Полный текст (1 361 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
عمران ٩، فقوله: (ربنا) يقتضي أن يكون بعده: إنك لا تخلف الميعاد، كما قال: (ربنا وآتنا وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد) آل عمران: ١٩٤.
فلما قال تعالى في هذا الموضع: (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه) فكان المعنى: إنك خلقت الدار الأولى للتكليف، ومكنت العباد فيها من الطاعة والعصيان، ورغبت المطيع في الثواب وخوفت العاصي من العقاب، فوقع منك وعد ووعيد، فأنت تجمع الخلائق ليوم الجزاء، لأن من خلق وأنعم نعمة حقت بها العبادة، ولزمت من أجلها الطاعة، وهذا معنى قولنا: إن الله إذا وعد صدق، فلا خلف في قوله، ولا تبديل لكلام.
فلما كان معنى قولنا الله بمعنى الإله، والإله مشتق من أله يأله الإلهة، أي: عبد يعبد عبادة، فالإله هو الذي حقت عبادته لما عظمت نعمته
стр. 352
كان العدول إلى هذه اللفظة للاختجاج بمعناها فائدة لم تكن لتحصل، لو قال: إنك لا تخلف الميعاد.
فلما تقدمت هذه الآية التي وقع العدول فيها عن لفظة لما قصد من الإحتجاج بمعناه، كذلك بنيت
هذه الآية التي تلتها عليها في مثل هذا الحكم لما ثبت من مثل هذا المعنى، فقال تعالى: (كدأب آل فرعون والذين
стр. 353
من قبلهم كذبوا بآياتنا) فأتى بضمير الفاعل وكان يعق من قوله: (كذبوا بآياتنا) أنا عرضناهم للإيمان، ومكناهم من الإسلام، وأزحنا العلة، ونصبنا الأدلة، فكذبوا بها فالذي حقت له العبادة، وعظمت منه النعمة أخذهم بذنوبهم، والله تعالى يعاقب الكفار عقوبة تشد عليهم، ولا تخفف عنهم، لما قدموا من العصيان ما استمر مثله، ولم ينقل عنه قدم ولا عقبه بعد الإصرار عليه ندم، فهذه فائدة العدول إلى لفظة الله في قوله: (فأخذهم الله) دون قوله فأخذناهم.
стр. 354
المسألة الثانية أن يسأل عن الكاف في (كدأب) ووجه اتصالها بما قبلها وموضعها من الإعراب، لأنها بمعنى مثل، فالكاف التي يصح مكانها مثل محكوم على موضعها برفع أوم نصب أو جر.
والجواب فيها أن يقال: يجوز أن تكون الكاف متعلقة بقوله: (.. لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم..) فيكون موضع الكاف نصبا على معنى المصدر، كأنه قال: لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم مثل ما لم تغن عن آل فرعون، أي: إذا جاء عقاب الله لم يدفعه المال والولد، كما لم يدفع ذلك عن آل فرعون.
والدأب أصله الهمز، وهو العادة، وما أجري عليه قوم في معاملة.
ويجوزأن تكون الكاف متعلقة بعنى قوله: (وقود النار) كأنه قال:
стр. 355
وأولئك يصلون النار كما أجرى الله حكمة عادة لآل فرعون.
وفيه وجه ثالث، وهو أن يكون موضع الكاف رفعا على أنه خبر ابتداء، كأنه قال: حال هؤلاء مثل حال آل فرعون، ودأبهم كدأبهم. على لفظة واحدة وهي لفظة واحدة وهي لفظة الله لأنه قال: (كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم) ، ولم يقل (كذبوا بآياتنا) كما قال في الأولى، والجواب عن
стр. 356
ذلك أن يقال: إن الآية التي تقدمت هذه هي قوله: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) الأنفال: ٤٩ فجرى الخبر في هذه الآية على اللفظ الظاهر، وهو: (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) ، ثم جاء بعدها: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة..) الأنفال: ٥٠، ولم يكن فيها خبر عن الله تعالى، وجاءت الآية التي هي: (كدأب آل فرعون..) وفيها إخبار عن الله تعالى، فكان بناؤها على الآية التي قبلها أولى، كما كان في الآية التي في سورة
стр. 357
آل عمران، فاقتضى بناؤها على الآية التي قبلها العدول عن لفظ الإضمار إلى لفظ الإظهار، ثم كان اللفظ الصريح في معناه احتجاج عليهم كما كان في اللفظ الذي عدل إليه الآيتين المتقدمتين من قوله: (إن الله لا يخلف الميعاد) آل عمران: ٩ وقوله:
(
فأخذهم الله بذنوبهم) الأنفال: ٥٢.
