Полный текст (1 361 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
أعدّه للمطيعين في الأخرى أن يقول: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) جاز أن يقول عند ذكر ما تخوفنا به مما يصرفنا عن معصيته إلى طاعته التي تكسبنا نعيم جنته، لأن هذا أسوق إلى تلك الكرامة من وصف ما أعد فيها من النعمة.
فإن قال: إن السبع الأول قد عرفت من ست منها نعمة الله علينا في البر والبحر، والسابعة هي: (كل من عليها فان) ، فأية نعمة في ذلك حتى تعد من نعم الدنيا؟
فالجواب أن يقال: إن فيه التسوية بين الصغير والكبير، والأمير والمأمور، والمالك والمملوك والظالم والمظلوم في الفناء المؤدي إلى دار البقاء، ومجازاة المحسن
стр. 1227
والمسيء بحقه من الجزاء، فالمظلوم يأخذ حقه، والظالم يفزَع فيترك الظلم له وسبب الفناء يعلمه الإنسان باضطرار فلا نعمه إذاً أكبر من هذه.
فإن قال: ذكر بعد قوله: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) قولُه: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) إلى أن انتهى إلى قوله: (ومن دونهما جنتان) وجاء بعده ثماني مرّات قولُه: (فبأيّ آلاء ربكما تكذّبان) كما جاء بعد الجنتين الأوليين، وفي أثناء الثمانية الأخر من معاني الجنتين ما في أثناء الثمانية الأول، فما الجنتان الأوليان، وما الجنتان الأخريان حتى يبعث على طلب هاتين كما بعث على طلب تينك؟
стр. 1228
فيجاب عن ذلك بأجوبة:
أولها: أن يقال: إن التثنية ها هنا في الجنتين لاتصال الجنان أي: كلما كان الولي في جنة وُصلت بأخرى فلا تنقطع غرائب الجنان عنه أبداً، كما كان في (حَنَانَيْكَ) دعاء وطلبا لرحمته متصلة بنعمِه فلا تنقطع أبدا إذا كان كذلك، وكقولهم: لبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، وسائر ما جاء مثنى يراد به هذا المعنى.
فإن قال قائل: فما معنى الجنتين الأخرين وفي الأوليين كفاية إذا قصد المعنى
الذي ذكرت؟
стр. 1229
قلت: المراد بالجنتين الأوليين جنتان خارج قصره، والمعنى: كلما كان في
جنة وُصلت بثانية غريبة مستطرفة، ثم إذا كان في الثانية كانت حالها في اتصال الأخرى بها كحال الأولى، وعلى ذلك يكون أبدا، فكأنه قال: ولمن خاف مقام ربّه جنتان خارج قصره متتابعتان لا تنقطعان.
وأما: (ومن دونهما جنتان) فإن المراد بهما على هذا الوجه أي: أقرب
من هاتين الجنتين جنتان داخل قصره، وهما في أن الجنة منهما متصلة بأخرى
стр. 1230
بعدها، فلا يزال المكرَّم فيها ينتقل من واحدة إلا أخرى تليها.
وجواب ثان، وهو أن تكون الجنان الأربع في الجهات الأربع بين يديه، وخلفه، وعن يمينه، وشماله، وأقربها ما كان نصْب عينيه، ومرمى طرفه، فلا يحتاج إلى أن يلتفت له إلى خلفه.
وجواب ثالث: وهو ما ذهب إليه الحسن من أن الجنتين الأوليين للسابقين وهم الذين سبقوا إلى اتباع الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، ووضعوا لطاعة الله حرمة الآباء والأبناء وجاهدوا معهم في توطئة الإسلام، وبذلوا أرواحهم في قتال الكفار، وأولئك أعظم درجة وأعلى رتبة، ومن دون جنتيْهم جنتان
стр. 1231
للتابعين ثم على ذلك، كما قال الله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) .
стр. 1232
سورة الواقعة
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)
وبعده: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) .
وبعده: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) .
وبعده: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) .
