Полный текст (1 361 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
ثم قال: (آخذين ما آتاهم ربهم) أي: متقبلين عطية ربهم، لأنهم أحسنوا في هذه الدنيا في فعلهم، فاقتدوا بهم لتكونوا كمثلهم، وأقِلُّوا الهجوع بالليل لتنالوا مثل نيلهم، واستغفِروا لتفوزوا كما فازوا باستغفارهم، وأخرِجوا فضلات أموالكم لمن يسأل من الفقراء، ومن يحرم نفسه بترك السؤال كما أخرجوها فغنموا بها، واعتبِروا بالآيات التي نصبها الله تعالى في الأرض كالجبال الراسيات، والعيون الجاريات، وما يطلع منها من نام وغير نام من جواهر المعادن، فإنهم به اعتبَروا، وبه وصلوا، إلى ما وصلوا.
وهذه الآية، تدل على أنّ وصف أهل الجنة في هذه السورة بالأعمال التي قدموها تتضمن أمر المكلفين بمثل ما جعل خبرا عنهم أنهم فعلوه لأن طريق قوله:
стр. 1192
(وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) ، غير طريق قوله: (وفي الأرض آيات للموقنين) ، إن لم يحمل على ما ذكرنا، فلما كان القصد في هذه السورة الحث على أفعال أهل الجنة بالآيات المتعلقة بوصفهم المخلصة لخطاب مَن يُدعَى إلى فعلهم، استمر الكلام على هذا النظم إلى أن انتهى إلى ذكر الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام وأممهم الكافرة، وما أنزله من العذاب بأمة أمة منهم.
وأما الآية التي في سورة الطور فإنه وصف تعالى نعيمهم في الجنة وأصناف ما حصلوا فيه من اللذة فقال: (فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ)
стр. 1193
إلى قوله: (إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) ،
لأنه إذا ذكرت الأفعال التي تستوحب بها الجنة، ذكر من الجزاء فيها ما تنتهي إليه اللذة، وتقترحه الشهوة، وهو ما فصله الله تعالى في سورة الطور، ثم ختم الآيات بقوله: (فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجبون) ، فاختلاف الآيات في السورتين لما ذكرنا. والله تعالى أعلم.
стр. 1194
الآية الثانية منها
قوله تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) .
للسائل أن يسأل عن تكرار قوله: (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) وعن موقع الإنذار مرة بعد أخرى في آيتين متواليتين.
والجواب أن يقال: إن قوله تعالى قبل هاتين الآيتين: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) ، ومعناه: خلقنا من الحيوانات ذكراً وأنثى، ومن غيرها الشىء وما يزاوجه مما يماثله أو يضادّه فيقابله لتذكروا أن خالقكم بعيد عن شبهكم وأنه وحده لا نظير له يشاكله، ولا ضدّ له يناصبه ويقابله، لأن الخالق بخلاف خلقه، لا يجوز ما ذكرنا في نعته، ففرّوا عما حذّركم من معصيته إلى ما حثكم عليه من طاعته، فإني أنذركم ما توعّدكم به من عقوبته، وهذا تحذير من
стр. 1195
المعاصي كلها، وبعث على الطاعات جميعها، ثم خص ما هو أعظم فقال: (وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) أي: لا تتخذوا الأصنام آلهة تعبدونها مع عبادة الله تعالى فإني أحذركم أن تجعلوا له مثلا، فالنذراة الأولى متعلقة بترك الطاعة إلى المعصية، والثانية متعلقة بالشرك الذي هو أعظم المعاصي، وإذا كانت متعلقة بغير ما تعلقت به الأول لم يكن ذلك تكرارا.
стр. 1196
سورة الطور
الآية الأولى منها
قوله تعالى (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) .
وقال في سورة ن والقلم: (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) .
