← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1340

درة التنزيل وغرة التأويل

الخطيب الإسكافي

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقال قبله في سورة الرعد وكان حكم هذه الآية أن تذكر هناك "قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا" [الرعد: ١٦] ومن الجدير بالذكر أن الخطيب لم ينفرد بذلك وحده، إذ أن ممن ألف في هذا الفن وقع فيما وقع فيه الخطيب، من نسيان أو غفلة ذكر المتشابه في الموضع الأول، وذكره في الموضوع التالي الذي يشبهه حين يتذكر، وعلى سبيل المثال أن الكرماني تناول آية سورة النحل [٩٦] "ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" في سورة الزمر عند قوله تعالى "ويجزيهم بأحسن الذين كانوا يعملون [الزمر: ٣٥] ، حيث قال في هذا الموضع وكان حقه أن يذكر هناك. طريقة العرض: وقد اتخذ المؤلف رحمه الله تعالى في عرض للآيات المتشابهة التي يريد توجيهها منهجا خاصا، حيث عقد في كل سورة بحثا خاصا لكل آية يعتبرها من نوع التشابه اللفظي، ويذكر معها ما يشبهها من آيات أخرى، سواء كانت من نفس السورة، أو من سور أخرى، ثم يقوم بتوجيه تلك الآيات التي اجتمعت أمامهن على طريقة إثارة السؤال، وتقرير الجواب، والرد على ما يعرض من شبه في هذا المقام.

стр. 142

وهذا المنهج الذي ابتكره الخطيب في كتابه منهج محدد، تبعه في ذلك من ألف بعده في توجيه الآيات المتشابهة لفظا. ونعرض مثالا صغيرا الحجر ليتضح الأمر أكثر وضوحا في منهج المؤلف في عرض الآيات المتشابهة: فلدى تعرضه مثلا لما بين آية سورة النساء وآية سورة النساء وآية سورة الأحزاب من تشابه، ٦٨ يستهل كلامه على النحو التالي: الآية الخامسة منها: قوله : إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا" [النساء: ١٤٩] وقال في سورة الأحزاب [٤٥] " إن تبدو شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما" للسائل أن يسأل عن الآية الأولى لم خص فيها "خيرا" ولم عم في الثانية بلفظ "شيء"؟ والجواب أن يقال: إنما خص في هذا الموضع الخير بالابجاء لأنه بإزاء السوء الذي قال فيه " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم" [النساء: ١٤٨] ،

стр. 143

والمعنى لا يحب الله أن يجهر بالقول السيئ غير المظلوم، وهو أن يدعو على من ظلمه أو أن يخبر بظلمه له، أو أن ينتصر منه بسوء مقاله فيه فقال: إن أبديتم ثناء وذكر جميلا لمن يستحقهما أو أخفيتموهما أو سكتم عمن أساء إليكم بالعفو عنه فإن الله مع قدرته كثير العفو عن حليفته فتقتضت في هذه الآية المقابلة أن يجعل بإزاء السوء الخير. وأما في الآية التي في الأحزاب قبلها تحذيرا من إضمار ما لا يحسن إضماره في قوله " والله يعلم ما في قلوبكم" [الأحزاب: ٥١] وقوله: " وإذا سألتموهن متعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن" [الأحزاب: ٣٥] ، فاقتضى هذا المكان العموم، فقال تعالى: أن تبدوا مما حذرتكن شيئا أو تخفوه" فإن الله كان بكل شيء عليما" لم يزل عليما بما يكون لعلمه بما كان. ويتكرر في صفحات الكتاب كما في المثال السابق وعلى وثيرة واحدة ابتدءا المؤلف المسألة بعبارى للسائل أن يسأل فيقول أو للسائل أن يسأل عن كذا، أو نحو ذلك ويبدأ الإجابة وغالبا بعبارة الجواب أن يقال الجواب عن ذلك أن يقال ثم يأتي الجواب، أو تتوالى الأجوبة على السؤال الواحد، إن اقتضى الأمر التفريغ والتنويع.

стр. 144

الأدلة والشواهد: إن المؤلف رحمه الله تعالى كان يوجه كلامه غالبا بما يشهد له من القرآن الكريم أو الحديث والأثر أو شعر العرب على النحو التالي: القرآن الكريم ٦٩ مما يلفت الانتباه في كتاب درة التنزيل وغرة التأويل أن مؤلفه يكثر من الاستدلال والاستشهاد بالآيات القرآنية على ما يقول. وعلى سبيل المثال يتحدث المؤلف ﵀ عن الفائدة في تقديم "بالقسط" على "شهداء" في قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله" [النساء: ١٣٥] وتأخيره عنه في قوله تعالى " يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط" [المائدة: ٨] ويقول: وأما الآية التي في سورة المائدة فإن فحواها يدل على أنها للولاة: فقال "كونوا قوامين لله" لا لنفع ويكون "بالقسط متعلقا بقوامين أي: كونوا قوامين لأجل طاعة الله بالعدل والحكم به في حال كونكم شهداء أي: وسائط بين الخلق والخلق أو بين النبي ص وأمته كما قال تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " [البقرة: ١٣٦]

стр. 145

الأحاديث والآثار: كان الخطيب مقلا من الاستشهاد بالحديث والأثر، وما قلة شواهده من الحديث والأثر إلا دليل عدم ربط التوجيه في الآيات المتشابه بهما كثيرا، لأن موضوع الكتاب كان منصبا على معرفة الحكمة والسر في التغير الحاصل في بعض ألفاظ القرآن الكريم للقصة الواحدة أو الموضوع الواحد، من تقديم وتأخير، أو جمع وإفراد، وإلى غير ذلك من أنواع التشابه. ومن الأمثلة التي تدل على استشهاده بالحديث الشريف ما جاء في الآية الثامنة عشر من سورة البقرة: قوله تعالى "ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقبربوها" [البقرة: ١٨٧] . وقال في موضع آخر من هذه السورة "تلك حدود الله فلا تعتدوها" [البقرة: ٢٢٩] وفي هذا الموضع يقول الخطيب: للسائل أن يسأل فيقول: كيف اختص الموضع الأول بقوله "فلا تقربوها" والموضع الثاني بقوله " فلا تعتدوها؟ الجواب أن يقال: الأول خرج على أغلظ الوعيد كما قال ولا تقربا هذه الشجرة [البقرة: ٣٥] وإنما كان نهى عن أكلها لا عن الدنو منها، فخرج مخرج

