Полный текст (1 361 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
"١٧" الآية السابعة عشر:
قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) . " البقرة: ١٧٤".
وقال في سورة آل عمران" آية: ٧٧": (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إلهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) .
للسائل أن يسأل فيقول: إن الإخبار في الموضعين عن أهل الكتاب الذين كتموا ذكر النبي (من كتابهم المنزل عليهم من التورات والإنجيل، والتوعد في الموضعين مختلف، والكبير واحدة، فهل هناك معنى يوجب اختلاف الوعيد في المكانين.
الجواب أن يقال: الوعيد في كل مكان من المكانين حسب ما ذكر من عظيم الذنب وكبير الجرم، فقال في سورة "البقرة: ١٧٤": (إن الذين
стр. 317
يكتمون ما أنزل الله من الكتاب) فوصفهم بأنهم خالفوا الله في أمره ونقضوا ما قدم إليهم من عهده، حيث قال: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه..) "آل عمران: ١٨٧" فهؤلاء لم يبينوا وكتموا فخالفوا بارتكاب ما نهى الله عن ارتكابه وترك ما أمر الله بإتيانه ثم قال: (ويشترون به ثمنا قليلا) أي: نصيبا يسيرا من الدنيا، فجاء على هذا أغلظ الوعيد، وهو قوله: (أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار) أي: هذا الحظ اليسير الذي نالوه من الدنيا من مطعم ومشرب إنما هو نار في أجوافهم، ثم قال: (ولا يكلمهم الله يوم القيامة) أي: ليسوا ممن ترجى نجاتهم فيجيئهم من قبل الله كلام أو سلام كما قال في أوليائه: (تحيتهم يوم يلقونه سلام) " الأحزاب: ٤٤" ثم قال: (ولا يزكيهم) أي لا يطهرهم مكن الذنب الكفر بالعفو عنهم، (ولهم عذاب
стр. 318
أليم) ، ثم قال: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) " البقرة: ١٧٥"، فكرر ذكر سوء اشترائهم ووعيدهم، وأنهم باعوا الإسلام بالكفر، واشتروا عذاب الله بالغفران، واقتحموا عذاب النار فعل من يعجب من صبره عليها.
فهذه أنواع كثيرة من التوعد اقترنت بما حصل من الذنب العظيم في كتمانه، والإعراض عن تبيين ما وجب بيانه.
الآية التي في سورة آل عمران لم يذكر في أولها من الذنوب التي ارتكبوها مثل ما ذكر في أول هذه الآية قال: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا..)
стр. 319
فكان هاهنا ذكر بعض ما ذكر في الآية الأولى وهو: (يشترون به ثمنا قليلا) فقرن به من الوعيد أقل مما قرنه بالآية الأولى،
وهو أن قال: (لا خلاق لهم في الآخرة) أي: لا نصيب لهم من الخير، (ولا يكلمهم الله) كما يكلم أولياءه (ولا ينظر إليهم) نظرة رحمة (ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) .
стр. 320
"١٨" الآية الثامنة عشر:
قوله تعالى: (.. ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها..) " البقرة: ١٨٧".
وقال في موضع آخر من هذه السورة: (.. تلك حدود الله فلا تعتدوها..) " البقرة: ٢٢٩".
للسائل أن يسأل فيقول: كيف اختص الموضع الأول بقوله) فلا تقربوها) والموضع الثاني بقوله: (فلا تعتدوها) ؟
الجواب أن يقال: الأول خرج على أغلظ الوعيد كما قال: (ولا تقربا هذه الشجرة..) "البقرة: ٣٥"، وإنما كان نهي عن أكلها لا عن الدنو منها، فخرج مخرج قول القائل- إذا نهى عن الشيئ وشدد الأمر فيه -: لا تقرب هذا الشيئ، وما أحسن ما قال النبي في المنع من مقاربة الحرام: " من رتع حول الحمى
стр. 321
يوشك أن يقع فيه، وكما روي عن بعض الصالحين أنه قال: " إني لأحب أن يكثف الحاجز بيني وبين ما حرم الله".