للسائل أن يسأل عما انقطع إليه: (أم عندهم الغيب فهم يكتبون) في السورتين، فكانت في سورة الطور تنقطع إلى قوله: (أم يريدون كيدا) وفي سورة القلم تنقطع إلى قوله: (فاصبر لحكم ربك) .
والجواب أن يقال: إن عبدة الأوثان من قريش مع إدعائهم أنهم أهل الحِجَى وأولو النّهى " ألزموا في سورة الطور إلزامات يستنكرونها ولا يقولون بها إذا صرفوا عقولهم عنه وهى خمسة عشر إلزاما.
стр. 1197
أولها: (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) ، بعد قوله: (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) ،
والقوم عرفوا الشعر وطريقة، وهذا الكلام وأسلوبه، ولو تدبروه علموا أنه ليس بشعر، وأنّ النبي ﷺ ليس بشاعر.
والثانى: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) ، أي: أم تدعوهم عقولهم إلى عبادة مَن هو دونهم، لأنهم أحياء وتلك
стр. 1198
أموات، وهم يعقلون وتلك لا تعقل، وهم يفعلون وتلك لا تفعل، فهذا على سبيل الإنكار وما بعده على سيبل الإيجاب، وهو: (أم هم قوم طاغون) أي: طالبون اعتلاء بالباطل والظلم، وهذا ثالث.
والرابع: (أم يقولون تقوّله) ... ، أي: اختلق القرآن، فإن
كان عندهم كما زعموا فليأتوا. بمثله، وهو الذي عجزوا عنه، فلزمتهم الحجة فيه، وهذا رابع.
والخامس: (أم خُلِقوا من غير شيء) ، أي: أم خلقوا من غير خالق، ولا يقولون به: (أم هم الخالقون) ، فلا أمر عليهم
стр. 1199
ولا نهي، وهذا سادس أيضاً، ولا يقولونه.
(أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون) ، وهذا أيضا سابع لا يدعونه، وهو أن السموات والأرض ليس لهما خالق قديم لا يشبه المخلوقين، وهم خلقوها، بل لا يسلكون طريق الفكر في ذلك فيؤديهم إلى برد اليقين
والثامن: (أم عندهم خزائن ربك) ، أي: أم يملكون ما يخلقه الله لعباده من الأرزاق، وما في علمه أن ينعم به عليهم فإذا علموا من أنفسم عجزهم عنه، وجب أن يعلموا أن الله تعالى هو المالك لجميع ذلك فيفردوه بالعبادة.
والتاسع: (أم هم المصيطرون) أي المسلّطون، على الناس والمقوّمون لهم، وليس لهم ذلك.
стр. 1200
والعاشر: (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)) : أم لهم ما يتسبَبون به إلى السماء وسماع كلام الملائكة، وما يتذاكرونه، من أخبار ما يجريه الله تعالى في الأرض فيعلمون بذلك، أنهم على الحق، ومَن يدعوهم إلى الدين على الباطل، فإن كان كذلك فليأتِ مستمعهم بحجة قاهرة، وهي أخبار عن غيوب تصح، وليس لهم ذلك.
والحادي عشر: يعجب الخلق ممّا ادّعوه من أن الملائكة بنات الله تعالى، فقال: يرزقكم البنين ويجعل لنفسه البنات، وصاحب البنين أعلى كلمة من صاحب البنات..
стр. 1201
والثاني عشر: أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أى: أم ثقُل عليهم تصديقك لأنك ألزمتهم مالاً يَغْرَمونه لك أجراً، على ما هديتهم له، ولا عذر لهم في ذلك لأنك لم تفعله.