стр. 146

قول القائل إذا نهى عن الشيء وشدد الأمر فيه لا تقترب هذا الشيء وما أحسن ما قال النبي في المنع من مقاربة الحرام من ٧٠ رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وكذلك الأمر في الآثار فإنه لم يورد منها إلا قليلا ومن الأمثلة على ذلك ما أورده عن قتادة في الموضع الذي بحث فيه عن الفرق بين قوله تعالى يحرفون الكلم عن مواضعه [المائدة: ١٣] ، وبين قوله تعالى من بعد مواضعه [المائدة: ٤١] حيث قال في هذا الموضع: ... ويحتمل أن يكون المراد ما ذهب إليه أكثر أهل التفسير، وهو أن قوما أرسلوا هؤلاء إلى النبي في قصة زان محصن فقالوا لهم: إن أفتاكم محمد بالجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فلا تقبلوه. وقال قتادة: كان هذا في قتيل منهم فقالوا: إن أفتاكم محمد بالدية فأقبلوه، وإن أفتاكم بالقود فاحذروه. والخطيب ﵀ يورد الأحاديث والآثار بدون أسانيدها، ولا يذكر درجة ما أورده من الروايات، وإنما يقول على سبيل المثال: قال قتادة، وقال

стр. 147

الحسن..، كما فعل بعض المفسرين مثل الماوردي في تفسيره النكت والعيون. قد قمت بفضل الله تعالى بتخريج الأحاديث والآثار والحكم عليها بقدر الإمكان في مواضعها. ج- الشعر العربي: إنه بعض الأحيان يوجه كلامه بما يستشهده بشعر العرب، لأن الشهر ديوان العرب، وفيه تفسير معاني كتاب الله تعالى، والقرآن نزل بلسان عربي مبين. ومن أمثلة ذلك ما ذكره في سورة المائدة عند تناوله قوله : (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم) المائدة: ٩، وما يشبه من قوله تعالى في آخر سورة الفتح ٢٩: (.. وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) حيث قال: للسائل أن يسأل فيقول: لم رفع قوله (مغفرة وأجر عظيم) في الآية الألى، ونصب في الثانية؟ والجواب أن يقال: لقوله تعالى (لهم) في الأولى، وقوله: (منهم) في الثانيةفائدة، وذلك أنه لما قال في الأولى: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات) علم أنهم وعدوا بما هو حق لهم، فعدل عن ذكر المفعول إلى جملة تضمنت معناه، والجملة ابتداء وخبر، وهي في موضع مفرد منصوب، كأنه قال: وعد الله الذين آمنوا مغفرة، ومثله قول الشاعر:

стр. 148

.. ... ٢*٢*٢*٢

стр. 149

وقيل: تلووا بمعنى تمطلوا، من لويت الغريم إذا دفعته، كأنه قال: إن تدفعوا الشهادة ولم تؤدوها وقت الحاجة إليها. ومن قرأ تلوا بضم اللام وواو واحدة فالمعنى: إن تلوا أمر الناس، ومن الولاية، أو تتركوه. وسجوز أيضا أن يكون الأصل تلوا فأبدلت من واو المضمونة همزة، ثم خففت بإلقاء حركتها على الام، وحذفها وإن كان هـ\امستضعفا في الهمزة العارضة. ومما بحث فيه قوله تعالى في سورة البقرة ٥٨: (..نغفر لكم خطاياكم..) ، وقوله تعالى سورة الأعراف ١٦١: (..نغفر لكم خطيئاتيكم..) ، وقال ﵀: وأما المسألة الثانية فجمعه للخطيئة على الخطايا في سورة البقة، وعلى الخطئات في سورة الأعراف على قول أكثر القراء.

стр. 150

٧- عدم التفات لأسباب النزول إلا عند المناسبة: لا يلتفت ﵀ كثيرا إلى ذكر أسباب نزول الآيات، ولكنه لا يغفل عندما يدعو الأمر إلى ذلك، كما أنه لا يذكر سبب النزول إلا بشيء من التحفظ، فيقول: روي، أو قييل..، يحمل المسؤولية على الذين رووه. ٨- تفسير بعض الكلمات الغريبة لتوضيح المعنى والتوجيه الذي ذكره: وإذا أردت أن ترى بين يديك نصوصا لغوية من نصوص الخطيب في كتابه الدرة لتتبين بنفسك كونه إماما في اللغة، فإليك ما قاله في معنى العلي، وفي معنى الهلوع، وما ذكره في معنى الدأب، وفي الفرق بين الضلالة والسفاهة: قال رحمه الله تعالى: وأما قوله: (إنه علي حكيم) فالعلي: القادر على الشيء، القاهر له، ولذلك قال الشاعر: اعمد لما تعلو فما لك بالذي لا تستطيع من الأمور يدان فجعل بإزاء تعلوا: لا تستطيع، فالقادر على الشيء أتم قدرة يكون عاليا به قاهرا له.