فلما كان هذا الموضع الأول نهيا عن مواقعة النساء في حالة الاعتكاف في المساجد صار فيه تحذير من دواعي المواقعة فاقتضى من المبالغة ما لم يقتضيه
стр. 322
قوله: (.. فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها..) " البقرة: ٢٢٩"، فكأنه قال: لا تتجاوزوها، يعني المرأة إذا افتدت بمهرها وخالفت زوجها لم يكن عليها إثم. وهذه حدود نهي عن تعديها.
والحدود ضربان، حد هو منع من ارتكاب المحظور، وحد هو فاصلة بين الحلال والحرام، فأول ينهى عن مقاربته والثاني ينهي عن مجاوزته، وهما المذكوران في هذه السورة.
стр. 323
"١٩" الآية التاسعة عشر:
قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) " البقرة: ١٩٣".
وقال في سورة الأنفال" الآية: ٣٩": (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما تعلمون بصير) .
للسائل أن يسأل فيقول: لأي فائدة قال في هذه السورة: (ويكون الدين لله) ولم يأكده، وعقبه
بقوله: (فلا عدوان إلا على الظالمين) / وقال في سورة الأنفال: (ويكون الدين كله لله) فأكده واتبعه بقوله: (فإن الله بما تعلمون بصير) ؟
الجواب عن ذلك أن يقال: إن الآية الأولى من سورة البقرة جاءت في قتال أهل مكة، ألا ترى ما قبلها: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث
стр. 324
أخرجوكم..) " البقرة: ١٩١"، ثم قال: (.. ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه..) "ى البقرة: ١٩١"، وهذا مختص بقتال قوم مخصوصين من أهل الشرك، وهم نازلو الحرم، فاقتصر على الدين من غير توكيد على معنى: حتى يكون الدين حيث هؤلاء، ولا في كل مكان، لأنه لا يحصل بقتل مشركي مكة الدين في كل بلاد.
وقوله: (فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) أي: انتهوا عن كفرهم فلا عدوان عليهم، إنما العدوان على من أقام على الضلالة وظلم نفسه بلزوم الجهالة.
وأما في سورة الأنفال فالأمر ورد عاما في قتال كل الكافرين، ألا ترى أن قبل الآية: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف..) " الأنفال: ٣٨"، وليس هذا في طائفة من الكفار دون طائفة، فإذا كان كذلك، وقال بعده: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة..) أي: لا يكون شرك وكفر، اقتضى هذا
стр. 325
أن يكون بعده: (ويكون الدين كله لله) فأمروا بإبطال كل كفر قدروا عليه، واتبعه قوله: (فإن انتهوا فإن الله بما يعلمون بصير) أي: إن انتهوا وانتقلوا إلى الإيمان وكفوكم عن قتالهم بما يظهرون من الإسلام فإن الله يعلم عملكم وعملهم على القرائين جميعا، فيكون الخطاب للمقاتلين، ولفظ المغايبة للمقاتلين.
ويمكن أن يقال إن الخطاب في: (تعلمون) يشمل الكل، لأنه قال: (حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) ، فكلهم قد صاروا مؤمنين، فلا جرم ضمنهم
стр. 326
خطاب واحد، وأعلمهم أنه مجازيهم على عملهم، مطلع على سرائرهم، يعلم من كان انتهاؤه عن الكفر لرغبة من رغائب الدنيا، ومن كان انتهاؤه عنه للتبصر، فسوى بين السر والجهر، فاللفظة في ضمنها- إذا وردة من القادر الحكيم- غاية التخويف والوعيد في العقاب الأليم، وغاية الترغيب في الثواب العظيم لفرقتي الطاعة والعصيان، فهذا وجهه. والسلام.
стр. 327
"٢٠" الآية العشرون:
قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء
والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) " البقرة: ٢١٤".
وقال في سورة آل عمران"١٤٢") أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) .
وقال في سورة التوبة"١٦": (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعلمون) .