والثالث عشر: (أم عندهم الغيب فهم يكتبون) ، أي: أم يدعون
علم الغيب، ما يكون في مستقبل الدهر، فيصوّرا لهم أن أمرك لا يثبت وأنه يضمحلّ، عن قريب خلاف ما وعد الله تعالى في قوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) . وقيل: أم يعلمون الغيب بوحي من السماء فيكتبونه ويلقونه إلى الناس كما يفعله الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
стр. 1202
والرابع عشر: (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) ،
أي: أم يريدون بالممانعة والمدافعة وترك الانقياد للمتابعة احتيالا عليك لإبادة أصحابك وقتلك وتدبير ذلك سراً منك، فالكفار هم الذين ينقلب عليهم ما يدبّرونه على المؤمنين فيكونون هم المقهورين المغلوبين الهالكين المقتولين. فانقطعت الآية الثالثة عشرة عن الاحتجاجات إلى المطالبات بالمماكَرات لاستيعاب أكثر ما في الباب وختمت هذه
الخامسة عشرة، وهى: (أم لهم إله غير الله) ، أي: خالق يحق عليكم عبادته غير الله
стр. 1203
الذي خلق السموات والأرض وذلك يجب أن يكون على صفة الله تعالى من القدرة والعلم والإنعام بما يحق به له العبادة سبحان الله وتعالى عن ذلك.
وأما الآية التي في سورة القلم فإنها الخامسة من إلزامات الكفار الذين دلّت أفعالهم على أن المسلمين عندهم كالمجرمين فأنكره الله تعالى ذلك ففال: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين) ، ثم أحتج لبطلان دعواهم: (أم لكم كتاب فيه تدرسون) أي: أم أنزل عليكم كتابا تعتمدونه وتتركون له ما دونه، ولا تلتفتون معه إلى ما يخالفه، وقد قامت
стр. 1204
الحجة به عليكم فتمسّكتم له بدعواكم، وأن لكم في الدنيا والآخرة اختياركم، وقد علمتم أن هذا ليس لكم.
والثانى: (أم لكم أيمان علينا بالغة) ، أي: أم لكم أن تحجّوننا بأيمان الله حلفناها لكم بأن لا نخالفكم فيما تحكمون به من اتخاذ الآلهة، وإقامة العبادة لغير الله، فتلزموننا تصديق أيماننا لكم، وهل أقمنا كفيلا تدلون عليه بضمان ذلك لكم.
والثالث: أم تنسبون صحة ما تلزمونه إلى الآلهة التي جعلتموها
стр. 1205
شركاء لله وهم بتبرؤون منكم إذا جمعكم وإياهم يوم القيامة يوم يكشف عن ساق ويشتد الأمر ويستدعى منكم السجود الذي ترتفع به استاهكم على رؤوسكم وهو ما أنفتم منه في دنياكم فتبكون وتقرعون بذلك، فلا تقدرون فتخسرون به وتعرفون أنكم تركتموه حيث كان ينفعكم حتى فاتكم.
ثم الرابع والخامس مانع دنيا لغرامة تثقل عليكم بأجر النبي المبعوث إليكم أم نزول كتاب عليكم بأن الحق فيما لديكم وكل ذلك لا حجة فيه لكم.
فلما بان من هذه الأوجه أن المحقّ ليس كالمبطل وأن المسلم ليس كالمجرم، دعا الله نبيه ﷺ إلى لزوم الصبر وتوفع نزول النصر وترك العجلة في الأمر ومباينة صاحب
стр. 1206
الحوت في التضجر بالكفر، فانقطعت الآي هنا إلى ذكره ووصف جمل أمره بعد شرح كثير من حاله في السورة المتضمنة له.
стр. 1207
سورة النجم
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ.
وقال بعده: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) .
للسائل أن يسأل عما انقطعت إليه: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) في الآيتين، واختلافه، والفائدة في تقديم ما تقدم وتأخير ما تأخر، وهل كان يجوز عكس ذلك؟.
