Полный текст (1 361 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
لتتعادل الفواصل.
ومعنى (فمن شاء ذكره أي: من شاء انتفع به فيكون ذاكرا له، وإذا لم ينتفع به فيكون كالناسى له.
فأما قوله: (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) فهو بمعنى (فمن شاء ذكره لأن
من انتفع بالذكر سلك سبيل الطاعات التي تؤدي إلى ثواب الله تعالى فعدل إلى قوله: (اتخذ إلى ربه سبيلا) للتوفقة بين الفواصل من هذه السورة إذ كانت مردفة بياء أو واو منقطعة بالألف، فحصل في المكانين المعنيان متفقين مع ملائمة الفواصل في الموضعين.
стр. 1297
سورة القيامة
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) .
للسائل أن يسأل عماّ أعيد من لفظ "القمر" في الفاصلتين المتواصلتين؟
الجواب أن يقال: لماّ قال: (برق البصر) أي: تلألأ ولمع لهول ما شاهد، وهذا يلحق العيون عند شدة الأمر، والقمرُ يجوز أن يراد به بياض العين، وخسوف غيبته والبياض الذي فوق الحَدَقَة يغيب إذا انقلبت العين حتى يتعلّق البياض الذي تحت السواد.
ويكون قوله: (وجمع الشمس والقمر) يجوز أن يكون المعنى جُمعا من مكان يقرب من المكان الذي فيه الناس، ويجوز أن يكون المراد جمعا في سلب الضياء وفقْد النّور فعلى هذا لا يكون القمر مكرَّرا إذا أريد بالثاني غير الأول، ولا يكون معيبا إذا أريد به الأول أيضا، لأنه أخبر عنه بغير الخبر الأول
والأشياء التي ليس خيالها أمثالُها يجوز أن يقام ظاهرها مقام مضمرها، كقوله:
стр. 1298
لا أرى الموتَ يَسبِق الموتَ شيء نَغص الموتا ذا الغِنَى والفقيرا
فهذا في كلام واحد في البيت، والأول في كلامين، وهو أحسن، ومثله:
(ولله ما في السموات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور) .
стр. 1299
الآية الثانية منها
قوله تعالى: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) .
للسائل أن يسأل عن تكرير ذلك، وعن الفائدة فيه، وعن حقيقة اللفظ واشتقاقه.
الجواب أن يقال: اللفظة مششقة من " وليَ يَلى) ، إذا قرب منه قرب مجاورة، فكأنه قال: الهلاك قريب منك، مجاور لك، بل هو "أولى وأقرب.
وأما التكرير لفظا فهو غير معيب إذا لم يتكرر المعنى، فالأول يراد به الهلاك في الدنيا، والثانى بعده يراد به الهلاك في الآخرة، وعلى هذا يخرج من التكريرات المعيبة فاعرفه ترشد إن شاء الله) .
стр. 1300
سورة الإنسان
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) .
وقال بعده: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) ..
للسائل أن يسأل عن قوله: (ويطاف عليهم) وهو فعل ما لم يسمّ فاعله، وبعده: (ويطوف عليهم) وهو فعل سمِّي فاعله، وعن اختصاص كل من المكانين بواحد منهما، وعن الفائدة فيها.
الجواب أن يقال: إن القصد في الأولى إلى وصف ما يطاف به من الأواني دون وصف الطائفين بها، فلماّ كان المعتمد بالافادة ذاك بني الفعل مقصودا به ذكر المفعول به لا الفاعل، فقال تعالى: (بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥)
стр. 1301
قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ) أي: آلات من فضة صفاؤها كصفاء القوارير، لا تمنع أن يرى ما وراءها، وقد قدّرت
على صفة فجاءت على ما قدّرت وفقا لمنية المتمنىّ، وقيل: قدرت تقدير ما يسع الريّ. وقيل: قدّرت على ما يريد الشارب أن يكون عليه، لا زيادة ولا نقصان، ثم قال تعالى: (ويُسْقون فيها كأسا) ، فوصف بعد الإناء
الذي تسبق العين إليه ما يحويه من مشروبٍ وطيبه، فلذلك لم يسمّ فاعل ويطاف، ولأنه جاء بعد قوله: (وذُلّلت قطوفها تذليلا.