стр. 151

وقال رحمه الله تعالى في معنى الهلوع: والجواب الذي أذهب إليه أن الهلع أصله التسرع والقلق نحو الشيء، فالحريص، يهلع، والجزوع يهلع، أي: يتسرع إلى تمكين الحزن من نفسه،.... والحريص يتسرع إلى مشتهاه، اتباعا لهواه، وإن كان فيه رداه، والإنسان في حال صغره مطبوع على هذه الخلال، لأنه يتسرع إلى الثدي، ويحرص على الرضاع، وإن مسه ألم جزع وبكى، وإن تمسك بثدي فزوحم عليه منع بما في قدرته من اضطراب وبكاء، فلا يزال يفعل ذلك حتى يرد @@@ ٧٢ إليه الخير الذي كان له، ثم هو على ذلك إلى آخر عمره، والهلع في كلام العرب أصله: القلق والتسرع في الحرص والجزع، يقال: ناقة هلواع: أي مسرعة، وظلمان هو الهلع: أي مسرعات. اهـ. وقال رحمه الله تعالى في معنى الدأب: الدأب، أصله الهمز، وهو العادة، وما يجري عليه قوم في معاملة. وقال رحمه الله تعالى في الفرق بين الضلال والسفاهة:

стр. 152

والضلال من صفات الفعل، تقول: ضل فهو ضال، والسفاهة من صفات النفس، وهي ضد الحلم، وهي معنى ثابت يولد الخفة والعجلة المذمومتين، والحلم معنى ثابت يولد الأناة المحمود. ٩- التحقيق والتمحيص لما ينقل من الآراء: تظهر شخصية الخطيب في نقده الصريح والخفي لآراء بعض العلماء، بعبارات تدل على أنه كان مجتهدا، ولم يكن ناقلا أو معتمدا على آراء غيره تمحيص وتحقيق، مثل قوله: فليس بشيء.. أو باطل. ومن ذلك ما قاله في معرض بيان وجه الحكمة عن مجيء قوله تعالى (بلدا) نكرة في سورة البقرة، ومعرفة (البلد) في سورة إبراهيم. فأما قول من يقول: إنه جعل الأول نكرة، فلما أعيد ذكرها أعيد بلفظ المعرفة، كما تقول: رأيت رجلا، فأكرمت الرجل، فليس بشيء، وليس ما ذكره مثل هذا المكان مكانه. مما يدل أيضا على أن المؤلف ناقد محقق ما جاء في سورة آل عمران عند كلامه عن تذكير الضمير (فأنفخ فيه) ، وتأنيثه (فتنفخ فيها) ، وعن وجه ذكر قوله

стр. 153

تعالى: (بإذني) مضافا إلى ضميره ، ووجه ذكر قوله تعالى: (بإذن الله) مضافا إلى الظاهر، وهو لفظ الجلالة، حيث قال في هذا الموضع: مسألة في ذلك: قد قال بعض أهل النظر في معنى هذه الآية: إنما قال: (.. فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحييي الموتى بإذن الله..) ، فذكر إذن الله في هذين الموضعين، ولم يقل بإذن الله في قوله: (..أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) ولا في قوله: (فأنفخ فيه) ولا في قوله: (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم..) ، لأن ما وصفه من هذه الأفعال إنما هي أفعاله، ولم تكن فعلا لله تعالى، فلهذا لم يذكر أن ذلك كان بإذن الله، كما ذكر الإذن فيما وصفه من @@@ ٧٣ قبل مما فعله الله دونه، وذلك أنه لم يعن بالإذن أمره له بأن يطيعه في ذلك، وإنما عنى به أن الله تعالى هو الذي فعله، فلهذا جعل ذكر الإذن فصلا بين فعله وفعل الله تعالى. ثم قال تعليقا على ذلك: قلت ذلك سهوا منه، لأن الذي ذكر أنه لم يذكر معه إذن الله، لأنه من فعل عيسى على نبينا وعليه السلام، فقد نطقت سورة المائدة بخلافه، وهو قوله تعالى: (.. وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون

стр. 154

طيرا بإذني) المائدة: ١١٠ فسوى بين الفعلين اللذين ذكرهما من حكيت كلامه أنهما مختلفان، وأن أحدهما فعل عيسى ﵇، فلهذا لم يذكر معه الإذن، والآخر فعل غيره. ثم قال تعالى: (.. وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني..) المائدة: ١١٠. فذكر الإذن في أربعة مواضع لأفعال عيسى ﵇، وهذا دل على أن ما ذهب إليه من ذكرت كلامه بذكر الإذن في فعلين من سورة آل عمران على أنهما فعل الله تعالى وما لم يذكر معه الإذن فعل عيسى ﵇ باطل. ١٠- عدم الإلتزام بعزو الأقوال لأصحابها مع أمانة النقل: يذكر الأقوال أحيانا دون ذكر أصحابها، ولا يلتزم رحمه الله تعالى بعزوها إلى أصحابها نقلها، ولكنه لا يتصرف في الأقوال التي ينسبها إلى أصحابها، بل يوردها كما هي. ومن الأمثلة على ذلك: نقله عن الزجاج ت ٣١١هـ في الموضع الذي تحدث فيه عن الفرق بين قوله: (ثلاثة رابعهم) ، (وخمسة سادسهم) بلا واو، وبين قوله: (سبعة وثامنهم) بالواو، حيث قال:

стр. 155

وقد سوى النحويون بين الجملة التي تجري صفة للنكرة، أو حالا للمعرفة إذا كان فيها ذكر الأول في أن دخول الواو عليها، وحذفها منها جائزان قال الزجاج: دخول الواو هاهنا، وإخراجها من الأول واحد. وهذه العبارة التي نقلها الخطيب عن الزجاج موجودة حرفيا في كتاب معاني القرآن للزجاج، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على دقته في إسناد القول إلى صاحبه، وتقيده بعبارة من ينقل عنه. ١١- يقف الخطيب مرجحا، معللا، مختارا، حيث إننا كثيرا ما نراه ويرجح وجها من الوجوه المتعددة التي يعرضها في المسائل النحوية، مع تعليل لهذا الإختيار. وعلى سبيل المثال حين كان يتحدث عن رفع قوله: (الصائبون) في سورة المائدة قال: @@@ ٧٤ فرفع الصائبون ونوى به التأخير عن مكانه، كأنه قال بعد ما أتى بخبر: أن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصائبون هذه حالهم أيضا، وهذا مذهب سيبويه، لأنه لا يجوز عنده ولا عند المصريين، وكثير من الكوفيين إن زيدا وعمر قائمان.