والجواب أن يقال: لماّ قال قبل الأولى: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى،
стр. 1208
ثم قال: (إن هى إلا أسماء سميتموها) أي: سميتم هذه الأصنام ألهة، والملائكة بنات الله تسمية باطلة لا حجة لكم فيها، فلم يحصل لكم إلا ألفاظها، فأما المعانى فإنكم تتبعون فيها الظن وهوى النفس وما في الطبع من حبّ الإلف، وقد أتاكم من ربكم ما يَثْنيكم عنه إلى الرشاد، ومن جاءه من الله الهدى فتركه لاتباع الهوى فقد ضل وهوى فلما كان الذي يجذبهم إلى مقالتهم شيئان: ظن وهوى ذُكرا معا ليبين صارفهم عن الحق..
ثم فال: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)
стр. 1209
فخص الذين يقولون: الملائكة بنات الله بالذكر توكيدا لإلزامه الحجة
عليهم، وأنهم يتّبعون الظن ب مقالتهم، والظن لا يقوم مقام العلم، ولا يغني غناه.
والمراد بالحق ها هنا هو العلم، فوصف أن الذي تعتمدونه لا يجوز أن يعتمَد، لأنه ظن وبإزائه علم يبطله وهديً من الله تعالى يدفعه ويصرف عنه إلى الحق الذي لا مهرب منه، ومن لم يقبله بعد وضوح الحجة له فأعرض عنه، وهو قوله: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا..) .
ففى الآية الأولى ذكر صارفهم عن الحق، وداعيهمْ إلى الباطل فبين ما هو؟ وفي
الثانية: طعن على هذا الصارف والداعي إلى الباطل. وإثبات الشىء أوّل في العقل، ووصفه بأنه صحيح أو سقيم ثان في الرتبة، فلذلك اختصت الأولى بما اختصت، والثانية. بما تبعها. والله أعلم.
стр. 1210
سورة القمر
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) .
للسائل أن يسأل عن قوله: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) في ابتداء قصة عاد
وتكريره في آخرها؟.
وقد سئل عن ذلك بعض أهل النظر فأجاب بأن الأول ليس هو تخويفا لعاد، وأن الثاني لها، فلا يكون تكريرا إذ جعل كل واحد من الخبرين خبرا عن غير
стр. 1211
ما أخبر به عن الآخر.
وهذا الذي ذهب إليه لا وجه له، لأنه قال: (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا.
فلا يصح أن تدخل الفاء في قوله: (فكيف كان) عقيب إخباره عن عاد بأنها كذّبت، ثم يصرف عن أن تتعلق به تعلق الجزاء بالشرط. هذا ولم يتقدم في السورة سوى قصة نوح ﵇ وقومه، وقد عقبت بقوله: (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) .
وهذا الذي ذهب إليه مَن ذكرنا قوله لا يصح أن يراد: كذبت عاد فلم تعتبِر كيف كان عذابي ونذُر، لمن كذب قبلهم من قوم نوح ويكون ذهابا عن الظاهر إلى إضمار لا دلالة عليه.
стр. 1212
والجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: إن عاد اختص ما نزل فيها من كتاب الله تعالى بذكر عذابين لها،
كما قال تعالى: (لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) .
فـ (كيف) الأول لعذاب الدنيا والثانى لعذاب الآخرة، ويكون قوله في الثانى: "فكيف كان) ، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يجري مجرى: (رنادى أصحاب الأعراف) .، في أنّ ما حقّ من وعيد الله هو الكائن الواقع لصحته فيخبر عن مستقبله الإخبار عن ماضيه، لاستوائهما في زوال المِرية عن وجودهما. والثاني: أن يكوف المعنى فكيف كان ما قدّمت إليها من الوعيد الذي صحّ شطره، وهو وعيد الدنيا،
стр. 1213
ودلّ على وقوع ما في الأخرى كما صح في الأولى.
والجواب الثاني: أن يكون المعنى في الأول: فكيف كان وعيد عذابى ونذري لما حذّرناهم قبل أن أوقعنا بهم، ويكون الثاني بعد إرسال الريح عليهم وإيقاع العذاب بهم والمعنى: فكيف كان عذابي محقّقا، ونذُري مصدّقا فيسلم من التكرار
стр. 1214
سورة الرحمن
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) .