للسائل أن يسأل عن ترتيب هذه الأشياء التي تختص بقدرة الله تعالى، وتقديم بعضها على بعض، وهل كان يجوز تقديم ذكر النار على ذكر الماء؟
стр. 1233
والجواب أن يقال الأول هو خلقُ الإنسان من نطفة؟ والنعمةُ في ذلك قبل النعمة في الثلائة الأخر التي بعده فوجب تقديمه، ثم بعده ما به قوام الإنسان من فائدة الحرث، وهى الطعام الذي لا يستغني عنه جسد الحىّ، وهو ذلك الحبّ الذي يختبز فيحتاج بعد حصوله إلا حصول ما يعجن به، وهو الماء، ثم إلى النار التي تعدّه خبزا فالترتيب على حسب الحاجة، والنعمة الثانية بعد الأولى.
فإن قال: فقد قال في الأولى: (لولا تذكّرون) ، وقال في الماء: (.. فلولا تشكرون) ، فهل كان يجوز أن يكون أحدهما
стр. 1234
مكان الآخر؟
قلت: الأولى تنبيه على البعث والإعادة وهي النشأة الثانية كالنشأة الأولى، وحمل عى أن يتذكر الأول الذي هو الأصل ليثبت به الثاني الذي هو فرع، على أن القادر كما كان لم يتغير.
وأما قوله: (فلولا تشكرون) فإنه بعد قوله: (لو نشاء جعلناه أجاجاً)
أي: شديد الملوحة كماء البحر كما قال: ( ... وهذا ملح أجاج) . أي: فهلاّ تشكرون أن جعله عذبا، فكل مكان لائق به ما ذكر فيه.
стр. 1235
سورة الحديد
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) ،.
وقال في سورة الحشر: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) .
وقال في سورة الصف: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) .
وقال في سورة الجمعة: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) .
وقال في سورة التغابن: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)
للسائل أن يسأل عمّا أوجب اختصاص فاتحة سورة الحديد بقوله (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
وقد أعيد فِى فواتح السور الأخر؟
والجواب أن يقال: إنه لما كان هذا الكلام مسوقا إلى كلمات ثلاث عقدت
стр. 1236
في كل واحدة منها السموات والأرص في عقدة واحدة، جمع المخلوق فيها تحت لفظة واحدة، فكان معنى قوله: (سبح لله ما في السموات والأرض) : سبح لله الخلق في المكانين، فلفظة "ما" في هذا المكان عامة شاملة للخلق فيهما، فإذا أعيدت "ما" في قوله: (ما في الأرض) كانت الأولى خاصة للخلق في السموات دون الأرض، والكلمات الثلاث التي عقدت السموات والأرض في كل واحدة منها في عقدة واحدة، قوله: (له ملك السموات والأرض) ، وقوله بعده: (هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام) .، وقوله بعده: (له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور) .
стр. 1237
فلما كان افتتاح السورة، ينتهي إلى هذه الآيات بعدها، وهي تنظم المكانين نظما واحدا اختير أن يجعل الخلق فيهما خلقا واحدا، فلا يفصل بينهما بخلقهما، والقصد جمعهما في نظام واحد ولم يكن هذا المعنى موجودا في سائر السور، فكان الفصل فيه أولى، وهو إعادة "ما" والدليل على ذلك قوله تعالى في آخر سورة الحشر (يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) لأن قبله (هو الله الخالق البارىء المصور) ، فنظم تحت هذه الصفات مخلوقات السماء والأرض، وكذلك قبله: (الملك القدوس) ، وكذلك نظم المخلوق في المكانين فيما يكون من تسبيحهم وتقديسهم على الأول الذي هو الأصل.
стр. 1238
الآية الثانية منها
قوله تعالى: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) .
وقال بعدها بآيتين: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) .
للسائل أن يسأل عن إعادة هذه اللفظة في المكان القريب من الأولى وصلتها في الأولى بقوله: (يُحْيِي وَيُمِيتُ) ثم صلتها في الأخرى بقوله: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) ؟
والجواب أن يقال: إن المعنى: له الملك أولا وآخرا، فالأول في الدنيا، وهو وقت الإحياء والإماتة والآخر في الآخرة حين ترجع الأمور إليه، ولا يملك أحد سواه
стр. 1239
لا ملكا وملكا، فقرن بالأول: (يُحْيِي وَيُمِيتُ) لأنهما من أمارات الملك وقرن بالآخر ما يكون في الآخرة من مرجع الخلق وجزائهم بالثواب والعقاب إليه، فجاء في كل مكان ما اقتضاه، وما شاكل معناه.