وأماّ الموضع الثانى الذي " سُمّي فيه الفاعل، وهو قوله: (ويطوف عليهم وِلدان مخلدون) فإن القصدْ فيه إلى وصف الفاعلين الذين يطوفون بهذه الآنية،
стр. 1302
فوجب ذكرُهم لتتعلّق الصفة بهم، فقال تعالى: (ويطوف عليهم وِلدان مخلدون. وفي (مخلدون ثلاثة أقوال: باقون أبدا، دائمون. وقيل: يبقون على هيئة الوصفاء، فلا يَشِبُّون. وقيل؟ مخلدون: مُحلون، والْخَلَدَة القُرْطُ.
وقوله: (إذا رأيتَهم حسبتَهم لؤلؤا منثورا) في صفاءِ ألوانهم، وضياءِ وجوههم وحسنِهم وإشراقِهم، وماءِ النعيم المترقْرِق فيهم، وإذا كان كذلك أوجب ما بنى
стр. 1303
عليه الكلام أنْ لا يسمّى الفاعل في الأول، ويسمى في الثاني كما جاءت عليه الآيتان.
стр. 1304
سورة المرسلات
الآية الآولى منها
قوله تعالى: ويل يومئذ للمكذِّبين.
للسائل أن يسأل عن هذه الآية، لِم كررت عشر مراّت؟ وتخصيص ما بعد كل منها بما قرن إليها، والفائدة في تقديم ما بعد الأولى على ما بعد الثانية؟ ثم السؤال في الجميع على هذه الطريقة؟
الجواب أن يقال: إنّ هذه السورة مقصورة على إثبات ما أنكره الكفاّر من البعث والإحياء بعد الموت، والحساب، والثواب والعقاب، وتخويف المكذبين به، ليرجعوا عنه، ويتمسّكوا بالحقّ دونه، فأقسم- تعالى- في أول السورة. بما أقسم: (إنما توعدون لَواقع) في يوم الفصل بين المسيء والمحسن، والعاصي والمطيع.
ْواحتجّ على المكذبين فيما بين ثلاثة من المتكررات بما يحجبهم بعد
стр. 1305
قوله: (وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئد للمكذِّبين)
أي: ويل لمن كذب بيوم القيامة، وهو اليوم الذي يفصل. فيه بين المحسن والمسىء بأعظم المثوبة وأشدّ العقوبة، وبدأ بعد إيجاب الويل في الآخرة لمن كذب بها بذكرِ مَن أهلك من أمم الأنبياء الأوّلين كقوم نوح وعاد وثمودَ، ثم أتبعهم الآخرين الذين أهلكوا من بعدهم، قوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وال فرعون وملئه، ثم توعد المجرمين من أمة محمد ﷺ (وأنهم يلحقون بأمثالهم إذا استمرّوا في التكذيب على مثالهم، فكان ذلكْ زجرا بالغا بما صحّ عندهم من أخبارهم كما قال تعالى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ)
فحذرهم نكالا يقع بهم كما يقع فى بمن عمل مثل أعمالهم فقال بعد ذلك: (ويل يومئد للمكذِّبين) ، أي: لمن كذّب بالآخرة بعد
стр. 1306
أن احتجّ عليه في هذه الآية بإهلاك الأمة بعد الأمة، وأنهم على إثرهم فى الهلاك إن أقاموا على الإشراك.
ئم احتج عليهم في الثانية بقوله: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)
أي جعلنا أشرف من تشاهدون من أقلّ ما تعرفون، وهو
النطفة التي أقرّها في الرحم، ونقلها حالا بعد حال حتى بلغ حدّ التمام والكمال استواء جوارح، ووصل مفاصل، وأجرى هذا التقدير في جميع ما يولد
من الحيوان، وخلق فيهم مجاري أغذيتهم ومشاربِ القوة المستفادة من أكلهم،
стр. 1307
فدلّ بما نبّه عليه من النشأة في الابتداء على النشأة الثانية للانتهاء فقال: ويل لمن كذب بها بعد لزوم الحجة.
ثم احتجّ عليهم في الثالثة بقوله: (ألم نجعلِ الأرضَ كِفاتاً أحياء وأمواتا) ، أي: جعلناها تضمّ أحياءهم وموتاهم، بما تخرج من أقواتها، وتواري من أمواتها، كما قال تعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥) ، هذا مع ما أقام فيها من الجبال الثوابت الرفيعة التي هي أوتاد الأرض وما أجري فيها للحيوان من الماء العذب، وفي كلّ ذلك دليل على أنه قادر عليم، وصانع حكيم لم يخلق الناس عبثا، ويتركهم سدى، وهو كما يبدي يعيد لِيحقّ منه الوعد والوعيد.