وللسائل أن يسأل فيقول: كيف اختلف اللفظ في المواضع الثلاثة، وهو فيها كلها بعث على الجهاد؟ وهل صلح ما هو في الأول للآخر، أم اقتضاه مكانه بعينه دون غيره؟
стр. 328
الجواب أن يقال: بل لكل موضع معنى يقتضي اللفظ الذي خص به، فالآية الأولى من سورة البقرة وردت عقيب قوله: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين..) " البقرة: ٢١٣" ثم قال: (.. وما اختلف في إلا الذين أوتوه) يعني الكتاب (من بعدما جاءتهم البينات بغيا بينهم) فكانت هذه الحالة التي أخبر الله عنها مشبهة حالة النبي/ (والمؤمنين معه فيما دفعوا إليه من بغي المشركين، ومقاتلتهم لهم مجاهدين، فقال: أم حسبتم أن تشتروا الجنة لتسكنوها خالدين فيها ولم تفعلوا أفعال الأمم الماضية فيما دفعت إليه هي وأنبياؤها وما نالهم من قتال الكفار من الشدة والمضرة والانزعاج عن المواطن حتى استعجلوا النصر لما استنفدوا الصبر أعلمهم الله أن نصره قريب من أوليائه، غير بعيد عن حزبه، وكذلك حالكم إذا عرفتم حالهم وعاقبه أمرهم ومآلهم.
стр. 329
ومعنى قوله: (تدخلوا الجنة) هو ما بينه في قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون..) " التوبة: ١١١" فكان في ذكر ذلك شحذ لبصائرهم في الجهاد، وحملهم على الاقتداء بفرق الصلاح وأمم الأنبياء صلوات الله عليهم قبلهم وتأنيس لهم بالصبر على ما حل بهم حتى حمدوا عاقبة أمرهم.
وأما الآية الثانية في سورة آل عمران وهي: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) " أل عمران: ١٤٢" فهي خطاب للمسلمين الذين نالهم من قتال المشركين جراحات، لأنه قال فيها: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله..) " آل عمران: ١٤٠" فقال: أم حسبتم أن تنالوا الجنة ولما تجاهدوا الأعداء من الكفار فيعلم الله ذلك منكم، ولما تصبروا صبرا
стр. 330
زائدا على صبرهم فيرى ذلك من فضلكم عليهم، أي الجنة لمن فعل
ما أمره الله تعالى به في الوقت من قتال أهل الكفر وتوطينهم النفس فيه على الصبر فيخفف عليه ما يجد من الألم بما يتحقق من الفوز في الآجلة.
والآية التي ردفتها هذه الآية اقتضت البعث على التشمر للقتال والصبر بعد صبر الأعداء، وقيل لبعض العرب: ما كان سبب كثرة ظفركم بأعدائكم، فقال: كنا نصبر بعد صبرهم ساعة فيكون ذلك سبب الظفر.
وأما الآية الثالثة في سورة براءة وهي قوله تعالى: (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة
стр. 331
والله خبير بما تعملون) التوبة: ١٦، فإنها خطاب للمجاهدين من المؤمنين، وتوعد لمن كان منهم يبقى على أقارب له عند الظفر بهم لقوله بعده: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون* قل إن كان آباؤكم..) التوبة: ٢٣-٢٤ الآيتين، فحذر المنافقين الذين ضاموا المؤمنين في قتال المشركين أن يعلم الله مجاهدتهم أعداءهم وقد اتخذوا معها وليجة بينهم وبين المكشرين. فالوليجة: هي المدخل الذي ذكره الله تعالى في الآية. بعدها عند وصف المنافقين فقال: (ويحلفون بالله لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون* لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون) التوبة: ٥٦-٥٧ الآيتين فقولك: ولج، بمعنى دخل، والوليجة: المدخل وهو الوسيلة التي يدخل
стр. 332
بها الإنسان حريم الإنسان، كالباب المفتوح له يفعل فعله، فكأن التوعد كان يقتضي أن يقال لهم: أظننتم أن تتكركوا وما تظهرون من مجاهدتكم أعدائكم أعداءكم ولم يكن منكم جهاد خالص لله تعالى لا تمالئون فيه أبا ولا ابنا، ولا تراعون فيه حميما ولا قريبا، فلا تبقون على ذي معرفة إبقاء تتقربون به رجاء أن يجازوكم عليه، فإن قدرتم أنكم تتركون ومضامة المسلمين في القتال من غير أن يعلم منكم باطنا عاريا من هذه الحال فقد أخطأ ظنكم وأخلف تقديركم فإنكم مطالبون بالتوفقة بين سركم وجهركم.
стр. 333
٢١ الآية الحادية والعشرون
قوله : (.. ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر..) البقرة: ٢٣٢.