والمسألة الرابعة في الآية الثالثة وهي أنه قال: (كذبوا بآيات ربهم) ، ولم يقل: بآياتنا، كما قال في الأولى، ولا: بآيات الله، كما قال الثانية، والجواب أن يقال: لما أخبر تعالى عن نعمته على عباده، وأن منهم من يغيرها بعصيانه فيستحق بذلك تغيير النعمة عنه، وهو معنى قوله: (ذلك بأن
стр. 358
الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الأنفال: ٥٣، والمنعم على عباده ربهم، لأنهم مربوبون بنعمته، كان القصد في هذه الآية إلى ذكر تنعيمهم في الدنيا، وتتغير النعمة عليهم فيها إذ لم يقوموا بحقها بعقاب من عقاب الدنيا مثله ما يفعله بعض الناس ببعض، فلذلك قال (فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون) الأنفال: ٥٤، فكأنه قال: كذبوا بآيات من أرقام في أنفسهم شواهد بتربيته إياهم بصنوف نعمته، ونقل الوليد عن أولى حالتيه إلى غيرها مما يبلغ به غاية قوته.
стр. 359
وسأشرح ذلك في جواب المسألة الخامسة، وهي السؤال عن فائدة التكرار في سورة الأنفال في موضعين لا يحجز بينهما إلا آية واحدة.
وهذه المسألة قد أجاب عنها بعض أهل النظر بأن قال: أخبر الله تعالى عن إجراء العادة فيهم بنوعين من العذاب مختلفتين، وإذا كان لم يكن تكرار، لأنه في الآية الأولى عقوبته إياهم عند الموت، والبشارة التي أتتهم بعذاب الحريق، وأنه فعل بهم ذلك كما فعله بآل فرعون، ومن كان قبلهم من الكفار، ثم ذكر في الثانية ما يفعله بهم من شدة عقابه بعد الموت
стр. 360
كما فعله بآل فرعون ومن كان قبلهم من الكفار، وما أجرى عليه العادة في تعذيبه إياهم بعد الموت في القبور وغيرها.
والجواب عندي: أنه أخبر في الأولى عما عاقبهم به من العذاب الذي لم يملك الناي إيقاعه، ولم يمكن بعضهم من أن يفعل ببعض مثله، وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم، وإخبارهم إياهم بمصيرهم إلى عذاب يحرقهم، وفي الثانية أخبر عما أنزله بهم من العذاب الذي مكن الناس من فعل مثله، وهو الإهلاك والإغراق، لأن ذلك مما أقدر الله تعالى العباد عليه.
стр. 361
فالنوعان هما: العذاب الأول من أحكام الىخرة بعد ظهور أشراط الساعة، والعذاب الثاني من أحكام عذاب الدنيا، والذي يبين ذلك أنه قال في الآية الأولى (كفروا بآيات الله) فأخبر عن أعظم ما ارتكبوه، وهو الكفر، وذكر آيات الله وهو الاسم الذي يفيد استحقاق العبادة التي هي مضادة الكفر، كما قال في سورة آل عمران ١١: (كذبوا بآيتنا فأخذهم الله بذنوبهم) أي: أخذهم من أنعم عليهم
ليشكروا لما عصوا وكفروا بذنوبهم التي ارتكبوها.
ثم قال: (والله شديد العقاب) والمراد به عقاب الآخرة كما قال: (..ولعذاب الآخرة أشد..) طه: ١٢٧، ويشهد لذلك قوله لذلك قوله في الثانية (كذبوا بآيات ربهم)
стр. 362
فذكر هذا الاسم دون غيره، لأن فيه معنى: أنه نعمهم ورباهم وقام بمصالحهم حتى بلغوا حد التكليف، والمبلغ الذي قدروا فيه على آداء حق الإنعام.