للسائل أن يسأل عن إعادة ذكر الميزان ثلاث مرات في أواخر هذه الآي، وقد كان حقّها الإضمار، وهل في اختيار الكلام أن يتكرر في موضع السّجع في النثر والقافية في النظم مثله، أو في ثلاثة أسجاع متوالية أو في ثلاث قوافٍ متواطئة حتى يرتضى في ثلاث فواصل مترادفة؟
стр. 1215
والذي أجاب به عن ذلك أهل النظر: أنه أعيد ذكر (الميزان ثلاث مرات) لأن هذه الآيات لم تنزل معاً في وقت واحد، ولو نزلت معاً لأضمر ذكر (الميزان) ولكن لمّا نزلت متفرقة. لم يجز إلاّ إظهار ذكر (الميزان لأنه لم يجرِ له ذكر في كل وقت أنزلت فيه إحدى هذه الآيات.
وهذا إن تأتّى في (الميزان،) الثالث فإنه لا يتأتى فيما قبله لأن الثانى تفسير للأول إنْ كانت أنْ بمعنى (أي) ، أو علة إذا كانت "أن" مقدرة معها. اللام، أي: لئلاّ تطغوا، فكلّ ذلك لا يجوز مع انقطاع الثاني عن الأول، والأول عن الثاني.
стр. 1216
وقد أجيب عن ذلك بجواب آخر، وهو أن يكون أعيد ذكر (الميزان) لتكون كل آية مستقلة بنفسها غير مفتقرة إلى غيرها، إذ الإضمار يضمّن الثاني الأولَ فلا يقوم الثاني بنفسه، ولا الثالث لو أضمر فيها ذكر ما في الأول.
والجواب الذي يعتمد عليه هو أن يجعل لكل واحد معنى غير الآخر، يريد: والسماء رفعها ووضع الميزان أي: وضع البِنية المعدّلة، وهي بنية الإنسان التي خلق من أمشاج ومن تأليفات مختلفات على اعتدال من
стр. 1217
حرارة وبرودة ورُطوبة ويبوسة.
ومعنى رفع السماء ووضع بنية الاعتدال ما ذكره في قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ... ) ، أي: رفعنا السماء عن الأرض، وخلقنا الهواء بينهما.
ولم يكن للحىّ الذي أراد خلقه بدٌّ من هواء تخترقه الروح، وينساب
فيه الريح فخلق آدم أبا البشر ﵇ من طين، وفيه مسارب للهواء، فجعل فيه الطين الأرضي والماء الذي قال الله تعالى فيه (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)
والهواء الذي يجذب الأنفاس
стр. 1218
إليه من خارج ما بَرَدَ، ويخرج منه عن باطن ما حَمِىَ، والنار التي إذا فقدها الحيّ خمدَ وبَطَلَ.
فلما دبر الله تعالى خلقه على الاعتدال من هذه الأصول كان هذا الذي جمع
فيه ما ذكرنا مركّبا عن الأشياء التي وصفنا لكل معتدل عنده قبول: وله عن
стр. 1219
كل خارج عن حدّ الاعتدال نِفار ونُبُوّ حتى إذا رأى مربّعا مستوي التربيع، وآخر مختلفا خارجا عن الاعتدال في الأبنية وغيرها يقبل الأول وينأى عن الثانى، وكما في الطبع قبول البيت من الشعر إذا اعتدلت أجزاؤه، واتزنت أفعاله إلى وضع عليها، وردُّه للمنكسر الذي فقد التعديل في البناء، وهذا مما يضطر الإنسان إلى علمه كما يضطر في الأول إلى كراهة الْمُعْرَجَّات وقبول المستويات، فقال تعالى: رفع السماء وركب بنية الإنسان المعدلة، وكان معنى ذلك: أن لا تجاوزوا في حكم المعاملة حد المعادلة.