стр. 156

ثم رجح رأي سيبويه حيث قال:.. إن إن لها عملان، النصب والرفع على مذهب البصريين، وأن لها عملا واحدا عند الكوفيين، وهو النصب إلا أن المذهب الصحيح ما ذهب إليه سيبويه، وهذه الآية تدل عليه، لأنه قدم فيه الصائبون والنية بها التأخير على مذهب سيبويه، وإنما قدم اللفظ وأخر في النية، لأن التقديم الحقيقي التقديم لكتب الله المنزلة على الأنبياء ﵈.. ١٢- التركيز على نقد الآراء لا الأشخاص: إلتزم المؤلف ﵀ بأخلاق الإسلام، وأدب العلماء، وذلك بعدم التصريح باسم من ينقده، وإنما قصر كلامه على نقد الرأي في ذاته، كما نرى ذلك في الآية الأولى من سورة القمر حيث قال: للسائل أن يسأل عن قوله: (فكيف كان عذابي ونذر) في ابتداء قصة عاد وتكريه في آخرها؟ وقد سئل عن ذلك بعض أهل النظر فأجاب بأن الأول ليس هو تخويفا لعاد وأن الثاني لها، فلا يكون تكريرا، إذ جعل كل واحد من الخبرين خبرا من غير ما أخبر به عن الآخر وهذا الذي ذهب إليه لا وجد له، لأنه قال: (كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر * إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا..) القمر ١٨-١٩ فلا يصح أن تدخل الفاء في قوله: (فكيف كان) عقيب إخباره عن عاد بأنها كذبت ...

стр. 157

وهذه أبرز السمات التي توضح لنا منهج الخطيب في كتابه درة التنزيل وغرة التأويل ويتضح لنا أيضا من هذا العرض أن الإمام الخطيب صاحب منهج راق في التصنيف والتأليف، شأنه في ذلك شأن العلماء الأجلاء ﵃ أجمعين. المطلب السادس: مصادر المؤلف في الكتاب: يتبين المطلع على كتاب درة التنزيل وغرة التأويل أن مؤلفه الخطيب رحمه الله تعالى على علم وثقافة عالية، وإطلاع واسع على الكتب والمؤلفات، حيث يقول في مقدمة الكتاب تأملت أكثر كتب المتقدمين والمتأخرين..، فما وجدت أحدا من أهلها بلغ غاية كنهها. والحقيقة ليس هناك أي تصريح هناك أي تصريح في مقدمة الكتاب ولا في داخله بأي من أسماء @@@ ٧٥ المصادر التي قد يكون استقى منها المؤلف معلومات في توجيه الآيات المتشابهة. لكننا إذا تتبعنا ما في الكتاب نلمح بوضوح أن المؤلف اعتمد ولو كان قليلا على أقوال بعض المفسرين من الصحابة والتابعين، وكذلك اعتمد على أقوال بعض أئمة اللغة والنحو في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم.

стр. 158

وذكر الخطيب ﵀ من المفسرين بعض أسماء أعلام الصحابة والتابعين، مثل ابن عباس ﵄، والحسن، وقتادة والسدي، ولم يذكر كتبا معنة. أما في الجانب اللغوي والنحوي فقد ذكر الخطيب على قلة عددا من أسماء الأئمة المعروفين مثل: الخليل بن أحمد، وسيبويه، والزجاج، والفراء، والمبرد، وقد يصرح أحيانا بأسماء كتبهم التي رجع إليها. فقد ورد ذكر كتاب العين للخليل بن أحمد في درة التنزيل مرة واحدة وذلك عند بيان معنى اللهو، وفي هذا الموضع نقل صاحب الدرة عنه، حيث قال: واللهو، قال فيه صاحب العين: ما شغل الإنسان من هوى وطرب. ومن مصادره النحوية: الكتاب لسيبويه، والمتقضب لأبي العباس المبرد، ومعاني القرآن للزجاج، ومعاني القرآن للفراء. أما كتاب سيبويه فهو المصدر الأول للخطيب في قضايا النحو كما أنه مصدر أساسي لمن بعده.

стр. 159

وكتاب المقتضب لأبي العباس المبرد، وهو مخصص للنحو فقط، وله كتاب آخر في النحو واللغة والأدب وهو الكامل وقد وجدت أن الخطيب في درة التنزيل نقل عن المبرد رأيا واحد من غير أن يذكر اسم الكتاب، وعثرت عليه في كتابه المقتضب. وكتاب معاني القرآن للزجاج كان من المصادر الأولى التي اعتمد عليها الخطيب في كتابه الدرة، وكان تأثر الخطيب بكتاب الزجاج واضحا، رغم أنه ﵀ صرح باسم الزجاج مرة واحدة، ولكنني اكتشفت مواضع أخرى اتفقت فيها عبارات الخطيب مع العبارات التي وجدتها في معاني القرآن للزجاج وإن لم يشر إليه الخطيب صراحة. وكذلك معاني القرآن للفراء، كان الخطيب يرجع إليه، في بيان مذهب أهل الكوفة النحوي، ونلاحظ أن الخطيب مع انتمائه للمذهب البصري في النحو يجوز رأي الفراء الذي يعتبر إماما في النحو الكوفي، ولا يدل هذا إلا على اهتمام الخطيب بآراء الفراء النحوية، وعلى سعة أفقه العلمي حيث لم يتعصب لمذهبه فقط.