فلما غيروا ما أنعم الله به عليهم عن جهته، وصرفوه إلى معصيته وتقووا بنعمته على مخالفته سلبهم ذلك في الدنيا بأن عجل هلاكهم فأغرقهم.
فالعقاب الموجود ذكره في الآية الأخيرة مما يفعله أهل الدنيا بعضهم ببعض، فذكره عقيب إنعامه عليهم وتغييرهم له بوضع الكفر موضع الشكر، فغير الله سابق الإنعام بيد الإنتقام وكما غيروا غير عليهم.
فالعقاب الأول أولى أن يكون المراد به عذاب الآخرة، لأن فيه الإخبار بالإحراق. والثاني هو العذاب بالإغراق مثل قوله تعالى: (وذوقوا عذاب الحريق) الأنفال: ٥٠ ويعقبه قوله: (..كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم) الأنفال: ٥٢ وقوله في سورة آل عمران ١٠: (وأولئك هم وقود
стр. 363
النار) فذكر أنهم وقود النار، وذلك في الآخرة، ثم قال: (فأخذهم الله بذنوبهم) فذكر الاسم الذي يفيد ما هو حجة عليهم كما ذكرت قبل.
وجواب آخر، وهو أنه يجوز أن يكون الأول خبرا عن عادتهم في اللأشر والبطر والطغيان عند الاستغناء، والمعنى: جرت عادتهم بمقابلة الإحسان بقبيح العصيان، ويكون الأخير بعد ذكر الله معاقبتهم على فعلهم خبرا عما أجرى الله تعالى به العادة في عقاب مثلهم، فكان معنى الأول عودوا من أنفسهم عادة، ومعنى الثاني: عودوا إذا فعلوا ذلك عادة، وهي سلب نعمة الدنيا، والنقل إلى عذاب الآخرة والله تعالى أعلم بالمراد.
стр. 364
٢٥ الآية الثانية منها
قوله تعالى: (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل* ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم..) آل عمران: ٤٨-٤٩.
وقال في سورة المائدة ١١٠: (.. وإذ تخلق من الطين بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني..) .
للسائل أن يسأل فيقول: إذا كان المذكور في الموضعين (كهيئة الطير) وصلح أن يعود الضمير إلى مذكر وإلى مؤنث، فيراد مثل هيئة الطير، وهو مذكر، أو يراد هيئة كهيئة الطير، وهي مؤنثة، فما بال ما في آل عمران خص بالتذكير، وما في سورة المائدة خص بالتأنيث؟
فالجواب أن يقال/ إن الأول الذي ذكر الضمير فيه؟ إنما هو فيما أخبر الله به عن عيسى على نبينا وعليه السلام وقوله ﵇ لبني
стр. 365
إسرائيل (. أني قد جئتكم بآية من ربكم) وعد الآيات كلها عليهم، منها: أني آخذ من الطين ما أصور منه صورة على هيئة الطير في تركيبه، فأنفخ فيه، فينقلب حيوانا لحما، قد ركب عظما وخالط دما واكتسى ريشا وجناحا كالطائر الحي، والقصد في هذا المكان إلى ذكر ما تقوم به حجته عليهم، وذلك أول ما يصور الطين على هيئة الطير، ويكون واحدا تلزم به الحجة، فالتذكير أولى به.
والآية في سورة المائدة المخصوصة بتأنيث الضمير العائد إلى
стр. 366
ما يخلقه، هي في ذكر ما عدد الله من النعم على عيسى ﵇ وما أصحبه إياه من المعجزات وأظهر على يده من الآيات، وابتداؤها: (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني..) المائدة: ١١٠، والإشارة في هذه الآية ليست إلى أول ما يبديه لبني إسرائيل من ذلك محتجا به عليهم، وإنما هي إلى جميع ما أذن الله تعالى في كونه دلالة على صدقة من قبيل الصور التي يصورها من الطين على هيئة الطير، وذلك جمع التأنيث أولى به.
