وجهاتنا في نفي الكتاب عن الراغب.
ب- وأيضا تمهيدا لمناقشة ورد الرأي الذي ذهب إليه الأستاذ الدكتور أحمد فرحات من نسبة الكتاب إلى إسماعيل بن محمد الأصبهاني المعروف بقوام السنة ت ٥٣٥هـ.
стр. 128
٦٢
مناقشة من نسب الكتاب لقوام السنة الأصفهاني:
فلقد حاول الدكتور أحمد فرحات أن يثبت كتاب درة التنزيل لإسماعيل بن محمد المعروف بقوام السنة بعد أن نفى نسبة الكتاب إلى كل من الراغب والخطيب.
وهذه دعوى أهون من سابقتها على كل حال، وأيسر في الرد والإبطال، لأن نسبة الكتاب إلى أبي القاسم إسماعيل بن محمد الأصبهاني، المعروف بقوام السنة لا تصح لما يأتي:
١-لأنه لم يرد اسمه على أي من مخطوطات هذا الكتاب الكثيرة، ولا مطبوعاته، ولا في الكتب التي ترجمت له، وما ذكره الدكتور أحمد فرحات من احتمال أن النسخ حرفوا اسم المؤلف وغيروه غير مسلم، وهو احتمال بعيد.
٢-والذي أوقع الدكتور أحمد فرحات في هذا هو وجود تشابه في الكنية وبعض الإسم بين أبي القاسم الحسين بن محمد المفضل الأصفهاني المعروف بالراغب، والذي نفى أن يكون الكتاب له، وبين أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصفهاني المعروف بقوام السنة.
٢- كذلك لا يمكن أن يكون الكتاب لقوام السنة، نظرا لأن قوام السنة من أهل القرن السادس، حيث توفي سنة ٥٣٥هـ، وكتاب درة التنزيل كان قبل ذلك بكثير، حيث قد استفاد منه أبو مسلم بن علي بن محمد بن الحسن بن مهر يزد الأصبهاني ٤٥٩ هـ في تفسيره كما يشير إلى ذلك الكرماني في مقدمة كتابه
стр. 129
البرهان إذ يقول وروى أبو مسلم في تفسيره عن أبي عبد الله الخطيب كلمات معدودات منها، وأنا أحكي لك كلامه فيها إذا بلغت إليها.
لم يسبق لأحد من معاصري قوام السنة، أو ممن ترجموا له أن نسب الكتاب إليه، ولو على سبيل الظن والاحتمال، وبالتالي فلا يوجد مصدر واحد يمكن للدكتور أحمد فرحات أن يستند إليه في هذه النسبة المستحدثة.
وأما ذكره الدكتور أحمد فرحات من أنه لا يوجد كتاب يحمل اسم الجامع في التفسير لفظا إلا كتاب أبي القاسم إسماعيل بن محمد المعروف بقوام السنة، والذي ذكره معظم من ترجموا له فغير مسلم، لأن مؤلف كتاب درة التنزيل سمي تفسيره في سورة الكافرون مرتين بعنوان جامع التفسير حيث جاء على لسانه إنا قد أجبنا في جامع التفسير وفي آخر السورة قال فلم يقع تكرار على هذا الوجه ولا على الوجوه الأخرى التي ذكرناها في جامع التفسير فأين هذا من كتاب يحمل اسم الجامع في التفسير؟
٦٣
وما ذهب إليه من أن هذا العنوان الجامع في التنفسير لا ينطبق إلا على كتاب واحد يعود إلى مؤلف واحد، وهو أبوة القاسم اسماعيل بن محمد الأصفهاني ت ٥٣٥ هـ فغير مسلم أيضا لأن هذا الكتاب بنفس العنوان الجامع في التفسير
стр. 130
ذكر أيضا من مؤلفات أبي الحسن علي بن عيسى الرماني ت ٣١٤ هـ مما يبعد هذا الاحتمال الذي أورده الدكتور أحمد فرحات.