стр. 1240
الآية الثالثة منها
قوله تعالى: (.. كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ... )
قال فيما تقدم من سورة الزمر: (.. ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا.. .
للسائل أن يسأل عن قوله في سورة الحديد: (ثُمَّ يَكُونُ) وقوله في سورة الزمر: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ) وهل كان وجه الكلام أن لو جاء أحدهما مكان الآخر؟ والجواب أن يقال: إن الأفعال التى نسق هذا الفعل عليها في سورة الزمر
هى أفعال الله تعالى، لأنه قال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا) ،
فهو معطوف على قوله: (ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا) .
والذي في سورة الحديد لم يسند الفعل المتقدم فيه إلى الله تعالى فيسنَد إليه ما بعده، وإنما هو: (.. كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ ... )
стр. 1241
فلم يصلح في كل مكان إلا ما جاء فيه من اختيار الكلام.
стр. 1242
سورة المجادلة
الآية الأولى منها
قوله تعالى: ( ... وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤) .
وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥) .
للسائل أن يسأل عن خاتمتي الآيتين، وهما: (عَذَابٌ أَلِيمٌ) و (عَذَابٌ مُهِينٌ) وعما أوجب اختصاص كل واحدة منهما. بما ذكر فيها؟
والجواب أن يقال: لما قال في الأولى: ( ... ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... ) أي: يبين لكم ذلك لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وذكر الحدود التي حدّها لعباده، ثم سمَّى من لم يؤمن كافرا باسمه وتوعده بالعذاب الموجع المبالغ فيه، وهو ما يخوّف الله تعالى به عباده، نعوذ بالله منه.
стр. 1243
وأما قوله: (عذاب مهين) فلأن قبله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا) فضمن معنى الفعلين الشرط والجزاء، فجعل الكَبْت جزاء مَن آثر حزبا غير حزب الله ورسوله، وحدا غير حدّهما، والكبْت: الإذلال، وقيل: الغلب والقهر والتخييب، وكل ذلك متقارب، فلما أخبر الله تعالى بالكبت عمن حادّ الله ورسوله وجانبهما وصار في حد غير حدّهما وصف العذاب الذي ينزل به بالإذلال والاهانة وإن كان كل مؤلم مهيناً وكل مهين مؤلمأ، ومما يشهد لذلك قوله تعالى في آخر السورة: إن الذين يحادّون الله ورسوله أولئك في الأذلين) ، فقوله هنا: (أولئك في الأذلين) كقوله في الأول: (إن الذين يحادّون الله ورسوله) فهذا في الكفار.
стр. 1244
وقد توعّد المنافقين الذين تولّوهم بمثله في هذه السورة، وهو قوله تعالى:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦)
أي: إنهم لما أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ووضعوا في أنفسهم أنه إن اطلع على حالهم حلفوا للنبي بالله، أن الأمر بخلافه، فيَكلهم إلى أيمانهم، فهم يخرجون بهذا الأمر في الحكم عن ذلة الكفر، ولهم عذاب يسلبهم هذا العزّ، ويبدلهم منها إلى الهوان والذل.
стр. 1245
سورة الحشر
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) .
وقال قبله في سورة الأنفال (١" ١٣١،: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) .
وقال قبله في سوة النساء (٢" ١١٥١،: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) .
للسائل أن يسأل عن الإدغام في قوله: (ومن يشاقّ الله في سورة الحشر، وعن تركه في سورة الأنفال والنساء مع أن مثله فِى لغة العرب يصح إدغامه وإظهاره كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ) وقوله تعالى: ( ... وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ..)
стр. 1246
والجواب أن يقال: إن الاصل في ذلك: إذا قويت الحركة فى القاف أن تدغم ألا ترى أن من جوّز (اردد) ، مكان (ردّ) وكانت لغته الإظهار متى حرك الدال الأخيرة في قولك للاثنين: (ردا) ، وقولك للجمع: (ردوا) لم ير إلاّ الإدغام، ولم يجوز "ارْدُدا"، ولا (ارْدُدُوا) ، ولا (ارْدُدِي ".