وقال في سورة الطلاق: ٢ (.. ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر..) .
للسائل أن يسأل فيقول: إذا كان الكاف في (ذلك) للمخاطب، فيجمع إذا كثروا ويقال: ذلكم، كما قال في الآيتين، وكما قال: (ذلكم أزكى لكم وأطهر، وقال في مخاطبة الإثنين: (..ذلكما مما
علمني ربي) يوسف: ٣٧، وكما قال في مخاطبة النساء: (قالت فذلكن الذي لمتنني فيه..) يوسف: ٣٢، فيثنى ويجمع على حسب المخاطب كما يؤنث ويذكر فيكسر كقوله: (قال كذلك قال ربك هو علي هين..) مريم: ٢١، فما بال قوله
стр. 334
تعالى: (ذلك يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر..) في سورة البقرة موحدا الكاف من ذلك مع جمعها في نظيرها في سورة الطلاق؟ .
والجواب عن ذلك أن يقال: إن الكاف تجئ في الكلام اسما للمخاطب كقوله: رأيتك، وغلامك، والكاف هاهنا اسم للمخاطب، وموضعها نصب في رأيتك وجر في غلامك.
وتجيء متصلة بالأسماء المبهمة التي للإشارة وليست باسما ولكنها للخطاب، ويراد بها معنى آخر وهو تبعيد المشار إليه، نحو ذاك وذلك وأولئك، والدليل على أنها ليست اسما قوله تعالى: (..فذانك برهانان من
стр. 335
ربك) القصص: ٣٢، لو كانت اسما مجرورا لما اجتمعت مع نون التثنية في ذالك كما لا تجتمع معها في قولك: غلاماك، لا تقول: غلمانك، ولا يجوز أن تكون الكاف بعد المبهمة اسما منصوبا، لأنه لا ناصب له.
وشيء آخر، وهو أن هذه المبهمة معارف ولا تصح إضافتها، والكاف بعدها ليس اسما مضافا إليه، فإذا عريت من الإسمية لم تعر من معنى الخطاب، والمعنى الذي يقارنها مع الخطاب في المبهم أنك تقول: ذا فيكون إشارة إلى قريب، فإذا قلت: ذاك صار بالكاف إشارة إلى بعيد.
فلما عريت الكاف من الاسمية قصد بها إلى أحد المعنيين الذين
стр. 336
وضعت لهما ك ذلك. والأسماء المبهمة كما قصد بها معنيان الخطاب والتبعيد جاز أن تعري من أحدهما، وهو الخطاب ويقتصر بها على معنى التبعيد حسب، على حسب قصد القاصد.
وإذا جاءت اللفظة مثناة اللفظ أو مجموعة على حسب حال المخاطبين فهي على المعنيين. وتبيين الموضع الذي يقصد فيه التبعيد وحده لغرض من الأغراض دون الخطاب والتبعيد معا باستقراء كل لفظ في القرآن جاءت فيه ذلك والمخاطبون عدة.
стр. 337
وتأمل موضعها مع تأمل المواضع الأخر التي ثنيت فيها وجمعت، واستنبط حكمة تقتضي في ذلك الموضع استعمالها للتبعيد وحده دون الخطاب، وسنتأمل هذا على استكمال في كل مكان إن شاء الله تعالى.
وجواب آخر عن المسألة وهو أن كل موضع أفردت فيه الكاف والخطاب لجماعة، فإنما قصد بالكاف المفردة مخاطبة النبي، ثم العدول عنها إلى مخاطبة أمته كقوله عز من قائل: (يا أيها
النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن..) الطلاق: ١ فلم يمنعه قوله: (إذا طلقتم) وهو خطاب الجماعة أن يفرد للنبي خطابا له
стр. 338
مخصوصا موحدا، وهو قوله: (يا أيها النبي) .
وكذلك قوله تعالى: (ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله..) البقرة: ٢٣٢ تكون الكاف في ذلك لخطاب النبي والكاف في (منكم) خطاب لأمته، وكذا كل موضع جاءت الكاف فيه هذا المجيء.
стр. 339
٢٢ الآية الثانية والعشرون
قوله تعالى: (..فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهم بالمعروف والله بما تعملون خبير) البقرة: ٢٣٤.