وأما ذكره الدكتور أحمد فرحات من أن كتاب جامع التفسير الذي ورد في اسمه في سورة الكافرون من كتاب درة التنزيل فلم تذكر كتب التراجم أن للخطيب كتابا بهذا العنوان فغير مسم أيضا، أذ أن للخطيب كتبا أخرى وقفت عليها، لم تذكرها الكتب التي ترجمت للخطيب، مثل مختصر العين، وكتاب المجالس وكتاب خلق الإنسان.
وعدم ذكر كتاب الجامع التفسير في ترجمة الخطيب لا يكفي دليلا على أنه ليس من مؤلفاته، حيث أن الخطيب نفسه أشار أيضا إلى كتاب له بعنوان معان القرآن في ثنايا المجالس مع ذلك لم يشر إليه من ترجموا له، ولم يكن االإهمال مقصود، بل ربما كان المصنف قد ألفه في فترة متأخرة من حياته، ولم تذع شهرته كسائر مصنفاته لعدم ظهور أهميته في حياته أو إشادته به من خلال مصنفات أخرى تبعته.
ومن الجائز أن يكون تفسير الخطيب المسمى بالجامع التفسير والذي جاءت
стр. 131
تسميته في سورة الكافرون وهو عين كتابه معاني القرآن والذي جاءت تسميته في كتابه المجالس ومن الجائز أيضا أن يكون له كتاب، أو أكثر فيما يتعلق بتفسير القرآن الكريم، وبناء على هذا الاحتمال يكون جامع التفسير ومعاني القرآن كتابين مختلفين من كتبه التي بلم تذكر في ترجمته والله أعلم.
الخلاصة
أن ما ذكرناه سابقا يمثل أدلة قاطعة على عدم صحة نسبة الكتاب إلى قوام السنة، ومكان ذكرناه من احتمالات هي أقرب إلى الواقع من الاحتمالات التي ذكرها الأستاذ الدكتور أحمد فرحات، فإذا تعادلت الاحتمالات أو تساقطت فإن أدلتنا تبقى سالمة من المعارضة بفضل الله تعالى.
كتاب درة التنزيل ليس للفخر الرازي:
لقد صرح أصحاب كتب التراجم التي ترجمت للخطيب بنسبة كتاب درة التنزيل إليه وأخطأ صاحب كشف الظنون فنسب الكتاب إلى الفخر الرازي الذي ينسب إلى مدينة الري كما ينسب إليها الخطيب الاسكافي، لكونه خطيبا بها، كما ذكر ذلك ياقوت في معجم الأدباء.
٦٤
وكذلك وقع في نفس الوهم الشيخ ابن عاشور ت ١٣٩٣ هـ في تفسيره التحرير والتنوير حينما ذكر في مقدمة التفسير المذكور كتاب درة التنزيل من بين
стр. 132
أهم الكتب التي ألفت في التفسير حيث قال وكتاب درة التنزيل المنسوب لفخر الدين الرازي، وربما ينسب للراغب الاصفهاني، وقد جانب الصواب تماما حينما صرح بنسبة الكتاب إلى الرازي حيث قال وأبدى الفخر في درة التنزيل وجها لاختلاف الأوصاف في قوله تعالى "لقوم يتفكرون" وقوله "لقوم يعقلون" وقوله"لقوم يذّكرون".
وسبب الوقع في هذا الخطأ هو أن الخطيب الاسكافي والفخر الراز كليهما يلقبان بـ أبي عبد الله مع أن اسمهمها مختلف إذ أن اسم الخطيب الاسكافي محمد بن عبد الله واسم الفخر الراز محمد بن عمر، ولكن لكونهما ينسبان إلى مدينة الري صار اشتباه بينهما، ولكن الفخر الرازي لم يلقب ب الخطيب وإنما اشتهر ب ابن الخطيب.
وأبو مسلم الأصبهاني ت ٤٥٩ هـ والكرماني ت ٥٠٥ هـ تقريبا ذكرا السنين فكيف ينسب الكتاب للفخر الرازي؟ إذ من غير الممكن أن أبا مسلم والكرماني ينقلان عن أحد عاش بعدهما.