стр. 367
مسألة في ذلك: قد قال بعض أهل النظر في معنى هذه الآية إنما قال: (فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله) ، فذكر إذن الله تعالى في هذين الموضعين، ولم يقل بإذن الله في قوله: (إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) ولا يقل بإذن الله في قوله (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) لأن ما وصفه من هذه الأفعال إنما هي أفعاله، وولم تكن أفعالا لله تعالى، فلهذا لم يذكر أن ذلك كان بإذن
стр. 368
الله، كما ذكر الإذن فيما وصفه من قبل مما فعله الله دونه، وذلك أنه لم يعن بالإذن أمره له بأن يطيعه في ذلك، وإنما عنى به أن الله تعالى هو الذي فعله، فلهذا جعل ذكر الإذن فصلا بين فعله وفعل الله تعالى انتهى كلامه.
قلت: ذلك سهو منه، لأن الذي أنكر أنه لم يذكر معه إذن الله، لأنه من فعل عيسى على نبينا وعليه السلام، فقد نطقت سورة المائدة بخلاف، وهو قوله تعالى (.. وإذ تخلق من الطين كهيئة
الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني) المائدة: ١١٠ فسوى بين الفعلين اللذين ذكرهما من حكيت كلامه أنهما مختلفان، وأن أحدهما فعل عيسى ﵇، فلهذا لم يذكر معه الإذن، والآخر فعل غيره ثم قال تعالى: (وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني) المائدة: ١١٠.
стр. 369
فذكر الإذن في أربعة مواضع لأفعال عيسى ﵇، وهذا دل على أن ما ذهب إليه من ذكرت كلامه بذكر الإذن في فعلين من سورة آل عمران على أنهما فعل الله تعالى، وما لم يذكر معه الإذن فعل عيسى ﵇ باطل.
وقد رأين أن ما اعتد به الله سبحانه عليه في سورة المائدة ينطق أن ما ذكر أنه بغير إذنه هو بإذنه وإذا كان كذلك وجب أن يكون المعنى في الآية من آل عمران: (أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) ألقبه بعد التركيب على مثال الطائر لحما ودما وعظما، ثم بالنفخ فيه أجعله حيوانا، وكل ذلك بإذن الله تعالى، ويكون معنى قوله (فيكون طيرا بإذن الله) راجعا إلى كل ما ذكر أنه
стр. 370
يفعله من مبتدأ قوله: (أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) فجميع تلك الأفعال واقعة بإذن الله تعالى، وإذن الله عبارة هن إرادته وخلقه على يده، فسهل ذلك على يد عيسى على نبينا وعليه السلام عند الاحتجاج به وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ثلاثة أفعال لا تكون إلا بإذن الله تعالى.
وقوله: (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) هذا وإن كان إخبارا من عيسى ﵇ وفعلا من أفعاله فإنه لا يصح أن يكون إلا بإذن الله، وإلا فما يعلم ما يفعلونه من بيوتهم فما يعلم ما يفعلونه من بيوتهم مما هو غيب عنه إلا بإذن الله للملائكة وإطلاعه عليه وبالله التوفيق.
стр. 371
٢٦ الآية الثالثة منها
قوله: تعالى: (إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) آل عمران: ٥١.
وقال في سورة مريم مثله وقال في سورة الزخرف ٦٤ حكاية عمن حكى عنه في السورتين: (إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) ، فزاد هو في هذه الآية من هذه السورة.
للسائل أن يسأل عما أوجب اختصاصها بهذا التوكيد دون الموضعين الأولين، وهي كلها فيما أخبر الله تعالى به عن عيسى ﵇؟
والجواب أن يقال: إنما لم يجب في الأولين من التوكيد ما أوجبه اختيار الكلام الموضع الثالث،
لأن قوله : (إن الله ربي وربكم فاعبدوه) حكاية
стр. 372
عن عيسى ﵇ بعد ما مضت آيات كثيرة في ذكره وابتداء أمره من مبتدأ الآية التي نزلت في شأن مريم، وهي: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) آل عمران: ٤٢ إلى آخر هذه العشر.