وقال في آخر هذه العشر (..فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهم من معروف والله عزيز حكيم) البقرة: ٢٤٠.
للسائل أن يسأل فيقول: ما الفائدة التي أوجبت اختصاص المكان الأول بالتعريف والباء فقال: (بالمعروف) والمكان الثاني بالتنكير ولفظة (من) ؟
فالجواب عن ذلك أن يقال: إن الأول تعلق بقوله (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهم أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهم بالمعروف..)
البقرة: ٢٣٤ أي: لا جناح عليكم في أن يفعلن في أنفسهم بأمر الله المشهور، وهو ما أباحه لهن من التزوج بعد
стр. 340
انقضاء العدة، فالمعروف هاهنا أمر الله المشهور، وهو فعله وشرعه الذي شرعه وبعث عليه عباده.
والموضع الثاني: أن المراد به: فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهم من جملة الأفعال التي لهم أن يفعلن من تزوج أو قعود، فالمعروف هاهنا فعل من أفعالهم، يعرف في الدين جوازه، وهو بعض ما لهن أن يفعلنه، ولهذا المعنى خص بلفظة من وجاء نكرة.
فجاء المعروف في الأول معرف اللفظ لما أشرت إليه وهو أن يفعلن في أنفسهم بالوجه المعروف المشهور الذي أباح الشرع لهن ذلك، وهو الوجه الذي دل الله عليه وأبانه، فعرف إذ كان وجها من الوجوه التي لهم أن يأتينه، فأخرج مخرج النكرة لذلك.
стр. 341
٢٣ الآية الثالثة والعشرون
قوله : (يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم) البقرة: ٢٧٦.
وقال في سورة النساء ٣٦-٣٧ في الموضع الأول إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا* الذين يبخلون..) .
وفي الموضع الثاني (إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما) النساء: ١٠٧.
وقال في سورة الحديد ٢٣-٢٤: (والله لا يحب كل مختال فخور* الذين يبخلون..) .
للسائل أن يسأل عن المواضع الأربعة، عن اختلاف اللفظين في الموضعين، واتفاقهما في الموضعين، واختصاص الموضع بالواو، واختصاص الموضعين
стр. 342
الآخرين ب إن؟
والجواب أن يقال: أن يقال: إن الآية الأولى في الكفار الذين استحلوا ما حرم الله، وعارضوا ما أنزل الله فقالوا (إنما البيع مثل الربا) البقرة: ٢٤٥ حتى قال: (فأولئك أصحاب لنار هم فيها خالدون) البقرة: ٢٧٥، فعظم الله تعالى كفرهم، وسمى كل واحد منهم كفارا على لفظ المبالغة، لأن كفارا بعد كافر، لمن هو مقيم على الكفر، والكفر عادته، كضارب وضراب، وخائط وخياط، ثم أتبعه بقوله: (أثيم) أي: مبالغ في اكتساب الإثم، وأثيم أبلغ من آثم فإذا أثم إثما
стр. 343
بعد إثم فالإثم عادته، وهو وصف من أخير عنه بالاستحلال للربا، سماه كفارا، وصار أثيما بذلك وسائر سيئات الأفعال التي يلحقها بالكفر.
والموضع الثاني وهو الأول من سورة النساء، أمرهم بالعبادة وترك الشرك فقال: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا..) : ٣٦ أخبرهم أنهم عبيد، والعبد لا يحسن منه الاختيال والفخر، لأن الرق والذل يخالفانه، فلذلك عقبه بقوله: (إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا) وعقبها ب (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) النساء: ٣٧، لأنه بعد العبادة أمرهم
стр. 344
بالإحسان للوالدين وإعطاء ذي القربى واليتامى والمساكين فقال: إن الله تعالى لا يحب العبد المختال الفخور البخيل.
وأما الموضع الثالث وهو الثاني من سورة النساء: (إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما) النساء: ١٠٧، فلأنه ذكر قبله: (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما) فأخبر عن حالهم، فاقتضى بتقدم الذكر هذا الوصف.