стр. 133
المطلب الثالث: موضوع الكتاب
موضوع الكتاب هو توجيه لآيات القرآنية المتشابهة لفظا التي تتفق في بعض ألفاظها وتفترق في البعض الآخر، أو تتكرر في عدة مواضع بالكلمات المتفقة، أو المختلفة والتي يرد حولها سؤال أو يقع فيها إشكال أو يحتمل أن تكون محل نظر لسبب من الأسباب التي تتعلق بالاستعمالات القرآنية من تكرار أو تقديم وتأخير أو اختيار كلمة مكان أخرى، وإلى غير ذلك من الأنواع التي تقدم ذكرها في مطلب موضوع علم المتشابه اللفظي في القرآن الكريم.
وقد لا يتبادر إلى ذهن القارئ موضوع الكتاب من اسمه درة التنزيل وغرة التأويل أو يتبادر إليه شيء آخر بعيد عن صميم الموضوع، بخلاف عنوان كتاب متشابه القرآن العظيم لابم المنادي ت ٣٣٦ وكتاب البرهان في متشابه القرآن للكرماني ت ٥٠٥ هـ، لأن القارئ لهذين العنوانين يعلم أن موضوع الكتابين: علم متشابه القرآن، وكذلك الأمر في عنوان كتاب تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ت ٢٧٦ هـ وكتاب العمدة في غريب القرآن لمكي بن أبي طالب ت ٤٣٧ هـ حيث إن قارئ هذين العنوانين لا يتردد في تصنيفهما ضمن مصنفات علم غريب القرآن.
والمتأمل في الخطبة الموجزة التي استهل بها الخطيب كتاب درة التنزيل والآيات التي تناولها في الكتاب من حيث كيفية تناوله، ومعالجته للمشكلات وتوجيهاته فيها، لا يجد أي صعوبة ولو لم
٦٥
يشر اسم الكتاب إلى ذلك في تصنيف درة التنزيل
стр. 134
ضمن الكتب المؤلفة في علم متشابه القرآن، بل يتأكد إذا قارن كتاب درة التنزيل بغيره من الكتب المؤلفة في هذا الباب أن كتاب درة التنزيل وغرة التأويل يعتبر سجلا أو مرجعا أساسيا لمن ألف في هذا الفن.
وقد أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى موضوع كتابه، حيث قال تدعوني دواع قوية يبقها نظر وروية في الآيات المتكررة بالكلمات المتفقة والمختلفة وحروفها المتشابهة.
وهو يشير أيضا في المسألة الرابعة من مسائل الآية الرابعة في سورة البقرة إلى موضوع الكتاب فيقول:
والمسألة الرابعة في هذه الآية تقديم قوله "وقولوا حطة" وتأخيره في سورة البقرة عن قوله "وادخلوا الباب سجدا".
стр. 135
والجواب عن ذلك مما يحتاج إليه في مواضع من القرآن في مثل هذه الآية التي قصدنا الفرق بين مختلفاتها: وهو أن ما أخبر الله تعالى به من قصة موسى ﵇ وبني إسرائيل وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم، وما حكاه من قولهم، وقوله لهم لم يقصد إلى حكاية الألفاظ بأعيانها، وإنما قصد إلى اقتصاص معانيها.
ويقول رحمه الله تعالى في الآية الحادية عشر من سورة البقرة:
الآية الحادية عشر من هذه السورة مفارقة الآية التي شرطنا الفرق بينها فيما خالفها بلفظ يسير من الآية التي بازالها غير انهها مثلها في التكرير، والحاجة إلى ذكر الفائدة في إعادتها.
من كل ما تقدم يتبين لنا أن الخطيب ﵀ جعل موضوع كتابه درة التنزيل في توجيه ما تكرر من آيات الكتاب العزيز بالكلمات المتفقة والمختلفة تشابه لفظا، أو اختلف ايجازا واطنابا، أو تقديما وتقديرا، أو ذكرا وحذفا أو تعريفا وتنكيرا، أو إبدال لفظ بآخر ونحو ذلك.
стр. 136
المطلب الرابع: سبب تأليف الكتاب
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه الأسباب التي دفعته إلى تأليفه هذا الكتاب، هي:
طلب رفع اللبس في الآيات القرآنية التي تتكرر في عدة مواضع، والآيات التي تتشابه بسبب التقديم والتأخير لا أو التنكير والتعريف إلى تغير ذلك من أنواع التشابه وبيان سر الاختلاف بين تلك الآيات ووجه الحكمة من وراء ذلك.