стр. 160

@@@ ٧٦ المطلب السابع القيمة العليمية، وأثره: تأتي أهمية كتاب درة التنزيل وغرة التأويل من كونه أول كتاب وصل إلينا خالصا لتوجيه وتفسير الآيات المتشابهة في القرآن الكريم. وقد أشار الخطيب في مقدمة كتابه الدرة إلى أنه لم يجد أحدا من العلماء قبله، تناول هذا النوع من التأليف، وأقره على ذلك ابن الزبير ت ٧٠٨هـ في كتابه ملاك التأويل، وصرح بأن كتاب درة التنزيل وغرة التأويل للخطيب أول كتاب عرف من بين الكتب المؤلفة في توجيه الآيات المتشابهة لفاظا، ولم يعرف قبله كتاب آخر في موضوعه. هذا، ومن ناحية أخرى فإن أهمية كتاب الخطيب لا تقتصر على سبقه وحسب، بل تظهر فيما انطوى عليه من توجيهات علمية سديدة، وفوائد نادرة، تكشف عن كثير من جوانب الإعجاز في القرآن الكريم، وتبرز عظمة القرآن في مبانيه ومعانيه، وما أودعه الله تعالى فيه من دقائق الأساليب، وجوامع الإحكام والإتقان، ومراعاة أدق الفروق عند استعمال الألفاظ، في القصص والأخبار المكررة، التي طعن الملحدون في القرآن الكريم بها، لأنهم يجهلون أسرارها، وما وراءها، ومن جهل شيئا عاداه كما قيل بحق. وقد جاء هذا الكتاب فريدا في شموله لكثير من الآيات التي تتكرر وتشبه على بعض الناس، وفي منهج تأليفه التوجيهي الدقيق، وهو يضم في أعطافه وثناياه ما يهب القارئ ملكة التفهم لأسرار هذا الكتاب العظيم.

стр. 161

وإذا أراد الإنسان أن يتعلم الرد على الطاعنين في أسلوب القرآن من ناحية اشتماله على الآيات التي تتكرر بألفاظ تتفق أحيانا، وتختلف أحيانا أخرى، فإنه يجد بغيته في هذا الكتاب، لأن مؤلفه رحمه الله تعالى قدم من خلال هذه الآيات حلولا كثيرة، لما قد يثيره بعض الملحدين من مشكلات لغوية، ونحوية، وأسلوبية. والكتاب أيضا ذو فائدة كبيرة في بعض المسائل النحوية واللغوية، فإنه تطرق إلى شرح بعض الكلمات القرآنية الغريبة، وذكر بعض قضايا النحو.

стр. 162

أثر الكتاب في اللاحقين عليه: تقبل العلماء قديما وحديثا كتاب درة التنزيل وغرة التأويل للخطيب بالقبول الحسن، وكان ولا يزال عمدة العلماء في موضوعه، بل هو أنموذج فريد لما جاء بعده، لأنه كتاب متمحض للبحث في توجيه الآيات المتكررة والمشتبهة بحثا شاملا، فلا عجب أن ترك أثره الكبير فيمن صنف بعد @@@ ٧٧ الخطيب في هذا النوع من التأليف. فلقد استفاد من درة التنزيل العلماء الذين داروا في فلك موضوع هذا الكتاب، ونهلوا منه، فاستفاد منه أصحاب الكتب المتخصصة في توجيه الآيات المتشابهة إلى حد كبير، والمفسرون، وغيرهم، سواء ذكروا الكتاب ومؤلفه، أم تركوا ذلك، لأنه كما أشرنا سابقا أن كتاب درة التنزيل يعتبر أساسا للكتب المؤلفة في موضوعه، ولم نعرف إلى الآن من سبقه إلى التأليف مستقلا. وقد صرح بذلك الشهاب الخفاجي في حاشيته على تفسير البيضاوي وبين ما قلناه من أصالة، وأهمية لكتاب الدرة في موضوعه حيث يقول: .. بقي هنا نكتة، وهو أنه جمع اللهو واللعب في آيات، فتارة قدم اللعب كما هنا، وتارة قدم اللهو كما في العنكبوت، فهل لهذا التفنن نكتة خاصة أم لا؟ فأبدى بعضهم لذلك نكتة وزعم أنها من نتائج أفكاره، وليس كما قال: فإنها

стр. 163

مذكورة في درة التنزيل، وهو أبو عذرته في هذا الفن..، ثم يقول في آخر نفس الصفحة: وإن أردت التفصيل فطالع درة التنزيل. اهـ. وقد ظهر أثر كتاب درة التنزيل في الكتب المؤلفة بعده واضحا في صور: أولها: التأثر باقتفاء أثره في التأليف في هذا الفن، ومتبعة خطاه، والسير على طريقته التي ابتكرها، مع إضافة ما يفتح الله به على اللاحق، وللسابق فضل العلم والسبق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ثانيها: التأثر المصرح به، أي: نقل الرأي منسوبا إلى الخطيب، وقد نقل الكرماني في كتابه البرهان عن الخطيب مصرحا باسمه في ستة عشر موضعا، وأحيانا ينقل

стр. 164

عنه دون التصريح باسمه بعبارات متفقة في الكتابين. ثالثها: التأثر غير المصرح به، أي نقل الرأي دون ما عزو له إلى قائله. وبعد تقص وتمحيص ومقارنة تبين لي أن جل الآيات التي تناولتها الكتب المؤلفة بعد الخطيب تكاد تتفق في عناوينها ومضمونها مع ما جاء في درة التنزيل، بل إن قوة التشابه بلغت في بعض الأحيان حد التطابق في العبارة، الأمر الذي يؤيد الشوط الكبير لتأثر الكتب بعد الخطيب بكتابه درة التنزيل. وأذكر هنا مثالا من الدرة على صعيد التوجيه، ثم أنقل ما قاله أصحاب الكتب المؤلفة بعد الدرة لنتأكد أن الالتقاء بين كتاب الدرة للخطيب والكتب الأخرى المؤلفة بعد الدرة واضح إلى حد كبير، ولكي يتجلى لنا أيضا مدى أثر كتاب الخطيب في اللاحقين عليه، خلال بضعة قرون. @@@ ٧٨ يقول الخطيب: الآية الحادية عشرة منها. قوله تعالى: (ذلكم الله ربكم لا اله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل) الأنعام: ١٠٢. وقال في سورة المؤمن ٦٢: (ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا اله إلا هو