والموضع الرابع (والله لا يحب كل مختال فخور) في سورة الحديد الآية: ٢٣، جاء بعد نهيه عن تمكين الحزن والأسا من على ما يفوت من أحوال الدنيا، ويفجع به الإنسان من مستفاد النعمى للعلم السابق بأنها عوار
стр. 345
مرتجعة، وكذلك إذا خول منها الكثير لا يمرح لحبه ولا يبطر فيه كما قال (ولا تمش في الأرض مرحا) الإسراء: ٣٧ أي: فعل المختال، فذم الإفراط في الجزع عند المصيبة والفجيعة، والغلو في الفرح، والمرح عند العطية وكثرة السعة حتى يخرج عن التواضع بما يحول إلى الكبرياء فيبطر ويمرح
стр. 346
ويفخر، وقال عقيب ذلك: (والله لا يحب من كان مختالا فخورا) ، وإنما عقبها ب (الذين يبخلون) الحديد: ٢٤ لأن المتقدم عليه (إن المصدقين والمصدقات
وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم..) الحديد: ١٨ فكأنه حثهم على الصدقة وإقراض الله تعالى، فإن من لم يفعل ذلك يكون بخيلا، والله لا يحب البخيل.
وأما الفرق بين الواو وإن فإن الواو في أكثر الأحوال لا تكون أجنبية مما قبلها بخلاف إن فإنها كلمة أجنبية من الكلمتين وضعت لابتداء الكلام، ففي سورة البقرة وسورة الحديد الكلام متصل بعضه ببعض، فذكره بواو حيث قال: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم) فوصلها بالواو، وكذلك في الحديد: (ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور) .
والإختيال والفخر إنما يكونان من الفرح، فيجمع بينهما بواو.
وأما الموضعان الآخران في سورة النساء فقد تم الكلام فيهما، لأن في الأول
стр. 347
أمرهم بالعبادة وترك الشرك، والإحسان للوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والجار وملك اليمين، وقد تمت هذه الأوامر، ثم ابتدأ بقوله: (إن الله لا يحب من كان) كذا وكذا.
وكذلك الموضع الثاني، لأنه نهى النبي (عن المجادلة عن الذين يختانون أنفسهم، وتم الكلام ثم قال: (إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما) فاختص كل مكان بالوصف الذي لاق به والسلام.
مضى الكلام فيما شابه من سورة البقرة مكانا آخر منها أو من غيرها على اثنين وثلاثين موضعا وقع فيها السؤال.
стр. 348
سورة آل عمران
٢٤ الآية الأولى منها
قوله : (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب) آل عمران: ١١.
وقال في سورة الأنفال٥٢: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب) الأنفال: ٥٢.
وبعدها بآية: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين) الأنفال: ٥٤.
للسائل أن يسأل في هذه الآي عن مسائل:
منها في الآية الأولى عن قوله تعالى: (كذبوا بآياتنا) والعدول بعده عن الإخبار عن النفس بالإسم المضمر إلى الاسم المظهر، وهو قوله: (فأخذهم الله بذنوبهم) ولم يقل: فأخذناهم، وهل هاهنا فائدة توجب العدول عن إجراء الكلام الثاني مجرى الكلام الأول في إسناد الفعل إلى ما
أسند إليه فيما قبل؟
стр. 349
والمسألة الثانية أن يسأل عن الكاف في (كدأب) ووجه اتصالها بما قبلها وموضعها من الإعراب، لأنها بمعنى مثل، والكاف التي يصح مكانها مثل محتوم على موضعها برفع أو نصب أو جر؟
والمسألة الثالثة في الآية الثانية مخالفتها للآية الأولى في إجراء الخبر كله على لفظة واحدة، وهي لفظة الله، لأنه قال تعالى (كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم) ولم يقل: كفروا بآياتنا، كما قال في الآية الأولى؟
والمسألة الرابعة في الآية الثالثة، وهي أنه قال: (كذبوا بآيات ربهم) ولم يقل: بآياتنا، كما قال في الأولى، ولا بآيات الله كما قال في الثانية، بل أتى بصفة من صفات الله وهي الرب.