٦٦
وقد ذكر المؤلف هذا السبب قائلا: تطلبا لعلامات ترفع لبس إشكالها وتخص الكلمة بآياتها دون أشكالها.
ترك العلماء الذين سبقوه هذا الجانب من التفسير، وهو توجيه الآيات المتشابهة وتبين ما أشكل منها، حيث يقول ﵀، تأملت أكثر كتب المتقدمين والمتأخرين، وفتشت على أسرارها معاني المتأولين المحققين المتبحرين، فما وجدت أحدا من أهلها بلغ غاية كننها، كيف؟ ولم يقرع بابها، ولم يفتر لهم عن نابلها، ولم يفسر عن وجهها.
الرد على الملحدين الطاعنين الذين يزعمون أن في القرآن اختلافا، وأن أسلوبه يتعارض بعضه مع بعض، على الرغم من أن الموضوع واحد، فجاء هذا الكتاب ليبين الحكمة من اختلاف هذا الأسلوب بالتقديم تارة، والتأخير تارة أخرى وبزيادة بعض الألفاظ في موضع دون موضع، نحو ذلك، كما تقدمت الإشارة إلى
стр. 137
ذلك فبذلك يزداد المؤمنون إيمانا بكتاب ربهم، وتطمئن قلوبهم إلى أنه الكتاب المعجز.
وإلى هذا السبب يشير المؤلف بقوله: ولطعن الجاحدين ردا، ولمسلم الملحدين، وفي نهاية الكتاب يقول: هذا آخر ما تكلمنا عليه من الآيات التي يقصد الملحدون التطرق منها إلى عيبها.
المطلب الخامس: منهج المؤلف في الكتاب
كما علمنا مما سبق أن الخطيب رحمه الله تعالى قد حصر موضوع كتابه درة التنزيل في الآيات المتشابهة لفظا، والتي تتكرر بألفاظ متفقة أو مختلفة دون غيرها من الآيات، وقد صرح المؤلف بذلك في مقدمته.
وبعد النظر لا في هذا الكتاب، والتتبع لطرائق المؤلف، والمقارنة بين قضايها نستطيع تقديم صورة علمية لمنهج المؤلف فيما يلي:
стр. 138
الإنشاء والابتكار:
فإن المؤلف رحمه الله تعالى يتميز بالاستقلال البارز بما لم يسبق إليه، في توجيه، الآيات المتشابهة لفظا، حيث إنه يعتمد في كتابه هذا الفن تقل عنه، أو تأثر به، كما أبان هو ذلك في مقدمة الكتاب.
الترتيب:
سلك المؤلف رحمه الله تعالى في تأليف كتابه درة التنزيل مسلك المفسرين وصنف كتابه على ترتيب السور، والآيات في المصحف الشريف، مبتدئا من سورة البقرة ثم سورة آل عمران،
٦٧
وسورة النساء، وهكذا فيورد اسم السورة ثم يتتبع كل ما تكرر واشتبه من الآيات في تلك السورة مع الآيات في غيرها من السور، فيقول مثلا: سورة البقرة: الآية الأولى منها والآية الثانية منها، والآية الثالثة منها، حتى إذا ما انتهى من سورة البقرة، انتقل إلى السورة التي يليها وهي سورة آل عمران، ثم إلى سورة النساء، وهكذا.
وقد بلغ عدد ما تناوله الخطيب في هذا الكتاب من الآيات الأم أربعا وسبعين ومائتين آية، من غير أن يلحق بها في العد ما يشبهها من الآيات، وقد بلغت من الآيات المتشابهة التابعة للأصول السابقة اثنين وخمسين وثلاثمائة آية.
стр. 139
الاستدراك على نفسه:
انتهج المؤلف أن يذكر المتشابه في الموضع الأول حسب ترتيب المصحف كما قلنا في الترتيب، وقد يستدرك على نفسه فيذكر الآية التي فيها التشابه في الموضع الثاني إذا نسي ذلك في الموضع الأول، وينبه على أن مكانها كان في سورة كذا، وقد حصل ذك منه في مواضع عدة، ومن أمثلة ذلك:
تناوله ﵀ آية سورة النساء، وهي قوله تعالى "ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم" [النساء: ١٣] ، في الحديث عن الآية السابعة من سورة المائدة وهي قوله تعالى " قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم" [المائدة: ١١٩] ، وقال " وكان حقها أن تذكر في موضعها لكني لم تحضرني هناك فذكرتها مع أخواتها وإن كان ذكرها مقدما في القرآن".