стр. 165

فأنى تأفكون) . للسائل أن يسأل فيقول: لماذا قدم في سورة الأنعام (لا اله إلا هز) على قوله: (خالق كل شيء) ، وقدم في سورة المؤمن: (خالق كل شيء) على قوله: (لا اله إلا هو) ؟ والجواب أن يقال: لأن ما في السورة جاء بعد قوله تعالى: (وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم..) الأنعام: ١٠٠، فلما قال: (ذلكم الله ربكم) أتى بعده بما يدفع قول من جعل لله شريكا، فقال: (لا إله إلا هو) ثم قال: (خالق كل شيء) . وفي سورة المؤمن جاء هذا بعد قوله تعالى: (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون) غافر: ٥٧، فكان الكلام على تثبيت خلق الإنسان، لا على نفي الشريك عنه هنا، كما كان في الآية الأولى، فكان تقديم (خالق كل شيء) هاهنا أولى. اهـ ويقول الكرماني ت ٥٠٥هـ في هذا الموضع وهو من أوائل من نقل عن درة التنزيل: قوله تعالى: لكم الله ربكم لا اله إلا هو خالق كل شيء) الأنعام: ١٠٢. وفي هذه السورة، وفي سورة المؤمن ٦٢: (خالق كل شيء لا اله إلا هو) :

стр. 166

قدم (لا إله إلا هو) في هذه السورة، لأن فيما قبله ذكر الشركاء والبنين والبنات، فدفع قول قائليه بقوله: (لا إله إلا هو) ، ثم قال: (خالق كل شيء) . وفي المؤمن قبله ذكر الخلق، وهو لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس) غافر: ٥٧، فجرى الكلام على إثبات خلق الناس، لا على نفي الشريك: فقدم في كل سورة ما يقتضيه ما قبله من الآيات. وقال ابن الزبير ت ٧٠٨ هـ في نفس الموضع: والجواب عن ذلك: أن آية الأنعام لما تقدم فيها قوله تعالى: (وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم) الأنعام: ١٠٠ وقوله تعالى: (أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة) الأنعام: ١٠١ كان الملائم نفي ما جعلوه وادعوه من الشركاء، والصاحبة والولد، فقدم ما الأمر عليه من وحدانيته عن الشركاء، والولد فقال: (لا اله إلا هو) وعرف العباد @@@ ٧٩ بعد بأن كل ما سواه سبحانه خلقه وملكه فقدم الأهم في الموضع. وأما آية غافر فتقدمها قوله تعالى: (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس) غافر: ٥٧ ثم قوله تعالى: (الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا..) غافر: ٦١، فلما تقدم ذكر الخلق الأعظم ولم يتقدم هنا ما تقدم في آية الأنعام ما أتبع بالتنبيه على أنه سبحانه خالق كل شيء فكان تقديم هذا التعريف

стр. 167

هنا أنسب وأهم، ثم أعقب بالتعريف بوحدانيته تعالى فجاء كل على ما يجب ويناسب.. وقال الحسين بن محمد النيسابوري ت ٧٢٨هـ في تفسيره غرائب القرآن: وإنما قال ههنا: (لا إله إلا هو خالق كل شيء) الأنعام: ١٠٢ وفي المؤمن بالعكس، لأنه وقع ههنا بعد ذكر الشركاء والبنين والبنات، فكان دفع الشرك أهم، وهنالك وقع بعد ذكر خلق السموات والأرض، فكان تقديم الخالقية أهم. وقال ابن جماعة ت ٧٣٣هـ في الموضع السابق: لما تقدم هنا: (وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم..) الأنعام: ١٠٠ فناسب تقديم كلمة التوحيد النافية للشرك ردا عليهم، ثم ذكر الخلق. ولما تقدم في المؤمن كونه خالقا بقوله تعالى: (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس) غافر ٥٧ ناسب تقديم كلمة الخلق ثم كلمة التوحيد. وقال الآلوسي ت ١٢٧٠ هـ رحمه الله تعالى في هذا الموضع:

стр. 168

قال بعض المحققين: لأن هذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: (وجعلوا لله شركاء) الأنعام: ١٠٠، فلما قال جل شأنه: (ذلكم الله ربكم) أتى بعده بما يدفع الشركة فقال عز قائلا: (لا اله إلا هو) الأنعام: ١٠٢ ثم (خالق كل شيء) الأنعام: ١٠٢ وتلك جاءت بعد قوله سبحانه: (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون) غافر: ٥٧، فكان الكلام على تثبيت خلق الناس وتقريره، لا على نفي الشريك عنه جل ش"أنه كما كان في الآية الأولى، فكان تقديم (خالق كل شيء) هناك أولى، والله تعالى؟ أعلم بأسرار كلامه. وقد نقل الفخرالرازي ت ٦٠٦هـ في تفسيره المسمى ب مكفاتيح الغيب عن كتاب درة التنزيل من غير عزو إليه باختلاف يسير في الألفاظ، حيث جاء فيه. قوله تعالى (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون) البقرة: ٤٨، اعلم أن اتقاء اليوم اتقاء لما يحصل في ذلك اليوم من العقاب @@@ ٨٠ والشدائد، لأن نفس اليوم لا يتقي، ولا بد من أن يرده أهل الجنة والنار جميعا، فالمراد ما ذكرناه. ثم إنه تعالى وصف اليوم بأشد الصفات وأعظمها تهويلا، وذلك لأن العرب إذا دفع أحدهم إلى كريهة وحاولت أعوانه دفاع ذلك عنه بذلك ما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية فذبت عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوته. فإن رأى

стр. 169

من لا طاقة له بمانعته عاد بوجود الضراعة وصنوف الشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة. فإن لم تغن عنه الحالتان من الخشونة والليان لم يبق بعده إلا فداء الشيء بمثله إما مال أو غيره وإن تغن عنه هذه الثلاثة تعلل بما يرجوه من نصر الأخلاء والإخوان، فأخبر الله سبحانه أنه لا يغني شيء من هذه الأمور عن المجرمين في الإخوة. اهـ كلام الفخر الرازي. فلما رجعت إلى كتاب الخطيب في درة التنزيل وجدت هذه العبارات التي ذكرها الرازي في هذه المسألة متفقة في أكثرها مع عبارات الخطيب في الدرة وأرى من المناسب أيها القارئ أن أنقل لك كلام الخطيب في درة التنزيل حتى تقارن بين كلامه وكلام الرازي، فتعرف مدى تأثر الفخر الرازي بالخطيب الإسكافي. قال الخطيب في كتابه درة التنزيل: والوجه في الأول أنه لما قال: (لا تجزي نفس عن نفس شيئا) بمعنى: لا يغني أحد عن أحد فيما يلزمه من العقاب ولا يكفر سيآته ما له من الثواب، وهو كقوله عز من قائل: ( ... واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ... ) لقمان: ٣٣ فهذه الأشياء التي ذكر في هذه الآية امتناع وقوعها في الآخرة أربعة أنواع تتقى بها المكاره وتتداوى بها الشدائد، ألا ترى العرب إذا دفع أحدهم إلى كريهة وارتهنت نفسه بعظيمة وحاولت أعزته دفاع ذلك عنه وتخليص منه بدأت بما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية، فذبت