ثم قصرت ثلاثة على ما يكون من تبكيتهم على ما كذّبوا به عند مشاهدتهم
стр. 1308
له، وهي: (انطَلِقوا إلى ما كنتم به تكذِّبون) ، أي: يقال لهم يوم القيامة ذلك، والثاني من هذه الثلاثة: (هذا يومُ لا يَنطقون) ، والثالث: (هذا يوم الفصل جمعناكم والأوّلِين) ، فأمروا أوّلا بالانطلاق إلى ما كذّبوا به، وفي الثاني معناه: أمضوا إليها فلا عذر لكم ولا حجّة فقد أعذر إليكم في الدار الأولى مَن مكثكم، وفي الثالث: (هذا يوم الفصل، ومعناه معنى قوله تعالى: (وامتازوا اليومَ أيها المجرمون ْ) ، لأثّكم جمعتم في يوم يفصل فيه بين المطيع والعاصي، والمحق والمبطل. ومعنى قوله: (فإنْ كان لكم كيد فكيدون) ، أي: كنتم تغتاظون وتسخطون لمخالفة ما أمركم به، واليومَ قد عجزتم عن أنفسكم، فإنْ قدرتم على ما كنتم تفعلونه قبل ما فعلوا، كما قال: (.. ويُدعَوْن إلى السجود فلا يستطيعون)
стр. 1309
وبقيت أربعة بعد أولها وصف أهل الجنة أنهم يجازون بأعمالهم ويصيرون إلى ثمرات أفعالهم.
وبعد الثاني: خطاب لمن في عصر النبي ﷺ ومبالغة في زجرهم، وأنهم في إيثارعم العاجلة الفانية على الآجلة الباقية من جملة المجرمين الذين قال فيهم عند مفتتح هذه الآي: كذلك نفعل بالمجرمين) ، فرجع عجُزُ الكلام إلى صدره. بقوله: (كلوا وتمتعوا قليلاً إنكم مجرمون) .
وبعد الثالث: خبر عنهم بأنهم يَكرهون التجبية كما حكي عن هند بنت
стр. 1310
عتبة رضى الله عنها لما قال لها رسول الله ﷺ (يوم الفتح: يا هند هل ترين بالاسلام بأسا؟ قالت: بأبي وأمّي، ما أحسنه، لولا ثلاث خصال. قال: ما هن؟ قالت: التجبية والخمار ورقيّ هذا العبد الأسود فوق الكعبة. قال ﷺ : أماّ التجبية فإنه لا صلاة إلا بركوع، وأماّ قولكِ: الخمار فلا شيء أحسن منه، وأستر من الخمار، وأماّ قولكِ: ورقي هذا العبد الأسود فوق الكعبة، فنعم عبد الله هو) .
يقال: جبّى الرجل يجبّي تجبية، إذا ركع، ومنه قوله:
كأنّ خُصْيَيْه إذا ماجُبا دَجاجَتانِ يلقطانِ حَباّ
فكراهتهم للتجبية من أجل ما يحكى عن أحدهم أنه قال: أكره أن تعلوني اِسْتي. ومعنى: (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون)
стр. 1311
إذا دعوا إلى الصلاة لم يصلّوها لا بحجة ولا بشبهة، ولكن بباطل، هو ما حكيناه، وقيل: لم يصلّوا لجهلهم بما في الصلاة من المنافع لصاحبها، وقيل: لم يصلّوا لتكذيبهم بوجوبها.
وبعد الرابع قوله تعالى: (فبأي حديث بعده يؤمنون)
أي: إذا كذّبوا بالقرآن المتضمن لوجوب الصلاة، وبذل غاية الخضوع بالسجود والركوع
стр. 1312
لمن له غايات الإحسان، فلم يصدقوا أنه من عند الله تعالى مع ما قارنه من واضح البرهان، فبأيّ كلام يَسْمَحون بعده بالإيمان. ومعنى قوله: (اركعوا) أي صلّوا، ومنه قوله تعالى: (.. ويؤتون الزكاة وهم راكعون) أي: مصلّون.