فقوله تعالى: (ومن يشاقِّ الله) فقد قويت الحركة منه في القاف الأخيرة لأنها لاقت كلمة قد لزم أولها السكون، وهو اللام الأولى من (اللَه) وكانت تحرّك لملاقاة الساكن بعدها في مثل (اعبد الله) حيث لا تضعيف
стр. 1247
يهرب من ثقله إلى تخفيف برفع اللسان عن الحرفين دفعة واحدة، فقوله: (ومن يشاق الله) لا تلاقي القاف هنا مما يتعلق به إلا ساكنا قد لزم الكلمة فقويت الحركة في القاف التي تلاقي هذا الساكن لأنها لا تلاقي سواه فيما علّق الفعل به.
وليس كذلك: (ومن يشاقِقِ الله ورسوله) لأن القاف قد تلاقى ما يتعلق بها متحركا، وهو (ورسوله) ، لأن التقدير: ومن يشاقق رسوله، فلم تخلص القاف فيما يتعلق بها للحركة، كما خلصت لها في الأول.
وأما قوله: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى) فليس الساكن
стр. 1248
من الرسول الذى تلاقيه القاف كالساكن من لفظة " الله " لأنه قد يحذف فيصح لملاقاة القاف متحرّكا منه، نحو: ومَن يشاقق رسول الله، فالذي أوجب في سورة الحشر في قوله: (ومن يشاق الله) الادغام هو قوة الحركة في القاف، وقوتها أنه لا يصح أن تلاقي الاسم. الذي بعدها إلا ساكنا منه لا يقوم مقامه متحرّك في حال، وما سواه من المواضع ليس على هذا الوصف، فبان الفرقان فاعرفه والله أعلم. "
стр. 1249
الآية الثانية منها
قوله تعالى: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) .
وقال بعده: ( ... تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤) .
ْللسائل أن يسأل عن اختصاص خاتمة الآية الأولى بقوله (لا يفقهون) واختصاص الثانية بقوله: (لا يعقلون) .
والجواب أن يقال: لما قال: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ)
أي: خوفهم منكم أشد من خوفهم من الله تعالى، لأنهم يعلمون " ظاهرا ولا يعرفون ما استتر عنهم منه، والفقيه: مَن يستدرك من الكلام ظاهره الجليّ وغامضه الخفى بسرعة فطنته وجودة قريحته فلما رهبوا النبي ما لم يرهبوا الله عز ذكره
стр. 1250
، صاروا كمن يعرف ما يشهده ويجهل ما يغيب عنه، ولو فقهوا لَعلموا أنّ لِما ظهر من الرسول ﷺ باطنا خفي عنهم من أمر الله تعالى، فلذلك وصفهم بأنهم قوم لا يفقهون، وقيل: (لا يفقهون) أي: لا يستدركون عظمة الله تعالى ويشاهدون جلالة المؤمنين بالنبي ﷺ (ولا يعلمون أن ذلك بالله تعالى، وقيل: لا يفقهون من معنى المرسِل والرسول معنى المرسَل وعظمته فيتقون الله حق تقاته.
وأما قوله: (ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) فإنه بعد قوله: (بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى..) ، ومعناه: لا يجمعهم الحق على طريقة واحدة، بل هم أتباع أهوائهم فهم مختلفون باختلاف آرائهم، ولو عقلوا الرشد من الغيّ، لاجتمعوا على الحق فاختلافهم لأنهم لا يعقلون ما يدعو إلى طاعة الله ويهدي إلى ما قال الله: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ..) ، فالحق سبيل واحد مستقيم، والباطل
стр. 1251
سبل كثيرة تحمل عليها أهواء متشعبة، فقد بان لك أنّ كلاّ من الخاتمتين
ختم بما يقتضيه.
стр. 1252
سورة الممتحنة
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا.
وقال بعده: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) .