стр. 170

عنه كما يذب الوالد عن وده بغاية قوته وجلده، فإن رأى من لا قبل له بممانعته ولا يد له بمدافعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف المسألة والشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة، فإن لم تغن عنه الحالتان ولم تنجه الخلتان من الخشونة واللين لم يبق بعدهما إلا فداء الشيء بمثله، وفكه من الأسر بعدله إما بمال وإما بغيره، فإن لم تغن هذه الثلاثة في العاجلة تعلل بما يرجوه من نصر في الآجلة، وإدالة في الخاتمة، كما قال تعالى: ( ... ثم بغي عليه لينصره الله) الحج: ٦٠ وقال تعالى: ( ... فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) الإسراء: ٣٣ على أحد وجوه التفسير، فأخبر الله تعالى أن ما يغني في هذه الدنيا عن المجرمين، وترتب هذه المراتب بين العالمين، لا يغني منه شيء في الآخرة عن الظالمين. @@@ ٨١ * هذه بعض أمثلة مما نقلها هؤلاء العلماء من درة التنزيل وما ضمنوه نصوص في مؤلفاتهم.

стр. 171

وهكذا نرى التأثير الواضح لكتاب درة التنزيل على من بعده، واستمرار هذا التأثير عبر القرون المتتالية، ونفوذه إلى أئمة التأليف في هذا الفن، وإلى أئمة التفسير، وما ذلك إلا لأصالة ما حواه كتاب درة التنزيل من علم مكين، وما سطره الخطيب من تحقيق وتحرير، فحرم الله أئمتنا الأعلام، ورضي عنهم أجمعين. المطلب الثامن: المآخذ على الكتاب أشرت من قبل إلى أهمية الكتاب وسعة انتشاره وتداوله بين الناس، فلأذكر الآن ما يؤخذ عليه استكمال لدائرة دراسته، لأن كل عمل بشري من غير المعصوم لا بد أن يكون فيه نقص وعليه مآخذ، ومن المآخذ التي تؤخذ على هذا الكتاب ما يلي: ١- مبالغة المؤلفة ﵀، وتوسعه في القضايا النحوية، والقضايا اللغوية، وعدم اقتصاره على ما هو بصدده، من توجيه الآيات التي فيها تشابه من

стр. 172

تقديم وتأخير، أو تعريف وتنكير، أو زيادة وحذف..، وبيان الحكمة في تكرير بعض الآيات بالكلمات المتفقة أو المختلفة. ولا شك أن هناك قضايا نحوية يضيفها الشيخ في كتابه، القصد منها توجيه ما يراه من تشابه واشتباه في بعض الآيات القرآنية، ومثل هذه الأمور يجدها القارئ في ثنايا الكتاب، هي زيادات تنبئ عن شخصية المؤلف العلمية، وتدل على مدى تعمقه في اللغة والنحو. لكن محل النقد هو توسعه واستطراده في هذا اللون، زيادة على المطلوب في الموطن الذي يبحثه.

стр. 173

٢- التكرار، وهذا قليل، ولم يكن إلا مرتين أو ثلاث مرات، فقد درج الخطيب على الإلتزام ترتيب السور والآيات، وهذه الطريقة إذا كان لها كثير من المزايا فإنها في بعض الأحيان توقعه في التكرار، بأن يتناول الآية مع ما يشبهها من آية أو آيات في موضعين حيث يعيد في الموضع الثاني بعض الآيات التي تناولها في الموضع الأول، بألفاظ متقاربة. ٣- تناوله بعض الآيات بالتطويل أخرجه عن نطاق الموضوع، وهو توجيه الآيات المتشابهة لفظا.

стр. 174

وعلى سبيل المثال: أنه ﵀ تطرق إلى معنى قوله : (إن يكن غنيا أو فقيرا) النساء: ١٣٥، وكذلك معنى قوله تعالى: (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا..) النساء: ١٣٥، في الموضع الذي لا يستدعي المقام ذكر هذا كله، حيث إنه كان يتحدث في هذا الموضع عن الفائدة في تقديم (بالقسط) على (شهداء) في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء @@@ ٨٢ الله) النساء: ١٣٥، وتأخيره عنه في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط..) المائدة: ٨. ٤- وهناك جانب آخر وهو الإطناب في الجواب، مما يسبب أحيانا اضطرابا في الكلام. وعلى سبيل المثال يبحث ﵀ في الآية العشرين من سورة البقرة عن الحكمة في كيفية اختلاف اللفظ في المواضع الثلاثة التي موضوع كل منها واحد، وهو البعث والحث على الجهاد في حدود أربه صفحات.