وإذا كان قوله: (ويل يومئذ للمكذِّبين) رِدْفَ كلام يدل على ما يجب تصديقه،
وترك التكذيب به، وكانت المعاني مختلفة، سلم من التكرار ٧". وعلى الترتيب الذي بينا يتبين ما يختص بالتقديم مما يختص بالتأخير.
стр. 1313
سورة النبأ
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (كلا سيعلمون ثمّ كلا سيعلمون) .
للسائل أن يسأل عن تكرار ذلك وفائدته؟
الجواب أن يقال: إن الأول وعيد بما يرونه في الدنيا عند فراقها من مقرّهم، والثاني وعيد بما يَلقونه في الآخرة من عذاب ربهم، وإذا لم يرد بالثانىِ ما أريد بالأول لم يكن تكرارا وقيل الأول توعّد بالقيامة وهولها، والثاني توعّد بما بعدها من النار وحرّها.
стр. 1314
الآية الثانية منها
قوله تعالى: (إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) .
وقال في وصف أهل الجنة: (وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) .
للسائل أن يسأل عن الجزائين، ووصف الأول منهما بالوفاق، ووصف الثاني بأنه حساب، وهل كان يصح أن يقال في العطاء وفاقا، وفي العقاب حسابا؟
الجواب أن يقال: إن الله تعالى قال: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)
وقال: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا)
وقال (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا)
، فلماّ كانت الحسنة بأضعافها، والسّيئة. بمثلها استعمل في جزاء السّيئة أنه وِفاق لها غير زائد عليها، ولا قاصر عنها. ولماّ كانت الحسنة بأضعافها استعمل في جزأئها أنه عطاء يكفي معطاه، ويبلغ من مطلوبه منتهاه، فقال: (عطاء بحسبه أي يكفيه مما يريد ويشتهيه ويغنيه عن طلب
стр. 1315
زيادة إليه، وإذا كان كذلك لم يصلح لكل مكانٍ إلا ما استعمل فيه - والله الموفق.
стр. 1316
سورة النازعات
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (فإذا جاءتِ الطاّمّةُ الكبْرى. يومَ يتذكّر الإنسان ما سعى)
وقال في سورة عبس: (فإذا جاءتِ الصاّخّةُ) .
للسائل أن يسأل عما سمَّاه الطاّمة الكبرى، وعما سمَّاه، الضاّخّة، وهل يصلح أن تستعمل الأولى مكان الثانية والثانية مكان الأولى؟
الجواب أن يقال: إن الطاّمة تستعمل في الشديدة التى تنسى عندها الشدائد، فتَطم على ما تقدّمها، أىِ تستره وتغطيه، ومنه يقال: طَم البئرَ إذا كَبَسَها، والطِّم: الكبْس، والقيامة: الطاّمّة الكبرى، لأنها تنسى شدّتها ما تقدم من
стр. 1317
شدائد الدنيا حتى يصير الناس فيها كما قال الله تعالى: (كأنّهم يومَ يَرَوْنَها لم يَلْبَثوا إلاّ عشية أو ضحاها) أي: تصير شدائد الدنيا عندها محتقرة بمنزلة
ما لم يروه إلاّ ساعة كعشيّة أو ضحاها.
وإنما استعملت الطامّة الكبرى في هذه السورة لأن فيها ذكر ما أوتي به فرعون من الطاّمّة الكبرى في الكفر حيث قال:.. أنا ربُّكم الأعلى، فهذه في الكبائر كشديدة الآخرة في الشدائد فكأنه قرن إلى ذكر الكبيرة الموفِيَة على أمثالها ذِكر الطاّمّة الكبرى وأهوالها.
стр. 1318
وأماّ الصاّخة فهي صيحة تطعن الآذان فتُصِمّها، يقال: صخّ الغراب، بمنقاره في دبر البعير، أي طعن، فالصاّخة صيحة شديدة لِشدّة صوتها تحى لها الناس كالصيحة الشديدة التى تنبه لها النوّام.
فلماّ تقدم في هذه السورة من حالة الإنسان ما نطق (به قوله تعالى: (ثمّ أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره) ، كان الإنشار بالصاّخّة التي تطعن الآذان، فيقضي الله تعالى عندها إحياء الموتى، فقارن الآيات التي في السورة
стр. 1319
ما شاكلها والآيات في الآخرة ما شابهها والسلام.
стр. 1320
سورة عبس
مرّ ما فيها في السورة التي قبلها.