стр. 1220
والميزان الثانى: الأحكام التى حُكم فيها على اعتدال، وقدّر في الطباع كراهية ما خرج منها على اعتداء كقتل نفسين بنفس والجانيةُ إحداهما وقطع أذنين بأذن وأنفين بأنفٍ، وفَقْإ عينين بعين، وأخذ أموال. بمال، ودواب بدابّةوغير ذلك من مجاوزة الحد في القصاص، والأرش ما يثبت به حكم الطبع قبل حبهم السمع، وكان المعنى: عدّل خلقة الإنسان ليتوخى المعدلة في الأحكام. فالميزان الأول بنية الاعتدال وهي بنية الإنسان على الوصف، الذي ذكرنا، والميزان الثاني: الحكم "بالعدل، والثالث: آلة التعديل، وهي التي يقع بها الأخذ والإعطاء فيتبين لها مقادير الحقوق ليقتصر كل ذي حق على قد ما
стр. 1221
يجب له منها، فلا يأخذ أكثر ما له، ولا يعطي أقل مما يجب عليه، وهو القسط الذي أمر الله تعالى به المتبايعين، لا رجحان ولا نقصان.
وإذا كان كذلك لم يكن في إعادة لفظ (الميزان) تكرار، إذا كان الأول
بمعنى غير معنى الثانىِ، والثاني بمعنًى غير معنى الثالث، كما تخرج القوافي عن الإيطاء إذا اتفقت ألفاظا واختلفت معانى.
стр. 1222
الآية الثانية منها
قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)
وتكريره إحدى وثلائين مرة.
للسائل أن يسأل عن العدة التي جاءت عليها هذه الآية متكررة، وعن فائدتها.
والجواب أن يقال: نبه الله تعالى على ما خلق من نعم الدنيا المختلفة في
سبع منها، وأفرد سبعا للترهيب والإنذار والتخويف بالنار، وفصل بين السبع الأول والسبع الأخر بواحدة تلت آية سوّى فيها بين الناس كلهم فيما كتب الله من الفناء عليهم حيث يقول: (كل من عليها فان) أيْ مَن على الأرض: وهذه الفاصلة للتسوية بين الملائكة وبين الإنس والجن في الافتقار إلى الله
стр. 1223
تعالى، وإلى المسألة وإلى الإشفاق من خشية الله وهو قوله: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) .
وإنما كانت الأولى سبعا لأن أمهات النعم خلقها الله تعالى سبعاً سبعاً كالسموات والأرضين، ومعظم الكواكب.
وكانت الثانية سبعا لأنها على قسمهَ أبواب جهنم لما كانت في ذكرها.
وبعد هذه السبع ثمانية في وصف الجنات وأهلها على قسمة أبوابها. وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين هما دون الجنتين الأوليين، لأنه
قال تعالى في مفتتحه الثمانية المتقدمة: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)
стр. 1224
فلما استكملت هذه الآية ثماني مرات قال: (ومن دونهما جنتان) .
فمضت ثمانية في وصف الجنان وأهلها تالية للثمانية المتقدمة فكان الجميع إحدى وتلاثين مرة.
стр. 1225
فإن قال قائل: فقد سوى بين الجنة والنار في الاعتداد بالإنعام على الثقلين بوصفهما، وإنما النعمة إحداهما دون الأخرى
فالجواب أن يقال: إن الله تعالى منعم على عباده نعمتين نعمة الدنيا ونعمة الدين، وأعظمها في الأخرى، واجتهاد الإثسان رهبة مما يؤلمه أكثر من اجتهاده رغبة فيما ينعمه، فالترهيب زجر عن المعاصي وبعث على الطاعات، وهو سبب النفع الدائم، فأية نعمة أكبر إذاً من التخويف بالضرر المؤدي إلى أشرف النعم، فلما جاز عند ذكر ما أنعم به علينا في الدنيا، وعند ذكر ما
стр. 1226
أعدّه للمطيعين في الأخرى أن يقول: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) جاز أن يقول عند ذكر ما تخوفنا به مما يصرفنا عن معصيته إلى طاعته التي تكسبنا نعيم جنته، لأن هذا أسوق إلى تلك الكرامة من وصف ما أعد فيها من النعمة.