стр. 175

ويأتي الكرماني صاحب كتاب متشابه القرآن ويستخلص كلام الخطيب ويقول: أطنب الخطيب في هذه الآيات: ومحصول الكلام أن الأول للنبي والمؤمنين. والثاني للمؤمنين والثالث: للمخاطبين. ٥- عدم وضوح العبارة في بعض الأحيان حيث إن الخطيب قد تبدر منه أحيانا بعض العبارات الغامضة، فقد يقدم ما يستحق التأخير، وقد يختصر في العبارة مما يخل المعنى، ولكن يخفف من حدة هذا أن عبارته مستقيمة في أكثر الأحيان، ولعل هذا المأخذ راجع إلى أخطاء النساخ. ٦- عدم تصريح الخطيب بمن يأخذ عنه، أو كر رأيه أحيانا، حيث يقول مثلا: قال بعض أهل النظر، وأكثر أهل التفسير،.. ولم يوضح أسماء من نقل عنهم. وهذه بعض الأمور التي لاحظتها خلال دراستي لكتاب درة التنزيل لأبي عبد الله الخطيب، منها ما تكون في صميم جوهر العمل، ومنها ما تكون جانبية، أو شكلية، ولا تقلل من قيمة الكتاب، ولا تضعف الثقة به، بل سيظل مصدرا أساسيا مهما لمن يصنف في توجيه الآيات المتشابهة لفظا. والله أعلم.

стр. 176

الفصل الثالث وصف النسخ ومنهج التحقيق فيه مبحثان: المبحث الأول: وصف النسخ فيه مطلبان المطلب الأول: وصف النسخ المطبوعة. المطلب الثاني: وصف النسخ المخطوطة. المبحث الثاني: منهج التحقيق.

стр. 177

المبحث الأول @@@ ٨٣ وصف النسخ المطلب الأول: وصف النسخ المطبوعة. تحقيق كتاب درة التنزيل وغرة التأويل اقتضاني أن ألقي ضوءا على تاريخ نشره في تفصيل عملي. وقد طهر الكتاب قبل تحقيقي عن طريق المطبعة في أربع طبقات، هي كما يلي: الطبعة الأولى: لقد طبع هذا الكتاب القيم سنة ١٣٢٦هـ - ١٩٠٨م في مطبعة السعادة بمصر باعتناء الشيخ عبد المعطي السقا، أحد علماء الأزهر الشريف ﵀ وأجزل مثوبته. ومحقق هذه الطبعة قد اعتمد في تصحيح الكتاب على مخطوطتين، حيث جاء في غلاف النسخة المطبوعة: تنبيه: صحح هذا الكتاب على نسختين: الأولى محفوظة برواق السادة الأتراك. والثانية بالكتبخانة الخديوية بمصر حضرة الفاضل الشيخ عبد المعطي السقا، أحد علماء الأزهر الشريف. ولكن ليس هناك أي وصف لهاتين النسختين اللتين ذكرهما، وأستطيع القول إن مصحح هذا الكتاب ربما لم يقف على نسخة كاملة من مخطوطاته، ولذا فالكتاب المطبوع فيه سقط كبير مهم، وذلك يبدأ من النصف الأخير للآية الرابعة من سورة

стр. 178

البقرة، والجزء الكبير من الآية الخامسة، والمصحح أشار إليه في موضعه بوضع نقاط كثير هكذا: (..........) . وهذه الطبعة في مجلد واحد في ٣٩٨ صفحة، بدون أي مقدمة عن الكتاب أو عن المؤلف، وقد جاءت خالية أيضا عن أي تعليق، أو تخريج، أو توضيح في المواضع التي تحتاج إلى ذلك، ومع ذلك نلاحظ فيها أحيانا ذكر بعض الفروق بين النسخ أثناء الكتاب. وجاء عنوان الكتاب في هه الطبعة هكذا: كتاب درة التزيل وغرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز للشيخ الإمام أبي عبد الله الخطيب الإسكافي المتوفي سنة ٤٢١ هـ. رواية الإمام إبراهيم بن علي بن محمد المعروف بابن أبي الفرج الأردستاني

стр. 179

الطبعة الثانية: الطبعة الثانية لهذا الكتاب بعد سنة من ظهور الأولى، حيث كانت في سنة ١٣٢٧هـ- ١٩٠٩م في @@@ ٨٤ مطبعة محمد محمد مطر الوراق بمصر أيضا. وكلتا الطبعتين الأولى والثانية طبعت على نفقة أحمد ناجي الجمالي، ومحمد أمين الخانجي الكتبي وأخيه، وقد تيسر لي الحصول عليهما عن طريق شقيقي سليمان حفظه الله تعالى. والحقيقة أن هاتين الطبعتين نسخة واحدة، إلا أن في الثانية استدرك السقد الموجودة في الآية الرابهة والخامسة من سورة البقرة، وليس أي إضافة أخرى. وجاء في ورقة العنوان من هذه الطبعة: كتاب درة التزيل وغرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز للشيخ الإمام أبي عبد الله محمد الخطيب الإسكافي المتوفي سنة ٤٢١ هـ. رواية الإمام إبراهيم بن علي بن محمد المعروف بابن أبي الفرج الأردستاني

стр. 180

تنبيه: صحح هذا الكتاب على ثلاث نسخ، الأولى محفوظة برواق السادة الأتراك، والثانية بالكبتخانة الخديوية بمصر، والثالثة منسوخة من نسخة من مكتبة الحنبلية بالقدس الشريف. ونلاحظ في هذا الطبعة عدم وجود أذكر لمن اعتنى بإخراج الكتاب. الطبعة الثالثة والرابعة: بعد الطبعتين المصريتين السابقتين أعيد طبع هذا الكتاب في بيروت في دار الآفاق الجديدة مرتين، أولاهما في سنة ١٩٧٣م، وكانت الثانية في سنة ١٩٧٩م. وهاتان الطبعتان لا تختلفات عن بعضهما البعض، وكلتاهما مأخوذة بحروفها عن الطبعة الأولى المصرية التي طبعت بعناية الشيخ عبد المعطي السقا ﵀، وكتب على الطبعتين الأخيرتين في ورقة العنوان: طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة. وجاءت في مقدمة الناشر العبارة التالية: ..ودرة التنزيل وغرة التأول، وهو هذا الكتاب الذي يسر دار الآفاق الجديدة بيروت أن تقدمه للقراء، وللباحثين في الدراسات القرآنية، بعد أن صححه وقابله على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة الأستاذ عادل نويهض..، من غير أي إشارة إلى الطبعة المصرية مما يوهم أن عملا جديدا تم بها.
следующие страницы →