كما رأينا أن المؤلف لما لم يذكر الآية في موضعها الأول، في سورة النساء ذكرها هنا في سورة المائدة.
وبهذا يتضح أن ما وضعه ابن الزبير في كتابه ملاك التأويل عند آية سورة
стр. 140
النساء السابقة من علامة، وهي غ تدل على أن صاحب الدرة غفل عنها فليس بصحيح، لأن المؤلف ﵀ استدرك تلك الآية وذكرناها في هذا الموضع من سورة المائدة مع أخواتها، إلا إذا قصد ابن الزبير أن المؤلف ترك ذكرها في موضعها الأصلي من سورة النساء، فهذا صحيح كما قرر المؤلف نفسه ذلك.
ويقول في الآية الثامنة من سورة هود:
٦٧
"حكم هذه الآية أن يكون ذكرها في سورة الأعراف، ثم لما تأخرت وجب أن تذكر في سورة العنكبوت، إلا أنا رأيناها بهذه السورة فذكرناها فيها، وهي قوله تعالى: وإلى مدين أخاهم قال يا قوم اعبدوا الله" [هود: ٨٤، الأعراف: ٨٥] ، ومثله في سورة العنكبوت، يخالفه بزيادة إلغاء وهو قوله " وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله" [العنكبوت: ٣٦]
ويقول الخطيب في الآسية الأولى من سورة الفرقان:
قوله تعالى "واتخذوا من دونه آلهة لا يخلفون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا" [الفرقان: ٣]
стр. 141
وقال قبله في سورة الرعد وكان حكم هذه الآية أن تذكر هناك "قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا" [الرعد: ١٦]
ومن الجدير بالذكر أن الخطيب لم ينفرد بذلك وحده، إذ أن ممن ألف في هذا الفن وقع فيما وقع فيه الخطيب، من نسيان أو غفلة ذكر المتشابه في الموضع الأول، وذكره في الموضوع التالي الذي يشبهه حين يتذكر، وعلى سبيل المثال أن الكرماني تناول آية سورة النحل [٩٦] "ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" في سورة الزمر عند قوله تعالى "ويجزيهم بأحسن الذين كانوا يعملون [الزمر: ٣٥] ، حيث قال في هذا الموضع وكان حقه أن يذكر هناك.
طريقة العرض:
وقد اتخذ المؤلف رحمه الله تعالى في عرض للآيات المتشابهة التي يريد توجيهها منهجا خاصا، حيث عقد في كل سورة بحثا خاصا لكل آية يعتبرها من نوع التشابه اللفظي، ويذكر معها ما يشبهها من آيات أخرى، سواء كانت من نفس السورة، أو من سور أخرى، ثم يقوم بتوجيه تلك الآيات التي اجتمعت أمامهن على طريقة إثارة السؤال، وتقرير الجواب، والرد على ما يعرض من شبه في هذا المقام.
стр. 142
وهذا المنهج الذي ابتكره الخطيب في كتابه منهج محدد، تبعه في ذلك من ألف بعده في توجيه الآيات المتشابهة لفظا.
ونعرض مثالا صغيرا الحجر ليتضح الأمر أكثر وضوحا في منهج المؤلف في عرض الآيات المتشابهة:
فلدى تعرضه مثلا لما بين آية سورة النساء وآية سورة النساء وآية سورة الأحزاب من تشابه،
٦٨
يستهل كلامه على النحو التالي:
الآية الخامسة منها:
قوله : إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا" [النساء: ١٤٩]
وقال في سورة الأحزاب [٤٥] " إن تبدو شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما"
للسائل أن يسأل عن الآية الأولى لم خص فيها "خيرا" ولم عم في الثانية بلفظ "شيء"؟
والجواب أن يقال: إنما خص في هذا الموضع الخير بالابجاء لأنه بإزاء السوء الذي قال فيه " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم" [النساء: ١٤٨] ،
стр. 143
والمعنى لا يحب الله أن يجهر بالقول السيئ غير المظلوم، وهو أن يدعو على من ظلمه أو أن يخبر بظلمه له، أو أن ينتصر منه بسوء مقاله فيه فقال: إن أبديتم ثناء وذكر جميلا لمن يستحقهما أو أخفيتموهما أو سكتم عمن أساء إليكم بالعفو عنه فإن الله مع قدرته كثير العفو عن حليفته فتقتضت في هذه الآية المقابلة أن يجعل بإزاء السوء الخير.