للسائل أن يسأل عن المعنى الذي له أعيد: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) وعن متعلق كل واحد من اللفظين، وهل صلح الأول مكان الثاني، والثاني مكان الأول؟
والجواب أن يقال: إن الاسلام بُني أوله على التبرىء من الآلهة ومن عبدتها
стр. 1253
ومن الأصنام، وعبدتها، ألا ترى قول من يشهد بالتوحيد أنه ينفى الآلهة أولا بقوله: " لا إله " ويثبت ثانيا بقوله "إلا الله " الواحد الذي تحق له العبادة فقال في الأسوة الأولى المتعلقة بالبراءة من الكفار ومن فعلهم (.. إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) وأنهم يعادونهم إلى أن يؤمنوا، فهذه الأسوة تفصل المؤمن من الكافر ليتميز عنه في الظاهر، ويتبرأ من صداقته ويتحقق بعداوته. والثانية معناها: تأسّوا بهم لتنالوا مثل ثوابهم وتنقلبوا إلى الآخرة كانقلابهم مبشرين بالجنة غير" خائفين من العقوبة.
стр. 1254
سورة الصف
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام..)
وقال قبله في سورة الأنعام: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذّب بآياته إنه لا يفلح الظالمون.
وقال فيها: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إليّ ولم يوح إليه شيء..
وقال في آخر سورة العنكبوت: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين) .
وقال في سورة الأعراف: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذّب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب.. .
وقال في سورة: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون.
стр. 1255
ْللسائل أن يسأل عن هذا الموضع واختصاصه بلفظ التعريف في الكذب مع أن نظائره في الآي التي ذكرنا بلفظ التنكير.
والجواب أن يقال: إن الكذب مصدر يسمى به الكلام المكذوب فيه، وهو فى قوله تعالى: (أفترى على الله كذبا) على أصله، مصدر غير منقول، والمصدر إذا عرف
قصد به الجنس، والفرق بين معرفته ونكرته إذا قال القائل: قلت كذبا، أي:
قلت نوعا من أنواع الكذب التي هي كثيرة، وإذا قال: قلت الكذب، فكأنه قال:
قلت القول الذي يشهد بالكذب ويشار إليه به، وليس يراد به الجنس كله، كما لا يراد إذا قال: شربت الماء كل الماء، وإنما يراد بعضه بدلالة العرف، وإنما يختار التنكير إذا قارنه لفظ يقتضيه أو كلام متقدم عليه يوحب له ذلك.
стр. 1256
ومما قارنه لفظ يقتضي له التنكير كل موضع جاء فيه (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب فقوله: (أو كذب يقتضي أحد كذبينْ، وإذا ضم إلى الكذب الأول كذبا ثانيا يثنى الأول المذكور.
وما يكون أمثال يتنكر بعضها ببعض، كما كان ذلك فيمايقع على واحد من أمة شائع فيها فيكون فيها نكرة، فإذا جاءت بعد كذب قرينة تقتضيْ له التنكير، فأكثر ما جاء منكرا معها، وهو: (أو كذب بآيائه إنه لا يفلح الظالمون (أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء (أو كذّب بآياته إنه لا يفلح المجرمون، (أو كذّب بالحق لما جاءه أليس في حهنم مثوى للكافرين، (أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب* فهذه خمسة مواضع تقدمها قوله (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا وكانت مقارنة تقضي التنكير في لفظها
стр. 1257
وأما قوله في سورة الأنعام: (.... فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا لِيُضِلَّ الناس بغير علم) فإنما معناه: فمن أظلم لنفسه ممن يختلق كذبا يقصد به الضلال للناس، فكل
من ضل منهم يكذبه فقد أضله كذب أخلقه، ففيه دليل أمثال له يقتضى تنكيره، وكذلك قوله تعالى في سورة هود: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرَضون على ربهم) فكانت لفظة "من، (ممن افترَى على الّه كذبا* لفظة واحدة
стр. 1258
والمعنى: كل كاذب كذبا، فمضامّة أنواع الكذب لمضامّة الكاذبين لهم يقتضى تنكير لفظه، إذا صاروا واحدا من جماعة شائعاً فيها.