فلما تناصرت هذه الآيات المتقدمة في ذكره، ودلت إحداثه وخلقه، كانت فيها دلالة على أنه مربوب مصنوع بكثرة الأفعال التي أسندت إليه، وجعلت آيات له، وأنه عبد من عبيده، والله به ومالكه والقائم بمصالحه، وأنه أصحبه معجزات تدل على صدقة في نبوته، وكذب من قال ببنوته، فصرفتهم تلك
стр. 373
الأفعال التي ذكرها إلى العلم بأنه تعالى ربه.
وكذلك في سورة مريم جاء قوله: (وإن الله ربي وربكم) بعد ما مضت آيات كثيرة ابتداءها: (واذكر في الكتاب مريم) مريم: ١٦ وبعد عشرين آية مرت في قصتها قال: (وإن الله ربي وربكم فاعبدوه) مريم: ٣٦ وكانت تلك العشرون آية ناطقة بأن الله تعالى ربه، فاكتفى بما طال من الكلام المؤكد لحاله على حقيقتها عن التوكيد الذي جاء في سورة الزخرف، لأنه لم يذكر هذه الآية إلا بعد قوله: (ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تخفون فيه فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه) الزخرف: ٦٣-٦٤.
فالموضع الذي خلا من الآيات الكثيرة الدالة على أن الله تعالى ربه، وهو عبده، لا ابنه حسن تأكيد الكلام فيه صرفا للناس عما ادعوا من أنه ابن الله إلى
стр. 374
أنه عبده. ألا ترى قوله في سورة مريم (ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون* وإن الله ربي وربكم فاعبدوه..) مريم: ٣٥-٣٦.
واعلم أن التأكيد بقولك هو في مثل هذا الموضع يكون لأخذ وجهين، إما أن تريد أنه على الصفة التي جعلتها خبرا عنه، لا على غيرها، وإما أن تريد أن صحاب هذه الصفة التي جعلت خبرا عنه إنما هو فلان، لا غيره.
إذا قال القائل: إن زيدا هو أخوك، أي هو صديقك لا عدوك، أو يريد أن يقول: هو أخوك لا عمرو، فكذلك قوله تعالى: (إن الله هو ربي وربكم يحتمل أن)
стр. 375
يريد التأكيدين: أن يريد أنه هو خالقي والقائم بمصالحي، لا غيره من الآلهة التي ترون عبادتها، وأن يريد أنه هو ربي، لا أبي كما زعمت النصارى، تعالى الله عن أن يكون له ولد.
стр. 376
٢٧ الآية الرابعة منها
قوله (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون) آل عمران: ٥٢، فحذف النون من أنا.
وقال في سورة المائدة١١١: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون) ، بإثبات النون.
للسائل أن يسأل فيقول: لم أخص ما سورة آل عمران ب (أنا) ، وما في سورة المائدة ب (أننا) ، والحرفان سواء، والتخفيف جائز في الموضعين كما يجوز الإتيان به على الأصل فيهما؟
والجواب أن يقال: إن الذي في سورة المائدة جاء على الأصل غير مخفف بالحذف، لأنه أول كلام الحواريين في هذا المعنى، ألا تراه خبرا عن الله تعالى أنه
стр. 377
قال: (وإذ أوحيت إلى الحواررين أن آمنوا برسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون) المائدة: ١١١، والذي في سورة آل عمران حكاية عن عيسى ﵇ أنه ساهم عما أقروا به لله تعالى، فقال (من أنصاري إلى الله قال الحواريين نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون) فكان ذلك منهم إقرارا ثانيا لرسوله ﵇ بمثل ما أقروا به الله تعالى، والثاني يختار فيه من التخفيف ما لا يختار في الأول، لأن الأول قد وفى العبارة حقها، والثانية معتمدة على ما قبلها، وهي مكررة، والعرب تستقل المعاد ما لا تستثقل
стр. 378
غيره، فاختير في سورة آل عمران ما لم يختر في سورة المائدة لذلك.
ثم أذكر فصلا في هذه النون.