والمسألة الخامسة عن فائدة التكرار في سورة الأنفال في موضعين لا يحجر بينهما إلا آية واحدة؟
стр. 350
أما المسألة الأولى في قوله (كذبوا بآياتنا) ، فوقع الإخبار عن النفس كما يجب في مثله إذا أخبر الماكلم عن نفسه بفعل فأتى بلفظ المضمر دون المظهر ثم خالف ذلك اللفظ إلى غيره فقال: (فأخذهم الله) ، فالجواب عن هذا أن يقال: العدول عن النهج الأول المستمر في الإخبار عن النفس إلى لفظ ظاهر هو لفائدة تتضمنها هذه اللفظة من الإحتجاج، وليست هذه الفائدة في لفظةالإضمار، وكانت الآية التي قبلها قد وقع فيها مثل هذا العدول إلى هذا اللفظة للإحتجاج الذي من أجله وقع العدول في هذا المكان إليه، وهو قوله تعالى: (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد) آل
стр. 351
عمران ٩، فقوله: (ربنا) يقتضي أن يكون بعده: إنك لا تخلف الميعاد، كما قال: (ربنا وآتنا وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد) آل عمران: ١٩٤.
فلما قال تعالى في هذا الموضع: (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه) فكان المعنى: إنك خلقت الدار الأولى للتكليف، ومكنت العباد فيها من الطاعة والعصيان، ورغبت المطيع في الثواب وخوفت العاصي من العقاب، فوقع منك وعد ووعيد، فأنت تجمع الخلائق ليوم الجزاء، لأن من خلق وأنعم نعمة حقت بها العبادة، ولزمت من أجلها الطاعة، وهذا معنى قولنا: إن الله إذا وعد صدق، فلا خلف في قوله، ولا تبديل لكلام.
فلما كان معنى قولنا الله بمعنى الإله، والإله مشتق من أله يأله الإلهة، أي: عبد يعبد عبادة، فالإله هو الذي حقت عبادته لما عظمت نعمته
стр. 352
كان العدول إلى هذه اللفظة للاختجاج بمعناها فائدة لم تكن لتحصل، لو قال: إنك لا تخلف الميعاد.
فلما تقدمت هذه الآية التي وقع العدول فيها عن لفظة لما قصد من الإحتجاج بمعناه، كذلك بنيت
هذه الآية التي تلتها عليها في مثل هذا الحكم لما ثبت من مثل هذا المعنى، فقال تعالى: (كدأب آل فرعون والذين
стр. 353
من قبلهم كذبوا بآياتنا) فأتى بضمير الفاعل وكان يعق من قوله: (كذبوا بآياتنا) أنا عرضناهم للإيمان، ومكناهم من الإسلام، وأزحنا العلة، ونصبنا الأدلة، فكذبوا بها فالذي حقت له العبادة، وعظمت منه النعمة أخذهم بذنوبهم، والله تعالى يعاقب الكفار عقوبة تشد عليهم، ولا تخفف عنهم، لما قدموا من العصيان ما استمر مثله، ولم ينقل عنه قدم ولا عقبه بعد الإصرار عليه ندم، فهذه فائدة العدول إلى لفظة الله في قوله: (فأخذهم الله) دون قوله فأخذناهم.
стр. 354
المسألة الثانية أن يسأل عن الكاف في (كدأب) ووجه اتصالها بما قبلها وموضعها من الإعراب، لأنها بمعنى مثل، فالكاف التي يصح مكانها مثل محكوم على موضعها برفع أوم نصب أو جر.
والجواب فيها أن يقال: يجوز أن تكون الكاف متعلقة بقوله: (.. لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم..) فيكون موضع الكاف نصبا على معنى المصدر، كأنه قال: لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم مثل ما لم تغن عن آل فرعون، أي: إذا جاء عقاب الله لم يدفعه المال والولد، كما لم يدفع ذلك عن آل فرعون.
والدأب أصله الهمز، وهو العادة، وما أجري عليه قوم في معاملة.
ويجوزأن تكون الكاف متعلقة بعنى قوله: (وقود النار) كأنه قال:
стр. 355
وأولئك يصلون النار كما أجرى الله حكمة عادة لآل فرعون.
وفيه وجه ثالث، وهو أن يكون موضع الكاف رفعا على أنه خبر ابتداء، كأنه قال: حال هؤلاء مثل حال آل فرعون، ودأبهم كدأبهم. على لفظة واحدة وهي لفظة واحدة وهي لفظة الله لأنه قال: (كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم) ، ولم يقل (كذبوا بآياتنا) كما قال في الأولى، والجواب عن
следующие страницы →