فإن قال: إن السبع الأول قد عرفت من ست منها نعمة الله علينا في البر والبحر، والسابعة هي: (كل من عليها فان) ، فأية نعمة في ذلك حتى تعد من نعم الدنيا؟
فالجواب أن يقال: إن فيه التسوية بين الصغير والكبير، والأمير والمأمور، والمالك والمملوك والظالم والمظلوم في الفناء المؤدي إلى دار البقاء، ومجازاة المحسن
стр. 1227
والمسيء بحقه من الجزاء، فالمظلوم يأخذ حقه، والظالم يفزَع فيترك الظلم له وسبب الفناء يعلمه الإنسان باضطرار فلا نعمه إذاً أكبر من هذه.
فإن قال: ذكر بعد قوله: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) قولُه: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) إلى أن انتهى إلى قوله: (ومن دونهما جنتان) وجاء بعده ثماني مرّات قولُه: (فبأيّ آلاء ربكما تكذّبان) كما جاء بعد الجنتين الأوليين، وفي أثناء الثمانية الأخر من معاني الجنتين ما في أثناء الثمانية الأول، فما الجنتان الأوليان، وما الجنتان الأخريان حتى يبعث على طلب هاتين كما بعث على طلب تينك؟
стр. 1228
فيجاب عن ذلك بأجوبة:
أولها: أن يقال: إن التثنية ها هنا في الجنتين لاتصال الجنان أي: كلما كان الولي في جنة وُصلت بأخرى فلا تنقطع غرائب الجنان عنه أبداً، كما كان في (حَنَانَيْكَ) دعاء وطلبا لرحمته متصلة بنعمِه فلا تنقطع أبدا إذا كان كذلك، وكقولهم: لبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، وسائر ما جاء مثنى يراد به هذا المعنى.
فإن قال قائل: فما معنى الجنتين الأخرين وفي الأوليين كفاية إذا قصد المعنى
الذي ذكرت؟
стр. 1229
قلت: المراد بالجنتين الأوليين جنتان خارج قصره، والمعنى: كلما كان في
جنة وُصلت بثانية غريبة مستطرفة، ثم إذا كان في الثانية كانت حالها في اتصال الأخرى بها كحال الأولى، وعلى ذلك يكون أبدا، فكأنه قال: ولمن خاف مقام ربّه جنتان خارج قصره متتابعتان لا تنقطعان.
وأما: (ومن دونهما جنتان) فإن المراد بهما على هذا الوجه أي: أقرب
من هاتين الجنتين جنتان داخل قصره، وهما في أن الجنة منهما متصلة بأخرى
стр. 1230
بعدها، فلا يزال المكرَّم فيها ينتقل من واحدة إلا أخرى تليها.
وجواب ثان، وهو أن تكون الجنان الأربع في الجهات الأربع بين يديه، وخلفه، وعن يمينه، وشماله، وأقربها ما كان نصْب عينيه، ومرمى طرفه، فلا يحتاج إلى أن يلتفت له إلى خلفه.
وجواب ثالث: وهو ما ذهب إليه الحسن من أن الجنتين الأوليين للسابقين وهم الذين سبقوا إلى اتباع الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، ووضعوا لطاعة الله حرمة الآباء والأبناء وجاهدوا معهم في توطئة الإسلام، وبذلوا أرواحهم في قتال الكفار، وأولئك أعظم درجة وأعلى رتبة، ومن دون جنتيْهم جنتان
следующие страницы →