سورة التكوير
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (وإذا البِحارُ سجِّرت وإذا النُّفُوسُ زُوجت) .
وقال في سورة الانفطار: (وإذا البِحارُ فُجّرت وإذا القُبُورُ بعْثِرتْ) .
للسائل أن يسأل عن اختصاص الأولى بقوله: (سجِّرت واختصاص الثانية بقوله: (فُجِّرت) ؟
الجواب أن يقال: إنّ الأفعال التي جاءت بعد إذا في السورة الأولى في جملتها: وإذا الجحيم سُعرتْ وإذا الجنّةُ أزْلفتْ) ولم يكن
стр. 1321
ذلك في سورة الانفطار.
ومعنى: سُجِّرت البحار: أوقدت فصارت نارا كما يسجَّر التنُّور، وقيل: المراد بها بحار في جهنم تملأ حميماً ليعذّب بها أهل النار، فكان ذكر هذا المعنى حيث وقع التوعّد بتسعير الجحيم أشبهَ وأولى.
وأماّ قوله: (وإذا البحارُ فُجّرت) ، فإنّ معناه: سُيّب ماؤها، فأسيح حتى فاض المكان، لأنّ قبلها خبرا عن الأشياء التي يحكم الله تعالى بمزايلتها أماكنها كقوله تعالى: (إذا السماء انفطرت) ،
стр. 1322
ومعناه: انشقت، كما قال: (فإذا انشقّت السماء فكانت وردة كالدِّهان) ، وبعده (وإذا الكواكبُ انتثرتْ) ، وبعده: (وإذا البِحارُ فُجرتْ) ، فبإزاء انتثار الكواكب انفجار البحار، فكان الإخبار عنها بهذا المعنى أولى بهذا المكان لتقدم ما يشبهها من التغيير، ومجيء ما هو تزييل عن مكانه من بعثرة القبور.
стр. 1323
الآية الثانية منها
قوله تعالى: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) .
وقال بعدها في سورة الانفطار (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) .
للسائل أن يسأل فيقول: قال الله تعالى: لما كانت القيامة وغيّر الله ما به قوام الدنيا لما يريد من إبطالها، وتجديد أمر الآخرة، حينئذ علِمت نفس ما أحضرت، وقال في السورة الأخرى: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)
فهل يصح مكانَ (ما أحضرت) (ما قدّمت وأخّرت) ؟ فيجاب في سورة التكوير بما أجيب به في سورة الانفطار، أم خصوص الفائدة توجب تخصيص اللفظة؟
والجواب أن يقال: إنّ الأول لما جاء بعد ذكر النار والجنة، وهو قوله: (وإذا الجحيمُ سُعِّرت وإذا الجنّةُ أزْلفتْ علمت نفس ما أحضرت) ، أي عملت عملا تستحق به الجنة، أم عملاً تستحقّ به النار، وذلك إذا نوِّلت الكتابَ ورأت التوابَ والعقاب.
стр. 1324
وأما الثاني فإنه بعد قوله: (وإذا القبور بُعْثِرت) أي: قُلِّب ترابها، وجعل أسفلها أعلاها بإخراج موتاها، فلماّ كان آخرَ شرط انقطع إلى ذكر الجزاء
لفظا ذا نقيض، وهو البعثرة التي تجعل أسفل الشىء أعلاه، كأن أن يُجعل الجزاء ما يتضمن لفظا ذا نقيض أولى من غيره، وهو: (علمت نفس ما قدّمت وأخّرت) ، وقيل: معناه: ما أقامت من طاعة الله وما تركت،
وقيل: معناه: علمت نفس جميع ما عملته مدّة عمرها في الدنيا ما عملته، وما فعلته في أول شبابها وما فعلته آخر أيامها. وقيل: معناه: ما قدّمت من
стр. 1325
عملها الذي انقطع بانقطاع حياتها، وما أخّرت من سنة سنّتها فعُمل بها بعده، وإذا كان كذلك فقد قرن إلى كل شىء شرط جوابه الذي هو أشبه بما قاربه، وأولى لما قارنه.
стр. 1326
سورة الانفطار
ما فيها قد مرّ في السورة التي قبلها.
سورة المطففين
الآية الأولى منها
قوله تعالى وقال تعالى في كتاب الفجار: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠)
وقال تعالى في كتاب الأبرار: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) .