مسألة: اعلم أن النون التي حذفت من أنا غير النون التي حذفت من أنني وقد جاء القرآن بهما جميعا: قوله تعالى: (..إني آنست نارا..) طه: ١٠ و (..إني أنا ربك..) طه: ١٢ وأني أتى على الأصل بعده: (..فاستمع لما يوحى * إنني أنا الله..)
طه: ١٣-١٤. وقال: (.. إنا رادوه إليك..) القصص: ٧، (..وإنا لفاعلون) يوسف: ٦١.
стр. 379
وقال: (.. وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب) هود: ٦٢ في قصة صالح ﵇.
ومن لم يرتض بهذا العلم يتوهم أن النون التي خففت بحذفها أني هي التي خففت بحذفها أنا، ولي الأمر كذلك، لأن التي حذفت من أني هي النون العماد واللاحقة مع الياء بدلالة حذفها من نظائرها، إذ قلت: لعلي في لعلني.
وأما النون التي في أنا من قولك أننا فإنها مع الألف اسم المخبرين عن أنفسهم، ولا سقوط التي تجيء مع الياء، فإذا قلت إنا فالنون الساقطة
стр. 380
هي الأخيرة من أن دون اللاحقة مع الضمير بها.
فاعرف إن شاء الله تعالى.
стр. 381
٢٨ الآية الخامسة منها
قوله تعالى (وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم آل عمران) : ١٢٦.
وقال في سورة الأنفال ١٠: (وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) .
للسائل أن يسأل فيقول: ما في الآية الأولى مما يوجب أن يأتي فيها بقوله: (قلوبكم) وقدم في هذه الآية وحذفه من الثانية مع العلم بأن الله تعالى جعل إخباره بإنزال الملائكة لنصرتهم بشارة لهم، وأن
стр. 382
(لكم) مضمرة في سورة الأنفال كما هي مظهرة في هذه السورة، فلأن الأولى جاءت على الأصل، والثانية قد تقدمها (لكم) فأغنت عن إعادتها بلفظها ومعناها، وهي في قوله: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين) الأنفال: ٩.
فلما قال: (فاستجاب لكم) علم أنه جعل بشرى لهم، فأغنت (لكم) الأولى بلفظها ومعناها عن الثانية، وفي الآية الأولى لم يتقدم ما يقوم مثل هذا المقام، فأتى بقوله: (لكم) على الأصل.
стр. 383
وأما تأخير (به) بعد قوله (قلوبكم) فلأنه لما أخر الجار والمجرور في الكلام الأول، وهو قوله تعالى: (وما جعله الله إلا بشرى لكم..) ، وعطف الكلام الثاني عليه، وقد وقع فيه جار ومجرور وجب تأخيرهما في اختيار الكلام ليكون الثاني كالأول في تقديم ما الكلام أحوج إليه، وتأخير ما قد يستغني عنه.
وأما تقديم (به) في الآية الثانية، فلأن الأصل فيكل خبر يصدر بفعل أن يكون الفاعل بعده ثم المفعول والجار المجرور، وقد يقدم المفعول على الفاعل إذا كان اللبس واقعيا فيه، وأريد إزالته عنه، كما تقول: ضرب عمرا زيد، لا محمدا، لأن المخاطب عنده أن المضروب محمد، ولا خلاف بين المتخاطبين في أن
стр. 384
الضارب زيد، فهو يبدأ بما هو أهم، وعنايته ببيانه أتم وكذلك الجار والمجرور بمنزلة المفعول به في التقديم والتأخير وشبههما.
وفي هذا الموضع إذا لم يعرض في اللفظ من التوفقة ما يوجب إجراء الكلام على الأصل كما كان في سورة آل عمران، فإن المعتمد بتحقيقه عند المخاطبين إنما هو الإمداد بالملائكة، وهو الذي أخبر الله تعالى عنه أنه لم يجعله إلا بشرى، فوجب أن يقدم في الكلام الثاني، وهو المضمر بعد الباء في قوله تعالى (به) على الفاعل، فقال تعالى: (.. ولتطمئن به قلوبكم) الأنفال: ١٠.