وأما تعريفه في سورة الصف فلأن القصد الإشارة إلى ذلك الكذب، وهو تكذيب اليهود بآيات الله والرسول ﷺ (وتكذيب النصارى بها، وقد تقدمت قصتهما في قوله: وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني.. وبعده: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بنى إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعَى إلى الإسلام ... أي: ومن أظلم ممن يكذب الكذب الذي تشير إليه الأمم من المسلمين والنصارى واليهود على اختلاف اعتقاداتهم، فقد صح أنه الكذب المعروف عند
стр. 1259
المسلمين وعند علماء الطائفتين من أهل الكتاب، فالتعريف في هذا المكان فائدته التي تخصه ما ذكرنا، كما أن ما جاء منه منكرا اقتضاه مكانه على ما بينَّا) .
стр. 1260
سورة الجمعة
ما فيها قد تقدم ذكره في سورة البقرة
سورة المنافقين
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨) .
للسائل أن يسأل عن قوله في آخر الآية الأولى: (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ) وعن قوله: (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) في آخر الثانية، وما أوجب اختصاص كل واحد بما اختص به من قوله: (لَا يَفْقَهُونَ)) وقوله: (لَا يَعْلَمُونَ)
стр. 1261
الجواب أن يقال: إن معنى قوله: (هم الذين يقولون لا تنفقوا على مَن عند رسول الله) أي: يأمرونهم بالإضرار بهم وحبس النفقات عنهم، ولا يفطون، لأنهم إذا فعلوا ذلك أضروا بأنفسهم دون مَن عند رسول الله ﷺ لأن الله لا يحبس ما قدر مِن أرراقهم فلا يضرهمْ إذا حبسوا إنفاقهم، فهم لا يفقهون ذلك ولا يفطنون له.
وقوله في الثانية: (لا يعلمون) بعد قوله ": (.. يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) ، لأن الأعزّ مَن له القوة والغلبة، على ما كانوا عليه في الجاهلية، ولا يعلمون أن هذ القدرة التي يفضل بها الإنسان غيره، إنما هي من الله تعالى فهي لله تعالى ولمن يخصه بها من عباده، والمنافقون
стр. 1262
لا يعلمون أن الذلة لمن يقدرون فيه العزة وأن الله معزّ أولياءه بطاعتهم له، ومذلّ أعداءَه لمخالفتهم أمره، فقد أختصت كل آية بما اقتضاه معناها.
стр. 1263
سورة التغابن
الآية الأولى منها
قوله تعالى: يسبح لله ما في السموات وما في الأرض....
وقال بعده: (يعلم ما فى السموات والأرض ويعلم ما تسرّون وما تعلنون
للسائل أن يسأل عن تكرير "ما" في افتتاح السورة في قوله: (يسبح لله ما في السموات وما في الأرض* وترك ذلك في قوله: (يعلم ما في السموات والأرض ثم تكرير (ما) ، في قوله: (ويعلم ما تسرّون وما تعلنون) وهل كانت الفائدة، تحصل بعكس ذلك وتكرير (ما) حيث لم تتكرر "؟ وحذفها حيث لم تحذف؟
والجواب أن يقال: لما كان تسبيح ما في السموات على خلاف
стр. 1264
تسبيح ما في الأرض كثرة وقلة وخلوصا من غير مقارنة المعاصي واختلاطها بها أعيدت لفظة، (ما) لهذا الاختلاف.
ولم يكن الأمر في قوله: (يعلم ما فى السموات والأرض كذلك، لأن علمه نظم ما فيهما نظما واحدا وعلى حدّ واحد، فصار علمه بما تحت الأرض كعلمه بما فوتها وعلمه بما في السماءكعلمه بما في غيرها، كما كان علمه بما يكون كعلمه بما كان لا يختلف، فلم يتباين، فتعاد للمخالفة لفظة "ما" للتمييز بها عما خالفها.
стр. 1265
وأما لفظ (ما تسرون) فإنه نحالف ل (وما يعلنون) غاية المخالفة، فلم يصلح إلا بإعادة "ما" فقد بان ووضح الفرق بين المواضع الثلاثة.
следующие страницы →