للسائل أن يسأل عن قوله تعالى فيقول: (كتاب مرقوم وانقطاع إلى قوله: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠)
وانقطاع الثاني إلى قوله: (يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) .
الجواب أن يقال: قوله: في سجِّين فسّر على وجوه؟ قال أبو عبيدة:
стр. 1327
سجين: شديد، ومنه قول ابن مقبل:
ضَرْبا تواصَوا به الأبطالُ سِجينا
стр. 1328
أي: شديد، وهذا يحمل على وجهين في حبس شديد كشدّة السجن لِيدلّ به على خساسة منزلتهم. وقيل: (لفى سِجِّين) : أي أمر شديد عذابه وغُمة، وقيل: لفي سِجِّين من الأرض السابعة، وقيل: لفي سِجِّين، أي في سجن والياء للمبالغة: أي كتاب سيئاتهم فوجب تخليد حبسهم، وقيل هذا كتابهم لما دام التقريع به دام عقابهم له،
стр. 1329
ومعنى قوله: (وما أدراك ما سِجِّين) أي: ليس هذا مما كنت تعلمه أنت ولا قومك لولا ما أتاك به الوحى من عندنا، ثم فسّر فقال: (كتاب مرقوم) أي: كئاب مُعلم بعلامات تدل على دوام خزيهم، واتصال عذابهم بما فيه من سيئآتهم، ثم قال: ويل لهم، لأنهم كذّبوا رسلَ الله.
وأماّ قوله: (كلاّ إن كتاب الأبرارِ لَفي عِليين) أي: في مراتب عالية مكنوفة بجلالة فلما فضلت الرتب دلّت على عظم شأنها بجمعها بالواو والنون تشبيها بما يميّز ويخاطب.
стр. 1330
وقيل: (عِليّون) : السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين.
وقيل: عليون: غرف الجنة.
وقيل: سدرة المنتهى، وهى التى ينتهى إليها كل شيء من أمر الله تعالى، وهي في السماء السابعة.
وقيل: عِليون: علوّ على علوّ مضاعف، والواحد عليّ، كشِريب وسِيِّهر وخمير، فكأنه لأعلى الأمكنة، ثم جمعَ بالواو والنون لتفخيم شأنه.
стр. 1331
وقيل: هذا جمع لما لا يُحَدُّ، واحده كثلاثين وأربعين، فثلاثون كأن لفظه لفظَ جمع ثلاث،
قال الزجاج وهو كما قال الشاعر:
стр. 1332
فكان دُهَيدِهين، وهي حاشية الإبل وصغارها، وأبيكرين، جمع ليس واحده معلوم العدد.
وقوله في كتاب الأبرار: (كتاب مرقوم يشهده المقربون) ،
أي: كتاب معلم بعلامات تدل على ما يقر أعينهم، ويوجب دوام سرورهم لما أودع من حسناتهم المفضية بهم إلى جناتهم.
فكان رقم كتاب الفجار ممّا يوحب المصير إلى النار فانقطع إلى ما يوجب لهم الويل، ورقم كتاب الأبرار ممّا يوجبِ المصير إلى غرف الجنان، ورضى الرحمن
стр. 1333
فانقطع إلى ذكر مشاهدة المقرّبين، وتبشيره بدوام نعيم
صاحبه.
стр. 1334
الآية الثانية منها
قوله تعالى: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) .
للسائل أن يسأل عن إفراد هذه الآية في هذه السورة مع تكراره في سورة المرسلات عشر مرات؟
والجواب أن يقال: إن قوله: ويل لهم كلمة تقال في كلْ من وقع في هلكة لا يُرجى خلاصه منها، وهى في سورة المرسلات قد بيّنّا وجه الفائدة فيما أعيد منها، وهي في هذه السورة مذكورة مرة واحدة، لأنها مقصورة على الترهيب من النار ووصفها ومعاقبة أهلها، وعلى الترغيب في الجنة ونعيم أهلها، ليس في السورة غير هذين المعنيين.
стр. 1335
فلماّ جرّدت لهما ذكرت الكلمة عند ذكر ما كتب على المكذّبين وأعلم به كتابهم بما يكون إليه مآلهمْ. ثم شرع في وصف كتاب الأبرار ومحلّه وتبعيد ما بين جزائهم وجزاء غيرهم، فاكتفى بذكر الكلمة مرة لما بني على اختصار السورة.
следующие страницы →