وفي هذه الآية مسألة أخرى وهي أن يقال: كيف اختلف الإخبار عن الله تعالى بالعز والحمكة في
الآيتين، فجاء في سورة آل عمران مجيء الصفة فقال تعالى: (..وما
стр. 385
النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) ، وجاء في سورة الأنفال بلفظ خبر ثان مستأنف فقال: (إن الله عزيز حكيم) .
والجواب أن يقال: القصد إعلام المخاطبين أن النصر ليس من قبل الملائكة، ولا من جهة العدد والعدة وفضل القوة، ولكنه من القادر الذي لا يغلب ولا يمنع عما يريد فعله، والحكيم الذي يضع النصر موضعه.
والآية التي في الأنفال إنما هي في قصة يوم بدر، وبين الله تعالى ذلك بلفظ (جعله) كالعلة لكون النصر بيده، فكأنه قال في المعنى: النصر
стр. 386
ليس إلا من عند الله، لأنه العزيز الذي لا يمنع عما يريد فعله، الحكيم الذي يضع النصر في موضعه، ففصل ذلك في خبرين على الأصل الواجب في توفية كل معنى حقه من البيان.
والآية التي في سورة آل عمران هي في قصة يوم الأحد، وهي بعد يوم بدر. وكان هذا البيان قد جعل خبرا عن النصر في اليوم الأول، فاقتصر اليوم الأول، فاقتصر من ذكر مثله في اليوم الثاني على خبر واحد، يجري عليه معنى الخبر الثاني مجرى الوصف، لاختصار المعنى عن البسط، اعتمادا على ما فصل في الخبر الأول،
стр. 387
فكان الاختصار بالثاني أليق، وكان الثاني له أجمل، فخص كل موضع بما رأيت لما ذكرت والله أعلم.
стр. 388
٢٩ الآية السادسة منها
قوله تعالى: (أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين) آل عمران: ١٣٦.
وقال في سورة العنكبوت الآية: ٥٨: (..خالدين فيها نعم أجر العاملين) .
للسائل أن يسأل عن اختصاص ما في السورة بالواو من قوله: (ونعم) وإخلائها في سورة العنكبوت منها؟
والجواب: أن الآية من هذه السورة مبنية على تداخل الأخبار، لأن أولها: (جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين) .
ف (أولئك) مبتدأ، و (جزائهم) مبتدأ ثان، و (مغفرة) خبر المبتدأ الثاني، وهو مع خبره خبر عن المبتدأ الأول، والجزاء هو الأجر، فكأنه قال: أولئك
стр. 389
أجرهم على أعمالهم محو ذنوبهم، وإدامة نعمهم، وهذا الأجر مفضل على كل أجر يعطاه عامل عمله، فنسقت الأخبار بعضها على بعض للتنبيه على النعم التي هيئت لرجاء الراجلين، وأكملت بها منية المتهمين.
والخبر إذا جاء بعد خبر في هذا المكان الذي تفصل فيه المواهب المرغب فيها، فحقه أن يعطف على ما قبله بالواو، وكقولك: هذا جزاء كذا وكذا، أي: هو ترك المؤاخذة بالذنب والتنعم في جنة الخلد، وتفضيله على كل جزاء جوزي به عامل، وذلك تشريف وكرامة.
стр. 390
وأما الآية التي في سورة العنكبوت فإن ما قبلها مبني على أن يدرج الكلام فيه على جملة واحدة، وهي: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا..) العنكبوت/ ٥٨.
فقوله: (والذين آمنوا) مبتدأ، وقوله: (لنبوئنهم) في موضع خبره، وهذا الخبر يتصل به مفعولان، الأول: (هم) والثاني (غرفا) . و (غرفا) نكرة موصوفة بقوله: (تجري من تحتها الأنهار) وقوله: (خالدين فيها) حال من التبوئة.
فلما جعلت هذه الأشياء كلها في درج كلام واحد، وهي جملة ابتداء وخبر، واحتمل (نعم أجر العاملين) أن تجيء بالواو وأن يجيء من دونها، اختير مجيئها بغير واو ليشبه ما تقدم من صفة الخبر، لا على سبيل عطف ونسق بها.
следующие страницы →