وأما في الآية التي في الأحزاب قبلها تحذيرا من إضمار ما لا يحسن إضماره في قوله " والله يعلم ما في قلوبكم" [الأحزاب: ٥١] وقوله: " وإذا سألتموهن متعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن" [الأحزاب: ٣٥] ، فاقتضى هذا المكان العموم، فقال تعالى: أن تبدوا مما حذرتكن شيئا أو تخفوه" فإن الله كان بكل شيء عليما" لم يزل عليما بما يكون لعلمه بما كان.
ويتكرر في صفحات الكتاب كما في المثال السابق وعلى وثيرة واحدة ابتدءا المؤلف المسألة بعبارى للسائل أن يسأل فيقول أو للسائل أن يسأل عن كذا، أو نحو ذلك ويبدأ الإجابة وغالبا بعبارة الجواب أن يقال الجواب عن ذلك أن يقال ثم يأتي الجواب، أو تتوالى الأجوبة على السؤال الواحد، إن اقتضى الأمر التفريغ والتنويع.
стр. 144
الأدلة والشواهد:
إن المؤلف رحمه الله تعالى كان يوجه كلامه غالبا بما يشهد له من القرآن الكريم أو الحديث والأثر أو شعر العرب على النحو التالي:
القرآن الكريم
٦٩
مما يلفت الانتباه في كتاب درة التنزيل وغرة التأويل أن مؤلفه يكثر من الاستدلال والاستشهاد بالآيات القرآنية على ما يقول.
وعلى سبيل المثال يتحدث المؤلف ﵀ عن الفائدة في تقديم "بالقسط" على "شهداء" في قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله" [النساء: ١٣٥] وتأخيره عنه في قوله تعالى " يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط" [المائدة: ٨]
ويقول:
وأما الآية التي في سورة المائدة فإن فحواها يدل على أنها للولاة: فقال "كونوا قوامين لله" لا لنفع ويكون "بالقسط متعلقا بقوامين أي:
كونوا قوامين لأجل طاعة الله بالعدل والحكم به في حال كونكم شهداء أي:
وسائط بين الخلق والخلق أو بين النبي ص وأمته كما قال تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " [البقرة: ١٣٦]
стр. 145
الأحاديث والآثار:
كان الخطيب مقلا من الاستشهاد بالحديث والأثر، وما قلة شواهده من الحديث والأثر إلا دليل عدم ربط التوجيه في الآيات المتشابه بهما كثيرا، لأن موضوع الكتاب كان منصبا على معرفة الحكمة والسر في التغير الحاصل في بعض ألفاظ القرآن الكريم للقصة الواحدة أو الموضوع الواحد، من تقديم وتأخير، أو جمع وإفراد، وإلى غير ذلك من أنواع التشابه.
ومن الأمثلة التي تدل على استشهاده بالحديث الشريف ما جاء في الآية الثامنة عشر من سورة البقرة:
قوله تعالى "ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقبربوها" [البقرة: ١٨٧] . وقال في موضع آخر من هذه السورة "تلك حدود الله فلا تعتدوها" [البقرة: ٢٢٩]
وفي هذا الموضع يقول الخطيب:
للسائل أن يسأل فيقول: كيف اختص الموضع الأول بقوله "فلا تقربوها"
والموضع الثاني بقوله " فلا تعتدوها؟
الجواب أن يقال: الأول خرج على أغلظ الوعيد كما قال ولا تقربا هذه الشجرة [البقرة: ٣٥] وإنما كان نهى عن أكلها لا عن الدنو منها، فخرج مخرج
следующие страницы →